← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولا يمتنع " الحديث، فقال في رجل منهم توفي، تخلف عن الهجرة فلم يهاجر: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) . وأبان اللَّه عذر المستضعفين فقال: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) إلى: (رَحِيمًا الآية. قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ويقال: (عسى) من الله واجبة. قال الشَّافِعِي ﵀: ودلَّت سُنَّة رسول الله ﷺ على أن فرض الهجرة على من أطاقها، إنما هو على من فُتِنَ عن دينه بالبلد الذي يَسلَم بها؛ لأن رسول الله ﷺ أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم - فيهم - العباس بن عبد المطلب وغيره؛ إذا لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم: إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب - المسلمبن -. وليس يُخيرهم إلا فيما يحلُّ لهم) " الحديث. * * * قال الله : (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) الأم: الإذن بالهجرة: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وكان المسلمون مستضعفين بمكة زماناً، لم يؤذن لهم فيه بالهجرة منها، ثم أذن الله لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجاً فيقال: نزلت (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) ، فأعلمهم رسول الله ﷺ -

стр. 457

أن قد جعل الله ﵎ لهم بالهجرة مخرجاً، وقال: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) الآية. وأمرهم ببلاد الحبشة فهاجرت إليها منهم طائفة، ثم دخل أهل المدينة في الإسلام، فأمر رسول الله ﷺ طائفة فهاجرت إليهم غير محرّم على من بقي ترك الهجرة إليهم. قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أذن الله ﵎ لرسوله ﷺ بالهجرة - فهاجر رسول الله ﷺ - إلى المدينة، ولم يحرّم في هذا على من بقي بمكة المقام بها، وهي دار شرك - وقتئذ - وإن قفوا: بأن يفتنوا، ولم يأذن لهم بحهاد. ثم أذن الله لهم بالجهاد، ثم فرض بعد هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك. وهذا موضوع في غير هذا الموضع. * * * قال الله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) الأم: باب (الحالَين اللذين يجوز فيهما استقبال غير القبلة) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: الحالان اللذان يجوز فيهما استقبال غير القبلة الأول: قال الله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) إلى: (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) .

стр. 458

فأمرهم الله خائفين محروسين بالصلاة، فدل ذلك على أنه أمرهم بالصلاة للجهة التي وجههم لها من القبلة. الثاني: وقال الله : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) إلى: (رُكبَانًا) الآية، فدل إرخاصه في أن يصلوا رجالاً وركباناً، على أنَّ الحال التي أذن لهم فيها بأن يصلوا رجالاً وركباناً، من الخوف غير الحال الأولى التي أمرهم فيها؛ أن يحرس بعضهم بعضاً، فعلمنا أن الخوفين مختلفان. الأم (أيضاً) : باب (صلاة المسافر) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية، فكان بيَناً في كتاب اللَّه تعالى: أن قصر الصلاة في الضرب في الأرض، والخوف، تخفيف من اللَّه عن خلقه، لا أنَّ فرضاً عليهم أن يقصروا. قال الشَّافِعِي ﵀: والقصر في الخوف والسفر في الكتاب، ثم بالسنة. والقصر في السفر بلا خوف سنة، والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللَّه لا أنَّ حتماً عليهم أن يقصروا كما كان ذلك في الخوف والسفر. أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار، عن عبد اللَّه بن باباه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إنَّما قال اللَّه : (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية. فقد أمن الناس. فقال عمر ﵁ لقد عجبت مما

стр. 459

عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" الحديث. أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن عائشة ﵂، قالت: "كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ قصر الصلاة في السفر، وأتم" الحديث. أخبرنا إبراهيم عن ابن حرملة، عن ابن المسيب قال: قال رسول ﷺ : " خياركم الذين إذا سافروا قصروا الصلاة وأفطروا" أو قال: "الم يصوموا" الحديث. فالاختيار والذي أفعل مسافراً، وأحبُّ أن يُفعل قصر الصلاة في الخوف والسفر، وفي السفر بلا خوف، ومن أتم الصلاة فيهما لم تفسد عليه صلاته. الأم (أيضاً) : رضاعة الكبير: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وما جعل اللَّه تعالى له غاية، فالحكم بعد مضي الغاية فيه غيره قبل مضيها. فإن قال قائل وما ذلك؟ قيل: قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) الآية. فكان لهم أن يقصروا مسافرين، وكان في شرط القصر لهم بحال موصوفة؛ دليل على أن حكمهم في غير تلك الصفة غير القصر.

стр. 460

اختلاف الحديث: الجزء الثاني: (باب الفطر والصوم في السفر) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال - أي: المحاور - فما تقول في قصر الصلاة في السفر وإتمامها؟ فقلت: قصرها في السفر والخوف رخصة في الكتاب والسنة. وقصرها في السفر بلا خوف رخصة في السنة، أختارها، وللمسافر إتمامها. فقال الشَّافِعِي: أما قصر الصلاة فبين أن الله إنما جعله رخصة، لقول الله: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية. فلما كان إنما جعل لهم أن يقصروا خائفين مسافرين، فهم إذا قصروا مسافرين - بما ذكرت من السنَّة - أولى أن يكون القصر رخصة، لا حتماً أن يقصروا؛ لأن قول الله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية. رخصة بينة. أحكام القرآن: فصل فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات: أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: التقصير لمن خرج غازياً خائفاً في كتاب اللَّه . قال اللَّه جلّ ثناؤه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) . قال الشَّافِعِي ﵀: والقصر لمن خرج في غير معصية: في السنة.

стр. 461

فأما من خرج: باغياً على مسلم، أو معاهَدٍ، أو يقطع طريقاً، أو يفسد في الأرض، أو العبد يخرج (آبقاً من سيده) ، أو الرجل (هارباً ليمنع دماً لزمه) ، أو ما في مثل هذا المعنى، أو غيره من المعصية؛ فليس له أن يقصر، فإن قصر أعاد كل صلاة صلَّاها؛ لأن القصر رخصة، وإنَّما جعلت الرخصة لمن لم يكن عاصياً، ألا ترى قول اللَّه : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) . آداب الشافعى ومناقبه: باب (في الصلاة) : قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا) قال: موضع بخيبر. فلما ثبت أن رسول الله ﷺ ، لم يزل يقصر مخرجه من المدينة إلى مكة، كانت السنة في التقصير. * * * قال الله : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَ عَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)

стр. 462

الأم: كيف صلاة الخوف: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى) الآية. أخبرنا مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلَّى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفُّوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التى بقيت عليه ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وأخبرني من سمع عبد الله بن عمر بن حفص يخبر عن أخيه عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن خوات بن جبير، عن النبي ﷺ مثل هذا الحديث أو مثل معناه لا يخالفه الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: فكان بيناً في كتاب اللَّه أن يصلي الإمام بطائفة، فإذا سجد كانوا من ورائه، وجاءت طائفة أخرى لم يصلُّوا فصلُّوا معه. واحتمل قول الله : (فَإِذَا سَجَدُوا) الآية، إذا سجدوا ما عليهم من سجود الصلاة

стр. 463

كله، ودلَّت على ذلك سنَّة رسول الله ﷺ مع دلالة كتاب اللَّه ، فإذا ذكر انصراف الطائفتين والإمام من الصلاة، ولم يذكر على واحد منها قضاء. قال الشَّافِعِي ﵀: ورويت أحاديث عن رسول الله ﷺ في صلاة الخوف حديث صالح بن خوات أوفَق ما يثبت منها لظاهر كتاب اللَّه فقلنا به. قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا صلى بهم صلاة الخوف، صلّى كما وصفت بدلالة القرآن، ثم حديث رسول الله ﷺ . الأم (أيضاً) : كم قدر من يصلِّي مع الإمام صلاة الخوف ": قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كانت مع الإمام في صلاة الخوف طائفة - والطائفة: ثلاثة فأكثر - أو حرسته طائفة - والطائفة ثلاثة فأكثر - لم أكره ذلك له، غير أني أحبّ أن يحرسه من يمنع مثله إن أريد. قال الشَّافِعِي ﵀: وسواء في هذا كثر من معه أو قل. . . فإن حرسه أقل من ثلاثة، أو كان معه في الصلاة أقل من ثلاثة، كرهت ذلك له؛ لأن أقل اسم الطائفة لا يقع عليهم فلا إعادة على أحد منهم بهذه الحال؛ لأن ذلك إذا أجزأ الطائفة أجزأ الواحد - إن شاء اللَّه -. الأم (أيضاً) : أخذ السلاح في صلاة الخوف: قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أجيز له وضع السلاح كلّه في صلاة الخوف. إلا أن يكون مريضاً يشق عليه حمل السلاح، أو يكون به أذى من مطر، فإنهما

стр. 464

الحالتان اللتان أذن الله فيهما بوضع السلاح، وأمرهم أن يأخذوا حذرهم فيهما، لقوله عز وعلا: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وإن وضع سلاحه كله من غير مرض ولا مطر، أو أخذ من سلاحه ما يؤذي به من يقاربه، كرهت ذلك له في كلّ واحد من الحالين، ولم يفسد ذلك صلاته في واحدة من الحالين؛ لأنَّ معصيته في ترك وأخذ السلاح ليس من الصلاة، فيقال: يفسد صلاته ولا يتمها أخذه! . .. الأم (أيضاً) : من له من الخائفين أن يصلِّي صلاة الخوف؟ : قال الشَّافِعِي ﵀: يصلي صلاة الخوف من قاتل أهل الشرك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ لأن الله أمر بها في قتال المشركين فقال في سياق الآية: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وكل جهاد كان مباحاً يخاف أهله، كان لهم أن يصلُّوا صلاة شدة الخوف؛ لأنّ المجاهدين عليه مأجورون، أو غير مأزورين. وذلك جهاد أهل البغي الذي أمر اللَّه بجهادهم، وجهاد قُطاع الطريق، ومن أراد من مال رجل أو نفسه، أو حريمه، فإنّ النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: فأما من قاتل وليس له قتال فخاف، فليس له أن يصلِّي صلاة الخوف من شدة الخوف، يومئ إيماء، وعليه إن فعل أن يعيدها،

стр. 465

ولا له أن يصلِّي صلاة الخوف في خوف دون غاية الخوف، إلا أن يصلِّيها صلاة لو صلاها غير خائف أجزأت عنه. الأم (أيضاً) : باب (صلاة الخوف) قال الشَّافِعِي ﵀: وكان أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى يقول في صلاة الخوف: يقوم الإمام، وتقوم معه طائفة، فيكبرون مع الإمام ركعة وسجدتين، ويسجدون معه، فينفتلون من غير أن يتكلموا حتى يقفوا بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة التي كانت بإزاء العدو، فيستقبلون التكبير، ثم يصلي بهم الإمام ركعة أخرى وسجدتين، ويسلَّم الإمام، فينفتلون هم من غير تسليم، ولا يتكلموا فيقوموا بإزاء العدو، وتأتي الأخرى فيصلون ركعة وحداناً ثم يسلمون، وذلك لقول الله : (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كان العدو بينه وبين القبلة لا حائل بينه وبينهم ولا سترة، وحيث لا يناله النبل، وكان العدو قليلاً مأمونين وأصحابه كثيراً، وكانوا بعيداً منه لا يقدرون في السجود على الغارة عليه، قبل أن يصيروا إلى الركوب والامتناع صلى بأصحابه كلهم، فإذا ركع ركعوا كلهم، وإذا رفع رفعوا كلهم، وإذا سجد سجدوا كلهم إلا صفاً، يكونون على رأسه قياماً، فإذا رفع رأسه من السجدتين، فاستوى قائماً أو قاعداً في مثنى، اتبعوه فسجدوا، ثم قاموا بقيامه، وقعدوا بقعوده، وهكذا صلى رسول الله ﷺ في غزاة الحديبية بعسفان، وخالد بن الوليد بينه وبين القبلة، وكان خالد في مائتي فارس منتبذاً من النبي ﷺ في صحراء ملساء ليس فيها جبل ولا شجر، والنبي ﷺ في ألف وأربعمائة، ولم يكن خالد فيما نرى يطمع بقتالهم، وإنما كان طليعة يأتي بخبرهم.

стр. 466

الأم (أيضاً) : كتاب (صلاة الخوف وهل يصلِّيها المقيم؟) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فأذن الله بالقصر في الخوف والسفر، وأمر رسول اللَّه ﷺ إذا كان فيهم يصلي لهم صلاة الخوف، أن يصلي فريق منهم بعد فريق، فكانت صلاة الخوف مباحة للمسافر والمقيم، بدلالة كتاب الله ، ثم سنة رسول الله ﷺ . قال الشَّافِعِي ﵀: فللمسافر والمقيم إذا كان الخوف أن يصلِّيها صلاة الخوف، وليس للمقيم أن يصلِّيها إلا بكمال عدد صلاة المقيم، وللمسافر أن يقصر في صلاة الخوف إن شاء للسفر، وإن أتم فصلاته جائزة، وأختارُ له القصر. الأم (أيضاً) : باب (ما ينوب الإمام في صلاة الخوف) : قال الشَّافِعِي ﵀: وأذن اللَّه ﵎ في صلاة الخوف بوجهين: أحدهما: الخوف الأدنى وهو قول اللَّه : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) الآية. والثاني: الخوف الذي أشد منه وهو قول الله ﵎: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) الآية.

стр. 467

فلما فرّق اللَّه بينهما ودلَّت السنة على افترافهما، لم يجز إلا التفريق بينهما - واللَّه تعالى أعلم -، لأن اللَّه فرَّق بينهما لافتراق الحالين فيهما. الأم (أيضاً) : صلاة الجماعة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقد جمع رسول الله ﷺ مسافراً ومقيماً، خائفاً وغير خائفِ. وقال اللَّه لنبيه ﷺ : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) الآية والتي بعدها. مختصر المزني: باب (صلاة الخوف) : قال الشَّافِعِي ﵀: وليس لأحد أن يصلي صلاة الخوف في طلب العدو" لأنه آمن؛ وطلبهم تطوع، والصلاة فرض، ولا يصليها كذلك إلا خائفاً. الرسالة: جُمَلُ الفرائض: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر الآيتين (١٠١ - ١٠٢) وحديث خوات بن جبير -: وفي هذا دلالة على ما وصفت قبل هذا في (هذا الكتاب) . من أن رسول الله ﷺ إذا سنَّ سُنَّة، فأحدث اللَّه إليه في تلك السُنة نسخها، أو مخرجاً إلى سَعَة منها، سنَّ رسول الله ﷺ سُنَّة تقوم الحجة على الناس بها، حتى يكونوا إنمّا صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها. فنسخ اللَّه تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها - كما أنزل الله وسن رسوله ﷺ في وقتها، ونسخ رسول الله ﷺ سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه، ثم بسنَّته، صلَّاها رسول الله ﷺ في وقتها كما وصفتُ.

стр. 468

أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أرَاهُ عن النبي ﷺ فذكر صلاة الخوف، فقال: إن كان خوفٌ أشذ من ذلك صلّوا رجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، الحديث أخبرنا رجل، عن ابن أبي ذئب. عن الزهري، عن أبيه، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : مثل معناه، ولم يشك أنه عن أبيه، وأنه مرفوع إلى النبي ﷺ الحديث. اختلاف الحديث: باب (المختلفات التي يوجد على ما يُؤخذ منها دليل على صلاة الخوف) : حدثنا الربيع ﵀ قال: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جلّ ثناؤه في صلاة الخوف: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) الآية - وبعد أن ذكر حديث خوات بن جبير - قال: وأخذنا بهذا في صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة، أو جهتها غير مأمونين لثبوته عن النبي ﷺ وموافقته للقرآن. قال الشَّافِعِي ﵀: وروى ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ في صلاة الخوف شيئاً يخالف فيه هذه الصلاة، روى أنَّ طائفة صلَّت مع النبي ﷺ . وطائفة وجاه العدو، فَصَلَّى بالطائفة التي معه ركعة ثم استأخروا، ولم يتموا الصلاة، فوقفوا بإزاء العدو، وجاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو، فصلوا معه الركعة التي بقيت عليه، ثم انصرفت، وقامت الطائفتان معاً فأتموا لأنفسهم.

стр. 469

قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: كيف أخذت بحديث خوات بن جبير، دون حديث ابن عمر ﵄؟ قيل: لمعنيين. أحدهما: موافقة القرآن. وثانيهما: وأن معقولاً فيه: أنَّه عدل بين الطائفتين، وأحرى ألَّا يصيب المشركين غرَّة من المسلمين. فإن قال قائل: فأين موافقة القرآن؟ قلت: قال الله: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) إلى (وَأَسْلِحَتَهُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وحديث خوات بن جبير كما وصفنا أقوى من المكيدة، وأحصن لكل المسلمين من الحديث الذي يخالفه، فبهذه الدلائل قلنا بحديث خوات بن جبير. قال الشَّافِعِي ﵀: وقد رُوي حديث لا يُثبت أهل العلم بالحديث مثله، أن النبي ﷺ صلى (بذي قَرَدٍ) بطائفة ركعة، ثم سلموا، وبطائفة ركعة ثم سلموا، فكانت للإمام ركعتان، وعلى كلّ واحدة ركعة، وإنما تركناه؛ لأن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن على المأمومين من عدد الصلاة مثل ما على الإمام، وكذلك أصل الفرض في الصلاة على الناس واحد في العدد؛ ولأنه لا يثبت عندنا مثله لشيء في بعض إسناده. قال الشَّافِعِي ﵀: ورُوي في صلاة الخوف أحاديث، لا تضاد حديث خوات بن جبير؛ وذلك أن جابراً روى أن النبي ﷺ صلّى (ببطن نخل) صلاة الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم ركعتين، ثم سلم، وهاتان الطائفتان محروستان، فإن صلّى الإمام هكذا أجزأ عنه.

стр. 470

قال الشَّافِعِي ﵀: وقد روى أبو عياش الزُّرَقِي، أن العدو كان في القبلة فصلى النبي ﷺ بالطائفتين معاً (بعُسفان) ، فركع، وركعوا، ثم سجد فسجدت معه طائفة، وقامت طائفة تحرسه، فلما قام سجد الذين يحرسونه، وهكذا نقول، لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا كثيراً، والعدو قليل لا حائل بينهم وبينه يخاف حملتهم، فإذا كانوا هكذا، صُلِّيت صلاة الخوف هكذا، وليس هذا مضاداً للحديث الذي أخذنا به، ولكن الحالين مختلفان. مناقب الشَّافِعِي: باب (ما جاء في خروجه إلى اليمن. . . ثم حمله إلى الرشيد، وما جرى بينه وبين محمد بن الحسن رحمهما الله) . قال له الشَّافِعِي رحمهما الله: ما تقول في صلاة الخوف، كيف يصلِّيها الرجل؟ فقال محمد بن الحسن: منسوخة، قال الله : (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) الآية. فلما خرج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، لم تجب عليهم صلاة الخوف.

стр. 471

فقال له الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) فلما خرج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم لم تجب عليهم؟ زاد فيه غيره: قال ابن الحسن: كلا بل تجب عليهم - أي: الزكاة -. * * * قال الله : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) الأم: باب (أن لا تقضي الصلاة حائض) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فلما لم يرخص رسول اللَّه ﷺ في أن تؤخر الصلاة في الخوف، وأرخص أن يصلِّيها المصلِّي كما أمكنه راجلاً أوراكباً، وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية. الأم (أيضاً) : باب (أصل فرض الصلاة) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال ﵎: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية، مع عدد آي فيه ذكر الصلاة. قال الشَّافِعِي ﵀: وسئل رسول الله ﷺ عن الإسلام فقال: "خمس صلوات في اليوم والليلة". قال السائل: هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع" الحديث.

стр. 472

الأم (أيضاً) : جماع مواقيت الصلاة: قال الشَّافِعِي ﵀: أحكم اللَّه كتابه، أن فرض الصلاة موقوت، والموقوت - واللَّه أعلم -: الوقت الذي يصلى فيه، وعددها، فقال : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية، وقد ذكرنا نقل العامة عدد الصلاة في مواضعها، ونحن ذاكرون الوقت. - ثم ذكر حديث عروة بن الزبير وابن عباس ﵄ المتعلق به بإقامة جبريل ﵇ للنبي ﷺ أول وقت الصلاة وآخرها -. الأم (أيضاً) : باب (سجود التلاوة والشكر) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أحبُّ أن يدع شيئاً من سجود القرآن، وإن تركه كرهته له، وليس عليه قضاؤه؛ لأنَّه ليس بفرض. فإن قال قائل: ما دلَّ على أنه ليس بفرض؟ قيل: السجود صلاة، قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية. فكان الموقوت يحتمل: مؤقتاً بالعدد، ومؤقتاً بالوقت. فأبان رسول الله ﷺ أن اللَّه فرض خمس صلوات فقال رجل يا رسول اللَّه هل على غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطَوَّع" الحديث. فلما كان سجود القرآن خارجاً من الصلوات المكتوبات، كانت سُنَّة اختيار، فأحبُّ إلينا ألَّا يدعه، ومن تركه ترك فضلاً لا فرضاً. مختصر المزني: مقدمة كتاب (اختلاف الحديث) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية. فدل رسول الله ﷺ على عدد الصلاة،

стр. 473

ومواقيتها، والعمل بها وفيها، ودلَّ على أنها على العامة الأحرار والمماليك من الرجال والنساء، إلا الحيَّض. الرسالة: باب (البيان الثالث) قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية، وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) . ثم بيَّن على لسان رسوله ﷺ عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتها، وسننها. الرسالة (أيضاً) : باب (بيان ما أُنزل من الكتاب عامّ الظاهر وهو يجمع العام والخصوص) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية، فبين في كتاب اللَّه أن في هذه الآية العموم والخصوص،. . . وهكذا التنزيل في الصوم والصلاة: على البالغين العاقلين، دون من لم يبلغ، ومن بلغ ممن غُلِبَ على عقله، ودون الحُيَّض في أيام حيضهن. الرسالة (أيضاً) : جُمَلُ الفرائض: قال الله ﵎: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية، وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) .

стр. 474

قال الشَّافِعِي ﵀: أحكم اللَّه فرضه في كتابه في الصلاة والزكاة والحج، وبين كيف فرضه على لسان نبيه ﷺ ، فأخبر رسول الله ﷺ أن عدد الصلوات المفروضات خمس، وأخبر أن عدد الظهر والعصر والعشاء في الحضر: أربع، وعدد المغرب ثلاث، وعدد الصبح ركعتان. قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه في الصلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) الآية، فبين رسول الله ﷺ عن الله تلك المواقيت، وصفى الصلوات لوقتها، فحوصر يوم الأحزاب، فلم يقدر على الصلاة في وقتها، فأخرها للعذر، حتى صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء في مقام واحد. أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري. عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهويٍّ من الليل، حتى كفينا، وذلك قول اللَّه: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) فدعا رسول اللَّه ﷺ بلالاً ﵁ فأمره، فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها هكذا، ثم أقام المغرب فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضاً، قال: وذلك قبل أن يُتزل في صلاة الخوف (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) . الرسالة (أيضاً) : وجه آخر - أى: من الناسخ والمنسوخ -: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) يعني - واللَّه أعلم - فأقيموا الصلاة كما كنتم تُصلون في غير الخوف.

стр. 475

قال الله : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) الأم: تكلُّف الحجة على قائل القول الأول - بقتل المرتد -، وعلى من قال: أقبل إظهار التوبة. .: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والأعراب لا يدينون ديناً يظهر، بل يظهرون الإسلام، ويَسْتَخْفُونَ بالشرك والتعطيل، قال اللَّه : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) الآية. فإن قال قائل: فلعل من سميت لم يظهر شركاً سمعه منه آدمي، وإنما أخبر اللَّه أسرارهم، فقد سمع من عدد منهم الشرك، وشهد به عند النبي ﷺ ، فمنهم من جحده، وشهد شهادة الحق، فتركه رسول الله ﷺ بما أظهر، ولم يَقِفهُ، على أن يقول: أقِرَّ. ومنهم من أقرَّ بما شهد به عليه، وقال: تبت إلى اللَّه، وشهد شهادة الحق، فتركه رسول الله ﷺ بما أظهر.

стр. 476

قال الله : (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) الأم: اللعان: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه ﵎: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) الآية. فيذهب إلى أن الكتاب هو: ما يتلى عن اللَّه تعالى. والحكمة هي: ما جاءت به الرسالة عن اللَّه، مما بينْت سُنَّة لرسول الله ﷺ . الرسالة: باب (ما نزل عاماً دلت السنة الخاصة على أنه يراد به الخاص) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) الآية. فذكر اللَّه الكتاب وهو: القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول الله ﷺ الرسالة ً (أيضاً) : باب (ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه) قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)

стр. 477

فأبان اللَّه أن قد فرض على نبيه اتباع أمره، وشهد له بالبلاع عنه، وشهد به لنفسه، ونحن نشهد له به، تقرباً إلى اللَّه بالإيمان به، وتوسلاً إليه بتصديق كلماته. أخبرنا عبد العزيز، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن المطلب بن حَنطب، أن رسول الله ﷺ قال: "ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وما أعلمنا اللَّه مما سبق في علمه، وَحَتم قضائه الذي لا يُرد - من فضله عليه ونعمته - أنه منعه من أن يهمُّوا به أن يُضِلُّوه. وأعلمه أنَّهم لا يضرونه من شيء. * * * قال الله : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعانى في آيات متفرقة) : أخبرنا أبو عبد الحافظ، أخبرني أبو عبد اللَّه الزبير بن عبد الواحد الحافظ الاسترابادي، قال سمعت أبا سعيد محمد بن عقيل الفاريابي، يقول: قال المزني والربيع - رحمهما اللَّه تعالى -: " كنا يوماً عند الشَّافِعِي، إذ جاء شيخ، فقال له: أسألُ؟ قال الشَّافِعِي: سل، قال: (إيش) الحجّة في دين اللَّه؟ فقال الشَّافِعِي: كتاب اللَّه. قال: وماذا؟ قال: سُنَّة رسول الله ﷺ . قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: ومن أين قلت اتفاق الأمة، من كتاب اللَّه؛ فتدبر الشَّافِعِي ﵀ -

стр. 478

ساعة. فقال الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام. فتغير لون الشَّافِعِي، ثم إنَّه ذهب فلم يخرج أياماً. قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث، فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم فجلس، فقال حاجتي؟ فقال الشَّافِعِي رحمه اللَّه تعالى: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال اللَّه بهث: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمن إلا وهو فرض. قال: فقال: صدقت. وقام وذهب. قال الشَّافِعِي ﵀: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات، حتى وقفت عليه. * * * قال الله : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) الأم: كتاب (الجزية) : قال الشَّافِعِي ﵀: خلق اللَّه الخلق لعبادته، ثم أبان جل وعلا أن خيرته من خلقه أنبياؤه. . . وذكر إبراهيم ﵊ فقال جل ثناؤه: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) الآية.

стр. 479

قال الله : (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) الأم: ما لا يحل أن يُؤخذ من المرأة: قال الشَّافِعِي ﵀: وأذن الله ﵎ بأخذ مالها محبوسة ومفارقة بطيب نفسها. . . وقال اللَّه تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) الآية، وهذا إذن بحبسها عليه إذا طابت بها نفسها كما وصفت. الأم (أيضاً) : ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه: قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب في ذلك: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) إلى: (صُلْحًا) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا موضوع في موضعه بحججه. أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة. عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه هل لك في أختي بنت أبي سفيان؛ قال رسول الله ﷺ : "فأفعل ماذا؟ " قالت: تنكحها. قال: "أختك"، قالت: نعم. قال: أو تحبين ذلك"، قالت: نعم لست لك بمخْلِية، وأحَبّ مَن شركني في خير أختي. قال: "فإنها لا تحلُّ لي" فقلت: واللَّه لقد أخبرت أنك تخطب ابنة أبي سلمة. قال: "ابنة أم سلمة؟ "، قالت: نعم. قال: "فوالله لو لم تكن ربيبتى في

стр. 480

حجري، ما حلَّت لي، إنها لاَبنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ذويبة، فلا تعرضنَّ عليَّ بناتكن ولا أخواتكن" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وكل ما وصفت لك مما فرض اللَّه على النبي ﷺ ، وجعل له دون الناس، وبيَّنه في كتاب الله، أو قول رسول الله ﷺ ، وفعله، أو أمر اجتمع عليه أهل العلم عندنا، لم يختلفوا فيه. الأم (أيضاً) : الخلع والنشوز: أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه ﵎: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفبان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن ابنة محمد بن مَسلَمة كانت عند رافع بن خَديج، فكره منها أمراً - إما كبراً أو غيره - فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واقسم لي ما بدا لك، فأنزل اللَّه تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) الحديث.

стр. 481

قال الشَّافِعِي ﵀: وقد رُوي أن رسول الله ﷺ هَمَّ بطلاق بعض نسائه فقالت: لا تطلقني، ودعني يحشرني اللَّه في نسائك، وقد وهبت يومي وليلتي لأختي عائشة ﵂، الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن سودة وهبت يومها لعائشة ﵄، الحديث. * * * قال الله : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) الأم: القسْمُ للنساء: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال ﵎: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا) الآية. وقال بعض أهل العلم بالتفسير: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء بما في القلوب، فإنّ اللَّه عز وعلا تجاوز للعباد عما في القلوب فلا تميلوا: تتبعوا أهواءكم. (كُلَّ الْمَيْلِ) : بالفعل مع الهوى، وهذا يشبه ما قال - واللَّه أعلم -. ودلّت سُنَّة رسول الله ﷺ ، وما عليه عوام علماء المسلمين، على أن على الرجل أن يقسم لنسائه بعدد الأيام والليالي، وأن عليه أن يعدل في ذلك، لا أنه مرخص له أن يجوز فيه، فدل ذلك على لأنَّه إنما أريد به ما في القلوب، مما قد تجاوز اللَّه للعباد عنه، فيما هو أعظم من الميل على النساء - واللَّه أعلم -.

стр. 482

والحرائر المسلمات والذميات إذا اجتمعن عند الرجل في القَسم سواء. والقَسمُ هو: الليل يبيت عند كل واحدة منهن ليلتها، ونحبُّ لو أوى عندها نهاره. فإن كانت عنده أمة مع حرَّة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة. أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قُبض عن تسع نسوة، وكان يقسم منهن لثمان الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: التاسعة التي لم يكن يقسم لها: سودة وهبت يومها لعائشة ﵂. الأم (أيضاً) : جماع القسْم للنساء: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) الآية. سمعت بعض أهل العلم يقول قولاً معناه ما أصفُ: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا) : إنما ذلك في القلوب. فلا تميلوا كل الميل: لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم، فيصير الميل بالفعل الذي ليس لكم، فتذروها - كالمعلقة -. وما أشبه ما قالوا عندي بما قالوا؛ لأن اللَّه تجاوز عما في القلوب، وكتب على الناس الأفعال والأقاويل، فإذا مال بالقول والفعل فذلك كلّ الميل. قال الشَّافِعِي ﵀: ولم أعلم مخالفاً في أن على المرء أن يقسم لنسائه. فيعدل بينهن، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقسم فيعدل، ثم يقول:

стр. 483

"اللهم هذا قسْمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك " الحديث. يعني - والله أعلم -: قلبه، وقد بلغنا أنَّه كان يُطاف به محمولاً في مرضه على نساءه حتى حَلَلَنَه. الأم (أيضاً) : جماع عشرَة النساء: قال الشَّافِعِي ﵀: وأقل ما يجب في أمره بالعشرة بالمعروف، أن يؤدي الزوج إلى زوجته ما فرض الله لها عليه، من نفقة، وكسوة، وترك ميل ظاهر، فإنه يقول جل وعز: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) الآية. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَ وَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في القضايا والشهادات: قال الشَّافِعِي ﵀: فيما يجب على المرء من القيام بشهادته، إذا شهد،. . . قال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) . قال الشَّافِعِي ﵀: الذي أحفظ عن كلَ ما سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات، أنَّه في الشاهد قد لزمته الشهادة، وأن فرضاً عليه أن يقوم بها

стр. 484

على والديه، وولده، والقريب، والبعيد، وللبغيض (البعيد والقريب) ، ولا يكتم عن أحد، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحداً. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) الرسالة: بيان فرض الله اتباع سنة نبيه ﷺ : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وضع اللَّه رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه؛ لأنَّه جعله علماً لدينه، بما افترض من طاعته،، وحرّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال ﵎: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) الآية. وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) الآية. فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذي ما سواه تبع له (الإيمانَ بالله ثم برسوله) . فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله، لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله ﷺ معه.

стр. 485

قال الله : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ثم على الناس: قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أنزل اللَّه ﵎ بعد هذا في الحال التي فرض فيها عُزْلة المشركين، فقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) مما فرض عليه، فقال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) قرأ الربيع إلى: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) الآية. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في تفسير في آيات متفرقة: قال الشَّافِعِي ﵀: ومثل قوله : (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) الآية. ومثل هذا في القرآن على ألفاظ.

стр. 486

مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الإيمان) : قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض اللَّه على السمع: أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرُّم اللَّه، وأن يغضي عما نهى اللَّه عنه، فقال في ذلك: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) الآية. * * * قال الله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) الأم: المرتد عن الإسلام: قال الشَّافِعِي ﵀: وقد قضى اللَّه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) الآية. الأم (أيضاً) اللعان: قال الشَّافِعِي ﵀: فحقن رسول الله ﷺ دماءهم بما أظهروا من الإسلام. وأقرَّهم على المناكحة والموارثة، وكان الله أعلم بدينهم بالسرائر، فأخبره الله ، أنهم في النار، فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الآية. وهذا يوجب على الحكام ما وصفت، من ترك الدلالة الباطنة، والحكم بالظاهر، من القول، أو البينة، أو الاعتراف، أو الحجة.

стр. 487

الأم (أيضاً) : باب (ما يحرم به الدم من الإسلام) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال جلّ وعز: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) الآية. فأخبر اللَّه عن المنافقين بالكفر، وحكم فيهم بعلمه من أسرار خلقه ما لا يعلمه غيره بأنَّهم في الدرك الأسفل من النار، وأنَّهم كاذبون بإيمانهم، وحكم فيهم جلّ ثناؤه في الدنيا، بأن ما أظهروا من الإيمان، وإن كانوا به كاذبين، لهم جُنة من القتل، وهم المُسِرُّون الكفر، المظهرون الإيمان، وبين على لسانه ﷺ مثل ما أنزل في كتابه؛ من أنَّ إظهار القول بالإيمان جُنة من القتل، أقرَّ من شهد عليه بالإيمان بعد الكفر، أو لم يقر إذا أظهر الإيمان. فإظهاره مانع من القتل، وبيّن رسول الله ﷺ إذا حقن الله تعالى دماء من أظهر الإيمان بعد الكفر أن لهم حكم المسلمين في الموارثة، والمناكحة، وغير ذلك من أحكام المسلمين. الأم (أيضاً) : تكلف الحجة على قائل القول الأول - بقتل المرتد -، وعلى من قال: أقبل إظهار التوبة..: قال الشَّافِعِي ﵀: وأخبر الله جل ثناؤه عن المنافقين في عدد آي من كتابه، بإظهار الإيمان، والاستسرار بالشرك، وأخبرنا بأن قد جزاهم بعلمه عنهم بالدرك الأسفل من النار، فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) الآية. فأعلم أنَّ حكمهم في الآخرة النار، بعلمه أسرارهم. وأن حكمه عليهم في الدنيا - إن أظهروا الإيمان - جُنة لهم.

стр. 488

الأم (أيضاً) : من قال لزوجته أنت طالق إن خرجت إلا بإذني: قال الشَّافِعِي ﵀: يحنث الناس في الحكم على الظاهر من أيمانهم. وكذلك أمرنا الله تعالى أن نحكم عليهم بما ظهر، وكذلك أمرنا رسول الله ﷺ . وكذلك أحكام الله، وأحكام رسوله في الدنيا. فأمّا السرائر فلا يعلمها إلا الله، فهو يدين بها، ويجزى، ولا يعلمها دونه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ألا ترى أن حكم اللَّه تعالى في المنافقين، أنَّه يعلمهم مشركين، فأوجب عليهم في الآخرة جهنم، فقال : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الآية. وحكم لهم رسول الله ﷺ بأحكام الإسلام، بما أظهروا منه، فلم يسفك لهم دماً، ولم يأخذ لهم مالاً، ولم يمنعهم أن يناكحوا المسلمين وينكحوهم. ورسول اللَّه ﷺ يعرفهم بأعيانهم، يأتيه الوحي، ويسمع ذلك منهم، ويبلغه عنهم، فيظهرون التوبة، والوحي يأتيه بأنهم كاذبون بالتوبة، ومثل ذلك قال رسول الله ﷺ في جميع الناس: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" الحديث.

стр. 489

الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أوجب - اللَّه - للمنافقين إذا أسروا نار جهنم فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا أظهروا التوبة منه، والقول بالإيمان. حقنت عليهم دماؤهم، وجمعهم ذكر الإسلام، وقد أعلم اللَّه رسوله ﷺ ، أنهم في الدرك الأسفل من النار، فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الآية. فجعل حكمه عليهم جلّ وعز على سرائرهم، وحكم نبيه عليهم في الدنيا على علانيتهم بإظهار التوبة، وما قامت عليهم بينة من المسلمين بقوله، وما أقرُّوا بقوله، وما جحدوا من قول الكفر، مما لم يقروا به ولم تقم به ببينة عليهم، وقد كذبهم على قولهم في كل، وكذلك أخبر رسول الله ﷺ عن الله . قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار، أنَّ رجلاً سارَّ النبي ﷺ ، فلم ندر ما سارَّه حتى جهر رسول الله ﷺ ، فإذا هو يشاوره في قتل رجل من المنافقين. فقال رسول الله ﷺ : "أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له. فقال: "أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له. فقال له رسول الله ﷺ : أولئك الدين نهاني الله تعالى عنهم" الحديث.

стр. 490

قال الله : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) الأم: باب ذبائح بني إسرائيل: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال عز ذكره: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) الآية. يعني - واللَّه تعالى أعلم -: طيبات كانتأُحِلَّتْ لَهُمْ. * * * قال الله : (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) الرسالة: في الزكاة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) فقال بعض أهل العلم: هي الزكاة المفروضة.

стр. 491

قال الله : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَا نَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) الرسالة ً: الحجة في تثبيت خبر الواحد: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) الآية. وقال لنبيه محمد ﷺ : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) الآية، فأقام جلّ ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجّة بها ثابتة علي من شاهد أمور الأنبياء ودلائلهم التي باينوا بها غيرهم، ومَن بعدهم، وكان الواحد في ذلك وكثر منه سواء، تقوم الحجة بالواحد منهم قيامها بالأكثر. * * * قال الله : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشافعى - في دلائل التوحيد) : أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد اللَّه (محمد بن إبراهيم المؤذن) ، عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني، عن أبي محمد الزبيري قال: قال رجل للشافعي: أخبرني عن القرآن خالق هو؟

стр. 492

قال الشَّافِعِي ﵀: اللهم لا. قال: مخلوق؟ قال الشَّافِعِي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشَّافِعِي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشَّافِعِي رأسه وقال: تقرُّ بأن القرآن كلام اللَّه؟ قال: نعم. قال الشَّافِعِي سُبقْتَ في هذه الكلمة، قال اللَّه تعالى ذكره: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) . وقال: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) . قال الشَّافِعِي ﵀: فتقرُّ بأن اللَّه كان وكان كلامه؛ أو كان اللَّه ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان اللَّه، وكان كلامه. قال: فتبسم الشَّافِعِي وقال: يا كوفيون، إنكم لتأتوني بعظيم من القول: إذا كنتم تقرون بأن اللَّه كان قبل القَبل وكان كلامه، فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللَّه، أو سوى اللَّه، أو غير اللَّه، أو دون اللَّه؟! قال: فسكت الرجل وخرج. * * * قال الله : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ) الرسالة: بيان فرض الله في كتابه اتباع سنه نبيه ﷺ : قال الشَّافِعِي ﵀: وضع اللَّه رسوله ﷺ من دينه، وفرضه، وكتابه، الموضع الذي أبان جلَّ ثناؤه أنه جعله علماً لدينه، بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال

стр. 493

تبارك وتعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) الآية. قلت: أشرنا في تفسير الآية / ١٣٦ من سورة النساء إلى أن الشَّافِعِي رحمه الله ذكر هذه الآية دليلاً على أن اللَّه قرن الإيمان به بالإيمان برسوله، وهنا كلام رائع لمحقق كتاب الرسالة، يستحسن أن ننقله كاملاً بحرفيته كما ورد في تعليقه على هذه الفقرة / ٢٣٧ إذ يقول ﵀: والعصمة لله ولكتابه ولأنبيائه، وقد أبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، كما قال بعض الأئمة من السلف. فإن الشَّافِعِي ﵀: ذكر هذه الآية محتجاً بها على أن الله قرن الإيمان برسوله محمد ﷺ مع الإيمان به، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة من القرآن، منها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) . ومنها: قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . ومنها: قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) . ولكن الآية التي ذكرها الشَّافِعِي هنا ليست في موضع الدلالة على ما يريد. لأن الأمر فيها بالإيمان بالله وبرسله كافة. ووجه الخطأ من الشَّافِعِي ﵀: أنه ذكر الآية بلفظ: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) بإفراد لفظ الرسول وهكذا كتبت في أصل الربيع، وطبعت في الطبعات الثلاثة من الرسالة، وهو خلاف التلاوة، وقد خُيِّل إلي بادئ ذي بدء

стр. 494

أن تكون هناك قراءة بالإفراد، وإن كانت - إذا وجدت - لا تفيد في الاحتجاج لما يريد؛ لأن سياق الكلام في شأن عيسى ﵇، فلو كان اللفظ: (وَرَسُوله) لكان المراد به عيسى، ولكني لم أجد آية قراءة في هذا الحرف من الآية بالإفراد. لا في القراءات العشر، ولا في غيرها من الأربع، ولا في القراءات الأخرى التي يسمونها: (القراءات الشاذة) . ومن عجب أن يبقى هذا الخطأ في الرسالة، وقد مضى على تأليفها أكثر من ألف ومائة وخمسون سنة، وكانت في أيدي العلماء هذه القرون الطوال. وليس هو من خطأ في الكتابة من الناسخين، بل هو خطأ علمي، انتقل فيه ذهن المؤلف الإمام، من آية إلى آية أخرى حين التأليف: ثم لا ينبه عليه أحد! أولا يلتفت إليه أحد! وقد مكث أصل الربيع من الرسالة بين يدي عشرات من العلماء الكبار. والأئمة الحفاظ، نحواً من أربعة قرون إلى ما بعد سنة ٦٥٠ هـ يتداولونه بينهم قراءة وإقراء ونسخاً ومقابلة، كما هو ثابت في السماعات الكثيرة المسجلة مع الأصل، وفيها سماعات لعلماء أعلام، ورجال من الرجالات الأفذاذ، وكلهم دخل عليه هذا الخطأ، وفاته أن يتدبر موضعه فيصححه. ومرد ذلك كله - فيما نرى واللَّه أعلم -: إلى الثقة ثم إلى التقليد، فما كان ليخطر ببال واحد منهم أن الشَّافِعِي، وهو إمام الأئمة، وحجة هذه الأمة يخطئ في تلاوة آية من القرآن، ثم يخطئ في وجه الاستدلال بها، والموضوع أصله من بديهيات الإسلام، وحجج القرآن فيه متوافرة، وآياته متلوة محفوظة، ولذلك لم يكلف واحد منهم نفسه عناء المراجعة، ولم يفكر في صدر الآية التي أتى بها الشَّافِعِي للاحتجاج، تقليداً له وَثِقَة به، حتى يرى إن كان موضعها موضع الكلام في شأن نبينا ﷺ أو في شأن غيره من الرسل ﵈. ونقول هنا: ما قال الشَّافِعِي ﵀ فيما مضى من الرسالة في الفقرة / ١٣٦: (وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، واللَّه يغفر لنا ولهم) . اهـ،

стр. 495

قال الله : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) الأم: القراءة في الخطبة: قال الشَّافِعِي ﵀: بلغني أن عثمان بن عفان ﵁ كان إذا كان في آخر الخطبة، قرأ آخر النساء: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) إلى آخر السورة. الأم (أيضاً) : الخلاف في المرتد: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال بعض الناس: وإذا ارتد الرجل عن الإسلام. فقُتِل، أو مات على ردته، أو لحق بدار الحرب، قسمنا ميراثه بين ورثته من المسلمين، وقضينا كل دَين عليه إلى أجل، وأعتقنا أمهات أولاده، ومُدَبَّريه، فإن رجع إلى الإسلام لم نرد من الحكم شيئاً، إلا أن نجد من ماله شيئاً في يدي أحدٍ من ورثة، فيردون عليه؛ لأنه ماله، ومن أتلف من ورثتة شيئاً مما قضينا له به ميراثاً لم يضمنه. قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت لأعلى من قال هذا القول عندهم: أصول العلم عندك أربعة أصول، أوجبها وأولاها: أن يؤخذ به فلا يترك كتاب الله، وسنه نبيه ﷺ فلا أعلمك إلا قد جردت خلافهما - ثم القياس، والمعقول عندك الذي يؤخذ به بعد هذين الإجماع، فقد خالفت القياس والمعقول، وقلت في هذا قولاً متناقضاً.
следующие страницы →