قال الله : (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)
الرسالة: باب (فرض الصلاة الذي دلَّ الكتاب ثم السنة على من تزول عنه
بالعذر) :
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان على معانٍ
مختلفة؟
قيل: نعم، جماع الإحصان: أن يكون دون التحصين مانع من تناول
المحرم.
فالإسلام مانع، وكذلك الحرية مانعة، وكذلك الزوج والإصابة مانع.
وكذلك الحبس في البيوت مانع، وكل ما مَنَعَ أحصَن، قال الله:
(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) الآية.
* * *
قال الله : (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)
الإحياء::
وروي أن عبد القاهر بن عبد العزيز كان رجلاً صالحاً، ورعاً، وكان يسأل
الشَّافِعِي ﵀ عن مسائل في الورع، والشَّافِعِي ﵀ يقبل عليه لورعه،
стр. 877
وقال للشافعي ﵀ يوماً: أي أفضل الصبر أو المحنة، أو التمكين؟
فقال الشَّافِعِي ﵀: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مُكِّن، ألا ترى أن الله امتحن إبراهيم ﵇ ثم مَكنه، وامتحن موسى ﵇ ثم مَكنه، وامتحن أيوب ﵇ ثم مَكنه، وامتحن سليمان ﵇ ثم مَكنه وآتاه ملكاً، والتمكين أفضل الدرجات.
قال الله : (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ)
وأيوب ﵇ بعد المحنة العظيمة مُكن، قال الله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) الآية.
قال الغزالي ﵀ فهذا الكلام من الشَّافِعِي ﵀ يدل على تبحره
في أسرار القرآن، واطلاعه على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء
والأولياء.
* * *
قال الله : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)
الرسالة: باب (بيان ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله جل ثناؤه: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الآية، فدل كتاب اللَّه على أنه إنَّما وقودها بعض الناس، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) .
стр. 878
قال الله : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)
الأم: الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ:
قال الشَّافِعِي ﵀: فالتوراة كتاب موسى ﵇، والإنجيل
كتاب عيسى ﵇، والصحف كتاب إبراهيم ﵇، ما لم تعرفه العامة من العرب، حتى أنزل اللَّه : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) .
стр. 879
سورة الحج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)
مناقب الشافعى: باب (ما جاء في حسن مناظرة الشَّافِعِي وغلبته بالعلم والبيان كل من ناظره) :
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: سمعت أبا الفضل (الحسن بن يعقوب)
يقول: سمعت أبا أحمد (محمد بن رَوح) بقول: سمعت أبا إسماعيل الترمذي
يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: كنا بمكة، والشَّافِعِي بها، وأحمد بن
حنبل رحمهما اللَّه.
قال: وكان أحمد يجالس الشافعى، وكنت لا أجالسه، فقال لي أحمد، يا أبا
يعقوب مُرَّ جالِسْ هذا الرجل.
فقلت: ما أصنع به؟
سِنُّه قريب من سننا، أترك ابن عيينة، والمقبُري وهؤلاء المشايخ؟!
فقال أحمد ويحك، إن هذا يفوت، وذاك لا يفوت.
قال: فجالسته فتناظرنا في كراء بيوت مكة، وكان الشَّافِعِي يساهل فيه.
وكنت لا أساهل فيه، فذكر حديثاً، وأخذت أنا في الباب أسرد عليه وهو
ساكت، فلما أن فرغت، وكان معي رجل من أهل (مرو) فالتفت إليه فقلت -
стр. 880
بالفارسية -: (مردك لا كما لا نيست) (١) فعلم أني راطنت صاحبي: بشيء هجنْتُه فيه، فقال: تناظر؛ فقلت للمناظرة جئتُ.
قال اللَّه : (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية.
نسب الديار إلى مالكيها، أو إلى غير مالكيها؟
قال: وقال النبي ﷺ ، يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"
فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟
قال: واشترى عمر بن الخطاب ﵁: (دار السجن) من مالك غير مالك؟
قال: قلت من مالك.
قال: فلما عرفت أني قد أفحمت قُمتُ.
قال: وقال غير أبي إسماعيل في هذه الحكاية: فقال له الشَّافِعِي: لو قلت
قولك احتجت أن أُسِلسَل.
قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا حكاية مناظرتهما في كتاب (المعرفة) أتم
من هذا، وفيها من الزيادة: احتجاج الشَّافِعِي بقول النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من دار؛" الحديث.
ثم معارضة إسحاق إياه بقول التابعين.
قال الشَّافِعِي رحمه للُه: من هذا؟
قيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: فقال له
الشَّافِعِي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟
قال إسحاق: هكذا يزعمون.
قال الشَّافِعِي ﵀: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت
آمر بعرك أذنيه.
стр. 881
أنا أقول: قال رسول الله ﷺ ، وأنت تقول: عطاء، وطاووس، وإبراهيم، والحسن هؤلاء لا يرون ذلك، وهل لأحد مع رسول الله ﷺ حجة؟!
وفيها من الزيادة: قال له إسحاق: اقرأ: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) الآية.
فقال الشَّافِعِي ﵀: اقرأ أول الآية: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) هذا في المسجد خاصة.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، فيما بلغه عن (داود الأصبهاني)
أنه قال: لم يفهم (إسحاق) في ذلك الوقت (إيش) يحتج به الشَّافِعِي، وأراد
الشَّافِعِي ﵀: أن الدور لو كانت مباحة للناس - كان جواب النبي ﷺ ، أن يقول: أي موضع أدركنا في دار كان نزلنا، فإن ذلك مباح لنا، بل أشار إلى دورهم التي كانت لآبائهم، باعها عقيل بن أبي طالب ﵁ قبل أن يسلم، فلم يطالب بشيء منها، ولم يؤاخذ به أحداً، وقال: لم يترك لنا عقيل مسكناً.
فدل ذلك على أن كل من ملك فيها شيئاً فهو مالك، له منعه عن غيره.
* * *
قال الله : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)
الأم: كتاب (الحج) ، باب (فرض الحج على من وجب عليه الحج) :
أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر سنة سبع ومائتين قال:
стр. 882
أخبرنا محمد بن إدريس الشَّافِعِي ﵀ قال: أصل إثبات فرض الحج خاصة في كتاب اللَّه تعالى، ثم سنة رسول الله ﷺ ، وقد ذكر اللَّه الحج في غير موضع من كتابه.
فحكى أنه قال لإبراهيم ﵇: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الآية.
ثم ذكر الآيات المتعلق بفرضية الحج -.
الأم (أيضاً) : باب (دخول مكة لغير إرادة حج ولا عمرة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه لإبراهيم خليله:
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فسمعت بعض من أرضى من أهل العلم يذكر: أن
الله ﵎ لما أمر بهذا إبراهيم ﵇، وقف على المقام فصاح
صيحة: (عباد اللَّه أجيبوا داعي الله) فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته، ووافاه من وافاه يقولون: (لبيك داعي ربنا، لبيك) .
* * *
قال الله : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)
الأم: باب (الاختلاف في العيب)
قال الشَّافِعِي ﵀: والأهلة معروفة المواقيت، وما كان في معناها من
الأيام المعلومات، فإنه يقول: (فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) الآية. . .
стр. 883
الأم (أيضاً) : الضحايا الثاني:
قال الشَّافِعِي ﵀: والضحية نسك من النسك مأذون في كله.
وإطعامه، وادخاره، فهذا كله جائز في جميع الضحية، جلدها، ولحمها، وكره بيع شيء منه، والمبادلة به بيع.
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: ومن أين كرهت أن تباع، وأنت لا
تكره أن تؤكل وتدخر؟
قيل له: لما كان نسكاً فكان اللَّه حكم في البدن التي - هي نسُك، فقال : (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الآية.
وأذن رسول الله ﷺ في كل الضحايا والإطعام، كان ما أذن اللَّه فيه ورسوله ﷺ مأذوناً فيه، فكان أصل
ما أخرج لله معقولاً أن لا يعود إلى مالكه فيه شيء، إلا ما أذن الله فيه أو رسوله ﷺ .
مختصر المزني: باب (لحوم الضحايا) :
حدثنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزبير، عن جابر بن
عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ :
"نهى عن كل لحوم الضحابا بعد ثلاث".
ثم قال بعد ذلك:
"كلوا وتزودوا وادخروا" الحديث.
حدثنا الربيع قال:
стр. 884
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر.
عن عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه، أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث" الحديث.
قال عبد اللَّه بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعَفرَةَ
فقالت: صدق، سمعت، عائشة ﵂ تقول: دفَّ ناسٌ من أهل
البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ :
"ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي" الحديث.
قالت: فلما كان بعد ذلك قلنا لرسول اللَّه ﷺ :
لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم يجعلون منها الودك.
ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله ﷺ :
"وما ذاك"؟ أو كما قال، قالوا يا رسول اللَّه نهيت عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال رسول الله ﷺ :
" إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت حضرة الأضحى، فكلوا وتصدقوا
وادخروا" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: فيشبه أن يكون إنما نهى رسول الله ﷺ عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث إذا كانت الدَّافة على معنى الاختيار، لا على معنى الفرض، وإنما قلت: يشبه الاختيار لقول اللَّه : (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) الآية.
وهذه الآية في البدن التي يتطوع بها أصحابها، لا التي وجبت عليهم قبل أن يتطوعوا بها، وإنما أكل النبي ﷺ من هديه أنه كان تطوعاً، فأما ما وجب من الهدي كله فليس لصاحبه أن يأكل منه
شيئاً، كما لا يكون له أن يأكل من زكاته ولا من كفارته شيئاً، وكذلك إن
وجب عليه أن يخرج من ماله شيئاً فأكل بعضه، فلم يخرج ما وجب عليه
بكماله.
стр. 885
وأحبُّ لمن أهدى نافلة أن يطعم البائس الفقير، لقول اللَّه :
(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الآية.
الرسالة: باب (العلل في الأحاديث) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخاً في كل حال، فيُمسك الإنسان من ضحيته ما شاء، ويتصدق بما شاء - ثم ذكر ما ورد سابقاً في الأم - وقد علق محقق كتاب الرسالة قائلاً:
وهكذا تردد الشَّافِعِي في قوله في هذا كما ترى، فمرة يذهب إلى النسخ.
ومرة يذهب إلى أن النهي اختيار لا فرض، ومرة يذهب إلى أن النهي لمعنى فإذا وُجدَ ثبت النهي.
والذي أراه راجحاً عندي - للعلامة: أحمد محمد شاكر -: أن النهي عن
الادخار بعد ثلاث إنما كان من النبي ﷺ على سبيل تصرف الإمام والحاكم، فيما ينظر فيه لمصلحة الناس، وليس على سبيل التشريع في الأمر العام، بل يؤخذ منه أن للحاكم أن يأمر وينهى في مثل هذا، ويكون أمره واجب الطاعة، لا يسع أحداً مخالفته.
وآية ذلك أن النبي ﷺ حين أخبروه عما نابهم من المشقة في هذا سألهم:
وما ذاك؟ فلما أخبروه عن نهيه، أبان لهم عن علته وسببه، فلو كان هذا النهي تشريعاً عامًّا لذكر لهم أنه كان ثم نسخ، أما وقد أبان لهم عن العلة في النهي فإنه قصد إلى تعليمهم، أن مثل هذا يدور مع المصلحة التي يراها الإمام، وأن طاعته
стр. 886
فيه واجبة، ومن هذا نعلم أن الأمر فيه على الفرض لا على الاختيار، وإنما هو فرض محدد بوقت أو بمعنىً خاص، لا يُتجاوز به ما يراه الإمام من المصلحة. ..
ويختتم كلامه فائلاً: وهذا معنى دقيق بديع، يحتاج إلى تأمُّلٍ، وبُعدِ نظر.
وسَعَة اطلاع على الكتاب والسنة ومعانيهما، وتطبيقه في كثير من المسائل
عسير، إلا على من هدى الله.
* * *
قال الله : (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
الأم: باب (الطواف بعد عرفة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎:
(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
فاحتملت الآية:
١ - أن ئكون على طواف الوداع؛ لأنه ذكر الطواف بعد قضاء التفث.
٢ - واحتملت أن تكون على الطواف بعد (منى) ، وذلك أنه بعد حلاق
الشعر ولبس الثياب والتطيب، وذلك فضاء النفث.
وذلك أشبه معنييها بها، لأن الطواف بعد (منى) واجب على الحاج.
والتنزيل كالدليل على إيجابه - والله أعلم -، وليس هكذا طواف الوداع.
قال الشَّافِعِي ﵀: إن كانت نزلت في الطواف بعد (منى) دلَّ ذلك
على إباحة الطيب.
стр. 887
الأم (أيضاً) : باب (لا يقال شوط ولا دور)
أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، عن مجاهد ﵀، أنه كان يكره أن يقول
شوط، دور للطواف، ولكن يقول، طواف، طوافين.
قال الشَّافِعِي ﵀: وأكره من ذلك ما كره مجاهد؛ لأن الله قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
فسمى طوافاً؛ لأن الله تعالى سمى جماعه طوافاً.
الأم (أيضاً) : باب (ما جاء في موضع الطواف) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وإكمال الطواف بالبيت من وراء الحِجر، ووراء شاذروان الكعبة، فإن طاف طائف بالبيت، وجعل طريقه من بطن الحِجر - أي: حجر إسماعيل - أعاد الطواف، وكذلك لو طاف على شاذروان الكعبة أعاد الطواف.
فإن قال قائل: فإن الله يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: والمسجد كله موضع للطواف.
مختصر المزني: ومن كتاب المناسك:
قال الشَّافِعِي رحمه لله: أخبرنا ابن عيينة، حدثنا هشام، عن طاووس فيما
أحسب أنه قال: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الحِجر من البيت وقال الله (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
وقد طاف رسول الله ﷺ من وراء الحِجر.
стр. 888
قال الله : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
(٣٢)
الأم: باب (ما تجزي عنه البدنة من العدد في الضحايا)
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كانت الضحايا إنما هو دم يُتقرب به إلى الله
تعالى، فخير الدماء أحبّ إليَّ، وقد زعم بعض المفسرين: أن قول اللَّه : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الآية، استسمان الهدي واستحسانه.
وسئل رسول الله ﷺ : أي الرقاب أفضل؟
قال: "أغلاها ثمناً وأنفسُها عند أهلها" الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: والعقل مضطر إلى أن يعلم أن كل ما تقُرِّبَ به إلى
الله إذا كان نفيساً، كلما عظمت رزيَّتُه على المتقرب به إلى اللَّه ﵎، كان أعظم لأجره.
* * *
قال الله : (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)
الأم: باب (الإحصار بالعدو) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أما السنة فتدل على أن محله - أي: دم الإحصار
- في هذا الوضع نحره؛ لأن رسول الله ﷺ نحر في الحل، فإن قال - المحاور -:
стр. 889
فقد قال الله في البدن: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
فهو محلها.
فإن قال: فهل خالفك أحد في هدي المحصر؟
قيل: نعم، عطاء بن أبي رباح كان يزعم أن النبي ﷺ نحر في الحرم. ..
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: فإن الله يقول:
(حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) الآية.
قلت: على أن ينحرها عند البيت العتيق، الله أعلم بمحله، هاهنا يشبه أن يكون إذا أحصر نحره حيث أحصر، كما وصفتُ.
ومحله في غير الإحصار الحرم - والمنحر -، وهو كلام عربي واسع.
الأم (أيضاً) : باب (في قتل الدواب التي لا جزاء فيها في الحج)
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه
عنهما قال: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت فإن آخر النسك
الطواف بالبيت، قال مالك ﵀: وذلك فيما نرى - والله أعلم - لقول اللَّه جل ثناءه: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
فمحل الشعائر وانقضاؤها إلى البيت العتيق.
مختصر المزني: باب (الهدي) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وليس له أن ينحر دون الحرم، وهو محلها لقول اللَّه
جل وعز: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية، إلا أن يحصر، فينحر حيث
أحصر، كما فعل النبي ﷺ في الحديبية.
стр. 890
مناقب الشافعى: باب (ما يستدل به على معرفة الشَّافِعِي ﵀ بتفسير
القرآن ومعانيه، وسبب نزوله)
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو قال: حدثنا أبو العباس قال: أنبأنا الربيع قال: حدثئا الشَّافِعِي ﵀ في قوله : (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الآية.
قال: فزعم أهل العلم بالتفسير: أن محلها الحرم؛ كأنهم ذهبوا إلى أن الأرض
حِل وحَرَمٌ، فموضع البيت في الحرم.
وأن قول اللَّه: (إِلَى الْبَيْتِ) إلى موضع البيت الذي تبين من البلدان، لا إلى البيت نفسه، ولا إلى موضعه من المسجد؛ لأن الدم لا يصلح هناك. وعقلوا عن اللَّه أنه إنما أراد حاضري البيت العتيق من الهدي، فإن أجمع أن يذبح في الحرم فيأكله حاضره - أي: حاضري الحرم - من أهل الحاجة غير متغير، فقد جاء بالذى عليه.
* * *
قال الله : (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)
الأم: المكاتب
قال الشَّافِعِي ﵀: والخير كلمة يُعرف ما أريد منها بالمخاطبة بها.
وقال اللَّه : (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) الآية، فعقلنا أن الخير: المنفعة بالأجر، لا أن لهم في البُدن مالاً.
стр. 891
الأم (أيضاً) : باب (ذبائح أهل الكتاب)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقد أحل اللَّه لحوم البُدن مطلقة، فقال: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) الآية.
ووجدنا بعض المسلمين يذهب إلى: أن لا يؤكل من البَدَنة التي هي نذر، ولا جزاء صيد، ولا فدية، فلما احتملت هذه الآية، ذهبنا إليه وتركنا الجملة؛ لأنها خلاف للقرآن، ولكنها محتملة، ومعقول أن من وجب عليه شيء في ماله، لم يكن له أن يأخذ منه شيئاً؛ لأنا إذا جعلنا له أن
يأخذ منه شيئاً فلم نجعل عليه الكل، إنما جعلنا عليه البعض الذي أعطى، فهكذا ذبائح أهل الكتاب بالدلالة على شبيه ما قلنا.
الأم (أيضاً) : ما جاء في أمر النكاح:
قال الشَّافِعِي ﵀: والأمر في الكتاب، والسنة، وكلام الناس يحتمل
معاني:
أحدها: أن يكون اللَّه حرّم شيئاً ثم أباحه، فكان أمره إحلال ما حرم، منها قوله: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) الآية.
ليس حتماً أن لا يأكل من بَدَنتِه إذا نحرها، فإنما هي دلالة لا حتم، وأشباه لهذا كثير في كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ .
وزاد في كتاب المناقب:
قال الشَّافِعِي ﵀: وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب، ومعرفة
السنة، طلب الدلائل؛ ليفرفوا بين الحتم، والمباح، والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معاً.
стр. 892
مختصر المزني: باب (الهدي) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وما كان منها تطوعاً أكل منها، لقول الله جل وعز:
(فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) الآية.
وأكل النبي ﷺ من لحم هديه وأطعم.
وكان هديه تطوعاً، وما عُطِب منها نحرها وخلَّى بينها وبين المساكين، ولا بدل عليه فيها، وما كان واجباً من جزاء الصيد أو غيره، فلا يأكل منها شيئاً، فإن أكل فعليه بقدر ما أكل لمساكين الحرم، وما عُطِب منها فعليه مكانه.
مختصر المزني (أيضاً) : باب (لحوم الضحايا) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقوله: (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) الآية.
القانع: هو السائل. والْمُعْتَر: الزائر، والمار بلا وقت.
فإذا أطعم من هؤلاء واحداً أو أكثر فهو المطعمين، فأحبّ إلي ما أكثر، أن
يطعم ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويدخر ثلثاً ويهبط به حيث شاء، والضحايا من هذا السبيل - والله أعلم -.
وأحب إن كانت في الناس مخمصة أن لا يدخر أحد من أضحيته، ولا من
هديه أكثر من ثلاث؛ لأمر النبي ﷺ في الدافة، فإن ترك رجل أن يطعم من هدي تطوع أو أضحية فقد أساء، وليس عليه أن يعود للضحية، وعليه أن يُطعِم إذا جاءه قانع، أو مُعْتَرٌّ، أو بائسٌ فقير شيئاً؛ ليكون عوضاً مما منع، وإن كان في غير أيام الأضحى.
стр. 893
قال الله : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ)
الأم: مبتدأ الإذن بالقتال:
قال الشَّافِعِي ﵀: فأذن لهم بأحد الجهادين (بالهجرة) ، قبل أن يؤذن
لهم بأن يبتدئوا مشركا بقتال، ثم أذن لهم بأن يبتدئوا المشركين بقتال، قال اللَّه تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) الآيتان.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)
الأم: باب (حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الآية،
стр. 894
وقد أحاط العلم أن كل الناس في زمان رسول الله ﷺ لم يكونوا يدعون من دونه شيئاً؛ لأن فيهم المؤمن، ومَخرَج الكلام عاماً، فإنما أريد من كان هكذا.
* * *
قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
الأم: باب (التكبير للركوع وغيره) :
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو ترك التكبير، سوى تكبيرة الافتتاح، وقوله
سمع اللَّه لمن حمده، لم يُعِد صلاته، وكذلك من ترك الذكر في الركوع والسجود، وإنما قلت ما وصفت بدلالة الكتاب، ثم السنة.
قال اللَّه : (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) الآية.
ولم بذكر في الركوع والسجود عملاً غيرهما، فكانا الفرض.
فمن جاء بما يقع عليه اسم ركوع أو سجود فقد جاء بالفرض عليه، والذكر
فيهما سنة اختيار، وهكذا قلنا في المضمضة والاستنشاق مع غسل الوجه. . ثم ذكر حديث الذي لا يحسن الصلاة وكيفية ئعليم النبي ﷺ له الصلاة ولم يذكر فبه وجوب التسبيح بالركوع والسجود -.
مناقب الشافعى: باب (ما يؤثر عنه - الشافعى - في الإيمان) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض الله تعالى على الوجه: السجود للهِ بالليل
والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
стр. 895
ترتيب مسند الشَّافِعِي: في سجود التلاوة
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن نافع، "أن ابن عمر ﵄ سجد في سورة الحج سجدتين" الحديث.
أخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن
صعير، "أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بهم بالجابية فقرأ سورة الحج، فسجد فيها سجدتين" الحديث.
* * *
قال الله : (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)
الأم: أصل فرض الجهاد:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولما مضت لرسول الله ﷺ مدة من هجرته، أنعم الله تعالى فيها على جماعة باتباعه، حدثت لهم بها مع عون اللَّه قوة بالعدد، لم تكن قبلها؛ ففرض الله تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضاً، وقال :
(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) الآية.
стр. 896
الأم (أيضاً) : باب (ميراث الجد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلنا إذا ورث الجد مع الإخوة قاسمهم ما كانت
المقاسمة خيراً له من الثلث، فإذا كان الثلث خيراً له منها أُعطِيَه، وهذا قول
زيد بن ثابت، وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وقد رُوي هذا القولُ عن عمر وعثمان ﵄ أنهما قالا فيه مثل قول زيد بن ثابت ﵁.
وقد روي هذا أيضاً عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وهو قول الأكثر من فقهاء - أهل - البلدان، وقد خالفنا بعض الناس في ذلك فقال: الجد: أب، وقد اختلف فيه أصحاب النبي ﷺ .
فقال أبو بكر، وعائشة، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عتبة.
وعبد اللَّه بن الزبير ﵃، إنه أب إذا كان مع الإخوة طرحوا، وكان المال للجد دونهم.
وقد زعمنا نحن وأنت: أن أصحاب النبي ﷺ إذا اختلفوا لم نصر إلى قول واحد منهم دون قول الآخر، إلا بالثبت مع الحجة البينة عليه وموافقته للسنة، وهكذا نقول، وإلى الحجة ذهبنا في قول زيد بن ثابت، ومن قال قوله.
قالوا: فإنا نزعم أن الحجة في قول من قال: الجد أب، لخصالِ منها:
أن اللَّه قال: (يَا بَنِي آدَمَ) الآية.
وقال: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الآية.
فأقام الجد في النسب أباً، وأن المسلمين لم يختلفوا في أن لم يُنقِصوه من السدس، وهذا حكمهم للأب، وأن المسلمين حجبوا بالجد، الأخ لأم، وهكذا حكمهم في الأب - وأفاض في النقاش حول هذا الموضوع -.
стр. 897
سورة المؤمنون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)
مناقب الشَّافِعِي: باب (ما يؤثر عنه - الشَّافِعِي - في الإيمان)
قال الشَّافِعِي ﵀: وفرض الله على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى
ما حرّم اللَّه، وأن يغضي عما نهى اللَّه عنه، فقال في ذلك: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) . الآيات.
فذلك ما فرض اللَّه جل ذكره على السمع من التنزيه عما لا يحل له، وهو عمله، وهو من الإيمان.
الزاهر باب (زكاة الفطر) :
قال الأزهري ﵀: وأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)
ففيه قولان:
أحدهما: الذين هم للعمل الصالح عاملون.
والقول الثاني: الذين هم للزكاة مؤتون.
стр. 898
ترتيب مسند الشَّافِعِي: الباب السادس (في صفة الصلاة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، وعبد المجيد، عن ابن جريج
قال: أخبرنا محمد بن عباد بن جعفر، أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وابن عمر، والدراوردي، عن عبد اللَّه بن السائب قال:
"صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح
بمكة، فاستفتح بسورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر
عيسى، أخدت النبي ﷺ سَعْلَةٌ فَحَذَفَ فركع"، وعبد اللَّه السائب حاضر ذلك، الحديث.
* * *
قال الله : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)
الأم: تسري العبد:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) . الآيتان.
فدل كتاب اللَّه على أن ما أباحه من
الفروج، فإنما أباحه من أحد الوجهين، النكاح، أو ما ملكت اليمين.
стр. 899
الأم (أيضاً) : باب (الاستمناء) :
قال الشَّافِعِي رعه الله: قال الله :
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)
قرأ إلى: (الْعَادُونَ) .
قال الشَّافِعِي ﵀: فكان بيناً في ذكر حفظهم لفروجهم إلا على
أزواجهم، أو ما ملكت أيكانهم، تحريم ما سوى الأزواج، وما ملكت الأيمان، وبين أن الأزواج وملك اليمين من الآدميات دون البهائم، ثم أكَّدها فقال (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)
فلا يحل العمل بالذَّكَرِ إلا في الزوجة، أو ملك اليمين، ولا يحل الاستمناء - واللَّه أعلم -.
قال الشَّافِعِي رعه الله: وكان في قول اللَّه : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) الآيتان.
بيان أن المخاطبين بها الرجال لا النساء، فدل على أنه لا يحل للمرأة أن تكون متسرية بما ملكت يمينها، لأنها متسراة، أو منكوحة لا ناكحة، إلا بمعنى أنها منكوحة، ودلالة على تحريم إتيان البهائم، لأن المخاطبة بإحلال الفرج في الآدميات المفروض عليهن العدة، ولهن الميراث منهم، وغير ذلك من فرائض الزوجين.
الأم (أيضاً) : ما جاء في أمر النكاح:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن اللَّه يقول: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) .
стр. 900
قال الشَّافِعِي ﵀: والرجل لا يأتي النساء إذا نكح فقد غرَّ المرأة.
ولها الخيار في المقام أو فراقه إذا جاءت سَنَةٌ أجلها من يوم يضرب له السلطان.
قال الشَّافِعِي ﵀: أحب النكاح للعبيد والإماء اللاتي لا يطؤُهن
سادتهن، احتياطاً للعفاف، وطلب فضل وغنى، فإن كان إنكاحهن واجباً، كان قد أدَّى فرضاً، وإن لم يكن واجباً كان مأجوراً إذا احتسب نيته على التماس الفضل، بالاحتياط للتطوع.
الأم (أيضاً) : ما جاء في عدد ما يحل من الحرائر والإماء، وما تحل به الفروج:
أخبرنا الربيع قال:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال اللَّه ﵎: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) .
وقال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) .
فأطلق اللَّه ما ملكت الأيمان فلم يحد فيهم حداً يُنتهي إليه، فللرجل أن يتسرى كم شاء، ولا اختلاف علمته بين أحد في هذا، وانتهى ما أحل اللَّه بالنكاح إلى أربع، ودلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله على أن انتهاءه إلى أربع تحريماً منه؛ لأن يجمع أحد غير النبي ﷺ بين أكثر من أربع، لا أنه يحرم أن
ينكح في عمره أكثر من أربع إذا كن متفرقات، ما لم يجمع بين أكثر منهن؛ ولأنه أباح الأربع، وحرم الجمع بين أكثر منهن، فقال لغيلان بن سلمة،
стр. 901
ونوفل بن معاوية، وغيرهما، وأسلموا وعندهم كثر من أربع
"أمسك أربعاً وفارق سائرهنَّ" الحديث.
الأم (أيضاً) : من يقع عليه الطلاق من النساء:
قال الشَّافِعِي ﵀: يقول الله :
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)
فلم يحل الجماع إلا بنكاح، أو ملك، وحَكَمَ أن يقع في النكاح ما وصفنا، من طلاق يَحرُم به الحلال من النكاح وغيره، وحكم في الملك بأن يقع من المالك فيه العتق، فيحرم به الوطء بالملك، وفَرَّقَ بين إحلالهما وتحريمهما، فلم يجز أن يوطأ الفرج إلا بأحدهما دون الآخر، - أن تكون امرأته وهو يملكها - فلما ملك امرأته فحالت عن النكاح إلى الملك انفسخ النكاح.
قال الربيع ﵀: يريد (أي: الشَّافِعِي) بأحدهما دون الآخر أنه لا يجوز أن تكون امرأته وهو يملكها أو بعضها، حتى يكون مَلَك وحده بكماله، أو التزويج وحده بكماله.
مختصر المزني: ما يحل من الحرائر:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)
وفي ذلك دليل أن الله ﵎ أراد الأحرار؛ لأن العبيد لا يملكون.
стр. 902
قال الله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)
الرسالة: الحجة في تثبيت خبر الواحد:
قلت: ذكر تفسيرها في الآية / (٢٥) من سورة هود ﵇ فلا حاجة للتكرار.
стр. 903
سورة النور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الله : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِ نَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)
الأم: باب (من عاد لقتل الصيد) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وجعل الحد على الزاني، فلما أوجب اللَّه عليهم
الحدود، دلَّ هذا على أن النقمة كضاعفة العذاب في الآخرة إلا أن يتوبوا.
وجعل الحد على الزاني فلما أوجب الله عليهم الحدود، دل هذا على أن النقمة في الآخرة لا تسقِط حكم غيرها في الدنيا، قال الله ثبارك وتعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ) الآية.
فلم يختلف الناس في أنهما كلما زنيا بعد الحد جُلِدَا، فكان الحق عليهم في الزنا الآخر مثله في الزنا الأول.
الأم (أيضاً) : الأمان:
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت له - أي: للمحاور - ومن قال بباطن دون
ظاهر، بلا دلالة له في القرآن، والسنة، أو الإجماع، مخالف للآية. قال: نعم.
فقلت له: فأنت إذاً تخالف آيات من كتاب اللَّه .
قال: وأين؟
قلت: قال الله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
стр. 904
الأم (أيضاً) : في المرتد:
قال الشَّافِعِي ﵀: وإذا كانت في الهاربين امرأة، فحكمها حكم
الرجال؛ لأني وجدت أحكام اللَّه على الرجال والنساء في الحدود واحدة.
قال اللَّه ﵎: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)
الآية.
الأم (أيضاً) : ما يحرم من النساء بالقرابة:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
فرجم النبي ﷺ الزانيين الثيبين ولم يجلدهما، فاستدللنا
بسنة رسول الله ﷺ على أن المراد، وبالمائة من الزناة بعض الزناة.
الأم (أيضاً) : عدة الأمة:
قال الشَّافِعِي ﵀: ذكر الله العدد من الطلاق بثلاثة قروء، وثلاثة أشهر، ومن الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وذكر الله الطلاق للرجال باثنتين وثلاثة.
فاحتمل أن يكون ذلك كله على الأحرار والحرائر، والعبيد والإماء، واحتمل أن يكون ذلك على بعضهم دون بعض وكان اللَّه قد فرق في حد الزاني بين المماليك والأحرار، فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)
стр. 905
وقال في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) الآية.
الأم (أيضاً) : المدَّعي والمدَّعى عليه:
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، وقال بعض الخوارج بمثل معنى قولك (الخطاب: للمحاور) في اليمين مع الشاهد: يجلد كل من لزمه اسم الزنا، مملوكاً كان أو حراً محصناً أو غير محصن، وزعمت أن علي بن أبي طالب ﵁ جلد الزاني ورجمه، فلم رغبت عن هذا؟
قال الشَّافِعِي ﵀: جاء عن النبي ﷺ ما يدل على أنه رجم ماعزاً ولم يجلده، ورسول اللَّه ﷺ أعلم بمعنى ما أراد اللَّه عز ذكره.
الأم (أيضاً) : باب الإشهاد عند الدفع إلى اليتامى:
قال الشَّافِعِي ﵀: فإن قال قائل: الفاحشة تحتمل الزنا وغيره، فما
دل على أنها في هذا الموضع الزنا دون غيره؟
قيل: كتاب اللَّه، ثم سنة نبيه ﷺ .
ثم ما لا أعلم عالماً خالف فيه في قول اللَّه ، في اللاتي يأتين الفاحشة من
стр. 906
نسائكم، يُمْسَكْن حتى يجعل اللَّه لهن سبيلاً، ثم نزلت: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
فقال رسول الله ﷺ :
"قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" الحديث.
ودل اللَّه ورسوله ﷺ أن هذا الحد إنما هو على الزناة دون غيرهم، لم أعلم في ذلك مخالفاً من أهل العلم.
الأم (أيضاً) : باب (حكاية قول من ردَّ خبر الخاصة) :
قال الشَّافِعِي ﵀: قلت: فما تقول في الزاني الثيب، أترجمه؟
قال: نعم.
قلت: كيف ترجمه وممن نص بعض الناس علماء أن لا رجم على زان.
لقول اللَّه تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)
فكيف ترجمه ولم ترده إلى الأصل، من أن دمه محرم
حتى يجتمعوا على تحليله؟!
ومن قال هذا القول يحتج بأنه زان يدخل في معنى الآية، وأن يجلد مائة.
الأم (أيضاً) : باب (الرجل يمسك الرجل للرجل حتى يقتله) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، ولم أجد أحداً من خلق اللَّه تعالى يُقتدى به، حد أحداً قط على غير فعل نفسه أو قوله.
стр. 907
الأم (أيضاً) : باب (الصوم) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال الله عز ذكره: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
فلو صرنا إلى ظاهر القرآن ضربنا كل من لزمه
اسم زنا مائة جلدة، ورجم - النبي ﷺ الحرين الثيبين ولم يجلدهما، استدللنا على أن اللَّه إنما أراد بالجلد بعض الزناة دون بعض.
الأم (أيضاً) : اللعان:
قال الشَّافِعِي ﵀: اللعان لا يكون إلا بمحضر طائفة من المؤمنين؛ لأنه
لا يحضر أمراً يريد رسول الله ﷺ ستره ولا يحضره إلا وغيره حاضر له، وكذلك جميع حدود الزنا يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة؛ لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم وهذا يشبه قول اللَّه في الزانيين: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الآية.
الأم (أيضاً) : الخلاف في اللعان:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎ في الزانيين:
(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الآية.
أفتراه عَنَى بعذابهما الحد أو الحبس؟
قال: بل الحد، وليس السجن بحد، والعذاب في الزنا بالحدود.
стр. 908
مختصر المزني: مقدمة (اختلاف الحديث)
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، فكان مخرج هذا عامًّا، فدل رسول الله ﷺ على أن الله جل ثناؤه أراد بهذا رجم الحرين الثيبين ولم يجلدهما، فدلت السنة على أن الجلد على بعض الزناة دون بعض فقد يكون زانياً ثيباً فلا يجلد مائة، فوجب على كل
عالم أن لا يشك أن سنة رسول الله ﷺ إذا قامث هذا المقام مع كتاب اللَّه، في أن الله أحكم فرضه بكتابه وبين كيف ما فرض على لسان نبيه، فأبان على لسان نبيه ﷺ ما أراد به العام والخاص، كانت كذلك سنته في كل موضع، لا تختلف.
وأنّ قول من قال: تعرض السنة على القرآن، فإن وافقت ظاهره، وإلا
استعملنا ظاهر القرآن، ونركنا الحديث، جهل لما وصفت.
فأبان اللَّه لنا أن سنن رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها لا أن لنا معها
من الأمر شيئاً إلا التسليم لها، واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على
شيء غيرها، وأن كل ما سواها من قول الآدميين ئبع لها.
قال الشَّافِعِي ﵀: فذكرت ما قلت من هذا لعدد من أهل العلم
بالقرآن، والسنن والآثار، واختلاف الناس، والقياس، والمعقول، فكلهم قال: مذهبنا، ومذهب جميع من رضينا ممن لقينا، وحُكِيَ لنا عنه من أهل العلم.
مختصر المزني (أيضاً) : باب العقويات في المعاصي:
قال الشَّافِعِي ﵀: كانت العقوبات في المعاصي قبل أن ينزل الحد ثم
نزلت الحدود، ونسخت العقوبات فيما فيه الحدود.
стр. 909
حدثنا الربيع قال:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀ قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
النعمان بن مُرَّة، أن رسول الله ﷺ -قال:
"ما تقولون في الشارب والسارق والزاني؟
وذلك قبل أن تنزل الحدود، فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال رسول
الله ﷺ : هن فواحش، وفيهن عقوبات، وأسوأُ السرقة الذي يسرق صلاته"
ثم ساق الحديث.
قال الشَّافِعِي ﵀: ومثل معنى هذا في كتاب اللَّه، قال الله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) .
فكان هذا أول العقوبة للزانيين في الدنيا، ثم نسخ هذا عن
الزناة كلهم، الحر والعبد والبكر والثيب، فحدَّ الله البكرين الحرين المسلمين
فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
حدثنا الربيع:
أخبرنا الشَّافِعِي ﵀: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن
عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سمعت عمر بن
الخطاب ﵁ يقول: "الرجم في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت عليه البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف" الحديث.
стр. 910
أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب ﵀
يقول: قال عمر ﵁:
"إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا أجد
حدين في كتاب اللَّه، فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب اللَّه لكتبتها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتَّة"
فإنا قد قرأناها الحديث.
الرسالة: باب (ما نزل عاماً دلَّت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقال اللَّه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية.
وقال في الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) الآية.
فدل القرآن على أنه إنما أريد بجلد المائة، الأحرار دون الإماء، فلما رجم رسول الله ﷺ الثيب من الزناة ولم يجلده، دلت سنة رسول الله ﷺ على أن المراد بجلد المائة من الزناة:
الحُرُّان المِكْرَان دون غيرهما ممن لزمه اسم زنا.
الرسالة: ابتداء الناسخ والمنسوخ:
قال الشَّافِعِي ﵀: ولو جاز أن يقال: قد سنَّ رسول الله ﷺ ثم نسخ سنته بالقرآن، ولا يؤثر عن رسول الله السنة الناسخة، جاز أن يقال: فيمن رجم من الزناة، قد يحتمل أن يكون الرجم منسوخاً، لقول اللَّه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية -
وذكر نماذج أخرى - ثم قال:
стр. 911
ولجاز ردُّ كل حديث عن رسول اللَّه بأن يقال: لم يقله، إذا لم يجده مثل التنزيل، وجاز رد السنة بهذين الوجهين، فتركت كل سنة معها كتاب جملة تحتمل سنته أن توافقه، وهي لا تكون أبداً إلا موافقة له، إذا احتمل اللفظ فيما روي عنه خلاف اللفظ في التنزيل بوجه، أو احتمل أن يكون في اللفظ عنه أكثر مما في اللفظ في التنزيل، وإن كان محتملاً أن يخالفه من وجه، وكتاب اللَّه وسنة رسوله تدل على خلاف هذا القول، وموافقة ما قلنا.
الرسالة: باب (العلل في الأحاديث) :
قال الشَّافِعِي ﵀: وقلت له (أي: للمحاور) لو جاز أن تترك سنة مما
ذهب إليه من جهل مكان السنن من الكتاب، ترك ما وصفنا من المسح على
الخفين، وإباحة كل ما لزمه اسم بيع، وإحلال أن يُجمع بين المرأة وعمتها
وخالتها، وإباحة كل ذي ناب من السباع، وغير ذلك.
ولجاز أن يقال: إنما سنَّ النبي ﷺ الرجم على الثيب حتى نزلت عليه: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، فيجلد البكر والثيب، ولا نرجمه.
فمن قال هذا كان مُعَطِّلاً لعامة سنن رسول الله ﷺ ، وهذا القول جهل ممن قاله.
الرسالة (أيضاً) : وجه آخر (من الناسخ والمنسوخ) :
قال الشَّافِعِي ﵀: - بعد أن ذكر الآيتين / ١٥ و ١٦ من سورة النساء، فكان حدُّ الزانيين بهذه الآية الحبس والأذى، حتى أنزل اللَّه على رسوله حد الزنا، فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، وقال في
стр. 912
الإماء: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) الآية.
فنُسِخَ الحبس عن الزناة، وثبت عليهم الحدود.
ودل قول اللَّه في الإماء: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)
على فَرْق اللَّه بين حد المماليك والأحرار في الزنا، وعلى أن
النصف لا يكون إلا من جلد، لأن الجلد بعدد، ولا يكون من رجم، لأن الرجم إتيان على النفس بلا عدد؛ لأنه قد يؤتى عليها برجمة واحدة، وبألف وأكثر، فلا نصف لما لا يعلم بعدد، ولا نصف للنفس، فيؤتى بالرجم على نصف النفس.
واحتمل قول اللَّه في سورة النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) الآية، أن يكون على جميع الزناة الأحرار، وعلى بعضهم دون
بعض فاستدللنا بسنة رسول الله - بأبي هو وأمي - على من أريد بالمائة جلدة
- ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت -.
قال الشَّافِعِي ﵀: فدل قول رسول اللَّه: "قد جعل اللَّه لهن سبيلاً"
الحديث، أن هذا أول ما حد به الزناة، لأن اللَّه يقول: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) الآية.
ثم رجم رسول الله ماعزاً ولم يجلده، وامرأة الأسلمي ولم يجلدها، فدلت سنة رسول الله على أن الجلد منسوخ عن الزانيين الثيبين.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يكن بين الأحرار في الزنا فرق إلا بالإحصان
بالنكاح، وخلاف الإحصان به، وإذ كان قول النبي ﷺ : "قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" الحديث، ففي هذا دلالة على أنه أول ما نسخ الحبس عن الزانيين، وحُدَّا بعد الحبس، وأن كل حد حده الزانيين فلا يكون
стр. 913
إلا بعد هذا، إذ كان هذا أول حد الزانيين - ثم ذكر الحديث الذي أمَرَ به أنيساً أن يرجم امرأة الأعرابي إذا اعترفت، وحديث رجم النبي ﷺ لليهودية -.
قال الشَّافِعِي ﵀: فثبت جلد مائة والنفي على البكرين الزانيين.
والرجم على الثيبين الزانيين، وإن كانا ممن أريدا بالجلد فقد نسخ عنهما الجلد مع الرجم، وإن لم يكونا أريد بالجلد وأريد به البكران فهما مخالفان للثيبين.
ورجم الثيبين بعد آية الجلد، بما روى رسول الله ﷺ عن الله.
وهذا أشبه معانيه وأولاها به عندنا - والله أعلم -.
* * *
قال الله : (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)
الأم: نكاح المحدودين:
قال الشَّافِعِي ﵀: قال الله ﵎: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) .
قال الشَّافِعِي ﵀: اخئُلف في تفسير هذه الآية، فقيل: نزلت في بغايا
كانت لهن رايات، وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلَن به، أو مشركاً.
وقيل: كن زواني مشركات، فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهن مشرك، أو
مشرك وإن لم يكن زانياً: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الآية.
стр. 914
وقيل غير هذا.
وقيل: هي عامة، ولكنها نسخت.
أخبرنا سفيان، عن يحمص بن سعيد، عن ابن المسيب في قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) الآية.
قال: هي منسوخة، نسختها: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) الآية.
فهي من أيامى المسلمين.
قال الشَّافِعِي ﵀: فوجدنا الدلالة عن رسول الله ﷺ في زانية وزان من المسلمين، لم نعلمها حَرَّم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حرم واحداً منهما على زوجه، فقد أتاه ماعز بن مالك، وأقرَّ عنده بالزنا مراراً، لم يأمره في واحدة منها أن يجتنب زوجة له إن كانت، ولا زوجته أن تجتنبه، ولو كان الزنا يحرمه على زوجته أشبه أن يقول له: إن كانت لك زوجة حرمت عليك، أو لم تكن لم يكن لك أن تنكح، ولم نعلمه أمره بذلك، ولا أن لا ينكح.
ولا غيره أن لا ينكحه إلا زانية، وقد ذكر له رجل امرأة زنت وزوجها حاضر، فلم يأمر النبي ﷺ فيه، علمنا زوجها باجتنابها، وأمر أنيساً أن يغدو عليها فإن
اعترفت رجمها، وقد جلد ابن الأعرابي في الزنا مائة جلدة، وغرَّبه عامًّا، ولم ينهه كما علمنا أن ينكح،، ولا أحداً أن ينكحه إلا زانية.
وقد رفع الرجل الذي قذف امرأته إليه أمْر امرأته، وقذفها برجل، وانتفى
من حملها فلم يأمره باجتنابها حتى لاعَنَ بينهما - وساق أدلة أخرى على هذا
الموضوع -.
стр. 915
الأم (أيضاً) : ما جاء في نكاح المحدودين:
بعد أن ساق ما ورد مما ذكر بالفقرة السابقة من الأقوال -.
قال الشَّافِعِي ﵀: ورُوي من وجه آخر غير هذا، عن عكرمة أنه قال:
لا يزني الزاني إلا بزانية، أو مشركة.
والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك.
قال أبو عبد الله الشَّافِعِي ﵀: يذهب - أي: عكرمة ﵀ إلى
قوله: ينكح، أي: يصيب.
فلو كان كما قال مجاهد نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية، فَحُرِّمنَ على
الناس إلا من كان منهم زانياً أو مشركاً، فإن كن على الشرك فهن محرمات على زناة المسلمين، وغير زناتهم، وإن كن أسلمن، فهن بالإسلام محرمات على جميع المشركين لقول اللَّه تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) الآية.
قال الشَّافِعِي ﵀: ولا اختلاف بين أحد من أهل العلم في تحريم
الوثنيات - عفائف كن أو زواني - كن -، على من آمن زانياً كان أو عفيفاً، ولا في أن المسلمة الزانية محرمة على المشرك بكل حال.
قال الشَّافِعِي ﵀: وليس فيما رُوي عن عكرمة ﵀:
"لا يزني الزاني إلا بزانية أو مشركة"
تبيين شيء إذا زنى فطاوعته مسلماً كان أو مشركاً.
أو مسلمة كانت أو مشركة فهما زانيان والزنا محرم على المؤمنين، فليس في هذا أمر يخالف ما ذهبنا إليه فنحتج عليه.
قال الشَّافِعِي ﵀: ومن قال هذا حُكْمٌ بينهما، فالحجة عليه بما وصفنا
من كتاب اللَّه الذي اجتمع على ثبوت معناه أكثر أهل العلم، فاجتماعهم أولى أن يكون ناسخاً.