← Тафсир

Тафсир · id 9182

تفسير الإمام الشافعي

الشافعي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

١ - ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل، فعلى من قتلها القَوَد، فيلزم في هذا أن يُقتل المؤمن بالكافر المعاهد، والمستأمن، والصبي والمرأة من أهل الحرب، والرجل بعبده وعبد غيره، مسلماً كان أو كافراً، والرجل بولده إذا قتله. قال الشَّافِعِي ﵀: ٢ - أو يكون قول الله ﵎: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا الآية، ممن دمه مكافئ دم من قتله، وكل نفس كانت تقاد بنفس، بدلالة كتاب اللَّه ، أو سنة، أو إجماع، كما كان قول الله (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) الآية، إذا كانت قاتلة خاصة، لا أن ذكراً لا يقتل بأنثى. قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا أولى معانيه به - واللَّه أعلم -؛ لأن عليه دلائل منها: ١ - قول رسول الله ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر. . ." الحديث. ٢ - والإجماع على أن لا يقتل المرء بابنه، إذا قتله. ٣ - والإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده، ولا بمستأمن من أهل دار الحرب، ولا بامرأة من أهل دار الحرب ولا صبي. قال الشَّافِعِي ﵀: وكذلك لا يقتل الرجل الحر بالعبد بحال، ولو قَتَل حرٌّ ذمِّيٌّ عبداً مؤمناً لم يقتل به، وعلى الحر إذا قتل العبد قيمته كاملاً بالغة ما بلغت.

стр. 842

الأم (أيضاً) : الرجل يقتل الرجل فيعدو عليه أجنبي فيقتله: قال الشَّافِعِي ﵀: ولو أن إماماً أقرَّ عنده رجل بقتل رجل بلا قطع طريق عليه، فعجل فقتله كان على الإمام القصاص، إلا أن تشاء ورثته الدية؛ لأن اللَّه لم يجعل للإمام قتله، وإنما جعل ذلك لوليه؛ لقول الله : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: الإسراف في القتل: أن يقتل غير قاتله - واللَّه أعلم -. الأم (أيضاً) : باب (دية أهل الذمة) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية. فقوله: (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) دلالة على أن: من قُتِل مظلوماً فلوليه أن يقتل قاتله. قيل له: فيعاد عليك ذلك الكلام بعينه في الابن يقتله أبوه، والعبد يقتله سيده، والمستأمن يقتله المسلم. الأم (أيضاً) : باب (قتل الغيلة وغيرها وعفو الأولياء) : قال أبو حنيفة ﵀: من قتل رجلاً عمداً قَتلَ غيلة، أو غير غيلة. فذلك إلى أولياء القتيل، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا. وقال أهل المدينة: إذا قتله قَتل غيلة من غير نائرة ولا عداوة، فإنه يقتل. وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، وذلك إلى السلطان يقتل فيه القاتل.

стр. 843

وقال محمد بن الحسن ﵀: قول الله أصدق من غيره، قال الله : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) الآية، فمن قتل وليه، فهو وليه في دمه دون السلطان، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وليس إلى السلطان من ذلك شي. .. قال الشَّافِعِي ﵀: كل من قتل في حرابة، أو صحراء أو مصر، أو مكابرة، أو قتل غيلة على مالي أو غيره، أو قتل نائرة فالقصاص والعفو إلى الأولياء، وليس إلى السلطان من ذلك شيء إلا الأدب، إذا عفا الولي. الأم (أيضاً) : باب (الرجل يمسك الرجل للرجل حتى يقتله) : قال الشَّافِعِي ﵀: حد الله الناس على الفعل نفسه، وجعل فيه القَوَد. فقال ﵎: (كُتِبَ عَلَيكمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى) الآية. وقال: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، فكان معروفاً عند من خوطب بهذه الآية، أن السلطان لولي المقتول على القاتل نفسه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من اعتبط مسلماً بقتل فهو قَوَدُ يده" الحديث. مختصر المزني: باب (القصاص بالسيف) قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية، وإذا خفى الحاكم الولي وقتل القاتل، فينبغي له أن يأمر

стр. 844

من ينظر إلى سيفه، فإن كان صارماً، وإلا أمره بصارم؛ لئلا يعذبه ثم يدعه وضَربَ عنقه. مختصر المزني (أيضاً) : باب (الخلاف في قتل المومن بكافر) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) الآية. فأعلم الله سبحانه أن لولي المقتول ظلماً أن يقتل قاتله. قلنا: فلا تعدوا هذه الآية: ١ - أن تكون مُطلَقة على جميع من قُتل مظلوماً. ٢ - أو تكون على من قُتل مظلوماً ممن فيه القود ممن قتله، ولا يُستدل على أنها خاصة إلا بسنة أو إجماع، فقال بعض من حضره: ما تعدو أحد هذين. فقلت: إعنِ أيهما شئت؟ قال: هي مُطْلَقة. قلت: أفرأيت رجلاً قتل عبده، وللعبد ابن حر، أيكون ممن قُتل مظلوماً؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت رجلاً قتل ابنه، ولابنه ابن بالغ، أيكون الابن المفتول ممن قُتل مظلوماً؟ قال: نعم. قلت: أفعلى واحد من هذين قود؟ قال: لا. قلت: ولم وأنت تقتل الحر بالعبد الكافر؟ قال: أما الرجل يقتل عبده، فإن السيد ولي دم عبده فليس له أن يقتل نفسه، وكذلك هو ولي دم ابنه، أو له فيه ولاية، فلا يكون له أن يقتل نفسه مع أن حديث النبي ﷺ يدل على أن لا يقتل والد بولده. فقيل: أفرأيت رجلاً قتل ابن عمه (أخي أبيه) وليس للمقتول ولي

стр. 845

غيره، وله ابن عم يلقاه بعد عشرة آباء أو كثر، أيكون لابن العم أن يقتل القاتل، وهو أقرب إلى المقتول منه بما وصفت؟ قال: نعم: قلت: وهذا الولي؟ قال: لا ولاية لقاتل، وكيف تكون له ولاية ولا ميراث له بحال؟ قلت: فما منعك من هذا القول في الرجل يقتل عبده وفي الرجل يقتل ابنه؟ قال: أما قتله ابنه فبالحديث، قيل: آلحَدِيثُ فيه أثبت، أم الحديث في أن لا يقتل مؤمن بكافر؟ فقد تركت الحديث الثابت. * * * قال الله : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) الأم: باب التحفظ في الشهادة: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) . قال الشَّافِعِي ﵀: ولا يسع شاهداً أن يشهد إلا بما علم، والعلم من ثلاثة وجوه: ١ - منها ما عاينه الشاهد، فيشهد بالمعاينة. ٢ - ومنها ما سمعه، فيشهد ما أثبت سمعاً من المشهود عليه.

стр. 846

٣ - ومنها ما تظاهرت به الأخبار مما لايمكن في أكثره العيان، وتثبت معرفته في القلوب، فيشهد عليه بهذا الوجه. الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أنزل - اللَّه تعالى - على نبيه ﷺ ، أن قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. يعني - والله أعلم -: ما تقدم من ذنبه قبل الوحي. وما تأخر أن يعصمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنه أول شافع ومشفع يوم القيامة، وسيد الخلائق، وقال لنبيه ﷺ : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الآية. وجاء النبيَّ ﷺ رجلٌ في امرأة رماها بالزنا، فقال له: يرجع، فأوحى الله إليه آية اللعان، فَلاعَنَ بينهما - وبسط الكلام في شرح ذلك -. مناقب الشافعى: باب (ما يستدل به على معرفته الشافعى بأصول الكلام وصحة اعتقاده فيها) : قال الشَّافِعِي ﵀: ثم أخبر - اللَّه تعالى - عما فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال في ذلك: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) .

стр. 847

قال الله : (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) مناقب الشافعى: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام وصحة اعتقاده فيه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض اللَّه - على الرِّجْلَين أن لا يمشي بهما إلى ما حرّم الله جل ذكره، فقال في ذلك: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) . * * * قال الله : (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) آداب الشَّافِعِي: باب (ما ذكر من معرفة الشَّافِعِي اللغات وما فسر من غريب الحديث، وغريب الكلام) قال الشَّافِعِي ﵀: وترأت على إسماعيل بن قسطنطين، وكان يقول: (القُرَاْنُ) : اسم وليس كهموز، ولم يُؤخذ من قرأت، ولو أخذ من قرأت: كان كل ما قُرئ قرآناً، ولكنه اسم: القرَآنُ، مثل التوراة، والإنجيل وكان يَهمِزُ (قَرَأْتَ) ولا يهمِزُ (الْقُرْآنَ) ، كان يقول: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) الآية.

стр. 848

قال الله : (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥) أحكام القرآن: فصل (فيمن لا يجب عليه الجهاد) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولله كتب نزلت قبل نزول القرآن، المعروف منها - عند العامة - التوراة والإنجيل. وقد أخبر اللَّه أنه: أنزل غيرهما، فقال: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) . وليس يعرف تلاوة كتاب إبراهيم، وذكَرَ زبور داود فقال: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) . * * * قال الله : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) الأم: اللعان: قال الشَّافِعِي ﵀: فكانت هذه أحكاماً وجبت باللعان، ليست باللعان بعينه، فالقول فيها واحد من قولين: أحدهما: أني سمعت من أرضى دينه وعقله وعلمه يقول: إنه لم يقض فيها ولا غيرها إلا بأمر اللَّه ﵎، قال: فأمْرُ الله إياه وجهان:

стр. 849

الوجه الأول: وحي ينزل فيتلى على الناس. والوجه الثاني: رسالة تأتيه عن الله ﵎ بأن افعل كذا، فيفعله. ولعل من حجة من قال هذا القول أن يقول: قال الله فيما يحكي عن إبراهيم: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) فقال غير واحد من أهل التفسير رؤيا الأنبياء وحي، لقول ابن إبراهيم الذي أُمر بذبحه: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) الآية. ومعرفته أن رؤياه أمْر أُمِرَ به، وقال اللَّه ﵎: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) الآية. فيذهب إلى أن الكتاب: هو ما يتلى عن الله تعالى، والحكمة: هي ما جاءت به الرسالة عن الله مما بينت سنة لرسول الله ﷺ . ثانيهما: وقال غيره: سنة رسول الله ﷺ وجهان: أحدهما: ما تبين مما في كتاب اللَّه المبين عن معنى ما أراد اللَّه بحمله خاصاً وعاماً. والآخر: ما ألهمه الله من الحكمة، وإلهام الأنبياء وحي، ولعل من حجة من قال هذا القول أن يقول قال اللَّه فيما يحكي عن إبراهيم ﵇: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) . فقال غير واحد من أهل التفسير رؤيا الأنبياء وحي لقول ابن إبراهيم عليهما السلام الذي أُمِرَ بذبحه: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ومعرفته أن رؤياه أمرٌ أُمِرَ به، وقال اللَّه ﵎ لنبيه ﷺ : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) إلى قوله: (فِي الْقُرْآنِ) الآية.

стр. 850

وقال غيرهم: سنة رسول الله ﷺ له وحي، وبيان عن وحي، وأمر جعله الله تعالى إليه بما ألهمه من حكمته، وخَصَّه به من نبوته، وفرض على العباد اتباع أمر رسول الله ﷺ في كتابه. قال الشَّافِعِي ﵀: وليس تعدو السنن كلها واحداً من هذه المعاني التي وصفتُ، باختلاف من حكيت عنه من أهل العلم، وأيها كان فقد ألزمه اللَّه تعالى خلقه، وفرض عليهم اتباع رسوله ﷺ فيه. وفي انتظار رسول الله ﷺ له الوحي في المتلاعنين حتى جاءه (فلاعن) ، ثم (سن الفرقة) ، و (سن نفي الولد) . و (لم يردد الصداق على الزوج وقد طلبه) دلالة على أن سنته لا تعدو واحداً من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم، بأنها تبين عن كتاب اللَّه، إما برسالة من اللَّه، أو إلهام له، وإما بأمر جعله اللَّه إليه، لموضعه الذي وضعه من دينه. * * * قال الله : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) قال البيهقي ﵀:

стр. 851

قال الشَّافِعِي ﵀ في الإملاء -: المني ليس بنجس؛ لأن اللَّه جل ثناءه أكرم من أن يبتدئ خلق من كرَّمهم، وجعل منهم النبيين والصديقين. والشهداء والصالحين، وأهلَ جنته من نجس، فإنه يقول: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) الآية. ثم ذكر حديث السيدة عائشة ﵂ في فرك المني من ثوب رسول الله ﷺ . * * * قال الله : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) قال الله : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) الأم: أول ما فرضت الصلاة: قال الشَّافِعِي ﵀: ويقال: نسَخت - هذه الآية الواردة أعلاه - ما وصفتُ من المزمل بقول اللَّه : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ودلوكها: زوالها.

стр. 852

(إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) العتمة. (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) الصبح. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) : فأعلمه - مطلقاً - أن صلاة الليل نافلة لا فريضة، وأن الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار. قال الشَّافِعِي ﵀: وبيان ما وصفت في سنة رسول الله ﷺ أخبرنا مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد اللَّه يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ فقال: لا، إلا أن تطوع" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: ففرائض الصلوات خمس، وما سواهما تطوع. الأم (أيضاً) : وقت الفجر: قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) الآية. وقال ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح. . . الحديث. والصبح: الفجر فلها اسمان: الصبح والفجر، لا أحب أن تسمى إلا بأحدهما، وإذا بَانَ الفجر الأخير معترضاً حلت صلاة الصبح، ومن صلاها قبل تبين الفجر الأخير معترضاً أعاد، ويصليها أول ما يستيقن الفجر معترضاً حتى يخرج منها مغلساً.

стр. 853

قال الشَّافِعِي ﵁: وأخبرنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﷺ كان ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يُعرَفنَ من الغلس" الحديث. ولا تفوت - أي: صلاة الصبح - حتى تطلع الشمس قبل أن يصلي منها ركعة، والركعة ركعة بسجودها، فمن لم يكمل ركعة بسجودها قبل طلوع الشمس فقد فاتته الصبح لقول النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" الحديث. الأم (أيضاً) : باب (النية في الصلاة) : قال الشَّافِعِي ﵀: فرض اللَّه الصلوات، وأبان رسول الله ﷺ عدد كل واحدة منهن، ووقتها، وما يعمل فيهن، وفي كل واحدة منهن، وأبان الله منهن نافلة، وفرضاً، فقال لنبيه ﷺ : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) الآية. ثم أبان ذلك رسول الله ﷺ فكان بيناً - والله تعالى أعلم - إذا كان من الصلاة نافلة وفرض، وكان الفرض منها مؤقتاً أن لا تجزئ عنه صلاة إلا بأن ينويها مصلياً. الرسالة: الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه، والسنة على بعضه قال الشَّافِعِي ﵀: فاحتمل قوله - تعالى -: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) الآية، أن يتهجد بغير الذى فرض عليه، مما تيسر منه.

стр. 854

قال الشَّافِعِي ﵀: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله ﷺ تدل على ألَّا واجب من الصلاة إلا الخمس، فصرنا إلى أن الواجب الخمس، وأن ما سواها من واجب من صلاة قبلها، منسوخ بها، استدلالاً بقول الله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) وأنها ناسخة لقيام الليل، ونصفه وثلثه، وما تيسر، ولسنا نحبُّ لأحد ترك أن يتهجد بما يسره اللَّه عليه من كتابه، مصلياً به، وكيف ما أكثر فهو أحب إلينا - ثم ذكر حديث طلحة بن عبيد، وعبادة بن الصامت ﵄ في الصلوات الخمس -. أحكام القرآن: فصل (فيما يؤتر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : قال البيهقي ﵀: وقرأت في كتاب حرملة: عن الشَّافِعِي ﵀: في قول اللَّه : (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) فلم يذكر في هذه الآية مشهوداً غيره، والصلوات مشهودات فأشبه أن يكون قوله مشهوداً: بأكثر مما تشهد به الصلوات، أو أفضل، أو مشهوداً بنزول الملائكة، يريد: صلاة الصبح. * * * قال الله : (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)

стр. 855

وقرأ الرييع إلى قوله: (بَشَرًا رَسُولًا) الأم: مبتدأ التنزيل والفرض على النبي ﷺ ثم على الناس: قال الشَّافِعِي ﵀: وأعلمه من علمه منهم، أنه لا يؤمن به، فقال: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) قرأ الربيع إلى: (بَشَرًا رَسُولًا) . * * * قال الله : (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) أحكام القرآن: فصل (فيما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات) : وفي رواية حرملة عنه: في قوله تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: واحتمل السجود، أن يخرَّ وذقنه - إذا خرَّ - تلي الأرض، ثم يكون سجوده على غير الذقن.

стр. 856

قال الله : (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) الأم: باب (كلام الإمام وجلوسه بعد السلام) أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني موسى ابن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله وحد. لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: وهذا من المباح للإمام وغير المأموم، وأي إمام ذكر الله بما وصفت جهراً، أو سراً، أو بغيره فحسن، وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا اللَّه بعد الانصراف من الصلاة، ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماماً يجب أن يُتَعلم منه فيجهر، حتى يرى أنه قد تُعلِّمَ منه، ثم يُسِرُّ، فإن اللَّه يقول: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) الآية، يعني - واللَّه تعالى أعلم - الدعاء. ولا تجهر: ترفع. ولا تخافت: حتى لا تسمع نفسك. وأحسب ما روى ابن الزبير من تهليل النبي ﷺ ، وما روى ابن عباس ﵄ من تكبيره كما رويناه.

стр. 857

قال الشَّافِعِي ﵀: وأحسب إنما جهر قليلاً أي: رسول الله ﷺ ليتعلم الناس منه؛ وذلك لأن عامة الروايات التي كتبناها مع هذا وغيرها ليس يذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبير، وقد يذكر أنه ذِكْرُ بعد الصلاة بما وصفت.

стр. 858

سورة الكهف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) مناقب الشَّافِعِي ﵀: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام وصحه اعتقاده فيها) : قال - السائل للشافعي -: وقد عرفتُ نقصانه وإتمامه - أي: الإيمان -. فمن أين جاءت قلادته؟ قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله جل ذكره: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: ولو كان هذا الإيمان كله واحداً لا نقصان فيه ولا زيادة، لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبَطُلَ التفضيل، ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة، وبالنقصان من الإيمان دخل المفرِّطون النار.

стр. 859

قال الله : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الأم: الاستثناء في اليمين: قيل للشافعي ﵀: فإنا نقول في الذي يقول: والله لا أفعل كذا وكذا إن شاء الله، أنه إن كان أراد بذلك الثُّنيا، فلا يمين عليه ولا كفارة إن فعل. وإن لم يرد بذلك الثنيا وإنَّما قال ذلك؛ لقول الله : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الآيتان. أو قال ذلك سهواً، أو استهتاراً، فإنه لا ثنيَا - عليه - وعليه الكفارة إن حنث، وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وأنه إن حلف فلما فرغ من يمينه نسَّق الثنيا بها، أو تدارك اليمين بالاستثناء بعد انقضاء يمينه ولم يَصل الاستثناءَ باليمين، فإنه إن كان نسقاً بها تباعاً، فذلك له استثناء، وإن كان بين ذلك صُمَاتٌ فلا استثناء له. قال الشَّافِعِي ﵀: من قال: والله، أو حلف بيمين ما كانت بطلاق أو عتاق، أو غيره، أو أوجب على نفسه شيئاً، ثم قال إن شاء الله موصولاً بكلامه، فقد استثنى، ولم يقع عليه شيء من اليمين وإن حنث، والوصل أن يكون كلامه نسَقاً، وإن كان بينه سكتة كسكتة الرجل بين الكلام للتذكر، أو العي، أو النفس، أو انقطاع الصوت، ثم وصل الاستثناء فهو موصول، وإنَّما القطع أن يحلف، ثم يأخذ في كلام ليس من اليمين من أمر أو نهي أو غيره، أو يسكت السكات الذي يبين أنه يكون قطعاً، فإذا قطع ثم استثنى لم يكن له الاستثناء.

стр. 860

الأم (أيضاً) : كتاب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال لنبيه ﷺ : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الآيتان. - وفد استشهد بهما في معرض نفيه للاستحسان كمصدر تشريعي -. الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) قال الشَّافِعِي ﵀: ثم جاءه قوم، فسألوه عن أصحاب الكهف وغيرهم، فقال: أعلمكم غداً، يعني: أسأل جبريل ثم أعلمكم، فأنزل اللَّه : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الآية. - وقد أورد الآيتين كذلك للدلالة على نفيه الاحتجاج بالاستحسان كمصدر للتشريع -. * * * قال الله : (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) الرسالة: باب (ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخله الخصوص) قال الشَّافِعِي ﵀: وهكذا قول الله: (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) الآية. وفي هذه الآية دلالة على أن لم يستطعما كل أهل قرية، فهي في معناهما.

стр. 861

سورة مريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقة سوى ما نص) قال الشَّافِعِي ﵀: فأخبر اللَّه جل ثناؤه: أن كل آدمى مخلوق من ذكر وأنثى؛ وسمى الذكر، أباً، والأنثى: أمًّا، ونبَّه أن ما نسب من الولد إلى أبيه نِعمة من نعمه، وقال: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) الآية. * * * قال الله : (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) مختصر المزنى: باب (جامع الأيمان الثاني) : قال الشَّافِعِي ﵀: ولو حلف لا يكلم رجلاً، ثم سلم على قوم والمحلوف عليه فيهم، لم يحنث إلا أن ينويه، ولو كتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً، فالورع أن يحنث، ولا يبين ذلك؛ لأن الرسول والكتاب غير الكلام.

стр. 862

قال المزني ﵀: هذا عندي به، وبالحق أولى، قال اللَّه جل ثناؤه: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) . فأفهمهم ما يقوم مقام الكلام، ولم يتكلم. وقد احتج الشَّافِعِي ﵀، بأن الهجرة محرمة فوق ثلاث، فلو كتب أو أرسل إليه، وهو يقدر على كلامه، لم يخرجه هذا من الهجرة التي يأثم بها. قال المزني ﵀: فلو كان الكتاب كلاماً لخرج به من الهجرة، فتفَهَّم. * * * قال الله : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) الأم: باب (الولاء والحِلْف) أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀ قال: أمر اللَّه ﵎ أن يُنسب من كان له نسب من الناس نسبين: من كان له أب أن ينسب إلى أبيه، ومن لم يكن له أب فلينسب إلى مواليه، وقد يكون ذا أب وله موالٍ، فينسب إلى أبيه ومواليه، وأولى نسَبَيه أن يبدأ به أبوه، وأمر أن ينسبوا إلى الإخوة في الدين مع الولاء، وكذلك ينسبون إليها مع النسب. والإخوة في الدين ليست بنسب، إنما هي صفة تفع على المرء بدخوله في الدين، ويخرج منها بخروجه منه.

стр. 863

والنسب إلى الولاء والآباء إذا ثبت لم يُزِلْه المولى من فوق، ولا من أسفل. ولا أب، ولا الولد. والنسب: اسم جامع لمعان مختلفة فينسب الرجل إلى العلم، وإلى الجهل. وإلى الصناعة، وإلى التجارة، وهذا كله نسب مستحدث من فعل صاحبه، وتركه الفعل، وكان منهم صنف ثالث لا آباء لهم يعرفون، ولا ولاء فنسبوا إلى عبودية اللَّه وإلى أديانهم وصناعاتهم، وأصل ما قلت من هذا في كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ، وما أجمع عليه عوام أهل العلم،. .. وقال اللَّه : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) . * * * قال الله : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) الأم: كتاب الجزية: قال الشَّافِعِي ﵀: وذكَرَ - اللَّه تعالى - إسماعيل بن إبراهيم فقال عز ذكره: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) .

стр. 864

سورة طه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) مناقب الشافعى: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي بأصول الكلام وصحه اعتقاده فيها) : قال الشَّافِعِي ﵀: ثم معنى قوله في الكتاب: (مَن فِى السمَآءِ) مَنْ فوق السماء على العرش، كما قال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) الآية، وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلا السماوات، فهو على العرش كما أخبر بلا كيف، بائن من خلقه، غير مماس من خلقه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . * * * قال الله : (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) الأم: باب (إبطال الاستحسان) : قال الشَّافِعِي ﵀: إن الله حكم على عباده حكمين:

стр. 865

١ - حكماً فيما بينهم وبينه، - وحكماً فيما بينهم في دنياهم، فحكم على عباده فيما بينهم وبينه - أن أثابهم وعاقبهم على ما أسروا، كما فعل بهم فيما أعلنوا، وأعلمهم إقامة للحجة عليهم، وبينها لهم أنه عَلِم سرائرهم وعلم علانيتهم، فقال: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) الآية، وقال: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) . الآية. وخلقه لا يعلمون إلا ما شاء ، وحجب علم السرائر عن عباده. ٢ - وبعث فيهم رسلاً، فقاموا باحكامه على خلقه، وأبان لرسله وخلقه - أن - أحكام خلقه في الدنيا على ما أظهروا. * * * قال الله : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) الأم: باب (الساعات التي تكره فيها الصلاة) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن الله يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) وأمرُه ﷺ "أن لا يمنع أحد طاف بالبيت، وصلى أي ساعة شاء. ." الحديث - بمعناه -، وصلى المسلمون على جنائزهم بعد الصبح والعصر.

стр. 866

قال الشَّافِعِي ﵀: وفيما روت أم سلمة من: "أن النبي ﷺ ، صلى في بينها ركعتين بعد العصر، كان يصليها بعد الظهر فَشُغِل عنهما بالوفد، فصلاهما بعد العصر.." الحديث - بمعناه -. الرسالة: النهي عن معنى يشبه الذي قبله في شيء ويفارقه في شيء غيره قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) " الحديث. وحدَّث أنس بن مالك، وعمران بن حصين عن النبي ﷺ : مثل معنى حديث ابن المسيب وزاد أحدهما: "أو نام عنها" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: فقال رسول الله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها" فجعل ذلك وقتاً لها، وأخبر به عن الله ﵎، ولم يستثني وقتاً من الأوقات يدعها فيه بعد ذكرها. أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزبير، عن عبد اللَّه بن باباه، عن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئاً

стр. 867

فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلَّى، أي ساعة شاء، من ليل أو نهار" الحديث. أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبي ﷺ : مثل معناه، وزاد فيه: "يا بنى عبد المطلب، يا بنى عبد مناف" ثم ساق الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: فأخبر جبير عن النبي ﷺ أنه أمر بإباحة الطواف بالبيت، والصلاة له في أي ساعة ما شاء الطائف والمصلِّي. وهذا يبين أنه إنَّما نهى عن المواقيت التي نهى عنها، عن الصلاة التي لا تلزم بوجه من الوجوه، فأما ما لزم فلم ينه عنه، بل أباحه ﷺ . وصلى المسلمون على جنائزهم عامة بعد العصر والصبح؛ لأنها لازمة. وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بعد الصبح، ثم نظر فلم يَرَى الشمس طلعت، فركب حتى أتى ذا طِوَى وطلعت الشمس، فأناخ فصلى، فنهى عن الصلاة للطواف بعد العصر وبعد الصبح كما نهى عما لا يلزم من الصلاة.

стр. 868

قال الشَّافِعِي ﵀: فإذا كان بعمر ﵁ أن يؤخر الصلاة للطواف، فإنما تركها لأن ذلك له؛ ولأنه لو أراد منزلاً بذي طوى لحاجة كان واسعاً إن شاء الله، ولكن سمع النهي جملة عن الصلاة، وضرب (المنكدر) عليها بالمدينة بعد العصر، ولم يسمع ما يدل على أنه إنما نهى عنها للمعنى الذي وصفنا، فكان يجب عليه ما فعل. ويجب على من علم المعنى الذي نهى عنه، والمعنى الذي أبيحت فيه، أن إباحتها بالمعنى الذي أباحها فيه خلاف المعنى الذي نهى فيه عنها، كما وصفتُ مما روى علي ﵁ عن النبي ﷺ من النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، إذا سمع النهي، ولم يسمع سبب النهي. قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فقد صنع أبو سعيد الخدري ﵁، كما صنع عمر ﵁؟ قلنا: والجواب فيه كالجواب في غيره. قال: فإن قال قائل: فهل من أحد صنع خلاف ما صنعا؟ قيل: نعم، ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والحسن، والحسين، وغيرهم ﵃ أجمعين، وقد سمع ابن عمر النهي من النبي ﷺ . أخبرنا ابن عيينه، عن عمرو بن دينار قال: "رأيت أنا وعطاء بن رباح، ابن عمر ﵄ طاف بعد الصبح، وصلى قبل أن تطلع الشمس" الحديث. قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا سفيان، عن عمار الدُّهني عن أبي شعبة: أن الحسن والحسين طافا بعد العصر وصليا. أخبرنا مسلم، وعبد المجيد،

стр. 869

عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: رأيت ابن عباس ﵄ طاف بعد العصر وصلَّى. قال الشَّافِعِي ﵀: وإنَّما ذكرنا تفرق أصحاب رسول الله ﷺ في هذا ليستدل مَن عَلِمَه على أن تفرقهم فيما لرسول الله فيه سنة، لا يكون إلا على هذا المعنى، أو على أن لا تبلغ السنة من قال خلافها منهم، أو تأويلِ تحتمله السنة، أو ما أشبه ذلك مما قد يرى قائله له فيه عذراً - إن شاء الله -، وإذا ثبت عن رسول الله ﷺ الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره. * * * قال الله : (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) مختصر المزني: باب (البكاء على الميت) : قال الشَّافِعِي ﵀: وأرخص الله تعالى في البكاء بلا ندب ولا نياحه. لما في النوح من تجديد الحزن، ومنع الصبر، وعظيم الإثم. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" وذكر ذلك ابن عباس لعائشة ﵄، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ : "ان الله ليعذب الميت ببكاء أهله عليه ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه" الحديث.

стр. 870

وقالت عائشة ﵂: حسبكم القرآن (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) . وقال ابن عباس عند ذلك: الله (أَضْحَكَ وَأَبْكَى) الآية. قال الشَّافِعِي ﵀: ما روت عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أشبه بدلالة الكتاب والسنة قال اللَّه : (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الآية. وقال: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) الآية. وقال ﵊ لرجل في ابنه: "إنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه " الحديث. وما زيد في عذاب الكافر فباستيجابه له، لا بذنب غيره. * * * قال الله : (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في التفسير في آيات متفرقةً سوى ما مضى: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَّمي قال: سمعت أبا الحسن بن مُقَسِّم (ببغداد) يقول: سمعت أحمد بن علي بن سعيد البزار يقول: سمعت أبا ثور يقول:

стр. 871

سمعت الشَّافِعِي ﵀ بقول: الفصاحة إذا استعملتها في الطاعة أشفى وأكفى في البيان، وأبلغ في الإعذار، لذلك دعا موسى ربه فقال: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) . لما علم أن الفصاحة أبلغُ في البيان.

стр. 872

سورة الأنبياء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) الرسالة: باب (الصنف الذي يُبَينُ سياقُه معناه) : قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) . وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها، فذكر قصم القرية، فلما ذكر أنها ظالمة، بأن للسامع أن الظالم إنما هم أهلها، دون منازلها التي لا تظلِم، ولما ذكر القوم المنشئين بعدها، وذكر إحساسهم البأس عند القصم، أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين. * * * قال الله : (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) الرسالة: باب (البيان الرابع) : قال الشَّافِعِي ﵀: فيجمع القبول لما في كتاب اللَّه، ولسنة رسول اللَّه ﷺ : القبول لكل واحد منهما عن اللَّه، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قُبِلَ بها

стр. 873

عنهما، كما أحل وحرّم، وفرض وَحَدَّ، بأسباب متفرقة، كما شاء جل ثناءه: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الزكاة: أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشَّافِعِي ﵀: الناس عبيد الله جل ثناؤه، فملَّكهم ما شاء أن يملكهم، وفرض عليهم فيما ملكهم ما شاء: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الآية، فكان فيما آتاهم، أكثر مما جعل عليهم فيه، وكل أنعم به عليهم جل ثناؤه، وكان - فيما فرض عليهم، فيما ملكهم - زكاة. * * * قال الله : (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) الأم: الإقرار بالشيء غير الموصوف قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا قال الرجل لفلان على مال، أو عندي، أو في يدي، أو قد استهلكت مالاً عظيماً، أو قال عظيماً جداً، أو عظيماً عظيماً، فكل هذا سواء، ويسأل ما أراد؟ فإن قال: أردت ديناراً أو درهماً، أو أقل من درهم مما يقع عليه اسم مال عرض أو غيره، فالقول قوله مع يمينه. وكذلك إن قال: مالاً صغيراً، أو صغيراً جداً، أو صغيراً صغيراً، من قبل أن جميع ما في الدنيا من متاعها

стр. 874

يقع عليه قليل - في الآخرة - قال الله ﵎: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) . الآية. وقليل ما فيها يقع عليه عظيم الثواب والعقاب، قال اللَّه : (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) الآية. وكل ما أثيب عليه وعُذِّب يقع عليه اسم كثير. * * * قال الله : (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) أحكام القرآن: ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الصيام: قال البيهقي: وقرأت في كتاب حرملة - فيما روى: عن الشَّافِعِي ﵀: أنه قال: جماع العُكُوف: ما لزمه المرء. فحبس عليه نفسه، من شيء (براً كان أو مأثماً) فهو عاكف. واحتج بقوله حكاية عمن رضي قوله: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) الآية. * * * قال الله : (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) مختصر المزني: مختصر الأيمان والنذور وما دخل فيهما. . .: قال الشَّافِعِي ﵀: ولو قال بالله، أو تالله، فهي يمين، نوى أو لم ينو. وقال في الإملاء: تالله يمين. وقال في القسامة: ليست بيمين.

стр. 875

قال المزني ﵀: وقد حكى الله يمين إبراهيم ﵇: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) الآية. * * * قال الله : (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) الأم: باب (في اجتهاد الحاكم) : قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) الآيتان. قال الحسن بن أبي الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا. ولكن اللَّه حمد هذا لصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده.

стр. 876

قال الله : (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) الرسالة: باب (فرض الصلاة الذي دلَّ الكتاب ثم السنة على من تزول عنه بالعذر) : قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان على معانٍ مختلفة؟ قيل: نعم، جماع الإحصان: أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم. فالإسلام مانع، وكذلك الحرية مانعة، وكذلك الزوج والإصابة مانع. وكذلك الحبس في البيوت مانع، وكل ما مَنَعَ أحصَن، قال الله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) الآية. * * * قال الله : (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) الإحياء:: وروي أن عبد القاهر بن عبد العزيز كان رجلاً صالحاً، ورعاً، وكان يسأل الشَّافِعِي ﵀ عن مسائل في الورع، والشَّافِعِي ﵀ يقبل عليه لورعه،

стр. 877

وقال للشافعي ﵀ يوماً: أي أفضل الصبر أو المحنة، أو التمكين؟ فقال الشَّافِعِي ﵀: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مُكِّن، ألا ترى أن الله امتحن إبراهيم ﵇ ثم مَكنه، وامتحن موسى ﵇ ثم مَكنه، وامتحن أيوب ﵇ ثم مَكنه، وامتحن سليمان ﵇ ثم مَكنه وآتاه ملكاً، والتمكين أفضل الدرجات. قال الله : (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) وأيوب ﵇ بعد المحنة العظيمة مُكن، قال الله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) الآية. قال الغزالي ﵀ فهذا الكلام من الشَّافِعِي ﵀ يدل على تبحره في أسرار القرآن، واطلاعه على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء والأولياء. * * * قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) الرسالة: باب (بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص) قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله جل ثناؤه: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الآية، فدل كتاب اللَّه على أنه إنَّما وقودها بعض الناس، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) .

стр. 878

قال الله : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) الأم: الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ: قال الشَّافِعِي ﵀: فالتوراة كتاب موسى ﵇، والإنجيل كتاب عيسى ﵇، والصحف كتاب إبراهيم ﵇، ما لم تعرفه العامة من العرب، حتى أنزل اللَّه : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) .

стр. 879

سورة الحج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الله : (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) مناقب الشافعى: باب (ما جاء في حسن مناظرة الشَّافِعِي وغلبته بالعلم والبيان كل من ناظره) : أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: سمعت أبا الفضل (الحسن بن يعقوب) يقول: سمعت أبا أحمد (محمد بن رَوح) بقول: سمعت أبا إسماعيل الترمذي يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: كنا بمكة، والشَّافِعِي بها، وأحمد بن حنبل رحمهما اللَّه. قال: وكان أحمد يجالس الشافعى، وكنت لا أجالسه، فقال لي أحمد، يا أبا يعقوب مُرَّ جالِسْ هذا الرجل. فقلت: ما أصنع به؟ سِنُّه قريب من سننا، أترك ابن عيينة، والمقبُري وهؤلاء المشايخ؟! فقال أحمد ويحك، إن هذا يفوت، وذاك لا يفوت. قال: فجالسته فتناظرنا في كراء بيوت مكة، وكان الشَّافِعِي يساهل فيه. وكنت لا أساهل فيه، فذكر حديثاً، وأخذت أنا في الباب أسرد عليه وهو ساكت، فلما أن فرغت، وكان معي رجل من أهل (مرو) فالتفت إليه فقلت -

стр. 880

بالفارسية -: (مردك لا كما لا نيست) (١) فعلم أني راطنت صاحبي: بشيء هجنْتُه فيه، فقال: تناظر؛ فقلت للمناظرة جئتُ. قال اللَّه : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية. نسب الديار إلى مالكيها، أو إلى غير مالكيها؟ قال: وقال النبي ﷺ ، يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟ قال: واشترى عمر بن الخطاب ﵁: (دار السجن) من مالك غير مالك؟ قال: قلت من مالك. قال: فلما عرفت أني قد أفحمت قُمتُ. قال: وقال غير أبي إسماعيل في هذه الحكاية: فقال له الشَّافِعِي: لو قلت قولك احتجت أن أُسِلسَل. قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا حكاية مناظرتهما في كتاب (المعرفة) أتم من هذا، وفيها من الزيادة: احتجاج الشَّافِعِي بقول النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من دار؛" الحديث. ثم معارضة إسحاق إياه بقول التابعين. قال الشَّافِعِي رحمه للُه: من هذا؟ قيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: فقال له الشَّافِعِي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟ قال إسحاق: هكذا يزعمون. قال الشَّافِعِي ﵀: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بعرك أذنيه.
следующие страницы →