← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الأم (أيضاً) : جماع التيمم للمقيم والمسافر: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الآية. وقال في سياقها: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) إلى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) الآية. فدلَّ حكم اللَّه على أنه أباح التيمم في حالين: أحدهما: السفر والإعواز من الماء. والآخر: للمريض في حضر كان أو سفر. قال الشَّافِعِي ﵀: ودلَّ ذلك على أنَّ للمسافر طلب الماء لقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وكان كلّ من خرج مجتازاً من بلد إلى غيره يقع عليه اسم السفر، قَصُر السفر أم طال، ولم أعلم من السنة دليلاً على أنَّ لبعض المسافرين أن يتيمم دون بعض، وكان ظاهر القرآن، أنَّ كل مسافر سفراً بعيداً، أو قريباً يتيمم. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه أقبل من (الجُرفِ) ، حتى إذا كان بالمِربَدِ تيمم، فمسح وجهه ويديه، وصلَّى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِد الصلاة" الحديث. (والجُرْف قريب من المدينة) .

стр. 527

الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: أرأيت قول الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. أليس بيَن في كتاب الله ، بأن فَرَضَ غسل القدمين أو مسحهما؟ قال: بلى. قلت: لم مسحت على الخفين، ومن أصحاب رسول الله ﷺ والناس إلى اليوم من ترك المسح على الخفين، ويعنف من مسح؛ قال: ليس في ردَّ من رده حجة، وإذا ثبت عن النبي ﷺ شيء لم يضره من خالفه. الأم (أيضاً) : باب (الصوم) : قال الشَّافِعِي ﵀ ومثل هذا لا يخالفه المسح على الخفين، قال الله : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. فلما مسح النبي ﷺ على الخفين. استدللنا على أن فرض الله غسل القدمين، إنما هو على بعض المتوضئين دون بعض، وأنَّ المسح لمن أدخل رجليه في الخفين بكمال الطهارة؛ استدلالاً بسنة رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه لا يمسح والفرض عليه غسل القدم. الأم (أيضاً) : الخلاف في اليمين مع الشاهد: قال الشَّافِعِي ﵀: وجعلتَ - الخطاب: للمحاور - تيمم الجُنب سُنَّة. ولم تبطلها برد عمر ﵁، وخلاف ابن مسعود ﵁ التيمم، وتأولهما قول الله : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الآية، والطهور بالماء.

стр. 528

الأم (أيضاً) : باب (ما روى مالكٌ عن عثمان ﵁ وخالفه في تخمير المحرم وجهه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وفرَّق الله بين حكم الوجه والرأس، فقال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الآية، فَعَلِمنا أن الوجه ما دون - شعر - الرأس، وأن الذقن من الوجه، وقال: (وَاَمسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) الآية، فكان الرأس غير الوجه. مختصر المزني: باب (الطهارة بالماء) : حدثنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - الله تعالى - في الطهارة: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) الآية. فدل على أن الطهارة بالماء كله. حدثنا الربيع: أخبرنا الشَّافِعِي: حدثنا الثقة، عن ابن أبي ذئب، عن الثقة عنده، عمن حدثه، أو عن عبيد الله بن عبد الرحمن العدوي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: إن بئر بضاعة يطرح فيها الكلاب والحيَّض فقال النبي ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء) " الحديث.

стр. 529

مختصر المزني (أيضاً) : باب (سنة الوضوء) : قال الشَّافِعِي ﵀: وإن بدأ بذراعيه قبل وجهه، رجع إلى ذراعيه فغسلهما حتى يكونا بعد وجهه، حتى يأتي الوضوء ولاءً، كما ذكره الله ﵎، قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) . هكذا قرأه المزني إلى الكعبين. مختصر المزني (أيضاً) : باب (التيمم) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) الآية. ورُوي عن النبي ﷺ أنه تيمم فمسح وجهه وذراعيه، ومعقول إذا كان بدلاً من الوضوء على الوجه واليدين، أن يُؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه. وعن ابن عمر ﵄ أنَّه قال: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. قال الشَّافِعِي ﵀: والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد: وهو التراب، من كل أرض، سبخها ومدرها وبطحائها وغيره، مما يعلق باليد منه غبار، ما لم تخالطه نجاسة، وينوي بالتيمم الفريضة، فيضرب على التراب ضربة، ويفرق أصابعه حتى يثير التراب، ثم يمسح بيده وجهه - كما وصفت في الوضوء - ثم يضرب ضربة أخرى كذلك، ثم يمسح ذراعه اليمنى، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى وأصابعها، ثم يمرها على ظهر الذراع إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع، ثم يقبل بها إلى كوعه، ثم يمرها على - ظهر إبهامه، ويكون بطن كفه اليمنى لم يمسها شيء من يده، فيمسح بها اليسرى كما وصفت

стр. 530

في اليمنى، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعهما، فإن أبقى شيئاً مما كان يمر عليه الوضوء حتى صلى، أعاد ما بقي عليه من التيمم، ثم يصلي، وإن بدأ بيديه قبل وجهه، كان عليه أن يعود ويمسح يديه حتى يكونا بعد وجهه، مثل الوضوء سواء، وإن قدَّم يسرى يديه على اليمنى أجزأه. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يجمع بالتيمم صلاتي فرضٍ، بل يجدد لكل فريضة طلباً للماء، وتيمماً بعد الطلب الأول، لقوله جل وعزَ: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الآية. وقول ابن عباس: "لا تصلَّى مكتوبة إلا بتيمم" الحديث. الرسالة: باب (البيان الثاني) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الآية. وقال: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) فأتى كتاب الله على البيان في الوضوء، دون الاستنجاء بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة. ثم كان أقلّ غسل الوجه والأعضاء مرة مرة، واحتمل ما هو أكثر منها. فبيّن رسول الله ﷺ الوضوء مرة، وتوضأ ثلاثاً، ودل على أن أقل غسل الأعضاء يجزئ، وأن أقلّ عدد الغسل واحدة. وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيار.

стр. 531

الرسالة (أيضاً) : باب (ما نزل عاماً دلَّت السنة خاصَّة على أنّه يراد به الخاص) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فقصد جل ثناؤه قَصدَ القدمين بالغسل، كما قصد الوجه واليدين. فكان ظاهر هذه الآية أنَّه لا يجزئ في القدمين إلا ما يجزئ في الوجه من الغسل، أو الرأس من المسح، وكان يحتمل أن يكون أريد بغسل القدمين، أو مسحهما بعض المتوضئين دون بعض. فلما مسح رسول الله ﷺ على الخفين، وأمر به من أدخل رجليه في الخفين، وهو كامل الطهارة، دلت سنة رسول الله ﷺ على أنَّه إنَّما أريد بغسل القدمين أو مسحهما بعض المتوضئين دون بعض. الرسالة (أيضاً) : الفرائض المنصوصة التي سنَّ رسول الله معها: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الآية. وسنَّ رسول الله ﷺ الوضوء كما أنزل اللَّه، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين.

стр. 532

أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : "أنه توضأ مرة مرة" الحديث. أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه أنه قال لعبد اللَّه بن زيد: - وهو جَدُّ عمرو بن يحيى -: "هل تستطيع أن تريَني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله: نعم، فدعا بوَضُوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين. ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح برأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقَدَّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه" الحديث. فكان ظاهر قول اللَّه : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) أقلّ ما وقع عليه اسم الغسْل، وذلك مرة، واحتمل كثر، فسنَّ رسولُ اللَّه الوضوء مرة، فوافق ذلك ظاهر القرآن، وذلك أقلّ ما يقع عليه اسم الغسل، واحتمل أكثر، وسنَّه مرتين وثلاثاً، فلما سنَّه مرة، استدللنا على لأنَّه لو كانت مرة لا تجزئ، لم يتوضأ مرة ويصلي، وأن ما جاوز مرة اختيار لا فرض في الوضوء، لا يجزئ أقل منه. وهذا مثل ما ذكرت من الفرائض قبله: لو ئركِ الحديث فيه استُغني فيه بالكتاب، وحين حُكِي الحديث فيه دلَّ على اتباع الحديث كتاب الله. ولعلهم إنما حَكَوْا الحديث فيه، لأنّ أكثر ما توضأ رسول الله ﷺ ثلاثاً، فأرادوا أن الوضوء ثلاثاً اختيار، لا أنَّه واجب لا يجزئ أقل منه، ولما ذكِر منه في

стр. 533

أن: "من توضأ وُضوءه هذا - وكان ثلاثاً - ثم صلى ركعتين لا يحدِّث نفسه فيهما غُفِرَ له" الحديث. فأرادوا طلب الفضل في الزيادة في الوضوء، وكانت الزيادة فيه نافلة. وغَسَلَ رسول الله ﷺ في الوضوء المرفقين والكعبين، وكانت الآية محتملة أن يكونا مغسولين، وأن يكون مغسولاً إليهما، ولا يكونان - مغسولين، ولعلهم حَكَؤا الحديث إبانة لهذا أيضاً. وأشْبَهُ الأمرين بظاهر الآية أن يكونا مغسولين، وهذا بيان السنة مع بيان القرآن، وسواء البيان في هذا وفيما قبله، ومستغنى بفرضه بالقرآن عند أهل العلم، ومختلفان عند غيرهم. الرسالة (أيضاً) : باب (الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: قلتُ: فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة من نومه، فقال: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. فَقَصَدَ قَصدَ الرجلين، كما قَصَدَ قَصْدَ ما سواهما من أعضاء الوضوء. فلما مسح رسول الله ﷺ على الخفين لم يكن لنا - واللَّه أعلم - أن نمسح على عَمامة، ولا برُقع، ولا قُفازين، قياساً عليهما، وأثبتنا الفرض في أعضاء الوضوء كلها، وأرخصنا بمسح النبي ﷺ في المسح على الخفين، دون ما سواهما.

стр. 534

قال: فتعد هذا خلافاً للقرآن؟ قلت: لا تخالف سنة لرسول اللَّه كتاب اللَّه بحال. قال: فما معنى هذا عندك؟ قلت: معناه أن يكون قصد بفرض إمساس القدمين الماء من لا خُفي عليه لَبِسَهُما كامِلَ الطهارة. قال: أو يجوز هذا في اللسان؟ قلت: نعم، كما جاز أن يقوم إلى الصلاة من هو على وضوء، فلا يكون المراد بالوضوء، استدلالاً أن رسول الله ﷺ صلَّى صلاتين وصلوات بوضوء واحد. فكذلك دلت سنة رسول الله ﷺ بالمسح، أنه قصد بالفرض في غسل القدمين، من لا خُفَّيْ عليه، لَبِسَهُما كامِلَ الطهارة. اختلاف الحديث (أيضاً) : باب (المختلفات التي يوجد على ما يوجد منها دليل على غسل القدمين ومسحهما) : حدثنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي: نحن نقرأ آية الوضوء: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الآية. بنصب (أَرْجُلَكُمْ) على معنى فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم وأَرْجُلَكُمْ، وامسحوا برؤوسكم، وعلى ذلك عندنا دلالة السنة - واللَّه أعلم -. قال الشَّافِعِي ﵀: والكعبان اللذان أمِر بغسلهما، ما أشرف من مجمع مفصل الساق والقدم، والعرب تسمى كُل ما أشرف واجتمع كعباً حتى تقول: كعب سمن.

стр. 535

قال الشَّافِعِي ﵀: فذهب عوام أهل العلم أن قول الله: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) كقوله: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وأن المرافق والكعبين مما يُغسَل. حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك. عن ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم سَبَلاَن - مولى النضريين قال: خرجنا مع عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ إلى مكة، فكانت تخرج بأبي حتى يصلي بها، قال: فأتى عبد الرحمن بن أبي بكر بِوَضُوء، فقالت: عائشة ﵂: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار يوم القيامة" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وأخبرنا سفيان، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: لعبد الرحمن، أسبغ الوضوء يا عبد الرحمن، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ويل للأعقاب من النار" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: فلا يجزئ متوضئاً إلا أن يغسل ظهور قدميه. وبطونهما، وأعقابهما، وكعبيه معاً.

стр. 536

اختلاف الحديث: باب (غسل الجمعة) : حدثنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) قال: فدلَّت السنة على أن الوضوء من الحدث. وقال - بعد ذكر آية النساء٤٣ -: فكان الوضوء عامًّا في كتاب اللَّه من الأحداث. .. الزاهر باب (التيمم) : وذكر الشَّافِعِي ﵀: قول اللَّه : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) الآية. فعطف بعض الكلام على بعض ب (أو) ثم قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ب (الفاء) ، وظاهر التنزيل يدل على أن له التيمم بأي شَرطِ شُرِطَ في الآية، ولم يجد الماء، سواء كان مريضاً فلم يجد الماء، أو كان مسافراً، أو جاء من الغائط، أو لمس النساء، ولم يجد الماء فله التيمم. حدثنا محمد بن إسحاق السعدي قال: حدثنا أبو زُرعَة، عن قبيصة، عن عمار بن رُزَيق، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قول اللَّه : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) الآية. قال: هذا في الرجل يكون به الجُدَرِي أو القُروح يخاف إن توضأ أو اغتسل أن يؤذيه أذى شديداً، فليتيمم.

стр. 537

قال الأزهري ﵀: ولا يجوز في قوله : (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) الآية، غير معنى (الواو) حتى يستقيم التأويل، على ما أجمع عليه فقهاء الأمصار، وما علمت أن أحداً شرح من معنى هذه الآية ما شرحته، فتبينه تجده كما فسرته - إن شاء الله تعالى -. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) الأم: باب (ما يجب على المرء من القيام بشهادته) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ثم ذكر آيات الشهادة والشهود. قال الشَّافِعِي ﵀: والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات، أنه في الشاهد، وقد لزمته الشهادة، وأن فرضاً عليه أن يقوم بها على والديه وولده، والقريب والبعيد، وللبغيض (القريب والبعيد) ، ولا يكتم عن أحدٍ، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحداً.

стр. 538

قال الله : (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) الزاهر باب (الإجارات) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله تعالى: (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) الآية، من هذا. تأويله نصرتموهم، بأن تردُّوا عنهم أعداءهم. وقال ابن الأعرابي: التعزير: النصر بالسيف، والتأديب دون الحدِّ، والعَزر: المنع. قال: والعَزرُ: التوقيف علي باب الدين. ويقال للنصر: تعزير أيضاً، لأن من نصرته فقد منعت عنه عدوَّه. * * * قال الله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) الأم: كتاب الجزية: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ثم أخبر جل وعزَّ أنَّه جعله - لرسوله ﷺ فاتح رحمته عند فترة رُسُله، فقال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ) .

стр. 539

قال الله : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) وقال: (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) الأم: كتاب جراح العمد (أصل تحريم القتل من القرآن) : أخبرنا الربيع ﵀ قال: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: - بعد أن ذكر الآيات التي تدل على أصل تحريم القتل من القرآن الكريم - وقال : (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) الآية. وقال الله (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ)

стр. 540

إلى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) . الزاهر باب اللعان: قال أبو عبيد: باء فلان بذنب: إذا احتمله وصار عليه. قال: ويكون باء بكذا: إذا أقرَّ به، قال الله : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) . * * * قال الله : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) الأم: باب (هل لمن أصاب الصيد أن يفديه بغير النعم؟) : قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: كل شيء في القرآن أو، أو، له - يعني: يخير للإنسان بفِعله - أية شاء، قال ابن جريج إلا في قوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية، فليس بمخيَّرٍ فيها. قال الشَّافِعِي ﵀: وكما قال ابن جريج، وعمرو، في المحارب وغيره في هذه المسألة أقول. قيل للشافعي: فهل قال أحد: ليس هو بالخيار؟ قال: نعم.

стр. 541

الأم (أيضاً) : حد قاطع الطريق: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا) الآية. أخبرنا إبراهيم، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس ﵄. في قطَّاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال: قُتلوا وصُلِّبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قُتلوا ولم يُصَلَّبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا هربوا: طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم الحدود. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً: نُفُوا من الأرض. قال الشَّافِعِي ﵀: وبهذا نقول، وهو موافق معنى كتاب اللَّه تبارك وتعالى، وذلك أنَّ الحدود إنَّما نزلت فيمن أسلم، فأمَّا أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل، أو السِّباء، أو الجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم، على ما قال ابن عباس ﵄ إن شاء الله تعالى -: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا) الآية. فمن تاب قبل أن يُقدر عليه سقط حق الله عنه، وأخذ بحقوق بني آدم. ولا يُقطع من قطاع الطرق: إلا من أخذ قيمة ربع دينار فصاعداً، قياساً على السنة في السارق. وإن قتل أو قطع، فأراد أهل الجراح عفو الجراح فذلك لهم، دران أراد أولياء المقتولين عفو دماء من قُتِلُوا، لم يكن ذلك يحقن دماء من عَفَوا عنه، وكان على الإمام أن يقتلهم إذا بلغت جنايتهم القتل.

стр. 542

الأم (أيضاً) : باب (الحدود) : قال الشَّافِعِي ﵀: الحدُّ حدَّان: ١ - حد لله ﵎، ما أراد من تنكيل من غشيه عنه، وما أراد من تطهيره به، أو غير ذلك مما هو أعلم به، وليس للآدميين في هذا حق. ٢ - وحدٌّ أوجبه اللَّه تعالى على من أتاه من الآدميين فذلك إليهم. ولهما في كتاب اللَّه ﵎ اسمه أصل، فأما أصل حد اللَّه تبارك وتعالى في كتابه، فقوله : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى قوله: (رَحِيمٌ) الآية. فأخبر اللَّه - تبارك اسمه - بما عليهم من الحد، إلا أن يتوبوا من قبل أن يُقْدَر عليهم. قال الربيع ﵀: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: الاستثناء في التوبة للمحارِب وحده، الذي أظنُّ أنَّه يذهب إليه وقال الربيع: والحجة عندي في أنَّ الاستثناء لا يكون إلا في المحارب خاصة، حديث ماعز حين أتى النبي ﷺ ، فأقر بالزنا، فأمر النبي ﷺ برَجْمِه، ولا نشك أنَّ ماعزاً لم يأت النبي ﷺ ، فيخبره إلا تائباً إلى الله قبل أن يأتيه، فلما أقام عليه الحد، دلَّ ذلك على أنَّ الاستثناء في المحارب خاصة.

стр. 543

الأم (أيضاً) : في المرتد: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وإذا كانت في المحاربين امرأة، فحكمها حكم الرجال، لأني وجدت أحكام اللَّه على الرجال والنساء في الحدود واحدة - ثم ذكر آية الزنا وآية السرقة -. الأم (أيضاً) : صفة النفي: أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: النفي ثلاثة وجوه: منها نفى نصًّا بكتاب اللَّه وهو قول اللَّه في المحاربين: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) الآية وذلك النفي: أن يُطْلَبوا فيمتنعوا فمتى قُدِرَ عليهم أقيم عليهم حدّ اللَّه ﵎، إلا أن يتوبوا قبل أن يُقْدَرَ عليهم، فيسقط عنهم حقّ اللَّه، وتثبت عليهم حقوق الآدميين. الأم (أيضاً) : المستأمن في دار الإسلام: قال الشَّافِعِي ﵀: قيل: - أي: للمحاور - أرأيت اللَّه ذكر المحارب، وذكر حدَّه ثم قال: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) الآية،

стр. 544

ولم يختلف أكثر المسلمين في أنَّ رجلاً لو أصاب لرجل دماً، أو مالاً، ثم تاب أقيم عليه ذلك، فقد فرَّقنا بين حدود اللَّه ، وحقوق الآدميين بهذا وبغيره. أحكام القرآن: ما يؤثر عنه في الحدود: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: ونفيهم - أي: المحاربين - أن يطلبوا، فَيُتفَوا من بلدٍ إلى بلدٍ، فإذا ظُفِر فيهم، أقيم عليهم أيُّ هذه الحدود كان حدَّهم. قال الشَّافِعِي ﵀: وليس للأولياء الذين قتلهم قطاع الطريق عفو. لأن اللَّه حذهم: بالقتل، أو بالقتل والصلب، أو: القطع، ولم يذكر الأولياء، كما ذكرهم في القصاص - في الآيتين - فقال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) وقال في الخطأ: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) وذكر القصاص في القتلى، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) . فذكر - في الخطأ والعمد - أهل الدم، ولم يذكرهم في المحاربة، فدل على أن حكم قتل المحاربة مخالف لحكم قتل غيره - واللَّه أعلم -. * * * قال الله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) الأم: الأمان: قال الشَّافِعِي ﵀: وقال عز ذكره: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الآية. فزعمت في هذا وغيره، أنك تطرح عن الأسارى والتجار، بان

стр. 545

يكونوا في دار ممتنعة، ولم تجد دلالة على هذا في كتاب اللَّه ، ولا في سنة رسوله ﷺ ولا إجماع، فتزيل ذلك عنهم بلا دلالة وتخصهم بذلك دون غيرهم!. الأم (أيضاً) : في المرتد: قال الشَّافِعِي ﵀: إني وجدت أحكام اللَّه على الرجال والنساء في الحدود واحدة، قال اللَّه ﵎: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ) وقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الآية، ولم يختلف المسلمون في أن تقْتَل المرأة إذا قَتَلَت. الأم (أيضاً) : ما يحرم من النساء بالقرابة: قال الشَّافِعِي ﵀: قول اللَّه : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) فسن رسول الله ﷺ القطع في ربع دينار، وفي السرقة من الحرز. الأم (أيضاً) : كتاب (الحدود وصفه النفى) : أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: قال اللَّه ﵎: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) الآية.

стр. 546

قال الشَّافِعِي ﵀: وقال قائلون كل من لزمه اسم سرقةٍ قُطِع بحكم اللَّه تعالى، ولم يلتفت إلى الأحاديث! فقلت لبعض الناس: قد احتج هؤلاء بما يرى من ظاهر القرآن، فما الحجة عليهم؟ قال: إذا وجدتَ لرسول اللَّه ﷺ سُنَّة، كانت سُنَّةُ رسول الله ﷺ دليلاً على معنى ما أراد الله تعالى، قلنا: هذا كلما وصفت، والسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ : أن القطع في ربع دينار فصاعداً. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدا"، الحديث. أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ قطع سارقاً في مِجَنٍ قيمته ثلاثة دراهم" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وهذان الحديثان متفقان؛ لأن ثلاثة دراهم في زمان النبي ﷺ كانت ربع دينار، وذلك أن الصرف كان على عهد رسول الله ﷺ اثني عشر درهماً بدينار، وكان كذلك بعده فَرض عمر الدية اثنى عشر ألف درهم على أهل الوَرِقِ، وعلى أهل الذهب ألف دينار. قال الشَّافِعِي ﵀: وليس في أحد حجة مع رسول الله ﷺ ، وعلى المسلمين اتباعه، فلا إلى حديث صحيح ذهب من خالفنا، ولا إلى ما ذهب إليه من ترك الحديث، واستعمل ظاهر القرآن! .

стр. 547

الأم (أيضاً) : ما جاء في أقطع اليد والرجل يسرق قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) الآية. فلم يذكر اليد والرجل إلا في المحارب، فلو قال قائل: يَعْتَلُّ بعِلَّتِكم أقطع يده ولا أزيد عليها؛ لأنَّه إذا قطعت يده ورجله ذهب بطشه ومشيه، وكان مستهلكاً، أتكون الحجة عليه إلا ما مضى من السنة والأثر. وإن اليد والرجل هي مواضع الحد، وإن تلفت. الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه: قال الشَّافِعِي ﵀: قال لي - أي: المحاور -: أراك تنكر عليَّ قولي في اليمين مع الشاهد، هي خلاف القرآن، قلت: نعم، ليست بخلافه، القرآن عربي، فيكون عام الظاهر، وهو يراد به الخاص. قال: ذلك مِثلَ ماذا؟ قلت: مثل قول الله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الآية. فلما كان اسم السرقة يلزم سُرَّاقاً لا يُقطعون، مثل مَن سرق من غير حرزٍ، ومن سرق أقل من ربع دينارٍ، كانت في هذا دلالة على أنَّه أريد به بعض السُّراق دون بعض، وليس هذا خلافاً لكتاب اللَّه ، فكذلك كل كلام احتمل معاني فوجدنا سُنَّة تدلُّ على أحد معانيه دون غيره من معانيه، استدللنا بها، وكل سنَّةٍ موافقة للقرآن لا مخالفة، وقولك خلاف القرآن فيما جاءت فيه سنة، تدل على أن القرآن على خاصٍّ دون عامٍّ جَهلٌ.

стр. 548

الأم (أيضاً) : إقامة الحدود في دار الحرب: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: يقيم أمير الجيش الحدود حيث كان من الأرض، إذا وُلِّيَ ذلك، فإن لم يولِّ فعلى الشهود الذين يشهدون على الحد، أن يأتوا بالشهود عليه إلى الإمام والي ذلك، ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام، ولا فرق بين دار الحرب، ودار الإسلام فيما أوجب اللَّه على خلقه من الحدود؛ لأن اللَّه يقول: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الآية. الرسالة ً: باب (العلل في الأحاديث) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولجاز أن يقال: سنَّ النبيُّ ﷺ ألَّا يقطع من لم تبلغ سرقته رُبْعَ دينار قبل التنزيل، ثم نزل عليه قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) الآية. فمن لزمه اسم سرقةٍ قُطِعَ!. * * * قال الله : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام. وصحة اعتقاده فيها) : قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فرض - اللَّه - على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على

стр. 549

اليدين غير ما فرض على الرجلَين، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه. فأما فَرْضُ الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد، والرضا والتسليم: بأن اللَّه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأنُّ محمداً ﷺ عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند اللَّه من نبيٍّ أو كتاب. فذلك ما فرض اللَّه جل ثناؤه على القلب، وهو عمله - وذكر الآيات التي تتعلق بذلك ومنها - وقال: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) الآية. فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان. قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض اللَّه على اللسان: القول والنعبير عن القلب بما عقد، وأقرَّ به، فقال: في ذلك: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) الآية، فذلك ما فرض اللَّه على اللسان من القول، والتعبير عن القلب وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان. * * * قال الله : (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الأم: ما أحدث الذين نقضوا العهد: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: ورجم رسول الله ﷺ يهوديين موادعَين زنيا، بأن جاؤوه، ونزل عليه: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية،

стр. 550

فلم يجز إلا أن يُحكم على كل ذمي وموادع، في مال مسلم ومعاهد، أصابه بما أصاب، ما لم يُصِرُّ إلى إظهار المحاربة، فإذا صار إليها لم يحكم عليه بما أصاب بعد إظهارها والامتناع، كما لم يحكم على من صار إلى الإسلام ثم رجع عنه بما فعل، في المحاربة والامتناع، مثل: طليحة وأصحابه. الأم (أيضاً) : الحكم بين أهل الذمة: قال الشَّافِعِي ﵀: لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسيَر، أن رسول الله ﷺ لما نزل بالمدينة، وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول اللَّه : (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) إنَّما نزلت في اليهود الموادعين، الذين لم يُعطَوا جزية، ولم يقروا بأن يجري عليهم الحكم. وقال بعض: نزلت في اليهوديَين اللذين زنيا. قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا وادع الإمام قوماً من أهل الشرك، ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاؤوه متحاكمين فهو بالخيار، بين أن يحكم بينهم، أو يدع الحكم، فإن اختار أن يحكم بينهم، حَكَمَ بينهم حُكْمه بين المسلمين، لقول الله : (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) الآية، والقسط: حكم الله الذي أنزله عليه ﷺ . الأم (أيضاً) : عدة المشركات: قال الشَّافِعِي ﵀: فلا يحلّ لمسلم إذا تحاكم إليه مشرك، أن يحكم له ولا عليه إلا بحكم الإسلام، لقول اللَّه لنبيه ﷺ في المشركين: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) .

стр. 551

والقسط: حكم اللَّه تعالى الذي أنزل على نبيه ﷺ . الأم (أيضاً) : باب (حد الذمتين إذا زنوا) قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎ لنبيه ﷺ في أهل الكتاب: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) قرأ إلى: (بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) الآية، ففي هذه الآية بيان - واللَّه أعلم - أن اللَّه ﵎ جعل لنبيه ﷺ الخيار، في أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم. وجعل عليه إنْ حَكَم، أن يحكم بينهم بالقسط، والقسط: حكم اللَّه ﵎ الذي أنزل على نبيه ﷺ المحض الصادق، أحدث الأخبار عهداً بالله ﵎. .. قال الشَّافِعِي ﵀: فأمر اللَّه نبيه ﷺ بالحكم بينهم بما أنزل اللَّه بالقسط. ثم حكم رسول الله ﷺ بينهم بالرجم، وتلك سنَّة على الثيب المسلم إذا زنى. ودلالة على أن ليس لسلم حكم بينهم أبداً أن يحكم بينهم إلا بحكم الإسلام. قال الشَّافِعِي ﵀: قال لي قائل: إن قول اللَّه ﵎: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ناسخ لقوله : (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية. فقلت له: الناسخ إنما يؤخذ بخبر عن النبي ﷺ أو عن بعض أصحابه لا مخالف له، أو أمر أجمعت عليه عوام الفقهاء فهل معك من هذا واحد؟ قال: لا. قال: فهل معك ما يبين أنَّ الخيار غير منسوخ؟ قلت: قد يحتمل قول اللَّه : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)

стр. 552

إن حكمت، وقد روى بعض أصحابك عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن مُخارق، أن محمد بن أبي بكر كتب إليه علي بن أبي طالب ﵁ في مسلم زنى بذمية، أن يحدَّ السلم، وتدفع الذمية إلى أهل دينها. قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا كان هذا ثابتاً عندك، فهو يدلك على أن الإمام مخير في أن يحكم بينهم، أويترك الحكم عليهم. قال الشَّافِعِي ﵀: قال منهم قائل: وكيف لا تحكم بينهم إذا جاؤوك مجتمعين أو متفرقين؟ قلت: أما متفرقين فإن اللَّه يقول: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية. فدلَّ قولُ اللَّه ﵎: (فَإِنْ جَاءُوكَ) على أنهم مجتمعون، ليس إن جاءك بعضهم دون بعض، ودلَّ على أن له الخيار إذا جاؤوه في الحكم أو الإعراض عنهم، وعلى أنه إن حكم، فإنما يحكم بينهم حكمه بين المسلمين. قال الشَّافِعِي ﵀: ولم أسمع أحداً من أهل العلم ببلدنا، يخالف في أن اليهوديينِ اللذين رجم رسول الله ﷺ في الزنا، كانا موادَعين لا ذميين. قال الشَّافِعِي ﵀: وقال لي بعض من يقول القول الذي أحكي خلافه. أنه ليس للإمام أن يحكم على موادعين، وإن رضيا حُكمَه، وهذا خلاف السنة. ونحن نقول إذا رضيا حكم الإمام، فاختار الإمام الحكم، حكم عليهما. الأم (أيضاً) : الحكم بين أهل الكتاب.: قال الشَّافِعِي ﵀: فقال لي قائل: ما الحجة في أن لا يحكم بينهم الحاكم حتى يجتمعوا على الرضا؛ ثم يكون بالخيار، إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم؛

стр. 553

فقلتُ له: قول اللَّه ضَّ لنبيه: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: (فَإِنْ جَاءُوكَ) ، وجاؤوك كأنها على المتنازعين. لا على بعضهم دون بعض، وجعل له الخيار فقال: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: قال: - أي المحاور - فما حجتك في أن لا تجيز بينهم إلا شهادة المسلمين؟ قلت: قول الله : (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) الآية، والقسط: حكم اللَّه الذي أنزله على نبيه. وقول اللَّه : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) والذي أنزل اللَّه: حكم الإسلام. فحكم الإسلام لا يجوز إلا بشهادة العدول المسلمين، وقد قال اللَّه: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وقال تعالى: (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فلم يختلف المسلمون في أنَّ شَرْطَ اللَّه في الشهود: المسلمين، الأحرار، العدول إذا كانت المعاني في الخصومات التي يتنازع فيها الآدميون معينة، وكان فيما تداعوا الدماء، والأموال وغير ذلك، لم ينبغ أن يباح ذلك، إلا بمن شرط اللَّه من البينة - وشرط الله: المسلمين - أو بسنَّة رسول الله ﷺ أو إجماع من المسلمين. الأم (أيضاً) : باب (في الأقضية) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - اللَّه - لنبيه ﷺ في أهل الكتاب: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) إلى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الآية.

стр. 554

قال الشَّافِعِي ﵀: فأعلمَ اللَّه نبيه ﷺ : أن فرضاً عليه، وعلى من قبله، والناس، إذا حكموا، أن يحكموا بالعدل، والعدل: اتباع حكمه المنزل. * * * قال الله : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) الأم: الحكم بين أهل الذمة: قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: والذي قالوا يشبه ما قالوا، لقول اللَّه : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) الآية. وقال ﵎: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) يعني: - واللَّه تعالى أعلم - إن تولّوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون ممن أتى حاكماً غير مقهور على الحكم، والذين حاكموا إلى رسول الله ﷺ في امرأة منهم ورجل زنيا موادعون، وكان في التوراة الرجم، ورجوا أن لا يكون من حكم رسول الله ﷺ الرجم، فجاؤوا بهما، فرجمهما رسول الله ﷺ .

стр. 555

أحكام القرآن: فصل (فيمن لا يجب عليه القتال) قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا وادع الإمام قوماً - من أهل الشرك -، ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاؤوه متحاكمين، فهو بالخيار: بين أن يحكم بينهم، أو يدع الحكم. فإن اختار أن يحكم بينهم، حكم بينهم حكمه بين المسلمين، فإن امتنعوا - بعد رضاهم بحكمه - حاربهم. قال الشَّافِعِي ﵀: وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين - الذين يجري عليهم الحكم - إذا جاؤوه في حَدِّ لله ، وعليه أن يقيمه. قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا أبى بعضهم على بعض، ما فيه له حق عليه. فأتى طالب الحق إلى الإمام، يطلب حقه، فحق لازم للإمام - واللَّه أعلم - أن يحكم له على من كان له عليه حق منهم؛ وإن لم يأته المطلوب راضياً بحُكمه. وكذلك إن أظهر السخط لحكمه، لما وصفت من قول الله : (وَهُمْ صَاغِرُونَ) . فكان الصَّغار - واللَّه أعلم -: أن يجري عليهم حكم الإسلام. وبسط الكلام في التفريع، وكأنه وقف - حين صنَّف كتاب الجزية - أن آية الخيار، وردت في الموادعين؛ فرجع عما قال - في كتاب الحدود في المعاهدين - فأوجب الحكم بينهم بما أنزل اللَّه ؛ إذا ترافعوا إلينا.

стр. 556

قال الله : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الأم: قتل الحر بالعبد: قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه في أهل التوراة: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية. ولا يجوز - واللَّه أعلم - في حكم اللَّه ﵎ بين أهل التوراة، أن كان حكماً بيناً، إلا ما جاز في قوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل، فعلى من قتلها القَوَد، فيلزم في هذا: أن يُقتل المؤمن بالكافر المعاهد، والمستأمن، والصبي، والمرأة من أهل الحرب، والرجل بعبده، وعبد غيره، مسلماً كان أو كافراً، والرجل بولده إذا قتله. الأم (أيضاً) : جماع القصاص فيما دون النفس: قال الشَّافِعِي ﵀: ذكر اللَّه ما فرض على أهل التوراة فقال الله : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى قوله: (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) الآية. وروي في حديث، عن عمر ﵁ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يعطي القَوَدَ من نفسه، وأبا بكر يعطي القَوَد من نفسه، وأنا أعطي القَوَد من نفسي".

стр. 557

قال الشَّافِعِي ﵀: ولم أعلم مخالفاً في أن القصاص في هذه الأمة، كلما حكم الله أنه حكم به بين أهل التوراة، ولم أعلم مخالفاً في أن القِصاص بين الحرِّين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع منها القصاص بلا تلف يخاف على المستقاد منه من موضع القود. الأم (أيضاً) باب (دية أهل الذمة) : قال الشَّافِعِي ﵀: فقال - لي - بعض من يذهب مذهب بعض الناس، أن مما قتلنا به المؤمن بالكافر، والحر بالعبد آيتين، قلنا: فاذكُر إحداهما. فقال: إحداهما: قول اللَّه في كتابه: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) قلت: وما أخبرنا اللَّه أنه حَكَمَ به على أهل التوراة حُكْم بينِنا؛ قال: نعم، حتى يبين لأنَّه قد نسخه عئا فلما قال: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية، لم يجز إلا أن تكون كل نفس بكل نفس؛ إذا كانت النفس المقتولة محرمة أن لقْتَل. قلنا: فلسنا نريد أن نحتج عليك بأكثر من قولك: إن هذه الآية عامة، فزعمت أنَّ فيها خمسة أحكام مفردة، وحكماً سادساً جامعاً، فخالفت جميع الأربعة الأحكام التي بعد الحكم الأول، والحكم الخامس والسادس جماعَتُها في موضعين: ١ - في الحرُّ يقتل العبد. ٢ - والرجل يقتل المرأة. قال الشَّافِعِي ﵀: والآية الأخرى: قال اللَّه (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية. فقوله: يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) دلالة على أن من قُتل مظلوماً، فلوليه أن يَقْتل قاتلَه، قيل له: فيعاد

стр. 558

عليك ذلك الكلام بعينه في الابن يقتله أبوه، والعبد يقتله سيده، والمستأمن يقتله المسلم. قال: فلي من كل هذا مخرج. .. الأم (أيضاً) : كتاب (اللعان) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - الله تعالى - في القتل: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى قوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية. فأبان الله إن ليس حتماً أن يأخذ هذا من وجب له، ولا أنَّ حتماً أن يأخذه الحاكم لمن وجب له، ولكن حتماً أن يأخذه الحاكم لمن وجب له إذا طلبه. الأم (أيضاً) : القصاص في العبيد والأحرار: قال الشَّافِعِي ﵀: إذا كان الحر القاتل للعبد، فلا قود بينهما في نفس ولا غيرها، وإذا قتل العبد الحرَّ أو جرحه، فلأولياء الحر أن يستقيدوا منه في النفس، وللحرِّ أن يستقيد منه في الجراح إن شاء، أو يأخذ الأرش في عنقه إن شاء ويدع القود، قال محمد بن الحسن: إنَ المدنيين زعموا: أنهم إنما تركوا إقادة العبد من الحرِّ، لنقص نفس العبد عن نفس الحرِّ، وقد يَقِيدون المرأة من الرجل وهي أنقص نفساً منه. قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أعرف من قال هذا له، ولا أحتج به عليه من المدنيين، إلا أن يقوله له من ينسبونه إلى علم فيتعلق به، وإنَّما منعنا من قود العبد من الحر، ما لا اختلاف بيننا فيه؛ والسبب الذي قلناه له مع الاتباع، أن الحرَّ كامل الأمر في أحكام الإسلام، والعبد ناقص الأمر في عام أحكام الإسلام. وفي الحدود فيما ينصف منها. . .، وأمّا المرأة فكاملة الأمر في الحريّة والإسلام، وحدُّها وحدُّ الرجل في كل شيءِ سواء. . .

стр. 559

وقول محمد بن الحسن ينقض بعضه بعضاً، أرأيت إذا قتله به وأقاد النفس التي هي جماع البدن كله من الحرّ بنفس العبد، فكيف لا يُقِصه منه في مُوضِحَة، إذا كان الكل بالكلّ، فالبعض بالبعض أولى، فإن جاز لأحد أن يفرق بينهم جاز لغيره أن يُقِصُّه منه في الجراح، ولا يقصه منه في النفس، ثم جاز لغيره أن يبعض الجراح، فيقصه في بعضها، ولا يقصه في بعضٍ في الموضع الذي ذكر اللَّه في القصاص، فقال: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الآية، إلى قوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) . قال الشَّافِعِي ﵀: والنقص لايمنع القود، وإنَّما تمنع الزيادة. فإن قال قائل: فأوجدنيه يقول مثل هذا، قيل: نعم، وأعظم منه، يزعم: أن لو رجلاً لو قتل أباه قُتل به، ولو قتله أبوه لم يُقتل به؛ لفضل الأبوة على الولد، وحرمتهما واحدة، ويزعم أن رجلاً لو قتل عبده لم يقتله به، ولو قتله عبده قتله به، ولو قتل مستأمناً لم يقتل به، ولو قتله المستأمن يقتل به. الأم (أيضاً) : باب (القصاص بين المماليك) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه في كتابه: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) الآية، قرأ الربيع إلى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) فما استُطِيع منه القصاص، فليس فيه إلا القصاص كما قال الله ، وليس فيه دية ولا مال، وما كان من خطأ فعليه ما سمى اللَّه في الخطأ من الدية المسلَّمة إلى أهله، فمن حكم بغير هذا فهو مدُّع، فعليه البينة في نفس العبد، وغير ذلك.

стр. 560

فمن وجب له القصاص في عبدٍ أو حرٍّ لم يكن له أن يصرفه إلى عقل، ومن وجب له عقل فليس له أن يصرفه إلى قَوَدٍ، في حرٍّ ولا مملوك، فمن فرّق بين المملوك في هذا وبين الحر، فليأت عليه بالبرهان من كتاب اللَّه الناطق، ومن السنة المعروفة. .. قال الشَّافِعِي ﵀: والكتاب يدلّ على هذا، وذلك أنَّ اللَّه حين ذكر القصاص جملة قال: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) إلى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية. وقد احتج بهذا محمد بن الحسن رحمه اللَّه تعالى على أصحابنا. وهو حجة عليه، وذلك أنَّه يقال له: إن كان العبد ممن دخل في هذه الآية، فلم يفرق الله بين القصاص في الجروح والنفس، وإن كان غير داخل في هذه الآية، فاجعل العبدين بمنزلة البعيرين لا يُقَصُّ أحدهما من الآخر. الأم (أيضاً) : باب (القود بين الرجال والنساء) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن زعم - يعني: محمد بن الحسن - أنَّ القصاص في النفس ليس من معنى العقل بسبيل، فكذلك ينبغي له أن يقول في الجراح. لأنّ الله ﵎ ذكرها ذكراً واحداً، فلم يفرق بينهما في هذا الموضع الذي حكم بها فيه، فقال جلَّ ثناؤه: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) فلم يوجب في النفس شيئاً من القود إلا أوجب فيما سمّى مثله. الأم (أيضاً) : باب (القصاص في كسر اليد والرجل) : قال الشَّافِعِي ﵀: معقول في كتاب اللَّه في القصاص إذ قال جل وعلا: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية، إنما هو: إفاتة شيء بشيء، فهذا سواء.

стр. 561

وفي قوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية، إنما هو: أن يفعل بالجارح مثل ما فعل بالجروح، فلا نقِص من واحد إلا في شيء يفات من الذي أفات، مثل عين وسن وأذن ولسان وغير هذا مما يفات. الأم (أيضاً) : باب (الإحصار بالعدو) : قال الشَّافِعِي رحمة الله: فقلت له - للمحاور -: إن القصاص وإن كان يجب لمن له القصاص، فليس القصاص واجباً عليه أن يقتص. قال: وما دل على ذلك؟ قلت: قال الله : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية، أفواجب على من جُرح أن يَقتص ممن جَرحه، أو مباح له أن يقتص، وخير له أن يعفو؛ قال: له أن يعفوَ، ومباح له أن يقتص. الأم (أيضاً) : ما جاء في أَقْطع اليد والرجل يسرق: قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: قال اللَّه : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) قال: فأتأوَّلُ ما كانت حال المقتص منه، مثل حال المقتص له. وأقول: أنت لا تقص من جُرْح واحدٍ، إذا أشبه الاستهلاك وتجعله دية، والإتيان على قوائمه عين الاستهلاك، ما الحجة عليه إلا أن للقصاص موضعاً، فكذلك للقطع موضع - والله أعلم -. الأم (أيضاً) : الحكم في قتل العمد: قال الشَّافِعِي ﵀: وإن أحبّ الولاة، أو المجروح، العفو في القتل بلا مال ولا قَوَد، فذلك لهم. فإن قال قائل: فمن أين أخذت العفو في القتل بلا مال

стр. 562

ولا قود؟ قيل: من قول الله جل ثناؤه: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) ومن الرواية عن رسول الله ﷺ في أن العفو عن القصاص كفارة: أو قال شيئاً يرغب به في العفو عنه. فإن قال قائل: فإنَّما قال رسول الله ﷺ : "من قُتل له قتيل فأهله بين خِيرَتين إن أحبُّوا فالقود، وإن أحبُّوا فالعقل" الحديث. قيل له: نعم، هو فيما يأخذون من القاتل من القتل والعفو بالديّة، والعفو بلا واحد منهما ليس بأخذ من القاتل، إنَّما هو ترك له كما قال - أي: رسول الله ﷺ : "ومن وجد عين ماله عند معدم فهو أحق به" الحديث. ليس، أن ليس له تركه؛ ولا ترك شيء يوجب له، إنَّما يقال هو له، وكلّ ما قيل له أخْذه فله تركه. مختصر المزني: باب (الخلاف في قتل المؤمن بالكافر) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له - أيْ: للمحاور - فليس في المسلم يقتل المستأمن علَّة، فكيف لم تقتله بالمستأمن معه ابن له، ولا ولي له غيره، يطلب القود؟ قال: هذا حربي. قلت: وهل كان الذميّ إلا حربياً فأعطى الجزية فحَرُم دمه، وكان هذا حربياً فطلب الأمان فحَرُم دمه؟ قال آخر منهم: يقتل المسلم بالكافر؛ لأنّ الله قال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) قلت له: أخبرنا الله أنه كتب عليهم في التوراة هذا الحكم، أفحكم هو بيننا؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت الرجل يقتل العبد والمرأة،

стр. 563

أيقتل بهما؟ قال: نعم. قلت: ففقأ عينه أو جرحه فيما دون النفس جراحات فيها القصاص؛ قال: لا يقاد منه واحد منهما. قلت: فأخبر اللَّه أن حكمه حيث حَكَمَ أن: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية، فعطلت هذه الأحكام الأربعة: الحر. والعبد، والرجل، والمرأة، وحكماً جامعاً كثر منها: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية. فزعمت أنَّه لا يقتص واحد منهما منه في جرح، وزعمت أنه يقتل النفس بالنفس كل واحد واحد منهما، فما تخالفُ في هذه الآية كثر مما وافقتها فيه، إنَّما وافقتها في النفس بالنفس، ثم خالفت في النفس بالنفس في ثلاثة أنفس، في الرجل يقتل ابنه، وعبده، والمستأمن، ولم تجعل من هذه نفساً بنفسٍ؟ .. قال الشَّافِعِي ﵀: قال قائل: قلنا هذه آيات اللَّه تعالى: ذكر المؤمن يُقتل خطأ، فجعل فيه دية مسلمة إلى أهله وكفارة، وذكر ذلك في المعاهد، قلت: أفرأيت المستأمن فيه دية مسلمة إلى أهله وكفارة؟ قال: نعم. قلت: فلِمَ لم تقتل به مسلماً قتله؟!. فائدة: الزاهر ومن باب (التفليس) : وذكر الشَّافِعِي ﵀: في كتاب (التفليس) حديثاً رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "نفس المؤمن معلقة بدَينه" الحديث. قال الأزهري ﵀: نفس الإنسان لها ثلاثة مواضع: أحدها: بَدَنُهُ، قال اللَّه : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. . . وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية.

стр. 564

ثانيها: والنفس: الرُّوح، الذي إذا فارق البدن لم تكن بعده حياة، وهو الذي أراد النبي ﷺ بقوله: "نفس المؤمن معلقة بدَينه. " الحديث، كان روحه تعذَّب بما عليه من الدَّين حتى يؤدى عنه. ثالثها: النفس: الدَّمُ، الذي في جسد الحيوان. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري: لكل إنسان نفسان: أحدهما: نفس التمييز: وهي التي تفارقه إذا نام فيزايله عقله، يتوفاها الله تعالى كما قال: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) . والأخرى: نفس الحياة: وهي التي إذا نام الإنسان تنفس بها وتحرك بقوتها. وإذا توفى اللَّه تعالى نفس الحياة توفى معها نفس التمييز، وإذا توفى نفس التمييز لم يتوفَ معها نفس الحياة، وهو الفرق بين توفي أنفس النائم، وتوفي أنفس الحي. * * * قال الله : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في القضايا والشهادات: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي: في قوله : (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) يحتمل: تساهلهم في أحكامهم، ويحتمل: ما يَهوَوْنَ، وأيهما كان فقد نهيَ عنه، وأمِرَ أن يُحكم بينهم بما أنزل اللَّه على نبيه ﷺ .

стр. 565

الزاهر باب (الأقضية) : قال الأزهري ﵀: قال الله : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي: طريقاً واضحاً، أمرنا بالاستقامة عليه، والعرب تقول: شرع السالخ إهاب الذبيحة، إذا شق بين الرِّجلين وفتحه. .. فالشرع هو: الإبانة، والله تعالى هو الشارع لعباده الدين، وليس لأحدٍ يشرع فيه ما ليس منه إلا أن يشرع نبيٌّ بأمر اللَّه تعالى، فإن شَرع النبي هو شرع الله . قال بعض أهل اللغة في قول اللَّه : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فالشرعَة: ابتداء الطريق، والمنهاج: معظمه. * * * قال الله : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) الأم: الحكم بين أهل الذمة: قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله ﵎: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) الآية. يعني - واللَّه تعالى أعلم -: إن تولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون: ممن أتى حاكماً غير مقهور على الحكم، والذين حاكموا إلى رسول الله ﷺ في امرأة ورجل زنيا
следующие страницы →