← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال الله : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَا نَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) الرسالة ً: الحجة في تثبيت خبر الواحد: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) الآية. وقال لنبيه محمد ﷺ : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ) الآية، فأقام جلّ ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجّة بها ثابتة علي من شاهد أمور الأنبياء ودلائلهم التي باينوا بها غيرهم، ومَن بعدهم، وكان الواحد في ذلك وكثر منه سواء، تقوم الحجة بالواحد منهم قيامها بالأكثر. * * * قال الله : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشافعى - في دلائل التوحيد) : أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد اللَّه (محمد بن إبراهيم المؤذن) ، عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني، عن أبي محمد الزبيري قال: قال رجل للشافعي: أخبرني عن القرآن خالق هو؟

стр. 492

قال الشَّافِعِي ﵀: اللهم لا. قال: مخلوق؟ قال الشَّافِعِي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشَّافِعِي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشَّافِعِي رأسه وقال: تقرُّ بأن القرآن كلام اللَّه؟ قال: نعم. قال الشَّافِعِي سُبقْتَ في هذه الكلمة، قال اللَّه تعالى ذكره: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) . وقال: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) . قال الشَّافِعِي ﵀: فتقرُّ بأن اللَّه كان وكان كلامه؛ أو كان اللَّه ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان اللَّه، وكان كلامه. قال: فتبسم الشَّافِعِي وقال: يا كوفيون، إنكم لتأتوني بعظيم من القول: إذا كنتم تقرون بأن اللَّه كان قبل القَبل وكان كلامه، فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللَّه، أو سوى اللَّه، أو غير اللَّه، أو دون اللَّه؟! قال: فسكت الرجل وخرج. * * * قال الله : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ) الرسالة: بيان فرض الله في كتابه اتباع سنه نبيه ﷺ : قال الشَّافِعِي ﵀: وضع اللَّه رسوله ﷺ من دينه، وفرضه، وكتابه، الموضع الذي أبان جلَّ ثناؤه أنه جعله علماً لدينه، بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال

стр. 493

تبارك وتعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) الآية. قلت: أشرنا في تفسير الآية / ١٣٦ من سورة النساء إلى أن الشَّافِعِي رحمه الله ذكر هذه الآية دليلاً على أن اللَّه قرن الإيمان به بالإيمان برسوله، وهنا كلام رائع لمحقق كتاب الرسالة، يستحسن أن ننقله كاملاً بحرفيته كما ورد في تعليقه على هذه الفقرة / ٢٣٧ إذ يقول ﵀: والعصمة لله ولكتابه ولأنبيائه، وقد أبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، كما قال بعض الأئمة من السلف. فإن الشَّافِعِي ﵀: ذكر هذه الآية محتجاً بها على أن الله قرن الإيمان برسوله محمد ﷺ مع الإيمان به، وقد جاء ذلك في آيات كثيرة من القرآن، منها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) . ومنها: قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . ومنها: قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) . ولكن الآية التي ذكرها الشَّافِعِي هنا ليست في موضع الدلالة على ما يريد. لأن الأمر فيها بالإيمان بالله وبرسله كافة. ووجه الخطأ من الشَّافِعِي ﵀: أنه ذكر الآية بلفظ: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) بإفراد لفظ الرسول وهكذا كتبت في أصل الربيع، وطبعت في الطبعات الثلاثة من الرسالة، وهو خلاف التلاوة، وقد خُيِّل إلي بادئ ذي بدء

стр. 494

أن تكون هناك قراءة بالإفراد، وإن كانت - إذا وجدت - لا تفيد في الاحتجاج لما يريد؛ لأن سياق الكلام في شأن عيسى ﵇، فلو كان اللفظ: (وَرَسُوله) لكان المراد به عيسى، ولكني لم أجد آية قراءة في هذا الحرف من الآية بالإفراد. لا في القراءات العشر، ولا في غيرها من الأربع، ولا في القراءات الأخرى التي يسمونها: (القراءات الشاذة) . ومن عجب أن يبقى هذا الخطأ في الرسالة، وقد مضى على تأليفها أكثر من ألف ومائة وخمسون سنة، وكانت في أيدي العلماء هذه القرون الطوال. وليس هو من خطأ في الكتابة من الناسخين، بل هو خطأ علمي، انتقل فيه ذهن المؤلف الإمام، من آية إلى آية أخرى حين التأليف: ثم لا ينبه عليه أحد! أولا يلتفت إليه أحد! وقد مكث أصل الربيع من الرسالة بين يدي عشرات من العلماء الكبار. والأئمة الحفاظ، نحواً من أربعة قرون إلى ما بعد سنة ٦٥٠ هـ يتداولونه بينهم قراءة وإقراء ونسخاً ومقابلة، كما هو ثابت في السماعات الكثيرة المسجلة مع الأصل، وفيها سماعات لعلماء أعلام، ورجال من الرجالات الأفذاذ، وكلهم دخل عليه هذا الخطأ، وفاته أن يتدبر موضعه فيصححه. ومرد ذلك كله - فيما نرى واللَّه أعلم -: إلى الثقة ثم إلى التقليد، فما كان ليخطر ببال واحد منهم أن الشَّافِعِي، وهو إمام الأئمة، وحجة هذه الأمة يخطئ في تلاوة آية من القرآن، ثم يخطئ في وجه الاستدلال بها، والموضوع أصله من بديهيات الإسلام، وحجج القرآن فيه متوافرة، وآياته متلوة محفوظة، ولذلك لم يكلف واحد منهم نفسه عناء المراجعة، ولم يفكر في صدر الآية التي أتى بها الشَّافِعِي للاحتجاج، تقليداً له وَثِقَة به، حتى يرى إن كان موضعها موضع الكلام في شأن نبينا ﷺ أو في شأن غيره من الرسل ﵈. ونقول هنا: ما قال الشَّافِعِي ﵀ فيما مضى من الرسالة في الفقرة / ١٣٦: (وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، واللَّه يغفر لنا ولهم) . اهـ،

стр. 495

قال الله : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) الأم: القراءة في الخطبة: قال الشَّافِعِي ﵀: بلغني أن عثمان بن عفان ﵁ كان إذا كان في آخر الخطبة، قرأ آخر النساء: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) إلى آخر السورة. الأم (أيضاً) : الخلاف في المرتد: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال بعض الناس: وإذا ارتد الرجل عن الإسلام. فقُتِل، أو مات على ردته، أو لحق بدار الحرب، قسمنا ميراثه بين ورثته من المسلمين، وقضينا كل دَين عليه إلى أجل، وأعتقنا أمهات أولاده، ومُدَبَّريه، فإن رجع إلى الإسلام لم نرد من الحكم شيئاً، إلا أن نجد من ماله شيئاً في يدي أحدٍ من ورثة، فيردون عليه؛ لأنه ماله، ومن أتلف من ورثتة شيئاً مما قضينا له به ميراثاً لم يضمنه. قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت لأعلى من قال هذا القول عندهم: أصول العلم عندك أربعة أصول، أوجبها وأولاها: أن يؤخذ به فلا يترك كتاب الله، وسنه نبيه ﷺ فلا أعلمك إلا قد جردت خلافهما - ثم القياس، والمعقول عندك الذي يؤخذ به بعد هذين الإجماع، فقد خالفت القياس والمعقول، وقلت في هذا قولاً متناقضاً.

стр. 496

قال: فأوجدني ما وصفت. قلت له: قال اللَّه ﵎: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ) مع ما ذكر من آي المواريث، ألا ترى أن اللَّه إنما ملَّك الأحياء بالمواريث، ما كان الموتى يملكون إذا كانوا أحياء؟ قال: بلى. قلت: والأحياء خلاف الموتى؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت المرتد ببعض ثغورنا يلحق بمسلحة لأهل الحرب يراها، فيكون قائماً بقتالنا، أو مترهباً، أو معتزلاً لا تعرف حياته. فكيف حكمت عليه حكم الموتى وهو حيٌّ؟! . .. الأم (أيضاً) : باب (من قال: لا يورث أحد حتى يموت) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ) الآية. وقال النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وكان معقولاً عن اللَّه ، ثم عن رسول الله ﷺ ، ثم في لسان العرب، وقول عوام أهل العلم ببلدنا: أن امرأً لا يكون موروثاً أبداً حتى يموت، فإذا مات كان موروثاً، وأن الأحياء خلاف الموتى، فمن ورَّث حياً دخل عليه - واللَّه تعالى أعلم - خلاف حكم الله ، وحكم رسول الله ﷺ . فقلنا والناس معنا بهذا، لم يُختلف بحملته، وقلنا به في المفقود، وقلنا لا يقسم ماله حتى يعلم يقين وفاته.

стр. 497

الأم (أيضاً) : باب (ردِّ المواريث) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ) الآية. وقال : (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وذكر بقية آيات المواريث -. قال الشَّافِعِي ﵀: فهذه الآي في المواريث كلها، تدل على: أن اللَّه انتهى بمن سمى له فريضة إلى شيء، فلا ينبغي لأحد أن يزيد من انتهى اللَّه به إلى شيء غير ما انتهى به ولا ينقصه، فبذلك قلنا: لا يجوز رد المواريث. قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك لا يرد على وارث ذي قرابة، ولا زوج ولا زوجة له فريضة، ولا تجاوز بذي فريضة فريضته، والقرآن - إن شاء اللَّه تعالى - يدل على هذا، وهو قول زيد بن ثابت، وقول الأئمة ممن لقيت من أصحابنا. الأم (أيضاً) : باب (الخلاف في ردِّ المواريث) : قال الشَّافِعِي ﵀: قلت - أي: للمحاور - قال الله : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ)

стр. 498

وقال: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فذكر الأخت منفردة فأنتهى بها إلى النصف، وذكر الأخ منفرداً فأنتهى به إلى الكل، وذكر الأخ والأخت مجتمعين فجعلها على النصف من الأخ في الاجتماع، كما جعلها في الانفراد، أفرأيت إن أعطيتها الكل منفردة أليس قد خالفت حكم اللَّه ﵎ نصاً؟ ؛ لأن اللَّه انتهى بها إلى النصف، وخالفت معنى حكم الله، إذ سويتها به، وقد جعلها اللَّه ﵎ معه على النصف منه. قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له: فأي المواريث كلها تدل على خلاف رد المواريث. الأم (أيضاً) : ميراث المرتد: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) الآية. فإنما نقل ملك الموتى إلى الأحياء، والموتى خلاف الأحياء، ولم ينقل بميراث قط، ميراث حي إلى حي. الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: قلنا: قالوا: قال اللَّه : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) الآية. وقال: في جميع المواريث مثل هذا

стр. 499

المعنى، فإنما مَلَّك "الله الأحياء، ما كان يملك غيرهم بالميراث بعد موت غيرهم. فأما ما كان مالك المال حياً، فهو مالك ماله، وسواء كان مريضاً أو صحيحاً؛ لأنه لا يخلو مال من أن يكون له مالك، وهذا مالك لا غيره، فإذا أعتق جميع ما يملك، أو وهب جميع ما يملك، عِتْقَ بتات، أو هبة بتات، جاز العتق والهبة وإن مات؛ لأنه في الحال التي أعتق فيها ووهب، مالك. . .

стр. 500

سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) الأم: جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: جماع الوفاء بالنذر وبالعهد، كان بيمين أو غيرها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) الآية. وهذا من سعة لسان العرب الذي خوطبت به، وظاهره عام على كل عقد، ويشبه - واللَّه تعالى أعلم - أن يكون أراد اللَّه ، أن يوفى بكل عقد كان بيمين أو غير يمين. وكل عقد نذر، إذا كانت في العقد لله طاعة، ولم يكن فيما أمر بالوفاء منها معصية. الأم (أيضاً) : باب (دواب الصيد التي لم تسمَّ) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: ما دلَّ على ما وصفت، والعرب تقول: للإبل الأنعام، وللبقر البقر، وللغنم الغنم؟ قيل: هذا كتاب الله تعالى كما وصفت، فإذا جَمَعْتَها قلت نعماً كلها، وأضفت الأدنى منها إلى الأعلى، وهذا

стр. 501

معروف عند أهل العلم بها، وقد قال الله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) الآية. الأم (أيضاً) : كتاب (الأطعمة وليس في التراجم. .) : قال الشَّافِعِي ﵀: أصل ما يحرم أكله من البهائم والدواب والطير شيئان، ثم يتفرقان فيكون منها شيء محرم نصاً في سنة رسول الله ﷺ ، وشيء محرم في جملة كتاب اللَّه خارج من الطيبات، ومن بهيمة الأنعام، فإنَ الله يقولْ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) الآية. الأم (أيضاً) : ما حرَّم المشركون على أنفسهم: قال الشَّافِعِي ﵀: وأعلمهم أنَّه لم يحرّم عليهم ما حرَّموا بتحريمهم، وقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) يعني - والله أعلم -: من الميتة. الأم (أيضاً) : تفريع ما يحل ويحرم: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) الآية. فاحتمل قول اللَّه ﵎: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) إحلالها دون ما سواها، واحتمل إحلالها بغير حظر ما سواها.

стр. 502

قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) الأم: كتاب (الحج) : أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي كصر سنة سبع ومائتين، قال: أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀، قال: أصل إثبات فرض الحج خاصة في كتاب اللَّه تعالى، ثم في سُنَّة رسوله ﷺ ، وقد ذكر اللَّه الحج في غير موضع من كتابه، فحكى أنه قال لإبراهيم ﵇: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) . وقال ﵎: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) الآية. مع ما ذكر به الحج. الأم (أيضاً) : ما جاء في أمر النكاح: قال الشَّافِعِي ﵀: والأمر في الكتاب، والسنة، وكلام الناس يحتمل معاني: أحدها: أن يكون اللَّه حرّم شيئاً، ثم أباحه، فكان أمره إحلال ما حرّم، كقول اللَّه : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) الآية، ليس حتماً أن يصطادوا؛ إذا حلُّوا.

стр. 503

أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيد والذبائح. . .: قال الشَّافِعِي ﵀: فكان معقولاً عن اللَّه ، إذا أذن في كل ما أمسك الجوارح، أنهم إنما اتخذوا الجوارح، لما لم ينالوه إلا بالجوارح، وإن لم ينزل ذلك نصّا من كتاب الله . .. وقال تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) الآية. أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقة: قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) الآية، يعني: لا تستحلوها وهي: كل ما كان لله ، من الهدي وغيره. وفي قوله تعالى: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) الآية، من أتاه: تصدونهم عنه. قال الشَّافِعِي رحمه المُه: وفي قوله : (شَنَئَانُ قَوْمٍ) الآية، على خلاف الحق. آداب الشَّافِعِي ومناقبه: باب (في المناسك) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) الآية. فأخبر أنَّه أباح شيئاً كان حرَّمه، ولم يوجب الصيد عند الإحلال.

стр. 504

قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) الأم: ما جاء في نكاح إماء المسلمين وحرائر أهل الكتاب وإمائهم قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت له - أي: للمحاور - قد حرّم الله الميتة فقال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) الآية، واستثنى إحلاله للمضطر. أفيجوز لأحد أن يقول: لما حلَّت الميتة بحال لواحد موصوف، وهو المضطر. حلَّت لمن ليس في صفته؟ قال: لا. الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله جلَ وعز: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) قرأ الربيع إلى قوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) الآية. وقال في الآية الأخرى: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فلما أباح في حال الضرورة، ما حرَّم جملة، أيكون لي إباحة ذلك في غير حال الضرورة، فيكون التحريم فيه منسوخاً، والإباحة قائمة؟ قال: لا، قلنا: ونقول له التحريم بحاله والإباحة على الشرط، فمتى لم يكن الشرط فلا تحل؟ قال: نعم.

стр. 505

الأم (أيضاً) : ما يحل بالضرورة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال في ذكر ما حرّم: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الآية، فيحل ما حرَّم من ميتة، ودم، ولحم الخنزير، وكل ما حرم مما لا يغير العقل من الخمر للمضطر. والمضطر: الرجل يكون بالموضع، لا طعام فيه معه، ولا شيء يسد فورة جوعه، من لبن وما أشبهه، ويبلغه الجوع ما يخاف منه الموت أو المرض، وإن لم يخف الموت، أو يضعفه، ويضره، أو يعتل، أو يكون ماشياً فيضعف عن بلوغ حيث يريد، أو راكباً فيضعف عن ركوب دابته، أو ما في هذا المعنى من الضرر البين، فأي هذا ناله، فله أن يأكل من المحرّم، وكذلك يشرب من المحرّم غير المسكر، مثل الماء تقع فيه الميتة وما أشبهه. الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: وأعلمهم أنَّه أكمل لهم دينهم فقال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وأبان اللَّه لخلقه، أنَّه تولى الحكم فيما أثابهم وعاقبهم عليه على ما علم من سرائرهم، وافقت سرائرهم علانينهم، أو خالفتها، وإنَّما جزاهم بالسرائر، فأحبط عمل كل من كفر به.

стр. 506

مختصر المزني: كتاب (الصيد والذبائح) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولو شقّ السبع بطن شاة، فوصل إلى معاها. ما يستيقن أنهّا إن لم تذك ماتت، فذكيت فلا بأس بكلها، لقول اللَّه : (وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) الآية. والذكاة: جائزة بالقرآن الكريم. وقال الشَّافِعِي ﵀: ولو أدرك الصيد، ولم يبلغ سلاحه، أو معلَّمه ما يبلغ الذابح، فأمكنه أن يذبحه فلم يفعل، فلا يأكل. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيد والذبائح: قال الشَّافِعِي ﵀: ولما ذكر اللَّه أمره بالذبح، وقال: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) كان معقولاً عن اللَّه ، أنَّه إنَّما أمر به، فيما يمكن فيه الذبح والذكاة، وإن لم يذكره. أحكام القرآن (أيضاً) : باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقة) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله : (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) فما وقع عليه اسم الذكاة من هذا، فهو ذكيُّ.

стр. 507

قال الشَّافِعِي ﵀: - قال اللَّه تعالى -: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) الآية، الأزلام ليس لها معنى إلا: القِدَاحُ. الزاهر في غريب ألفاظ الشَّافِعِي: باب (الصيد والذبائح) : بعد أن ذكر عبارة الشَّافِعِي: (ولو وقع الصيد على جبل فتردى عنه كان متردياً لا يؤكل. . .) . قال الأزهرى: والمتردية في القرآن: مِنْ رديت، أي: طرحت، فتردى، أي: سقط (من رأس جبل أو في بئر) . والموقوذة والوقيذة: التي تقتل بشيء ثقيل، مثل الحجر المدملك، والعصا الضخمة. * * * قال الله : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الأم: ما يحرم من جهه ما لا تأكل العرب: قال الشَّافِعِي ﵀: أصل التحريم، نص كتاب، أو سنَّة، أو جملة كتاب، أو سنَّة، أو إجماع. . .

стр. 508

وقال : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ) الآية، وإنَّما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها، وهم العرب الذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث المأكل ما لا يكرهها غيرهم. الأم (أيضاً) : باب (موضع الذكاة في المقدوو على ذكاته وحكم غير المقدوو عليه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وما نالته الكلاب والصقور والجوارح كلها، فقتلته. ولم تدْمِه احتمل معنيين: أحدهما: ألَّا يؤكل حتى يخرق شيئاً؛ لأن الجارح ما خرق، وقد قال الله ﵎: (الْجَوَارِحِ) الآية. ومعنى الثاني: أن فعلها كله ذكاة، فبأي فعلها قتلت حل، وقد يكون هذا جائزاً، فيكون فعلها غير فعل السلاح؛ لأن فعل السلاح فعل الآدمي، وأدنى ذكاة الآدمي، ما خرق حتى يدمي، وفعلها عمد القتل، لا على أن في القتل فعلين: أحدهما: ذكاة، والآخر: غير ذكاة، وقد تسمى جوارح؛ لأنها تجرح، فيكون اسماً لازماً، وأكل ما أمسكن مطلقاً، فيكون ما أمسكن حلالاً بالإطلاق، ويكون الجَرْح إن جرحها هو اسم موضوع عليها، لا أنها إن لم تجرح لم يؤكل ما قتلت. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الحج: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع:

стр. 509

أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أصل الصيد: الذي يؤكل لحمه، وإن كان غيره يسمى صيداً، ألا ترى إلى قول اللَّه تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) الآية؛ لأنَّه معقول عندهم: أنه إنَّما يرسلونها على ما يؤكل. أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيد والذبائح: قرأت في كتاب السنن - رواية حرملة بن يحيى عن الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه ﵎: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فكان معقولاً عن الله ، إذ أذن في كل ما أمسك الجوارح، أنهم إنما اتخذوا الجوارح، لما لم ينالوه إلا بالجوارح، وإن لم ينزل ذلك نصاً من كتاب اللَّه . أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: الكلب المعلم: الذي إذا أشلِيَ: استشلى. وإذا أخذ: حَبَسَ ولم يأكل، فإذا فعل هذا مرة بعد مرة: كان معلَّماً، يأكل صاحبه مما حبس عليه، وإن قَتَل: ما لم يأكل. وقد تسمى جوارح؛ لأنَّها تجرح، فيكون اسماً لازماً. وأحِل ما أمسكن مطلقاً.

стр. 510

آداب الشَّافِعِي ومناقبه: باب (في اللباس والأشربة، والأضاحي والصيد) : أخبرنا أبو محمد، قال أخبرني أبي، قال سمعت يونس بن عبد الأعلى، قال: قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) الآية، (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) الآية. فما أطاع: إن أمرته ائتمر وإن نهيته انتهى فهو: المُكَلَّت، وإذا أمسك، فلم يأكل: فكل، وإن أكل: فلا تأكل، للحديث الذي رواه عدي بن حاتم عن النبي ﷺ . قال الشَّافِعِي ﵀: وفي هذا اختلاف. * * * قال الله : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) الأم: نكاح نساء أهل الكتاب: قال الشَّافِعِي ﵀: قال - الله تعالى -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الآية، والمحصنات منهن الحرائر،

стр. 511

فأطلقنا مما استثنى الله من إحلاله، وهن الحزائر من أهل الكتاب؛ والحرائر غير الإماء كما قلنا، لا في نكاح مشركة غير كتابية. وقال غيرنا: كذلك كان يلزمه أن يقول: وغير حرة، حتى يجتمع فيها أن تكون حرة كتابية، فإذا كان نكاح إماء المؤمنين ممنوعاً إلا بشرطين كان فيه الدلالة على أنَّه: لا يجوز نكاح غير إماء المؤمنين مع الدلالة الأولى، فإماء أهل الكتاب محرمات من الوجهين في دلالة القرآن - والله تعالى أعلم. الأم (أيضاً) : ما جاء في نكاح إماء المسلمين وحرائر أهل الكتاب وإمائهم: قال الشَّافِعِي ﵀: ووجدنا الله قال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) الآية، فلم نختلف نحن وأنتم أنهن الحرائر من أهل الكتاب، خاصة إذا خصص، وتكون الإماء منهن من جملة المشركات المحرمات. الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: ثم قال - الله تعالى -: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) الآية، فأحل صنفاً واحداً من المشركات بشرطين: أحدهما: أن تكون المنكوحة من أهل الكتاب. والثاني: أن تكون حرَّة؛ لأنَّه لم يختلف المسلمون في أن قول الله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الآية، هن: الحرائر.

стр. 512

أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في النكاح والصداق وغمِر ذلك: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) الآية، فأيهما كان، فقد أبيح فيه نكاح حرائر أهل الكتاب. أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيد والذبائح: قال الشَّافِعِي ﵀: - في رواية حرملة عنه -، قال الله : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) الآية، فاحتمل ذلك: الذبائح، وما سواها من طعامهم الذي لم نعتقده محرماً علينا، فآنيتهم أولى؛ ألا يكون في النفس منها شيء، إذا غُسِلت. ثم بسط الكلام: في إباحة طعامهم الذي يغيبون على صنعته، إذا لم نعلم فيه حراماً، وكذلك الآنية، إذا لم نعلم نجاسة. أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في آيات متفرقة: قال الشَّافِعِي ﵀؛ في قوله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الآية، - أي -: الحرائر من أهل الكتاب غير ذوات الأزواج. (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) الآية، - أي -: عفائف غير فواسق.

стр. 513

الزاهر الإحصان الذي به يرجم من زنى: قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) هنّ: ذوات الأزواج، ويكن العفائف. ومن قرأ والمُحْصِناتُ: - بكسر الصاد - ذهب إلى أنهن أسلمن فحصَّن فروجهنَّ. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) الأم: الطهارة: أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشَّافِعِي رحمه الله تعالى قال: قال الله : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: فكان بيناً عند من خوطب بالآية، أن غسلهم إنما كان بالماء، ثم أبان في هذه الآية، أن الغسل بالماء، وكان معقولاً عند من خوطب بالآية، أنَّ الماء ما خلق الله ﵎، مما لا صنعة فيه للآدميين، وذكر الماء عاماً، فكان ماء السماء، وماء الأنهار، والأبار، والقِلات، والبحار، العذب

стр. 514

من جميعه والأجاج سواء؛ في لأنَّه يطهر من توضأ، واغتسل منه، وظاهر القرآن يدلُّ على أن كلّ ماء طاهر، ماء بحر وغيره، وقد رُوِي فيه عن النبي ﷺ حديث يوافق ظاهر القرآن في إسناده من لا أعرفه. أخبرنا مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة - رجل من آل ابن الأزرق - أنَّ المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - خبَّره أنَّه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؛ فقال النبي ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته" الحديث. الأم (أيضاً) : الماء الراكد: قال الشَّافِعِي ﵀: فأمر رسول الله ﷺ بغسل دم الحيضة، ولم يوقِّت فيه شيئاً، وكان اسم الغسل يقع على غسلةٍ مرة أو أكثر، كما قال الله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) الآية، فأجزأت مرة؛ لأنَّ كل هذا يقع عليه اسم الغسل، فكانت الأنجاس كلها قياساً على دم الحيضة لوافقته معاني الغسل والوضوء في الكتاب والمعقول، ولم نقسه على الطب، لأنَّه تعبد. الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وأمر - الله تعالى - بالوضوء فقال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) الآية، فكان مكتفى بالتنزيل في هذا عن الاستدلال فيما نزل فيه، مع أشباهٍ له.

стр. 515

الأم (أيضاً) : ما يوجب الوضوء وما لا يوجبه: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: قال اللَّه تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) الآية. فكان ظاهر الآية أن من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ، كانت محتملة أن تكون نزلت في خاص، فسمعت من أرضى علمه بالقرآن، يزعم أنَّها نزلت في القائمين من النوم. قال الشَّافِعِي ﵀: وأحسب ما قال كما قال؛ لأن في السُنة دليلاً على أنّ يتوضأ من قام من نومه، أخبرنا سفيان، عن الزهري، - عن أبي سلمة -،عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده" الحديث. أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده، قبل أن يدخلها في وضوءه، فإنه لا يدرى أين باتت يده" الحديث. أخبرنا سفيان قال، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإئه لا يدري أين باتت يده" الحديث.

стр. 516

الأم (أيضاً) : باب (في الاستنجاء) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. فذكر اللَّه تعالى الوضوء، وكان مذهبنا: أن ذلك إذا قام النائم من نومه. الأم (أيضاً) : الوضوء من الملامسة والغائط: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) الآية. فذكر اللَّه الوضوء على من قام إلى الصلاة، وأشبه أن يكون من قام من مضجع النوم. وذكر طهارة الجُنُب. ثم قال بعد ذكر طهارة الجنب: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) الآية. فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط، بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة، أن تكون: اللمس باليد، والقُبْلة غير الجنابة. أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه قال: "قبلة الرجل امرأته، وجسُّها بيده من الملامسة، فمن قبَّلَ امرأته أو جسَّها بيده فعليه الوضوء" الحديث.

стр. 517

قال الشَّافِعِي ﵀: وبلغنا عن ابن مسعود ﵁، قريب من قول ابن عمر ﵁ وإذا أفضى الرجل بيده إلى امرأته، أو ببعض جسده إلى بعض جسدها، لا حائل بينه وبينها بشهوة، أو بغير شهوة، وجب عليه الوضوء، ووجب عليها، وكذلك إن لمسته هي وجب عليه، وعليها الوضوء، وسواء في ذلك كله، أيّ بدنيهما أفضى إلى الآخر، إذا أفضى إلى بشرتها، أو أفضت إلى بشرته بشيء من بشرتها، فإن أفضى بيده إلى شعرها، ولم يماسّ لها بشراً فلا وضوء عليه، كان ذلك لشهوة، أو لغير شهوة، كما يشتهيها ولا يمسها، فلا يجب عليه الوضوء، ولا معنى للشهوة؛ لأنَّها في القلب، إنَّما المعنى في الفعل، والشعر مخالف للبشرة. قال الشَّافِعِي ﵀: ولو احتاط فتوضأ إذا لمس شعرها، كان أحبَّ إليَّ. ولو مسَّ بيده ما شاء فوجد بدنها، من ثوب رقيق خام، أو بتٍّ (١) ، أو غيره. أو صفيق، متلذذاً، أو غير متلذذ، وفعلت هي ذلك، لم يجب على واحد منهما وضوء؛ لأنَّ كلاهما لم يلمس صاحبه، إنَّما لمس ثوب صاحبه. قال الربيع: سمعت الشَّافِعِي ﵀ يقول: اللمس بالكفِّ، ألا ترى أنَّ رسول اللَّه ﷺ نهى عن الملامسة؟ قال الشاعر: وألمست كفي كله أطلب الغِني ... ولم أدر أن الجود من كفِّه يُعدِي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغِني ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي

стр. 518

الأم (أيضاً) : الوضوء من الغائط والبول والريح: قال الشَّافِعِي ﵀: ومعقول إذ ذكر الله ﵎ الغائط في آية الوضوء، أن الغائط: الخلاء، فمن تخلى وجب عليه الوضوء. أخبرنا سفيان قال: حدثنا الزهري قال: أخبرني عبَّاد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد قال: شُكيَ إلى رسول الله ﷺ الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة، فقال: " لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" الحديث. الأم (أيضاً) : باب (المضمضة والاستنشاق) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) الآية. فلم أعلم مخالفاً في أن الوجه مفروض غسله في الوضوء، ما ظهر منه دون ما بطن، وأن ليس على الرجل أن يغسل عينيه، ولا أن ينضح فيهما، فكانت المضمضة والاستنشاق أقرب إلى الظهور من العينين، ولم أعلم المضمضة والاستنشاق على المتوضأ فرضاً، ولم أعلم خلافاً أن المتوضئ لو تركهما عامداً أو ناسياً، وصلَّى لم يُعِد، وأحبُّ إلِيَّ أن يبدأ المتوضئ بعد غسل يديه، أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً يأخذ بكفه غرفة لفيه وأنفه، ويُدخل الماء أنفه ويستبلغ بقدر ما يرى أنه يأخذ بخياشيمه، ولا يزيد على ذلك، ولا يجعله كالسَّعوط، وإن كان صائماً رفق بالاستنشاق لئلا يدخل رأسه.

стр. 519

الأم (أيضاً) : باب (غسل الوجه) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فكان معقولاً أن الوجه: ما دون منابت شعر الرأس إلى الأذنين، واللحيين والذقن، وليس ما جاوز منابت شعر الرأس الأغم من النزعتين من الرأس. وكذلك أصلع مُقدَّم الرأس ليست صلعته من الوجه، وأحبّ إليَّ لو غسل النزعتين مع الوجه، وإن ترك ذلك لم يكن عليه في تركه شيء، فإذا خرجت لحية الرجل فلم تكثر حتى تواري من وجهه شيئاً، فعليه غسل الوجه كما كان قبل أن تنبت، فإذا كثرت حتى تستر موضعها من الوجه فالاحتياط غسلها كلها. الأم (أيضاً) : باب (غسل اليدين) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) الآية، فلم أعلم مخالفاً في أن المرافق مما يغسل، كأنهم ذهبوا إلى أن معناها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تغسل المرافق، ولا يجزئ في غسل اليدين أبداً إلا أن

стр. 520

يُؤتى على ما بين أطراف الأصابع إلى أن تغسل المرافق، ولا يجزئ إلا أن يُؤتى بالغسل على ظاهر اليدين وباطنهما وحروفهما، حتى ينقضي غسلهما، وإن ترِكَ من هذا شيء وإن قل لم يجز، ويبدأ باليمنى من يديه قبل اليسرى، فإن بدأ باليسرى قبل اليمنى، كرهتُ ذلك، ولا أرى عليه الإعادة. الأم (أيضاً) : باب (مسح الرأس) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) الآية. وكان معقولاً في الآية، أن من مسح من رأسه شيئاً فقد مسح برأسه، ولم تحتمل الآية إلا هذا، وهو أظهر معانيها، أو مسح الرأس كله، ودلَّت السنة على أن ليس على المرء مسح الرأس كله، وإذا دلَّت السنة على ذلك، فمعنى الآية: أن من مسح شيئاً من رأسه أجزأه. قال الشَّافِعِي ﵀: إذا مسح الرجل بأي رأسه شاء، وإن كان لا شعر عليه، وبأي شعر رأسه شاء، بإصبع واحدة، أو بعض إصبع، أو بطن كله، أو أمر من يمسح به أجزأه ذلك، فكذلك إن مسح نزعتيه، أو إحداهما، أو بعضهما أجزأه، لأنه من رأسه. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا يحيى بن حسَّان، عن حمَّاد بن زيد، وابن عُليَّة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة

стр. 521

ابن شعبة لأحته أن رسول الله ﷺ : "توضأ ومسح بناصيته، وعلى عمامته، وخفيه" الحديث. أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء "أن رسول الله ﷺ توضأ فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه (أو قال ناصيته) بالماء" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا أذن الله بمسح الرأس، فكان رسول الله ﷺ معتماً فحسر العمامة فقد دلَّ على أن المسح على الرأس دونها، وأحبُّ لو مسح على العمامة مع الرأس، وإن ترك ذلك لم يضره. قال الشَّافِعِي ﵀: وأحبُّ لو مسح رأسه ثلاثاً، وواحدة تجزئه. وأحبُّ أن يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما، بماء غير ماء الرأس، ويأخذ بإصبعيه الماء لأذنيه، فيدخلهما فيما ظهر من الفرجة التي تفضي إلى الصماخ، ولو ترك مسح الأذنين لم يعد، لأنَّهما لو كانتا من الوجه غسلتا معه، أو من الرأس مسحتا معه، أو وحدهما أجزئتا منه، فإذا لم يكونا هكذا، فلم يذكرا في الفرض، ولو كانتا من الرأس كفى ماسحهما أن يمسح بالرأس، كما يكفي مما يبقى من الرأس. الأم (أيضاً) : باب (غسل الرجلين) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ونحن نقرأها: (وَأَرْجُلَكُمْ) بفتح اللام - على معنى: اغسلوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجلَكم وامسحوا برؤوسكم.

стр. 522

قال الشَّافِعِي ﵀: ولم أسمع مخالفاً في أنَّ الكعبين اللذين ذكر الله في الوضوء، الكعبان النائتان، وهما: مجمع مفصل الساق والقدم، وأن عليهما الغسل، كأنه يذهب فيهما إلى: اغسلوا أرجلكم حتى تغسلوا الكعبين، ولا يجزئ المرء إلا غسل ظاهر قدميه وباطنهما، وعرقوبيهما وكعبيهما، حتى يستوظف كل ما أشرف من الكعبين عن أصل الساق، فيبدأ فينصب قدميه، ثم يصب عليهما الماء بيمينه، أو يصب عليه غيره، ويخلل أصابعهما حتى يأتي الماء على ما بين أصابعهما، ولا يجزئه ترك تخليل الأصابع، إلا أن يعلم أن الماء قد أتى على جميع ما بين الأصابع. الأم (أيضاً) : باب (تقديم الوضوء ومتابعته) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية، وتوضأ رسول الله ﷺ كما أمره اللَّه ، وبدأ بما بدأ الله تعالى به، قال: فأشبه - والله تعالى أعلم - أن يكون على المتوضئ في الوضوء شيئان: ١ - أن يبدأ بما بدأ اللَّه - به -، ثم رسوله ﵊ به منه. ٢ - ويأتي على (كمال ما أمر) . فمن بدأ بيده قبل وجهه، أو رأسه قبل يديه، أو رجليه قبل رأسه، كان عليه عندي أن يعيد حتى يغسل كلاً في موضعه، بعد الذي قبله، وقبل الذي بعده، لا يجزئه عندي غير ذلك، وإن صلى أعاد الصلاة بعد أن يعيد الوضوء،

стр. 523

ومسح الرأس وغيره في هذا سواء، فإذا نسي مسح رأسه حتى غسل رجليه، عاد فمسح رأسه ثم غسل رجليه بعده. الأم (أيضاً) : باب (علة من يجب عليه الغسل والوضوء) : قال الشَّافِعِي ﵀؛ قال الله : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) الآية. فلم يرخص الله في التيمم إلا في الحالتين: ١ - السفر والإعواز من الماء. ٢ - أو المرض فإن كان الرجل مريضاً بعض المرض تيمم حاضراً أو مسافراً، أو واجداً للماء أو غير واجدٍ له. قال الشَّافِعِي ﵀: والمرض: اسم جامع لمعان لأمراض مختلفة، فالذي سمعت أن المرض الذي للمرء أن يتيمم فيه الجراح، والقَرْح دون الغور كله مثله الجراح؛ لأنَّه يخاف في كله إذا ماسه الماء أن ينطف، فيكون من النَّطف: التلف، والمرض المخوف: وأقلُّه ما يخاف هذا فيه، فإن كان جائفاً خيف في وصول الماء إلى الجوف معاجلة التلف، جاز له أن يتيمم، وإن كان القرح الخفيف غير ذي الغور الذي لا يُخاف منه إذا غسل بالماء التلف، ولا النطف، لم يجز فيه إلا غسله؛ لأن العلة التي رخص الله فيها للتيمم زائلة عنه. الأم (أيضاً) : باب (كيف التيمم) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) الآية. أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث

стр. 524

(عبد الرحمن بن معاوية) ، عن الأعرج، عن ابن الصمَّة "أن رسول الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: ومعقول إذا كان التيمم بدلاً من الوضوء، على الوجه واليدين، أن يُؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه فيهما، وإن الله إذا ذكرهما؛ فقد عفا في التيمم عما سواهما من أعضاء الوضوء والغسل. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يجوز أن يتيمم الرجل إلَّا أن ييمِّم وجهه، وذراعيه إلى المرفقين، ويكون المرفقان فيما ييمم، فإن ترك شيئاً من هذا لم يُمر عليه التراب قل أو كثر، كان عليه أن ييمِّمه، وإن صلى قبل أن ييمِّه أعاد الصلاة. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يجزئه إلا أن يضرب ضربة لوجهه، وأحبُّ إليَّ أن يضربها بيديه معاً، فإن اقتصر على ضربها بإحدى يديه وأمرَّها على جميع وجهه أجزأه. .. ويضرب بيديه معاً لذراعيه، لا يجزيه غير ذلك، اذا يمَّم نفسه؛ لأنَّه لا يستطيع أن يمسح يداً إلَّا باليد التي تخالفها، فيمسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى. ويخلل أصابعه بالتراب، ويتتبع مواضع الوضوء بالتراب، كما يتتبعها بالماء. قال الشَّافِعِي ﵀: لا يجزيه في التيمم إلا أن يأتي بالغبار على ما يأتي عليه الوضوء، من وجهه ويديه إلى المرفقين. الأم (أيضاً) : باب (جماع المسح على الخفين) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية،

стр. 525

فاحتمل أمر الله بغسل القدمين أن يكون على كل متوضئ، واحتمل أن يكون على بعض المتوضئين دون بعض، فدل مسح رسول الله ﷺ على الخفين، لأنهما على من لا خفين عليه، إذا هو لبسهما على كمال الطهارة، كما دل صلاة رسول اللَّه ﷺ صلاتين بوضوء واحد، وصلوات بوضوء واحد، على أن فرض الوضوء على من قام إلى الصلاة على بعض القائمين دون بعض، لا أن المسح خلاف لكتاب اللَّه ، ولا الوضوء على القدمين، وكذلك ليست سُنَّة من سنَّته ﷺ بخلافٍ لكتاب الله . قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا عبد اللَّه بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد قال: دخل رسول الله ﷺ وبلال، فذهب لحاجته، ثم توضأ، فغسل وجهه، ثم خرجا قال أسامة فسألت بلالاً ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ فقال بلال ﵁، ذهب لحاجته ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين قال الشَّافِعِي ﵀: وفي حديث بلال دليل على أن: "رسول الله ﷺ مسح على الخفين في الحضر؛ لأن (بئر جمل) في الحضر، قال: فيمسح المسافر والمقيم معاً" الحديث. الأم (أيضاً) : باب (التراب الذي يتيمم به ولا يتيمم) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) وكلّ ما وقع عليه اسم صعيد لم تخالطه نجاسة، فهو صعيد طيب، يُتيمم به، وكل ما حال عن اسم صعبد لم يتيمم به، ولا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار.

стр. 526

الأم (أيضاً) : جماع التيمم للمقيم والمسافر: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الآية. وقال في سياقها: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) إلى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) الآية. فدلَّ حكم اللَّه على أنه أباح التيمم في حالين: أحدهما: السفر والإعواز من الماء. والآخر: للمريض في حضر كان أو سفر. قال الشَّافِعِي ﵀: ودلَّ ذلك على أنَّ للمسافر طلب الماء لقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وكان كلّ من خرج مجتازاً من بلد إلى غيره يقع عليه اسم السفر، قَصُر السفر أم طال، ولم أعلم من السنة دليلاً على أنَّ لبعض المسافرين أن يتيمم دون بعض، وكان ظاهر القرآن، أنَّ كل مسافر سفراً بعيداً، أو قريباً يتيمم. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه أقبل من (الجُرفِ) ، حتى إذا كان بالمِربَدِ تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلَّى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِد الصلاة" الحديث. (والجُرْف قريب من المدينة) .

стр. 527

الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: أرأيت قول الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. أليس بيَن في كتاب الله ، بأن فَرَضَ غسل القدمين أو مسحهما؟ قال: بلى. قلت: لم مسحت على الخفين، ومن أصحاب رسول الله ﷺ والناس إلى اليوم من ترك المسح على الخفين، ويعنف من مسح؛ قال: ليس في ردَّ من رده حجة، وإذا ثبت عن النبي ﷺ شيء لم يضره من خالفه. الأم (أيضاً) : باب (الصوم) : قال الشَّافِعِي ﵀ ومثل هذا لا يخالفه المسح على الخفين، قال الله : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. فلما مسح النبي ﷺ على الخفين. استدللنا على أن فرض الله غسل القدمين، إنما هو على بعض المتوضئين دون بعض، وأنَّ المسح لمن أدخل رجليه في الخفين بكمال الطهارة؛ استدلالاً بسنة رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه لا يمسح والفرض عليه غسل القدم. الأم (أيضاً) : الخلاف في اليمين مع الشاهد: قال الشَّافِعِي ﵀: وجعلتَ - الخطاب: للمحاور - تيمم الجُنب سُنَّة. ولم تبطلها برد عمر ﵁، وخلاف ابن مسعود ﵁ التيمم، وتأولهما قول الله : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الآية، والطهور بالماء.

стр. 528

الأم (أيضاً) : باب (ما روى مالكٌ عن عثمان ﵁ وخالفه في تخمير المحرم وجهه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وفرَّق الله بين حكم الوجه والرأس، فقال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الآية، فَعَلِمنا أن الوجه ما دون - شعر - الرأس، وأن الذقن من الوجه، وقال: (وَاَمسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) الآية، فكان الرأس غير الوجه. مختصر المزني: باب (الطهارة بالماء) : حدثنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - الله تعالى - في الطهارة: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) الآية. فدل على أن الطهارة بالماء كله. حدثنا الربيع: أخبرنا الشَّافِعِي: حدثنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، عن الثقة عنده، عمن حدثه، أو عن عبيد الله بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: إن بئر بضاعة يطرح فيها الكلاب والحيَّض فقال النبي ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء) " الحديث.

стр. 529

مختصر المزني (أيضاً) : باب (سنة الوضوء) : قال الشَّافِعِي ﵀: وإن بدأ بذراعيه قبل وجهه، رجع إلى ذراعيه فغسلهما حتى يكونا بعد وجهه، حتى يأتي الوضوء ولاءً، كما ذكره الله ﵎، قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) . هكذا قرأه المزني إلى الكعبين. مختصر المزني (أيضاً) : باب (التيمم) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) الآية. ورُوي عن النبي ﷺ أنه تيمم فمسح وجهه وذراعيه، ومعقول إذا كان بدلاً من الوضوء على الوجه واليدين، أن يُؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه. وعن ابن عمر ﵄ أنَّه قال: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. قال الشَّافِعِي ﵀: والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد: وهو التراب، من كل أرض، سبخها ومدرها وبطحائها وغيره، مما يعلق باليد منه غبار، ما لم تخالطه نجاسة، وينوي بالتيمم الفريضة، فيضرب على التراب ضربة، ويفرق أصابعه حتى يثير التراب، ثم يمسح بيده وجهه - كما وصفت في الوضوء - ثم يضرب ضربة أخرى كذلك، ثم يمسح ذراعه اليمنى، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى وأصابعها، ثم يمرها على ظهر الذراع إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع، ثم يقبل بها إلى كوعه، ثم يمرها على - ظهر إبهامه، ويكون بطن كفه اليمنى لم يمسها شيء من يده، فيمسح بها اليسرى كما وصفت

стр. 530

في اليمنى، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعهما، فإن أبقى شيئاً مما كان يمر عليه الوضوء حتى صلى، أعاد ما بقي عليه من التيمم، ثم يصلي، وإن بدأ بيديه قبل وجهه، كان عليه أن يعود ويمسح يديه حتى يكونا بعد وجهه، مثل الوضوء سواء، وإن قدَّم يسرى يديه على اليمنى أجزأه. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يجمع بالتيمم صلاتي فرضٍ، بل يجدد لكل فريضة طلباً للماء، وتيمماً بعد الطلب الأول، لقوله جل وعزَ: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الآية. وقول ابن عباس: "لا تصلَّى مكتوبة إلا بتيمم" الحديث. الرسالة: باب (البيان الثاني) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الآية. وقال: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) فأتى كتاب الله على البيان في الوضوء، دون الاستنجاء بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة. ثم كان أقلّ غسل الوجه والأعضاء مرة مرة، واحتمل ما هو أكثر منها. فبيّن رسول الله ﷺ الوضوء مرة، وتوضأ ثلاثاً، ودل على أن أقل غسل الأعضاء يجزئ، وأن أقلّ عدد الغسل واحدة. وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيار.
следующие страницы →