قال الشَّافِعِي ﵀: وسن رسول الله ﷺ في الغسل من الجنابة، غسل
الفرج، والوضوء كوضوء الصلاة، ثم الغسل، فكذلك أحببنا أن نفعل.
ولم أعلم مخالفاً حفظت عنه من أهل العلم، في أنَّه كيف ما جاء بغسل.
وأتى على الإسباغ: أجزأه، وإن اختاروا غيره؛ لأن الفرض الغسل فيه، ولم
يحدد تحديد الوضوء.
وسن رسول الله ﷺ فيما يجب منه الوضوء، وما الجنابة التي يجب بها الغسل، إذ لم يكن بعض ذلك منصوصاً في الكتاب.
اختلاف الحديث: باب (الطهارة بالماء) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال في الطهارة -:
(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) الآية.
فدل على أن الطهارة بالماء كله.
اختلاف الحديث (أيضاً) : باب (غسل الجمعة) :
حدثنا الربيع ﵀ قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال الله جل ثناؤه: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) الآية، فكان الوضوء عامًّا في كتاب اللَّه من الأحداث، وكان أمر الله الجنب بالغسل من الجنابة دليلاً - والله أعلم - ألَّا يجب الغسل إلا من جنابة، إلا أن تدل السنة على غسل واجب، فنوجبه بالسنة، بطاعة اللَّه في الأخذ بها، ودلَّت على وجوب الغسل من الجنابة، ولم أعلم دليلاً بيناً على أن يجب غسل غير الجنابة الوجوب الذي لا يجزي غيره.
стр. 422
وقد رُوي في غسل يوم الجمعة شيء، فذهب ذاهب إلى غير ما قلنا، ولسان
العرب واسع.
حدثنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن
رسول اللَّه ﷺ قال: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل" الحديث.
أخبرنا مالك وسفيان، عن صفوان بن مسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي
سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" الحديث.
اختلاف الحديث (أيضاً) : باب (الخلاف في أن الغسل لا يجب إلا بخروج الماء) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جل ثناؤه: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)
حتى قوله: (تَغتَسِلُوا) الآية، فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب
أنها الجماع دون الإنزال، ولم تختلف العامة أن الزنا الذي يجب به الحد الجماع دون الإنزال، وإن غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد. ..
وبعد أن ذكر معاني الالتقاء في لغة العرب قال -: فإنَّما يراد به أن تغيب
الحشفة في الفرج حتى يصير الختان الذي خلف الحشفة حذو ختان المرأة، وإنما يجهل هذا من جهل (لسان العرب) .
стр. 423
آداب الشَّافِعِي: باب (ما ذكر من معرفة الشَّافِعِي اللغات، وما فسر من غريب الحديث) :
أخبرنا أبو الحسن، أخبرنا أبو محمد قال: قال الربيع بن سليمان:
سُئل الشَّافِعِي: عن اللَّمَاس؛ فقال: هو اللمس باليد، ألا ترى: "أن
النبي ﷺ نهى عن الملامسة" الحديث.
والملامسة: أن يلمس الثوب بيده ليشتريه ولا يُقَلِّبَ.
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الشاعر:
وألمست كفي كله أطلب الغِني ... ولم أدر أن الجود من كفِّه يُعدِي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغِني ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي
* * *
قال الله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: بعثه - أي بعث الله نبيه ﷺ والناس صنفان:
стр. 424
أحدهما: أهل كتاب، بدَّلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً
صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم.
فذكر ﵎ لنبيه ﷺ من كفرهم - نماذج منها -:
وقال اللَّه ﵎: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) . ..
* * *
قال الله : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)
الأم: الحجة على من خالفنا:
فقال - أي: المحاور - للشافعي ﵀: إنه يقال: إن النبي ﷺ قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" الحديث، فما معنى هذا؟
قلنا - أي قال الشَّافِعِي ﵀: ليس هذا بثابت عند أهل الحديث
منكم، ولو كان ثابتاً لم يكن فيه حجة علينا، ولو كانت، كانت عليك معنا.
قال: وكيف؟
قلت: قال اللَّه : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)
الآية، فتأدية الأمانة فرض، والخيانة محرَّمة، وليس من أخذ حقه بخائن.
الأم (أيضاً) : باب (في الأقضية) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) الآية، فأعلم الله نبيه ﷺ أن فرضاً عليه، وعلى من قبله، والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل.
стр. 425
والعدل: اتباع حُكْمه المنزل.
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
الأم: كراهية الإمامة:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وعلى الناس أن يُصلُّوا لأنفسهم، أو جماعة
مع غير من يصنع هذا - ممن يصلي لهم - فإن قال قائل: ما دليل ما
وصفتَ؟
قيل: قال الله ﵎: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) الآية.
ويقال: نزلت في أمراء السرايا، وأمروا إذا تنازعوا في شيءِ - وذلك
اختلافهم فيه - أن يردوه إلى حكم الله ، ثم حكم الرسول، فحُكم الله ثم حكم رسوله ﷺ أن يؤتى بالصلاة في الوقت، وبما تجزئ به.
الأم (أيضاً) : ما يكره من الكلام في الخطبة وغيرها:
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم قال: حدثني عبد العزيز بن رفيع، عن تميم بن طَرَفَة، عن عدي بن حاتم قال: خطب رجل عند رسول الله ﷺ فقال:
ومن يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال النبي ﷺ :
стр. 426
"اسكت فبئس الخطيب أنت"، ثم قال النبي ﷺ :
"من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى.
ولا تقل ومن يعصهما " الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: فبهذا نقول. فيجوز أن تقول ومن يعص الله
ورسوله فقد غوى، لأنك أفردت معصية اللَّه وقلت: (ورسوله) استئناف الكلام، وقد قال اللَّه ﵎: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) الآية.
وهذا وإن كان في سياق الكلام، استئناف كلام.
ومن أطاع الله فقد أطاع رسوله، ومن عصى اللَّه فقد عصى رسوله، ومن
أطاع رسوله فقد أطاع الله، ومن عصى رسوله فقد عصى الله؛ لأنَّ رسول الله ﷺ عَبدٌ من عباده، قام في خلق الله بطاعة الله، وفرض الله تعالى على عباده طاعته لما وفقه الله تعالى من رشده؛ ومن قال: (ومن يعصهما) كرهت ذلك القول له، حتى يفرد اسم اللَّه ، ثم يذكر بعده اسم الرسول ﷺ لا يذكره إلا منفرداً.
الرسالة: باب (فرض الله طاعة رسولِ الله مقرونةَ بطاعة الله ومذكورة وحدها) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) .
فقال بعض أهل العلم: أولو الأمر: أمراء سرايا رسول الله ﷺ والله أعلم - وهكذا أخبرنا، وهو يشبه ما قال - واللَّه أعلم -؛ لأن كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة، وكانت تأنف أن يُعطيَ بعضُها بعضاً طاعة الإمارة.
стр. 427
فلما دانت لرسول الله ﷺ بالطاعة، لم تكن ترى ذلك يَصلحُ لغير رسول الله ﷺ ، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر الذين أمَّرهم رسول الله ﷺ ، لا طاعة
مطلقة، بل طاعة مستثناة، فيما لهم وعليهم، فقال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ) الآية، يعني إن اختلفتم في شيء.
وهذا - إن شاء الله - كما قال في أولي الأمر، إلا أنه يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ)
يعني - والله أعلم - هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم، (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) يعني - والله أعلم -: إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه، فإن لم تعرفوه سألتم رسول الله ﷺ عنه إذا وصلتم؛ أوْ مَنْ وصل منكم إليه؛ لأن ذلك الفرض الذي لا منازعة لكم فيه. لقول الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) .
ومَنْ يُنازع ممن بعد رسول اللَّه رد الأمر إلى قضاء اللَّه، ثم قضاء رسوله.
فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء - نصاً فيهما، ولا في واحد منهما - ردوه
قياساً على أحدهما، كما وصفت من ذكر القِبلَة والعدل والمثل، مع ما قال اللَّه في غير آية مثل هذا المعنى.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الفقه) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد فَرَضَ اللَّه في كتابه طاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى حكمه. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الآية.
* * *
قال الله : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)
стр. 428
الأم: باب (نكاح الولاة والنكاح بالشهادة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) .
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج أن رسول الله ﷺ أمر نعيماً أن يؤامر أم ابنته فيها، ولا يختلف الناس أن ليس لأمها فيها أمر، ولكن على معنى استطابة النفس وما وصفت، أوَ لا ترى أن في حديث نعيم ما بين ما وصفت؛ لأن ابنة نعيم لو كان لها أن تردَّ أمر أبيها وهي بكر، أمر رسول الله ﷺ
بمسألتها، فإن أذنت جاز عليها، وإن لم تأذن ردَّ عنها، كما ردَّ عن خنساء ابنة خِدَام.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومجمع (ابني يزيد بن حارثة) ، عن خنساء بنت خدام الأنصارية، أن أباها زوَّجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت النبي ﷺ "فردَّ نكاحها " الحديث.
الأم (أيضاً) : الخلاف في نكاح الشغار:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال - أي: المحاور -: فلأيِّ شيء أفسدت أنت
الشغار والمتعة؟
قلت: بالذي أوجب الله على من طاعة رسوله ﷺ ، وما أجد في كتاب الله من ذلك، فقال :
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)
стр. 429
وقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) الآية.
الأم (أيضاً) : باب (في الأقضية) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فأعلم الله نبيه ﷺ أن فرضاً عليه، وعلى من قبله والناس، إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، والعدل: اتباع حكمه المنزل.
قال الله لنبيه ﷺ حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
ووضع الله نبيه ﷺ من دينه، وأهل
دينه، موضع الإبانة عن كتاب الله معنى ما أراد الله، وفرض طاعته فقال:
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ، وقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية.
وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) . الآية.
فعلم أن الحق كتاب اللَّه، ثم سُنَّة نبيه ﷺ ، فليس لمفتٍ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما
فهو عاصِ لله ، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد.
стр. 430
الأم (أيضاً) : بيان فرائض الله تعالى:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: فَرضُ الله في كتابه من وجهين:
أحدهما: أبان فيه كيف فرض بعضها حتى استُغنى فيه بالتنزيل عن
التأويل، وعن الخبر.
والآخر: أنَّه أحكم فرضه بكتابه وبين كيف هي على لسان رسوله ﷺ ، ثم أثبت فرض ما فرض رسول الله ﷺ في كتابه، بقوله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وبقوله تبارك اسمه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
وبقوله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)
مع غير آية في القرآن بهذا المعنى فمن قبل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قَبِلَ.
الرسالة: باب (ما أمر الله من طاعه رسول الله ﷺ :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
стр. 431
نزلت هذه الآية فيما بلغنا - واللَّه أعلم - في رجل خاصم الزبير في أرض.
فقضى النبي ﷺ بها للزبير ﵁.
وهذا القضاء سُنَّة من رسول الله، لا حكم منصوص في القرآن، والقرآن
يدلّ - والله أعلم - على ما وصفت؛ لأنه لو كان قضاة بالقرآن كان حكماً
منصوصاً بكتاب اللَّه، وأشبه أن يكونوا إذا لم يُسلموا لحكم كتاب الله نصاً غير مشكل الأمر: أنهَّم ليسوا بمؤمنين، إذا رَدُّوا حكم التنزبل، إذا لم يُسلموا له.
اختلاف الحديث: الجزء الأول:
قال الشَّافِعِي ﵀: أبان الله جل ثناؤه لخلقه، أنَّه أنزل كتابه بلسان نبيه.
وهو لسان قومه العرب، فخاطبهم بلسانهم على ما يعرفون من معاني كلامهم، وكانوا يعرفون من معاني كلامهم أنهم يلفظون بالشيء عامًّا يريدون به العام، وعاماً يريدون به الخاص، ثم دلَّهم على ما أراد من ذلك في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، وأبان لهم أنَّ ما قبلوا عن نبيه ﷺ ، فعنه جل ثناؤه قبلوا بما فرض من طاعة
رسوله في غير موضع من كتابه، منها: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
* * *
قال الله : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)
стр. 432
الأم: الفرقة بين الأزواج بالطلاق أو الفسخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، أنَّه سمع محمد
ابن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب بن حنطب لأنَّه طلق امرأته ألبتة، ثم
أتى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فذكر ذلك له فقال: ما حملك على ذلك؟ قال قد فعلته، قال: فقرأ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) الآية.
ما حملك على ذلك؟ قلت: قد فعلته، قال: أمسك عليك
امرأتك فإن الواحدة لا تبتُّ.
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن
أبي سلمة، سليمان بن يسار، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للتوأمة مثل قوله للمطلب.
* * *
قال الله : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)
стр. 433
الرسالة: فرض الله طاعة رسول الله مقرونة بطاعة الله ومذكورة وحدها:
بعد أن ذكر الشَّافِعِي رحمه الله تعالى الآيات التي تتعلق بفرض طاعة رسول
الله ﷺ ذكر هذه كثمرة من ثمار طاعة رسوله ﷺ .
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - الله : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) .
وقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
* * *
قال الله : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولما مضت لرسول الله ﷺ مدة من هجرته، أنعم الله فيها على جماعة باتباعه، حدث لهم بها - مع عون الله - قوة بالعدد لم تكن قبلها، ففرض اللَّه تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضاً. .
стр. 434
وبعد أن ذكر الآيات المتعلقة بفرض الجهاد، ذكر قول اللَّه تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الآية، مع ما ذكر به فرض الجهاد، وأوجب على
المتخلف عنه.
الرسالة: باب (ما نزل من الكتاب عامًّا يراد به العام ويدخله الخصوص) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال : (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا)
وهكذا قول اللَّه: (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) .
وفي هذه الآية دلالة على أنْ لم يستطعما كل أهل قرية، فهي في معناهما.
وفيها وفي (الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) خصوصٌ، لأن كل أهل القرية لم يكن ظالماً.
قد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا فيها مَكثورِين، وكانوا فيها أقل.
وفي القرآن نظائر لهذا، يُكتفى بها - إن شاء الله - منها، وفي السنة له نظائر
موضوعة مواضعها.
* * *
قال الله : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)
الأم: ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه ﵃:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: إن اللَّه ﵎ لما خصَّ به رسوله من
وحيه، وأبان من فضله من المباينة بينه وبين خلقه، بالفرض على خلقه بطاعته في غير آية من كتابه، فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) الآية.
стр. 435
الأم (أيضاً) : الإقرار والاجتهاد والحكم بالظاهر:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولقوله : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) الآية، ففرض علينا اتباع رسوله، فإذا كان الكتاب والسنَّة هما
الأصلان اللذان افترض اللَّه لا مخالف فيهما، وهما عينان، ثم قال: (إذا اجتهد) الحديث، فالاجتهاد ليس بعين قائمة إنما هو شيء يحدثه من نفسه ولم يؤمر باتباع نفسه، إنما أمر باتباع غيره، فإحداثه على الأصلين اللذين افترض اللَّه عليه أولى به من إحداثه على غير أصل، أمر باتباعه وهو رأي نفسه، ولم يؤمر باتباعه، فإذا كان الأصل أنَّه لا يجوز له أن يتبع نفسه، وعليه أن يتبع غيره، والاجتهاد شيء يحدثه من عند نفسه، والاستحسان يدخل على قائله كما يدخل على من اجتهد على غير كتاب ولا سنَّة، ومن قال هذين القولين قال قولاً عظيماً، لأنَّه وضع نفسه في رأيه واجتهاده واستحسانه على غير كتاب ولا سُنَّة موضعهما، في أن يتبع رأيه كما اتبعا.
الأم (أيضاً) : باب (في الأقضية) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ووضع اللَّه نبيه ﷺ من دينه، وأهل دينه موضع الإبانة عن كتاب اللَّه معنى ما أراد اللَّه وفرض طاعته، فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) الآية.
стр. 436
فعُلِم أن الحق كتاب الله ثم سنَّة نبيه ﷺ ، فليس لمفْتِ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاصِ لله ، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد.
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها) :
وقلت - أي الشَّافِعِي ﵀: افترض اللَّه علينا اتباع نبيه محمد ﷺ .
قال: أين؟
قلت: قال اللَّه : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) الآية.
ثم ذكر الآيات المتعلقة بهذا الموضوع.
الأم (أيضاً) : باب (الصوم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه وضع نبيه ﷺ من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه، فالفرض على خلقه أن يكونوا عالين بأنه لا يقول فيما أنزل الله عليه إلا بما أنزل عليه، ولأنه لا يخالف كتاب الله، ولأنه بينَ عن اللَّه عز وعلا معنى ما أراد الله، وبيان ذلك في كتاب اللَّه قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) .
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الله ّ: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: وما فرض رسول الله ﷺ شيئاً قط إلا بوحي، فمن الوحي ما يُتلى، ومنه ما يكون وحياً إلى رسول الله ﷺ فيُستنُّ به.
стр. 437
أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن
حنطب، أن رسول الله ﷺ قال:
"ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئاً مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد ألقى في رُوعِي أنَّه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فأجملوا في الطلب" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قيل:
١ - ما لم يُتلَ قرآناً، إنما ألقاه جبريل في رُوعِه بأمر الله فكان وحياً إليه.
وقيل:
٢ - جعل الله إليه لما شهد له به من أنَّه يهدي إلى صراط مستقيم، أن
يسنَّ.
وأنهما كان فقد ألزمهما الله تعالى خلقه، ولم يجعل لهم الخيرة من أمرهم
فيما سنَّ لهم وفرض عليهم اتباع سنته ﷺ .
مختصر المزني: مقدمة كتاب (اختلاف الحديث) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أبان الله جل ثناؤه لخلقه أنَّه أنزل كتابه بلسان نبيه ﷺ وهو لسان قومه العرب، فخاطبهم بلسانهم على ما يعرفون من معاني كلامهم، وكانوا يعرفون من معاني كلامهم، أنهم يلفظون بالشيء عامًّا يريدون به العام، وعاماً يريدون به الخاص، ثم دلَّهم على ما أراد من ذلك في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، وأبان لهم أن ما قبلوا عن نبيه ﷺ فعنه جل ثناؤه قبلوا بما
فرض من طاعة رسوله في غير موضع من كتابه منها: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) .
стр. 438
الرسالة: باب (ما أمر الله من طاعة رسول الله ﷺ :
قال الشَّافِعِي ﵀: - قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)
فأعلمهم أن بيعتهم رسوله بيعته، وكذلك أعلمهم أن طاعتهم طاعته.
* * *
قال الله : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)
توالي التأسيس: الفصل الخامس (في بيان صفة خَلْقه وخُلُقهِ ﷺ ) :
قال ابن حجر ﵀: وقرأتُ على فاطمة (بنت المنجا) ، عن سليمان بن
حمزة، أخبرنا جعفر بن علي، أخبرنا السلفي، أخبرنا أبو الحسن الموازيني، عن أبي عبد الله القضاعي، أخبرنا أبو عبد الله بن شاكر، حدثنا علي بن محمد بن الحسن، حدثنا عثمان بن محمد بن شاذان، حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا محمد بن عامر، عن البويطي ﵀ قال:
سمعت الشَّافِعِي رحمه الله تعالى يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل
فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) الآية.
فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة، فقد رجعت عنه.
وأخرج البيهقي ﵀: من طريق أبي العباس الأصم: سمعت الربيع يقول:
стр. 439
سمعت الشَّافِعِي ﵀ يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول
الله ﷺ فقولوا بها؛ ودعوا ما قلته.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدلَُّ به على إتقان الشَّافِعِي ﵀ في الرواية) :
قال البيهقي ﵀: وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا
الحسن القصَّار، الفقيه، يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول: سمعت الربيع بن
سليمان يقول: قرأت: (كتاب الرسالة المصرية) على الشَّافِعِي نيفاً وثلاثين مرة، فما من مرة إلا كان يصححه.
ثم قال الشَّافِعِي في آخره: أبى الله أن يكون كتاب صحيح غير كتابه، يدل
على ذلك قول الله ﵎: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) الآية.
* * *
قال الله : (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)
الرسالة: باب (العلم) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وهكذا ردَّ السلام، قال الله: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا)
стр. 440
وقال رسول الله ﷺ : "يسلم القائم على القاعد"
وإذا سلَّم من القوم واحد أجزأ عنهم" الحديث.
وإنَّما أريد بهذا الردُّ، فرد القليل جامع لاسم (الرد) ، والكفاية فيه مانع لأن يكون الرد مُعطلاً.
* * *
قال الله : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: لَعَمرُ اللَّه، فإن لم يرد بها يميناً فليست
بيمين.
قال أبو منصور الأزهري: والدليل على ذلك قول اللَّه : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الآية، وعلى هذا المعنى يجعل الشَّافِعِي ﵀ لَعَمْرُ الله يميناً إذا نوى به اليمين.
فائدة: قال أبو عبيد: سألت الفراء: لم ارتفع لَعَمرُ الله ولَعَمرُك؟
فقال: على إضمار قسم ثان به، كأنه قال: وعمر اللَّه، فلعَمرُه عظيم، وكذلك لحَيَاتك.
стр. 441
قال الله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)
الأم: الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) إلى قوله: (مُتَتَابِعَيْنِ) .
فذكر الله في المؤمن يُقْتَل خطأ.
والذمِّي يُقتَل خطأ، الدية في كلّ واحد منهما، وتحرير رقبة، فدلَّ ذلك على أن هذين مقتولان في بلاد الإسلام الممنوعة لا بلاد الحرب المباحة؛ وذكر من
حكمهما، حكم المؤمن من عدو لنا يُقتل، فجعل فيه تحرير رقبة، فلم تحتمل
الآية - والله أعلم - إلا أن يكون قوله: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ)
يعني: في قوم عدو لكم، وذلك أنها نزلت، وكل مسلم فهو من قوم عدو للمسلمين؛ لأن مسلمي العرب هم من قوم عدو للمسلمين، وكذلك مسلمو العجم، ولو كانت على ألَّا يكون دية في مسلم خرج إلى بلاد الإسلام من جماعة المشركين؛ وهم عدو لأهل الإسلام، للزم من قال هذا القول، أن يزعم أن من أسلم من
стр. 442
قوم مشركين، فخرج إلى دار الإسلام فقُتِلَ كانت فيه تحرير رقبة، ولم تكن فيه دية، وهذا خلاف حكم المسلمين.
وإنما معنى الآية - إن شاء الله تعالى - على ما قلنا، وقد سمعت بعض من
أرضى من أهل العلم يقول ذلك، فالفرق بين القتلين، أن يُقتل المسلم في دار
الإسلام غير معمودِ بالقتل، فيكون فيه دية، وتحرير رقبة، أو يُقتل مسلم ببلاد الحرب التي لا اسلام فيها ظاهر غير معمودِ بالقتل، ففي ذلك تحرير رقبة، ولا دية.
الأم (أيضاً) : قتل المسلم ببلاد الحرب:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية.
قوله من قوم: يعني في قوم عدو لكم.
وأخبرنا مروان بن معاوية الفزاري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس
ابن أبي حازم قال: لجأ قوم إلى خثعم فلما غشيهم المسلمون استعصموا
بالسجود، فقتلوا بعضهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أعطوهم نصف العَقل لصلاتهم" ثم قال عند ذلك:
"ألا إني بريء من كل مسلم مع مشرك" قالوا:
يا رسول الله لم؟ قال: "الا تتراءى ناراهما" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: إن كان هذا يثبت، فأحسب النبي ﷺ أعطى من أعطى منهم تطوعاً، وأعلمهم أنَّه بريء من كل مسلم مع مشرك - واللَّه أعلم - في دار
стр. 443
الشرك، ليعلمهم أن لا ديات لهم ولا قَوَد، وقد يكون هذا قبل نزول الآية، فنزلت الآية بعد، ويكون إنما قال: إني بريء من كل مسلم مع مشرك بنزول الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وفي التنزيل كفاية عن التأويل؛ لأن الله إذ حكم في الآية الأولى في المؤمن يقتل خطأ بالدية والكفارة، وحكم بمثل ذلك في الآية بعدها في الذي بيننا وبينه ميثاق، وقال بين هذين الحُكْمين: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية.
ولم يذكر دية، ولم تحتمل الآية معنى إلا أن يكون قوله: (مِنْ قَوْمٍ)
يعني: في قوم عدو لنا، دارهم دار حرب مباحة، فلما كانت مباحة، وكان من سنة رسول الله ﷺ أن إذا بلغت
الناسَ الدعوةُ أن يغير عليهم غارين (١) ، كان في ذلك دليل على لأنَّه لا يبيح
الغارة على دار وفيها من له إن قتل عقل أو قود؛ فكان هذا حكم الله عز ذكره.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يجوز أن يقال لرجل من قوم عدو لكم إلا في
قوم عدو لنا.
الأم (أيضاً) : ديات الخطأ (ديات الرجال الأحرار المسلمين) :
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال الله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)
فأحكم الله ﵎ في تنزيل كتابه، أن على قاتل المؤمن دية مسلمة إلى
أهله، وأبان على لسان نبيه ﷺ كم الدية؛ فكان نقل عدد من أهل العلم عن عدد لا تنازع بينهم، أن رسول الله ﷺ قضى بدية المسلم مائة من الإبل، فكان
стр. 444
هذا أقوى من نقل الخاصة، وقد رُوي من طريق الخاصة وبه نأخذ، ففي المسلم يُقتل خطأ مائة من الإبل.
أخبرنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعه، عن
عبد اللَّه بن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ألا إنَّ في قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خَلِفَة في بطونها أولادها" الحديث.
أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، عن أبيه، أنَّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "في النفس مائة من الإبل" الحديث.
أخبرنا ابن عينية، عن ابن طاووس، عن أبيه، وأخبرنا مسلم بن خالد، عن
عبيد الله بن عمر، عن أيوب بن موسى، عن ابن شهاب، وعن مكحول وعطاء، قالوا: أدركنا الناس على أن دية الحر المسلم على عهد رسول الله ﷺ مائة من الإبل، فقوَّم عمر بن الخطاب ﵁ تلك الدية على أهل القرى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، فإذا كان الذي أصابه من الأعراب فدية مائة من الإبل، لا
يكلف الأعرابي الذهب ولا الوَرِق، ودية الأعرابي إذا أصابه أعرابي مائة من
الإبل.
قال الشَّافِعِي ﵀: ودية الحر المسلم مائة من الإبل لا دية غيرها، كما
فرض رسول الله ﷺ ، فإن أعوزت الإبل فقيمتها.
стр. 445
الأم (أيضاً) : باب (خطأ الطبيب والإمام يؤدب) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قال اللَّه ﵎: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)
والذي يعرف أن الخطأ: أن يرمي الشيء فيصيب
غيره، وقد يحتمل معنى غيره.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم أعلم من أهل العلم مخالفاً في أنَّ للرجل أن
يرمي الصيد، وأن يرمي الغرض، وأنه لو رمى واحداً منهما، ولا يرى إنساناً ولا شاة لإنسان، فأصابت الرَّمية إنساناً أو شاة لإنسان، ضمن دية المصاب إذا مات، وثمن الشاة إذا فاتت، فوجدت حكمهم له بإباحة الرمية إذا تعقب، فمعناه، معنى: أن يرمى على أن لا يتلف مسلماً ولا حقَّ مسلم، ووجدته يحل له أن يترك الرمي، كما وجدته يحل للإمام أن يترك العقوبة، وكان الشيء الذي يفعله الإمام وله تركه بالرمية يرميها الرجل مباحة له، وله تركها فيتلف شيئاً فيضمنه الرامي، أشبه به منه بالحدِّ الذي فرض اللَّه أن يأخذه، بل العقوبة به أولى أن تكون مضمونة إن جاء فيها تلف من الرمية، لأنه لا يختلف أحد في أن الرمية مباحة.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وأباح اللَّه دماء أهل الكفر من خلقه فقال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ، وحرّم دماءهم إن أظهروا
الإسلام فقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) الآية.
стр. 446
الأم (أيضاً) : باب دية أهل الذمة:
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال أبو حنيفة ﵀: ودية اليهودي
والنصراني والمجوسي مثل دية الحر المسلم، وعلى من قتله من المسلمين القَوَد.
وقال أهل المدينة: دية اليهودي والنصراني إذا قُتل أحدهما نصف دية الحر
المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وقال أهل المدينة: لا يقتل مؤمن بكافر.
قال محمد بن الحسن ﵀؛ قد روى أهل المدينة أن رسول الله ﷺ قتل مسلماً بكافر، وقال ﵊:
"أنا أحقَ من أوفى بذمَّته"
وساق الحديث بهذا اللفظ. ..
وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه أمر أن يُقتل رجل من المسلمين بقتل رجل نصراني غيلة من أهل الحيرة، فقتله به، وقد بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه كان يقول: إذا قتل المسلم النصراني قُتِل به.
فأما ما قالوا في الدية فقول الله أصدق القول، ذكر الله الدية في كتابه فقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) الآية.
ثم ذكر أهل الميثاق فقال:
стр. 447
(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية.
فجعل في كل واحد منهما دية مُسَلَّمَةٌ - أي: إلى أهله -، ولم يقل في أهل
الميثاق نصف الدية، - كما قال أهل المدينة - وأهل الميثاق ليسوا مسلمين، فجعل في كل واحد منهما دية مسلمة إلى أهله، والأحاديث في ذلك كثيرة عن رسول الله ﷺ مشهورة معروفة، أنَّه جعل دية الكافر مثل دية المسلم، وروى ذلك أفقههم، وأعلمهم في زمانه، وأعلمهم بحديث رسول الله ﷺ ابن شهاب الزهري
﵀ فذكر أن دية المعاهَد في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃
مثل دية الحر المسلم، فلما كان معاوية ﵁ جعلها مثل نصف دية الحر المسلم.
فإن الزهري كان أعلمهم في زمانه بالأحاديث فكيف رغبوا عما رواه أفقههم إلى قول معاوية؟!
قال الشَّافِعِي ﵀: لا يقتل مؤمن بكافر، ودية اليهودي والنصراني
ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وقد خالفنا في هذا غير واحد من بعض الناس وغيرهم، وسألني بعضهم، وسألته، وسأحكي ما حضرني منه، إن شاء الله تعالى.
فقال - المحاور - ما حجتك في ألَّا يقتل مؤمن بكافر؟
فقلت: ما لا ينبغي لأحد دفعه مما فرّق الله به بين المؤمنين والكافرين، ثم سنَّه رسول الله ﷺ أيضاً.
ثم الأخبار عمن بعده.
ثم ساق الأدلَّة على ذلك من الكتاب والسنة والأخبار.
стр. 448
قال الشَّافِعِي - رحمه الله تعالى -: إن الله قال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)
وقال: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية.
فلما سويتَ وسوينا بين قتل المعاهد والمسلم في الرقبة بحكم الله، كان ينبغي لنا أن نسوي بينهما في الدية.
قلنا: الرقبة معروفة فيهما، والدية جملة لا دلالة على عددها في تنزيل
الوحي، فإنَّما قبلت الدلالة على عددها عن النبي ﷺ بأمر الله بطاعته، أو عمن بعده إذا لم يكن موجوداً عنه.
قال: ما في كتاب الله عدد الدية.
قلنا: ففي سنة رسول الله ﷺ عدد دية
المسلم مائة من الإبل، وعن عمر ﵁ من الذهب والوَرِقِ قبلنا عنه وأنت عن النبي ﷺ الإبل، وعن عمر الذهب والوَرقِ إذا لم يكن فيه عن النبي ﷺ شيء.
قال: نعم. قلنا: فهكذا قبلنا عن النبي ﷺ عدد دية المسلم، وعن عمر ﵁ عدد دية غيره ممن خالف الإسلام، إذا لم يكن فيه عن النبي ﷺ شيء نعرفه.
الأم (أيضاً) : باب (قتل الصيد خطأ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: يُجزى الصيد من قتله عمداً أو خطأ، فإن قال قائل:
إيجاب الجزاء في الآية على قاتل الصيد عمداً، وكيف أوجبته على قاتله خطأ؟!
стр. 449
قيل له - إن شاء الله -: إن إيجاب الجزاء على قاتل الصيد عمداً لا يحظر أن
يُوجب على قاتله خطأ.
فإن قال قائل: فإذا أوحبت في العمد بالكتاب فمن أين
أوجبت الجزاء في الخطأ؟
قيل: أوجبته في الخطأ قياساً على القرآن والسنة
والإجماع، فإن قال: فأين القياس على القرآن؟
قيل: قال الله في قتل الخطأ:
(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الآية. ..
الأم (أيضاً) : (في المرتد)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى في الخطأ: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) الآية، وذكر القصاص في القتلى، ثم قال : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) .
فذكر في الخطأ والعمد أهل الدم، ولم يذكرهم في المحاربة، فدل على أن
حكم قتل المحارب مخالف لحكم قتل غيره، والله أعلم.
الأم (أيضاً) : البحيرة والوصيلة والسائبة والحام:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تبارك اسمه في القاتل خطأ: (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية.
الأم (أيضاً) : ما أصاب المسلمون في يد أهل الردة من متاع المسلمين:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو عمد رجل قَتله في غير غارة، وقد أظهر الإسلام
قبل القتل، وعَلِمه القاتل، قُتِل به، وإن لم يعلَمه وَدَاه، لأنَّه عَمَدَه وهو مؤمن بالقتل،
стр. 450
وانما يسقط عنه العقل والقود إذا قتله غير عامد لقتله بعينه، كأنه قتله في غارة لقول اللَّه : (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀ يعني والله أعلم: في قوم عدو لكم.
مختصر المزني: باب (كفارة القتل) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الآية.
وقال: (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)
يعني: في قوم، في دار حرب خاصة، ولم يجعل له قوداً ولا ديه إذا قتله وهو لا يعرفه مسلماً، وذلك أن يغير، أو يقتله في
سرية، أو يلقاه منفرداً بهيئة المشركين، وفي دارهم، أو نحو ذلك.
قال الله تعالى: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا وجبت عليه كفارة القتل في الخطأ، وفي قتل
المؤمن في دار الحرب، كانت الكفارة في العمد أولى.
قال المزني ﵀: واحتج - أي: الشَّافِعِي - بأن الكفارة في قتل الصيد
في الإحرام، والحرم عمداً أو خطأ سواء إلا في المأثم، فكذلك كفارة القتل عمداً أو خطأ سواء إلا في المأثم.
стр. 451
الرسالة: وجه آخر من الاختلاف:
قال الشَّافِعِي ﵀: قلتُ - للمحاور -: نعم، قال الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) إلى قوله: (حَكِيمًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فأوجب الله بقتل المؤمن خطأ الدية، وتحرير رقبة.
وفي قتل ذي الميثاق الدية، وتحرير رقبة، إذا كانا معاً ممنوعَي الدم بالإيمان والعهد والدار معاً، فكان المؤمن في الدار غير الممنوعة وهو ممنوع بالإيمان، فجُعِلَت فيه الكفارة بإتلافه، ولم يُجعل فيه الدية، وهو ممنوع الدم بالإيمان، فلما كان الوِلْدان والنساء من المشركين لا ممنوعين بإيمان ولا دارِ، لم يكن فيهم عَقل، ولا قَوَد، ولا دِيَة، ولا مَأثم - إن شاء الله - ولا كفارة.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الحج:
وقاسَ الشَّافِعِي ذلك في الخطأ: على قتل المؤمن خطأ، قال الله تعالى:
(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) الآية، والمنع عن قتلها: عامٌّ.
والمسلمون: لم يُفرِّقُوا بين الغرم في الممنوع - من الناس والأموال - في العمد والخطأ.
أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه في الخلع، والطلاق والرجعة:
قال الشَّافِعِي في قول اللَّه : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)
قال: لا يُجزيه تحرير رقبة على غير دين الإسلام؛ لأنَّ الله يقول في القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)
стр. 452
وكان شرط الله في رقبة القتل - إذا كانت - كفارة، كالدليل - والله أعلم - على ألا تجزي رقبة في كفارة إلا مؤمنة.
أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه في التفسير في آيات متفرقة:
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله :
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)
معناه: أنه ليس للمؤمن أن يقتل أخاه إلا خطأ.
* * *
قال الله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)
الأم: كتاب جراح العمد (أصل تحريم القتل من القرآن) :
أخبرنا الربيع ﵀ قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: - بعد أن ذكر الآيات التي تدلُّ على أصل تحريم
القتل من القرآن - وقال الله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) الآية.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال :
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) الآية، فجعل حينئذ دماء المشركين مباحة، وقتالهم حتماً وفرضاً عليهم؛ إن لم يظهروا الإيمان.
стр. 453
قال الله : (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا)
الأم: باب (التثبت في الحكم وغيره) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا)
فأمر اللَّه من يمضي أمره على أحد من عباده أن يكون مستبيناً قبل أن يمضيه.
* * *
قال الله : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَ جَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)
الأم: كيف تَقضُ فرض الجهاد؟ :
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال الله : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) الآية.
стр. 454
قال الشَّافِعِي ﵀: وبين إذ وعد الله القاعدين غير أولي الضرر الحسنى، أنهم لا يأثمون بالتخلف، ويوعدون الحسنى بالتخلف، بل وعدهم لما وسع عليهم من التخلف الحسنى، إن كانوا مؤمنين لم يتخلفوا شكاً، ولا سوء نية، وإن تركوا الفضل في الغزو.
الرسالة: باب (العلم) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولم يسوِّ الله بينهما، فقال الله:
(لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) .
فأما الظاهر في الآيات فالفرض على العامة.
قال - أي: المحاور -: فَأينِ الدلالة في أنه إذا قام بعض العامة بالكفاية.
أخرج المتخلفين من المأثم؟
فقلت له: في هذه الآية. قال: وأين هو منها؟
قلت: قال اللَّه: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) الآية.
فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان، وأبان فضيلة المجاهدين على القاعدين، ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غزا غيرهم، كانت العقوبة بالإثم - إن لم يعف الله - أولى بهم من الحسنى.
مختصر المزني: باب (النفير من كتاب الجزية والرسالة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
وقال: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)
стр. 455
فلما وعد القاعدين الحسنى دلَّ أن فرض النفير على الكفاية، فإذا لم يقم بالنفير كفاية خرج من تخلف، واستوجبوا ما قال الله تعالى، وإن كان فيهم كفاية حتى لا يكون النفير معطلاً، لم يأثم من تخلف؛ لأن الله تعالى وعد جميعهم الحسنى.
* * *
قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
الأم: فرض الهجرة:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ولما فرض الله الجهاد على رسوله ﷺ وجاهد المشركين بعد إذ كان أباحهُ، وأثخن رسول الله ﷺ في أهل مكة، ورأوا كثرة من دخل في دين الله ، اشتدوا على من أسلم منهم، ففتنوهم عن
دينهم، أو من فتنوا منهم.
فعذر الله من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) وبعث إليهم رسول الله ﷺ :
"إنَّ الله جعل لكم مخرجاً، وفرض على من قدر على الهجرة الخروج إذا كان ممن يُفتن عن دينه
стр. 456
ولا يمتنع " الحديث، فقال في رجل منهم توفي، تخلف عن الهجرة فلم يهاجر: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) .
وأبان اللَّه عذر المستضعفين فقال: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) إلى: (رَحِيمًا الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقال: (عسى) من الله واجبة.
قال الشَّافِعِي ﵀: ودلَّت سُنَّة رسول الله ﷺ على أن فرض الهجرة على من أطاقها، إنما هو على من فُتِنَ عن دينه بالبلد الذي يَسلَم بها؛ لأن رسول الله ﷺ أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم - فيهم - العباس بن عبد المطلب وغيره؛ إذا لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم:
إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب - المسلمبن -.
وليس يُخيرهم إلا فيما يحلُّ لهم) " الحديث.
* * *
قال الله : (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)
الأم: الإذن بالهجرة:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان المسلمون مستضعفين بمكة زماناً، لم
يؤذن لهم فيه بالهجرة منها، ثم أذن الله لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجاً فيقال:
نزلت (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) ، فأعلمهم رسول الله ﷺ -
стр. 457
أن قد جعل الله ﵎ لهم بالهجرة مخرجاً، وقال: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) الآية.
وأمرهم ببلاد الحبشة فهاجرت إليها منهم طائفة، ثم دخل أهل المدينة في
الإسلام، فأمر رسول الله ﷺ طائفة فهاجرت إليهم غير محرّم على من بقي ترك الهجرة إليهم.
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أذن الله ﵎ لرسوله ﷺ بالهجرة -
فهاجر رسول الله ﷺ - إلى المدينة، ولم يحرّم في هذا على من بقي بمكة المقام بها، وهي دار شرك - وقتئذ - وإن قفوا: بأن يفتنوا، ولم يأذن لهم بحهاد.
ثم أذن الله لهم بالجهاد، ثم فرض بعد هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك.
وهذا موضوع في غير هذا الموضع.
* * *
قال الله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)
الأم: باب (الحالَين اللذين يجوز فيهما استقبال غير القبلة) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: الحالان اللذان يجوز فيهما استقبال غير القبلة
الأول: قال الله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) إلى: (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) .
стр. 458
فأمرهم الله خائفين محروسين بالصلاة، فدل ذلك على أنه أمرهم بالصلاة للجهة التي وجههم لها من القبلة.
الثاني: وقال الله : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) إلى: (رُكبَانًا) الآية، فدل إرخاصه في أن يصلوا رجالاً وركباناً، على أنَّ الحال التي أذن لهم فيها بأن يصلوا رجالاً وركباناً، من الخوف غير
الحال الأولى التي أمرهم فيها؛ أن يحرس بعضهم بعضاً، فعلمنا أن الخوفين مختلفان.
الأم (أيضاً) : باب (صلاة المسافر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية، فكان بيَناً في كتاب اللَّه تعالى: أن قصر الصلاة في الضرب في الأرض، والخوف، تخفيف من اللَّه عن خلقه، لا أنَّ فرضاً عليهم أن يقصروا.
قال الشَّافِعِي ﵀: والقصر في الخوف والسفر في الكتاب، ثم بالسنة.
والقصر في السفر بلا خوف سنة، والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللَّه لا أنَّ حتماً عليهم أن يقصروا كما كان ذلك في الخوف والسفر.
أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الرحمن
بن عبد اللَّه بن أبي عمار، عن عبد اللَّه بن باباه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إنَّما قال اللَّه : (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية.
فقد أمن الناس. فقال عمر ﵁ لقد عجبت مما
стр. 459
عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال:
"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" الحديث.
أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن عائشة
﵂، قالت:
"كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ قصر الصلاة في السفر، وأتم" الحديث.
أخبرنا إبراهيم عن ابن حرملة، عن ابن المسيب قال: قال رسول ﷺ : " خياركم الذين إذا سافروا قصروا الصلاة وأفطروا"
أو قال: "الم يصوموا" الحديث.
فالاختيار والذي أفعل مسافراً، وأحبُّ أن يُفعل قصر الصلاة في الخوف
والسفر، وفي السفر بلا خوف، ومن أتم الصلاة فيهما لم تفسد عليه صلاته.
الأم (أيضاً) : رضاعة الكبير:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما جعل اللَّه تعالى له غاية، فالحكم بعد
مضي الغاية فيه غيره قبل مضيها.
فإن قال قائل وما ذلك؟
قيل: قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) الآية.
فكان لهم أن يقصروا مسافرين، وكان في شرط القصر لهم بحال موصوفة؛ دليل على أن حكمهم في غير تلك الصفة غير القصر.
стр. 460
اختلاف الحديث: الجزء الثاني: (باب الفطر والصوم في السفر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال - أي: المحاور - فما تقول في قصر الصلاة في
السفر وإتمامها؟
فقلت: قصرها في السفر والخوف رخصة في الكتاب والسنة.
وقصرها في السفر بلا خوف رخصة في السنة، أختارها، وللمسافر إتمامها.
فقال الشَّافِعِي: أما قصر الصلاة فبين أن الله إنما جعله رخصة، لقول الله:
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية.
فلما كان إنما جعل لهم أن يقصروا خائفين مسافرين، فهم إذا قصروا مسافرين - بما ذكرت من السنَّة - أولى أن يكون
القصر رخصة، لا حتماً أن يقصروا؛ لأن قول الله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية.
رخصة بينة.
أحكام القرآن: فصل فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في
الطهارات والصلوات:
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: التقصير لمن خرج غازياً خائفاً في كتاب اللَّه .
قال اللَّه جلّ ثناؤه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) .
قال الشَّافِعِي ﵀: والقصر لمن خرج في غير معصية: في السنة.