التي اشترطها الأصوليون.
وقد أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم للكتاب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١)، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (٢)، وذم الله من أعرض عن كتابه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ (٣).
فلو كان العمل بالكتاب موقوفا على المجتهدين لما ذم الله العرب بإعراضهم عن الكتاب وعدم تدبرهم له.
٣ - شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، والأمور المنصوصة في نص الكتاب وصحيح السنة -لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد، ولا يصح الاجتهاد ألبتة في شيء يخالف الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول الأصوليون: "لا اجتهاد مع النص".
ويجب أن يُعْلَمَ أن المذاهب التي فيها التقليد تختص بالأمور الاجتهادية، ولا تتناول ما جاء فيه نص صحيح من الوحي، سالم من المعارض.
قال خليل في مختصره في الفقه المالكي: "والمذهب لغة الطريق ومكان الذهاب، ثمَّ صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية" (٤).
فقوله: "من الأحكام الاجتهادية" يدلّ على أن اسم المذهب لم يتناول مواقع النصوص الشرعية السالمة عن المعارض، وبناء على ذلك فإنه لا اجتهاد ولا تقليد في شيء يخالف نصا من كتاب أو سنة أو إجماع.
стр. 177
٤ - الذين يقولون بتوقف العمل بالكتاب والسنة على تحصيل شروط الاجتهاد ليس لهم مستند من الكتاب والسنة، يصرح بأنه لا يصح العمل بالكتاب والسنة إلا لمن حصل شروط الاجتهاد.
ونصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين كلها دالة على أن العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يشترط له إلا شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما، ولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العمل بحكمه ألبتة.
ومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها هو تحقيق المناط؛ لأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به، أرادوا أن يحققوا هذا المناط؛ أي يبينوا الطرق التي يتحقق بها حصول العلم الذي هو مناط العمل.
فاشترطوا جميع هذه الشروط (١) ظنا منهم أنّه لا يمكن تحقيق حصول العلم بالوحي دونها، وهذا الظن فيه نظر؛ لأن كل إنسان له فهم، إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة، فلا يمتنع عليه، ولا يستحيل أن يتعلم معناه، ويبحث عنه، هل هو منسوخ أو مخصص أو مقيد، حتى يعلم ذلك فيعمل به.
وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلا؟ وإخبارهم بذلك ليس من نوع التقليد، بل هو نوع من الاتباع.
إن كثيرا من الفقهاء في العصور المتأخرة أوتوا فطنة وذكاء تؤهلهم لفهم أعوص القضايا، وتراهم نبغوا في علوم كثيرة، فإذا عرض الحديث في علم
стр. 178
من تلك العلوم تجدهم يخوضون فيها غير وجلين، ويأتون في بحوثهم وحديثهم بالنافع المفيد، مما يدل على أنهم بلغوا الغاية في تلك العلوم.
ولكن أصحاب هذه العقول يصابون بالذعر، إذا عرضت عليهم نصوص الكتاب والسنة، فتراهم يغلقون عقولهم، ويزعمون عدم العلم، كأن نصوص الكتاب والسنة لا تُفْقَهُ ولا تعلم، ولا يمكن أن يخلص أولو الألباب إلى معانى نصوصهما.
وقد تحدث صاحب (عمدة التحقيق) عن هذا الصنف من العلماء فقال: ما قولكم في العالم الذي يعرف دقائق علوم النحو وأصوله، والتصريف والاشتقاق، وخصائص العربية، وأسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز من معان وبيان وبديع، وأصناف المعاني الدقيقة والجلية، ووجوه الاستعارات، وأقسام المجاز، وضروب التشبيه، وأنواع البديع، وعلم الوضع، وفنون الشعر كقرضه ونقده وقوافيه وعروضه، وما يتخلله من الزحاف والعلل والحكمة القديمة وعويصاتها، والمنطق ودقائقه، كتوجيه القضايا واختلاطها، وأشكال القياس وضروبه وردها، وعلوم الجدل وآداب البحث والمناظرة، والكلام ونظريات علمائه، وأصول الفقه وما يتخلله من تقسيم اللفظ إلى خاص وعام، ومشترك وظاهر، وخفي، ومجمل، ومفسر ونص وصريح، وكناية وعبارة وإشارة، إلى آخر ما هنالك من دقائق مسائله، كمسالك العلل، ودفع القياس وأضراب ذلك، وعلم المواريث ومناسخاته، والفقه ومصطلحات الفقهاء، وأقسامه وفصوله، كالقواعد، والضوابط، والفروق، والألغاز، والأشباه والنظائر، والمخارج الشرعية، وترجيح البينات، ومسائل الحيطان، وتقسيم الشرب، وأقسام الأوقاف، والأحكام السلطانية والقضائية، إلى غير ذلك من العلوم والفنون، حتى صار هذا العالم كالبحر الزاخر.
ثم إنه لم يقتصر على ذلك، بل أحرز ملكة عظيمة من فهم دقائق عبارات المتأخرين من علماء القرون الوسطى، ومن يليهم، التي عقدت تعقيداً جعلها أشبه بالألغاز لفرط إيجازها، حتى حالت بين قواعد العلوم الأصلية السمحة،
стр. 179
وبين أذهان طلابها، فأطالت عليهم مسافة طرق التحصيل، فتراهم يفنون أعمارهم في معالجتها لما انطوت عليه من المصطلحات المعميات بأوجز تعبير، فضلا عما درج في طيات الشروح، والحواشي، من التحقيقات، والتدقيقات، والإشكالات، والانتقادات، والقلقلات، والفنقلات، والاختلافات، فلا يقع نظرك على مقولة إلا تراها مفعمة بقولهم قال فلان: كذا، ورد عليه بكذا، وأجيب عنه بكذا، لكن فلاناً زيفه بقوله كذا، وإنَّ الأولى أن يقال: كذا، لكن ناقشه فلان، وكقولهم: فإن قلتَ قلتُ، وهلم جرا.
ولا يخفى على أرباب الاطلاع صعوبة أمثال كتب العضد والسعد والسيد والعصام والخيالي والفناري والكلنبوي.
وإليك نظائر امتحان الأذكياء، ونتائج الأفكار، وشرح الرضي، وحواشي يسين على الفاكهي، وعصام الدين على الجامي في النحو، وحواشي قول أحمد على الفناري في المنطق، وشرح العصام على رسالة الوضع، والمرآة والتلويح وحواشيهما، لا سيما الكلام على المقدمات الأربعة لعبد الحكيم السيالكوتي، وشرحي مختصر المنتهى وجمع الجوامع وحواشيهما، خصوصاً حاشية ابن قاسم العبادي على الأخير، وتحرير ابن الهمام وشرحه، وتقرير ابن أمير حاج، وفصول البدائع في علم الأصول.
وحواشي المقاصد والموقف، وحواشي الخيالي على شرح النسفية، والأمير على شرح عبد السلام في علم الكلام، والأطول والمطول والمختصر، وحواشيهما في المعاني والبيان وأشباهها.
فيا ليت شعري كيف يفهم هذه الكتب، وما اشتملت عليه مباحثها من التعقيد ومناقشات علمائنا سواء كانوا مصريين أو شاميين أو عراقيين أو هنديين أو تركيين، ويقررونها عن ظهر قلب، ويفهمونها تلامذتهم، وربما ناقش أغلبهم مؤلفيها، وأورد على عباراتهم إيرادات وعلق عليها اعتراضات
стр. 180
وتقريرات، تزيد في طين التشويش بلة، وفي عود الصلابة صعوبة على أذهان الطالبين؟ ثم بعد هذا وذلك يدعي أغلبهم -إن لم نقل جميعهم- العجز عن فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والاستنباط منهما، ولو حكماً واحداً، بحجة أنهم عوام غير قادرين على الاستنباط والاستدلال.
على حين أن الكتاب والسنة نيران لكون لغتهما عربية فصيحة خالية من التعقيد والإبهام، وتنزه الرب عن مخاطبة عباده بما لا يُفهم -ولله الحجة البالغة- وحاشا رسوله أن يبلغ أمته عن ربه بما يتعاصى فهمه.
والله خاطب الجميع في كتابه المنزل بلسان عربي مبين، ولم يخصه بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الأولين؛ لأن جميع المسلمين مكلفون بالخطاب منذ البعثة إلى يوم يبعثون.
مع أنهم يناقضون أنفسهم باستدلالهم على وجوب التقليد بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ (٤٣)﴾ الآية (١).
ونرى الكثير منهم يفسرون كتاب الله تعالى، ويخوضون عباب العلوم المتعلقة بتفسيره، ويشرحون كتب السنة، ويبذل بعضهم قصارى الجهد في تأويل النصوص، ليوقفها على أقوال إمامه وأتباعه.
وكلما ذكَّرهم مذكر يجيبونه بنحو قولهم: نحن عوام، لا قدرة لنا على الاستدلال والاستنباط، ولسنا من أهل الاجتهاد، ولا تسوغ لنا الجرأة على فتح باب أقفل منذ عصور، ولنا أسوة بمن سلف من العلماء الأعلام، الذين أحرزوا قصب السبق في مضمار العلم والتحقيق، وحلبة الورع والتقوى، واجتازونا بمراحل لا يمكننا أن نبلغ شأوها، ولم يَدَّع أحد منهم هذه الدعوى، فليسعنا ما يسعهم.
فيا عجبا، هل تقبل منهم هذه المعذرة عند الله تعالى، وهم على ما هم عليه من قوة الفهم لعبارات الكتب الغامضة، وحل رموزها، وكثرة التوسع
стр. 181
بالأخذ والرد ومناقشة مؤلفيها؟ وهل تعقل دعواهم العجز عن فهم الكتاب والسنة بعد هذا التضلع بالعلوم الآنفة الذكر، وفهم تلك المؤلفات التي تضارع الألغاز (١).
خامساً: دعواهم أن غير المجتهدين يمنعون من العمل بالكتاب والسنة قائمة على مطلق احتمال العوارض التي تعرض للنصوص، وهذا مردود من وجهين:
أ- الأصل السلامة من النسخ حتى يثبت ورود الناسخ، والعام ظاهر في العموم، حتى يثبت ورود المخصص، والمطلق ظاهر في الإِطلاق حتى يثبت ورود المقيد.
فلا يجوز ترك ظواهر النصوص من عموم وإطلاق ونحو ذلك، إلا لدليل يجب الرجوع إليه من مخصص أو مقيد، لا لمجرد مطلق الاحتمال.
ب- إذا تعلم غير المجتهد بعض آيات القرآن أو بعض الأحاديث للعمل به، تعلم النص العام أو المطلق، وتعلم معه مخصصه ومقيده، إن كان مخصصا أو مقيدا، وتعلم ناسخه إن كان منسوخا، وتعلم ذلك سهل جدًّا بالرجوع إلى العلماء العارفين، أو كتب التفسير والحديث.
سادساً: تناقض الذين يوجبون التقليد في دعواهم:
الذي ينظر في كلام الفقهاء الذين زعموا وجوب التقليد، وادعوا أن باب الاجتهاد قد أغلق يجدهم متناقضين، فنراهم يقررون رأيهم هذا في موضع، ثمَّ ينقضونه ويخالفونه في موضع آخر، وهذا يمثل الحيرة القائمة في نفوسهم بسبب التناقض الحاصل بين قولهم في وجوب التقليد، وسد باب الاجتهاد، وبين النصوص من الكتاب والسنة المخالفة لذلك، وكذلك نصوص كلام الصحابة والتابعين والأئمة، ومن أمثلة هذا التناقض أن ابن عابدين نقل عن
стр. 182
بعض رسائل ابن نجيم أن الاجتهاد منقطع بعد المائة الرابعة (١)، ثمّ تجد ابن عابدين يصرح في موضع آخر من حواشيه على الدر أن الكمال بن الهمام صاحب الفتح من أهل الترجيح، بل من أهل الاجتهاد.
كما أنك تراهم قد صرحوا أن المفتي هو المجتهد، أما من يحفظ أقوال المجتهد، وليس بمجتهد، فهو ليس بمفت، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد على وجه الحكاية قائلين تفريعاً على هذا: إن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي، ثم ترى أن ابن الهمام نفسه قائل هذا القول يقول في موضع آخر من كتابة (فتح القدير): "والتحقيق أن المفتي في الوقائع لا بدَّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس"، وقال في موضع ثالث: "والحق أن على المفتي أن ينظر في خصوص الوقائع. . . " الخ.
ثم إنك تراهم يشترطون للقاضي والمفتي شروطا لازمة لقربهما من الاجتهاد، ويرون أن الأولى أن يكونا مجتهدين، فقد جاء في (تنوير الأبصار)، وهو من أشهر متون متأخري الأحناف ما نصه: "وينبغي أن يكون القاضي موثوقاً به، في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه"، قال المصنف في شرحه (منح الغفار) عند قوله: "الاجتهاد شرط الأولية" على الصحيح، وعند الخصاف شرط لازم وقال العلائي في شرحه (الدر المختار)، معللاً كونه شرط الأولوية ما نصه: "لتعذر الاجتهاد على أنه يجوز خلو الزمن عند الأكثر -إلى أن قال- لكن في أيمان البزازية، المفتي يفتي بالديانة، والقاضي يقضي بالظاهر، دل على أن الجاهل لا يمكنه القضاء بالفتوى أيضاً، فلا يد من كون الحاكم في الدماء والفروج عالماً ديناً كالكبريت الأحمر وأين الكبريت الأحمر (٢)، وأين
стр. 183
العلم"، ثم قال في التنوير: "ومثله"؛ أي مثل القاضي في جميع ما ذكر من الشروط "المفتي".
وذكر الشراح نقلا عن ابن الهمام: أن المفتي عند علماء الأصول هو المجتهد كما سبق، وقال البيري في (حواشي الأشباه) وهو من المتأخرين ما نصه: "-تتمة- هل يجوز للإنسان العمل بالضعيف من الرواية في حق نفسه؟ نعم إذا كان له رأي، أما إذا كان عامياً فلم أره، لكن يقتضي تقييده بذي الرأي أنه لا يجوز للعامي ذلك، والله أعلم".
وفي خزانة الروايات عن دستور السالكين: "العالم الذي يعرف معنى النصوص والأخبار، وهو من أهل الرواية يجوز له أن يعمل عليها، وإن كان مخالفا لمذهبه". انتهى.
وفي (نهاية النهاية) لابن الشحنة: "إذا صح الحديث، وكان على خلاف المذهب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به، فقد صحَّ عنه أنه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره" -إلى أن يقول- "قال بعض علمائنا: إذا كانت الواقعة مختلفاً فيها، فالأفضل والمختار للمجتهدين أن يأخذ بالدلائل، وينظر إلى الراجح عنده، والمقلد يأخذ بالتصنيف الأخير إلا أن يختار المشايخ المتأخرون خلافة، فيجب العمل به ولو كان زفر" (١).
سابعاً: حجج العقول الدالة على بطلان التقليد:
قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "وقد احتج جماعة من الفقهاء، وأهل النظر على من أجاز التقلد بحجج عقلية، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني، قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حُجَّة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم، بطل التقليد، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: حكمت به بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت
стр. 184
الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ (٦٨)﴾ (١).
أي من حجة بهذا. فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة؛ لأني قلدت كبيراً من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت عليَّ.
قيل له: إذا جاز تقليد معلمك؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، فتقليد معلم معلمك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك.
فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى، حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ .
وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوّز تقليد من أصغر، وأقل علماً، ولا تجوّز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً، وهذا تناقض؟
فإن قال: لأن معلمي، وإن كان أصغر، فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ، وأعلم بما ترك.
قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك، فقد جمع علم معلمك، وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده، وترك معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك، وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإن قلد قوله جعل الأصغر، ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه قياس قوله، والأعلى للأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضاً وفسادا" (٢).
стр. 185
ثامناً: التقليد جهل وليس بعلم:
وفي هذا يقول أبو عمر بن عبد البر (١): "قال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين، وإدراك المعلوم على ما هو يه، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له، ولم يختلفوا في ذلك، ومن ها هنا -والله أعلم- قال البحتري:
عرف العالمون فضلك بالعلم. . . وقال الجهال بالتقليد
وأرى الناس مجمعين على. . . فضلك من بين سيد ومسود
ويقول في موضع آخر: "حدّ العلم عند المتكلمين في هذا المعنى هو ما استيقنته وتبينته، وكل ما استيقن شيئاً وتبينه فقد علمه، وعلى هذا لم يستيقن الشيء، وقال به تقليد فلم يعلمه.
والتقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه، ولا وجه القول، ولا معناه، وتأبى من سواه، أو أن يتبين لك خطؤه، فتتبعه مهابة خلافه، وأتت قد قد بان لك فساد قوله، وهذا محرم القول به في دين الله سبحانه، والعلم عند غير أهل اللسان العربى فيما ذكروا يجوز أن يترجم باللسان العربي، ويترجم معرفة، ويترجم فهماً" (٢).
تاسعاً: المقلدون مخالفون لمنهج أئمتهم:
ومما يدل على بطلان التقليد أن المقلدين مخالفون لمنهج الأئمة، رضوان الله عليهم، فطريقة الأئمة اتباع الحجة والدليل وترك التقليد، وعدم تقليد واحد بعينه، فمن ألزم تقليد الرجال من غير دليل، فليس بمتبع للأئمة.
وقد تواتر النقل عن الأئمة بالنهي عن تقليدهم، أو تقليد أحد من
стр. 186
العلماء، وأمروا الناس باتباع الدليل، إذا بلغهم وترك أقوالهم، وأعلنوا أنهم بشر يخطئون ويصيبون، ولم يحلوا لأحد أن يتابعهم في خطئهم إذا تبدى له ذلك، بل لم يحلوا لأحد الأخذ بمذهبهم ما لم يعلم دليلهم، وهذا يدلنا على أن المقلدين للأئمة على النحو الذي ذكرنا عاصين للأئمة، وسيتبرؤون في يوم القيامة من تقليدهم إياهم، وهذا بعض ما نقل من أقوالهم.
١ - أبو حنيفة يرفض التقليد
١ - حدّث أبو يوسف بن إبراهيم عن أبي حنيفة قال: "لا يحلُّ لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه" (١)، قال الفلاني: "ومعنى قوله: من أين قلناه: أي ما لم يعلم دليل قولنا وحجته، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يبيح لغيره تقليده فيما يقول بغير دليل" (٢).
٢ - ومن أقواله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (٣).
٣ - وقال: "إذا قلت قولا يخالف كتاب الله، وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي" (٤).
٤ - سئل أبو حنيفة: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الله، فقيل له: إذا كان قول رسول الله ﷺ يخالفه؟ قال: اتركوا لخبر رسول الله ﷺ ، فقيل له: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة ﵃ (٥).
стр. 187
٢ - أقوال الإمام الشافعي الرافضة للتقليد
ساق الإمام العلامة ابن أبي شامة الشافعي (٦٦٥ هـ) أقوال الإمام الشافعي في كتابه (المؤمل للرد إلى الأمر الأول) فقال:
"إن الشافعي ﵀ احتاط لنفسه، وعلم أن البشر لا يخلو من السهو والغفلة وعدم الإِحاطة، فصحَّ عنه من غير وجه أنّه أمر إذا وجد قوله على مخالفة الحديث الصحيح، الذي يصح الاحتجاج به أن يترك قوله، ويؤخذ بالحديث" (١).
١ - ثمّ ساق بإسناده إلى الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنته، ودعوا ما قلت" (٢).
٢ - وقال المزني -صاحب الشافعي- في أول مختصره: "اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده مع إعْلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه" (٣).
قال ابن أبي شامة: "أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده، وتقليد غيره" (٤).
٣ - وقال الشافعي: "كل مسألة تكلمت فيها بخلاف السنة فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي" (٥).
٤ - وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول، وروى حديثا، قال له رجل:
стр. 188
تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: "ومتى رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده إلى رأسه" (١).
٥ - وفي رواية: روى حديثا، فقال له قائل: أتأخذ به؟ فقال: "أتراني مشركا! أو أترى في وسطي زنارا! أو تراني خارجا من كنيسة! نعم آخذ به، آخذ به، وذلك الفرض على كل مسلم" (٢).
٦ - وقال حرملة: قال الشافعي: "كل ما قلت، وكان قول رسول الله ﷺ خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى، ولا تقلدوني" (٣).
٧ - وفي كتاب أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: "كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني" (٤).
٨ - وقال ﵁ في باب الصيد من (الأم): "كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سقط، ولا يكون معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله ﷺ ، فليس لأحد معه أمر ولا نهي غير ما أمر هو به" (٥).
٩ - وقال الإمام محمد الكوفي ﵁: "رأيت الشافعي بمكة، وهو يفتي الناس، ورأيت الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه حاضرين، فقال الشافعي: قال رسول الله ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل من دار)، فقال إسحاق: روينا عن الحسن وإبراهيم، أنهما لم يكونا يريانه، وكذلك عطاء ومجاهد، فقال الشافعي لإسحاق: لو كان غيرك موضعك لفركت أذنه!! أقول: قال رسول الله، وتقول: قال عطاء ومجاهد والحسن!! وهل لأحد
стр. 189
مع قول رسول الله ﷺ حجة بأبي هو وأمي!! " كذا في الميزان للشعراني (١).
٣ - أقوال الإمام مالك المحذرة من التقليد
١ - قال الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقهما فاتركوه" (٢).
٢ - وقال: "ليس أحد بعد النبي ﷺ يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ " (٣).
٣ - وقد أفتى مالك بان من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي فإنَّه يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله! فقد سأل الهيثمُ بن جميل مالك بن أنس، فقال: "يا أبا عبد الله، إنَّ عندنا قوما وضعوا كتبا، يقول أحدهم: حدثنا فلان، عن فلان، عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك:
وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون" (٤).
٤ - أخرج أبو نُعَيم في الحلية عن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت مالك ابن أنس يقول: "شاورني هارون الرشيد في أن يعلق (الموطأ) في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله".
стр. 190
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: "لما حج المنصور قال لي: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره.
فقلت يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، ودانوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم" (١).
٤ - أقوال الإمام أحمد بن حنبل الناهية عن التقليد
" كان الإمام أحمد أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمسكا بها، حتى كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي" (٢)، ولذلك قال:
١ - "لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا" (٣).
٢ - وقال "رَأيُ الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي، هو عندي سواء، وإنمّا الحجة في الآثار" (٤).
٣ - وقال أيضا: "من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة" (٥).
٤ - وقال أبو داود: "قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: "لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم
стр. 191
التابعيَّ بعد الرجلُ فيه مخيّر" (١).
٥ - وقال: "من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال" (٢).
بعد أن سقنا هذه النصوص عن الأئمة نتساءَل فنقول: هل الذين يزعمون أنهم على مذهب الأئمة يتبعون الأئمة أم هم مخالفون لهم؟ والجواب واضح: فالذي يتبع شخصا يسمع له ويطيع، وهؤلاء لو كانوا متابعين للأئمة لأخذوا بما أمروهم به من تقديم قول الرسول ﷺ على قولهم، يقول أبو شامة ﵀: "التعصب للإمام على الحقيقة إنما هو امتثال أمره في ذلك، وسلوك طريقته في قبول الأخبار، والبحث عنها، والتفقه فيها (٣).
واستدل على الذين يزعمون أنهم مقلدون للشافعي بأنهم خالفوا منهجه، وأغلب المقلدين كذلك، فالشافعي ﵀ لا يجيز الاحتجاج بالضعيف، بل لا يجيز الاحتجاج بالمرسل إلا بشروط، وهؤلاء الذين يزعمون تقليد الشافعي تراهم يوردون الأحاديث محتجين بها من غير إسناد أصلا.
ولذلك جزم أبو شامة بأنَّ: "الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي (بل المتعصب لأقوال أي إمام) كيفما كانت، وإن جاءَت سنة بخلافها ليسوا متعصبين في الحقيقة؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم، بل رأيهم وديدنهم، إذا ورد عليهم الحديث الصحيح الذي هو مذهب إمامهم، والذي لو وقف عليه لقال به أن يحتالوا فى دفعه بما لا ينفعهم، لما نقل لهم عن إمامهم من قول قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة، هذا مع كونهم عاصين بذلك لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله، والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له آخر في مسألة أخرى بخلافه، ثم لا يرون مخالفته لأجل نص رسول الله ﷺ ، وقد أذن لهم الشافعي في هذا" (٤).
стр. 192
عاشراً: المقلدون مخالفون لمنهج تلامذة الأئمة:
ومما يردُّ به على من زعم وجوب التقليد، أن تلامذة الأئمة لم يكونوا كذلك، فمن المعلوم أنه كان لكلّ إمام من الأئمة أصحاب وتلامذة وأتباع، ولكن لم يأخذ هؤلاء أقوال أئمتهم دينا يتبع، يحرمون خلافه، ويستعظمون الخروج عليه، فقد كان العلماء في ذلك العصر أكرم من ذلك، وفوق ذلك، ويدلك على هذا مسلكهم فى كتبهم ومؤلفاتهم، فالمراد من اختيارهم لمذهب ما هو سلوك طريقة أصول صاحب المذهب في استنباط الأحكام، وسلوك طريقته فى اجتهاد الأحكام دون مسلك غيره.
يقول ابن بدران: "لا يذهب بك الوهم مما قدمنا إلى أنَّ الذين اختاروا مذهب أحمد وقدموه على غيره من الأئمة، وهم من كبار أصحابه، أنهم اختاروا تقليده على غيره في الفروع، فإن مثل هؤلاء يأبى ذلك مسلكهم فى كتبهم ومصنفاتهم، بل المراد باختيار مذهبه إنما هو السلوك على طريقة أصوله في استنباط الأحكام، وإن شئت قل السلوك في طريق الاجتهاد مسلكه دون مسلك غيره، وأمَّا التقليد فى الفروع، فإنَّه يترفع عنه كل من له ذكاء وفطنة وقدرة على تأليف الدليل ومعرفته، وما التقليد إلا للضعفاء الجامدين الذين لا يفرقون بين الغث والسمين" (١).
يدلنا على ذلك أن كثيرا من أتباع الأئمة في عصرهم تركوا مذهب إمامهم في المسائل التى بلغهم فيها عن الرسول ﷺ ما لم يبلغ أئمتهم، هذا الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة يسأل الإمام مالك عن صدقة الخضروات، فقال مالك: هذه مباقيل أهل المدينة، لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ ، ولا أبى بكر ولا عمر ﵄، يعني وهي تنبت الخضروات، فقال أبو يوسف: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي "يعني أبا حنيفة" ما رأيت، لرجع كما رجعت (٢).
стр. 193
وسأله عن الأحباس: "الوقف"، فقال مالك: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان؛ أي التي وقفها الصحابة، فقال أبو يوسف: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت (١).
فأبو يوسف لم يكابر عندما سمع الدليل، وخالف إمامه الذي كان يرى أن في البقول صدقة، ولا يجيز الوقف، بل أعلن أن أبا حنيفة لو رأى هذا وسمعه، لترك رأيه واتبعه.
وهذا محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة يقول في كتابه (الموطأ): "قال محمد: أما أبو حنيفة ﵀ فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة، وأمّا في قولنا: فإن الإمام يصلي ركعتين، ثمَّ يدعو ويحول رداءَه" (٢).
وذكر محمد أن أبا حنيفة أجاز بيع الدور والعقار والأرضين قبل أن تقبض، أما قول محمد فلا يجيز البيع في ذلك حتى تقبض (٣).
وأجاز محمد اشتراط الرجل الخيار في البيع إلى المدة التي اشترطتها مخالفاً في ذلك الإمام أبى حنيفة الذي لم يجز اشتراطه أكثر من ثلاثة أيام (٤).
وقد قارب ما خالف فيه محمد أبا حنيفة في موطئه على عشرين مسألة.
وقد نص ابن عابدين فى الحاشية على أن محمد بن الحسن، وأبا يوسف خالفا شيخهما أبا حنيفة فى نحو ثلث المذهب اتباعا للحديث (٥).
وهذا عصام بن يوسف البلخي من أصحاب محمد بن الحسن ومن الملازمين للإمام أبي يوسف "كان يفتي بخلاف قول الإمام أبى حنيفة كثيرا؛ لأنه لم
стр. 194
يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره، فيفتي به" (١).
وقد ذكر النووي أقوال الإمام الشافعي الآمرة بترك قوله إذا عارض الحديث، واتباع الحديث، ثمَّ قال: "وقد عمل بهذا أصحابنا فى مسألة التثويب واشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض وغيرهما مما هو معروف في كتب المذهب، وقد حكى المصنف ذلك عن الأصحاب فيهما، وممن حكي عنه أنه أفتى بالحديث من أصحابنا أبو يعقوب البويطي، وأبو القاسم الداركي، وممن نص عليه أبو الحسن الطبري في كتابه في أصول الفقه، وممن استعمله من أصحابنا المحدِّثين الإمام أبو بكر البيهقي وآخرون" (٢).
ويذكر أبو بكر الأثرم أنهم كانوا عند البويطى، فذكر الأثرم حديث عمار في التيمم، وأن المتيمم يضرب التراب مرة واحدة، فقال أخذ البويطي السكين وحته من كتابه، أى حت ما كان مثبتا فى كتابه من أن المتيمم يضرب التراب مرتين، وجعله ضربة واحدة، وقال: هكذا أوصانا صاحبنا (يريد الشافعى): إذا صح عندك الخبر فهو قولي (٣).
لا يجوز نسبة الأقوال المخالفة للحديث إلى الأئمة.
كل الأئمة نهوا أتباعهم عن متابعتهم فيما وجد فيه حديث صحيح يخالف قولهم، وأفتوا بأنَّ الحديث الصحيح هو مذهبهم، ومن هنا أوجب العلماء على فقهاء كل مذهب أن يعرفوا المسائل التى خالف فيها إمامهم الأحاديث الصحيحة، كي لا ينسبوا هذه الأقوال إليه، وقد جمع الإمام المحقق ابن دقيق العيد، ﵀، المسائل التى خالف كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح فيها انفرادا واجتماعا في مؤلف ضخم، قال في أوله: "إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام، وإنَّه يجب على الفقهاء المقلدين
стр. 195
لهم معرفتها لئلا يعزوها إليهم، فيكذبوا عليهم" (١).
ومراده بذلك أنهم تبرؤوا من كل قول يخالف الحديث، وأشهدوا على أنهم راجعون عن ذلك في حياتهم وبعد مماتهم، فعزو هذه الأقوال إليهم من هذه الناحية لا يجوز، قال النووي: "وكان جماعة من متقدمي أصحابنا، إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعى خلافه، عملوا بالحديث، وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعى ما وافق الحديث" (٢).
ومن هنا نعلم أن الذين ساروا مقلدين لأئمتهم في كل ما ثبت عنهم من غير معرفة ولا نظر في أدلتهم كانوا مخالفين لأئمتهم، ومثل هؤلاء لم يسيروا على المنهج الذي دلَّ الأئمة أتباعهم عليه، وفي ذلك يقول الفقيه الشافعي أبو شامة:
"الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي (بل المتعصب لأقوال أي إمام) كيفما كانت، وإن جاءَت سنة بخلافها ليسوا متعصبين في الحقيقة؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم، بل رأيهم وديدنهم، إذا ورد عليهم الحديث الصحيح الذي هو مذهب إمامهم، والذي لو وقف عليه لقال به أن يحتالوا فى دفعه بما لا ينفعهم، لما نقل لهم عن إمامهم من قول قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة، هذا مع كونهم عاصين بذلك لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله، والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له آخر في مسألة أخرى بخلافه، ثم لا يرون مخالفته لأجل نص رسول الله ﷺ ، وقد أذن لهم الشافعي في هذا" (٣).
قال ابن عابدين: "نقل العلامة البيري في أول شرحه على الأشباه عن شرح الهداية لابن الشحنة الكبير والد شارح الوهبانية، وشيخ ابن الهمام، ونصه: "إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث، ويكون
стр. 196
مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيًا بالعمل به، فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة، ونقله الشعراني عن الأئمة الأربعة" (١).
الحادي عشر: ردود العلماء الأعلام على موجبي التقليد:
كثير من العلماء النابهين بعد الأئمة وأصحابهم ردوا على الذين يوجبون التقليد، وأكثروا في كتبهم من التوجع والتشكي من الحال التي وصل إليها الفقهاء المقلدون، وسأنقل إليك طرفا من أقوالهم تزيد طالب العلم، بيانا واطمئنانا.
١ - العلامة أبو شامة:
من هؤلاء العلامة أبو شامة، فإنه وصف عصر الاجتهاد ومنهج العلماء فيه، واعتمادهم على الحجة والدليل من غير تقليد، ثم قال مبينا حال أهل عصر التقليد: "ثمَّ اشتهرت المذاهب الأربعة، وهجر غيرها، فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم، فقلدوا بعدما كان التقليد لغير الرسل حراما، بل صارت أقوال أئمتهم عندهم بمنزلة الأصلين، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢)، فعدم المجتهدون، وغلب المقلدون، وكثر المتعصبون. . .، وحجروا على رب العالمين مثل اليهود أن لا يبعث بعد أئمتهم وليا مجتهدا، حتى آل بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا ورد عليه شيء من الكتاب والسنة الثابتة على خلافه، يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل نصرة لمذهبه ولقوله، ولو وصل ذلك إلى إمامه الذى يقلده، لقابله ذلك الإمام بالتعظيم وصار إليه، وتبرأ من رأيه مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم" (٣).
стр. 197
٢ - الأصولي المحقق الشاطبي:
وقد عدَّ الشاطبي المقلدة من الذين زلوا بسبب الإعراض عن الدليل، قال: "والرابع (أي من الذين زلوا): رأي المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة، بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد فضيلة دون إمامهم، حتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل، ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير، وفوقوا إليه سهام النقد، وعدوه من الخارجين عن الجادة، والمفارقين للجماعة، من غير استدلال منهم بدليل، بل بمجرد الاعتياد العامي" (١).
٣ - سلطان العلماء العز ابن عبد السلام:
يقول عز الدين ابن عبد السلام: "ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه؛ جمودا على تقليد مذهب إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده.
وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس، فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطن نفسه عليه تعجب غاية العجب من استرواح إلى دليل، بل لما ألفه من تقليد إمامه، حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره. فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة يجنيها، وما رأيت أحدا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، بل يصير إليه مع علمه بضعفه وبعده، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامى وقف على دليل لم أقف عليه، ولم أهتد إليه، ولم يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح، فسبحان الله ما
стр. 198
أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكر، وفقنا الله لاتباع الحق أين ما كان، وعلى لسان من ظهر" (١).
٤ - الحبر العلامة ابن القيم:
ويقول ابن القيم عن المقلدين الذين جاؤوا بعد القرون الثلاثة الفاضلة: "ثم خلف من بعدهم خلف فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التى بها يدينون، ورؤوس أموالهم التى بها يتجرون، وآخرون قنعوا بالتقليد المحض، وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٢)، والفريقان بمعزل عما ينبغى اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٣).
قال الشافعى ﵀: "أجمع المسلمون على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس".
وينقل ابن القيم عن ابن عبد البر أنه قال: "أجمع الناس على أنَّ المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله".
ثم يقول متشكيا متألما واصفا فتنة التقليد التى أصابت العالم الإسلامي: (تالله إنها فتنة عمَّت فأعْمَتْ، ورمت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتخذ القرآنُ لأجلها مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره فى الكتاب مسطورا، ولما عمت بها البليّة، وعظمت بسببها الرزيَّة، بحيث لا يعرف الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانِّه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم
стр. 199
الحبائل، وَبَغَوْا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد" (١).
ويقول ابن القيم في موضع آخر: "وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة، ومن تقدمهم من الصحابة والتابعين، وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله ﷺ من نصب رجل واحد، وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها عليه، وتقديم قوله على أقوال من بعد رسول الله ﷺ من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقي الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال الصحابة، وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما فى كتاب الله وسنة رسوله.
وهذا مع تضمنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد، والقول على الله بلا علم، والإخبار عمن خالفه، وإن كان أعلم منه أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيب، أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالهما، فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة، والله ورسوله يحكم بالشيء وضده فى وقت واحد، ودينه تبع لآراء الرجال، وليس له فى نفس الأمر حكم معين، فهو إمَّا أن يسلك هذا المسلك، أو يخطئ من خالف متبوعه، ولا بدَّ له من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه" (٢).
٥ - المحدث الفقيه ابن دقيق العيد:
روى الأرتوري عن شيخه الإمام ابن دقيق العيد: أنه طلب منه ورقة وكتبها في مرض موته، وجعلها تحت فراشه، فلما مات أخرجوها، فإذا هي في تحريم التقليد (٣).
стр. 200
٦ - أبو عمر ابن عبد البر.
بعد أن ذكر حال كثير من أهل الحديث في عصره قال مبينا حال المقلدين: "وطائفة هي في الجهل كتلك أو أشدّ، لم يعنوا بحفظ سنة، ولا الوقوف على معانيها، ولا بأصل من القرآن، ولا اعتزوا بكتاب الله فحفظوا تنزيله، ولا عرفوا ما للعلماء في تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد اطرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيهما، وأضربوا عنهما، فلم يعرفوا الإجماع والاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عولوا على حفظ ما دوَّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف لهم فيه، ويودون أنَّ حظهم السلامة منه" (١).
وذكر من حالهم أنهم: "يقيسون على ما حفظوا من المسائل، ويفرضون الأحكام فيها، ويستدلون منها، ويتركون طريق الاستدلال من حيث استدل الأئمة وعلماء الأمة، فجعلوا ما يحتاج أن يستدل عليه دليلا على غيره، ولو علموا أصول الدين وطريق الأحكام وحفظوا السنن، لكان ذلك قوة لهم على ما نزل بهم، ولكنهم جهلوا ذلك فعادوه، وعادوا صاحبه" (٢).
٧ - الأصولي أبو زيد الدبوسي الحنفي:
ومن الذين حملوا على التقليد أبو زيد الدبوسي الحنفي، قال ﵀:
"خلق الله بنى آدم على الفطرة، وإنما استدرجهم إبليس إلى الضلالة بطرق الحق، ورأس الطريق التقليد، فقلد العالم عالمًا اهتمامًا لرأيه، واتباعًا لفقهه، وظنه دينا. وما دعاه إليه إلا الكسل، فإنه لو اجتهد لوفق لمثله، فرآه الجاهل فقلد عالمًا لما سمعه بغير استدلال على فقهه، فإذا قلد جاهلا فقد ضل، ثم قلد أباه وأهل زمانه فعبدوا الأحجار، وما تبدلت الأديان إلا
стр. 201
بتقليد العامة علماء السوء، فإنهم لما قلدوا وأحبوا الرياسة ومباراة علماء الحق ابتدعوا ما حسن لدى العامة، وطعنوا في متبعي السنة، حتى تبدل الدين بأصله.
فالتقليد رأس مال الجاهل، وسببه جهل المرء بقدره، حتى اتبع رجلا مثله بلا حجة، ثم الذي يليه الإلهام، فصاحبه اتبع قلبه وقلده بلا حجَّة، بناء على أنه خلق على نور الفطرة، وجهلًا بهوى نفسه، حتى ادعى رتبة الأنبياء لنفسه، واتخذ إلهه هواه كما اتخذ المقلد آلهة خشبًا، فهذا رفع قدره جهلا، والأول وضع قدره جهلًا فهلكا، وما هلك امرؤ عرف قدره، فمن رام الاحتراز عنهما فليبن أمره على الكتاب والخبر، ثم الاستدلال والنظر، وما التوفيق إلا بالله.
وكان الناس في الصدر الأول -أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين- يبنون أمرهم على الحجة، فكانوا يأخذون بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بأقوال مَنْ بعد الرسول ﷺ ما يصح بالحجة، فكان الرجل يأخذ بقول عمر ﵁ في مسألة، ثم يخالفه بقول علي ﵁ في مسألة أخرى، وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة ﵏ أنهم وافقوه مرة، وخالفوه أخرى، على حسب ما تتضح لهم الحجة، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويًا، بل النسبة كانت إلى رسول الله ﷺ ، فقد كانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله ﷺ بالخير، فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم.
فلما ذهب التقوى عن عامة القرن الرابع، وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علماءهم حجة، واتبعوهم فصار بعضهم حنفيًا، وبعضهم مالكيًا، وبعضهم شافعيًا، ينصرون الحجة بالرجال، ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب، ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيفما أصابه، بلا تمييز، حتى تبدلت السنن بالبدع، فضل الحق بين الهوى، ونشأ قوم من الحبية، فزعموا أنهم أحباء الله عجبًا بأنفسهم، وأن الله يتجلى لقلوبهم ويحدثهم، فرأوا لذلك
стр. 202
حديث أنفسهم حجة، اتخذوا أهواءهم آلهة، فلم يبق عليهم سبيل للحجة والعياذ بالله" (١).
وقال في موضع آخر: "قال جمهور العلماء: إن القول بالتقليد باطل، وقال الحشوية: القول بالتقليد حق، ثم قال: أصل التقليد باطل؛ لأن الله تعالى ردَّ على الكفرة احتجاجهم بالآباء بنفس الرؤية والسماع من غير نظر واستدلال؛ ولأن خبر هذا المخبر وفعله يحتمل الصواب والخطأ، والمحتمل لا يكون حجّة" (٢).
стр. 203
الفصل الثاني المحرمون للتقليد
ذهب فريق من العلماء إلى تحريم التقليد تحريما مطلقا، ومن هؤلاء ابن عربي الطائي، فقد قال: "التقليد فى دين الله لا يجوز عندنا، لا تقليد حي ولا ميت، ويتعين على السائل إذا سأل العالم أن يقول له: أريد حكم الله، أو حكم رسوله في هذه المسألة، فإن قال له المسؤول: هذا حكم الله في المسألة، أو حكم رسوله، تعين عليه الأخذ به، فإنَّ المسؤول هنا ناقل حكم الله وحكم رسوله الذي أمرنا بالأخذ به، فإن قال: هذا رأي أو هذا حكم رأيته، أو ما عندي في هذه المسألة حكم منطوق به، ولكن القياس يعطي أن يكون الحكم فيه مثل المسألة الفلانية المنطوق بحكمها، لم يجز للسائل أن يأخذ بقوله، ويبحث عن أهل الذكر، فيسألهم عن صفة ما قلناه" (١).
وقال العلامة الشوكانى في كتابه (إرشاد الفحول) ما نصه: "اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقًا، قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد، وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد"، ثم تابع الشوكاني كلامه فقال: "وبهذا تعلم أن المنع إن لم يكن إجماعًا فهو مذهب الجمهور، ويؤيد هذا ما سيأتي من حكاية الإجماع على عدم جواز تقليد الأموات، وكذلك ما سيأتي من أن عمل المجتهد برأيه إما هو رخصة له عند عدم الدليل، ولا يجوز لغيره أن يعمل به بالإجماع، فهذان الإجماعان يجتثان التقليد من أصله" (٢).
стр. 204
الفصل الثالث القول المختار
قول الذين حرموا التقليد يقابل قول الذين أوجبوه، والقولان متعارضان، والحق وسط بينهما، والقول المختار، الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، أن التقليد ثلاثة أقسام: قسم يحرم القول به والمصير إليه، وقسم يجب القول فيه والمصير إليه، وقسم يسوغ المصير إليه من غير إيجاب.
وقد فصل ابن القيم هذه الأقسام، وقسم القسم الأول، وهو الذي يحرم القول به والمصير إليه إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: الإعراض عما أنزل الله، وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء.
الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.
الثالث: التقليد بعد قيام الحجة، وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
والفرق بين النوع الثالث والذي قبله أن الأول قلد قبل تمكنه من الحجّة والبرهان، وهذا قلد بعد ظهور الحجّة، فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله.
وأهل هذه الأنواع الثلاثة لا يجوز أن يتصدروا للتدريس والفتيا، فهم كالذي يدلُّ الركب، وليس له علم بالطريق، وكالأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب، وهو يطبب الناس.
ثم تحدث عن القسم الثاني الذي يجب المصير إليه والقول به، فذكر أن كل من أمرنا الله أو رسوله ﷺ بقبول أقوالهم لا بدَّ من متابعتهم، فقد أمرنا الله بقبول قول الشاهد، وجاءت الشريعة بقبول قول القائف، والخارص، والقاسم، والمقوم، والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، ومن الذين شرع الله قبول أقوالهم رواة الحديث، الذين يخبرون عن الرسول ﷺ ، ومنهم المفتي
стр. 205
الذي يخبر عن الله ورسوله ﷺ ، ومنهم المؤذن الذي يخبر عن الوقت، فيقلده الناس في دخول الوقت، ومن ذلك قبول قول المترجم في الرسالة، والأعمى يقلد غيره في القبلة، ونحو ذلك.
وفي تسمية هذا النوع تقليدا نظر، فالشرع أمرنا بقبول قول هؤلاء، فنحن نتابعهم اتباعا لما أنزل إلينا من ربنا، وهذا ليس بتقليد (١).
القسم الثالث: التقليد الذي يسوغ المصير إليه: وهذا النوع كالعامي الذي يقلد عالما يتفق له على علمه فيما ينزل به من أحكام، وهذا معذور في تقليده، وفد أدى ما عليه (٢)، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولكن مثل هذا لا يجوز له الفتوى في شريعة الله من غير دليل.
العامي لا مذهب له
لا يصح للعامي مذهب، ولو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نظر واستدلال (٣)، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب، لم يصر كذلك بمجرد قوله.
يوضح هذا أن القائل: إنه شافعي، أو مالكي، أو حنفي، يزعم أنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقة، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في
стр. 206
العلم والمعرفة والاستدلال، فأما مع جهله وبعده عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه، فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور أن يصح له مذهب، ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره.
وعلى ذلك فالعامي مذهبه مذهب مفتيه، كما نص على ذلك العلماء، وعليه أن يتحرى في استفتائه فلا يستفتي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل العلم والورع والتقوى، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
الاتباع لا التقليد
العالم المجتهد الذي أحاط بالشريعة لا يجوز له التقليد، والعامي لا يتصور في حقِّه إلا أن يصير إلى قول من يفتيه، ولكن ما موقف طلبة العلم الذين ارتقوْا عن مرتبة العوام، ولم يبلغوا مرتبة العلماء المجتهدين، لا شك أن هؤلاء في مرتبة وسطى بين الفريقين السابقين، فهم فريق ثالث ليسوا بالمقلدين ولا المجتهدين، وقد أطلق عليهم اسم المتبعين؛ لأنهم يتابعون غيرهم بعد النظر في أدلتهم، قال ابن عبد البر: "قال أبو عبد الله بن خويزمنداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجّة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجّة، وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوّغ، والتقليد ممنوع" (٢).
стр. 207
الخاتمة
العلاقة بين المذاهب الفقهية
المذاهب الفقهية متقاربة فيما بينها تقاربا كبيرا، حتى أن الذي يطالع اجتهادات الفقهاء في مختلف مذاهبهم، ما انقرض اتباعه منها، وما لم ينقرضوا يجد كأنها مذهب واحد، والأدلة على عمق التقارب بينها أكثر من أن تحصر منها:
١ - كل الأئمة الفقهاء أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة أهل السنة والجماعة، عقيدتهم واحدة، وقد كانوا يدا واحدة في مواجهة الانحرافات العقائدية من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم.
٢ - الأصول الكبرى ذات الأثر الأهم والأكبر في الفقه لا اختلاف فيها عندهم، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، فكلهم يأخذ بها، ويقيم بناءه الفقهي على أساسها، ولا يعكر على هذا المأخذ اختلافهم في بعض الأصول الثانوية المنتزعة من الأصول الكبرى السابقة.
٣ - الأئمة أخذ بعضهم من بعض، وتتلمذ بعضهم على بعض، فتلامذة أبي حنيفة رحلوا إلى الإمام مالك وأخذوا عنه، فأبو يوسف رحل إلى الإمام مالك، واستفتاه وأخذ عنه، والإمام محمد صاحب أبي حنيفة روى عن الإمام مالك موطأه.
ورحل بعض تلامذة الإمام مالك منهم أسد بن الفرات إلى العراق وأخذ عن شيوخ الحنفية أمثال محمد بن الحسن، وأسد هذا كان هو السبب في تأليف المدونة كما مرَّ معنا عندما تحدثنا عن مؤلفات المالكية.
والإمام الشافعي تتلمذ على الإمام مالك، وفي رحلة الشافعي إلى العراق
стр. 208
حاور مشايخ الحنفية تلامذة الإمام أبي حنيفة، فاستفاد منهم واستفادوا منه، وأخذ الإمام أحمد عن الشافعي ﵀.
وإذا استعرضت سيرهم وجدت أن اللاحق منهم كان يثني على السابق ويدعو له، ويأخذ من علمه، ولا يعكر على هذا تخطئة بعضهم لبعض، فإن هذا يحدث في المذهب الواحد.
٤ - انتقل العلماء الأعلام من مذهب إلى مذهب من غير نكير من أهل العلم، إلا إذا كان انتقالهم لغرض دنيوي أو اتباعًا للهوى.
يقول الشعراني: "لم ينكر أكابر العلماء في كل عصر على من انتقل من مذهب إلى مذهب إلا من حيث ما يتبادر إلى الأذهان من توهم الطعن في ذلك الإمام الذي خرج من مذهبه لا غير، بدليل تقريرهم لذلك المنتقل على المذهب الذي انتقل إليه" (١).
ونقل الشعراني عن القرافي قوله: "يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضًا في كل ما لا ينتقض فيه حكم حاكم" (٢).
ونقل أيضًا عن السيوطي أنه سمّى عددًا من الذين انتقلوا من مذهب إلى مذهب من غير نكير عليهم من علماء العصر كانوا الذي فيه، منهم الشيخ عبد العزيز بن عمران الخزاعي كان من أكابر المالكية، فلما قدم الشافعي من بغداد تبعه، وقرأ عليه كتبه، ونشر علمه.
ومنهم إبراهيم بن خالد البغدادي كان حنفيًا فلما قدم الشافعي بغداد ترك مذهبه وتبعه، ومنهم أبو جعفر الطحاوي كان شافعيًا وتفقه على خاله المزني ثم تحول حنفيًا، ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ كان حنبليًا، ثمَّ عمل شافعيًا، ومنهم ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة كان شافعيًا تبعًا لوالده، ثمَّ انتقل إلى مذهب مالك، وذكر عددًا من أهل العلم ممن تحول
стр. 209
عن مذهبه غير من نقلته عنه (١).
٥ - كان هدف الأئمة جميعًا من وراء ما قرروه من أحكام هو الوصول إلى حكم الله في مسائل الفقه المختلف فيها، وقد مرَّ معنا أن مصادرهم الأصلية في ذلك واحدة، ولذلك عندما كانوا يتحاورون ينزعون منزعًا متقاربًا فيما يعتمدون عليه ويأصلونه، فلم يكونوا كما هو الحال عند فرق النصارى أو الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة.
ولذلك فإننا عندما نرجع في المسألة الواحدة إلى اجتهاداتهم نرى أنه يقترب بعضها من بعض في الطريقة والمأخذ، بل وفي النتائج والأحكام، وقد يكون التقارب بين مذهبين أكثر من التقارب في المذهب الواحد أحيانًا.
٦ - هذا التوجه هو مقتضى ما وصى به الأئمة أتباعهم وتلاميذهم فكلهم طالب أتباعه باتباع الحق وإن خالف قوله، ولو قام الأئمة من قبورهم ورأوا ما عليه أتباعهم اليوم من مخالفتهم لما أمروا به لتبرؤوا من ذلك، ونهوا عنه.
٧ - هذا التوجه هو منهج العلماء الأعلام من أصحاب المذاهب الذين عرضوا أقوال علماء المذهب وأقوال فقهاء الأمصار جنبًا إلى جنب، مع ذكر أدلة كل قول، وذكر الراجح، ومن خير من سار هذا المسار ابن قدامة في كتابه المغني، والنووي في المجموع، وابن عبد البر في الاستذكار، وهو منهج الفقهاء الأعلام من أهل الحديث أمثال ابن حجر في كتابه القيم فتح الباري.
٨ - رأينا كثيرًا من الأعلام في كل مذهب من يترك مذهب إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره إذا تبين له رجحان دليله، وضعف دليل إمامه.
стр. 210
ثمار هذا التوجه:
وهذا التوجه في عدّ المذاهب الفقهية مذهبا واحدا أو كالمذهب الواحد له فوائده وثماره الخيرة، ومن هذه الفوائد والثمار:
١ - تحقيق الوحدة بين المسلمين، فالمسلمون كما قرر كتابهم ودعا إليه رسولهم أخوة فيما بينهم، والأئمة كما مرَّ معنا كانوا أخوة يدعو بعضهم لبعض، ويحب بعضهم بعضًا، وينصح بعضهم لبعض.
٢ - وهو ينزع فتيل العصبية المذهبية القائمة على تعظيم بعض أهل العلم، والغض من شأن الآخرين، وموالاة إمام والبحث عن عيوب الآخرين، والتعصب لأقوال وفتاوى واجتهادات واحد من الأئمة، ورمي أقوال غيره من الأئمة.
وقد أدى كل هذا إلى البغضاء والاقتتال والخصام بين أبناء الدين الواحد والملة الواحدة من أهل السنة والجماعة.
٣ - هذا النهج يقلل الخلاف ولا يزيده، ففي كل مذهب من الاختلاف بين أصحاب المذهب الواحد شيء كثير، وفي كل مذهب من الأقوال الشاذة والوجوه والاختيارات الضعيفة ما جعل المحققين في كل مذهب يضجون بالشكوى، وينادون بتصحيح المسار، وتقويم الأخطاء.
٤ - هذا النهج يعيد للفقه اتساعه وشموله، فقد رأينا كيف ضاق الحال بأتباع كل مذهب في بعض المسائل مما جعلهم يترخصون باتباع مذهب آخر لما يرونه من حرج في اتباع مذهبهم.
ليس هناك عالم واحد أحاط بالسنة كلها وبالدين كله، ومع أن كل مذهب فيه خير كثير، إلا أن اتباعه قد يجانبهم الصواب في بعض المسائل، فجعل فقه الأئمة فقهًا للكتاب والسنة يوسع الدائرة، ويجعل أنظار المجتهدين والعلماء تجول في تلك الدائرة الكبيرة والواسعة، وبذلك يرتفع كثير من الحرج والمعاناة التي قد يجدها بعض أصحاب كل مذهب في بعض الأحيان.
стр. 211
وهذا النهج يجعلنا أكثر قدرة على مواجهة المستجدات والمعضلات في أمر هذه الحياة التي أصبح التغير والتلون فيها هائلًا سريعًا في هذا العصر.
كما أن متابعة هذا النهج يلقم حجرًا أولئك الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية لا تسع الحياة، ولذلك اتجهوا إلى الأخذ من القوانين الغربية، إن الضيق الذي وجدوه في بعض الأحيان سببه الاقتصار على مذهب دون غيره، ولو جعل فقه الأئمة مجالًا للأخذ والنظر لما وجد هذا الإشكال.
٥ - ومن ثمار هذا المنهج الذي يقوم على إطلاق العقول من عقالها تربية الملكة الفقهية التي تتمرس بأقوال أهل العلم من مختلف المذاهب، وتتعرف إلى مناهج الاجتهاد، وكيف استدل العلماء بالنصوص على الأحكام، وكيف استخلص العلماء الأحكام من الأدلة، وهذا هو النهج الذي تربى الأئمة عليه، فتفتحت عقولهم، ونمت مداركهم، وتعمقت لديهم الملكة العلمية التي تفقه وتستوعب، وتحلل المسائل، وتحكم في ضوء النصوص.
٦ - وأخيرًا فإن هذا النهج يحيي دراسة النصوص من الكتاب والسنة والعمل بها، من غير إهدار لجهود الأئمة، بل يجعل فقه الأئمة جهودًا لفقه النصوص، لا نصوصًا تزاحم النصوص.
وفي ختام هذه الخاتمة أود التنبيه إلى أنني لا أقصد بما أدعو إليه في هذه الخاتمة إلى جعل كل الآراء الفقهية في مختلف المذاهب على حد سواء، فالاختيار من الأقوال والمذاهب محكوم بالدليل، فالقول الأقوى والأصح ما قوي دليله، أما التخير من الأقوال بمجرد الترجيح الشخصي فإنه مرفوض، وقد تحدثنا عن هذا فيما مضى من بحثنا هذا (١)، والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 212
المراجع
- الأحكام في أصول الأحكام. لابن حزم. نشره زكريا علي. مطبعة العاصمة. القاهرة.
- الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام. لأحمد بن إدريس القرافي. تحقيق عبد الفتاح أبو غدة. مكتبة المطبوعات الإسلامية. حلب سوريا. ١٣٨٧ هـ. ١٩٦٧ م.
- إحياء علوم الدين للغزالي. مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني. القاهرة.
- الإسلام عقيدة وشريعة لشلتوت. دار الشروق. القاهرة. التاسعة. ١٣٩٧ هـ ١٩٧٧ م.
- الأسماء واللغات، للنووي. دار الكتب العلمية. بيروت.
- الأشباه والنظائر للسيوطي: جلال الدين عبد الرحمن. مكتبة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة. ١٣٧٨ هـ -١٩٥٩ م.
- أضواء البيان لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي. مطبعة المدنى. القاهرة. الأولى. ١٣٧٨ هـ ١٩٥٩ م.
- الاعتصام للشاطبي. المكتبة التجارية الكبرى. القاهرة.
- أعلام الموقعين. دار الكتب الحديثة. القاهرة. ١٣٨٩ هـ-١٩٦٩ م.
- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم. دار المعرفة. بيروت.
- الإكمال في أسماء الرجال. للخطيب التبريزي. مطبوع في ذيل مشكاة المصابيح. المكتب الإسلامي، بيروت.
- الأم للشافعي. طبعة كتاب الشعب. ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م.
- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد. للمرداوي. دار إحياء التراث. بيروت. الثانية. ١٤٠٦ هـ ١٩٨٣ م.
- البحر المحيط. بدر الدين بهاء الزركشي. تحقيق عبد القادر العاني. ود. عمر سليمان الأشقر. ود. عبد الستار أبو غدة. وزارة الأوقاف الكويتية. الأولى ١٤٠٩ هـ.
- البداية والنهاية لابن كثير. مكتبة المعارف، بيروت. الثانية. ١٣٩٤ هـ = ١٩٧٤ م.
стр. 213
- البرهان في أصول الفقه. لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني. تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب. طبع على نفقه الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني. الأولى. ١٣٩٩ هـ.
- تاريخ ابن خلدون (المقدمة). مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني. بيروت. الطبعة الثانية. ١٩٧٩ م.
- تاريخ الإسلام للذهبي: أحمد بن عثمان. دار الكتاب العربي. بيروت. الأولى. ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م.
- تاريخ الفقه الإسلامي. للمؤلف. دار النفائس. عمان. الأردن.
- تاريخ بغداد لابن عساكر. مطبعة السعادة. ١٩٣١ م.
- التعريفات للجرجاني: علي بن محمد. مكتبة لبنان. بيروت ١٩٨٥ م.
- جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط. نشرته مكتبة الحلواني وآخرون. ١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م.
- تذكرة الحفاظ. الذهبي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. الرابعة.
- التمهيد للأسنوي. مؤسسة الرسالة. بيروت. الثانية. ١٩٨١ م.
- تيسير الاجتهاد للصنعاني. ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.
- جامع بيان العلم. لابن عبد البر. المكتبة السلفية. المدينة المنورة. الثانية. ١٣٨٨ هـ. ١٩٦٨ م.
- حاشية ابن عابدين، مكتبة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة. الثانية. ١٣٨٦ هـ ١٩٦٦ م.
- حاشية الدسوقي لمحمد عرفة الدسوقي على الشرح الكبير للدردير. دار إحياء الكتب العربية.
- حاشية الصاوي على الشرح الصغير. دار المعارف. مصر. ١٣٩٣ هـ.
- الحاوي الكبير. للماوردي: أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب. تحقيق محمود مطرجي. دار الفكر. بيروت. الأولى ١٤١٤ هـ ١٩٩٤ م.
- دراسات في مصادر الفقه المالكي. لميكلوس موراني. ترجمة د. سعيد بحيري وآخرون. دار الغرب الإسلامي. بيروت. الأولى. ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م.
- الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس الشهير بالقرافي. طبعة أصدرتها وزارة الأوقاف الكويتية للجزء الأول. الثانية. ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م.
- الرسالة - للشافعي. دار الفكر - بيروت.
стр. 214
- روضة الطالبين للنووى. المكتب الإسلامي. بيروت. الأولى. ١٣٨٤ هـ ١٩٦٤ م.
- زغل العلم. الذهبي. مكتبة الصحوة الإسلامية. الكويت.
- سير أعلام النبلاء. للذهبي: محمد بن أحمد. مؤسسة الرسالة. بيروت. التاسعة. ١٤١٣ هـ ١٩٩٣ م.
- شرح عقود رسم المفتي. لابن عابدين: محمد أمين أفندي. مطبوعة ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين. لا ذكر للناشر. ولا سنة النشر.
- الشرح الكبير لعبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة مطبوع مع المغني. دار الكتاب العربي. بيروت. ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م.
- شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير للفتوحي. الطبعة الأولى.
- شرح مختصر الروضة. لسليمان بن عبد القوي الطوفى. مؤسسة الرسالة. بيروت. الأولى. ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م.
- صحة أصول عمل أهل المدينة. لابن تيمية: تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم. مكتبة المتنبي. القاهرة.
- طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي. المطبعة الحسينية. القاهرة.
- عمدة التحقيق. محمد سعيد الباني. المكتب الإسلامي. بيروت. الأولى. ١٩٨١ م.
- علم أصول الفقه. عبد الوهاب خلاف. دار القلم - الكويت. التاسعة. ١٩٧٠ م.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري. لابن حجر العسقلاني. المكتبة السلفية. القاهرة.
- الفروع. لابن مفلح أبي عبد الله محمد. عالم الكتب. بيروت. الرابعة. ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.
- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي. المكتبة العلمية. المدينة المنورة. ١٣٩٧ هـ ١٩٧٧ م.
- القاموس المحيط. لليفروزآبادي، مؤسسة الرسالة. بيروت. الأولى. ١٤٠٦ هـ. ١٩٨٦ م.
- قواعد الأحكام. عز الدين بن عبد السلام. مكتبة الكليات الأزهرية. القاهرة.
- قواعد التحديث. القاسمي. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة. ١٩٦٨ م.
- القول المفيد للشوكاني. دار القلم. الكويت. ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م.
- لسان العرب. لابن منظور. ترتيب يوسف خياط ونديم مرعشلي. دار لسان العرب. بيروت. الأولى.
стр. 215
- المؤمل للرد للأمر الأول. أبو شامه. مجموعة الرسائل المنيرية.
- المبدع في شرح المقنع. ابن مفلح: محمد بن عبد الله. المكتب الإسلامي. بيروت. ١٣٩٤ هـ ١٩٧٤ م.
- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. (جمع ابن قاسم) طبعته حكومة المملكة العربية السعودية. الأولى. ١٣٨١ هـ.
- المجموع للنووي. المكتبة السلفية. المدينة المنورة.
- المحرر في الفقه. ابن تيمية: مجد الدين عبد السلام بن عبد الله. دار الكتاب العربي. بيروت.
- المحصول في علم أصول الفقه للرازي. محمد بن عمر. مؤسسة الرسالة. بيروت. الثانية. ١٤١٢ هـ ١٩٩٢ م.
- مختصر الطحاوي: محمد بن أحمد. تحقيق أبي الوفاء الأفغاني مطبعة دار الكتاب العربي. القاهرة. (١٣٧٠ هـ).
- مختصر المزني (حاشية على كتاب الأم). طبعة كتاب الشعب. ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م.
- مختصر كتاب المؤمل في الرد للأمر الأول. مطبوع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية.
- المدخل. محمد مصطفى شلبي. مطبعة التأليف. مصر. الثانية.
- المدخل لمذهب أحمد لابن بدران. دار إحياء التراث العربي.
- مذكرة في أصول الفقه. لمحمد الأمين بن المختار الشنقيطي. المكتبة السلفية. المدينة المنورة.
- المستصفى للغزالي. المطبعة الأميرية. بولاق. القاهرة. الأولى. ١٣٢٤ هـ.
- مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب مالك. لإبراهيم الجبرتي. دار الغرب الإسلامي. بيروت. ١٤٠٦ هـ ١٩٨٦ م
- المسودة. لآل تيمية. دار الكتاب العربي. بيروت.
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. لأحمد بن محمد المقري الفيومي. دار المعارف. مصر.
- المطلع على أبواب المقنع لمحمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي. المكتب الإسلامي. بيروت. ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م.
- معالم السنن للخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم. مطبعة أنصار السنة المحمدية. ١٣٦٧ هـ. ١٩٤٨ م.
- المعجم الوسيط. لإبراهيم أنيس وآخرون. دار إحياء التراث العربي. الثانية.