Полный текст (1 273 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وفي قوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية، إنما هو: أن يفعل بالجارح مثل ما فعل
بالجروح، فلا نقِص من واحد إلا في شيء يفات من الذي أفات، مثل عين وسن وأذن ولسان وغير هذا مما يفات.
الأم (أيضاً) : باب (الإحصار بالعدو) :
قال الشَّافِعِي رحمة الله: فقلت له - للمحاور -: إن القصاص وإن كان
يجب لمن له القصاص، فليس القصاص واجباً عليه أن يقتص.
قال: وما دل على ذلك؟
قلت: قال الله : (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية، أفواجب على من
جُرح أن يَقتص ممن جَرحه، أو مباح له أن يقتص، وخير له أن يعفو؛ قال: له أن يعفوَ، ومباح له أن يقتص.
الأم (أيضاً) : ما جاء في أَقْطع اليد والرجل يسرق:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: قال اللَّه :
(وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)
قال: فأتأوَّلُ ما كانت حال المقتص منه، مثل حال المقتص له.
وأقول: أنت لا تقص من جُرْح واحدٍ، إذا أشبه الاستهلاك وتجعله دية، والإتيان على قوائمه عين الاستهلاك، ما الحجة عليه إلا أن للقصاص موضعاً، فكذلك للقطع موضع - والله أعلم -.
الأم (أيضاً) : الحكم في قتل العمد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن أحبّ الولاة، أو المجروح، العفو في القتل بلا
مال ولا قَوَد، فذلك لهم.
فإن قال قائل: فمن أين أخذت العفو في القتل بلا مال
стр. 562
ولا قود؟
قيل: من قول الله جل ثناؤه: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)
ومن الرواية عن رسول الله ﷺ في أن العفو عن القصاص كفارة: أو قال شيئاً يرغب به في العفو عنه.
فإن قال قائل: فإنَّما قال رسول الله ﷺ :
"من قُتل له قتيل فأهله بين خِيرَتين إن أحبُّوا فالقود، وإن أحبُّوا فالعقل" الحديث.
قيل له: نعم، هو فيما يأخذون من القاتل من القتل والعفو بالديّة، والعفو بلا واحد منهما ليس بأخذ من القاتل، إنَّما هو ترك له كما قال - أي: رسول الله ﷺ :
"ومن وجد عين ماله عند معدم فهو أحق به" الحديث.
ليس، أن ليس له تركه؛ ولا ترك شيء يوجب له، إنَّما يقال هو له، وكلّ ما قيل له أخْذه فله تركه.
مختصر المزني: باب (الخلاف في قتل المؤمن بالكافر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له - أيْ: للمحاور - فليس في المسلم يقتل
المستأمن علَّة، فكيف لم تقتله بالمستأمن معه ابن له، ولا ولي له غيره، يطلب
القود؟
قال: هذا حربي.
قلت: وهل كان الذميّ إلا حربياً فأعطى الجزية فحَرُم دمه، وكان هذا
حربياً فطلب الأمان فحَرُم دمه؟
قال آخر منهم: يقتل المسلم بالكافر؛ لأنّ الله قال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)
قلت له: أخبرنا الله أنه كتب عليهم في التوراة
هذا الحكم، أفحكم هو بيننا؟
قال: نعم.
قلت: أفرأيت الرجل يقتل العبد والمرأة،
стр. 563
أيقتل بهما؟
قال: نعم.
قلت: ففقأ عينه أو جرحه فيما دون النفس جراحات فيها
القصاص؛ قال: لا يقاد منه واحد منهما.
قلت: فأخبر اللَّه أن حكمه حيث
حَكَمَ أن: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية، فعطلت هذه الأحكام الأربعة: الحر.
والعبد، والرجل، والمرأة، وحكماً جامعاً كثر منها: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية.
فزعمت أنَّه لا يقتص واحد منهما منه في جرح، وزعمت أنه يقتل النفس بالنفس كل واحد واحد منهما، فما تخالفُ في هذه الآية كثر مما وافقتها فيه، إنَّما وافقتها في النفس بالنفس، ثم خالفت في النفس بالنفس في ثلاثة أنفس، في الرجل يقتل ابنه، وعبده، والمستأمن، ولم تجعل من هذه نفساً بنفسٍ؟ ..
قال الشَّافِعِي ﵀: قال قائل: قلنا هذه آيات اللَّه تعالى: ذكر المؤمن
يُقتل خطأ، فجعل فيه دية مسلمة إلى أهله وكفارة، وذكر ذلك في المعاهد، قلت: أفرأيت المستأمن فيه دية مسلمة إلى أهله وكفارة؟
قال: نعم. قلت: فلِمَ لم تقتل به مسلماً قتله؟!.
فائدة:
الزاهر ومن باب (التفليس) :
وذكر الشَّافِعِي ﵀: في كتاب (التفليس) حديثاً رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "نفس المؤمن معلقة بدَينه" الحديث.
قال الأزهري ﵀: نفس الإنسان لها ثلاثة مواضع:
أحدها: بَدَنُهُ، قال اللَّه : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. . . وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) الآية.
стр. 564
ثانيها: والنفس: الرُّوح، الذي إذا فارق البدن لم تكن بعده حياة، وهو
الذي أراد النبي ﷺ بقوله:
"نفس المؤمن معلقة بدَينه. " الحديث، كان روحه
تعذَّب بما عليه من الدَّين حتى يؤدى عنه.
ثالثها: النفس: الدَّمُ، الذي في جسد الحيوان.
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري: لكل إنسان نفسان:
أحدهما: نفس التمييز: وهي التي تفارقه إذا نام فيزايله عقله، يتوفاها الله
تعالى كما قال: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) .
والأخرى: نفس الحياة: وهي التي إذا نام الإنسان تنفس بها وتحرك بقوتها.
وإذا توفى اللَّه تعالى نفس الحياة توفى معها نفس التمييز، وإذا توفى نفس التمييز لم يتوفَ معها نفس الحياة، وهو الفرق بين توفي أنفس النائم، وتوفي أنفس الحي.
* * *
قال الله : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في القضايا والشهادات:
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي: في قوله : (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)
يحتمل: تساهلهم في أحكامهم، ويحتمل: ما يَهوَوْنَ، وأيهما كان فقد نهيَ
عنه، وأمِرَ أن يُحكم بينهم بما أنزل اللَّه على نبيه ﷺ .
стр. 565
الزاهر باب (الأقضية) :
قال الأزهري ﵀: قال الله : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)
أي: طريقاً واضحاً، أمرنا بالاستقامة عليه، والعرب تقول: شرع السالخ
إهاب الذبيحة، إذا شق بين الرِّجلين وفتحه. ..
فالشرع هو: الإبانة، والله تعالى هو الشارع لعباده الدين، وليس لأحدٍ يشرع فيه ما ليس منه إلا أن يشرع نبيٌّ بأمر اللَّه تعالى، فإن شَرع النبي هو شرع الله .
قال بعض أهل اللغة في قول اللَّه : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)
فالشرعَة: ابتداء الطريق، والمنهاج: معظمه.
* * *
قال الله : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ)
الأم: الحكم بين أهل الذمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله ﵎: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ) الآية.
يعني - واللَّه تعالى أعلم -:
إن تولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون: ممن أتى حاكماً غير مقهور على الحكم، والذين حاكموا إلى رسول الله ﷺ في امرأة ورجل زنيا
стр. 566
موادعون، وكان في التوراة الرجم، ورجوا ألا يكون حكم رسول الله ﷺ الرجم، فجاؤوا بهما، فرجمهما رسول الله ﷺ .
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم على الإمام أن يحكم على الموادعين حكمه على
المسلمين، إذا جاؤوه، فإن امتنعوا بعد رضاهم بحكمه حاربهم، وسواء في أن له الخيار في الموادعين إذا أصابوا حد اللَّه، أو حداً فيما بينهم؛ لأن المصاب منه الحدّ لم يسلم، ولم يقر بأن يجري عليه الحكم.
الأم (أيضاً) : عدة المشركات:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقول اللَّه ﵎: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)
قال: وأهواءهم: يحتمل سبيلهم، فأمره ألا يحكم إلا بما أنزل اللِّه إليه، ولا
يحلَ لمسلم أن يحكم إلا بحكم اللَّه المنزل على نبيه ﷺ .
الأم (أيضاً) : الحكم بين أهل الكتاب:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال - المحاور له - فإئا نزعم أنَّ الخيار منسوخ
لقول اللَّه : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) الآية.
قلت له: فاقرأ الآية:
стр. 567
(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) الآية.
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: فسمعتُ من أرضى علمُه يقول: وأن احكم
بينهم إن حكمتَ على معنى قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية.
فتلك مفسًرة، وهذه مجملة، وفي قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) الآية، دلالة على أنهم إن تولوا لم يكن عليه الحكم بينهم، ولو كان قوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ)
إلزاماً منه للحكم بينهم، ألزمهم الحكم متولين، لأنهم إنَّما تولوا بعد الإتيان، فأما ما لم يأتوا، فلا يقال لهم تولوا، وهم والمسلمون إذا لم يأتوا يتحاكمون لم يحكم بينهم، إلا أنَّه يتفقد من المسلمين ما أقاموا عليه، مما يحرم عليهم فيغيِّر عليهم، وإن كان أهل الذمة دخلوا بقول الله : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) الآية، في معنى المسلمين.
انبغى للوالي أن يتفقد منهم ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم، وإن تولى عنه زوجان على حرام ردّهما، حتى يفزق بينهما، كما يرد زوجين من المسلمين لو تولَّيا عنه، وهما على حرام حتى يفرِّق بينهما.
قال الشَّافِعِي ﵀: والدلالة على ما قال أصحابنا، أن رسول الله ﷺ أقام بالمدينة وبها يهود، وبخيبر، وفَدَك، ووادي القُرَى، وباليمن كانوا، وكذلك في زمان أبي بكر ﵁، وصدراً من خلافة عمر ﵁، حتى أجلاهم، وكانوا بالشام
والعراق واليمن ولاية عمر بن الخطاب وعثمان وعلي ﵃ ولم
يسمع لرسول الله ﷺ فيهم بحكم، إلا رَجمه يهوديين موادعين تراضيا بحكمه بينهم، ولا لأبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ﵃ أجمعين.
стр. 568
الأم (أيضاً) : باب (في الأقضية) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال - اللَّه ﵎: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) فأعلمَ اللَّه نبيه ﷺ أن فرضاً عليه، وعلى من قبله، والناس إذا حكموا، أن يحكموا بالعدل.
والعدل: اتباع حكم المنزل، قال اللَّه لنبيه ﷺ حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب:
(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) الآية.
الأم (أيضاً) : باب (الحدود) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)
ولا يجوز أن يحكم بينهم في شيء من الدنيا إلا بحكم المسلمين؛ لأنَّ حكم
الله واحد لا يختلف.
الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أعلم اللَّه - سبحانه - نبيه ﷺ بما فرض من اتباع كتابه فقال: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ)
وقال: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) الآية.
стр. 569
الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قيل: قال اللَّه لنبيه ﷺ : (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)
وقال: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) .
* * *
قال الله : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
الأم: الحكم في قتل العمد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وكان الشريف من العرب إذا قتل، يجاوز قاتله إلى
من لم يقتله، من أشراف القبيلة التي قتله أحدها، وربما لم يرضوا إلا بعدد
يقتلونهم، فقتل بعض غَنِي شأس بن زهير، فجمع عليهم أبوه زهير بن
جذيمة، فقالوا له، أو بعض من ندب عنهم، سل في قَتل شأس فقال: إحدى
ثلاث لا يغنيني غيرها، قالوا: وما هي؟
قال: تحيون لي شأساً، أو تملؤون ردائي من نجوم السماء، أو تدفعون إليَّ: غَنِياً بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضاً.
стр. 570
وقتل كليب وائل، فاقتتلوا دهراً طويلاً، واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابناً
له يقال له: بجير، فأتاهم، فقال: قد عرفتم عزلتي، فبُجير بكليب، وكفوا عن الحرب، فقالوا: بجير بشسع نعل كليب، فقاتلهم، وكان معتزلاً.
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال: إنه نزل في ذلك وغيره، مما كانوا يحكمون به
في الجاهلية هذا الحكم الذي أحكيه كله بعد هذا، وحكم اللَّه ﵎
بالعدل فسوُّى في الحكم بين عباده، الشريف منهم والوضيع، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
الأم: ذبائح نصارى العرب:
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن
سعد الفلجة مولى عمر، أو ابن سعد الفلجة، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يُسلموا، أو أضرب أعناقهم" الحديث.
стр. 571
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا الثقفي، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن
عبيدة، عن علي ﵁ أنه قال:
"لا تأكلوا ذبائحَ نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: كأنهما ذهبا إلى أنهم لا يضبطون موضع الدين.
فيعقلون كيف الذبائح، وذهبوا إلى أن أهل الكتاب هم: الذين أوتوه، لا من دان به بعد نزول القرآن، وبهذا نقول: لا تحل ذبائح نصارى العرب بهذا المعنى - واللَّه أعلم -.
وقد روى عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنَّه: أحل ذبائحهم
وتأوّل: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الآية.
وهو لو ثبت عن ابن عباس، كان المذهب إلى قول عمر وعلي ﵄ أولى، ومعه العقول، فأمّا: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ) فمعناها: على غير حكمهم، وهذا القول في صيدهم، من
أكلت ذبيحته أكل صيده، ومن لم تحل ذبيحته لم يحلُّ صيده إلا بأن تدرك ذكاته.
الأم (أيضاً) : نصارى العرب:
قال الشَّافِعِي ﵀: والذي يُروى من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما في إحلال ذبائحهم، إنما هو من حديث عكرمة، أخبرنيه فيه ابن
الدراوردي، وابن أبي يحيى، عن ثور الديلمي، عن عكرمة، عن ابن عباس
стр. 572
رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال قولاً حِكئاً هو:
إحلالها وتلا: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الآية.
ولكن صاحبنا سكت عن اسم عكرمة، وثور لم يلق ابن عباس ﵄ والله أعلم -.
مختصر المزني: باب (تبديل أهل الذمة دينهم) :
قال المزني ﵀:
قد قال الإمام الشَّافِعِي ﵀: في كتاب النكاح، وقال في كتاب الصيد
والذبائح: إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله فهو حلال، وهذا عندي أشبه، وقال ابن عباس ﵄: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الآية.
قال المزني ﵀: فمن دان منهم دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان
وبعده سواء عندي في القياس، وبالله التوفيق.
أحكام القرآن: فصل فيمن لا يجب عليه الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإن كان الصابئون والسامرة من بني إسرائيل.
ودانوا دين اليهود والنصارى: نكِحت نساؤهم، وأكلت ذبائحهم، وإن
خالفوهم في فرع من دينهم؛ لأنهم فروع قد يختلفون بينهم.
وإن خالفوهم في أصل الدينونة: لم تؤكل ذبائحهم، ولم تنكح نساؤهم.
стр. 573
قال الله : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)
الأم: باب (جماع الأذان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا) الآية.
وقال: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)
فذكر الله الأذان للصلاة، وذكر يوم
الجمعة، فكان بيناً - والله تعالى أعلم - أنه أراد المكتوبة بالآيتين معاً، وسن
رسول اللَّه ﷺ الأذان للمكتوبات، ولم يحفظ عنه أحد علمته، أنَّه أمر بالأذان لغير صلاة مكتوبة، بل حفظ الزهري عنه ﷺ أنه كان يأمر في العيدين المؤذن فيقول: ولا أذان إلا لمكتوبة، وكذلك لا إقامة.
الأم (أيضاً) : صلاة الجماعة:
أخبرنا الربيع بن سليمان قال:
أخبرنا الشَّافِعِي محمد إدريس المطيي قال: ذكر اللَّه ﵎ اسمه
الأذان بالصلاة فقال : (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية.
وقال: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)
فأوجب اللَّه واللَّه أعلم - إتيان الجمعة، وسن رسول الله ﷺ الأذان
стр. 574
للصلوات المكتوبات، فاحتمل أن يكون أوجب إتيان صلاة الجماعة في غير
الجمعة، كما أمر بإتيان الجمعة، وترك البيع.
واحتمل: أن يكون أذن بها، لتُصلى لوقتها.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)
الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ثم على الناس:
قال الشَّافِعِي ﵀: ثم يقال: أتاه جبريل ﵇ عن اللَّه ، بأن يُعلمهم نزول الوحي عليه، ويدعوهم إلى الإيمان به، فكَبُر ذلك عليه، وخاف التكذيب، وأن يُتناول، فنزل عليه:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) الآية.
فقال: يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حين تبلغ، ما أنزل إليك. . .، ما أمِرْتَ به.
الرسالة: باب (ما أبان الله لخلقه من فرضه على ورسوله اتباع ما أَوحَيَ إليه ... ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فأعلمَ اللَّه رسوله منَّهُ عليه بما سبق في علمه من
عصمته إياه من خلقه، فقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) .
стр. 575
قال الله : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)
الأم: جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه:
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: وقال اللَّه ﵎ في الأيمان:
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) الآية.
وقال رسول الله ﷺ :
"من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" الحديث.
فأعلم أن طاعة اللَّه ، أن لا يفي باليمين إذا رأى غيرها خيراً منها، وأن يكفر بما فرض اللَّه من الكفارة، وكل هذا يدل على أنَّه إنما يوفى بكل عقد نذر، وعهد لمسلم، أو مشرك، كان مباحاً لا معصية لله فيه، فأما ما فيه لله معصية، فطاعة اللَّه ﵎ في نقضه إذا مضى، ولا ينبغي للإمام أن يعقده.
الأم (أيضاً) : لغو اليمين:
قيل للشافعي رحمه الله تعالى: فإئا نقول إنَّ اليمين التي لا كفارة فيها، وإن
حَنِث فيها صاحبها، إنها يمين واحدة، إلا أن لها وجهين: وجه: يعذر فيه صاحبه،
стр. 576
ويرجى له ألا يكون عليه فيها إثم؛ لأنه لم يعقد فيها على إثم، ولا كذب، وهو: أن يحلف بالله على الأمر لقد كان، ولم يكن، فإذا كان ذلك جهده، ومبلغ علمه فذلك اللغو الذي وضع اللَّه تعالى فيه المؤونة عن العباد.
وقال: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) الآية.
والوجه الثاني: أنَّه إن حلف عامداً للكذب، استخفافاً باليمين بالله كاذباً.
فهذا الوجه الثاني الذي ليست فيه كفارة؛ لأنّ الذي يعرض من ذلك، أعظم
من أن يكون فيه كفارة، وإنه ليقال له تقَرَّب إلى اللَّه بما استطعت من خير.
أخبرنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء قال:
ذهبت أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂ وهي معتكفة في (ثبِير) .
فسألناها عن قول الله : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) قالت هو: "لا والله، وبلى والله" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولغو اليمين كما قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها
- واللَّه تعالى أعلم.
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في خلاف عائشة ﵂ في لغو اليمين) :
فقلت للشافعي: ما لغو اليمين؟
قال - اللَّه أعلم - أما الذي نذهب إليه، فهو: ما قالت عائشة ﵂.
стр. 577
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة ﵂ أنها قالت:
"لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله"، الحديث.
فقلت للشافعي ﵀: وما الحجة فيما قلت؟
قال - اللَّه أعلم -: - إنما - اللغو في لسان العرب: الكلام غير المعقود عليه - فيه -. وجماع اللغو يكون: الخطأ.
قال الشَّافِعِي ﵀: فخالفتموه وزعمتم أنَّ اللغو حلف الإنسان على
الشيء يستيقن أنه كما حلف عليه، ثم يوجد على خلافه.
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا ضد اللغو، هذا هو الإثبات في اليمين يقصدها، يحلف - عليه - لا يفعله يمنعه السبب - التثبت - لقول اللَّه ﵎: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) الآية، ما عقدتم: ما عقدتم به عقد الإيمان عليه.
ولو احتمل اللسان ما ذهبتم إليه، ما منع احتماله ما ذهبت إليه عائشة ﵂، وكانت أولى أن تتبع منكم، لأنَّها أعلم باللسان منكم، مع عِلْمها بالفقه.
الأم (أيضاً) : باب (الخلاف في عدل الصيام والطعام) :
وقلت - أي قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه :
(فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) الآية.
فجعل الرقبة مكان إطعام عشرة مساكين قال - أي: المحاور -: نعم.
الأم (أيضاً) : البحيرة والوصيلة والسائبة والحام:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال في الحالف: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) الآية.
وكان حكمه ﵎ فيما ملكه الآدميون من الآدميين، أنهم يخرجونهم من ملكهم بمعنيين:
стр. 578
أحدهما: فَكّ الملك عنهم بالعتق طاعة لله براً جائزاً، ولا يملكهم آدمي بعده.
والآخر: أن يخرجهم مالكهم إلى آدمي مثله، ويثبت له الملك عليهم، كما
يثبت للمالك الأول بأي وجه صيرهم إليه.
الأم (أيضاً) : ما يُعتق به المكاتب
قال الشَّافِعِي ﵀: وأبان - اللَّه - في كتابه أن عتق العبد إنما يكون بإعتاق سيده إياه، فقال: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) الآية.
فكان بيناً في كتاب الله أن تحريرها: إعتاقها، وأن عتقها إنَّما هو: بأن يقول للمملوك: أنت حُرٌّ.
مختصر المزني: باب الإطعام في الكفارة:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو أطعم تسعة وكسا واحداً لم يَجزه حتى يُطعمَ
عشرة كما قال اللَّه (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) الآية.
الرسالة: باب (الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: وما الذي يَغرَمُ الرجل من جنايته.
وما لزمه غير الخطأ؟
وذكر عدة آيات (عن وجوب المهر للمرأة، وإيتاء الزكاة، وهدي الإحصار، وكفارة الظهار، وكفارة قتل الصيد أثناء الإحرام -
ثم ذكر وقال - الله تعالى في كفارة اليمين المنعقدة -: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) .
стр. 579
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشافعى ﵀ في التفسير في آيات متفرقة:
قال البيهقي ﵀:
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله :
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) الآية ليس فيه إلا قول عائشة ﵂: حَلِفُ الرجل على الشيء: يستيقنه
ثم يجده على غير ذلك - روى ذلك يونس عن الإمام الشَّافِعِي ﵀.
قلت - أي البيهقي ﵀: وهذا بخلاف رواية الربيع عن الشَّافِعِي
من قول عائشة ﵂، ورواية الربيع أصح، وهو الصحيح من المذهب أيضاً.
أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشافعى - في الأيمان والنذور:
قال الشَّافِعِي ﵀: ويجزي بكفارة اليمين مُدٌّ، بمدِّ النبي ﷺ من حنطة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وما يقتات أهل البلدان من شيء، أجزأهم منه مدٌّ.
قال الشَّافِعِي ﵀: وأقل ما يكفي من الكسوة، كل ما وفع عليه اسم
الكسوة: من عمامة، أو سراويل، أو إزار، أو مِقنَعة، وغير ذلك، للرجل والمرأة والصبي؛ لأن اللَّه أطلقه، فهو مطلق.
قال الشَّافِعِي ﵀: وليس له إذا كفر بالإطعام، أن يطعم أقل من
عشرة، أو بالكسوة أن يكسو أقل من عشرة.
стр. 580
قال الشَّافِعِي ﵀: إذا أعتق في كفارة اليمين، لم يجزه إلا رقبة مؤمنة.
ويجزئ كل ذي نقص، بعيب لا يُضِر بالعمل إضراراً بيناً - وبسط الكلام في
شرحه.
آداب الشَّافِعِي ومناقبه: باب (في اللباس والأشربة والأضاحي والصيد والأطعمة والكفارات) :
قال الإمام الشَّافِعِي ﵀: وفي قوله: (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) الآية.
قال: أدنى الكسوة يكفي، وإن كانوا صبياناً صغاراً، كساهم قُمُصاً صغاراً؛ لأنَّه وقع عليه اسم (الكسوة) .
* * *
قال الله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)
آداب الشَّافِعِي ومناقبه: باب (في اللباس والأشربة والأضاحي والصيد والأطعمة والكفارات) :
أخبرنا أبو محمد قال: أخبرني أبي قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال:
قال لي الشَّافِعِي ﵀: في قوله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا) الآية.
قال: إذا ما اتقوا: لم يقربوا ما حُرِّمَ عليهم.
стр. 581
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)
الأم: ما حَرُمَ بدلالة النص:
قال الشَّافِعِي ﵀: وكان الصيد ما امتنع بالتوحش كلّه، وكانت الآية
محتملة أن يحرم على المحرم ما وقع عليه اسم صيد، وهو يجزي بعض الصيد دون بعض، فدلَّت سنة رسول الله ﷺ على أن من الصيد شيئاً ليس على المحرم جزاؤه.
كل ما يباح للمحرم قتله، ولم يكن في الصيد شيء يتفرق إلا بأحد معنيين:
إما بأن يكون اللَّه أراد أن يفدي الصيد المباح أكله، ولا يفدي ما لا يباح أكله، وهذا أولى معنييه به - والله أعلم -؛ لأنَّهم كانوا يصيدون ليأكلوا، لا ليقتلوا، وهو يشبه دلالة كتاب اللَّه ، قال الله تعالى: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) الآية.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الحج:
قال الشَّافِعِي ﵀: أولا ترى إلى قول اللَّه : (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) الآية.
وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) .
فدلَّ - جل ثناؤه - على أنه إنما حرَّم عليهم في الإحرام من صيد البر -
ما كان حلالاً لهم - قبل الإحرام أن يأكلوه.
стр. 582
زاد في موضع آخر: لأنَّه - والله أعلم - لا يشبه أن يكون حرّم في الإحرام
خاصة، إلا ما كان مباحاً قبله، فأمَّا ما كان محرَّماً على الحلال، فالتحريم الأول كافٍ منه.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولولا أن هذا معناه، ما أمر رسول الله ﷺ : بقتل الكلب العقور، والعقرب، والغراب، والحِدَأةِ، والفأرة، في الحل والحرم، ولكنه إنما أباح لهم قتل ما أضرَّ، مما لا يؤكل لحمه. وبسط الكلام فيه.
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع.
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، قال:
لا يُفْدِي المحرم من الصيد إلا ما يؤكل لحمه.
أحكام القرآن (أيضاً) : ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي ﵀ في الصيد والذبائح.
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان معقولاً عن الله ، إذ أذن في كل ما أمسك الجوارح، أنهم إنما اتخذوا الجوارح لما لم ينالوه إلا بالجوارح، وإن لم ينزل ذلك نصًّا من كتاب الله
فقال اللَّه : (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) الآية.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)
الأم: باب (قتل الصيد خطا) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) الآية.
يُجزي الصيد، من قتله عمداً أو خطأ. . .
стр. 583
وكان المالك لما وجب بالصيد أهل الحرم، لقوله الله تعالى: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) الآية، ولم أعلم بين المسلمين اختلافاً أن ما كان ممنوعاً أن يتلف، من
نفس إنسان، أو طائر، أو دابة أو غير ذلك مما يجوز ملكه فأصابه إنسان عمدا، فكان على من أصابه فيه ثمن مُؤذى لصاحبه، وكذلك فيما أصاب من ذلك خطأ، لا فرق بين ذلك إلا المأثم في العمد.
أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قول اللَّه : (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) الآية.
قلت له: فمن قتله خطأ أيغرم؟
قال: نعم يعظم بذلك حرمات اللَّه، ومضت به السنن.
أخبرنا مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عمرو بن
دينار قال: رأيت الناس يُغزمون في الخطأ.
أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) الآية، لقتله ناسياً لحُرْمِه؛ فذلك الذي يُحكم عليه، ومن قتله متعمداً لقتله، ذاكراً لحُرْمِه، لم يحكم عليه.
قال عطاء ﵀: يحكم عليه، وبقول عطاء نأخذ.
الأم (أيضاً) : باب (بقر الوحش وحمار الوحش والثيتل والوعل) :
قلت للشافعي: أرأيت الهرم يصيب بقرة الوحش، أو حمار الوحش.
فقال: في كل واحد منهما بقرة. فقلت للشافعي: ومن أين أخذت هذا؟ فقال: قال اللَّه ﵎: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الآية.
стр. 584
قال الشَّافِعِي ﵀: ومثل ما قتل من النعَم يدل على أن المثل على
مناظرة البُدْن، فلم يجز فيه إلا أن ينظر إلى مثل ما قتل من دواب الصيد، فإذا جاوز الشاة، رُفِع إلى الكبش، فإذا جاوز الكبش رُفع إلى بقرة، فإذا جاوز البقرة رُفِع إلى بدنة، ولا يُجاوز شيء مما يُؤدَّى من دواب الصيد بَدَنة، وإذا كان أصغر من شاة ثنية، أو جَدعة خُفضَ إلى أصغر منها، فهكذا القول في دوابّ الصيد.
أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: في بقرة الوحش بقرة.
وفي حمار الوحش بقرة وفي الأروى بقرة.
أخبرنا سعيد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الضحاك بن
مزاحم، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في بقرة الوحش بقرة، وفي الإبل بقرة.
قال الشَّافِعِي ﵀: وبهذا نقول.
الأم (أيضاً) : فدية الطائر يصيبه المحرم:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)
إلى قوله: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الآية.
وقول الله : (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) يدلُّ على: أنه لا يكون المِثل من النعم إلا فيما له مثل منه، والمثل لدواب الصيد؛ لأن النعم دواب رواتع في الأرض، والدواب من الصيد، كهي
في الرتوع في الأرض، وأنها دواب مواشٍ لا طوائر، وأن أبدانها تكون مثل
стр. 585
أبدان النعم، ومقاربة لها، وليس شيء من الطير يوافق خَلْق الدواب في حال، ولا معانيها معانيها. ..
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا أرى في الطائر إلا قيمته بالآثار والقياس.
الأم (أيضاً) : ما حَرُمَ بدلالة النص:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه :
(لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الآية.
وكان الصيد ما امتنع بالتوحش كله، وكانت الآية محتملة أن يحْرُم على المحرم ما وقع عليه اسم صيد.
وهو يجزي بعض الصيد دون بعض، فدلت سنة رسول الله ﷺ على أن من الصيد شيئاً ليس على المحرم جزاؤه، كل ما يباح للمحرم قتله.
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعَى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل وعز: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)
الآية، فلم قلتم يجزئ مَن قتله خطأ، وظاهر القرآن يدل على أنَّه إنما يجزيه من قتله عمداً؛ قال: بحديث عن عمر وعبد الرحمن ﵄ في رجلين أوطِئا ظبياً. قلت: قد يُؤطآنِه عامدين، فإذا كان هذا عندك هكذا، فقد حكم عمر وعبد الرحمن ﵄ وحكم ابن عمر ﵄ على قتله
стр. 586
صيد بجزاء واحد، وقال الله ث: (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الآية، والمثل واحد لا أمثال، وكيف زعمت أن عشرة لو قتلوا صيداً جزوه بعشرة أمثال؟
قال: شبهته بالكفارات في القتل على النفر الذين يكون على كلّ واحد منهم رقبة.
قلنا: ومن قال لك يكون على كلّ واحد منهم رقبة، ولو قيل لك ذلك أَفَندع ظاهر الكتاب، وقول عمر وعبد الرحمن، وابن عمر ﵃ بأن تقيس ثم تخطئ أيضا القياس، أرأيت الكفارات أَمُؤقتات؛ قال: نعم. قلت: فجزاء الصيد مؤقت. قال: لا، إلا بقيمته.
قلنا: أفجزاء الصيد إذا كانت قيمته بدية المقتول أَشبَهُ أم بالكفارات؛ فمائة
عندك لو قتلوا رجلاً لم يكن عليهم إلا دية واحدة، فلو لم يكن فيه إلا القياس
كان بالديّة أشبه.
وقيل له: حَكَم عمر ﵁ له في اليربوع بحفرة، وفي الأرنب بعناق، فلم زعمت واللَّه تعالى يقول في جزاء الصيد: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) أن هذا لا يكون هدياً، وقلت: لا يجوز ضحية، وجزاء الصيد ليس من الضحايا، بسبيل جزاء الصيد قد يكون بدنة، والضحية عندك شاة، وقيل له: قال اللَّه : (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الآية.
وحكم عمر، وعبد الرحمن، وعثمان، وابن عباس، وابن
عمر، وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين، في بلدان مختلفة، وأزمان شتى بالمثل من النعم فحكم حاكمهم في النعامة ببدنة، والنعامة لا تسوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وهو لا يسوى بقرة، وفي الضبع بكبش، وهو لا يسوي كبشاً، وفي الغزال بعنز، وقد يكون أكثر ثمناً منها أضعافاً، ومثلها، ودونها، وفي الأرنب بعناق، وفي
стр. 587
اليربوع بحفرة، وهما لا يسويان عناقاً ولا جفرة أبداً، فهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهاً بالبَدَن، لا بالقيمة، ولو حكموا بالقيمة لاختلفت أحكامهم، لاختلاف أسعار ما يقتل في الأزمان والبلدان.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه جل ثناؤه: (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)
فكان معقولاً عن اللَّه في الصيد: النعامة، وبقر الوحش، وحماره،والثَّيتَلُ، والظبيُ الصغير والكبير، والأرنب، واليربوع وغيره، ومعقولاً أن النعم: الإبل، والبقر، والغنم، و - إن - في هذا ما يصغر عن الغنم، وعن الإبل، وعن البقر، فلم يكن المثل فيه في المعقول، وفيما حكم به، من حَكَمَ من صدر هذه الأمة إلا أن يحكموا في الصيد بأولى الأشياء شبهاً منه من النعَم، ولم يجعل لهم إذ كان المثل يقرب قرب الغزال من العنز، والضبع من الكبش، أن يبطلوا اليربوع مع
بُعدِه من صغير الغنم، وكان عليهم أن يجتهدوا كما أمكنهم الاجتهاد.
الأم (أيضاً) : باب (أين محل هدي الصيد؟) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) الآية، فلما
كان كلَ ما أريد به هدي من ملك ابن آدم هدياً، كانت الأنعام كلها، وكل ما أُهدي فهو بمكة - واللَّه أعلم -. . .
стр. 588
فلو أطعم في كفارة صيد بغير مكة، لم يجز عنه، وأعاد الإطعام بمكة أو
بـ " منى" فهو من مكة، لأنَّه لحاضر الحرم، ومثل هذا كل ما وجب على محرم بوجه من الوجوه من فدية أذى، أو طيبٍ، أو لبسٍ أو غيره، لا يخالفه في شيء؛ لأن كله من جهة النسُك، والنسُك إلى الحرم، ومنافعه للمساكين الحاضرين الحرم. ..
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ)
قال: من أجل أنَّه أصابه في حرم يريد البيت كفارة ذلك عند البيت.
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أن عطاء قال له مرة أخرى: يتصدق الذي
يصيب الصيد بمكة، قال الله ّ: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)
قال: فيتصدق بمكة.
قال الشَّافِعِي ﵀: يريد عطاء: ما وصفت من الطعام، والنعَم كلّه
هدي - واللَّه أعلم -.
الأم (أيضاً) : باب (كيف يعدل الصيام) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) الآية.
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أنَّه قال لعطاء: ما قوله: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا)
قال: إن أصاب ما عدله شاة فصاعداً، أقيمت الشاة طعاماً، ثم جعل مكان كل مدٍّ يوماً يصومه.
стр. 589
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا إن شاء اللَّه كما قال عطاء، وبه أقول.
الأم (أيضاً) : باب (هل لمن أصاب الصيد أن يفديه بغير النعم؟) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)
إلى قوله: (صِيَامًا)
فكان المصيب مأموراً بأن يفْدِيه، وقيل له: (مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) الآية، فاحتمل أن يكون جعل له الخيار، بأن يفتديَ بأيّ ذلك شاء، ولا
يكون له أن يخرج من واحد منها، وكان هذا أظهر معانيه، وأظهرها الأولى بالآية.
وقد يحتمل أن يكون أمر بهدي إن وجده، فإن لم يجده فطعام، فإن لم يجده
فصوم، كما أمر في التمتع، وكما أمر في الظهار، والمعنى الأول أشبههما وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أمر كعب بن عُجرة بأن يكفر بأيِّ الكفارات شاء في فدية الأذى.
أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء ﵀ قال:
(هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) الآية.
قال عطاء: فإن أصاب إنسان نعامة كان عليه - إذا كان ذا يسارِ - أن يهدي جزوراً، أو عدلها طعاماً، أوعدلها صياماً، أيتهن شاء من أجل قول اللَّه ضَّة (فَجَزَآء) كذا وكذا.
وكل شيء في القرآن أو، أو، فليختر منه صاحبه ما شاء.
قال ابن جريج فقلت لعطاء رحمهما اللَّه: أرأيت إن قدر على الطعام ألَّا
يقدر على عدل الصيد الذي أصابه؟
قال: ترخيص اللَّه عسى أن يكون عنده طعام وليس عنده ثمن الجزور، وهي الرخصة.
стр. 590
قال الشَّافِعِي ﵀: إذا جعلنا إليه ذلك، كان له أن يفعل أية شاء، وإن
كان قادراً على اليسير معه، والاختيار والاحتياط له أن يفدي بنَعَم، فإن لم يجد فطعام، وإلا يصوم إلا بعد الإعواز منهما.
أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار
في قول اللَّه :
(فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) له أيتهن شاء.
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم قال: من أصاب من
الصيد ما يبلغ فيه شاة، فذلك الذي قال اللَّه: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)
وأما: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) الآية.
فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي العصفور يُقتل فلا يكون فيه هدي، قال: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) الآية.
عدل النعامة، وعدل العصفور.
قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء، فقال عطاء: كل شيء في القرآن أو، أو، يختار منه صاحبه ما يشاء.
قال الشَّافِعِي ﵀: وبقول عطاء ﵀ في هذا أقول.
قال اللَّه في جزاء الصيد: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) .
الأم (أيضاً) : الطير غير الحمام:
قال الشَّافِعِي ﵀: الضُّوَعُ: طائر دون الحمام، وليس يقع عليه اسم
الحمام، ففيه قيمته، وفي كل طائر أصابه المحرم غير حمام ففيه قيمته، كان أكبر من
стр. 591
الحمام أو أصغر، وذلك أن اللَّه ﵎ قال في الصيد:
(فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فخرج الطائر من أن يكون له مثل، وكان معروفاً
بأنه داخل في التحريم، فالمثل فيه بالقيمة، إذا كان لا مثل له من النعم، وفيه أن هذا قياس على قول عمر وابن عباس ﵄ في الجرادة، وقول من وافقهم فيها، وفي الطائر دون الحمام، وقد قال عطاء في الطائر قولاً - إن كان قاله، لأنَّه يومئذ ثمن الطائر - فهو موافق قولنا، وإن كان قاله تحديداً له، خالفناه فيه للقياس على قول ابن عمر وابن عباس ﵄، وقوله وقول غيره في الجراد.
الأم (أيضاً) : المحرم يقتل الصيد الصغير أو الناقص:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) فالمثل مثل صفة ما قتل وشبهه، الصحيح بالصحيح، والناقص
بالناقص، والتام بالتام.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا تحتمل الآية إلا هذا، ولو تطوع فأعطى
بالصغير والناقص تاماً كبيراً، كان أحبّ إليَّ ولا يلزمه ذلك.
الأم (أيضاً) : باب (الصيد للمحرم)
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن
عطاء، في النفر بشتركون في قتل الصيد، قال: عليهم كلهم جزاء واحد.
стр. 592
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا موافق كتاب الله ، لأن الله ﵎ يقول: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) الآية، وهذا مِثلٌ.
ومن قال عليه مِثلان
فقد خالف معنى القرآن.
الأم (أيضاً) : باب (من نذر أن يمشي إلى بيت الله :
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا نذر أن يهدي شاة عوراء أو عمياء أو عرجاء.
أو ما لا يجوز أضحية أهداه، ولو أهدى تاماً كان أحب إليَّ لأن كل هذا هدي، ألا ترى إلى قول اللَّه : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا) الآية.
فقد يُقْتل الصيدَ، وهو صغير وأعرج وأعمى، وإنما يجزيه بمثله، أولا ترى. أنه يقتل الجرادة والعصفور وهما من الصيد، فيجزي الجرادة بتمرة، والعصفور بقيمته؛ ولعله قبضة، وقد سمى
الله هذا كله هدياً.
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في الصيد) :
قال الربيع ﵀:
سألت الشَّافِعِي: عمن قتل من الصيد شيئاً وهو محرم، فقال ﵀: من
قتل من الدواب شيئاً جزاه بمثله من النعم، لأن اللَّه ﵎ يقول: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)
والمثل لا يكون إلا لدواب الصيد، فأما الطير فلا
مثل له، ومثله قيمته، إلا أن في حمام مكة اتباعاً للآثار: شاة.
стр. 593
الأم (أيضاً) : باب (ما روى مالك عن عثمان ﵁ وخالفه في تخمير المحرم وجهه) :
قلت للشافعي: - أي: الربيع - فمن أين قلت: أي صَيدٍ صِيدَ من أجل
مُحْرِم فكل منه لم يغرم فيه؟
فقال ﵀: لأن اللَّه جل ثناؤه إنما أوجب غُرمه على من قتله، فقال : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) فلما كان القتل غير محرم، لم يكن على الهرم فيما جنى غيره فدية، كما لو قتل من أجله مسلماً، لم يكن على المقتول من أجله عقل، ولا كفارة، ولا قود، فإن اللَّه قضى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول الطائفة التي ردَّت الأخبار كلها) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له للمحاور: قال اللَّه : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)
وكانوا يعرفون المثل، وجعل الحكم إلى ذوي عدل على المثل يجتهدان فيه؛ لأن الصفة تختلف، فتصغر وتكبر، فما أمَرَ العدلين أن يحكما بالمثل إلا على
الاجتهاد، ولم يجعل الحكم عليهما حتى أمرهما بالمثل.
وهذا يدل على مثل ما دلت عليه الآية قبله، من أنه محظور عليه - إذا
كان في المثل اجتهاد - أن يحكم بالاجتهاد إلا على المثل، ولم يؤمر فيه، ولا في
стр. 594
القبلة إذا كانت مغيبة عنه، فكان على غير إحاطة من أن يصيبها بالتوجُّه، أن يكون يصلي حيث شاء من غير اجتهاد، بطلب الدلائل فيها وفي الصيد معاً، ويدل على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقول في شيء من العلم إلا بالاجتهاد.
والاجتهاد فيه كالاجتهاد في طلب البيت في القبلة، والمثل في الصيد.
ولا يكون الاجتهاد - في الفقه - إلا لمن عرف الدلائل عليه، من خبر
لازم (كتاب، أو سنة، أو إجماع) ثم يطلب ذلك بالقياس عليه، بالاستدلال
ببعض ما وصفت، كما يطلب ما غاب عنه من البيت، واشتبه عليه من مثل
الصيد، فأما من لا آلة فيه، فلا يحل له أن يقول في العلم شيئاً.
الأم (أيضاً) : الخلاف في هذا الباب: (حج المرأة والعبد)
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن الله تعالى يقول: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًاا) الآية.
فيقول: إن الله لما ذكر الهدي في هذا الموضع، وجعل بدله غيره، وجعل في الكفارات أبدالاً، ثم ذكر في المحصر الدم، ولم يذكر غيره، كان شرط اللَّه جل ثناؤه الإبدال في غيره، مما يلزم، ولا يجوز للعالم أن يجعل ما أنزل مما يلزم في النسك مفسراً دليلاً على ما أنزل مجملاً، فيحكم في الجمل حكم المفسر، كما قلنا في ذكر رقبة مؤمنة في قتل، مثلها رقبة في الظهار، وإن لم يذكر مؤمنة فيه، وكما قلنا في الشهود حين ذكروا عدولاً، وذكروا في موضع أخر، فلم يشترط فيهم العدول.
هم عدول في كل موضع على ما شرط اللَّه تعالى في غيره حيث شرطه.
فاستدللنا - واللَّه أعلم - على أن حكم الجمل حكم المفسر، إذا كانا في معنى واحد، والبدل ليس زيادة، وقد يأتي موضع من حكم اللَّه لا نقول هذا فيه، هذا
стр. 595
ليس بالبين أن لازماً أن نقول: هذا في دم الإحصار كل البيان، وليس بالبيِّن
وهو مجمل - واللَّه أعلم -.
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول من ردَّ خبر الخاصة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له - أي: للمحاور -: قال اللَّه : (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) الآية.
فإن حَكَم عدلان في موضع بشيء، وآخران في موضع بكثر أو أقل منه، فكل قد اجتهد، وأدَّى ما عليه، وإن اختلفا.
الأم (أيضاً) : باب (من عاد لقتل الصيد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن قتل صيداً فحُكم عليه، ثم عاد لآخر، قال يحكم عليه كلما عاد أبداً، فإن قال قائل، ومن أين قلته؟
قلت: إذا لزم أن يحكم عليه بإتلاف الأول، لزمه أن يحكم عليه بإتلاف الثاني، وكل ما بعده، كما يكون عليه لو قتل نفساً ديته، وأنفساً بعده دية دية في كل نفس، وكما يكون عليه لو أفسد متاعاً
لأحد، ثم أفسد متاعاً لآخر، ثم أفسد متاعاً كثيراً بعده قيمة ما أفسد في كل حال.
فإن قال: فما قول اللَّه : (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ففي هذا دلالة على أنه لا يحكم عليه؟
قال الشَّافِعِي ﵀: ما يبلغ علمي أن فيه دلالة على ذلك.
فإن قال قائل فما معناه؟
قيل اللَّه أعلم ما معناه، أما الذي يشبه معناه - واللَّه أعلم - فأن
стр. 596
يجب عليه بالعود النقمة - وقد تكون النقمة - بوجوه: في الدنيا المال، وفي
الآخرة النار.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل فما قول اللَّه : (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) .
قيل: اللَّه أعلم بمعنى ما أراد، فأما عطاء بن أبي رباح ﵀ فيذهب إلى:
(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) الآية، في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام بعد التحريم
لقتل الصيد مرة، فينتقم اللَّه منه.
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء في قول اللَّه : (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) الآية، قال: عفا اللَّه عما كان في الجاهلية، قلتْ وقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) الآية.
قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم اللَّه منه، وعليه في ذلك كفارة.
قال: وإن عمد فعليه الكفارة؟
قلت له: هل في العود من حد يُعلم؟
قال: لا.
قلت: أفترى حقاً على الإمام أن يعاقبه فيه.
قال: لا، ذنب أذنبه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، ويفتدى.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يعاقبه الإمام فيه؛ لأن هذا ذنب جعلت
عقوبته فديته، إلا أن يزعم أنَّه يأتي ذلك عامداً مستخِفَّاً.
стр. 597
قال الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
الأم: باب (تحريم الصيد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: والبحر اسم جامع، فكل ما كثر ماؤه واتسع قيل
هذا بحر، فإن قال قائل: فالبحر المعروف: البحر هو المالح.
قيل: نعم، ويدخل فيه العذب، وذلك معروف عند العرب.
الأم (أيضاً) : باب (قتل الصيد خطأ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: الصيد كله ممنوع في كتاب اللَّه تعالى، قال اللَّه :
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
فلما كان الصيد محرماً كله في الإحرام، وكأن اللَّه حكم
في شيء منه بعدلِ بالغ الكعبة، كان كذلك كل ممنوع من الصيد في الإحرام
لايتفرق، كما لم يفرق المسلمون بين الغرم في الممنوع من الناس والأموال في
العمد والخطأ.
стр. 598
الأم (أيضاً) : فدية الطائر يصيبه المحرم:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فكيف تفدي الطائر ولا مثل له من
النعم؟
قيل: فَدَيْتُه بالاستدلال بالكتاب، ثم الآثار، ثم القياس، والمعقول.
فإن قال فأين الاستدلال بالكتاب؟
قيل: قال اللَّه : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
فدخل الصيد المأكول كله في التحريم، ووجدت اللَّه أمر فيما له مثل منه أن يفدى بمثله، فلما كان الطائر لا مثل له من النعم، وكان محرماً، ووجدت رسول اللَّه ﷺ يقضي بقضاء
في الزرع بضمانه، والمسلمون يقضون فيما كان محرماً أن يُتلف بقيمته، فقضيت في الصيد من الطائر بقيمته بأنه محرم في الكتاب، وقياساً على السنة والإجماع.
الأم (أيضاً) : صيد البحر:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) الآية.
فكل ما كان فيه صيد، في بئر كان أو ماء مستنقع أو غيره، فهو بحر، وسواء كان في الحل والحرم يصاد ويؤكل؛ لأنَّه مما لم يمنع بحرمة
شيء، وليس صيده إلا ما كان يعيش فيه أكثر عيشه، فأما طائره فإنما يأوي إلى أرض فيه، فهو من صيد البر إذا أصيب جُزِيَ.
الأم (أيضاً) : ما حرم بدلالة النص:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
فذكر جل ثناؤه
стр. 599
إباحة صيد البحر للمحرم، ومتاعاً له يعني: طعاماً - واللَّه أعلم -.
ثم حرم صيد البر، فأشبه أن يكون إنما حَرم عليه بالإحرام ما كان كله مباحاً له قبل الإحرام.
الأم (أيضاً) : ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
فكان شيئان حلالين، فأثبت تحليل أحدهما (وهو صيد البحر وطعامه) ، وطعامه مالحه، وكل ما فيه متاع لهم يستمتعون
بكله، وحَرَّم عليهم صيد البر، أن يستمتعوا بأكله في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، واللَّه لا يحرم
عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالاً لهم قبل الإحرام - واللَّه أعلم -.
الأم (أيضاً) : باب (في الحج) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا بأس بأن يصيد المحرم جميع ما كان معاشه في
الماء من السمك وغيره، قال الله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
فقال بعض أهل العلم بالتفسير: طعامه: كل ما كان فيه وهو يشبه ما قال - واللَّه تعالى أعلم -.
الأم (أيضاً) : لغو اليمين:
قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه قد جعل الكفارات في عمد المأثم فقال تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
стр. 600
الأم (أيضاً) : باب (قتل الصيد خطأ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: الصيد في الإحرام ممنوع بقول اللَّه : (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
وكان لله فيه حكم فيما قتل منه عمداً بجزاء مثله، وكان المنع بالكتاب مطلقاً عامًّا على جميع الصيد.
مختصر المزني: كتاب (الصيد والذبائح) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه:
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) الآية.
وهذا عموم، فمن خصَّ منه شيئاً فالمخصوص لا
يجوز عند أهل العلم إلا بسنة، أو إجماع الذين لا يجهلون ما أراد اللَّه.
مختصر المزني (أيضاً) : باب (ما يأكل المحرم من الصيد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن عرض في نفس امرئ من قول اللَّه:
(وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية.
قيل له: إن الله جل ثناؤه منع المحرم من قتل الصيد فقال
(لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)
وقال في الآية الأخرى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ) الآية.
فاحتمل أن يصيدوا صيد البحر، وأن يأكلوه إن لم يصيدوه، وأن يكون ذلك طعامه، ثم لم يختلف الناس في أن للمحرم أن يصيد صيد البحر ويأكل طعامه، وقال في سياقها: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) الآية، فاحتمل ألا تقتلوا صيد البر مادمتم حرماً، وأشبه ذلك ظاهر القرآن - واللَّه أعلم -.
следующие страницы →