Полный текст (1 273 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قلتُ: فإن قال لنا ولك قالْل: ما الخبر الذي دلَّ على هذا؟
قال: قول رسول اللَّه ﷺ لسعد:
"الثلث والثلث كثير" الحديث.
الأم (أيضاً) : باب استحداث الوصايا:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎ في غير آية في قَسم
الميراث: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) و (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الآية.
فنقل اللَّه ﵎ مِلْكَ من مات من الأحياء إلى من
بقي من ورثة الميت، فجعلهم يقومون مقامه فيما ملَّكهم من ملكه.
وقال اللَّه : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الآية، فكان ظاهر الآية المعقول فيها؛ (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الآية.
إن كان عليهم دين، وبهذا نقول، ولا أعلم من أهل العلم فيه مخالفاً.
وقد تحتمل الآية معنى غير هذا أظهر منه وأولى، بأن العامة لا تختلف فيه فيما علمت، وإجماعهم لا يكون عن جهالة بحكم الله، - إن شاء الله -.
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي قول اللَّه (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الآية، معانٍ سأذكرها - إن شاء اللَّه -.
فلما لم يكن بين أهل العلم خلاف علمته في أن: ذا الدين أحق بمال الرجل
في حياته منه حتى يُستوفى دينه، وكان أهل الميراث إنما يملكون عن الميت ما كان الميت أملك به، كان بيّناً - والله أعلم - في حكم اللَّه ، ثم ما لم أعلم أهل العلم اختلفوا فيه، أنَّ الدَّين مُبَدَّأ على الوصايا والميراث، فكان حكم الدين كما
стр. 352
وصفت منفرداً مقدماً، وفي قول الله (أَوْ دَيْنٍ) ثم إجماع المسلمين أن لا وصية ولا ميراث إلا بعد الدين، دليل على أنَّ كل دين في صحة كان أو في مرض، بإقرار أو بينة، أو أي وجه ما كان سواء؛ لأن اللَّه لم يخصَّ ديناً دون دين.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد رُوي في تبدئة الدين قبل الوصية حديث عن
النبي ﷺ لا يُثبتُ أهل الحديث مثله، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ أن النبي ﷺ "قضى بالدين قبل الوصية" الحديث.
وأخبرنا سفيان، عن هشام بن حُجَير، عن طاووس، عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قيل له: كيف تأمرنا بالعمرة قبل الحج والله تعالى يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) الآية، فقال: كيف تقرؤون الدَّين قبل الوصية.
أو الوصية قبل الدَّين؟
فقالوا: الوصية قبل الدَّين، قال فبأيِّهما تبدؤون؟
قالوا: بالدَّين، قال: فهو ذاك.
الرسالة: باب (البيان الثاني) :
قال الشَّافِعِي ﵀ بعد أن ذكر آي المواريث - قال: فاستُغني
بالتنزيل في هذا عن خبرٍ غيره، ثم كان لله فيه شرط: أن يكون بعد الوصية
والدَّين، فدلّ الخبر على أن لا يجاوز بالوصية الثلث.
الرسالة (أيضاً) : باب (ما نزل عاماً دلَّت السنة خاصة على أن يراد به الخاص) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
الآية، فأبان النبي ﷺ أن الوصايا مقتصر بها على الثلث لا يُتعدَّى، ولأهل
стр. 353
الميراث الثلثان، وأبان أن الدَّين قبل الوصايا والميراث، وأن لا وصية ولا ميراث حتى يستوفي أهل الدين دينهم.
ولولا دلالة السنة ثم إجماع الناس، لم يكن ميراث إلا بعد وصية أو دين.
ولم تعدُ الوصية أن تكون مُبَدَّأة على الدَّين، أو تكون والدَّين سواء.
مناقب الشَّافِعِي: باب ما يستدل به على فقه الشَّافِعِي، وتقدمه فيه، وحسن
استنباطه:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: خالفنا بعض الناس في المختلعة فقال: إذا
طُلّقت في العدة لحقها الطلاق.
وقال: فما حجتك في أنَّ الطلاق لا يلزمها؟
قلت: حجتي من القرآن والأثر والإجماع على ما يدل أن الطلاق لا
يلزمها.
قال: فأين الحجة من القرآن؟
قلتُ: وذكر آية اللعان، والإيلاء. ..
ثم ذكر من آيات الميراث قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)
وقال تعالى: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: أفرأيت إن قذفها أيلاعنها؛ وآلى منها أيلزم
الإيلاء؛ أو ظاهر منها أيلزمه الظهار؛ أو ماتت أيرثها؛ أو مات أترثه؟
قال: لا.
قلت - أيّ الشَّافِعِي - الآن أحكام اللَّه هذه الخمسة تدلًُّ على أنها ليست
بزوجة. قال: نعم.
стр. 354
فائدة:
الزاهر باب (المواريث) :
قال الأزهري ﵀: وتقع الكلالة على الوارث والموروث، قال اللَّه :
(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ) الآية.
نصب (كَلَالَةً) على الحال.
المعنى: إن مات رجل في حال كلالة، أي: لم يخلف والداً ولا ولداً، وورثه أخ أو أخت، أو ماتت امرأة كذلك فرثها أخ أو أخت، فلكل واحد منهما السدس.
وكذلك قوله : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ) الآية.
والكلالة في هاتين الآيتين: الميت لا الوارث.
وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضاً.
ألا ترى أن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضت فأتيت النبي ﷺ فقلت: "إني رجل لا يرثنى إلا كلالة" الحديث، فجعل الكلالة: ورثته.
فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث.
وهذه آية غامضة، وقد أوضحت لك من غامضها، وجملة تفسيرها ما يقف بك على تفهمها - إن شاء اللَّه تعالى -.
* * *
قال الله : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)
الأم: حبس المرأة على الرجل يُكرهها ليرثها:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي معنى قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)
فنسخت بآية الحدود بقوله تعالى:
стр. 355
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
قال النبي ﷺ :
"خدوا عني، خدوا عنى، خدوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم" الحديث.
فلم يكن على امرأة حبس، يمنع به حق الزوجة على الزوج، وكان عليها الحد.
قال: وما أشبه ما قيل من هذا بما قيل - والله أعلم -.
الأم (أيضاً) : باب (النفي والاعتراف في الزنا) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ويرجم الزاني الثيب، ولا يجلد، والجلد منسوخ
عن الثيب - قال اللَّه ﵎: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)
وهذا قبل نزول الحدود.
ثم روى الحسن، عن حِطان الرقاشيّ، عن عبادة - يعني: ابن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال:
"خدوا عنى، خدوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلاً.
الثيب بالثيب جلد مائة، والرجم" الحديث.
فهذا أول ما نزل الجلد.
ثم قال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، الرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا كان قد أحصن، ولم يذكر جلداً، ورجم رسول الله ﷺ ماعزاً ولم يجلده، وأمر رسول الله ﷺ أنيساً أن يأتي امرأة، فإن اعترفت رجمها، وكل هذا
يدلُّ على أنَّ الجلد منسوخ عن الثيب، وكل الأئمة عندنا رجم بلا جلد.
стр. 356
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) الآية.
لم يذكر هاهنا عدلاً.
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت له - أي: للمحاور - أرأيت لو قال لك
قائل: أجز في البيع والقذف وشهود الزنا غير العدل، كما قلت في العتق، لأني لم أجد في التنزيل شرط العدل، كما وجدته في غير هذه الأحكام، قال: ليس ذلك له، قد يُكتفى بقول الله : (ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) فإذا ذكِر الشهود فلا يقبلون إلا ذوي عدل، وإن سُكت عن ذكر العدل فاجتماعهما في أنهما شهادة يدلُّ على أن لا يقبل فيها إلَّا العدل.
قلت: هذا كما قلت، فلم لم تقل بهذا؟
الأم (أيضاً) : الشهادات:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله ﵎: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) الآية.
فالكتاب والسنة يدلان على لأنَّه لا يجوز في الزنا أثل من أربعة، والكتاب يدل على أنَّه لا يجوز شهادة غير عدل، والإجماع يدلُّ على لأنَّه لا تجوز إلَّا شهادة عدلٍ، حرٍّ، بالغ، عاقل، لما يشهد عليه، وسواء أي زنا ما كان زنا، حرين، أو عبدين، أو مشركين؛ لأن كله زنا.
стр. 357
الأم (أيضاً) (الخلاف في إجازة أقل من أربع من النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) الآية.
قال رسول الله ﷺ لسعد حين قال له: أمهِلُهُ حتى آتي بأربعة شهداء! قال: "نعم" الحديث.
والشهود على الزنا نظروا من المرأة إلى محرم، ومن الرجل إلى محرم، فلو كان النظر لغير إقامة شهادة كان حراماً، فلما كان لإقامة شهادة لم يجز أن يأمر اللَّه ، ثم رسول الله ﷺ إلا بمباح، لا بمحرم، فكل من نظر ليثبت شهادته لله، أو للناس
فليس بجرح، ومن نظر لتلذذٍ وغير شهادة عامداً كان جرحاً، إلا أن يعفوَ اللَّه عنه.
الأم (أيضاً) : باب (الإشهاد عند الدفع إلى اليتامى) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا) الآية، فسمّى اللَّه في الشهادة في الفاحشة.
والفاحشة هاهنا - واللَّه تعالى أعلم -: الزنا، وفي الزنا أربعة شهود، ولا
تتم الشهادة في الزنا إلا بأربعة شهداء، لا امرأة فيهم؛ لأنَّ الظاهر من الشهداء
стр. 358
الرجال خاصة دون النساء، ودلَّت السنة على أنَّه لا يجوز في الزنا أقل من أربعة شهداء، وعلى مثل ما دل عليه القرآن في الظاهر من أنهم رجال محصنون.
فإن قال قائل: الفاحشة تحتمل الزنا وغيره، فما دلَّ على أنها في هذا
الموضع الزنا دون غيره؟
قيل: كتاب الله، ثم سنة نبيه ﷺ ، ثم ما لا أعلم عالماً خالف فيه، في قول الله في: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْا) يُمسَكْن حتى يجعل الله لهن سبيلاً ثم نزلت:
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ)
فقال: رسول الله ﷺ :
"قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" الحديث.
ودلَّ الله ورسوله ﷺ ، أن هذا الحد إنما هو على الزناة دون غيرهم، ولم أعلم في ذلك مخالفاً من أهل العلم.
الأم (أيضاً) : باب: ما جاء في قول الله : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) حتى ما يفعل بهن من الحبس والأذى:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جل ثناؤه: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ)
الآية، فيه دلالة على أمور منها:
١ - أن الله سمَّاهن من نساء المؤمنين؛ لأن المؤمنين المخاطبون
بالفرائض يجمع هذا.
стр. 359
٢ - أن اللَّه لم يقطع العصمة بين أزواجهن وبينهم بالزنا.
٣ - أن قول اللَّه عزَّ اسمه: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ)
على أنها: كما قال ابن المسيب ﵀ إن شاء اللَّه - منسوخة.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد قال: قال
ابن المسيب: نسختها (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ)
فهن من أيامى المسلمين.
وقال اللَّه (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) يشبه عندي - واللَّه تعالى
أعلم - أن يكون إذا لم تقطع العصمة بالزنا، فالموارثة بأحكام الإسلام ثابتة عليها، وإن زنت، ويدل إذا لم تقطع العصمة بينها وبين زوجها بالزنا، لا بأس أن ينكح امرأة وإن زنت، إن ذلك لو كان يحرم نكاحها قطعت العصمة بين المرأة - تزنى عند زوجها - وبينه، وأمَر اللَّه في: اللاتي يأتين الفاحشة من النساء، بأن يُحبَسنَ في البيوت حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل اللَّه لهن سبيلاً، منسوخ بقول اللَّه :
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) الآية، في كتاب اللَّه، ثم على لسان رسوله ﷺ .
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن يونس، عن
الحسن، عن عبادة بن الصامت ﵁ في هذه الآية:
(حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)
قال: كانوا يمسكوهن حتى نزلت آية الحدود، فقال النبي ﷺ
: "خذوا عني" الحديث.
стр. 360
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا الحديث يقطع الشك، وُيبيِّن أنَّ حد الزانيين
كان الحبس، أو الحبس والأذى، فكان الأذى بعد الحبس، أو قبله، وأن أول ما حدَّ اللَّه به الزانيينِ من العقوبة في أبدانهما بعد هذا عند قول رسول الله ﷺ :
"قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام" الحديث، والجلد على الزانيين الثيبين منسوخ بأن رسول الله ﷺ رجم ماعز بن مالك، ولم يجلده، ورجم المرأة التي بعث إليها أنيساً، ولم يجلدها وكانا ثيبين.
الرسالة: باب (فرض الصلاة الذي دلَّ الكتاب ثم السنة على من تزول عنه
بالعذر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: بعد أن ذكر قول اللَّه تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) الآية، والتي بعدها، لم ذكر حديث عبادة بن الصامت
عن النبي ﷺ ، وقال: فدلَّت السنة على أن جلد المائة للزانيينِ البكرينِ. . .، وجلد المائة ثابت على البكرين الحرَّين، ومنسوخ عن الثيبين، وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرَّين. . .، لنص الحديث، وفعل النبي ﷺ في رجم ماعز ولم يجلده.
وأمر أنيساً أن يغدو على امرأة الأسلمي فإن اعترفت رجمها، دلَّ على نسخ
الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين، وثبت الرجم عليهما؛ لأن كلّ شيء أبداً بعد أولِ فهو آخر.
الرسالة ً (أيضاً) : وجه أخر من الناسخ والمنسوخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: بعد أن ذكر قول اللَّه : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) الآية، والتي بعدها (أيضاً) ، قال فكان حد الزانيين بهذه الآية الحبس
стр. 361
والأذى، حتى أنزل الله على رسوله حد الزنا، فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ)
فنُسِخ الحبس عن الزناة، وثبت عليهم الحدود.
قال الشَّافِعِي ﵀: فدل قول الرسول ﷺ :
"قد جعل الله لهن سبيلا الحديث، على أنَّ هذا أول ما حُدَّ به الزناة، لأنَّ اللَّه يقول: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) الآية.
ثمّ رجم رسول الله ﷺ ماعزاً ولم يجلده.
وامرأة الأسلمي ولم يجلدها، فدلَّت سنَّة رسول الله ﷺ على أن الجلد منسوخ عن الزانيين الثيبين، ولم يكن بين الأحرار في الزنا فرق إلا بالإحصان بالنكاح، وخلاف الإحصان به.
وإذ كان قول النبي ﷺ :
"قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام." الحديث، ففي هذا دلالة على لأنَّه أول ما نسخ الحبس عن الزانيين، وحُدَّا بعد الحبس، وأن كل حدٍّ حُدَّه الزانيين فلا يكون إلا بعد هذا، إذ كان هذا أول حد الزانيين.
أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي
هريرة وزيد بن خالد ﵄ أنهما أخبراه: أنَّ رجلين اختصما إلى
رسول اللَّه ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله أقض بيننا بكتاب اللَّه إ؛ وقال الآخر
- وهو أفقههما - أجل، يا رسول اللَّه فاقض بيننا بكتاب اللَّه، وأذن لي في أن أتكلم. قال: "تكلم". قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته
стр. 362
فأخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت فيه بمائة شاة وجارية لي، ثمّ إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته؛ فقال رسول الله ﷺ : ("والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله:
أما غنمك وجاريتك فردَّ إليك".
وجلد ابنه مائة وغربه عامًّا، وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها "فاعترفت فرجمها" الحديث.
أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: فثبت جلد مائة والنفي على البكرين الزانيين.
والرجم على الثيبين الزانيين.
وإن كانا ممن أريدا بالجلد فقد نسخ عنهما الجلد مع الرجم، وإن لم يكونا
أريدا بالجلد وأريد به البكران، فهما مخالفان للثيبين، ورجم الثيبين بعد آية الجلد بما رَوَى رسول الله ﷺ عن الله.
وهذا أشبه معانيه وأولاها به عندنا - والله أعلم -.
اختلاف الحديث: باب (العقوبات في المعاصي) :
قال الشَّافِعِي ﵀: كانت العقوبات في المعاصي قبل أن ينزل الحد، ثم
نزلت الحدود، ونسخت العقوبات فيما فيه الحدود.
حدثنا الربيع قال:
стр. 363
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
النعمان بن مُرَّة، أن رسول الله ﷺ :
قال ما تقولون في الشارب، والسارق، والزاني، وذلك قبل أن تنزل الحدود؛ فقالوا: اللَّه ورسوله أعلم، فقال رسول
الله ﷺ : "هن فواحش، وفيهن عقوبات، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته" ثم ساق الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: ومثل معنى هذا في كتاب الله قال: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)
فكان هذا أول العقوبة للزانيين في الدنيا، ثم نسخ هذا عن الزناة كلّهم، الحر والعبد والبكر والثيب، فحدَّ اللَّه البكرين الحرين المسلمين، فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ) .
حدثنا الربيع:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن
عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: سمعت عمر بن
الخطاب ﵁ يقول: الرجم في كتاب اللَّه على من زنى، إذا أحصن (من الرجال والنساء) ، إذا قامت عليه البينّة، أو كان الحبل، أو الاعتراف.
أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أنَّه سمع سعيد بن السيب ﵀
يقول: قال عمر: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا أجد حدَّين في كتاب اللَّه، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب اللَّه لكتبتها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة)
فإنا قد قرأناها.
стр. 364
ثم ساق حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد (باختصار) .
قال الشَّافِعِي ﵀: كان ابنه بكراً، وامرأة الآخر ثيباً قال: فذكر رسول
الله ﷺ عن اللَّه حد البكر والثيب في الزنا، فدل ذلك على مثل ما قال عمر من حدِّ الثيب في الزنا.
* * *
قال الله : (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)
الرسالة: باب (فرض الصلاة الذى دل الكتاب ثم السنة على من تزول عنه
بالعذر) :
الرسالة (أيضاً) : باب (وجه آخر - من الناسخ والمنسوخ -) :
أحكام القرآن: (ما يؤثر عنه في الحدود)
قال الله : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)
أحكام القرآن: باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير) :
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)
ذكروا فيها معنيين:
стр. 365
أحدهما: أنَّه من عصى، فقد جَهِل، من جميع الخلق.
الآخر: أنَّه لا يتوب أبداً، حتى يَعلَمَه، وحتى يَعمَلَهُ، وهو لا يرى أنَّه محرم.
والأول: أولاهما.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)
الأم: حبس المرأة لميراثها:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)
يقال - والله أعلم -: نزلت في الرجل يَكره المرأة، فيمنعها
كراهية لها حق اللَّه في عشرتها بالمعروف، ويحبسها مانعاً لحقها ليرثها من غير
طيب نفس منها، بإمساكه إياها على المنع، فحرّم - اللَّه تعالى ذلك على هذا المعنى.
وحرّم على الأزواج، أن يعضلوا النساء ليذهبوا ببعض ما أوتين، واستثنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وإذا أتين بفاحشة مبينة وهي: الزنا، فأعطين ببعض ما أوتين ليفارقن، حلَّ ذلك إن شاء اللَّه تعالى، ولم تكن معصيتهن الزوجَ فيما يجب له بغير فاحشة، أولى أن نحل ما أعطين، من أن يعصين اللَّه والزوج بالزنا.
стр. 366
وأمر اللَّه في اللاتي يكرههُن أزواجهن، ولم يأتين بفاحشة، أن يُعاشَرن
بالمعروف، وذلك بتأدية الحق، وإجمال العشرة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) الآية.
فأباح عشرتهن على الكراهية بالمعروف، وأخبر أن الله
قد يجعل في الكره خيراً كثيراً، والخير الكثير: الأجر في الصبر، وتأدية الحق إلى من يكره، أو التطول عليه، وقد يغتبط وهو كاره لها بأخلاقها، ودينها، وكفاءتها، وبذلها، وميراث إن كان لها، وتصرُف حالاته إلى الكراهية لها بعد الغبطة بها.
الأم (أيضاً) : عدة المطلق يملك زوجها رجعتها:
قال الشَّافِعِي ﵀: إذا ارتجع - أي: المطلق - في العدة ثبتت الرجعة.
لما جعل الله في العدة له من الرجعة، وإلى أن قول اللَّه : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)
لمن راجع ضراراً في العدة، لا يريد حبس المرأة رغبة، ولكن عَضلاً عن أن تحل لغيره.
وقد قال اللَّه تعالى: (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية.
فنهى عن إمساكهن للعضل ثم يطلقهن، فذهب إلى أن الآية قبل هذا يحتمل أن يكون نهى عن رجعتهن للعضل لا للرغبة، وهذا معنى يحتمل الآية، ولا يجوز إلا واحد من القولين - واللَّه تعالى أعلم بالصواب -.
الأم (أيضاً) : مالا يحل أن يؤخذ من المرأة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال : (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) الآية، فدل على لأنه أباح حبسها مكروهة، واكتفى بالشرط في عشرتها بالمعروف، لا أنَّه أباح أن يعاشرها مكروهة بغير المعروف.
стр. 367
الأم (أيضاً) : ما جاء في الصداق:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي المطلبي ﵀ قال: قال الله : (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) الآية.
فيحتمل هذا أن يكون مأموراً بصداق من فَرَضَه، دون من لم يفرضه، دخل أو لم يدخل، لأنَّه حق ألزمه نفسه.
فلا يكون له حبس شيء منه إلا بالمعنى الذي جعله الله تعالى له، وهو: أن يطلق قبل الدخول.
الأم (أيضاً) : جماع عشرة النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
الآية، فجعل اللَّه للزوج على المرأة، وللمرأة على الزوج حقوقاً بينهما في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ مفسرة ومجملة، ففهمها العرب الذين خوطبوا بلسانهم على ما يعرفون من معاني كلامهم.
وجماع المعروف: إتيان ذلك بما يحسن لك ثوابه، وكف المكروه.
الأم (أيضاً) : الخلع والنشوز:
قال الشَّافِعِي ﵀: وتد قال اللَّه : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) الآية.
فيحل للرجل حبس المرأة على ترك بعض القَسم لها، أو
كفه ما طابت به نفساً، فإذا رجعت فيه لم في له إلا العدل لها، أو فراقها؛ لأنها
стр. 368
إنما تهب في المستأنف ما لم يجب لها، فما أقامت على هبته حل، وإذا رجعت في هبته حلّ ما مضى بالهبة، ولم يحل ما يستقبل إلا بتجديد. الهبة له.
الأم (أيضاً) : نشوز المرأة على الرجل:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الآية.
وهو ما ذكرنا مما لها عليه في بعض الأمور من مؤنتها، وله عليها مما ليس لها
عليه، ولكل واحد منها على صاحبه.
الأم (أيضاً) : حبس المرأة على الرجل يُكرهها ليرثها:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) الآية، يقال - والله أعلم -: نزلت في الرجل يمنع المرأة حقّ الله تعالى عليه في عشرتها بالمعروف؛ عن غير طيب نفسها، ويحبسها لتموت فيرثها، أو يذهب ببعض ما آتاها، واستثنى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الآية، وقيل: لا بأس بأن يحبسها كارهاً لها إذا أذى حق الله تعالى فيها، لقول الله : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)
وقيل في هذه الآية: دلالة على أنَّه انمّا حرم عليه حبسها مع منعها الحق ليرثها، أو يذهب ببعض ما آتاها، وإذا منعها الحقّ، وحبسها، وذهب ببعض ما آتاها فطلبته، فهو مردود عليها، إذا أقرَّت بذلك، أو قامت به بينة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قيل: فإن أتت عنده بفاحشة وهي: الزنا.
فحبسها على منع الحق في القَسْم، لا أن ضربها ولا منعها نفقة، فأعطته بعض ما آتاها، حل له أخذه، وكانت معصيتُها اللَّهَ بالزنا، ثم معصيته أكبر من معصيتها في
стр. 369
غير - أي: فيما دون - الزنا، وهي إذا عصته فلم تقم حدود الله لم يكن عليه جناح فيما افتدت به، فإن حبسها مانعاً لها الحق، ولم تأت بفاحشة ليرثها فماتت عنده، لم يحل له أن يرثها، ولا يأخذ منها شيئاً في حياتها، فإن أخذه رُدَّ عليها.
وكان أملك برجعتها، وقيل: إن هذه الآية منسوخة.
* * *
قال الله : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)
الأم: ما جاء في الصداق:
قال الشَّافِعِي ﵀: ودلَّ قول الله ﵎: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) الآية، على أن لا وقت في الصداق كثر أو قلَّ، لتركه النهي عن
القنطار وهو كثير، وتركه حداً للقليل، ودلّت عليه السُّنَّة والقياس على الإجماع فنقول: أقل ما يجوز في المهر، أقل ما يتمول الناس، مما لو استهلكه رجل لرجل كانت له قيمة، وما يتبايعه الناس بينهم.
فإن قال قائل: وما دلَّ على ذلك؟
قيل: قال رسول الله ﷺ :
"أدوا العلائق" قيل: وما العلائق يا رسول اللَّه؟
قال: "ما تراضى عليه الأهلون" الحديث.
ولا يقع اسم عَلَقَ إلا على ما يتمول وإن قلَّ، ولا يقع اسم مال إلا
على ما له قيمة يباع بها، وتكون إذا استهلكها مستهلك أدَّى قيمتها وإن قلّت، وما لا يطرحه الناس من أموالهم، مثل: الفَلْس وما أشبه ذلك الذي يطرحونه.
стр. 370
الأم (أيضاً) : مالا يحل أن يؤخذ من المرأة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎ ذكره: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) الآية، فأعلم أنه إذا كان الأخذ من الزوج، من غير أمر
من المرأة في نفسها وَلا عشرتها، ولم تطب نفساً بترك حقها في القسم لها وماله، فليس له منعها حقها، ولا حبسها إلا بمعروف، وأول المعروف: تأدية الحقِّ، وليس له أخذ مالها بلا طيب نفسها.
الأم (أيضاً) : باب (الخلاف في الصداق) :
قال الشَّافِعِي ﵀: إنّ اللَّه قال: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) الآية، وذكر الصداق في غير موضع من القرآن سواه، فلم يحد فيه حداً، فتجعلَ الصداق - الخطاب للمحاور - قنطاراً لا أنقص منه، ولا أزيد عليه!.
الأم (أيضاً) : ما يجوز به أخذ مال المرأة منها:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قال اللَّه : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) إلى (مُبِينًا) ، وهذه الآية في معنى الآية التي كتبنا قبلها.
واذا أراد الرجل الاستبدال بزوجته، ولم ترِد هي فرقته، لم يكن له أن يأخذ من مالها شيئاً بأن يستكرهها عليه، ولا أن يطلقها لتعطيه فدية منه، فإن فعل وأقرَّ بذلك، أو قامت عليه بينة، ردَّ ما أخذ منها عليها.
стр. 371
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو علمته يريد الاستبدال بها، ولم يمنعها حقها.
فنشرت ومنعته بعض الحق، وأعطته مالاً، جاز له أخذه، وصارت في معنى من يخاف ألَّا يقيم حدود اللَّه، وخرجت من أن يكون يُراد فراقها، فيفارق بلا سبب منها، ولا منع لحق في حال متقدمة لإرادته ولا متأخرة.
الأم (أيضاً) : بلغ الرشد وهو الحجر:
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي قول اللَّه : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) الآية.
فأحلَّه الله إذا كان من قِبَلِ المرأة، كما حل للرجل من مال الأجنبيين بغير توقيت شيء فيه ثلث، ولا أقل، ولا أكثر، وحرَّمه إذا كان من قِبَل الرجل، كما حرّم أموال الأجنبيين أن يغتصبوها.
مختصر المزني: نكاح المُتعه والمحلل، وباب (الخلاف في نكاح المُتعة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) الآية، فجعل إلى الأزواج فرقة من عقدوا عليه النكاح، مع أحكام ما بين
الأزواج، فكان بيناً - واللَّه أعلم - أن نكاح المتعة منسوخ بالقرآن والسنة؛ لأنه إلى مدة ثم نجده ينفسخ بلا إحداث طلاق فيه، ولا فيه أحكام الأزواج.
стр. 372
قال الله : (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
الأم: ما لا يحل أن يُؤخذ من المرأة
قال الشَّافِعِي ﵀: يقول اللَّه تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) الآية، حَظْرٌ لأِخذِه - أي: المهر أو شيء مما أعطي للمرأة
- إلا من جهة الطلاق قبل الإفضاء، وهو: الدخول، فيأخذ نصفه بما جُعل له، ولأنه لم يوجب عليه أن يدفع إلا نصف المهر في تلك الحال، وليس بَحَظْر منه إن دخل أن يأخذه إذا كان ذلك من قِبَلِهَا، وذلك لأنَّه إنما حَظَرَ أخذه إذا كان من قبل الرجل، فأما إذا كان من قِبَلِها، وهي طيبة النفس به فقد أذن به في قول اللَّه ﵎: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية.
فائدة:
الزاهر باب (ما ينقض الوضوء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: والملامسة: أن يفضي بشيء منه إلى جسدها، أو
تفضي إليه، لا حائل بينهما.
قال الأزهري ﵀: والإفضاء على وجوه:
أحدها: أن يلصق بشرته ببشرتها، ولا يكون بين بشرتيهما حائل، من ثوب
ولا غيره، وهذا يوجب الوضوء عند الشَّافِعِي ﵀.
стр. 373
الوجه الثاني: من الإفضاء: أن يولج فرجه في فرجها حتى يتماسا، وهذا
يوجب الغسل عليهما، وهو قول اللَّه : (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) الآية.
أراد الإفضاء: الإيلاج هاهنا.
الوجه الثالث: من الإفضاء: أن يجامع الرجل الجارية الصغيرة التي لا
تحتمل الجماع، فيصير مسلكاها مسلكاً واحداً، وهو من الفضاء: وهو البلد الواسع، يقال: جارية مُفْضَاة وشَرِيم: إذا كانت كذلك.
* * *
قال الله : (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكحَءَابَاؤكم من النساء إِلا مَا قَد سَلَفَ)
الأم: ما يحرم من النساء بالقرابة:
قال الشَّافِعِي ﵀:
قال الله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)
فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معاً.
وفي قول الله : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) الآية.
كان أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه، وكان الرجل يجمع
стр. 374
بين الأختين، فنهى أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين، أو ينكح ما نكح أبوه إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل علمهم بتحريمه.
الأم (أيضاً) : الخلاف فيما يؤتى بالزنا:
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: وقلنا إذا نكح رجل امرأة حرمت على ابنه
وأبيه، وحرمت عليه أمُّها بما حكيت من قول الله ، فإن زنى بامرأة أبيه، أو ابنه، أو أم امرأته، فقد عصى الله تعالى، ولا تحرم عليه امرأته، ولا على أبيه، ولا على ابنة امرأته لو زنى بواحدة منهما، لأنَّ الله إنَّما حرّم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته، بما أباح منه، بأن أثبت به الحُرَمَ التي لم تكن قبله، وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف الحلال. . . قال اللَّه تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) الآية.
الأم (أيضاً) : المدعي والمدعى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) الآية.
فقلنا - بهذه الآية وما في موضوعها - إن التحريم في غير
النسب والرضاع، وما خصته سنة بهذه الآية وغيرها إنما هو النكاح، ولا يحرم الحلال الحرام، وكذلك قال ابن عباس ﵄.
وقال بعض الناس: إذا قبَّل أم امرأته، أو نظر إلى فرجها بشهوة حرمت
عليه امرأته، وحرمت هي عليه؛ لأنَّها أم امرأته، ولو أن امرأته قبَّلت ابنه بشهوة حرمت على زوجها.
стр. 375
فقلنا له: ظاهر القرآن يدل على أن التحريم إنَّما هو بالنكاح، فهل عندك
سنَّة بأن الحرام يحرّم الحلال؟ قال: لا.
وقال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) الآية.
فمن أين زعمتَ - أي: للمحاور - أن حكم الحلال
حكم الحرام! ؛ وأبيت ذلك في المرأة يفارقها زوجها، والأمَةِ يفارقها زوجها.
فيصيبها سيدها؟!.
* * *
قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
الأم: ما يحرم من النساء بالقرابلاً:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ) الآية.
والأمهات: أم الرجل (الوالدة) ، وأمَّهاتها، وأمّضهات آبائه، وإن بَعُدت
الجدات، لأنهن يلزمهن اسم الأمهات.
والبنات: بناتُ الرجل لصلبه، وبنات بنيه، وبناتهن، وإن سفلن، فكلُّهن
يلزمهن اسم البنات، كما لزم الجدات اسم الأمهات، وإن علون وتباعدن منه، وكذلك ولد الولد وإن سفلوا.
стр. 376
والأخوات: من ولد أبيه لصلبه، أو أفه نفسها.
وعماته: من ولد جده الأدنى أو الأقصى، ومن فوقهما من أجداده.
وخالاته: من ولدته أم أمه، وأمها، ومن فوقهما من جداته من قِبَلها.
وبنات الأخ: كل ما ولد الأخ لأبيه، أو لأمه، أو لهما، من ولدٍ ولدته
والدته فكلهم بنو أخيه، وإن تسفلوا.
وهكذا بنات الأخت.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمه من (شاة، أو
بقرة، أو ناقة) ، لم يكن هذا رضاع، إنما هذا كالطعام والشراب، ولا يكون محرِّماً بين من شربه، إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم.
وقال تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: حرَّم اللَّه تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل
تحريمها معنيين:
أحدهما: إذ ذكر اللَّه تحريم الأم والأخت من الرضاعة، فأقامهما في
التحريم مقام الأم والأخت من النسب، أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام
النسب، فما حَرُم بالنسب، حَرُم بالرضاع مثله، وبهذا نقول، بدلالة سنة رسول الله ﷺ والقياس على القرآن.
الآخر: أن يحرم من الرضاع الأم والأخت، ولا يحرم سواهما.
стр. 377
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فأين دلالة السنة بأن الرضاعة تقوم
مقام النسب؟
قيل له إن - شاء الله تعالى -: أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله
ابن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله
عنها، أن رسول الله ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة " الحديث.
أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن
عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي ﷺ أخبرتها، أن النبي ﷺ كان عندها.
وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة، فقلت:
يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول الله ﷺ :
"أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة"، فقلت: يا رسول الله لو كان فلان حياً لعمِّها من الرضاعة أيدخلُ عليَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، إن الرضاعة تحرِّم ما يَحرُم من الولادة" الحديث.
أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت ابن جدعان قال: سمعت ابن المسيب
يحدث، عن عليٍّ بن أبي طالب ﵁ أنَّه قال: يا رسول الله هل لك في ابنة عمك (بنت حمزة) ﵁ فإنها أجمل فتاة في قريش فقال: "أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة، وأن الله تعالى حرَّم من الرضاعة ما حرَّم من النسب " الحديث.
والرضاع: اسم جامع، يقع على المصَّة، وأكثر منها، إلى كمال رضاع الحولين.
стр. 378
ويقع: على كل رضاع، وإن كان بعد الحولين.
فهكذا استدللنا بسنة رسول الله ﷺ : أن المراد بتحريم الرضاع: بعض المرضَعين دون بعض، لا من لزمه اسم: رضاع.
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي نفس السنةِ لأنَّه يحرم من الرضاع ما يحرم من
الولادة، وأن لبن الفحل يحرّم كما يُحرّم ولادة الأب، يُحرّم لبن الأب، لا
اختلاف في ذلك.
أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عمرو بن الشريد، أنَّ ابن عباس ﵄ سئل عن رجل كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلاماً، وأرضعت الأخرى جارية، فقيل له: هل يتزوج الغلام الجارية؛ فقال: " لا، اللفاح واحد " الحديث.
أخبرنا سعيد بن سالم قال: أخبرنا ابن جريج، أنه سأل عطاء ﵀
تعالى - عن لبن الفحل أيُحرّم؟ فقال: نعم، فقلت له: أبلَغكَ مِن ثَبت؟ فقال: نعم، قال ابن جريج، قال عطاء: (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) الآية، فهي أختك من أبيك.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا تزوج الرجل المرأة فماتت، أو طلقها قبل أن
يدخل بها، لم أرَ له أن ينكح أمها؛ لأنَّ الأم مبهمة التحريم في كتاب الله ليس فيها شرط، إنَّما الشرط في الربائب، لقول اللَّه تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) الآية.
وهذا قول أكثر المفتين، وقول بعض أصحاب النبي ﷺ الحديث.
стр. 379
أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، قال سُئل زيد بن ثابت عن رجل تزوج
امرأة ففارقها قبل أن يصيبها هل تحل له أمها؛ فقال زيد بن ثابت: لا، الأم
مبهمة ليس فيها شرط، إنَّما الشرط في الربائب.
وهكذا أمهاتها وإن بعدن، وجداتها، لأنَّهن من أمهات نسائه.
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) الآية، فأي امرأة نكحها رجل حرمت على أبيه، دخل بها
الابن أو لم يدخل، وكذلك تحرم على جميع آبائه من قبل أبيه وأمه؛ لأن الأبوة تجمعهم معاً، وكذلك كل من نكح ولد ولده من قبل النساء والرجال وإن سفلوا؛ لأن الأبوة تجمعهم معاً.
قال الشَّافِعِي ﵀: وكل امرأة أب، أو ابن، حرَّمْتُها على ابنه، أو أبيه
بنسب، فكذلك أحرِّمها إذا كانت امرأة أبٍ، أو ابنٍ من الرضاع.
فإن قال قائل: إنما قال اللَّه ﵎: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) الآية.
فكيف حرَّمتَ حليلة الابن من الرضاعة؟
قيل: بما وصفت من جمع اللَّه بين الأم والأخت من الرضاعة، والأم
والأخت من النسب في التحريم، ثم بأن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" الحديث.
فإن قال قائل فهل تعلم فِيمَ أنزلت: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) ؟
стр. 380
قيل: اللَّه تعالى أعلم فيما أنزلها، فأما معنى
ما سمعت متفرقاً فجمعته، فإن رسول الله ﷺ أراد نكاح ابنة جحش، فكانت عند زيد بن حارثة، فكان النبي ﷺ تبنَّاه، فأمر اللَّه تعالى ذكره أن يُدعى الأدعياء
لآبائهم: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) .
وقال: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ) إلى قوله: (وَمَوَالِيكُمْ) .
وقال لنبيه ﷺ : (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) . الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأشبه - واللَّه تعالى أعلم - أن يكون قوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) الآية.
دون أدعيائكم الذين تسمونهم أبناءكم، ولا يكون الرضاع من هذا في شيء، وحرّمنا من الرضاع بما حرَّم الله قياساً عليه، وبما قال رسول الله ﷺ إنه: "بحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي قوله : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) الآية، وكان الرجل يجمع بين الأختين، فنهى
الله عن أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين، أو ينكح ما نكح أبوه إلا ما قد سلف في الجاهلية، قبل علمهم بتحريمه، ليس أنَّه أقرَّ في أيديهم ما كانوا قد جمعوا بينه قبل الإسلام، كما أقرَّهم النبي ﷺ على نكاح الجاهلية الذي لا يحل في الإسلام بحال.
стр. 381
قال الشَّافِعِي ﵀: وما حرَّمنا على الآباء من نساء الأبناء، وعلى
الأبناء من نساء الآباء، وعلى الرجل من أمهات نسائه، وبنات نسائه اللاتي
دخل بهن بالنكاح فأصيب.
فأما بالزنا: فلا حكم للزنا يحرم حلالاً، وإن كانت الإصابة بنكاح فاسد.
احتمل أن يحرّم من قِبَلِ أنه يثبت فيه النسب، ويؤخذ فيه المهر، ويُدرأُ فيه الحدُّ، وتكون فيه العدة، وهذا حكم الحلال، وأحبّ إليَّ أن يحرّم به من غير أن يكون واضحاً، فلو نكح رجل امرأة نكاحاً فاسداً فأصابها، لم في له - عندي - أن ينكح أمها ولا ابنتها، ولا ينكحها أبوه ولا ابنه، وإن لم يصب الناكح نكاحاً فاسداً، لم يحرم عليه النكاح الفاسد بلا إصابة فيه شيئاً، من قِبَل أنَّ حكمه لا يكون فيه صداق، ولا يلحق فيه طلاق، ولا شيء مما بين الزوجين.
الأم (أيضاً) : ما يحرم الجمع بينه من النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يجمع بين أختين أبداً بنكاح، ولا وطء ملك.
وكل ما حرم من الحرائر بالنسب والرضاع، حَرُم من الإماء مثله إلا العدد.
والعدد ليس من النسب والرضاع بسبيل، فإذا نكح امرأة ثم نكح أختها، فنكاح الآخرة باطل، ونكاح الأولى ثابت، وسواء دخل بها، أو لم يدخل بها، ويفرَّق بينه وبين الآخرة.
أخبرنا الربيع قال:
стр. 382
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج.
عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يجمع الرجل يين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" الحديث.
* * *
قال الله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
الأم: ما يحرم الجمع بينه من النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية.
والمحصنات: اسم جامع، فَعمَاعُه أن الإحصان المنع.
والمنع يكون بأسباب مختلفة منها: المنع بالحبس، والمنع يقع على الحرائر بالحرية، ويقع على المسلمات بالإسلام، ويقع على العفائف بالعفاف، ويقع على ذوات الأزواج، فاستدللنا بأن أهل العلم لم يختلفوا فيما علمت، بأن ترك تحصين الأمة والحرة بالحبس لا يحُرِّم إصابة واحد؛ منهما بنكاح ولا ملك؛ ولأني لم أعلمهم اختلفوا في: أن العفائف وغير العفائف فيما في منهن بالنكاح والوطء بالملك سواء، على أن هاتين ليستا بالمقصود قصدهما بالآية.
والآية تدلُّ على أنَّه لم يرد بالإحصان هاهنا الحرائر، فبين أنَّه إنَّما قصد
بالآية: قصد ذوات الأزواج، ثم دلُّ الكتاب، وإجماع أهل العلم أن ذوات
стр. 383
الأزواج من الحرائر والإماء محرمات على غير أزواجهن حتى يفارقهن أزواجهن بموت، أو فرقة طلاق، أو فسخ نكاح، إلا السبايا فإنهن مفارقات لهن بالكتاب والسنة والإجماع.
الأم (أيضاً) : الخلاف في السبايا:
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: ذكرت لبعض الناس ما ذهبت إليه في قول الله : (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، فقال: هذا كما قلت، ولم يزل يقول به، ولا يفسره هذا التفسير الواضح، غير أنَّا نخالفك منه في شيء!
قلت: وما هو؟ قال: نقول في المرأة يسبيها المسلمون قِبَل زوجها تستبرأ بحيضة، وتُصاب - ذات زوج كانت أو غير ذات زوج - قال: ولكن إن سبيت وزوجها معها، فهما على النكاح.
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له: سَبَى النبي ﷺ نساء بني المصطلق، ونساء هوازن بحُنَين، وأوطاس، وغيره فكانت سنَّتُه فيهم، ألَّا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض، وأمر أن يُستبرأنَ بحيضة حيضة.
وقد أسر رجالاً من بني المصطلق وهوازن، فما علمناه سأل عن ذات زوج ولا غيرها، فاستدللنا على أن السِّبَاء قطعٌ للعصمة، والمسبية إن لم يكن السباء يقطع عصمتها من زوجها إذا سُبيَ معها، لم يقطع عصمتها لو لم يُسبَ معها، ولا يجوز لعالم ولا ينبغي أن يشكل عليه بدلالة السنة، إذ لم يسأل رسول الله ﷺ له عن ذات زوج ولا غيرها.
وقد علم ﷺ أن فيهن ذوات أزواج بالحمل، وأذن بوطئهن بعد وضع الحمل، وقد أسِرَ من أزواجهن معهن، أن السِّبَاء قطع للعصمة.
стр. 384
أخبرنا الطحاوي قال: حدثنا المزني قال:
حدثنا الشَّافِعِي ﵀ قال: وسمعت الثقفي يحدِّث، عن خالد الحدّاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود ﵁ في قول الله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية.
قال: سبايا كان لهن أزواج قبل أن يسبين فأحللن.
الأم (أيضاً) : المرأة تسبى مع زوجها:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد ذكر ابن مسعود ﵁، قول الله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
ذوات الأزواج اللاتي ملكتموهن بالسبي، ولم يكن استيماؤهن بعد الحرية، بكثر من قطع العصمة بينهن وبين أزواجهن، وسواء أسِرْن مع أزواجهن، أو قبل أزواجهن، أو بعد، أو كن في دار الإسلام، أو دار الحرب، لا تقع العصمة إلا ما كان بالسباء الذي كن به مستأميات بعد الحرية، وقد سبى رسول الله ﷺ رجالاً من هوازن، فما علمناه
سأل عن أزواج المسبيات، أسبُوا معهن، أو قبلهن، أو بعدهن، أو لم يسبَوا، ولو كان في أزواجهن معنى لسأل عنهن - إن شاء الله تعالى -.
الأم (أيضاً) : كتاب (الصداق) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان بيناً في كتاب الله أن على الناكح الواطئ صداقاً، لما ذكرتُ، ففرض اللَّه في الإماء أن يُنكحن بإذن أهلهن، وُيؤتين أجورهن، والأجر: الصداق، وبقوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية.
стр. 385
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية، فأمر اللَّه الأزواج بأن يؤتوا النساء أجورهن وصدقاتهن.
والأجر هو: الصداق، والصداق هو: الأجر والمهر، وهي كلمة عربية تُسمى بعدة أسماء.
الأم (أيضاً) : الجمع بين المرأة وعمتها:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد يذكر اللَّه الشيء في كتابه فيحرمه، ويُحرم على لسان نبيه ﷺ غيره، مثل قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية.
ليس فيه إباحة أكثر من أربع؛ لأنه انتهى بتحليل النكاح إلى أربع، وقال رسول اللَّه ﷺ لغيلان بن سلمة ﵁، وأسلم وعنده عشر نسوة: "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" الحديث.
فأبان على لسان نبيه ﷺ أن انتهاء الله بتحليله إلى أربع
حظرٌ لما وراء أربع، وإن لم بكن ذلك نصاً في القرآن، وحرّم من غير جهة الجمع والنسب النساء المطلقات ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره بالقرآن، وامرأة الملاعن بالسنة، وما سواهن مما سميت كفاية لما استُثني منه.
стр. 386
الأم (أيضاً) : المدعي والمدعى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم قال سبحانه: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، فقال - أي: المحاور -: قد سمى الله من حرّم، ثم أحل ما وراءهن، فلا أزعم أنَّ ما سوى هؤلاء حرام، فلا بأس أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها؟! وبينها وبين خالتها! لأن كل واحدة منهما تحل على الانفراد، ولا أجد في الكتاب تحريم الجمع بينهما؟
قال الشَّافِعِي ﵀: ليس ذلك له، والجمع بينهما حرام، لأن النبي ﷺ نهى عنه.
الأم (أيضاً) : باب الخلاف في اليمين مع الشاهد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقول الله : (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، فحرمنا نحن وأنت - الخطاب: للمحاور - أن يُجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها بالسنة.
الرسالة: (في محرمات النساء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، فاحتملت الآية - والآية التي قبلها - معنيين.
стр. 387
أحدهما: أن ما سمى اللَّه من النساء مَحْرَماً مُحَرَّم، وما سكت عنه حلال
بالصمت عنه، وبقول اللَّه: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية.
وكان هذا المعنى هو الظاهرَ من الآية.
وكان بيناً في الآية أن تحريم الجمع بمعنىَ غير تحريم الأمهات، فكان ما
سمى حلالاً حلال، وما سمى حراماً حرام، وما نهى عن الجمع بينه من
الأختين كما نهى عنه.
وكان في نهيه عن الجمع بينهما دليل على أنه إنما حرم الجمع، وأن كل
واحدة منهما على الانفراد حلال في الأصل، وما سواهن من الأمهات والبنات والعمات والخالات، محرمات في الأصل.
وكان معنى قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، من سمى تحريمه في
الأصل، ومن هو في مثل حاله بالرضاع، أن ينكحوهن بالوجه الذي حل به النكاح.
فإن قال قائل: ما دلَّ على هذا؛ فإن النساء المباحات لا يحل أن يُنكح
منهن أكثر من أربع، ولو نكح خامسة فسخ النكاح، فلا تحِل منهن واحدة إلا بنكاح صحيح، وقد كانت الخامسة من الحلال بوجهِ، وكذلك الواحدة، بمعنى قول اللَّه: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، بالوجه الذي أحِل به النكاح، وعلى الشرط الذي أحلَّه به، لا مطلقاً.
فيكون نكاح الرجل المرأة لا يُحرًم عليه نكاح عمتها ولا خالتها بكل
حال، كما حرّم اللَّه أمهات النساء بكل حالِ، فتكون العمة والخالة داخلتين في معنى من أحل بالوجه الذي أحلَّها به.
كما في له نكاح امرأة إذا فارق، رابعة كانت العمة إذا فورقت ابنةُ
أخيها حلَّت.
стр. 388
الرسالة (أيضاً) : باب (العلل في الأحاديث) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، والتي قبلها، وذكر الله من حرّم، ثم قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، فقال رسول الله ﷺ :
"لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" الحديث.
فلم أعلم مخالفاً في اتباعه.
فكانت فيه دلالتان:
الأولى: دلالة على أن سنَّة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال.
ولكنها مبينة عامَّهُ وخاصَّهُ.
الثانية: ودلالة على أنهم قبلوا فيه خبر الواحد، فلا نعلم أحداً رواه من
وجه يصح عن النبي ﷺ إلا أبا هريرة ﵁.
قال - المحاور -: أفيحتمل أن يكون هذا الحديث عندك خلافاً لشيء من
ظاهر الكتاب؟
فقلت: لا، ولا غيره.
قال: فما معنى قول الله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) الآية، فقد ذكر
التحريم وقال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية.
قلتُ: ذكَر تحريم من هو حرام بكل حال، مثل: الأمّ والبنت والأخت
والعمّة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت، وذكر من حرّم بكلّ حال من
النسب والرضاع، وذكر من حَرَّم من الجمع بينه، وكان أصل كل واحدة منهما
стр. 389
مباحاً على الانفراد قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، يعني: بالحال
التي أحفها به.
ألا ترى أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، بمعنى ما أحل به.
لا أن واحدة من النساء حلال بغير نكاح يصح، ولا أنه يجوز نكاح خامسة على أربع، ولا جمع بين أختين، ولا غير ذلك مما نهى عنه.
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له - للمحاور -: لما كان في كتاب الله
دلالة على أن اللَّه قد وضع رسوله موضع الإبابة عنه، وفرض على خلقه اتباع أمره فقال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) الآية، بما أحلَّه الله به من النكاح ومِلْك اليمين في كتابه، لا أنَّه أباحه بكلَ وجه، وهذا كلام عربي.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الحدود:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: وقال الحسين بن محمد - فيما أخبرت عنه
وقرأته في كتابه، أخبرنا محمد بن سفيان بن سعيد أبو بكر (بمصر) ، أخبرنا يونس ابن عبد الأعلى قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، ذوات الأزواج من النساء.
(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) عفائف غير خبائث:
(فَإِذَا أُحْصِنَّ) قال: فإذا نكحن.
стр. 390
قال الله : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
الأم: ما جاء في منع إماء المسلمين:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎:
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) الآية.
ففي هذه الآية - والله تعالى أعلم - دلالة على أنّ
المخاطبين بهذا الأحرار دون المماليك، فأما المملوك فلا بأس أن ينكح الأمة.
لأنَّه غير واجد طولاً لحرّة ولا أمة. ..
فإن قال قائل: ما دلَّ على أن هذا على الأحرار ولهم دون المماليك؟
قيل: الواجدون للطول، المالكون للمال، والمملوك لا يملك مالاً بحال.
ويشبه ألَّا يخاطب، بأن يقال: إن لم يجد مالاً من يعلم أنَّه لا يملك مالاً بحال؛ إنما يملك أبداً لغيره.
قال: ولا في نكاح الأمة إلا كما وصفتُ في أصل نكاحهن، إلا بأن لا
يجد الرجل الحرّ بصداق أمة طولاً لحرّة، وبأن يخاف العنت، والعنت: الزنا.
следующие страницы →