Полный текст (1 273 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
قال الله : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)
الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ، ثم على الناس:
قال الشَّافِعِي ﵀: وأنزل اللَّه فيما يثبّته به إذا ضاق من أذاهم:
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)
إلى آخر السورة، ففرض عليه إبلاغهم وعبادته - سبحانه -، ولم يفرض عليه قتالهم، وأبان ذلك في غير آية من كتابه، ولم يأمره بعزلتهم.
стр. 807
سورة النحل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)
أحكام القرآن: فصل (في معرفة العموم والخصوص)
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)
الآية، فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء من سماء، وأرض، وذي روح، وشجر، وغير ذلك، فالله خالقه.
* * *
قال الله : (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ)
أحكام القرآن: فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات:
أخبرنا أبو سعيد (محمد بن موسى) ، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا
الربيع قال:
стр. 808
قال الشَّافِعِي ﵀: بدأ الله جل ثناؤه خلق آدم ﵇ من ماء
وطين، وجعلهما معاً طهارة؛ وبدأ خلق ولده من ماء دافق - فكان فيه ابتداء خلق آدم من الطاهِرَينِ اللذين هما الطهارة -، دلالة لابتداء خلق غيره: أنه من ماء طاهر لا نجس.
وقال في الإملاء بهذا الإسناد -: المني ليس بنجس؛ لأن الله جل ثناؤه
كرم من أن يبتدئ خلق من كرَّمهم، وجعل منهم النبيين، والصديقين.
والشهداء، والصالحين، وأهل جنته، من نجس، فإنه يقول:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) .
وقال جل ثناؤه: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ)
ولو لم يكن في هذا، خبر عن النبي ﷺ لكان ينبغي أن تكون العقول تعلم: أن اللَّه لا يبتدئ خلق من كرَّمه وأسكنه جنَّته من نجس، فكيف مع ما فيه من الخبر عن النبي ﷺ :
"أنه كان يصلي في الثوب، قد أصابه المني؛ فلا يغسله إنما
يمسح رطباً، أو يحت يابساً" الحديث.
على معنى: التنظيف، مع أن هذا قول سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعائشة وغيرهم ﵃ أجمعين.
* * *
قال الله : (فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)
الزاهر باب (ما يُسقط الصدقة عن الماشية)
قال الشَّافِعِي ﵀: في سائمة الغنم زكاة، وكذلك الإبل.
стр. 809
والسائمة هي: الراعية غير المعلوفة، يقال سامت الماشية تسُوم سَوماً: إذا
رعت، وأسامها راعيها: إذا رعاها، والسَّوام: ما رعى من المال، قال اللَّه : (فِيهِ تُسِيمُونَ)
أراد - واللَّه أعلم - بالشجر أصناف المرعى من
العشب والخُلَّة والحَمض وغيرها مما يرعاها المواشي.
* * *
قال الله : (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)
الأم: باب (استقبال القبلة) :
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: وقال اللَّه :
(وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فنصب الله لهم البيت والمسجد، فكانوا إذا رَأوه، فعليهم استقبال البيت؛ لأن رسول الله ﷺ صلى مستقبله، والناس معه حوله من كل جهة، ودلهم بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركب فيهم على قصد البيت الحرام، وقصد المسجد الحرام: وهو قصد البيت الحرام.
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قيل فبم يُتوجه إلى البيت؟
قيل: قال اللَّه تعالى:
(وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) الآية.
وكانت العلامات جبالاً يعرفون
стр. 810
مواضعها من الأرض، وشمساً، وقمراً، ونجماً، مما يعرفون من الفَلَك، ورياحاً يعرفون مهابَّها على الهواء، تدل على قصد البيت الحرام.
الرسالة: باب (الاجتهاد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)
فأخبر أنهم يهتدون بالنجم والعلامات، فكانوا يعرفون كنه جهة البيت.
بمعونته لهم، وتوفيقه إياهم، باق قد رآه من رآه منهم في مكانه، وأخبر من رآه منهم مَن لم يره، وأبصر ما يُهتدى به إليهم، من جبل يُقصَد قَصدُه، أو نجم يُؤتم به، وشمال وجنوب، وشمس يعرف مطلِعُها ومغربُها، وأين تكون من المصلِّي بالعشى، وبحور كذلك.
وكان عليهم تكلف الدلالات بما خلق لهم من العقول التي ركبها فيهم.
ليقصدوا قصد التوجه للعين التي فَرَضَ عليهم استقبالها.
* * *
قال الله : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)
الأم: كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله، وكما ينبغي
له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،
стр. 811
بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم
حميد، فهدى بكتابه، ثم على لسان نبيه محمد ﷺ بما أنعم - الله - عليه، وأقام الحجة على خلقه، لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل، وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) الآية.
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فليست تنزل بأحدٍ من أهل دين اللَّه نازلة إلا وفي
كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، وقال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الآية.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الفقه) :
انظر تفسير الآية الأولى من سورة إبراهيم ﵇، فهي متعلقة بهذه
الآية، ولا حاجة للتكرار فيما سبق ذكره.
* * *
قال الله : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)
الأم: باب (السلف في العطر وزْناَ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وكل ما لا ينقطع من أيدي الناس من العطر.
وكانت له صفة ليعرف بها، ووزن جاز السلف فيه. . .
стр. 812
وقد زعم بعض أهل العلم بالمسك: أنه سرة دابة كالظبي تلقيه في وقت من
الأوقات، وكأنه ذهب إلى أنه دم يُجَمَّع، فكأنه يذهب إلى أن لا يحل التطيب به كما وصفت.
قال - أي: المحاور - كيف جاز لك أن تجيز التطيب بشيء وقد أخبرك
أهل العلم أنه ألقي من حي، وما ألقي من حي كان عندك في معنى الميتة، فلم
تأكله؟
فقلت له: قلتُ به خبراً وإجماعاً وقياساً.
قال: فاذكر فيه القياس، قلت الخبر أولى بك، قال: سأسالك عنه، فاذكر فيه القياس.
قلت: قال اللَّه ﵎: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ)
فأحل شيئاً يخرج من حي إذا كان من حي يجمع معنيين الطيب، وأن ليس بعضو منه ينقصه خروجه منه، حتى لا يعود مكانه مثله، وحرم الدم من مذبوح وحي، فلم يحل لأحد أن يأكل دماً مسفوحاً من ذبح أو غيره، فلو كنا حرمنا الدم؛ لأنه يخرج من حي أحللناه من المذبوح ولكنا حرمناه لنجاسته، ونص الكتاب به مثل: البول، والرجيع من قِبَل أنه ليس من الطيبات، قياساً على ما وجب غسله مما يخرج من الحي من الدم، وكان في البول والرجيع، يدخل به طيِّباً ويخرج خبيثاً.
ووجدت الولد يخرج من حي حلالاً، ووجدت البيضة تخرج من بائضتها حية
فتكون حلالاً، بأن هذا من الطيبات، فكيف أنكرت في المسك الذي هو غاية من الطيبات، إذا خرج من حي أن يكون حلالاً؟! . ..
قال: فما الخبر؟
قلت: أخبرنا الزنجي، عن موسى بن عقبة أن الرسول ﷺ أهدى للنجاشي أواقي مسك فقال لأم سلمة ﵂:
"إني قد أهديت
стр. 813
للنجاشي أواق مسك ولا أراه إلا قد مات قبل أن يصل إليه، فإن جاءتنا وهبت لك كذا".
فجاءته فوهب لها ولغيرها منه، الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت: لا أعلم أحداً من أهل العلم خالف في أنه لا
بأس ببيع العنبر، ولا أحد من أهل العلم بالعنبر قال في العنبر، إلا ما قلت لك من أنه نبات، والنبات لا يحرم منه شيء.
قال فهل فيه أثر؟
قلت: نعم.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا سفيان، عن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس
﵄، سُئل عن العنبر، فقال:
"إن كان فيه شيء ففيه الخمس" الحديث.
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أذينة، أن
ابن عباس ﵄ قال:
"ليس في العنبر زكاة، إنَّما هو شيءٌ دَسَرَهُ البحر" الحديث.
стр. 814
قال الله : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا)
الأم: تسري العبد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) الآية.
قال الشَّافِعِي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" الحديث.
قال: فدل الكتاب والسنة أن العبد لا يكون مالكاً مالاً بحال، وأن ما
ئسب إلى ملكه إنما هو إضافة اسم مِلك إليه لا حقيقة، كما يقال للمعلم:
غلمانك، وللراعي: غنمك، وللقيم على الدار: دارك إذا كان يقوم بأمرها، فلا يحل - واللَّه تعالى أعلم - للعبد أن يتسرى، أذن له سيده أم لم يأذن له؛ لأن اللَّه تعالى إنما أحل التسري للمالكين، والعبد لا يكون مالكاً بحال، وكذلك كل من لم تكمل فيه الحرية، من عبد قد عُتق بعضه، أو مكاتب، أو مدَبر، ولا يحل له أن يطأ بملك يمين بحال حتى يعتق.
والنكاح يحل له بإذن مالكه.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في النكاح والصداق:
قال البيهقي ﵀: وذهب الشَّافِعِي في القديم: إلى أن للعبد أن يشتري
إذا أذن له سيده، وأجاب عن قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)
стр. 815
بأن قال إنما هذا - عندنا - عبد ضربه الله مثلاً، فإن
كان عبداً، فقد يُزعَمُ أن العبد يقدر على أشياء منها: ما يُقِرُّ به على نفسه (من الحدود التي تتلِفه أو تنقُصُه) ومنها: ما إذا أذِنَ له في التجارة، جاز بيعه وشراؤه وإقراره.
فإن اعتُل بالإذن: فالشرى بإذن سيده أيضاً، فكيف يملك بأحد
الأذنَين، ولا يملك بالآخر؟!
ثم رجع الشَّافِعِي ﵀ عن هذا في الجديد "
واحتج بهذه الآية، والآيتين / ٥ و ٦ الواردتين في سورة (المؤمنون) ، والآيتين / ٢٩، ٣٠ في سورة (المعارج) .
ثم ذكر ما أوردناه في الأم في (الفقرة السابقة) .
* * *
قال الله : (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في قتال أهل البغي والمرتد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وعَرَّف الله جميع خلقه - في كتابه -
أن لا علم لهم إلا ما عَلَّمهم فقال: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) الآية، ثم علمهم بما آتاهم من العلم، وأمرهم بالاقتصار عليه.
وأن لا يتولوا غيره إلا بما علَّمهم.
стр. 816
قال الله : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً)
الأم: كتاب (إبطال الاستحسان)
أخبرنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: الحمد لله على جميع نعمه بما هو أهله، وكما
ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده
ورسوله، بعثه بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل
من حكيم حميد، فهدى بكتابه، ثم على لسان نبيه ﷺ بما أنعم عليه، وأقام الحجة على خلقه، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً) الآية.
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال لي قائل يُنسب إلى العلم بمذهب أصحابه:
أنت عربي والقرآن نزل بلسان من أنت منهم، وأنت أدرى بحفظه، وفيه لله
فرائض أنزلها، لو شك شاك - قد تلبَّس عليه القرآن عرف منها - استتبته، فإن
стр. 817
تاب وإلا قتلته، وقد قال الله في القرآن: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ الآية، فكيف جاز عند نفسك، أو لأحد في شيء فرض اللَّه، أن يقول مرة: الفرض فيه عام.
ومرة: الفرض فيه خاص. ومرة الأمر فيه فرض. ومرة: الأمر فيه دلالة. وإن شاء ذو إباحة؛ وأكثر ما فرقت بينه من هذا عندك، حديث ترويه عن رجل، عن آخر، عن آخر، أو حديثان أو ثلاثة، حتى تبلغ به رسول الله ﷺ ، وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحداً لقيتموه وقدمتموه في الصدق والحفظ، ولا أحداً لقيت ممن لقيتم من أن يغلط، وينسى، ويخطئ في حديثه.
بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم: أخطأ فلان في حديث كذا، وفلان
في حديث كذا، ووجدتكم تقولون: لو قال رجل لحديث أحللتم به، وحرمتم من علم الخاصة: لم يقل هذا رسول الله ﷺ إنما أخطأتم أو من حدثكم، وكذبتم أو من حدثكم، لم تستتيبوه، ولم تزيدوا على أن تقولوا له: بئس ما قلت!
أفيجوز أن يُفرَّق بين شيء من أحكام القرآن، وظاهره واحد عند من
سمعه، بخبر من هو كما وصفتم فيه؛ وتقيمون أخبارهم مقام كتاب اللَّه وإنكم تعطون بها وتمنعون بها؟
قال الشَّافِعِي ﵀: فقلت: إنما نعطي من وجه الإحاطة، أو من جهة
الخبر الصادق، وجهة القياس، وأسبابها عندنا مختلفة، وإن أعطينا بها كلها
فبعضها أثبت من بعض.
قال: ومثل ماذا؟
قلت: إعطائي من الرجل بإقراره، وبالبينة، وإبائه اليمين وحَلِفِ صاحبه.
والإقرار أقوى من البينة، والبينة أقوى من إباء اليمين ويمين صاحبه، ونحن وإن أعطينا بها عطاء واحداً فأسبابها مختلفة.
стр. 818
قال: وإذا قمتم على أن تقبلوا أخبارهم، ومنهم ما ذكرت من أمركم
بقبول أخبارهم وما حجتكم فيه على من ردها؟
فقال: لا أقبل منها شيئاً إذا كان يمكن فيه الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهدُ به
على اللَّه، كما أشهدُ بكتابه الذي لا يسع أحداً الشك في حرف منه، أو يجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة وليس بها؟!
فقلت له: من علم اللسان الذى به كتب كتاب - اللَّه وأحكام اللَّه تعالى، لله علمه بهما على قبول أخبار الصادقين
عن رسول الله ﷺ ، والفرق بين ما دلَّ رسول الله ﷺ على الفرق بينه من أحكام
الله، وعَلِمَ بذلك مكان رسول الله ﷺ من كتاب اللَّه ودينه، وأهل دينه، وأن الله وضعه في موضع الإبانة عنه ما أراد بفرضه عاماً وخاصاً، وفرضاً وواجباً وافترض طاعته - إذ كنتَ لم تشاهده - خَبَرُ الخاصة والعامة.
قال: نعم، ثم استشهد له بالآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
الرسالة: المقدمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: فليست تنزل بأحد من أهل دين اللَّه نازلة إلا وفي
كتاب اللَّه الدليل على سبيل الهدى فيها. . .، وقال : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) .
стр. 819
أحكام القرآن: فصل (في النسخ) :
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع:
قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه خلق الناس لما سبق في علمه لما أراد بخلقهم
وبهم، وأنزل عليهم الكتاب: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) الآية.
وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها، رحمة بخلقه
بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم
على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه، فعمَّتهم رحمته فيما
أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الفقه) :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس (محمد بن يعقوب) قال:
حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) الآية.
ثم ذكر ما ورد في تفسير الآية الأولى من سورة إبراهيم ﵇ فليرجع إليها.
стр. 820
قال الله : (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) ثم قال: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) إلى قوله: (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ)
أحكام القرآن: فصل (فيمن لا يجب عليه الجهاد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد ذكر الله الوفاء بالعقود: بالإيمان، في غير آية من كتابه، منها قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)
ثم: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) إلى قوله: (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) الآيتان.
مع ما ذكر به الوفاء بالعهد.
قال الشَّافِعِي ﵀: هذا من سَعَة لسان العرب الذي خوطبت به.
فظاهره عام على كل عقد.
ويشبه - والله أعلم - أن يكون الله ﵎ أراد: أن يوفوا بكل عقد كان بيمين، أو غير يمين، وكل عقد نذر: إذا كان في
العَقدَين لله طاعة، أو لم يكن له - فيما أمر الوفاء منها - معصيته.
* * *
قال الله : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)
الأم: باب (التعوذ بعد الافتتاح) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .
أخبرنا الربيع قال:
стр. 821
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعد بن
عثمان، عن صالح بن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة ﵁ وهو يؤم
الناس رافعاً صوته: "ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم"
في المكتوبة، وإذا فرغ من أم القرآن.
قال الشَّافِعِي ﵀: وكان ابن عمر ﵄ يتعوذ في نفسه.
وأيهما فعل الرجل أجزأه إن جهر أو أخفى، وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح
قبل أم القرآن، وبذلك أقول، وأحبُّ أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به أجزأه، ويقوله في أول ركعة، وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن.
ولا آمر به في شيء من الصلاة، أمرت به في أول ركعة، وإن تركه ناسياً.
أو جاهلاً، أو عامداً، لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو، وكره له تركه
عامداً.
وأحب إذا تركه في أول ركعة أن يقوله في غيرها، وإنَّما منعني أن آمره أن
يعيد" أن النبي ﷺ علَّم رجلاً ما يكفيه في الصلاة فقال: "كبِّر ثم اقراً ... " الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يرو عنه ﷺ أنه أمره بتعوذ ولا افتتاح، فدلَّ على أن افتتاح رسول الله ﷺ اختيار، وأن التعوذ ممن لا يفسد الصلاة إن تركه.
стр. 822
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: وأحب أن يقول حين يفتتح قبل أم القرآن: أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به أجزأه.
وقال الشَّافِعِي ﵀: في الإملاء - بهذا الإسناد - ثم يبتدأ فيتعوذ
ويقول أعوذ بالسميع العليم، أو يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
الرجيم، أو أعوذ بالله أن يحضرون، لقول اللَّه : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .
* * *
قال الله : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)
الرسالة: ابتداء الناسخ والمنسوخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: فأخبر اللَّه أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه
ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه، وفي قوله تعالى: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)
стр. 823
بيان ما وصفت، من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، كما كان المبتدئ لفرضه، فهو المزيل المُثبِتُ لما شاء منه جل ثناؤه.
ولا يكون ذلك لأحد من خلقه.
وفي كتاب اللَّه دلالة عليه: قال اللَّه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
فأخبر اللَّه بما أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله وقال:
(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) الآية.
وهكذا سنة رسول الله: لا ينسخها إلا سنة لرسول الله ﷺ ولو أحدث اللَّه لرسوله في أمر سنَّ فيه غير ما سنَّ رسول الله ﷺ - لسن فيما أحدث الله إليه، حتى يبين
للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلهما مما يخالفها.
وهذا مذكور في سنته ﷺ .
* * *
قال الله : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)
الرسالة: باب (البيان الخامس) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فأقام - الله حجته بأن كتابه عربي - في كل آية ذكرناها -، ثم أكَّد ذلك بأن نفى عنه - جل ثناؤه - كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه.
стр. 824
الأولى: فقال ﵎: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) .
الثانية: وقال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: فقال منهم قائل: إن في القرآن عربياً وأعجمياً.
والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه، تقليداً له، وتركا للمسألة له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم.
ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب - وقُبِلَ ذلك منه - أو
ذهب إلى أن من القرآن خاصاً يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجوداً فيها من لا يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه.
لا نعلم رجلاً جمع السنَن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جُمِع علم عامة أهل العلم بها أتِيَ على السنن، وإذا فُرِّق علم كل واحد منهم، ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجوداً عند غيره.
وهم في العلم طبقات: منهم الجامع لأكثره وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم
الجامع لأقل مما جمع غيره، وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها دليلاً على أن يطلب علمه، عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه
стр. 825
ما ذهب عليه، حتى يُؤتى على جميع سنن رسول الله - بأبي هو وأمي - فيتفردُ جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وَعَوا منها.
وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها، لا يذهب منه شيء عليها، ولا
يطلب عند غيرها، ولا يعلمه إلا من قَبِلَه عنها، ولا يَشرَكُها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قَبِلَه منها فهو من أهل لسانها، وإنَّما صار غيرهم من غير أهله بتركها فإذا صار إليه صار من أهله، وعلم أكثر اللسان في أكثر العرب أعم من علم أكثر السنن في العلماء.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: قد نجد من العجم من ينطق بالشيء
من لسان العرب؛ فذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن
تعلمه منهم فلا يوجد ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو ثبع
للعرب فيه، ولا ننكر إذ كان اللفظ قيل تعلماً، أو نطق به موضوعاً، أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلاً من لسان العرب، كما يا تفق القليل من ألسنة العجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبُعد الأوامر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها.
فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب اللَّه محضٌ بلسان العرب، لا يخلطه فيه
غيره؛ فالحجة فيه كتاب الله، قال اللَّه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) .
فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمد ﷺ كانوا يُرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمداً بعث إلى الناس كافة، فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه ما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم، فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم.
وإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون
بعضهم تبعاً لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتَّبَع على التابع، وأولى الناس
стр. 826
بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ﷺ ، ولا يجوز - والله أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعاً لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه.
وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه، وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه.
قال الشَّافِعِي ﵀: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه
جَهدُه، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض علية من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك.
وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعل الله لسان من ختم به نبوته.
وأنزل به آخر كتبه، كان خيراً له، كما عليه يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإتيانه، ويتوجه لما وجه له، ويكون تبعاً فيما افترض عليه، وندب إليه، لا متبوعاً.
* * *
قال الله : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)
الأم: المُكرَه على الرِّدَّة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ)
стр. 827
ولو أن رجلاً أسره العدو فكرهه على الكفر، لم تبن منه
امرأته، ولم يحكم عليه بشيء من حكم المرتد، قد أكره بعض من أسلم في
عهد النبي ﷺ على الكفر فقاله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فذكر له ما عُذِّب به، فنزل
فيه هذا، ولم يأمره النبي ﷺ باجتناب زوجته، ولا بشيء مما على المرتد، ولو مات المكره على الكفر، ولم تظهر له توبة ببلاد الحرب ورثه ورثته المسلمون.
الأم (أيضاً) : الإكراه وما في معناه:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وللكفر أحكام: كفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر.
ويغنم ماله، فلما وضع اللَّه عنه، سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله، لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه
بثبوته عليه.
قال الشَّافِعِي ﵀: واجمراه: أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر
على الامتناع منه.
من سلطان، أو لص، أو متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره
يخاف خوفاً عليه دلالة أنه؛ إن امتنع من قول ما أمر به الضرب المؤلم، أو أكثر منه، أو إتلاف نفسه.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا خاف هذا سقط عنه حكم ما أكره عليه من
قول، ما كان القول: شراء أو بيعاً أو إقراراً لرجل بحق، أو حد، أو إقراره
стр. 828
بنكاح، أو عتقٍ أو طلاق، أو إحداث واحد من هذا وهو مكره، فأي هذا
أحدث وهو مكره، لم يلزمه.
الأم (أيضاً) : فرض الهجرة:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولما فرض الله الجهاد على رسوله ﷺ ، وجاهد المشركين بعد إذ كان أباحه، وأثخن رسول الله ﷺ في أهل مكة، ورأوا كثرة من
دخل في دين اللَّه ، اشتدوا على من أسلم منهم، ففتنوهم عن دينهم، أو من فتنوا منهم، فعذر اللَّه من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) الآية، وبعث إليهم رسول الله ﷺ :
"إن الله جعل لكم مخرجاً ".
الأم (أيضاً) : أصل نقض الصلح فيما لا يجوز
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن ذهب ذاهب إلى: ردَّ أبي جندل بن سهيل إلى
أبيه، وعياش بن أبي ربيعة إلى أهله بما أعطاهم - أي: من شروط صلح الحديبية - قيل له: آباؤهم وأهلوهم أشفق الناس عليهم، وأحرص على سلامتهم، وأهلهم كانوا سَيَقُونهم بأنفسهم مما يؤذيهم، فضلاً على أن يكونوا متهمين على أن ينالوهم بتلف، أو أمر لا يحملونه من عذاب وإنما نقموا منهم خلافهم دينهم ودين آبائهم، فكانوا يئشددون عليهم ليتركوا دين الإسلام، وقد وضع الله عنهم المأثم في الإكراه، فقال: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) الآية.
стр. 829
الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال ﵎ فيمن فُتِنَ عن دينه: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) الآية، فطرح عنهم حبوط أعمالهم، والمأثم بالكفر إذا كانوا مكرهين، وقلوبهم على الطمأنينة بالإيمان وخلاف الكفر، وأمر بقتال الكافرين حتى يؤمنوا، وأبان ذلك جل وعز حتى يظهروا الإيمان.
مختصر المزنى: باب (جامع الإيمان)
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غداً، فهلك قبل غدٍ.
لم يحنث للإكراه، قال اللَّه جل وعز: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) الآية، فعقلنا أن قول المكره كما لم يكن في
الحكم، وعقلنا أن الإكراه هو: أن يغلب بغير فعل منه فإذا تلف ما حلف عليه ليفعلن فيه شيئاً، بغير فعل منه، فهو في أكثر من الإكراه.
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام وصحة اعتقاده منها)
قال الشَّافِعِي ﵀: إن اللَّه جل ذكره فرض الإيمان على جوارح بني
آدم فقسمه فيها، وفرقه عليها، فليس من جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تعالى.
стр. 830
فأما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد، والرضا
والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً ﷺ عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبيٍّ أو كتاب.
فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب وهو عمله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) الآية.
* * *
قال الله : (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا)
وقال : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)
الأم: ما حرّم المشركون على أنفسهم:
قال الشَّافِعِي ﵀: ويقال: أنزل - الله تعالى - في ذلك: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) إلى قوله:
(أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)
وهذا يشبه ما قيل. يعني: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمً)
أي: من بهيمة الأنعام، إلا ميتة أو دماً مسفوحاً منها وهي حية، أو ذبيحة كافر، وذكِر تحريم الخنزير معها، وقد قيل: ما كنتم تأكلون إلا كذا.
стр. 831
وقال: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) إلى قوله: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآيتان، وهذه الآية، في مثل معنى الآية التي قبلها.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيد والذبائح، وفي الطعام
والشراب:
أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل ثناؤه فيما حَزم، ولم يَحِل بالذكاة:
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) الآية.
وذكر معها الآية / ١١٩ من سورة الأنعام، والآية / ٣ من سورة المائدة.
* * *
قال الله : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)
أحكام القرآن: فصل (فين يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في آيات متفرقة) :
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه (بالدامغان) ، أخبرنا الفضل
ابن الفضل الكندي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: سمعت أبا عبد الله
(ابن أخي بن وهب) يقول:
стр. 832
سمعت الشَّافِعِي يقول الأمة على ثلاثة وجوه:
١ - قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)
قال: على دين.
٢ - وقوله تعالى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ)
قال: بعد زمان.
٣ - وقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ)
قال: معلماً.
стр. 833
سورة الإسراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)
أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعانى في الطهارات والصلوات) :
وبهذا الإسناد قال الشَّافِعِي ﵀: ومعقول أن السعي - في هذا الموضع - العمل؛ لا السعي على الأقدام، قال الله : (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الآية.
وقال زهير:
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهُمُ ... فلم يفعلوا ولم يُلامُوا ولم يالُوا
وما يكُ من خير أبوه فإنما ... توارثه آباءآبائهمُ قبلُ
وهل يحمل الخطيَّ إلا وشيجُهُ ... وتغرس - إلا في منابتها - النخلُ
стр. 834
قال الله (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)
الأم) كراء الأرض البيضاء:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى لنبيه ﷺ :
(وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) الآية، ففرض على كل من صار إليه حق لمسلم، أو حق له، أن يكون مؤديه، وأداؤه دفعه، لا ترك الحول دونه، وسواء دعاه إلى قبضه، أولم يدعه ما لم يبرئه منه، فيبرأ منه بالبراءة، أو بقبضه منه في مقامه، أو غير مقامه، ثم يُودِعُه إياه، وإذا قبضه ثم أودعه إياه فضمانه من مالكه.
قال الربيع ﵀: يريد القابض له، وهو: المشتري.
* * *
قال الله : (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)
الأم: الخلاف فيما يؤتى بالزنا)
قال الشَّافِعِي ﵀: ووجدت اللَّه تعالى حرم الزنا، فقال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) .
فقال (أي: للمحاور) أجد جماعاً وجماعاً، فأقيس أحد الجماعين بالآخر.
قلت. فقد وجدتُ جماعاً حلالاً حمدتُ به، ووجدت جماعاً حراماً رجمتُ به
صاحبه، أفرأيتك قسته به؟
فقال: وما يشبهه؟ فهل ئوضحه بأكثر من هذا؟
стр. 835
قلت: في أقل من هذا كفاية، وسأذكر لك بعض ما يحضرني منه.
قال: ما ذاك؟
قلت: جعل اللَّه ﵎ اسمه - الصهر نعمة فقال:
(فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) .
قال: نعم.
قلت: وجعلك مَحْرَماً لأم امرأتك وابنتها تسافر بها؟ قال: نعم.
قلت: وجعل الزنا نقمة في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بالنار إن لم يعف -
قال: نعم.
قلت: أفتجعل الحلال الذي هو نعمة قياساً على الحرام الذي هو نقمة، أو
الحرام قياساً عليه، ثم تخطئ القياس، وتجعل الزنا لو زنى بامرأة مُحَرِّماً لأمها
وابنتها؛ قال: هذا أبين ما احتججت به منه.
أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقة سوى ما نص:
قال الشَّافِعِي ﵀: وحرَّم الزنا فقال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) مع ما
ذكره في كتابه .
فكان معقولاً في كتاب الله: أن ولد الزنا لا يكون منسوباً إلى أبيه، الزاني بأمه.
لما وصفنا: من أن نعمته إنما تكون من جهة طاعته؛ لا من جهة معصيته.
стр. 836
قال الله : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)
الأم: كتاب (قتال أهل البغى وأهل الردة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو أن رجلاً واحداً قتل على التأويل، أو جماعة
غير ممتنعين، ثم كانت لهم بعد ذلك جماعة ممتنعون، أو لم تكن، كان عليهم
القصاص في القتل والجراح وغير ذلك، كما يكون على غير المتأولين.
فقال لي قائل: فلم قلت في الطائفة الممتنعة الناصبة المتأولة، تقتل وتصيب
المال، أزيل عنها القصاص، وغُرم المال إذا تلف، ولو أن رجلاً تأول فقتل، أو أتلف مالاً، اقتصصت منه، وأغرمته المال؟
فقلت له: وجدت اللَّه ﵎ يقول: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية.
وقال رسول الله ﷺ فيما يحل دم مسلم:
" ... أو قتل نفس بغير نفس" الحديث.
وروي عن رسول الله ﷺ :
من اعتبط مسلماً بقتل فهو قَوَدُ يده " الحديث.
стр. 837
الأم (أيضاً) : الأمان:
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت له - أي: للمحاور -: ومن قال بباطن دون
ظاهر بلا دلالة له في القرآن، والسنة، أو الإجماع مخالف للآية قال: نعم، فقلت له: فأنت إذاً تخالف آيات من كتاب الله) .
قال: وأين؟
قلت: قال اللَّه ﵎: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) .
الأم (أيضاً) : في المرتد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإلى الوالي قَتل من قَتَل على المحاربة، لا ينتظر به
ولي المقتول، وقد قال بعض أصحابنا ذلك.
قال: ومثله الرجل يقتل الرجل من غير نائرة، واحتج لهم بعض من يذهب مذاهبهم بأمر: (المحدر بن زياد) ، ولو كان حديثه مما نثبته قلنا به، فإن ثبث فهو كما قالوا، ولا أعرفه إلى يومي هذا ثابتاً.
وإن لم يثبت فكل مقتول قتله غير المحارب فالقتل فيه إلى ولي المقتول، من قِبَل أن الله جل وعلا يقول: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: وليس لأولياء الذين قتلهم قطاع الطريق عفو؛ لأن
الله جل وعز حدهم بالقتل، أو القتل والصلب، أو القطع، ولم يذكر الأولياء كما ذكرهم في القصاص في الآيتين، فقال :
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) .
стр. 838
وقال في الخطأ: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) الآية. ..
فذكر في الخطأ والعمد أهل الدم ولم يذكرهم في المحاربة.
فدل على أن حكم قتل المحارب مخالف حكم قتل غيره - والله أعلم -.
الأم (أيضاً) : كتاب (اللعان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وهكذا كل ما أوجبه اللَّه تعالى لأحدٍ، وجب على
الإمام أخذه له، إن طلبه أخذه له بكل حال.
فإن قال قائل فما الحجة في ذلك؟
قيل: قول اللَّه تعالى اسمه: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، فبين أن السلطان للولي.
الأم (أيِضاَ) : جماع إيحاب القصاص في العمد:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه جل وعز: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: في قول اللَّه : (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) لا يقتل غير قاتله، وهذا يشبه ما قيل - واللَّه أعلم -.
الأم (أيضاً) : ولاة القصاص:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، فكان معلوماً عند أهل العلم ممن
стр. 839
خوطب بهذه الآية، أن ولي المقتول من جعل الله تعالى له ميراثاً منه.
وقال رسول اللَّه ﷺ :
"من قتل له قتيل فأهله بين خِيرَتين إن أحبوا فالقَوَد وإن أحبوا فالعَقلُ" الحديث.
ولم يختلف المسلمون - علمته - في أن العقل موروث كما يورث المال، وإذا كان هكذا، فكل وارث ولي الدم، كما كان لكل وارث ما جعل اللَّه له من ميراث الميت، زوجة كانت له، أو ابنة، أو أماً، أو ولداً، أو والداً، لا يخرج أحد منهم من ولاية الدم، إذا كان لهم - أن يكونوا
بالدم مالاً، كما لا يخرجون من سواه من ماله.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا قتل رجل رجلاً، فلا سبيل إلى القصاص إلا
بأن يُجمع جميع ورثة الميت من كانوا، وحيث كانوا على القصاص، فإذا فعلوا فلهم القصاص، وإذا كان على الميت دين ولا مال له، أو كانت له وصايا، كان للورثة القتل، وإن كَرِه أهل الدين والوصايا، لأنهم ليسوا من أوليائه، وإن الورثة إن شاؤوا ملكوا المال بسببه، وإن شاؤوا ملكوا القَوَد، وكذلك إن شاؤوا عفوا على غير مال ولا قَوَد، لأن المال لا يُملك بالعمد إلا بمشيئة الورثة، أو بمشيئة المجني عليه - إن كان حياً -، وإذا كان في ورثة المقتول صِغار أو غُيَّب لم يكن إلى القصاص سبيل حتى يحضر الغُيَّب، ويبلغ الصغار، فإذا اجتمعوا على القصاص فذلك لهم، وإذا كان في الورثة معتوه، فلا سبيل إلى القصاص حتى يفيق أو يموت، فتقوم ورثته مقامه، وأي الورثة كان بالغاً فعفا بمال أو بلا مال، سقط القصاص، وكان لمن بقي من الورثة حصته من الدية، وإذا سقط القصاص، صارت لهم الدية.
стр. 840
الأم (أيضاً) : باب (الشهادة في العفو)
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كان للدم وليان، أحدهما غائب، أو صغير، أو
حاضر، لم يأمره بالقتل، ولم يخيَره، فعدا أحد الوليين فقتل قاتل أبيه ففيهما قولان:
أحدهما: لا قصاص بحال.
قال الشَّافِعِي ﵀: وإنَّما يسقط من قال هذا القود عنه، إذا لم يُجمع ورثة المقتول عليه للشبهة، وإن قول الله :
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية.
يحتمل أي ولي قتل كان أحق بالقتل، وقد كان يذهب إلى هذا كثر مفتي أهل المدينة. ..
قال الشَّافِعِي ﵀: والقول الثاني: أن على من قتل من الأولياء قاتل
أبيه القصاص، حتى يجتمعوا على القتل.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا عفا أحد الورثة القصاص فحكم لهم الحاكم
بالدية، فأيهم قتل القاتل قتل به، إلا أن يدع ذلك ورثته.
الأم (أيضاً) : قتل الحر بالعبد:
قال الشَّافِعِي ﵀: في قوله تعالى:
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) .
стр. 841
١ - ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل، فعلى من قتلها القَوَد، فيلزم في هذا أن يُقتل المؤمن بالكافر المعاهد، والمستأمن، والصبي والمرأة من أهل الحرب، والرجل بعبده وعبد غيره، مسلماً كان أو كافراً، والرجل بولده إذا قتله.
قال الشَّافِعِي ﵀:
٢ - أو يكون قول الله ﵎: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا الآية، ممن دمه
مكافئ دم من قتله، وكل نفس كانت تقاد بنفس، بدلالة كتاب اللَّه ، أو سنة، أو إجماع، كما كان قول الله (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) الآية، إذا كانت قاتلة خاصة، لا أن ذكراً لا يقتل بأنثى.
قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا أولى معانيه به - واللَّه أعلم -؛ لأن عليه
دلائل منها:
١ - قول رسول الله ﷺ :
"لا يقتل مؤمن بكافر. . ." الحديث.
٢ - والإجماع على أن لا يقتل المرء بابنه، إذا قتله.
٣ - والإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده، ولا بمستأمن من أهل دار
الحرب، ولا بامرأة من أهل دار الحرب ولا صبي.
قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك لا يقتل الرجل الحر بالعبد بحال، ولو قَتَل
حرٌّ ذمِّيٌّ عبداً مؤمناً لم يقتل به، وعلى الحر إذا قتل العبد قيمته كاملاً بالغة ما
بلغت.
стр. 842
الأم (أيضاً) : الرجل يقتل الرجل فيعدو عليه أجنبي فيقتله:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو أن إماماً أقرَّ عنده رجل بقتل رجل بلا قطع
طريق عليه، فعجل فقتله كان على الإمام القصاص، إلا أن تشاء ورثته الدية؛ لأن اللَّه لم يجعل للإمام قتله، وإنما جعل ذلك لوليه؛ لقول الله : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: الإسراف في القتل: أن يقتل غير قاتله - واللَّه أعلم -.
الأم (أيضاً) : باب (دية أهل الذمة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية.
فقوله: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)
دلالة على أن: من قُتِل مظلوماً فلوليه أن يقتل قاتله.
قيل له: فيعاد عليك ذلك الكلام بعينه في الابن يقتله أبوه، والعبد يقتله سيده، والمستأمن يقتله المسلم.
الأم (أيضاً) : باب (قتل الغيلة وغيرها وعفو الأولياء) :
قال أبو حنيفة ﵀: من قتل رجلاً عمداً قَتلَ غيلة، أو غير غيلة.
فذلك إلى أولياء القتيل، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا.
وقال أهل المدينة: إذا قتله قَتل غيلة من غير نائرة ولا عداوة، فإنه يقتل.
وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، وذلك إلى السلطان يقتل فيه القاتل.
стр. 843
وقال محمد بن الحسن ﵀: قول الله أصدق من غيره، قال الله :
(وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) الآية، فمن قتل وليه، فهو وليه في دمه دون السلطان، إن شاء
قتل، وإن شاء عفا، وليس إلى السلطان من ذلك شي. ..
قال الشَّافِعِي ﵀: كل من قتل في حرابة، أو صحراء أو مصر، أو
مكابرة، أو قتل غيلة على مالي أو غيره، أو قتل نائرة فالقصاص والعفو إلى
الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء إلا الأدب، إذا عفا الولي.
الأم (أيضاً) : باب (الرجل يمسك الرجل للرجل حتى يقتله) :
قال الشَّافِعِي ﵀: حد الله الناس على الفعل نفسه، وجعل فيه القَوَد.
فقال ﵎: (كُتِبَ عَلَيكمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى) الآية.
وقال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، فكان معروفاً عند من خوطب بهذه الآية، أن السلطان لولي المقتول على القاتل نفسه، وروي عن النبي ﷺ أنه
قال: "من اعتبط مسلماً بقتل فهو قَوَدُ يده" الحديث.
مختصر المزني: باب (القصاص بالسيف)
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، وإذا خفى الحاكم الولي وقتل القاتل، فينبغي له أن يأمر
стр. 844
من ينظر إلى سيفه، فإن كان صارماً، وإلا أمره بصارم؛ لئلا يعذبه ثم يدعه
وضَربَ عنقه.
مختصر المزني (أيضاً) : باب (الخلاف في قتل المومن بكافر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية.
فأعلم الله سبحانه أن لولي المقتول ظلماً أن يقتل قاتله.
قلنا: فلا تعدوا هذه الآية:
١ - أن تكون مُطلَقة على جميع من قُتل مظلوماً.
٢ - أو تكون على من قُتل مظلوماً ممن فيه القود ممن قتله، ولا يُستدل على
أنها خاصة إلا بسنة أو إجماع، فقال بعض من حضره: ما تعدو أحد هذين.
فقلت: إعنِ أيهما شئت؟ قال: هي مُطْلَقة.
قلت: أفرأيت رجلاً قتل عبده، وللعبد ابن حر، أيكون ممن قُتل مظلوماً؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت رجلاً قتل ابنه، ولابنه ابن بالغ، أيكون الابن المفتول ممن قُتل مظلوماً؟
قال: نعم.
قلت: أفعلى واحد من هذين قود؟
قال: لا.
قلت: ولم وأنت تقتل الحر بالعبد الكافر؟
قال: أما الرجل يقتل عبده، فإن السيد ولي دم عبده فليس له أن يقتل نفسه، وكذلك هو ولي دم ابنه، أو له فيه ولاية، فلا يكون له أن يقتل نفسه مع أن حديث النبي ﷺ يدل على أن لا يقتل والد بولده. فقيل: أفرأيت رجلاً قتل ابن عمه (أخي أبيه) وليس للمقتول ولي
стр. 845
غيره، وله ابن عم يلقاه بعد عشرة آباء أو كثر، أيكون لابن العم أن يقتل
القاتل، وهو أقرب إلى المقتول منه بما وصفت؟
قال: نعم: قلت: وهذا الولي؟
قال: لا ولاية لقاتل، وكيف تكون له ولاية ولا ميراث له بحال؟
قلت: فما منعك من هذا القول في الرجل يقتل عبده وفي الرجل يقتل ابنه؟ قال: أما قتله ابنه فبالحديث، قيل: آلحَدِيثُ فيه أثبت، أم الحديث في أن لا يقتل مؤمن بكافر؟
فقد تركت الحديث الثابت.
* * *
قال الله : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)
الأم: باب التحفظ في الشهادة:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) .
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يسع شاهداً أن يشهد إلا بما علم، والعلم من
ثلاثة وجوه:
١ - منها ما عاينه الشاهد، فيشهد بالمعاينة.
٢ - ومنها ما سمعه، فيشهد ما أثبت سمعاً من المشهود عليه.
следующие страницы →