← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يتأخر ويتقدم، وإنما الآجال معلومة، بايام موقوتة، أو أهِلَّة، وأصلها في القرآن قال تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) الآية، فقد وقت بالأهلة كما وقت بالعدة، وليس العطاء من مواقيته ﵎، وقد يتأخر الزمان ويتقدم، وليس تتأخر الأهلة أبداً أكثر من يوم. قال الله : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) الأم: المشي إلى الجمعة: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال عز ذكره: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا) الآية. السعي: هو العمل، لا السعي على الأقدام. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال زهير: سعى بعهدهم قوم لكي يدركوهمُ ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا وزاد بعض أصحابنا في هذا البيت: وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهمُ قَبلُ وهل يحمل الخطي إلا وشيجه ... وتُغرس إلَّا في منابتَها النخلُ

стр. 142

قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني عبد الله ابن عبد الرحمن بن جابر بن عتيك، عن جده جابر بن عتيك صاحب النبي ﷺ . قال: "إذا خرجت إلى الجمعة فامش على هينتك" الحديث. قال الله : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الأم: كتاب الجزية) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: خلق اللَّه الخلق لعبادته، فأبان جل وعلا أن خيرته من خلقه: أنبياؤه، فقال ﵎: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الآية، فجعل - سبحانه - النبيين صلى اللَّه عليهم وسلم من أصفيائه - دون عباده - بالأمانة على وحيه، والقيام بحجته فيهم. الرساله: المقدمة: قال الشَّافِعِي ﵀ ئعاك: فإئه ﵎ يقول: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) الآية. فكان خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه. بفتح رحمته، وختم نبوته، وأعم ما أرسل به مُرسَل قبله، المرفوع ذكرُهُ مع ذكره

стр. 143

في الأولى، والشافعُ المشفع في الأخرى، أفضل خلقه نفساً، وأجمعهم لكل خُلُق رضيه في دين ودنيا، وخيرهم نسباً وداراً: محمداً عبده ورسوله ﷺ . قال الله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) الأم: أصل فرض الجهاد: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولما مضت لرسول الله ﷺ مدة من هجرته، أنعم اللَّه تعالى فيها على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون اللَّه قوة بالعدد، لم تكن قبلها، ففرض اللَّه تعالى عليهم الجهاد، بعد إذ كان إباحة لا فرضاً، فقال ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) الآية. الأم (أيضاً) : من لا يجب عليه الجهاد: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فلما فرض اللَّه تعالى الجهاد، دلَّ في كتابه. وعلى لسان نبيه ﷺ ، أنه لم يفرض الخروج إلى الجهاد على مملوك، أو أنثى بالغ، ولا حر لم يبلغ. لقوله اللَّه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) الآية. وكل هذا يدل على أنه أراد به الذكور دون الإناث. . .

стр. 144

ودلت السنة، ثم ما لم أعلم فيه مخالفاً من أهل العلم على ما وصفت. وذكَرَ حديث ابن عمر في ذلك. الأم (أيضاً) : كيف تفضل فرض الجهاد": أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) الآية، مع ما أوجب - اللَّه - من القتال في غير آية من كتابه، وقد وصفنا أن ذلك على الأحرار المسلمين البالغين دون غير ذوي العذر، بدلائل الكتاب والسنة، فإذا كان فرض الجهاد - على من فُرِض عليه - محتملاً لأن يكون كفرض الصلاة وغيرها عامًّا، ومحتملاً لأن يكون على غير العموم، فدل كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ على أن فرض الجهاد، إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران: أحدهما: أن يكون بإزاء العدو المَخُوف على المسلمين من يمنعه. الآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يُسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية.

стр. 145

قال الله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) الأم: كتاب سير الأوزاعي: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: - روى - الكلبي من حديث رفعه إلى رسول اللَّه ﷺ أنه بعث عبد اللَّه بن جحش - في سرية - إلى بطن نخلة، فأصاب هنالك عمرو بن الحضرمي، وأصاب أسيراً أو اثنين، وأصاب ما كان معهم من أدم وزيت وتجارة (من تجارة أهل الطائف) ، فقدم بذلك على رسول الله ﷺ . ولم يقسم ذلك عبد الله بن جحش ﵁ حتى قدم المدينة، وأنزل اللَّه في ذلك: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) حتى فرغ من الآية - فقبض رسول الله ﷺ المغنم وخَمَّسهُ. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأما ما احتُج به من وقعة عبد اللَّه بن جحش، وابن الحضرمي، فذلك قبل بدر، وقبل نزول الآية، وكانت وقعتهم في آخر يوم من الشهر الحرام، فوقفوا فيما صنعوا، حتى نزلت: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ) الآية. وليس مما خالفه فيه الأوزاعي بسبيل.

стр. 146

الأم (أيضاً) : المرتد عن الإسلام: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ومن انتقل عن الشرك إلى الإيمان، ثم انتقل عن الإيمان إلى الشرك (من بالغي الرجال والنساء) استتيب، فإن تاب قُبِل منه، وإن لم يتب قُتِل قال اللَّه : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) إلى قوله: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الآية. الأم (أيضاً) : باب المرتد الكبير: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تبارك اسمه: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) الآية. أخبرنا الثقة، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ له قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: فلم يجز في قول النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" إحداهن الكفر بعد الإيمان، إلا أن تكون كلمة الكفر تحل الدم، كما يُحله الزنا بعد الإحصان، أو تكون كلمة الكفر تحل الدم إلا أن يتوب صاحبه، فدلَّ كتاب اللَّه ، ثم سنة رسوله ﷺ أن معنى قول الرسول ﷺ : كفر بعد إيمان" إذا لم يتب من الكفر، وقد وضعتُ هذه الدلائل مواضعها.

стр. 147

قال الله : (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) الأم: نكاح نساء أهل الكتاب: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أحل اللَّه ﵎ حرائر المؤمنات. واستثنى في إماء المؤمنات أن يحلُلْن، بأن يجمع ناكحهن ألَّا يجد طولاً لحرة، وأن يخاف العنت في ترك نكاحهن، فزعمنا أنَّه لا يحلُّ أمة مسلمة حتى يجمع ناكحها الشرطين اللذين أباح اللَّه نكاحها بهما، وذلك أن أصل ما نذهب إليه إذا كان الشيء مباحاً بشرط: أن يباح به، فلا يباح إذا لم يكن الشرط، كما قلنا في الميتة نباح للمضطر ولا تباح لغيره. .. وقال اللَّه ﵎: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) الآية. فأطلق التحريم تحريماً بأمر وقع عليه اسم الشرك. الأم (أيضاً) : نكاح نساء أهل الكتاب وتحريم إمائهم: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) إلى قوله: (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) الآية، وقد قيل في هذه الآية: إنهها نزلت في جماعة مشركي العرب الذين هم أهل الأوثان، فحرم نكاح نسائهم، كما حرم أن ننكح رجالهم المؤمنات، قال: فإن كان هذا هكذا، فهذه الآية ثابتة ليس فيها منسوخ.

стр. 148

قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قبل هذه الآية في جميع المشركين، ثم نزلت الرخصة بعدها في إحلال نكاح حرائر أهل الكتاب خاصة، كما جاءت في إحلال ذبائح أهل الكتاب. الأم (أيضاً) : ما جاء في نكاح المحدودين: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ومن قال هذا حكم بينهما، فالحجة عليه بما وصفنا من كتاب اللَّه الذي اجتمع على ثبوت معناه أكثر أهل العلم، فاجتماعهم أولى أن يكون ناسخاً وذلك قول اللَّه : (فَلَا تَرْجِعُوهُن إِلَى الْكفارِ) ، الآية، وقوله : (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواأ) الآية، فقد قيل: إن هاتين الأبتين في مشركات أهل الأوثان. وقد قيل: في المشركات عامة ثم رُخص منهن في حرائر أهل الكتاب. الأم (أيضاً) : ما جاء في نكاح إماء المسلمين وحرائر أهل الكتاب وإمائهم: أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) الآية. فنهى اللَّه في هذه الآية - وآية الممتحنة - عن نكاح نساء المشركين، كما نهى عن إنكاح رجالهم.

стр. 149

وقال: وهاتان الآيتان تحتملان معنيين: الأول: أن يكون أرِيد بهما مشركو أهل الأوثان خاصة، فيكون الحكم فيهما بحاله لم ينسخ، ولا شيء منه؛ لأنّ الحكم في أهل الأوثان: ألَّا ينكح مُسْلم منهم امرأة، كما لا ينكح رجل منهم مسلمة. وقد قيل هذا فيها، وفيما هو مثله عندنا - واللَّه أعلم به -. الثاني: وتحتملان أن تكونا - الآيتان - في جميع المشركين، وئكون الرخصة نزلت بعدها في حرائر أهل الكتاب خاصة، كما جاءت في ذبائح أهل الكتاب من بين المشركين خاصة. الأم (أيضاً) : المدعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) الآية، فحرَّم: المشركات جملة. .. قال الشَّافِعِي ﵀: فأحلُّ اللَّه صنفاً واحداً من المشركات بشرطين: أحدهما: أن تكون المنكوحة من أهل الكتاب. والثاني: أن تكون حُرَّة. لأنَّه لم يختلف المسلمون في أنَّ قول اللَّه فَي: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . الآية. هن: الحرائر. أحكام القرآن: ما يؤثر في النكاح والصداق وغير ذلك: قال الشَّافِعِي ﵀: وإن كانت الآية: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) الآية، نزلت في تحريم نساء المسلمين على المشركين - من مشركي أهل

стр. 150

الأوثان -، فالمسلمات محرَّمات على المشركين منهم بالقرآن بكل حال، وعلى مشركي أهل الكتاب، لقطع الولاية بين المسلمين والمشركين، وما لم يختلف الناس فيه علمتُه. قال الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) الأم: كتاب الحيض: أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأبان أنها حائض، غير طاهر، وأمر ألا تقرب حائض حتى تطهر، ولا إذا طهرت حتى تتطهر بالماء، وتكون ممن تحل لها الصلاة، ولا يحل لامرئ كانت امرأته حائضاً أن يجامعها حتى تطهر، فإن اللَّه تعالى جعل التيمم طهارة إذا لم يوجد الماء، أو كان التيمم مريضاً، ويحل لها الصلاة بغسل إن وجدت ماء، أو تيمم إذا لم تجده.

стр. 151

الأم (أيضاً) : باب (ترك الحائض الصلاة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية، فكان بيناً في قول اللَّه : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) بأنهن حِيَّض في غير حال الطهارة، وقضى على الجنب ألا يقرب الصلاة حتى يغتسل، وكان بيناً أن لا مدة لطهارة الجنب إلا الغسل، وأن لا مدة لطهارة الحائض إلا ذهاب الحيض، ثم الاغتسال لقول اللَّه : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) وذلك بانقضاء الحيض، (فَإِذَا تَطَهرْنَ) يعني بالغسل، فإن السنة تدل على أن طهارة الحائض بالغسل، ودلت سنة رسول الله ﷺ على بيان ما دلَّ عليه كتاب اللَّه تعالى من ألا تصلي الحائض - حتى تطهر -. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأمر رسول الله ﷺ عائشة ألا تطوف بالبيت حتى تطهر، فدل على ألا تصلي حائضاً، لأنها غير طاهر ما كان الحَيض قائماً. وكذلك قال اللَّه : (حَتى يَطهُرْنَ) . الأم (أيضاً) : باب (المستحاضة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولم يُذكَر في حديث عائشة الغسل عند تولي الحيضة، وذكِرَ غَسْلُ الدم، فأخذنا بإثباث الغسل من قول اللَّه ق: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية، فقيل: - واللَّه تعالى أعلم - يطهرن: من الحيض، فإذا تطهرن: بالماء.

стр. 152

ثم من سنة رسول الله ﷺ ما أبان رسول الله ﷺ أن الطهارة بالماء الغسل. وفي حديث حمنة بنت جحش ﵂ فأمرها في الحيض أن تغتسل إذا رأت أنها طَهُرَت، ثم أمرها - في حديث حمنة - بالصلاة. فدل ذلك على أن لزوجها أن يصيبها، لأن الله تبارك ؤتعالى أمر باعتزالها حائضاً، وأذن في إتيانها "طاهراً. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا سفيان قال: أخبرني الزهري. عن عمرة، عن عائشة، أن أم حبيبة (بنت جحش ﵂ استحيضت فكانت لا تصلي سبع سنين فسألت رسول الله ﷺ فقال: "إنَّما هو عِرْق وليست بالحيضة"، فأمرها رسول الله أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة وتجلس في المِرْكن فيعلوه الدم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد روى غير الزهري هذا الحديث أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة ولكن رواه عن عمرة بهذا الإسناد والسياق. والزهري أحفظ منه، وقد روى فيه شيئاً، يدل على أن الحديث غلط، قال: تترك الصلاة قدر أقرائها، وعائشة تقول الأقراء: الأطهار، قال: أفرأيت لو كانت تثبت الروايتان فإلى أيهما تذهب؟ قلت: إلى حديث حمنة بنت جحش ﵂ وغيره مما أعرف فيه بالغسل عند انقطاع الدم، ولو لم يؤمرن به عند كل صلاة. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال فهل من دليل غير الخبر؟ قيل: نعم، قال : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فدلت سنة رسول الله ﷺ أن الطهر: هو الغسل.

стр. 153

الأم (أيضاً) : باب - (الخلاف في المستحاضة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فقال لي قائل: تصلي المستحاضة، ولا يأتيها ْزوجها، وزعم لي بعض من يذهب مذهبه، أن حجته فيه أن اللَّه ﵎ قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) الآية، وأنه قال في الأذى أنه أمر باجتنابها فيه، فأثم فيها، فلا يحل له إصابتها. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فقيل له: حكم اللَّه في أذى المحيض أن تعتزل المرأة، ودلت سنة رسول الله ﷺ على أن حكم اللَّه أن الحائض لا تصلي، فدل حكم اللَّه وحكم رسوله ﷺ أن الوقت الذي أمر الزوج باجتناب المرأة فيه للمحيض، الوقت الذي أمرت المرأة فيه إذا انقضى المحيض بالصلاة. قال: نعم. فقيل له: فالحائض لا تطهر وإن اغتسلت، ولا يحل لها أن تصلى، ولا تمس مصحفاً، قال: نعم. فقيل له: حكم رسول الله ﷺ يدل على أن حكم أيام الاستحاضة حكم الطهر، وقد أباح اللَّه للزوج الإصابة إذا تطهرت الحائض. وقوله ﷺ قال في الاستحاضة: إنما ذلك عِرق وليس بالحيضة. . .. الأم (أيضاً) : باب (إتيان النساء حِيَّضاً) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) الآية. قال: فزعم بعض أهل العلم بالقرآن، أن قول اللَّه : (حَتَّى يَطْهُرْنَهُ) حتى يَرَيْن الطهر (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) بالماء (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أن تجتنبوهن.

стр. 154

قال وما أشبه ما قال - والله تعالى أعلم - بما قال، ويشبه أن يكون تحريم الله إتيان النساء في المحيض؛ لأذى الحيض، وإباحته إتيانهن إذا طهرن، وتطهُّرن بالماء من الحيض، على أن الإتيان المباح في الفرج نفسه كالدلالة على أن إتيان النساء في أدبارهن محرم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وبين في الآية: إنما نهى عن إتيان النساء في المحيض، ومعروف أن الإتيان، الإتيان في الفرج؛ لأن التلذذ بغير الفرج في شيء من الجسد ليس إتياناً. الأم (أيضاً) : باب (في إتيان الحائض) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) الآية، يحتمل معنين: أحدهما: فاعتزلوهن في غير الجماع. ثانيهما: لا تقربوهن في الجماع. فيكون اعتزالهن من وجهين؛ والجماع أظهر معانيه لأمر اللَّه بالاعتزال ثم قال: (وَلَا تَقرَبُوهُن) الآية، فأشبه أن يكون أمراً بيناً وبهذا نقول لأنه قد يحتمل أن يكون أمر باعتزالهن، ويعني أن اعتزالهن: الاعتزال في الجماع. الأم (أيضاً) : باب (طهر الحائض) : أخبرنا الربيع قال:

стр. 155

أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: وإذا انقطع عن الحائض الدم، لم يقربها زوجها حتى تطهر للصلاة، فإن كانت واجدة للماء فحتى تغتسل، وإن كانت مسافرة غير واجدة للماء فحتى تتيمم لقول الله : (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) الآية، أي حتى ينقطع الدم ويرين الطهر، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني - واللَّه تعالى أعلم -: الطهارة التي تحل بها الصلاة لها، ولو أتى رجل امرأته حائضاً، أو بعد تولية الدم، ولم تغتسل، فليستغفر اللَّه ولا يعد حتى تطهر، وتحل لها الصلاة، وقد روي فيه شيء لو كان ثابتاً أخذنا به، ولكنه لا يثبت مثله. الأم (أيضاً) : باب (ما ينال من الحائض) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخيرنا مالك، عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما أرسل إلى عائشة ﵂ يسألها: "هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؛ فقالت: لتشدد إزارها على أسفلها ثم يياشرها إن شاء" الحديث. الأم (أيضاً) : باب (نكاح حرائر أهل الكتاب) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: - وبينَ في نكاح الكتابية - وله جبرها على الغسل من الحيضة، ولا يكون له إصابتها إذا طهرت من الحيض حتى تغتسل؛ لأن الله يقول (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فقال بعض أهل العلم بالقرآن: حتى ترى الطهر قال: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني: بالماء إلا أن تكون في سفر لا تجد الماء فتتيمم، فإذا صارت ممن تحل لها الصلاة بالطهر حلت له.

стр. 156

الأم (أيضاً) : النصرانية تحت المسلم: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا كانت النصرانية عند المسلم فطهرت من الحيضة، جُبرت على الغسل منها، فإن امتنعت أُدِّبت حتى تفعل؛ لأنها تمنعه الجماع في الوقت الذي يحل له، وقد قال اللَّه : (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) الآية، فزعم بعض أهل التفسير أنه حتى يطهرن من الحيض قال اللَّه تعالى ١: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني بالماء (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) الآية. الرسالة: باب (فرض الصلاة الذى دل الكتاب ثم السنة على من تزول عنه بالعذر: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) . قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: افثرض اللَّه الطهارة على المصلي، في الوضوء والغسل من الجنابة، فلم تكن لغير طاهر صلاة. ولما ذكر اللَّه المحيض فأمر باعتزال النساء فيه حتى يطهرن، فإذا تطهرن أتِينَ. استدللنا على أن تطهرهن بالماء بعد زوال المحيض، لأن الماء موجود في الحالات كلها في الحضر، فلا يكون للحائض طهارة بالماء، لأن اللَّه إنما ذكر التطهر بعد أن يَطْهُرن، ويطَهرُهُن: زوال المحيض في كتاب اللَّه ثم سنة رسوله.

стр. 157

ْأخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي اللَّه عنها: وذكرت إحرامها مع النبي ﷺ ، وأنها حاضت، فأمرها أن ئقضي ما يقضي الحاج "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" الحديث. أحكام القرآن: فصل فيما يؤثر عن الشَّافِعِي من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات: وفيما أنباني أبو عبد اللَّه (إجازة) عن الربيع قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الآية. فأبان: أنها حائض غير طاهر. وأمرنا: أن إلا نقرب حائضاً حتى تطهر، ولا إذا طهرت حتى تتطهر بالماء، وتكون ممن تحل لها الصلاة. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال بعض أهل العلم بالقرآن: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) الآية، أن تعتزلوهن يعني: في مواضع الحيض. وكانت الآية محتملة لما قال. ومحتملة: أن اعتزالهن: اعتزال جميع أبدانهن، ودلت سنة رسول الله ﷺ : على اعتزال ما تحت الإزار منها، وإباحة ما فوقها - أي: ما فوق الإزار -. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان مبيناً في قول اللَّه : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) أنهن حُيض في غير حال الطهارة وقضى اللَّه على الجنب: أن لا يقرب الصلاة

стр. 158

حتى يغتسل، فكان مبيناً: أن لا مدة لطهارة الجنب إلا الغسل، ولا مدة لطهارة الحائض إلا ذهاب الحيض، ثم الغسل، لقول اللَّه : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، وذلك انقضاء الحيض، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني: بالغسل، لأن السنة دلت على أن طهارة الحائض: الغسل، ودلت على بيان ما دلَّ عليه كتاب اللَّه: من ألَّا تصلي الحائض. فذكر حديث عائشة ﵂ ثم قال: وأقرَّ النبي ﷺ عائشة ﵂: "أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". الحديث، يدل على ألَّا تصلي حائضاً؛ لأنها غير طاهر ما كان الحيض قائماً، ولذلك قال اللَّه : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) . قال الله : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) الأم: باب (إتيان النساء في أدبارهن) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)) الآية، قال: وبيِّن أن موضع الحرث موضع الولد، وأن اللَّه تعالى أباح الإتيان فيه إلا في وقت المحيض. و (أَنَّى شِئْتُمْ) : من أين شئتم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإباحة الإتيان في موضع الحرث، يشبه أن يكون تحريم إتيان في غيره، فالإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القُبُل محرَّم بدلالة الكتاب ثم السنة. وذكر حديث جواب النبي ﷺ لمن سأله عن هذه الآية: " أمن دبرها في قبلها فنعم، أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" الحديث.

стр. 159

الأم (أيضاً) : باب (إتيان النساء في أدبارهن) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الآية، قال: احتملت الآية معنيين: أحدهما: أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها، لأن (أَنَّى شِئْتُمْ) يبين أين شئتم لا محظور منها، كما لا محظور من الحرث. ثانيهما: واحتملت أن الحرث إنما يراد به النبات، وموضع الحرث الذي يطلب به الولد، الفرج دون ما سواه، لا سبيل لطلب الولد غيره. .. ثم ختم الباب بقوله - أي الشَّافِعِي -: فلست أرَخِّصُ فيه بل أنهى عنه. * * * قال الله : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) مختصر المزنى: باب لغو اليمين من هذا، ومن اختلاف مالك والشافعى رحمهما الله: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه. عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لغو اليمين قول الإنسان لا والله، وبلى والله" الحديث. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: واللغو في لسان العرب: الكلام غير المعقود عليه. وجماع اللغو: هو الخطأ واللغو، كما قالت عائشة ﵂ واللَّه أعلم -.

стр. 160

وذلك إذا كان على اللجاج والغضب والعجلة، وعقد اليمين أن يثبتها على الشيء بعينه. مختصر المزني (أيضاً) : من كتاب الكفارات والنذور والأيمان: أخبرنا سفيان، حدثنا عمرو، عن ابن جريج، عن عطاء قال: ذهبت أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، وهي معتكفة في ثَبير فسألناها عن قول الله : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) الآية، قالت: " هو لا والله، وبلى والله ". أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" الحديث. * * * قال الله : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) الأم: الخلاف في طلاق المختلعة: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله : (فخالفنا بعض الناس في المختلعة، فقال: إذا طُلِّقت في العدة لحقها الطلاق، فسألته هل يروي في قوله

стр. 161

خبراً؛ فذكر حديثاً لا تقوم بمثله حجة عندنا ولا عنده. فقلت: هذا عندنا وعندك غير ثابت. قال: فقد قال به بعض التابعين. فقلت له: وقول بعض التابعين لا يقوم به حجة لو لم يخالفهم غيرهم. قال فما حجتك في أن الطلاق لا يلزمها؟ قلت: حجتي فيه من القرآن والأثر والإجماع، على ما يدل على أن الطلاق لا يلزمها، قال: وأين الحجة من القرآن؟ قلت: قال اللَّه ﵎: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) الآية. وذكر منها أربع آيات أخرى -. قال الشَّافِعِي ﵀: ألا إن أحكام الله ﵎ في هذه الآيات الخمس تدل على أنها ليست بزوجة؛ قال: نعم. .. أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وابن الزبير ﵄ أنهما قالا في المختلعة يطلقها زوجها، قالا: لا يلزمها طلاق، لأنه طلَّق ما لا يملك. . . فكيف يطلق غير امرأته؟! الأم (أيضاً) : الإيلاء واختلاف الزوجين في الإصابة: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال:

стр. 162

أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي قال: قال الله ﵎: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . الآيتان. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان ابن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقول بوقف المُوْلِي. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته، لم يقع عليه طلاق، وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإمُّا أن يطلق، وإما أن يفيء. الأم (أيضاً) : الظهَار: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا تظاهر من أمته - أم ولد كانت، أو غير أم ولد - لم يلزمه الظهار؛ لأن اللَّه يقول: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) الآية، وليست من نسائه، ولا يلزمه الإيلاء، ولا الطلاق، فيما لا يلزمه الظهار، وكذلك قال الله ﵎: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍر) الآية. فلو آلى من أمته لم يلزمه الإيلاء.

стр. 163

مختصر المزني: كتاب الظهَار: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: لأن الله يقول: (يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) فعقلنا عن اللَّه أنها ليست من نسائنا - الإماء أو أم ولد - وإنَّما نساؤنا: أزواجنا. الرسالة: باب (الاختلاف) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . الآيتان. فقال: الأكثر ممن رُوي عنه من أصحاب النبي ﷺ عندنا: إذا مضت أربعة أشهر وُفِفَ المُولِي، فإمَّا أن يفيء، وإما أن يطلق. ورُوِيَ عن غيرهم من أصحاب النبي ﷺ : عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر. ولم يُحفظ عن رسول الله ﷺ في هذا - بأبي هو وأمي - شيئاً. قال: فأيُّ القولين ذهبتَ؟ قلتُ: ذهبت إلى أن المولى لا يلزمه الطلاق، وأن امرأته إذا طلبت حقها منه لم أعرِضْ له حتى تمضي أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر قلت له: فِئ أو طَلِّق، والفَيئَة: الجماع. قال: فكيف اخترْته على القول الذي يخالفه؟ قلت: رأيته أشبه بمعنى كتاب الله وبالمعمول.

стр. 164

قال: وما دل عليه من كتاب اللَّه؟ قلت: لما قال اللَّه : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) الآية، كان ظاهر الآية أن من أَنظَرَهُ اللَّه أربعة أشهر في شيء، لم يكن عليه سبيل حتى تمضي أربعة أشهر. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وليس في الفيئة دلالة على ألَّا يفيء الأربعة إلا مضيُّها، لأن الجماع يكون في طرفة عين، فلو كانت على ما وصفتَ تزَايَلَ حاله حتى تمضي أربعة أشهر، ثم تزايل حالُه الأولى، فإذا زايلها صار إلى أنُّ لله عليه حقاً، فإمَّا أن يفيء، وإمَّا أن يطلق. فلو لم يكن في آخر الآية ما يدل على أن معناها غير ما ذهبتَ إليه، كان قوله أَوْلاَهُما بها، لما وصفنا، لأنه ظاهرها. والقرآن على ظاهره، حتى تأتي دلالة منه، أو سنة، أو إجماع، بأنَّه على باطن وظاهر. قال: فما في سياق الآية ما يدلُّ على ما وصفت؟. قلت: لما ذكر اللَّه : أنُّ للمولي أربعة أشهر ثم قال: (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . الآيتان. فذكر الحكمين معاً بلا فصل بينهما: أنهما إنما يقعان بعد الأربعة أشهر، لأنَّه إنما جعل عليه الفيئة أو الطلاق، وجعل له الخيار فيهما في وقت واحد، فلا يتقدم واحد منهما صاحبه، وقد ذكِرا في وقت واحد، كما يقال له في الرهن أَفْدِه أو نبيعه عليك، بلا فصل، وفي كل ما خُيِّر فيه افعل كذا أوكذا بلا فصل.

стр. 165

ثم قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فَتَكَلْمُ الموُلي بالإيلَى ليس هو طلاق. إنَّما هي يمين، ثم جاءت عليها مدة جعلتها طلاقاً، أيجوز لأحد يعقل من حيث يقول: أن يقول مثل هذا إلا بخبر لازم؟! قال: فهو يدخلُ عليك مثلُ هذا. قلتُ: وأين؟ قال: أنت تقول: إذا مضت أربعة أشهر وُقِفَ، فإن فاء وإلا جُبِرَ على أن يُطلق. قلت: ليس من قِبَلِ أن الإيلى طلاق، ولكنها يمين جعل اللَّه لها وقتاً، منع بها الزوج من الضِّرار، وحكم عليه إذا كانت أن جعل عليه إمَّا أن يفيء، وإمَّا أن يُطَلِّق، وهذا حكم حادث بمضي أربعة أشهر، غير الإيلى، ولكنه مُؤتنَف، يُجبر صاحبُه على أن يأتي بأيهما شاء، فَيئةِ أو طلاق، فإن امتنع منهما أخذ من الذي يُقدر على أخذه منه، وذلك أن يطلق عليه، لأنَّه لا في أن يُجامَع عنه!!. مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على فقه الشافعى، وتقدُّمه فيه، وحسُنُ استنباطه) : وقال ﵎: (فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) . الآية. وقال (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) الآية. وقال (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) قال الشَّافِعِي ﵀: أفرأيت إن قذفها أيُلاعِنُها؛ وآلى منها أيلزمه الإيلاء؛ أو ظاهر أيلزمه الظهار؛ أو ماتت أيرثها؛ أو مات أترثه؟ قال: لا.

стр. 166

قلت: الآن أحكام الله هذه الخمسة تدل على أنها ليست بزوجة. قال: نعم. * * * قال الله : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِ نَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الأم: رضاعة الكبير: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما جعل اللَّه تعالى له غاية فالحكم بعد مضي الغاية فيه غيره قبل مضيها، قال تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية، فكنَّ - إذا مضت الثلاثة الأقراء فحكمهن بعد مضيها غير حكمهن فيها. الأم (أيضاً) : الفرقة بين الأزواج بالطلاق والفسخ: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله تعالى قال: الفرقة بين الزوجين وجوه، يجمعها اسم الفرقة، ويفترق بها أسماء دون اسم الفرقة. فمنها الطلاق: والطلاق ما ابتدأه الزوج، فأوقعه على امرأته بطلاق صريح، أو كلام يشبه الطلاق يريد به الطلاق، وكذلك ما جعل إلى امرأته من أمرها فطلَّقت نفسها، أو إلى غيرها فطلقها، فهو كطلاقه، لأنه بأمره وقع، وهذا

стр. 167

كله إذا كان الطلاق فيه من الزوج، أو ممن جعله إليه الزوج واحدة أو اثنتين، فالزوج يملك فيه رجعة المطلقة ما كانت في عدة منه. قال الشَّافِعِي ﵀: فقال لي بعض الناس: ما الحجة فيما قلت؟ قلت: الكتاب والسنة والآثار والقياس. قال: فأوجدني ما ذكرته. قلت: قال الله ﵎: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) وقال تعالى ذكره: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) إلى قوله: (إِصْلَاحًا) الآية، وقلت: أما يتبين لك في هاتين الآيتين أن اللَّه ﵎ جعل لكل مطلق لم يأت على جميع الطلاق الرجعة في العدة؛ ولم يخصص مطلّقاً دون مطلّق، ولا مطلقة دون مطلقة. وقال الشَّافِعِي ﵀: وقوله في العدة: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) الآية، فلما لم تكن هذه معتدة بحكم اللَّه تعالى، علمت أن اللَّه تبارك وتعالى إنما قصد بالرجعة في العدة، قصد المعتدات، وكان المفَسَّر من القرآن يدل على معنى الجمل، ويفترق بافتراق حال المطلقات. الأم (أيضاً) : طلاق التي لم يدخل بها: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية، وقال: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) الآية. فالقرآن يد، على أنَّ الرجعة لمن طلق واحدة أو ائنتين، إنما هي على المعتدة؛ لأنَّ اللَّه إنما جعل الرجعة في العدة، وكان الزوج لا يملك الرجعة إذا انقضت

стр. 168

العدة، لأنَّه يحلُّ للمرأة في تلك الحال أن تنكح زوجاً غير المطلق، فمن طلق امرأته ولم يدخل بها تطليقة أو تطليفتين فلا رجعة له عليها، ولا عدة، ولها أن تنكح من شاءت ممن يحلَّ لها نكاحه، وسواء البكر في هذا أو الثيب. الأم (أيضاً) : العدد (عدة المدخول بها التي تحيض) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: قال الله ﵎: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والأقراء عندنا - والله أعلم - الأطْهَار. فإن قال قائل: ما دلَّ على أنَّها الأطهَار، وقد قال غيركم الحيض؟ قيل له: دلالتان: أولهما: الكتاب الذي دلَّت عليه السنة. واآخر: اللسان. فإن قال: وما الكتاب؟ قيل: قال اللَّه ﵎: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أنَّه طلق امرأته وهي حائض، في عهد النبي ﷺ فسأل عمر ﵁ رسول اللَّه ﷺ عن ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "مُرهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر،

стр. 169

ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" الحديث. وفي رواية: "قال النبي ﷺ : فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك"، وتلا النبي ﷺ : (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل عدتهن أو في قبل عددتهن) . قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أنا شككت. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فأخبر رسول الله ﷺ عن الله أن العدة: الطهر دون الحيض، وقرأ: "فطلقوهن لقبل عدتهن" أن تطلق طاهراً، لأنها حينئذ تستقبل عدتها. ولو طُلقت حائضاً لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. فإن قال: فما اللسان؟ قيل: القُرْءُ: اسم وضع لمعنى، فلما كان الحيض دماً يرخيه الرحم فيخرج، والطهر دم يحبس فلا يخرج، كان معروفاً من لسان العرب أن القُرْءَ: الحبس؛ لقول العرب: هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه. وتقول العرب: هو يقري الطعام في شدقه، يعني: يحبس الطعام في شدقه. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله في الآية التي ذكر فيها المطلقات ذوات الأقراء: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) إلى قوله: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) الآية.

стр. 170

فكان بيناً في الآية بالتنزيل أنَّه: ١ - لا يحلُّ للمطلقة أن تكتم ما في رحمها من المحيض، وذلك أن يحدث للزوج عند خوفه انقضاء عدتها رأي في ارتجاعها، أو يكون طلاقه إياها أدباً لها، لا إرادة أن تبينَ منه - فتُعلِمه ذلك، لئلا تنقضي عدتها، فلا يكون له سبيل إلى رجعتها. ٢ - وكان ذلك يحتمل: الحمل مع الحيض، لأن الحمل مما خلق اللَّه في أرحامهن. وإاذا سأل الرجل امرأته المطلقة أحامل هي أو هل حاضت؟ فبيّن عندي ألا يحلّ لها أن تكتمه واحداً منهما، ولا أحداً رأت أنَّه يُعلمه إياها؛ وإن لم يسألها ولا أحداً يعلمه إياه، فأحبُّ إليَّ لو أخبرته به. ولو كتمته بعد المسألة - الحمل أو الأقراء - حتى خلت عدتها كانت عندي آثمة بالكتمان، إذ سئلت وكتمت. .. أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، أنَّه قال لعطاء: ما قوله: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) الآية، قال: الولد لا تكتمه ليرغب فيها، وما أدري لعل الحيضة معه. أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أنَّ مجاهداً قال في قول اللَّه : (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) الآية، المرأة المطلقة لا يحلُّ لها أن تقول: أنا حبلى وليست بحبلى، ولا لست بحبلى وهي حبلى، ولا أنا حائض وليست بحائض، ولا لست بحائض وهي حائض. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهذا - إن شاء اللَّه تعالى - كما قال مجاهد لمعانٍ:

стр. 171

منها: ألَّا في الكذب. والآخر: ألَّا تكتمه الحَبَل والحَيضَ، لعله يرغب فيراجع، ولا تدعِيهما لعله يراجع وليست له حاجة بالرجعة؛ لولا ما ذكرت من الحبل والحيض فتغره، والغرور لا يجوز. الأم (أيضاً) : أحكام الرجعة: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قول اللَّه : (إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) الآية. فقال: إصلاح الطلاق: الرجعة - واللَّه أعلم - فمن أراد الرجعة فهي له. لأن اللَّه ﵎ جعلها له. قال الشَّافِعِي ﵀: فأيما زوج حر، طلق امرأته بعد ما يصيبها، واحدة أو اثنتين، فهو أحقُّ برجعتها ما لم تنقض عدتها، بدلالة كتاب اللَّه ، ثم سنة رسول الله ﷺ ن، فإن (رُكَانة) طلق (امرأته ألبتة) ولم يُرِد إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ الحديث. وذلك عندنا في العدة - واللَّه تعالى أعلم -. الأم (أيضاً) : الاستبراء: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: لم زعمت أن الاستبراء: طهر ثم حيضة، وزعمت في العدة أن الأقراء: الأطهار؟

стр. 172

قلنا له: بتفريق الكتاب ثم السنة بينهما، فلما قال اللَّه : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية، ودلَّ رسول الله ﷺ على أن الأقراء: الأطهار، لقوله في ابن عمر ﵄: "يطلقها طاهراً من غير جماع. تلك العدة الي أمر الله أن تطلق لها النساء. فأمَرناها أن تأتي بثلاثة أطهار، فكان الحيض فيها فأصلاً بينهما حتى يُسمى كل طهر منها غير الطهر الآخر، لأنه لو لم يكن بينهما حيض كان طهراً واحداً. وكان قول النبي ﷺ في الإماء: "يسئبرئن بحيضة" يقصد: قصد الحيض بالبراءة، فأمرناها أن تأتي بحيض كامل، كما أمرناها إذا قصد: قصد الأطهار، أن تأتي بطهر كامل. الأم (أيضاً) : كيف تثبت الرجعة؟) قال الشَّافِعِي ﵀: لما جعل اللَّه الزوج أحق برجعة امرأته في العدة، كان بيناً أن ليس لها منعه الرجعة، ولا لها عوض في الرجعة بحال، لأنها له عليها لا لها عليه، ولا أمر لها فيما له دونها، فلما قال اللَّه : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) الآية. كان بيناً أن الرد هو بالكلام دون الفعل من جماع وغيره، لأن ذلك رد بلا كلام، فلا تثبت رجعة لرجل على امرأته حتى يتكلم بالرجعة. .. مثل: قد راجعتها، أو قد رددتها إليَّ، ونحو ذلك مما يدل على الرجعة -. الأم (أيضاً) نكاح المطلقة ثلاثاً: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) الآية، أي: إصلاح ما أفسدوا بالطلاق بالرجعة، فالرجعة

стр. 173

ثابنة لكل زوج غير مغلوب على عقله، إذا أقام الرجعة. وإقامتها: أن يتراجعا في العدة التي جعل اللَّه عز ذكره عليها فيها الرجعة. الأم (أيضاً) : الطلاق الذي تُمْلَكُ فيه الرجعة: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) الآية كلّها. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فكان بيناً في كتاب اللَّه تعالى أن كل طلاق حُسِب على مطلًقة فيه عدد طلاق - إلا الثلاث - فصاحبه يملك فيه الرجعة. وكان ذلك بيناً في حديث ركانة عن رسول الله ﷺ ، وإلا الطلاق الذي يؤخذ عليه مال - الخلع -، لأن اللَّه تعالى أذن به، وسماه فدية. الأم (أيضاً) : (طلاق المُولى عليه والعبد) قال الشَّافِعِي ﵀: في مناقشة بعض أهل الحجاز إنَّه: ليس للعبد طلاق، والطلاق بيد السيد وقال - اللَّه - في المطلقات: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) الآية، فكان العبد ممن عليه حرام، وله حلال، فحرامه: بالطلاق، ولم يكن السيد ممن حلت له امرأته فيكون له تحريمها. الأم (أيضاً) : باب (ما يفطر الصائم والسحوو والخلاف فيه) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهذا حجة لنا على من قال في المطلقة لزوجها عليها الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وقد قال اللَّه تبارك

стр. 174

وتعالى: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) والقرء عنده الحيضة فما بال الغسل! وإن وجب بالحيض فهو غير الحيض. الأم (أيضاً) : كتاب (النفقات) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) . قال الشَّافِعِي ﵀: هذه جملة ما ذكر اللَّه من الفرائض بين الزوجين، وقد كتبنا ما حضرنا مما فرض الله للمرأة على الزوج، وللزوج على المرأة، مما سَن رسول الله ﷺ . قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض الله أن يؤديَ كل ما عليه بالمعروف. وجماع المعروف: إعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، وأداؤه إليه بطيب النفس، لا بضرورئه إلى طلبه، ولا تأديته بإظهار الكراهية لتأديته، وأيهما ترك فظلم؛ لأن مَطْلَ الغني ظُلْم، ومَطلُه: تأخيره الحق. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، - واللَّه أعلم - أي: فمالهن مثل ما عليهن من أن يُؤدى إليهن بالمعروف. الأم (أيضاً) : جماع عشْرَة النساء: قال الشَّافِعِي ﵀: قال جل وعلا: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) الآية. فجعل اللَّه للزوج على المرأة، والمرأة على الزوج

стр. 175

حقوتاً بينها في كتابه، وعلى لسان نبيه مُفسَّرة ومجملة، ففهمها العرب الذين خوطبوا بلسانهم على ما يعرفون من معاني كلامهم. قال الشَّافِعِي ﵀: وقال: أقل ما يجب في أمره بالعشرة بالمعروف: أن يؤدِّي الزوج إلى زوجثه ما فرض اللَّه لها عليه، من نفقة وكسوة وترك ميل ظاهر، فإنه يقول : (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) . وجماع المعروف: إتيانُ ذلك بما يحسن لك ثوابه، وكفُّ المكروه. اختلاف الحديث: باب (طلاق الحائض) : أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حُسِبَت تطليقةُ ابن عمر ﵄ على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: "نعم" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن النبي ﷺ أمر عمر ﵁، أن يأمر ابن عمر ﵄، أن يراجع امرأته دليل بين على أنه لا يقال له راجع، إلا ما قد وقع عليه طلاقه، لقول الله

стр. 176

في المطلقات: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) الآية، وأن معروفاً في اللسان، بأنه إنما يقال للرجل: راجع امرأتك إذا افترق هو وامرأته. . . ثم قال: والقرآن يدل على أنها تحسب - أي: تطليقة ابن عمر لزوجته وهي حائض - قال اللَّه تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) الآية. لم يخصص طلاقاً دون طلاق، وما وافق ظاهر كتاب اللَّه من الحديث أولى أن يثبت. مسند الشَّافِعِي: ومن كتاب (العدد إلا ما كان منه معاداً) : قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس، وقالوا: إن اللَّه يقول: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) الآية، فقالت عائشة ﵂: صدقتم وهل تدرون ما الأقْرَاءُ؟ الأقراء: الأطهار الحديث. أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا هو يقول هذا (يريد الذي قالت عائشة رضي الله عنها) الحديث.

стр. 177

مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على فقه الشَّافِعِي، وتقدمه فيه، وحُسن استنباطه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) الآية. فلما كانت الصلاة مما يقوم به الإمام على المأموم، لم يجز أن تكون المرأة التي عليها القيِّم قيِّمةَ على قيِّمِها. ولما كانت الإمامة درجة فضل، لم يجز أن يكون لها درجة الفضل على من جعل اللَّه له عليها درجة. ولما كان من سنة النبي ﷺ ، ثم الإسلام أن تكون متأخرة خلف الرجال، لم يجز أن تكون متقدمة بين أيديهم. فإن قال قائل: فالعبد مفضول؟ قيل: وكذلك الحرُّ يكون مفضولاً، ثم يتقدم من هو أفضل منه فيجوز. وقد يكون العبد خيراً من الحر، وقد تأتي عليه الحال يعتق فيصير حراً. وهو في كل حال من الرجال، والمرأة لا تصير بكل حال من أن تكون امرأة عليها قيم من الرجال في عامة أمرها. * * * قال الله : (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُ دُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) الأم: جماع عشرة النساء: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) الآية.

стр. 178

جماع المعروف: إتيان ذلك بما يحَسنُ لك ثوابه، وكفُّ المكروه. الأم (أيضاً) : ما لا يحل أن يؤخذ من المرأة: قال الشَّافِعِي ﵀: إذا أخذ الزوج المهر من المرأة وهي طيبة النفس به. فقد أذِن به في قول اللَّه ﵎: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية. فإن أخذ منها شيئاً على طلاقها، فأقرَّ أنَّه أخذ بالإضرار بها، مضى عليه الطلاق وزد ما أخذ منها، وكان له عليها الرجعة إلَّا أن يكون طلقها ثلاثاً. الأم (أيضاً) : الوجه الذي يحل به للرجل أن يأخذ من امرأته: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) إلى قولهْ (فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى:. فنهى اللَّه تعالى الزوج - كما نهاه في الأي قبل هذه الآية - أن يأخذ مما آتى المرأة شيئاً، إلاّ أن يخافا ألَّا يقيما حدود اللَّه، فإن خافا (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية. وأباح لهما إذا انتقلت عن حد اللاتي حرّم أموالهن على أزواجهن لخوف ألَّأ يقيما حدود اللَّه، أن يأخذ منها ما افتدت به، لم يحدد في ذلك ألَّا يأخذ إلا ما أعطاها ولا غيره، وذلك أنَّه يصير حينئذ كالبيع، والبيع إنما في ما تراضى به

стр. 179

المتبايعان لا حد في ذلك، بل في كتاب الله دلالة على إباحة ما كثر منه وقلَّ، لقوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية. قال الإمام الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقول الله ﵎: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) الآية. ١ - يحتمل أن يكون الابتداء بما يخرجهما إلى خوف ألا يقيما حدود اللَّه من المرأة، بالامتناع من تأدية حق الزوج والكراهية له، أو عارض منها في حيِّ الخروج من غير بأس منه. ٢ - ويحتمل أن يكون من الزوج، فلما وجدنا حكم الله بتحريم أن يأخذ الزوج من المرأة شيئاً، إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، استدللنا أن الحال التي أباح بها للزوج الأخذ من المرأة الحال المخالفة، الحال التي حرّم بها الأخذ، فكانت تلك الحال هي: أن تكون المرأة المبتدئة المانعة لأكثر ما يجب عليها من حق الزوج، ولم يكن له الأخذ أيضاً منها حتى يجمع أن تطلب الفدية منه، لقوله : (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية، وافتداؤها منه: شيء تعطيه من نفسها، لأن اللَّه يقول: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) الآية. فكانت هذه الحال التي تخالف هذه الحال، وهي التي لم تبذل فيها المرأة المهر، والحال التي يتداعيان فيها الأساءة لا تقر المرأة أنها منها. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقول اللَّه ﵎: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) الآية، كما وصفت من أن يكون لهما فعل، تبدأ به المرأة يخاف عليهما فيه ألا يقيما حدود اللَّه، لا أن خوفاً منهما بلا سبب فعل.

стр. 180

أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، فقال: يتزوجها إن شاء، لأن اللَّه يقول: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) إلى قوله: (أَنْ يَتَرَاجَعَاَ) . أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُهمان، عن أم بكرة الأسلمية، أنها اختلعت من زوجها عبد اللَّه بن أسيد. ثم أتيا عثمان ﵁ في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سمَّيت شيئاً فهو ما سمَّيت. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أعرف جُمهان ولا أم بكرة بشيء يثبت به خبرهما ولا يردُّه، وبقول عثمان ﵁ نأخذ وهي تطليقة، وذلك أني رجَّعت الطلاق من قبل الزوج، ومن ذهب مذهب ابن عباس ﵄ كان شبيهاً أن يقول: قول اللَّه ﵎: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية. يدلُّ على أن الفدية هي فسخ ما كان عليها، وفسخ ما كان له عليها لا يكون إلا بفسخ العقد، وكل أمر نسب فيه الفرقة إلى انفساخ العقد لم يكن طلاقاً، إنما الطلاق ما أحدث، والعقدة قائمة بعينها.
следующие страницы →