← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو عن عيسى بن أبي ليلى، عن أبي ليلى قال: قال رسول الله ﷺ : ("من اعتبط مومناً بقتل فهو قَوَدُ يده، إلا أن يرضى ولي المقتول، فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل. الأم (أيضاً) : باب (الحكم في قتل العمد) قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقال: من العلم العام الذي لا اختلاف فيه بين أحد لقيته، فحدثنيه، وبلغني عنه - من علماء العرب - أنها كانت قبل نزول الوحي على رسول الله ﷺ تباين في الفضل، ويكون بينها ما يكون بين الجيران، من قتل العمد والخطأ، فكان بعضها يعرف لبعض الفضل في الديات، حتى تكون دية الرجل الشريف أضعاف دية الرجل دونه، فأخذ بذلك بعض من بين أظْهُرهَا - من غيرها - بأقصد مما كانت تأخذ به، فكانت دية النضيري ضعف دية القُرَظي.

стр. 72

وكان الشريف من العرب إذا قتل، يجاوز قاتله إلى من لم يقتله من أشراف القبيلة التي قتله أحدها، وربما لم يرضوا إلا بعددٍ يقتلونهم، فقتل بعض غِني شأسَ بن زهير فجمع عليهم أبوه زهير بن جَذِيمة، فقالوا له - أو بعض من نُدب عنهم -: سل في قتل شأس. فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها، قالوا: وما هي؟ قال: تحيون لي شأساً! أو تملؤون ردائي من نجوم السماء! أو تدفعون إلي غنياً بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضاً!. وقَتَل كليب واثل: فاقتتلوا دهراً طويلاً، واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابناً له يقال له: بُجَيْر، فأتاهم فقال: قد عرفتم عزلتي، فبجير بكليب - وهو أعز العرب -، وكفوا عن الحرب فقالوا: بحير بشسع (نعل) كليب، فقاتلهم وكان معتزلاً. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال إنه نزل في ذلك وغيره مما كانوا يحكمون به في الجاهلية - هذا الحكم الذي أحكيه كله بعد هذا - وحَكَمَ اللَّه تبارك وتعالى بالعدل، فسوّى في الحكم بين عباده، الشريف منهم والوضيع: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) .

стр. 73

فقال: إن الإسلام نزل وبعض العرب يطلب بعضاً بدماء وجراح، فنزل فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) إلى قوله تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية، والآية التي بعدها. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال معاذ: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن نفَر، حفظ معاذ منهم؛ مجاهداً، والحسن، والضحاك بن مزاحم، قال: في قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية. قال: "كان كتب على أهل التوراة أنه من قتل نفساً بغير نفس حق له أن يقاد بها، ولا يعفى عنه، ولا تقبل منه الدية، وفرض على أهل الإنجيل أنه يعفى عنه، ولا يقتل. ورخص لأمة محمد ﷺ إن شاء قتل، وإن شاء أخد الدية، وإن شاء عفا، فذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية " الحديث. يقول: الدية تخفيف من الله إذ جعل الدية، ولا يَقتُل. ثم قال: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الآية. يقول: من قَتَلَ بعد أخذه الدية فله عذاب أليم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان بن عيينة: قال حدثنا عمرو بن دينار: قال سمعت مجاهداً يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) .

стр. 74

قال: العفو أن تقبل الدية في العمد (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية. مما كتب على من كان قبلكم (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما قاله ابن عباس في هذا كما قال - واللَّه سبحانه أعلم -. وكذلك ما قال مقاتل؛ لأن اللَّه إذ ذكَرَ القصاصَ، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية، لم يجز - واللَّه أعلم - أن يقال: إن عُفِيَ بأن صُولِح على أخذ الدية؛ لأن العفو ترك حق بلا عوض، فلم يجز إلا أن يكون إن عُفِيَ عن القتل، فإذا عفا لم يكن إليه سبيل. وصار للعافي - عن - القتل مال في مال القاتل، وهو دية قتيله فيتبعه بمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان، فلو كان إذا عفا عن القاتل لم يكن له شيء، لم يكن للعافي يتبعه، ولا على القاتل شيء يؤديه بإحسان. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد جاءت السنة مع بيان القرآن في مثل معنى القرآن. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله

стр. 75

حرّم مكة ولم يُحرمها الناس، فلا يحل لمن كان يومن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجراً، فإن ارتخصَ أحدٌ فقال: أحِلَّت لرسول الله ﷺ فإن الله أحلها لي، ولم يحلها لله للناس، وإنَّما أحلت لي ساعة من النهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس، ثم إنكم يا خزاعة قد قتلتم هدا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقلُه: فمن قتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه بين خِيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخدوا العقل" الحديث. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، إنها في الحيين اللذين وصف مقاتل بن حيان وغيره، ممن حكيت قوله في غير هذا الموضع. ثم أدبها أن يُقتل الحر بالحر إذا قتلَه، والأنثى بالأنثى إذا قتلتها، ولا يُقتل غيرُ قاتلها إبطالاً؛ لأن يجاوز القاتل إلى غيره، إذا كان المقتول أفضل من القاتل، - كما وصفت - ليس أنه لا يُقتل ذكر بالأنثى، إذا كانا حُرين مسلمين، ولا أنه لا يقتل حر بعبد من هذه الجهة، إنما يترك قتْله من جهة غيرها، دهاذا كانت هكذا أشبه أن تكون لا تدل على ألا يكون يُقتل اثنان بواحد، إذا كانا قاتِلَين. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهي عامة في أن الله - عزّ ذكره - أوجب القصاص بها إذا تكافأ دمان، وإنما يتكافآن بالحرية والإسلام، وعلى كل ما وصفت من عموم الآية وخصوص بما دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى،: فأيما رجل قتل قتيلاً فَوَلي المقتول بالخيار. إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ منه الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية.

стр. 76

الأم (أيضاً) : الثلاتة يقتلون الرجل يصيبونه بجرح: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: أرأيت قول اللَّه : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ) الآية، هل فيه دلالة على ألا يقتل حُرَّان بُحر، ولا رجل بأمرأة. قيل له: لم نعلم نحالفاً في أن الرجل يقتل بالمرأة، فإذا لم يختلف أحد في هذا ففيه دلالة على أن الآية خاصة، فإن قال قائل: فيم نزلت؟ قيل: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان قال: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير من نفر، حفظ منهم: مجاهد، والضحاك، والحسن ﵏ قالوا: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيكُمُ اَلْقِصَاصُ فِى اَلْقَتلَى) الآية، قال: كان بدء ذلك في حيين من العرب، - الأوس والخزرج كما روي سابقاً - اقتتلوا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحد الحيين فضل على الآخر، فاقسموا بالله ليقتلن بالأنثى الذكر، وبالعبد منهم بالحر، فلما نزلت هذه الآية، رضوا وسلموا. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما أشبه ما قالوا من هذا بما قالوا: لأن اللَّه ألزم كل مذنب ذنبه، ولم يجعل جرم أحد على غيره، فقال ﷺ : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) إذا كان - واللَّه أعلم - قاتلاً له، (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) إذا كان قاتلاً له، (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) إذا كانت قاتلة لها، لا أن يُقتل بأحد ممن لم يقتله لفضل المقتول على القاتل، وقد جاء عن النبي ﷺ : "أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله " الحديث

стр. 77

وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما وصفت من أني لم أعلم مخالفاً في أن يقتل الرجل بالمرأة، دليل على أن لو كانت هذه الآية غير خاصة، كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير، لمِ يُقتل ذكر بأنثى، ولم يجعل عوام من حفظت عنه من أهل العلم، لا نعلم لهم مخالفا، لهذا هذا معناها: ولم يقتل الذكر بالأنثى!. الأم (أيضاً) : من لا قصاص بينه لاختلاف الدينين: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فكان ظاهر الآية - واللَّه أعلم - أن القصاص إنما كتب على البالغين المكتوب عليهم القصاص؛ لأنهم المخاطبون بالفرائض إذا قتلوا المؤمنين بابتداء الآية. وقوله (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) الآية، لأنه جعل الأخوُّة بين المؤمنين، فقال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الآية. وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين. ودلت سنة رسول الله ﷺ على مثل ظاهر الآية. الأم (أيضاً) : باب (قتل الغيلة وغيرها وعفو الأولياء) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: كل من قُتِل في حرابة، أو صحراء، أو مِصْر. أو مكابرة أو قُتِل على مال أو غيره، أو قتل نائرة فالقصاص، والعفو إلى الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء، إلا الأدب إذا عفا الولي.

стр. 78

الأم (أيضاً) : باب (الرجل يمسك الرجل للرجل حتى يقتله) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: حد اللَّه الناس على الفعل نفسه وجعل فيه القود، فقال ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، وقال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) الآية، فكان معروفاً عند من خوطب بهذه الآية أن السلطان لولي المقتول على القاتل نفسه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من اعتبط مسلماً بقتل فهو قَوَدُ يده" الحديث. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: لم أجد أحداً من خلق اللَّه تعالى - يُقتدَى به - حدُّ أحداً قط على غير فعل نفسه أو قوله. فلو أن رجلاً حبس رجلاً لرجل فقتله - الثاني - قُتل به القاتل وعوقب الحابس، ولا يجوز في حكم اللَّه تعالى إذا قَتلتُ القاتلَ بالقتلِ أن أقتلَ الحابسَ بالحبس، والحبس غير القتل، ومن قَتَلَ هذا فقد أحال حكم اللَّه ، لأن اللَّه إذ قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية، فالقصاص أن يُفعل بالمرِء مثلُ ما فعل. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وروي عن علي أنه قال: "يقتل القاتل. ويحبس الممسك حتى يموت" الحديث.

стр. 79

الأم (أيضاً) : في المرتد: وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، فبين في حكم الله : (أن جعل العفو أو القتل إلى ولي الدم، دون السلطان إلا في الهارب، فإنه قد حكم في الهاربين أن يقتلوا، أو يصلبوا فجعل ذلك عليهم حكماً مطلقاً لم يذكر فيه أولياء الدم. الأم (أيضاً) : كتاب اللعان: أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهكذا كل ما أوجبه اللَّه تعالى لأحد، وجب على الإمام أخذه له، إن طلبه أخذه له بكل حال، فإن قال قائل فما الحجة في ذلك؟ قيل: قول اللَّه ﵎ اسمه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، فبين أن السلطان للولي، ثم بين فقال في القصاص (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) الآية، فجعل العفو إلى الولي. الأم (أيضاً) : ولاة القصاص: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا سقط القصاص صارت لهم الدية، وإذا كان للدم وليَّان فحكم لهما بالقصاص، أو لم يحكم حتى قال أحدهما: قد عفوت القتلَ لله، أو قد عفوت عنه، أو قد تركت الاقتصاص منه، أو قال القائل: اعفُ عني، فقال: قد عفوت عنك، فقد بطل القصاص عنه، وهو على

стр. 80

حق من الدية، وإن أحب أن يأخذه به أخذه، لأن عفوه عن القصاص غير عفوه عن المال، إنما هو عفو أحد الأمرين دون الآخر. قال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية، يعني: من عفي له عن القصاص. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: لو قال قد عفوت عنك القصاص والدية، لم يكن له قصاص، ولم يكن له نصيب من الدية، ولو قال: عفوت ما لزمك لي، لم يكن هذا عفواً للدية وكان عفواً للقصاص، وإنَّما كان عفواً للقصاص دون المال، ولم يكن عفواً للمال دون القصاص، ولا لهما؛ لأن اللَّه حكم بالقصاص. ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، فأعلم - سبحانه - أن العفو مطلقاً، إنما هو ترك القصاص لأنه أعظم الأمرين. وحكم بأن يتبع بالمعروف ويؤدي إليه المعفو له بإحسان. الأم (أيضاً) : باب (القصاص بين المماليك) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الآية، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: كان في أهل الإنجيل إذا قتلوا: العقلُ، لم يكن فيهم قصاص، وكان في أهل التوراة: القصاص، ولم يكن فيهم دية، فحكم اللَّه في هذه الأمة بأن في العمد: الدية إن شاء الولي، أو القصاص إن شاء، فأنزل اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) الآية.

стр. 81

قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وذلك والله أعلم بيَّن في التنزيل مستغنىً به عن التأويل، وقد ذكِرَ عن ابن عباس بعضه، ولم أحفظ عنه بعضه فقال: - واللَّه أعلم - في كتاب اللَّه أن أنزل فيما فيه القصاص، وكان بيّناً: أن ذلك إلى ولي الدم، لأن العفو إنما هو لمن له القود، وكان بيّنا أن قول الله : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) الآية، أن يعفو ولي الدم القصاص، ويأخذ المال، لأنه لو كان ولي الدم - إذا عفا: القصاص - لم ببق له غيره، لم يكن له إذا ذهب حقه، ولم تكن دية يأخذها شيء يتبعه بمعروف، ولا يؤدى إليه بإحسان، وقال اللَّه : (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) الآية، مبيناً أنه تخفيف القتل بأخذ المال. الأم (أيضاً) : باب (الديات) : وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقد قال بعض أهل العلم: أي ولاة الدم قام به قَتَل، وإن عفا الآخرون فأنزله منزلة الحد. وقال غيره من أهل العلم: يقتل البالغون ولا ينتظرون الصغار. وقال غيره: يقتل الولد ولا ينتظرون الزوجة. قيل: ذهبنا إليه أنه السنة التي لا ينبغي أن تخالف، أو في مثل معنى السنة والقياس على الإجماع. فإن قال: فأين السنة فيه؟ قيل: قال رسول الله ﷺ : "من قُتِل له قتيل فأهله بين خيرَتين إن أحبوا أخذوا القصاص، وإن أحبوا فالدية" الحديث. فلما كان من حكم رسول الله ﷺ أن لولاة الدم أن يقتلوا،

стр. 82

ولهم أن يأخذوا المال، وكان إجماع المسلمين أن الدية موروثة، لم يحل لوارث أن يمنع الميراث من وَرث معه، حتى يكون الوارث يمنع نفسه من الميراث، وهذا معنى القرآن في قول الله : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) الآية. وهذا مكتوب في كتاب الديات، ووجدنا ما خالفه من الأقاويل، لا حجة فيه لما وصفت من السنة بخلافهم، ووجدت مع ذلك قولهم متناقضاً. مختصر المزني: باب (الخيار في القصاص) : بعد أن ذكَرَ حديث الشَّافِعِي عن أبي شريح الكعبي الذي ذكِرَ سابقاً في الأم. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولم يختلفوا في أن العقل يورث كالمال، وإذا كان هكذا فكل وارث ولي، زوجة، أو ابنة، لا يخرج أحد منهم من ولاية الدم، ولا يقتل إلا باجتماعهم، وحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويبلغ الطفل، وإن كان فيهم معتوه فحتى يفيق أو يموت، فيقوم وارثه مقامه، وأيهم عفا عن القصاص كان على حقه من الدية، وإن عفا على غير مال كان الباقون على حقوقهم من الدية، فإن عفوا جميعاً، وعفا المفلس يجنى عليه أو على عبده القصاص، جاز ذلك لهم، ولم يكن لأهل الدين والوصايا منعهم، لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حياً، وبمشيئة الورثة إن كان ميتاً. وذكر المزني كذلك حديث مقاتل بن حيان الذي سبق ذكره.

стр. 83

مختصر المزني (أيضاً) : ومن كتاب جراح العمد: وقد ذكر الشَّافِعِي - رحمه اللَّه تعالى - في تفسير هذه الآية، قول مقاتل الوارد في تفسير الآية السابقة. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الجراح وغيره: انظر ما كتبه الشَّافِعِي في الأم فيما سبق، فقد نقل الإمام البيهقي كثيراً منه كما هو بحرفيته، بالصفحات المشار إليها في أسفل الهامش، فلا حاجة للتكرار. قال الله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) الأم: الحكم في قتل العمد: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) الآية. يقول لكم في القصاص حياة، ينتهي بعضكم عن بعض أن يصيب مخافة أن يقتل. أخبرنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عمرو ابن دينار قال: سمعت مجاهداً يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال اللَّه لهذه الأمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ) .

стр. 84

وجاء في الأم (أيضاً) : باب (القصاص بين المماليك) . قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) الآية، يعني: أن يمتنع بها من القتل، فلم يكن المال إذا كان الولي في حال يسقط عنه القود إذا أراد. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار. عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: شبيهاً بما وصفت في أحد المعنيين، ودلّت سنة رسول الله ﷺ على مثل معناه. مختصر المزني: ومن كتاب جراح العمد - (من مسند الشَّافِعِي) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: في قوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الآية. يقول: لكم في القصاص حياة ينتهي بها بعضكم عن بعض مخافة أن يقتل. . .. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الجراح وغيره: انظر ما كتبه الشَّافِعِي في الأم فيما سبق بتفسير هذه الآية، والتي سبقتها. فقد نقله الإمام البيهقي بحرفيته فلا حاجة للتكرار.

стр. 85

قال الله : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) . الأم: باب (ما نسخ من الوصايا) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) إلى قوله: (الْمُتَّقِينَ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان فرضاً في كتاب اللَّه تعالى على من ترك خيراً - والخير: المال - أن يوصي لوالديه وأقربيه، ثم زعم بعض أهل العلم بالقرآن أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة، واختلفوا في الأقربين غير الوارثين، فكثر من لقيت من أهل العلم ممن حفظت عنه قال: الوصايا منسوخة، لأنه إنما أمر بها إذا كانت إنما يورث بها، فلما قسُّم اللَّه - تعالى ذكره - المواريث كانت تطوعاً. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهذا إن شاء اللَّه تعالى كله كما قالوا. فإن قال قائل: ما دلَّ على ما وصفتَ؟ قيل له: قال اللَّه ﵎: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الآية. أخبرنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن مجاهد أن رسول الله ﷺ قال: " لا وصية لوارث ".

стр. 86

وما وصفت من أن الوصية للوارث منسوخة بآي المواريث، وأن لا وصية لوارث مما لا أعرف فيه عن أحد ممن لقيت خلافاً. الأم (أيضاً) : باب (الوصية للوارث) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) إلى قوله: (الْمُتَّقِينَ) الآية، وقال في آي المواريث: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الآية. وذكر من ورُّث - جل ثناؤه - في آي من كتابه. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: واحتمل إجماع أمر اللَّه تعالى بالوصية للوالدين والأقربين معنيين: أحدهما: أن يكون للوالدين والأقربين الأمران معاً، فيكون على الموصي أن يوصي لهم، فيأخذون بالوصية، ويكون لهم الميراث فيأخذون به. ثانيهما: واحتمل أن يكون الأمر بالوصية نزل ناسخاً لأن تكون الوصية لهم ثابتة، فوجدنا الدلالة على أن الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين منسوخة بآي المواريث، من وجهين: الأول: أخبار ليست بمتصلة عن النبي ﷺ من جهة الحجازيين منها: أن سفيان بن عيينة أخبرنا، عن سليمان الأحول عن مجاهد؛ أن النبي ﷺ قال: " لا وصية لوارث" الحديث. وغيره يثبته بهذا الوجه، ووجدنا غيره قد يصل فيه

стр. 87

حديثاً عن النبي ﷺ بمثل هذا المعنى، ثم لم نعلم أهل العلم في البلدان اختلفوا في أن الوصية للوالدين منسوخة بآي المواريث. الثاني: واحتمل إذا كانت منسوخة أن تكون الوصية للوالدين ساقطة، حتى لو أوصى لهما لم تجز الوصية، وبهذا نقول، وما رُوي عن النبي ﷺ وما نعلم أهل العلم اختلفوا فيه يدل على هذا، وإن كان يحتمل أن يكون وجوبها منسوخاً، وإذا أوصى لهم جاز، وإذا أوصى للوالدين فأجاز الورثة فليس بالوصية أخذوا، وإنما أخذوا بإعطاء الورثة لهم ما لهم، لأنا قد أبطلنا حكم الوصية لهم فكان نص المنسوخ في وصية الوالدين، وسُمِّي معهم الأقربين جملة، فلما كان الوالدان وارثين، فسنا عليهم كل وارث، وكذلك الخبر عن النبي ﷺ ، فلما كان الأقربون ورثة، وغير ورثة، أبطلنا الوصية للورثة من الأقربين بالنص والقياس والخبر: " لا وصية لوارث " وأجزنا الوصية للأقربين، ولغير الورثة من كان. فالأصل في الوصايا لمن أوصى في كتاب اللَّه . وما روي عن رسول اللَّه ﷺ ، وما لم أعلم من مضى من أهل العلم اختلفوا فيه، في أن يُنظر إلى الوصايا: ١ - فإذا كانت لمن يرث الميت أبطلتها. ٢ - وإن كانت لمن لا يرثه أجزتها على الوجه الذي تجوز به، وموجود عندي - واللَّه أعلم - فيما وصفت من الكتاب، وما روي عن النبي ﷺ . وحيث إن ما لم نعلم من مضى من أهل العلم اختلفوا فيه، أنه إنما يمنع الورثة الوصايا لئلا يأخذوا مال الميت من وجهتين، وذلك أن ما ترك المُتَوَفى يؤخذ بميراث أو وصية، فلما كان حكمهما مختلفين، لم يجز أن يجمع لواحد الحكمان المختلفان في حكم واحد، وحال واحدة، كما لا يجوز أن يُعطى بالشيء وضد الشيء، ولم يحتمل معنى غيره بحال.

стр. 88

الأم (أيضاً) : باب (الوصية للوارث) أيضاً قال الشَّافِعِي -رحمه الله تعالى-: ولقد ذكر الله ﵎ الوصية فقال: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية. وأن الأغلب من الأقربين، لأنهم يبتلون أولاد الموصي بالقرابة ثم الأغلب أن يزيدوا، وأن يبتلوهم بصلة أبيهم لهم بالوصية. وينبغي لمن منع أحداً مخافة أن يرد على وارث، أو ينفعه، أن يمنع ذوي القرابة، وألا يعتق العبيد الذين قد عرفوا بالعطف على الورثة، ولكن لا يمنع أحد وصية غير الوارث بالخبر عن رسول الله ﷺ ، وما لا يختلف فيه من أحفظ عنه ممن لقيت. الأم (أيضاً) : باب (المدَّعي والمدَّعَى عليه) : قال الشَّافِعِي -رحمه الله تعالى-: فإذا كان الناس أجمعوا على خبر الواحد بتصديق المخبر عنه، ولا يحتجون عليه بمثل ما تحئجون به، ويتبعون فيه أمر رسول اللَّه ﷺ ثم جاء خبر آخر أقوى منه، فكيف جاز لك أن تخالفه؛ وكيف جاز لك أن تثبت ما اختلفوا فيه، مما وصفنا بالخبر عن النبي ﷺ مرة، وتعيب علينا أن ثبتنا ما هو أقوى منه؟ وقلت لبعض من يقول هذا القول: قد قال اللَّه (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) الآية. فإن قال لك قائل: تجوز الوصية لوارث؛ قال روي عن النبي ﷺ ، قلنا: فالحديث لا تجوز الوصية لوارث أثبت أم حديث اليمين مع الشاهد؛ قال: بل حديث اليمين مع الشاهد، ولكن الناس لا يختلفون في أن الوصية لوارث منسوخة. قلنا: أليس بخبر؟ قال: بلى. قلت: فإذا كان

стр. 89

الناس يجتمعون على قبول الخبر ثم جاء خبر عن النبي ﷺ أقوى منه، لم جاز - أي لم يجز - لأحد خلافه، قلنا: أرأيت إن قال لك قائل: لا تجوز الوصية إلا لذي قرابة، فقد قاله طاووس، قال: العتق وصية، قد أجازها النبي ﷺ في حديث عمران للمماليك، ولا قرابة لهم، قلنا: أفتحتج بحديث عمران مرة، وتتركه أخرى؟! وقلت له: نصير بك إلى ما ليس فيه سنة لرسول الله ﷺ حتى نوجدك (أي: نجدك) تخرج من جميع ما احتججت به، وتخالف فيه ظاهر الكتاب عندك. الأم (أيضاً) : كتاب (القرعة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر حديثي عمران بن حصين ﵁ وابن المسيب ﵀ ثم ساق حديث نافع عن ابن عمر ﵄، بعد ذلك. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وبهذا كله نأخذ، وحديث القرعة عن عمران ابن حصين، وابن المسيب، موافق قول ابن عمر ﵁ في العتق، لا يختلفان في شيء حُكِيَ فيهما، ولا في واحد منهما.

стр. 90

وهذا يدل على خلاف ما قال بعض أهل العلم: إن قول الله ﵎: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية. منسوخة بالمواريث، والآخر: إن الوصايا إذا جُوِّزَ بها الثلث رُدت إلى الثلث، وهذه الحجة في ألا يُجَاوَزَ بالوصايا الثلث. وذلك أنه لو شاء رجل أن يقول: إنما أشار رسول الله ﷺ على سعد، ولم يعلمه أنه لا يجوز له أن يوصي بكثر من الثلث، وفي هذا حجة لنا على من زعم أن من لم يدع وارثاً يعرف، أوصى بماله كله، فحديث عمران بن حصين يدل على خمسة معانٍ، وحديث نافع يدل على ثلاثة معانِ كلها في حديث عمران. الأم (أيضاً) : المكاتب: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه : (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) الآية، فعقلنا أنه ترك مالاً؛ لأن المال: المتروك. وبقوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) قال: فلما قال اللَّه : (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية. كان أظهر معانيها بدلالة ما استدللنا به من الكتاب: قوة على اكتساب المال وأمانة؛ لأنه قد يكون قوياً فيكسب، فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة، وأميناً فلا يكون قوياً على الكسب فلا يؤدى. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولا يجوز عندي - واللَّه تعالى أعلم - في قوله: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية، إلا هذا. الرسالة: الناسخ والمنسوخ الذي تدل عليه السنة والإجماع: قال الله ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) الآية.

стр. 91

وقال اللَّه: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) . قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فأنزل اللَّه ميراث الوالدين، ومن ورث بعدهما، ومعهما من الأقربين، وميراث الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها. فكانت الآيتان محتملتين لأن تثبتا الوصية للوالدين والأقربين، والوصية للزوج، والميراث مع الوصايا، فيأخذون بالمير اث والوصايا، ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا. فلما احتملت الآيتان ما وصفنا، كان على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله، فما لم يجدوه نصاً في كتاب الله، طلبوه في سنة رسول الله ﷺ ، فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله ﷺ فعن الله قبلوه، بما افترض من طاعته. ووجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي (من قريش وغيرهم) لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: " لا وصية لوارث، ولا يقتل مومن بكافر " الحديث. ويأثِرونه عمن حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي. فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد. وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين.

стр. 92

وقال الشَّافِعِي ﵀: وروى بعض الشاميين حديثاً ليس مما يثبته أهل الحديث فيه: إن بعض رجاله مجهولون، فرويناه عن النبي ﷺ منقطعاً. وإنما قبلناه بمن وصفت من نقل أهل المغازي، وإجماع العامة عليه، وإن كنا قد ذكرنا الحديث فيه، واعتمدنا على حديث أهل المغازي عامًّا، وإجماع الناس. أخبرنا سفيان - يعني ابن عيينة -، عن سليمان الأحول، عن مجاهد أن رسول اللَّه ﷺ قال: " لا وصية لوارث" الحديث. فاستدللنا بما وصفتُ، من نقل عامة أهل المغازي عن النبي ﷺ أن " لا وصية لوارث" الحديث. على أن المواريث ناسخة للوصية (للوالدين والزوجة) مع الخبر المنقطع عن النبي ﷺ ، وإجماع العامة على القول به. وكذلك قال أكثر العامة: إن الوصية للأقربين منسوخة زائل فرضها، إذا كانوا وارثين بالميراث، وإن كانوا غير وارثين فليس بفرض أن يُوصي لهم. إلا أن طاووساً وقليلاً معه قالوا: نسخت الوصية للوالدين، وثبتت للقرابة غير الوارثين، فمن أوصى لغير قرابة لم يجز. فلما احتملت الآية ما ذهب إليه طاووس من أن الوصية للقرابة ثابتة، إذ لم يكن في خبر أهل العلم بالمغازي إلا أن النبي ﷺ قال: " لا وصيهْ لوارث " وجب عندنا على أهل العلم، طلب الدلالة على خلاف ما قال طاووس أو موافقته. فوجدنا رسول الله ﷺ ، حكم في ستة مملوكين، كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة.

стр. 93

أخبرنا بذلك عبد الوهاب (بن عبد المجيد الثقفي) ، عن أيوب (السختياني) ، عن أبي فلابة (عبد اللَّه بن زيد الجرمي البصرى) ، عن أبي المهلب (الجَرْمي البصري - عم أبي قلابة) ، عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ . وقال الشَّافِعِي ﵀: فكانت دلالة السنة في حديث عمران بن حصين بينة، أن رسول الله ﷺ أنزل في عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب. والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبين العجم، فأجاز النبي ﷺ لهم الوصية. فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين. لأنهم ليسوا بقرابة للمعتق. ودلُّ ذلك على: أن لا وصية لميت إلا في ثلث ماله، ودل ذلك على أن يُرَدُّ ما جاوز الثلث في الوصية، وعلى إبطال الاستسعاء، وإثبات القَسمِ والقُرعَة. وبطلت وصية الوالدين، لأنهما وارثان وثبت ميراثهما، ومن أوصى له الميت من قرابة وغيرهم، جازت الوصية، إذا لم يكن وارثاً. وأحَبّ إليَّ لو أوصَى لقرابته. جماع العلم: باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له أيضاً: يلزمك هذا في ناسخ القرآن ومنسوخه؟

стр. 94

قال: فاذكر منه شيئاً. قلت: قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية، وقال في الفرائض: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الآية. فزعمنا بالخبر عن رسول الله ﷺ أن آية الفرائض نسخت الوصية للوالدين والأقربين، فلو كنا مما لا يقبل الخبر، فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض. هل نجد الحجة عليه إلا الخبر عن رسول الله ﷺ ؟! قال: هذا شبيه بالكتاب والحكمة، والحجة لك ثابتة، بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله ﷺ . وقد صرتُ إلى: قَبول الخبرِ لَزم للمسلمين، لما ذكرتَ وما في مثل معانيه من كتاب اللَّه. وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال عما كنت أرى إلى غيره، إذا بانت الحجة فيه، بل أتديَّن بأنَّ عليَّ الرجوعَ عما كنت أرى إلى ما رأيتُ الحقُّ. أحكام القرآن: ما نسخ من الوصايا: لقد لخص الإمام البيهقي تفسير الشَّافِعِي لهذه الآية بما يلي: أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فكان فرضاً في كتاب اللَّه ، على من ترك خيراً (والخير: المال) أن يوصي لوالديه وأقربين.

стр. 95

وزعم بعض أهل العلم بالقرآن: أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة، واختلفوا في الأقربين غير الوارثين، فأكثر من لقيت من أهل العلم، وممن حفظت عنه قال: الوصايا منسوخة؛ لأنه إنما أمر بها إذا كانت إنما يُوَرثُ بها، فلما قسم اللَّه المواريث كانت تطوعاً. وهذا - إن شاء اللَّه - كلّه كما قالوا. واحتج الشَّافِعِي ﵀ في عدم جواز الوصية للوارث بآية الميراث. وبما روي عن النبي ﷺ من قوله: " لا وصية لوارث". واحتج في جواز الوصية لغير ذي الرحم، بحديث عمران بن حصين: "أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له، ليس له مال غيرهم، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة" الحديث. ثم قال الشَّافِعِي: والمعتق: عربي، وإنَّما كانت العرب: تملك من لا قرابة بينها وبينه، فلو لم تجز الوصية إلا لذي قرابة، لم تجز للمملوكين، وقد أجازها لهم رسول اللَّه ﷺ . أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشافعى - في القرعة والعتق، والولاء، والكتابة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) الآية، فعقلنا أنه إن ترك مالاً، لأن المال: المتروك، ولقوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية. فلما قال اللَّه : (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية. كان أظهر معانيها بدلالة ما استدللنا به من الكتاب قوة على

стр. 96

اكتساب المال، وأمانة، لأنه قد يكون قوياً فيكسب، فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة، وأميناً فلا يكون قوياً على الكسب، فلا يؤدي، ولا يجوز عندي - واللَّه أعلم - في قوله تعالى: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) الآية، إلا هذا. وليس الظاهر أن القول: إن علمت في عبدك مالاً لمعنيين: أحدهما: أن المال لا يكون فيه، إنما يكون عنده، لا فيه. ولكن يكون فيه الاكتساب: الذي يفيده المال. والثاني: أن المال الذي في يده لسيده فكيف يكاتبه بماله؟! إنما يكاتبه بما يفيد العبد بعد الكتابة؛ لأنه حينئذ يُمنع ما أفاد العبد لأداء الكتابة. ولعل من ذهب إلى أن الخير: المال، أراد أنه أفاد بكسبه مالاً للسيد. فيستدل على أنه يفيد مالاً يعتق به، كما أفاد أولاً. وقال الشَّافِعِي ﵀: وإذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة، فأحب إليَّ لسيده أن يُكاتبه. ولا يبين لي أن يجبر عليه، لأن الآية محتملة أن يكون إرشاداً أو إباحةَ لا حتماً. وقد ذهب هذا المذهب عدد ممن لقيت من أهل العلم. وبسط الكلام فيه واحتج في جملة ما ذكر: بأنه لو كان واجباً؛ لكان محدوداً بأقل ما يقع عليه اسم الكتابة، أو لغاية معلومة. قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) الرسالة: بيان ما أنزل الله من الكتاب عائم الطاهر وهو يجمع العام والخُصُوص: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) .

стр. 97

قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهكذا التنزيل في الصوم والصلاة على البالغين العاقلين، دون من لم يبلغ ومن بلغ ممن كلب على عقله، ودون الحُيَّضِ في أيام حيضهن. الرسالة (أيضاً) : باب (البيان الأول) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فافترض - الله - عليهم الصوم، ثم بين أنه شهر، والشهر عندهم ما بين الهلالين، وقد يكون ثلاثين، وتسعاً وعشرين. فكانت الدلالة في هذا كالدلالة في الآيتين، وكان في الآيتين قبله: في ابن جماعة: (زيادة تبيُّن جماع العدد) . ثم قال ﵀: وأشبه الأمور بزيادة تبين جملة العدد، في السبع. والثلاث، وفي الثلاثين، والعشر، أن تكون زيادة في التبيين، لأنهم لم يزالوا يعرفون هذين العددين وجماعَهُ، كما لم يزالوا يعرفون شهر رمضان.

стр. 98

مسند الشَّافِعِي: في أحكام متفرقة في الصوم: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُم عليكم فكملوا العدة ثلاثين " الحديث. أحكام القرآن: فصل في معرفة العموم والخصوص: قال الشَّافِعِي: بين الله في كتابه في هذه الآية وغيرها العموم والخصوص. .. ثم قال ﵀: وهكذا التنزيل في الصوم الخ. قال الله : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) . الأم: باب (الصيام) : أخبرنا الربيع قال:

стр. 99

أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا مالك، عن نافع، أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها؛ فقال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً (مداً من حنطة) . قال مالك وأهل العلم: يرون عليها من ذلك القضاء. قال مالك: عليها القضاء؛ لأن اللَّه يقول: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا كان له - أي الإمام مالك ﵀ أن يخالف ابن عمر ﵄ لقول أبي، القاسم ﷺ ، ويتأول في خلاف ابن عمر القرآن، ولا يقلده، فنقول: هذا أعلم بالقرآن منا، ومذهب ابن عمر ﵄ يتوجه، لأن الحامل ليست بمريضة، المريض يخاف على نفسه، والحامل خافت على غيرها لا على نفسها، فكيف ينبغي أن يجعل قول ابن عمر ﵄ في موضع حجة، ثم القياس على قوله حجة على النبي ﷺ ويخطئ القياس؟ فنقول: حين قال ابن عمر ﵄: لا يصلي أحد عن أحد. ولا يحج أحد عن أحد قياساً على قول ابن عمر، وترك قول النبي ﷺ له، وكيف جاز أن يَتْرُكَ قول ابن عمر لقول رجل من التابعين؟. الأم: الصيام في كفارات الإيمان: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: كل من وجب عليه صوم ليس كشروط في كتاب اللَّه أن يكون متتابعاً، أجزأه أن يكون متفرقاً قياساً على قول الله في قضاء رمضان وحده: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية.

стр. 100

والعدة: أن يأتي بعدد الصوم، لا وَلاَء. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا كان الصوم متتابعاً فأفطر فيه الصائم والصائمة من عذر وغير عذر، استأنفا الصيام إلا الحائض فإنها لا تستأنف. مختصر المزني: كتاب الصيام: باب (النيه في الصوم) : ورُوي عن ابن عباس ﵄ في قوله : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) الآية، قال - المزني - المرأة الهِم (الهِمةُ) . والثيخ الكبير الهِم، يفطران ويطعمان لكل يوم مسكيناً. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وغيره من المفسرين: يقرؤنها (يُطَوَّقُونَهُ) . وكذلك نقرؤها، ونزعم أنها نزلت حين نزل فرض الصوم، ثم نسِخَ ذلك. وقال - أي الشَّافِعِي ﵀: وآخر الآية يدل على هذا المعنى؛ لأن الله قال: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) فزاد على مسكين (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) ، ثم قال: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) الآية.

стр. 101

وقال - أي الشَّافِعِي -: فلا يؤمر بالصيام من لا يطيقه، ثم بين فقال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الآية. وإلى هذا نذهب، وهو أشبه بظاهر القرآن. قال المزني ﵀: هذا بَين في التنزيل، مستغنى فيه عن التأويل. اختلاف الحديث: باب (المختلفات التي لا يثبت بعضها) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وفرض الله تعالى الصوم فقال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) إلى قوله: (مِسْكِينٍ) الآية، قيل: يطيقونه، كانوا يطيقونه ثم عجزوا عنه، فعليهم في كل يوم طعام مسكين. قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قيل: أفروي عن رسول الله ﷺ أنه أمر أحداً أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ . فإن قيل: فلم لا تأخذ به؟ قيل: حدث الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نذر نذراً، ولم يسمعه مع حفظ الزهري، وطول مجالسة عبيد الله لابن عباس، فلما جاء غيره عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله، أشبه ألا يكون محفوظاً. فإن قيل: أتعرف الذي جاء بهذا الحديث يغلط عن ابن عباس؟ قيل: نعم، روى أصحاب ابن عباس، عن ابن عباس أنه قال لابن الزبير: إن الزبير حل من متعته الحج، فرُوي هذا عن ابن عباس أنها متعة النساء! وهذا غلط فاحش.

стр. 102

أحكام القرآن: باب (ما يؤثر عن الشَّافِعِي في الصيام) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فمن أفطر أياماً من رمضان - من عذر -. قضاهن متفرقات، أو متجمعات، وذلك: أن اللَّه قال: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية، ولم يذكرهن متتابعات. وبهذا الإسناد قال: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) فقيل: يطيقونه: كانوا يطيقونه ثم عجزوا، فعليهم في كل يوم طعام مسكين. وقال الشَّافِعِي في القديم - - رواية الزعفراني عنه -: سمعت من أصحابنا من نقلوا إذا سئل عن تأويل قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) الآية، فكانه يتأوَّل إذا لم يطق الصوم: الفدية. وورد عن الشَّافِعِي في كتاب الصوم الصغير قال: والحال التي يترك بها الكبير الصوم، أن يجهده الجهد غير المحتمل، وكذلك المريض والحامل - إن زاد مرض المريض زيادة بيّنة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر -. والحامل - إذا خافت على ولدها - أفطرت، وكذلك المرضع إذا أضر بلبنها الأضرار البين،. .. وبسط الكلام في شرحه.

стр. 103

قال الله : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) الأم: باب (أحكام من أفطر في رمضان) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من أفطر أياماً من رمضان، من عذر (مرض. أو سفر) قضاهن في أي وقت ما شاء، في ذي الحجة أو غيرها، وبينه وبين أن يأتي عليه رمضان آخر، متفرقات أو متجمعات؛ وذلك أن الله يقول: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ الآية، ولم يذكرهن متتابعات وقد بلغنا عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: "إذا أحصيت العدة فصمهن كيف شئت" الحديث. فإن مرض أو سافر المفطر من رمضان، فلم يصح، ولم يقدر حتى يأتي عليه رمضان آخر، قضاهنّ ولا كفّارة، وإن فزط وهو يمكنه أن يصوم حتى يأتي رمضان آخر، صام رمضان الذي جاء عليه، وقضاهن وكفَّر عن كل يوم بمد حنطة. وقال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم، ولم تخافا على ولديهما، لم تفطرا، فإن خافتا على ولديهما أفطرتا، وتصدقتا عن كل يوم بمد حنطة، وصامتا إذا أمنتا على ولديهما.

стр. 104

وإن كانتا لا تقدران على الصوم، فهذا مثل المرض، أفطرتا وقضتا بلا كفارة، إنما تكفِّران بالأثر وبانهما لم تفطرا لأنفسهما، إنما أفطرتا لغيرهما، فذلك فرق بينهما وبين المريض لا يُكَفر، والشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ويقدر على الكفارة، يتصدق عن كل يوم بمد حنطة، خبراً عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وقياساً على من لم يطق الحج أن يحج عنه غيره، وليس عمل غيره عنه عمله نفسه، كما ليس الكفارة كعمله. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والحال التي يترك بها الكبير الصوم، أن يكون يجهده الجهد غير المحتمل، وكذلك المريض والحامل. وإن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر. والحامل إذا خافت على ولدها أفطرت، وكذلك المرضع إذا أضرَّ بلبنها الإضرار البين، فأما ما كان من ذلك محتملاً فلا يفطر صاحبه، والصوم قد يزيد عامة العلل ولكن زيادة محتملة، ويسّقص بعض اللبن ولكنه نقصان محتمل، فإذا تفاحش أفطرتا. فكأنه (أي: الشَّافِعِي) يتاول إذا لم يطق الصوم: الفدية - واللَّه أعلم -. الأم (أيضاً) : باب (بيع الآجال) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه : (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية، فقد وقت بالأهلة، كما وقت بالعدة، وليس العطاء من مواقيته تبارك وتعالى، وقد يتأخر الزمان ويتقدم، وليس تستأخر الأهلة أبداً أكثر من يوم.

стр. 105

الأم (أيضاً) : باب (في الآجال: في السلف والبيوع) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال جل ثناؤه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) الآية، فأعلمَ اللَّه تعالى بالأهلة - جُمَل المواقيت، وبالأهلة مواقيت الأيام من الأهلة، ولم يجعل علماً لأهل الإسلام إلا بها، فمن أعلم بغيرها فبغير ما أعلم - الله أعلم -. الأم (أيضاً) : كتاب (صلاة العيدين) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎ في سياق شهر رمضان: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) الآية. وقال رسول الله ﷺ : " لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه" الحديث. يعني: الهلال، فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين. الأم (أيضاً) : التكبير ليلة الفطر) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله ﵎ في شهر رمضان: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) الآية، قال: فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: لتكملوا العدة: عدة صوم شهر رمضان،

стр. 106

وتكبروا الله: عند إكماله على ما هداكم وإكماله: مغيب الشمس من آخر يوم من أيام شهر رمضان. قال الشَّافِعِي ﵀: وما أشبه ما قال بما قال - والله أعلم -. مختصر المزني: باب (صلاة العيدين) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأحِبُّ إظهار التكبير جماعة وفرادى في ليلة الفطر، وليلة النحر، مقيمين وسفراً، في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم، ويغدون إذا صلّوا الصبح - ليأخذوا مجالسهم - وينتظرون الصلاة، ويكبرون بعد الغدو حتى يخرج الإمام إلى الصلاة. وقال - أي الشَّافِعِي - في غير هذا الباب: حتى يفئتح الإمام الصلاة قال المزني ﵀: هذا أقيس، لأن من لم يكن في صلاة، ولم يحرم إمامه. ولم يخطب، فجائز أن يتكلم، واحتج بقول اللَّه تعالى في شهر رمضان: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) الآية. وعن ابن المسيب، وعروة، وأبي سلمة، وأبي بكر، يكبرون ليلة الفطر في المسجد، يجهرون بالتكبير، وشُبه ليلة النحر بها، إلا من كان حاجاً فذِكرُه التلبية. مختصر المزني: باب (النذور) : قال المزني ﵀: فرض الله صوم شهر رمضان بعينه، فلم يسقط بعجزه عنه بمرضه، قال الله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية، وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله فلم يعقل فيه، أنَّ عليه قضاءه.

стр. 107

الرسالة: باب (الفرائض التي أنزل الله نصاً) : قال الله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا) الآيات. ثم بين أيُّ شهر هو فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) . قال الشَّافِعِي ﵀: فما علمت أحداً من أهل العلم بالحديث قبلنا. تكلَّف أن يرويَ عن النبي ﷺ ، أن الشهر المفروض صومه شهر رمضان الذي بين شعبان وشوال، لمعرفتهم بشهر رمضان من الشهور، واكتفاء منهم بأن الله فرضه. وقد تكلفوا حفظ صومه في السفر وفطره، وتكلفوا كيف قضاؤه؛ وما أشبه ذلك مما ليس فيه نص كتاب.

стр. 108

ولا علمت أحداً من غير أهل العلم، احتاج في المسألة عن شهر رمضان أيُّ شهر هو؛ ولا هل هو واجب أم لا؟. اختلاف الحديث: باب الفطر والصوم في السفر (الجزء الثاني) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وظاهر الآية في الصوم أن الفطر في المرض والسفر عَزْم، لقول اللَّه: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية. كيف لم تذهب إلى أن الفطر عزم؛ وأنه لا يجزئ شهر رمضان؛ ومن صام مريضاً أو مسافراً مع الحديث عن النبي ﷺ : " ليس من البر الصيام في السفر"؟ ومع أن الآخر من أمر رسول الله ﷺ ترك الصوم، وأن عمر أمر رجلاً صام في السفر أن يقضي الصيام، قال: فحكيت له ما قلتُ: في قول اللَّه تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) إنها آية واحدة، وأنّ ليس من أهل العلم بالقرآن أحد يخالف في أنَّ الآية الواحدة كلام واحد، وأن الكلام الواحد لا ينزل إلا مجتمعاً. وإن نزلت الآيتان في السورة مفترقتين؛ لأن معنى الآية: معنى قطع الكلام. قال: أجل. قلت: فإذا صام رسول الله ﷺ ﷺ في شهر رمضان، وفَرْضُ

стр. 109

شهر رمضان إنما أنزل في الآية، أليس قد علمنا أن الآية بفطر المريض والمسافر رخصة؟ قال: بلى. فقلت له: ولم يبق شيء يَعرُض في نفسك إلا الأحاديث؟ قال: نعم. ولكن الآخر من أمر الرسول ﷺ أليس الفطر؟ قال، فقلت له: الحديث يبين أن رسول ﷺ لم يفطر لمعنى نسخ الصوم، ولا اختيار الفطر على الصوم، ألا ترى أنَّه يأمر الناس بالفطر ويقول: "تقووا لعدوكم" ويصوم ثم يخبر بأنهم، أو أن بعضهم أبى أن يفطر إذ صام، فأفطر ليفطر من تخلف عن الفطر لصومه بفطره، كما صنع عام الحديبية فإنه أمر الناس أن ينحروا ويحلقوا فأبوا، فانطلق فنحر وحلق، ففعلوا. قال: فما قوله: "ليس من البر الصيام في السفر"؟ قلت: قد أتى به جابر مفسراً، فذكر أن رجلاً أجهده الصوم فلما علم النبي ﷺ ، قال: "ليس من البر الصيام في السفر" فاحتمل: - ليس من البر أن يبلغ هذا رجل بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص اللَّه له وهو صحيح أن يفطر، فليس من البر أن يبلغ هذا بنفسه. - ويحتمل ليس من البر الفروض الذي من خالفه أثِمَ. .. ثم يقول: (أي: الشَّافِعِي) وفي صوم النبي ﷺ دلالة على ما وصفت. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عن - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال البيهقي رحمه اللَّه تعالى: وقرأت في رواية حرملة:

стр. 110

عن الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: يستحب للمسافر أن يقبل صدقة اللَّه ويقصر. فإن أتم الصلاة عن غير رغبة عن قبول رخصة اللَّه فلا إعادة عليه، كما يكون - إذا صام في السفر - لا إعادة عليه وقد قال اللَّه : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الآية. أحكام القرآن: فيما يؤثر عن الشَّافِعِي في الصيام: قال البيهقي رحمه الله تعالى: قرأت في رواية المزني ﵀: عن الشَّافِعِي - يرحمه الله - أنه قال: قال اللَّه جل ثناؤه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) الآية. ثم أبان أن هذه الأيام شهر رمضان بقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) إلى قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الآية. وكان بيناً في كتاب اللَّه أنَّه لا يجب صوم إلا صوم شهر رمضان، وكان عِلْمُ (شهر رمضان) - عند من خوطب باللسان - أنه الذي بين شعبان وشوال. وذكره في رواية حرملة عنه كعناه قال: فلما أعلم اللَّه الناس أنه فرض الصوم عليهم: (شهر رمضان) ، وكانت الأعاجم تعد الشهور بالأيام لا بالأهلة، وتذهب إلى أنَّ الحساب - إذا عدت الشهور بالأهِلة - يختلف. فأبان الله تعالى أنَّ الأهلة هي: الواقيت للناس والحج، وذكر الشهور فقال: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ) الآية. فدلّ على أن الشهور للأهلة، إذ جعلها المواقيت، لا ما ذهبت إليه الأعاجم من العدد بغير الأهلة.
следующие страницы →