الجمعة فكان بيناً - واللَّه تعالى أعلم - أنه أراد المكتوبة بالآيتين معاً، وسن
رسول اللَّه ﷺ الأذان للمكتوبات، ولم يحفظ عنه أحد علمته أنه أمر بالأذان لغير صلاة مكتوبة، بل حفظ الزهري عنه أنه كان يأمر في العيدين المؤذن فيقول:
(الصلاةَ جامعة) ، ولا أذان إلا المكتوبة، وكذالك لا إقامة - أي: إلا المكتوبة -
فأما الأعياد، والخسوف، وقيام شهر رمضان فأحب أن يقال فيه: (الصلاةَ
جامعة) ، وإن لم يقل ذلك فلا شيء على من تركه إلا ترك الأفضل.
والصلاة على الجنائز، وكل نافلة - غير الأعياد والخسوف - بلا أذان
فيها ولا قول: (الصلاةَ جامعة) .
الأم (أيضاً) : صلاة الجماعة:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي محمد بن إدريس المطلبي قال: ذكر اللَّه ﵎ اسمه
الأذان بالصلاة، فقال : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا)
وقال: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية، فأوجب الله - والله أعلم - إتيان الجمعة، وسن رسول الله ﷺ الأذان للصلوات المكتوبات.
فاحتمل أن يكون أوجب إتيان صلاة الجماعة في غير الجمعة، كما أمر
بإتيان الجمعة وترك البيع، واحتمل أن يكون أذن بها لتصلى بوقتها.
стр. 1157
الأم (أيضاً) : إيجاب الجمعة:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا محمد بن ادرش الشَّافِعِي قال: قال اللَّه ﵎: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية.
وقال اللَّه : (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني صفوان بن
سليم، عن نافع بن جبير، وعطاء بن يسار، عن النبي ﷺ أنه قال: "شاهد: يوم الجمعة، ومشهود: يوم عرفة" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: ودلت السنة من فرض الجمعة على ما دل عليه
كتاب الله ﵎.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون، ونحن السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه.
فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غدٍ" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: والتنزيل ثم السنة يدلان على إيجاب الجمعة. ..
وكانت العرب تسميه قبل الإسلام (عَرُوبَة) قال الشاعر:
نفسي الفداء لأقوامٍ همو خلطوا ... يوم العَرُوبة أزواداً بأزوادِ
стр. 1158
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني سلمة بن
عبد الله الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أنه سمع رجلاً من بني وائل
يقول: قال رسول الله ﷺ :
"تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة، أو صبياً، أو مملوكاً" الحديث.
الأم (أيضاً) : من تجب عليه الجمعة بمسكنه
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كان قومٌ ببلد يجمع أهلها، وجبت عليهم
الجمعة، على من يسمع النداء، من ساكني المصر أو قريباً منه، بدلالة الآية.
الأم (أيضاً) : متى يحرم البيع:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎:
(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: والأذان الذي يجب على من عليه فرض الجمعة أن
يذر عنده البيع؛ الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وذلك الأذان الذي بعد الزوال، وجلوس الإمام على المنبر، فإن أذن مؤذن قبل جلوس الإمام
стр. 1159
على المنبر وبعد الزوال، لم يكن البيع منهياً عنه، كما ينهى عنه إذا كان الإمام على المنبر، وأكرهه؛ لأن ذلك الوقت الذي أحب للإمام أن يجلس فيه على المنبر، وكذلك إن أذن مؤذن قبل الزوال، والإمام على المنبر، لم ينه عن البيع، إنما ينهى عن البيع إذا اجتمع - أي: شرطان -:
١ - أن يؤذن بعد الزوال.
٢ - والإمام على المنبر.
الأم (أيضاً) : المشي إلى الجمعة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان بن عينية، عن الزهري، عن سالم.
عن أبيه قال: ما سمعت عمر ﵁ قط يقرؤها إلا: "فامضوا إلى ذكر الله" الحديث.
ومعقول أن السعي في هذا الموضع العمل.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد اللَّه بن
عبد الرحمن بن جابر بن عتيك، عن جده جابر بن عتيك (صاحب النبي ﷺ قال:
"إذا خرجت إلى الجمعة فامشي على هيئتك" الحديث.
стр. 1160
ترتيب مسند الشَّافِعِي: في صلاة الجمعة:
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني عبد اللَّه بن أبي
لبيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة لورحنه: "أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الجمعة سورة الجمعة والمنافقين" الحديث.
* * *
قال الله : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)
الأم: ما جاء في أمر النكاح:
قال الشَّافِعِي ﵀: والأمر في الكتاب، والسنة، وكلام الناس يحتمل
معاني:
١ - أحدها: أن يكون اللَّه حرم شيئاً ثم أباحه، فكان أمره إحلال ما حرم؛ كقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) الآية، ونهى عن البيع عند النداء، ثم أباحه في وقت غير الذي حرم فيه.
стр. 1161
آداب الشَّافِعِي: ما في الزكاة والسير والبيوع، والعتق، والنكاح، والطلاق: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) الآية، فأخبر سبحانه: أن البيع الذي كان محرماً عند النداء حلال حيث قضيت الصلاة، وليس بواجب أن ينتشروا.
* * *
قال الله : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
الأم: الخطبة قائماً:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلم أعلم مخالفاً أنها نزلت في خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني جعفر بن
محمد، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، فقدموا، فخرج إليهم الناس وتركوا رسول الله ﷺ ، وكان لهم لهو إذا تزوج أحد
стр. 1162
من الأنصار ضربوا بالكَبَرِ (١) ، فعيرهم اللَّه بذلك فقال: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) الآية.
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) الآية.
ولم أعلم مخالفاً أنها نزلت في خطبة النبي ﷺ
يوم الجمعة.
وجاء في رواية حرملة وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن
جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة قائماً، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية.
وفي حديث كعب بن عَجرة: دلالة على أن نزولها كان في خطبته قائماً.
وفي حديث حصين:
"بينما نحن نصلي الجمعة" فإنه عبَّر بالصلاة عن
الخطبة.
стр. 1163
سورة المنافقون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
الأم: المرتد عن الإسلام:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإنما كفف - اللَّه سبحانه - العباد الحكم على
الظاهر من القول والفعل، وتولى الله الثواب على السرائر دون خلقه، وقد قال الله لنبيه ﷺ : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) .
وقد قيل: في قول اللَّه : (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)
ما هم بمخلصين.
стр. 1164
الأم (أيضاً) : باب الوصية للوارث:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: ما دل على ما وصفتَ من أنه لا
يحكم بالباطن؟
قيل: كتاب اللَّه ثم سنة رسول الله ﷺ .
ذكر اللَّه ﵎ المنافقين فقال لنبيه ﷺ :
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)
قرأ إلى: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .
فأقرَّهم رسول الله ﷺ يتناكحون ويتوارثون ويسهم لهم إذا حضروا القسم ويحكم لهم أحكام المسلمين، وقد أخبر الله تعالى ذكره عن كفرهم، وأخبر رسول الله ﷺ أنهم اتخذوا أيمانهم جُنة من القتل، بإظهار الأيمان على الإيمان.
الأم (أيضاً) : اللعان:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي مثل معنى هذا، من سنة رسول الله ﷺ
قوله ﷺ : "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيءِ من حق أخيه فلا يأخده فإنما أقطع له قطعة من النار" الحديث.
فأخبر ﷺ أنه يقضي على الظاهر من كلام الخصمين، وإنَّما يحل لهما، ويحرم عليهما فيما بينهما وبين
الله على ما يعلمان، ومن مثل هذا المعنى من كتاب اللَّه، قول اللَّه : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) إلى قوله: (لَكَاذِبُونَ) الآية.
فحقن رسول الله ﷺ -
стр. 1165
دماءهم بما أظهروا من الإسلام، وأقرهم على المناكحة والموارثة، وكان الله
أعلم بدينهم بالسرائر، فأخبره الله تعالى أنهم في النار فقال:
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الآية.
وهذا يوجب على الحكام ما وصفت من ترك الدلالة الباطنة، والحكم بالظاهر من القول، أو البينة، أو الاعتراف، أو الحجة.
الأم (أيضاً) : باب (ما يحرم به الدم من الإسلام) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فبين أن إظهار الإيمان ممن لم يزل مشركاً حتى أظهر
الإيمان، وممن أظهر الإيمان ثم أشرك بعد إظهاره، ثم أظهر الإيمان مانع لدم من
أظهره، في أي هذين الحالين كان، وإلى أي كفر صار، كفر يسرُّه، أو كفر يظهره، وذلك أنه لم يكن للمنافقين دين يظهر كظهور الدينِ الذي له أعياد، وإتيان كنائس، إنَّما كان كفر جحد وتعطيل، وذلك بين في كتاب الله ، ثم في سنة رسول الله ﷺ ، بأن الله أخبر عن المنافقين بأنهم اتخذوا أيمانهم جنة.
يعني - والله أعلم -: من القتل، ثم أخبر بالوجه الذي اتخذوا به أيمانهم جنة فقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) الآية.
فأخبر عنهم بأنهم آمنوا ثم كفروا بعد
стр. 1166
الإيمان كفراً إذا سئلوا عنه أنكروه، وأظهروا الإيمان، وأقروا به، وأظهروا التوبة منه، وهم مقيمون فيما بينهم وبين الله على الكفر.
الأم (أيضاً) : باب (القراءة في العيدين والجمعة) :
قال الربيع ﵀: سألت الشَّافِعِي: بأي شيء تحب أن يقرأ في العيدين.
قال الشَّافِعِي ﵀: بـ: (ق) و (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) ، وسألته بأي
شيء تستحب أن يقرأ في الجمعة؟
فقال: في الركعة الأولى بالجمعة، واختار في الثانية: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)
لو قرأة (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) أو (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)
كان حسناً، لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قرأها كلها.
فقلت: وما الحجة في ذلك؟
فقال: إبراهيم - بن محمد - وغيره، عن جعفر، عن أبيه، عن عبيد الله بن
أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قرأ في إثر سورة الجمعة.
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) .
الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى:
(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)
стр. 1167
يعني - واللَّه تعالى أعلم - من القتل فمنعهم من
القتل، ولم يُزِل عنهم في الدنيا أحكام الإيمان بما أظهروا منه، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار بعلمه بأسرارهم، وخلافها لعلانيئهم بالإيمان.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - اللَّه تعالى - له في المنافقين وهم صنف
ثان: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) .
يعني - والله أعلم -: أيمانهم بما يسمع منهم من الشرك بعد إظهار الإيمان جُنة من القتل.
مختصر المزني: باب (طول القراءة وقصرها)
قال الشَّافِعِي ﵀: وأحب أن يقرأ في العشاء بسورة الجمعة.
و (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) وما أشبهها في الطول.
* * *
قال الله : (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)
الأم: من ليس للإمام أن يغزوا به بحال:
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم غزا رسول الله ﷺ بني المصطلق فشهدها معه عدد، فتكلموا بما حكى اللَّه تعالى من قولهم: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) الآية.
وغير ذلك مما حكى الله من نفاقهم.
стр. 1168
سورة التغابن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
أحكام القرآن: فصل (في معرفة العموم والخصوص) :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) الآية.
فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء من سماء، وأرض، وذي روح، وشجر.
وغير ذلك، فالله خالقه.
* * *
قال الله : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا)
الرسالة: بيان فرض الله في كتابه اتباع سنه نبيه ﷺ :
انظر تفسير الآيتين / ١٣٦ ولم ١٧ من سورة النساء، والآية / ١٥٨ من سورة الأعراف، فقد علق عليها العلامة أحمد محمد شاكر فليرجع إليهما ففيها تعليقات وأدب رائع في بيان الخطأ، وتوضيح الصواب.
стр. 1169
قال الله : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)
الأم: الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر:
بعد أن ذكر حديث إرسال الرسول ﷺ لمعاذ ﵁ إلى اليمين معلماً وقاضياً
قال الشَّافِعِي ﵀: فأخبر النبي ﷺ : أن الاجتهاد بعد أن لا يكون كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولقول الله : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)
وما لم أعلم فيه مخالفاً من أهل العلم، ثم ذلك موجود في قوله ﷺ :
"إذا اجتهد. . ." الحديث.
لأن الاجتهاد ليس بعين قائمة، وإنَّما هو شيء يحدثه من قِبَلِ
نفسه، فإذا كان هذا هكذا، فكتاب اللَّه والسنة والإجماع أولى من رأى نفسه، ومن قال الاجتهاد أولى خالف الكتاب والسنة برأيه.
стр. 1170
سورة الطلاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)
الأم: جماع وجه الطن:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) الآية، وقرئت: (لقُبُلِ عدتهن) وهما لا يختلفان في معنى.
أخبرنا مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته في
زمان النبي ﷺ وهي حائض، قال عمر ﵁: فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال:
مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء
أمسكها، وإن شاء طلقها قبل أن يمسَّ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" الحديث.
стр. 1171
أخبرنا مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو
الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن (مولى عَزَّة) يسأل عبد اللَّه بن عمر، وأبو
الزبير يسمع، فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضاً؟
فقال ابن عمر ﵄: طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضاً، فقال النبي ﷺ : "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك" الحديث.
قال ابن عمر: قال اللَّه ﵎: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُل عدتهنَّ)
أو (لقبل عدتهن) شك الشَّافِعِي، الحديث.
أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن مجاهد أنه كان يقرؤها
كذلك الحديث.
أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر أنه كان يقرؤها:
(إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدتهن) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فبين والله أعلم في كتاب اللَّه بدلالة سنة النبي ﷺ أن القرآن والسنة في المرأة المدخول بها التي تحيض دون من سواها من المطلقات، أن تطلق لقبل عدتها، وذلك أن حكم اللَّه تعالى أن العدة على المدخول بها، وأن النبي ﷺ إنما يأمر بطلاق طاهر من حيضها التي يكون لها طهر
وحيض، وبَين أن الطلاق يقع على الحائض؛ لأنه إنما يؤمر بالمراجعة من لزمه
الطلاق، فأما من لم يلزمه الطلاق فهو بحاله قَبل الطلاق.
стр. 1172
الأم (أيضاً) : الخلاف في الطلاق الثلاث:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال: أنت طالق ألبتة ينوي ثلاثاً فهي ثلاث.
وإن نوى واحدة فواحدة، وإن قال: أنت طالق ينوي بها ثلاثاً فهي ثلاث.
قال الشَّافِعِي ﵀: أحب أن يكون الخيار في طهر لم يمسها فيه.
قال الشَّافِعِي ﵀: أحب أن لا يملك الرجل امرأته، ولا يخيرها، ولا
يخالعها، ولا يجعل إليها طلاقاً بخلع ولا غيره، ولا يوقع عليها طلاقاً إلا طاهراً
قبل جماع، قياساً على الطلقة، فإن النبي ﷺ أمر أن تطلق طاهراً، وقال اللَّه : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) الآية.
فإذا كان هذا طلاقاً يوقعه الرجل أو توقعه المرأة
بأمر الرجل فهو كإيقاعه، فلا أحب أن يكون إلَّا وهي طاهر من غير جماع.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلاً أتى ابن عباس ﵄ فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس ﵄:
"تأخد ثلاثاً وتدع سبعاً وتسعين " الحديث.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن
عطاء وحده - عن ابن عباس ﵄ أنه قال:
"وسبعاً وتسعين عدواناً، اتخذت بها آيات الله هزواً، فعاب عليه ابن عباس رضي الله عنهما
стр. 1173
كل ما زاد عن عدد الطلاق الدي لم يجعله الله إليه، ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثاً، ولا يجوز له ما لم يكن إليه.
الأم (أيضاً) : باب (الوصية للزوجة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن الله ﵎ يقول للمطلقات:
(لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) .
فلما فرض اللَّه في المعتدة من الطلاق السكنى، وكانت المعتدة من الوفاة في معناها، احتملت أن يُجعل لها السكنى؛ لأنها في معنى المعتدات.
فإن كان هذا هكذا فالسكنى لها في كتاب اللَّه منصوص، أو في معنى من نص لها السكنى في فرض الكتاب، وإن لم يكن هكذا فالفرض في السكنى لها في السنة، ثم فيما أحفظ عمن حفظت عنه من أهل العلم: أن للمتوفى عنها السكنى ولا نفقة.
الأم (أيضاً) : الخلاف في نفقه المرأة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) الآية، وأخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة.
عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
стр. 1174
(إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية.
قال: - ابن عباس - أن تبذو على أهل زوجها، فإن بذت فقد حل إخراجها، قال - أي: المحاور -: هذا تأويل قد
يحتمل ما قال ابن عباس ﵄ ويحتمل غيره، أن تكون الفاحشة خروجها، وإن تكون الفاحشة أن تخرج للحد.
قال: فقلت له (أي: الشَّافِعِي) :
فإذا احتملت الآية ما وصفت، فأي المعاني أولى بها؟
قال: معنى ما وافقته السنة، فقلت فقد ذكرت لك السنة في فاطمة، فأوجَدتك ما قال لها رسول الله ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم.
الأم (أيضاً) : مُقَام المتوفي عنها، والمطلقاة في بيتها:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎ في المطلقات:
(لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية، فكانت هذه الآية في المطلقات، وكانت المعتدات من الوفاة معتدات كعدة المطلقة.
فاحتملت أن تكون: في فَرضِ السكنى للمطلقات، ومَنع إخراجهن تدل
على أن في مثل معناهن في السكنى ومنع الإخراج المتوفى عنهن؛ لأنهن في
معناهن في العدة.
قال الشَّافِعِي ﵀: ودلت سنة رسول الله ﷺ على أن على المتوفى عنها، أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله.
стр. 1175
واحتمل أن يكون ذلك على المطلقات دون المتوفى عنهن، فيكون على
زوج المطلقة أن يسكنها؛ لأنه مالِك مالَه، ولا يكون على زوج المرأة المتوفى
عنها سُكْنَها؛ لأن ماله مملوك لغيره، وإنَّما كانت السكنى بالموت، إذ لا مال له - والله تعالى أعلم -.
الأم (أيضاً) : العذر الذي يكون للزوج أن يخرجَها:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎ في المطلقات:
(لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا عبد العزيز بن محمد - الدراوردي -، عن
محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ابن عباس ﵄ في قوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية.
أنه كان يقول: "الفاحشة المبينة: أن تبذوَ على أهل زوجها، فإذا بذت فقد حل إخراجها "، الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: وسنة رسول الله ﷺ في حديث فاطمة بنت قيس إذ بذت على أهل زوجها؛ فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، تدل على معنيين:
أحدهما: أن ما تاول ابن عباس ﵄ في قول الله :
(إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية، هو: البذاء على أهل زوجها كما تأول - إن شاء الله تعالى -.
стр. 1176
قال الشَّافِعِي ﵀: وبين إنما أذن لها أن تخرج من بيت زوجها، فلم يقل
لها النبي ﷺ : اعتدِّي حيث شئت، ولكنه حصنها حيث رضي إذ كان زوجها غائباً، ولم يكن له وكيل بتحصينها.
فإذا بذت المرأة على أهل زوجها، فجاء من بذائها ما يُخاف تساعر بذاءة
إلى تساعر الشر فلزوجها إن كان حاضراً إخراج أهله عنها، فإن لم يخرجهم
أخرجها إلى منزل غير منزله فحصَّنها فيه، وكان عليه كراؤه إذا كان له منعها
أن تعتد حيث شاءت، كان عليه كراء المنزل، وإن كان غائباً كان لوكيله من ذلك ماله، وإن لم يكن له وكيل، كان السلطان ولي الغائب، بفرض لها منزلاً فيحصنها فيه، فإن تطوع السلطان به، أو أهل المنزل فذلك ساقط عن الزوج، ولم نعلم فيما مضى أحداً بالمدينة كرى أحداً منزلاً، إنما كانوا يتطوعون بإنزال منازلهم، وبأموالهم مع منازلهم، وإن لم يتطوع به السلطان ولا غيره، فعلى زوجها كراء المنزل الذي تصير إليه.
الأم (أيضاً) : باب (حج المرأة والعبد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن اللَّه تعالى قال في المعتدات:
(وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية.
فقيل: يقام عليها الحد، فإذا كان هذا هكذا فقد
بين اللَّه أنه لم يمنعها الخروج من حق لزمها.
وإن لم يكن هكذا وكان خروجها فاحشة.
فهي بالمعصية بالخروج إلى غير حق ألزم.
فإن قال قائل: ما دل على هذا؟
قيل: لم يختلف الناس - عَلِمتُه - أن
المعتدة تخرج من بيتها لإقامة الحد عليها، وكل حق لزمها.
والسنة تدل على أنها ئخرَجُ من بيتها للبذاء
كما أخرج النبي ﷺ فاطمة بنت قيس.
стр. 1177
مختصر المزني: باب (مقام المطلقة في بيتها والمتوفى عنها) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى في المطلقات: (وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية، وقال ﷺ لفُرَيعة بنت مالك حين أخبرته أن زوجها قُتل، وأنه لم يتركها في مسكن يملكه:
"اسكني في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " الحديث.
قال ابن عباس ﵄: الفاحشة المبينة أن تبذو على أهل
زوجها، فإن بذت فقد حل إخراجها.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في قدوم الشَّافِعِي العراق أيام المأمون) :
أبو ثور ﵀: قلت - أي: للشافعي -: رحمك اللَّه، وما الخاص الذي
يريد به - الله تعالى - العام؟ وما العام الذي يريد به الخاص؟
(وكنا لا نعرف الخاص من العام، ولا العام من الخاص) .
فقال الشَّافِعِي ﵀: قوله جل وعلا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)
إنما أراد به أبا سفيان.
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)
فهذا خاص يريد - اللَّه تعالى - به العام.
стр. 1178
قال الله : (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)
الأم: باب (ما يجب على المرء من القيام بشهادته) :
قال الشَّافِعِي ﵀ وقال اللَّه تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀:
والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات أنه في الشاهد وقد لزمته الشهادة، وأن فرضاً عليه أن
يقوم بها على والديه وولده، والقريب والبعيد، وللبغيض القريب والبعيد، ولا يكتم عن أحد ولا يحابى بها ولا يمنعها أحداً، ثم تتفرع الشهادات فيجتمعون ويختلفون فيما يلزم منها وما لا يلزم.
الأم (أيضاً) : الحربي يدخل دار الإسلام بأمان فأودع ماله ثم رجع:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا قَدِم الحربي دار الإسلام بأمان فمات، فالأمان
لنفسه وماله، ولا يجوز أن تؤخذ من ماله شيء، وعلى الحاكم أن يرده إلى ورثته حيث كانوا، ولا يقبل إن لم تعرف ورثته شهادة أحد غير المسلمين، ولا يجوز في هذه الحال، ولا في غيرها شهادة أحد خالف دين الإسلام لقول اللَّه تعالى:
стр. 1179
(ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)
وهذا مكتوب في كتاب الشهادات.
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت له - أي: للمحاور -: أفتجيز شهادة أهل
الذمة على وصية مسلم اليوم كما زعمت أنها في القرآن؟
قال: لا. قلت: ولم؟
قال: هي منسوخة. قلت: بماذا؟
قال بقوله تعالى: (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية.
قلت: وما نُسِخ لم يُعمل به، وعُمِل بالذي نسخه.
قال: نعم. قلت: فقد زعمت بلسانك أنك - قد - خالفت القرآن، إذ زعمت أن اللَّه شرط أن لا يجوز إلا مسلم، وأجزت كافراً - أي: شهادة الكافر -، وإذا نسخت فيما زعمت أنها نزلت فيه، أفتثبت في غير ما نزلت فيه؛ قال: لا.
قلت: فما الحجة في إجازة شهادة أهل الذمة؟
قال: إن شريحاً أجازها، فقلت له: أنت تزعم أنها منسوخة لقول اللَّه : (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، أو (شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)
يعني المؤمنين ثم تخالف هذا؟!
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت قول الله :
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)
وقوله: (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)
فشرط العدل في هاتين الآيتين. . .
стр. 1180
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت له - أي: للمحاور - أرأيت لو قال لك قائل: أجز في البيع، والقذف، وشهود الزنا غير العدل كما قلت في العتق؛ لأني لم أجد في التنزيل شرط العدل كما وجدته في غير هذه الأحكام، قال: ليس ذلك له، قد يُكتفى بقول اللَّه (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية.
فإذا ذكر الشهود فلا يقبلون إلا ذوي عدل، وإن سكت عن ذكر العدل فاجتماعهما في أنهما شهادة يدل على أن لا يقبل فيها إلا العدل.
قلت: هذا كما قلت، فلِمَ لم تقل بهذا؟!
قال الشَّافِعِي ﵀: قال - أي: المحاور - فالناس مجتمعون على أن
لا يجيزوا شهادة أهل الأوثان.
قلنا: الذي تحتج بإجماعهم معك من أصحابنا لم يردوا شهادة أهل الأوثان إلا من قول الله : (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) والآية
معها، وبذلك رذوا شهادة أهل الذمة، فإن كانوا أخطؤوا فلا نحتج بإجماع
المخطئين معك، وإن كانوا أصابوا فاتبعهم، فقد اتبعوا القرآن، فلم يجيزوا شهادة من خالف دين الإسلام، قال: فإنما شريحاً أجاز شهادة أهل الذمة.
فقلت له: وخالف شريحاً غيره من أهل دار السنة والهجرة والنصرة، فأبوا
إجازة شهادتهم ابن المسيب، وأبو بكر بن حرّم وغيرهما.
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول من ردَّ خبر الخاصة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)
وقال: (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية، أفرأيت حاكمين شهد عندهما
شاهدان بأعيانهما، فكانا عند أحد الحاكمين عدلين، وعند الآخر غير عدلين؛
стр. 1181
قال: فعلى الذي هما عنده عدلان أن يجيزهما، وعلى الآخر، الذي هما
عنده غير عدلين، أن يردهما.
قلت له: فهذا الاختلاف. قال: نعم.
فقلت له: أراك إذن جعلت الاختلاف حُكمين؟
فقال: لا يوجد في المغيَّب إلا هذا، وكل وإن اختلف فعله وحكمه فقد أدى ما عليه. قلت: فهكذا قلنا.
الأم (أيضاً) : الفرقة بين الأزواج بالطلاق والفسخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له - أي: للمحاور - قال اللَّه ﵎:
(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية.
قال: فلم قلت: إنها تكون للأزواج، الرجعة في العدة قبل التطليقة الثالثة.
فقلت له: لما بين اللَّه في كتابه: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَاآ) .
قال: فلم قلت في قول اللَّه تعالى في المطلقات: (فَإِذَا بَلَغنَ أجَلَهُن
فَا"تسِكُوهُن بِمَغرُولمحي أو فَارِقُوهُن بِمَغزوفم) الآية، إذا قاربن بلوغ أجلهن.
وقلت: في قول اللَّه في المتوفى عنها زوجها: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الآية.
هذا إذا قضين أجلهن؛ والكلام فيهما واحد!
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له: (بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) يحتمل قاربن البلوغ.
وبلغن: فرغن مما عليهن، فكان سياق الكلام في الآيتين دليل على فرق بينهما، لقول اللَّه ﵎ في الطلاق: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الآية.
وقال: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)
стр. 1182
فلا تؤمر بالإمساك إلا من يجوز له الإمساك في العدة؛ فيمن ليس لهن أن
يفعلن في أنفسهن ما شئن في العدة، حتى تنقضي العدة، وهو كلام عربي هذا
من أبينه، وأقله خفاء؛ لأن الآيتين تدلان على افتراقهما بسياق الكلام فيهما.
الأم (أيضاً) : ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع:
قال الشَّافِعِي ﵀: ذكر اللَّه ﵎ الطلاق في كتابه بثلاثة أسماء:
الطلاق، والفراق، والسراح، وقال : (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)
وقال جل ثناؤه: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الآية.
وقال تبارك اسمه لنبيه في أزواجه: (إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فمن خاطب امرأته فأفرد لها اسماً من هذه
الأسماء، فقال: أنت طالق، أو قد طلقتك، أو قد فارقتك، أو قد سرحتك لزمه طلاق، ولم ينو في الحكم، ونوَّينَاه فيما بينه وبين الله تعالى.
الأم (أيضاً) : باب (الشهادة في الطلاق) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأمر الله في الطلاق والرجعة بالشهادة، وسمى فيها عدد الشهادات فانتهى إلى شاهدين، فدل ذلك على أن كمال الشهادة على
стр. 1183
الطلاق والرجعة شاهدان، فإذا كان ذلك كمالها لم يجز فيها شهادة أقل من
شاهدين.
الأم (أيضاً) : عدة المطلقة يملك زوجُها رجعتَها:
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن قال هذا، ذهب إلى أن المطلق كان: إذا ارتجع
في العدة ثبتت الرجعة، لما جعل اللَّه في العدة له من الرجعة، وإلى أن قول اللَّه :
(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الآية.
لمن راجع ضراراً في العدة لا يريد حبس المرأة رغبة.
ولكن عضلاً عن أن تحل لغيره.
الأم (أيضاً) : الإذن في الهجرة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وكان المسلمون المستضعفين بمكة زماناً، لم يؤذن لهم
فيه بالهجرة منها، ثم أذن اللَّه لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجاً فيقال نزلت:
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) الآية.
فأعلمهم رسول الله ﷺ أن قد جعل اللَّه
ئبارك وتعالى لهم بالهجرة مخرجاً.
* * *
قال الله : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)
الأم: العدد (عدة المدخول بها التي تحيض) :
قال الشَّافِعِي ﵀: جعل - اللَّه ﵎ على الحُيَّض الأقراء.
وعلى المؤيسات وغير البوالغ الشهور، فقال: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) .
стр. 1184
فإذا كانت تحيض فإنها تصبر إلى الإياس من المحيض بالسن التي من بلغتها من نسائها أو أكثرهن لم تحض، فينقطع عنها الحيض في تلك المدة، وقد قيل: إن مدتها أكثر الحمل، وهو أربع سنين، ولم تحض كانت مؤيسة من المحيض فاعتدت ثلاثة أشهر، وقيل: تتربص تسعة أشهر
- واللَّه تعالى أعلم -، ثم تعتد ثلاثة أشهر.
الأم (أيضاً) : عدة التي يئست من المحيض والتي لم تحض:
قال الشَّافِعِي ﵀: سمعت من أرضى من أهل العلم بقول: إن أول ما
أنزل اللَّه من العدد (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)
فلم يعلموا ما عدة المرأة التي لا أفراء لها، وهي: التي لا تحبض، ولا الحامل، فأنزل اللَّه عز ذكره: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) الآية، فجعل عدة المؤشمة، والتي لم تحض ثلاثة أشهر.
وقوله: (إِنِ ارْتَبْتُمْ) فلم تدروا ما تعتد غير ذات الأقراء.
وقال اللَّه تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
قال - أي: الشَّافِعِي -: وهذا - والله أعلم - يشبه ما قالوا.
الأم (أيضاً) : العدة من الموت والطلاق والزوج غائب:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال عز ذكره: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
стр. 1185
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان بيناً في حكم الله عز ذكره، أن العدة من يوم
يقع الطلاق وتكون الوفاة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا علمت المرأة يقين وفاة الزوج، أو طلاقه ببينة
تقوم لها على موته، أو طلاقه، أو أي علم صادق ثبت عندها، اعتدت من يوم يكون الطلاق، وتكون الوفاة وإن لم تعتد حتى تمضي عدة الطلاق والوفاة، لم يكن عليها عدة؛ لأن العدة إنما هي مدة تمر عليها، فإذا مرت عليها فليس عليها مقام مثلها.
الأم (أيضاً) : باب (الوصية للزوجة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه في عدة الطلاق:
(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
١ - فاحتملت الآية: أن تكون في المطلقة لا تحيض خاصة؛ لأنها سياقها.
٢ - واحتملت أن تكون: في المطلقة، كل معتدة مطلقة تحيض ومتوفى
عنها؛ لأنها جامعة.
٣ - ويحتمل أن يكون: استئناف كلام على المعتدات.
فإن قال قائل: فأي معانيها أولى بها؟
قيل - واللَّه تعالى أعلم -: فأما الذي
يشبه فأن تكون في كل معتدة ومستبرأة.
стр. 1186
فإن قال: ما دل على ما وصفت؟
قيل: - قال الشَّافِعِي -: لما كانت
العدة استبراء وتعبداً، وكان وضع الحمل براءة من عدة الوفاة، هادماً للأربعة أشهر والعشر، كان هكذا في جميع العدد والاستبراء - واللَّه أعلم -، مع أن المعقول أن وضع الحمل غاية براءة الرحم حتى لا يكون في النفس - منه - شيء، فقد يكون في النفس شيء في جميع العدد والاستبراء، وإن كان ذلك براءة في الظاهر - واللَّه الموفق -.
الأم (أيضاً) : عدة الحامل:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله في المطلقات: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فافي مطلقة طُلقت حاملاً، فأجلُها أن تضع حملها.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن كانت تحيض على الحمل، تركت الصلاة، واجتنبها زوجها، ولم تنقضِ عدتها بالحيض؛ لأنها ليست من أهله، إنما أجلها أن تضع حملها.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن كانت ترى أنها حامل، وهي تحيض فارتابت.
أحْصَتِ الحيضَ، ونظرت في الحمل، فإن مرّت لها ثلاث حيض فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، وقد بانَ لها أن ليس بها حمل فقد انقضت عدتها بالثلاث الحيض، فإن ارتجعها زوجها في حال ارتيابها بعد ثلاث حيض، وقفنا الرجعة فإن بانَ بها حمل فالرجعة ثابتة، وإن بانَ أن ليس بها حمل فالرجعة باطلة.
стр. 1187
الأم (أيضاً) : باب (في قطع العبد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى:
(وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
فقال علي بن أبي طالب ﵁: تعتد آخر الأجلين.
وروي عن ابن عباس ﵄ مثل قوله، وقال عمر بن الخطاب ﵁:
إذا وضعت ذا بطنها فقد حلت.
وفي هذا كتاب وسنة، وفي الأقراء قبله كتاب ودلالة من سنة.
الرسالة: في العدد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى:
(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
فقال بعض أهل العلم: قد أوجب اللَّه على المتوفى عنها زوجها أربعة
أشهر وعشراً، وذكر أن أجل الحامل أن تضع، فإذا جمعت أن تكون حاملاً متوفى عنها: أتت بالعدتين معاً، كما أجدها في كل فرضين جعلا عليها أتت بهما معاً.
قال الشَّافِعِي ﵀: فلما قال رسول الله ﷺ لسبيعة بنت الحارث الأسلمية، ووضعت بعد وفاة زوجها بأيام:
"قد حللت فنزوجي" الحديث.
دلَّ هذا على أن العدة في الوفاة والعدة في الطلاق بالأقراء والشهور؛ إنما أريد به من لا حمل به من النساء، وأن الحمل إذا كان فالعدة سواه ساقطة.
стр. 1188
قال الله : (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)
الأم: نفقة المرأة التي لا يملك زوجها رجعتها:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎ في المطلقات: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية.
فكان بيناً - والله تعالى أعلم في هذه الآية - أنها في المطلقة التي لا يملك
زوجها رجعتها، من قِبَلِ أن اللَّه لما أمر بالسكنى عامًّا ثم قال: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
دلَّ على أن الصنف الذي أمِر بالنفقة على ذوات الأحمال منهن صنف دلَّ الكتاب على أن لا نفقة على غير ذوات الأحمال منهن؛ لأنه إذا أوجب لمطلقة بصفة نفقة، ففي ذلك دليل على أنه لا تجب لمن كان في غير صفتها من المطلقات.
الأم (أيضاً) : الخلاف في نفقه المرأة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله في المطلقات:
(وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
فاستدللنا على أن لا فرض في الكتاب لمطلقة مالكة لأمرها غير حامل.
стр. 1189
قال - أي: المحاور -: فإنه قد ذكر المطلقات مرسلات، لم يخصص واحدة دون الأخرى، وإن كان كما تقول ففيه دلالة على أن لا نفقة لمطلقة، وإن كان زوجها يملك الرجعة، وما مبتدأ السورة إلا على المطلقة للعدة.
قلتُ له: قد يطلق للعدة ثلاثاً.
قال - أي: المحاور -: فلو كان كما تقوق ما كانت الدلالة على أنه أراد
بمنع النفقة المبتوتة دون التي له رجعة عليها.
قلتُ: سنة رسول الله ﷺ طًله ئثبت أن الممنوعة النفقة المبتوتة بحميع الطلاق دون التي لزوجها عليها الرجعة، ولو لم تدل السنة عن رسول الله ﷺ على ذلك، فكانت
الآية تأمر بنفقة الحامل، وقد ذكر المطلقات فيها، دلت على أن النفقة للمطلقة الحامل دون الطلقات سواها، فلم يجز أن ينفق على مطلقة إلا أن يجمع الناس على مطلقة تخالف الحامل إلى غيرها من المطلقات، فيُنفق عليها بالإجماع دون غيرها.
الأم (أيضاً) : عدة الأمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك إن كانت - أي: الأمة - مطلقة طلاقاً لا
يملك الرجعة، كانت عليه نفقتها حاملاً ما لم يخرجها سيدها من منزله؛ لأن
الله يقول في المطلقات: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) الآية.
ولم نجد أثراً لازماً ولا إجماعاً بأن لا ينفق على الأمة الحامل، ولو
ذهبنا إلى أن نزعم أن النفقة على الحامل إنما هي للحمل، كانت نفقة الحمل لا تبلغ بعض نفقة أمة، وكما يكون لو كان مولوداً لم تبلغ نفقته بعض نفقة أمه، ولكنه حكم اللَّه تعالى علينا اتباعه تعبداً.
стр. 1190
وقد ذهب بعض الناس إلى أن جعل للمطلقة لا يملك زوجها رجعتها
النفقة قياساً على الحامل، فقال: الحامل محبوسة بسببه، وكذلك المعتدة بغير
الحمل محبوسة بسببه عن الأزواج.
فذهبنا: إلى أنه غلط، وإنَّما أنفقنا على الحامل بحكم اللَّه لا بأنها محبوسة بسببه، وقد تكون محبوسة بسببه بالموت ولا نفقة لها، واستدللنا بالسنة على أن لا نفقة للتي لا يملك زوجها رجعتها إذا لم تكن حاملاً.
الأم (أيضاً) : باب (الطلاق) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً وقد دخل بها، فإن
أبا حنيفة رحمه اللَّه تعالى كان يقول في ذلك: لها السكنى والنفقة حتى تنقضي
عدتها وبه يأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: لها السكنى وليس لها النفقة. وقال أبو حنيفة: ولِمَ؟ وقد قال الله في كتابه: (فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)
وبلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه جعل للمطلقة ثلاثاً السكنى والنفقة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ولا حبل بها، فلها
السكنى وليس لها نفقة، وهذا مكتوب في كتاب الطلاق.
الأم (أيضاً) : باب (سكنى المطلقات ونفقاتهن) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال عز ذكره في المطلقات: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية.
стр. 1191
قال الشَّافِعِي ﵀: فذكر اللَّه المطلقات جملة لم يخصص منهن مطلقة دون مطلقة، فجعل على أزواجهن أن يسكنوهن من وجدهن، وحرم عليهم أن يخرجوهن، وعليهن أن يخرجن إلا أن - يأتين - بفاحشة مبينة فيحل إخراجهن، فكان من خوطب بهذه الآية من الأزواج يحتمل أن إخراج الزوج امرأته المطلقة من بيتها منعها السكنى.
قال الشَّافِعِي ﵀: ويحتمل أمر اللَّه بإسكانهن وأن لا يخرجن، ولا يخرجن مع ما وصفت أن لا يخرجن بحال ليلاً ولا نهاراً، ولا لمعنى إلا معنى عذر.
وقد ذهب بعض من ينسب إلى العلم في المطلقة هذا المذهب، فقال: لا
يخرجن ليلاً ولا نهاراً بحال إلا من عذر.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو فعلت هذا كان أحب إليَّ، وكان احتياطاً لا
يبقى في القلب معه شيء.
الأم (أيضاً) : الإجارات:
قال الشَّافِعِي ﵀: والأجارات أصول في أنفسها، بيوع على وجهها.
وهذا كله جائز، قال الله ﵎: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)
فأجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود وقلته.
وكثرة اللبن وقلته، ولكن لما لم يوجد فيه إلا هذا جازت عليه، وإذا جازت عليه جازت على مثله، وما هو في مثل معناه، وأحرى أن يكون أبين منه.
стр. 1192
الأم (أيضاً) : وجوب نفقه المرأة)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا ابن عيينه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة زوج النبي ﷺ أن هنداً قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس لي إلا ما يدخل بيتي فقال رسول الله ﷺ :
"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" الحديث.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة.
عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها حدثته أن هنداً أم معاوية، جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما
يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سراً وهو لا يعلم، فهل عليَّ في ذلك من
شيء؟ فقال النبي ﷺ :
"خدي ما يكفيك وولدك بالمعروف" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: (في قول الله :
(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الآية.
بيان أن على الأب أن يقوم بالمؤنة التي في صلاح
صغار ولده من رضاع، ونفقة، وكسوة، وخدمة.
стр. 1193
قال الشَّافِعِي ﵀: وينفق على ولده حتى يبلغوا المحيض والحلم، ثم لا
نفقة لهم عليه إلا أن يتطوع، إلا أن يكونوا زَمنَى فينفق عليهم قياساً على النفقة عليهم، إذا كانوا لا يُغنون أنفسهم في الصغر، وسواء في ذلك الذكر والأنثى.
الأم (أيضاً) : النفقة على الأقارب:
قال الشَّافِعِي ﵀: ففي كتاب الله ، ثم في سنة رسول الله ﷺ بيان أن الإجارة جائزة على ما يعرف الناس، إذ قال اللَّه : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية.
والرضاع يختلف فيكون صبي أكثر رضاعاً من صبي، وتكون امرأة أكثر لبناً
من امرأة، ويختلف لبنها فيقل ويكثر، فنجوز الإجارة على هذا؛ لأنه لا يوجد فيه أقرب مما يحيط العلم به من هذا.
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في النكاح على الإجارة)
قال الشَّافِعِي ﵀: الصداق ثمن من الأثمان، فكل ما يصلح أن يكون
ثمناً صلح أن يكون صداقاً. ..
فإن قال قائل: ما دلَّ على هذا؟
قيل: إذا كان المهر ثمناً كان في معنى هذا، وقد أجازه اللَّه في الإجارة في كتابه، وأجازه المسلمون، وقال اللَّه : (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية.
مختصرالمزني: نفقة التي لا يملك زوجها رجعتها وغير ذلك:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى:
(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ)
وقال: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)
стр. 1194
فلما أوجب اللَّه لها نفقة بالحمل، دل على أن لا نفقة لها بخلاف الحمل.
ولا أعلم خلافاً أن التي يملك رجعتها في معاني الأزواج في أن عليه نفقتها
وسكناها، وأن طلاقه، وإيلاءه، وظهاره، ولعانه يقع عليها وأنها ترثه ويرثها.
فكانت الآية على غيرها من المطلقات، وهي التي لا يملك رجعتها وبذلك
جاءت سُنَّة رسول الله ﷺ في فاطمة بنت قيس: بتَّ زوجُها طلاقَها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال:
"ليس لكِ عليه نفقة" الحديث.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في العدة وفي الرضاع وفي النفقات:
وبهذا الإسناد في (الإملاء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يلزم المرأة رضاع ولدها، كانت عند زوجها، أو لم تكن، إلا إن شاءت.
وسواء كانت شريفة، أو دنيَّة، أو موسرة، أو معسرة.
لقول اللَّه : (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) الآية.
* * *
قال الله : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ)
الأم: باب (قَذرِ النفقة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: والنفقة نفقتان:
١ - نفقة الموسر.
стр. 1195
٢ - ونفقة المقتر عليه رزقه، وهو: الفقير، قال اللَّه : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وأقل ما يلزم المقتر من نفقة امرأته بالمعروف ببلدهما.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن كان المعروف أن الأغلب من نظرائها لا تكون
إلا مخدومة، عالها وخادماً لها واحداً لا يزيد عليه، وأقل ما يعولها به وخادمها
ما لا يقوم بدن أحد على أقل منه، وذلك مدٌّ بمدِّ النبي ﷺ لها في كل يوم من طعام البلد الذي يقتاتون (حنطة كان أو شعيراً أو ذرة أو أرزاً أو سلقاَ)
ولخادمها مثله، ومكيلة من أدُمِ بلادها (زيتاً كان أو سمناً) ، بقدر ما يكفي ما
وصفت من ثلاثين مداً في الشهر، ولخادمها شبيه به، ويفرض لها في دهن ومشط أقل ما يكفيها، ولا يكون ذلك لخادمها؛ لأنه ليس بالمعروف لها.