Полный текст (1 094 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَقت السّفر دفعا للضَّرَر.
قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي إِلَى وَقت سَفَره.
قَوْله: (أَو يستخبر رفقاءه) بِأَن يبْعَث إِلَيْهِم أَمينا، فَإِن قَالُوا أعد لِلْخُرُوجِ مَعنا يكفله إِلَى وَقت الْخُرُوج.
بَحر.
قَوْله: (لَا بَيِّنَة لي الخ) هَذِه الْمَسْأَلَة من تَتِمَّة قَوْله وَتقبل الْبَيِّنَة لَو أَقَامَهَا بعد الْيَمين، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّارِح هُنَاكَ بقوله: وَإِنْ قَالَ قَبْلَ الْيَمِينِ لَا بَيِّنَةَ لِي، فَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكرهَا هُنَاكَ ح.
قَوْله: (قبل ذَلِك الْبُرْهَان) لَان الْيَمين الْفَاجِرَة أَحَق بِالرَّدِّ من الْبَيِّنَة العادلة كَمَا مر.
قَوْله: (فَهِيَ شُهُود زور) لَان الشَّهَادَة تتَعَلَّق بالشهود، وَيجب عَلَيْهِم أَدَاؤُهَا وَيَأْثَم كاتمها، وَهَذَا القَوْل مِنْهُ لَا يثبت زور الْعدْل لانه قبل الشَّهَادَة ولانه فِي غير مَعْلُوم ولانه جرح مُجَرّد ط.
قَوْله: (أَو قَالَ) أَي الْمُدَّعِي.
قَوْله: (حَلَفت) بتاء الْخطاب.
قَوْله: (كَمَا مر) عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ غَيْرِ قَاضٍ إلَخْ لَكِنْ هُنَاكَ الْيَمِينُ من الْمُدَّعِي، وَقدمنَا الْكَلَام
عَلَيْهِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْكَرَ الْمُدَّعِي) أَيْ مُدَّعِي الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ) أَيْ لِمُدَّعِي الْإِيصَالِ.
قَوْلُهُ (فَطَلَبَ يَمِينَهُ) أَيْ يَمِينَ الدَّائِنِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْمُدَّعِي) أَيْ مُدَّعِي الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (اجْعَلْ حَقِّي فِي الْخَتْم) المُرَاد بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم: المنقد فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْقَامُوس إِن المختم كمنبر آلَة ينْقد بهَا، فَرَاجعه ط.
أَقُول: وَلَعَلَّه الْمعد الَّذِي يعد عَلَيْهِ الصيارفة والتجار وَفِي بَيت المَال الدَّرَاهِم، وَالْمَقْصُود إِحْضَار الْحق.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: المُرَاد، بالختم الصَّك، وَمَعْنَاهُ اكْتُبْ الصَّك بِالْبَيِّنَةِ ثمَّ استحلفني، أَو المُرَاد بإحضار نفس الْحق فِي شئ مَخْتُومٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَفِي حَاشِيَةِ الْفَتَّالِ عَنْ الْفَتَاوَى الْأَنْقِرَوِيَّةِ: يَعْنِي أَحْضِرْ حَقِّي ثُمَّ اسْتَحْلِفْنِي، وَمثله فِي الحامدية.
قَوْله: (لحَدِيث من كَانَ حَالفا) صَدره كَمَا فِي الْحَمَوِيّ: لَا تحلفُوا بإبائكم وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ، فَمن كَانَ حَالفا الخ.
وَلما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﵊ سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ فَقَالَ: إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأحمد.
وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله (ص) لَا تحلفُوا إِلَّا بِاللَّه، وَلَا تحلفُوا إِلَّا وَأَنْتُم صَادِقُونَ رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
عَيْني.
قَوْله: (وَظَاهره) أَي ظَاهر قَول الخزانة من قَوْله: وَهُوَ قَوْله وَالله إِنَّه لَو حلفه بِغَيْرِهِ من أَسمَاء الله أَو صفة تعورف الْحلف بهَا لم يكن يَمِينا: يَعْنِي فِي بَاب الدَّعْوَى، وَيُمكن أَن يكون وَجهه أَن لفظ الْجَلالَة جَامع لجَمِيع الاسماء وَالصِّفَات حَتَّى صحّح بَعضهم
стр. 632
أَنه الِاسْم الاعظم، وَقد ورد تَحْلِيف الشَّارِع بِهِ فَيقْتَصر عَلَيْهِ، وَيحْتَمل أَنه ذكره على سَبِيل التَّمْثِيل لما علم فِي كتاب الايمان أَنه ينْعَقد الْحلف بِكُل اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وكل صفة تعورف الْحلف بهَا، وَقد صَرَّحُوا هُنَا بِمَا يدل على ذَلِك.
قَالَ فِي خزانَة الْمُفْتِينَ: مَتى حلفه بِاللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم كَانَ يَمِينا وَاحِدًا، وَإِذا حلفه بِاللَّه والرحمن والرحيم يكون ثَلَاثَة أَيْمَان اهـ.
فَهَذَا صَرِيح بِأَن الرَّحْمَن والرحيم يَمِين.
تَأمل.
وَمثله فِي التَّبْيِين فَإِنَّهُ قَالَ: ويحترز عَن عطف بعض الاسماء على بعض كَيْلا يتَكَرَّر عَلَيْهِ الْيَمين، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ
يَمِين وَاحِدَة وَقد أَتَى بهَا.
اهـ.
وسيصرح الشَّارِح بِهِ فِي قَوْله ويجتنب الْعَطف كي لَا يتَكَرَّر الْيَمين وَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالْقَسَمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَالْحَقِّ، أَوْ بِصِفَةٍ يُحْلَفُ بِهَا مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَعِزَّةِ اللَّهِ وجلاله وكبريائه وعظمته الخ، فَهَذَا كُله يدل على كَونه يَمِينا، وَكَذَا مَا ثَبت فِي الحَدِيث وَرب الْكَعْبَة وَنَحْوه يَقْتَضِي أَن الْحلف بالرحمن والرحيم وَغَيره من أَسْمَائِهِ تَعَالَى يكون يَمِينا، على أَنه صرح فِي رَوْضَة الْقُضَاة بِأَن الْيَمين يكون بالرحمن والرحيم وَسَائِر أَسْمَائِهِ تَعَالَى.
وَأما الْحصْر فِي الحَدِيث الشريف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجبت والطاغوت وَنَحْوهمَا.
قَوْله: (بِغَيْرِهِ) كالرحمن والرحيم.
بَحر.
قَوْله: (لم يكن يَمِينا) قد علمت أَن الْحق أَنه يَمِين، وَلَا يشكل عَلَيْهِ مَا يفهم من ظَاهر عبارَة الدُّرَر من قَوْله: وَالْحلف بِاللَّه تَعَالَى دون غَيره، وَإِن كَانَ ظَاهره أَن هَذَا التَّرْكِيب للحصر كَمَا فِي الْحَمد لله لَان المُرَاد أَن لَا يكون الْحلف إِلَّا بِذَاتِهِ تَعَالَى: أَي باسم من أَسْمَائِهِ الذاتية أَو الصفاتية فقد انْتَفَى الاشكال، على أَنه هُوَ الْمُصَرّح بِهِ فِي عُمْدَة الْكتب بل عامتهم، وَلَا يُمكن أَن يُقَال إِن مَا ذَكرُوهُ فِي كتاب الايمان فرق عَن هُنَا: أَي الدَّعْوَى لانه لم يُصَرح أحد يفرق أصلا.
قَوْله: (وَلم أره صَرِيحًا بَحر) حَيْثُ قَالَ بعد نَقله عبارَة الخزانة: وَظَاهره أَنه لَا تَحْلِيف بِغَيْر هَذَا الِاسْم، فَلَو حلفه بالرحمن أَو الرَّحِيم لَا يكون يَمِينا، وَلم أره صَرِيحًا اهـ.
قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: فِيهِ قُصُور لوُجُود النَّص على خِلَافه، فقد ذكر فِي كتاب الايمان أَنه لَو قَالَ: والرحمن أَو الرَّحِيم أَو الْقَادِر فَكل ذَلِك يَمِين، وَيدل عَلَيْهِ قَوْلهم فِيمَا إِذا غلظ بِذكر الصّفة يحْتَرز عَن الاتيان بِالْوَاو لِئَلَّا تَتَكَرَّر الْيَمين وَنَصه هُنَا فِي تَحْلِيف الاخرس أَن يُقَال لَهُ عهد الله عَلَيْك، وَلَا فرق بَينه وَبَين الصَّحِيح بل صرح بِهَذَا الصَّحِيح، وَصرح فِي رَوْضَة الْقُضَاة بِأَن الرَّحْمَن الرَّحِيم وَسَائِر أَسمَاء الله تَعَالَى تكون يَمِينا اهـ.
أَقُول: وَالْعجب من المُصَنّف حَيْثُ نَقله وَأقرهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الشَّارِح.
قَوْله: (لَا بِطَلَاق وعتاق وَإِن ألح الْخصم) أَي داوم على طلب الْيَمين بهما، وَمثل الطَّلَاق وَالْعتاق الْحَج كَمَا فِي الْعِنَايَة، وَقد قصد بِهَذَا مُخَالفَة الْكَنْز والدرر حَيْثُ قَالَ: إِلَّا إِذا ألح الْخصم، وَحَكَاهُ فِي الْكَافِي بقيل، وَكَذَا فِي
الْهِدَايَة، فَإِن مَا مَشى عَلَيْهِ الشَّارِح هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة.
قَوْله: (لَان التَّحْلِيف بهما حرَام) بل فِي الْقُهسْتَانِيّ عَن الْمُضْمرَات اخْتلفُوا فِي كفره إِذا قَالَ حلفه بِالطَّلَاق، وَقدمنَا الْكَلَام قَرِيبا على مَا لَو حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا مَالَ عَلَيْهِ ثُمَّ برهن الْمُدَّعِي على المَال، وَسَيَأْتِي فِي كَلَام الشَّارِح.
قَوْله: (وَقِيلَ إنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ فُوِّضَ إلَى الْقَاضِي) قَالَ فِي الْمنية: وَإِن مست الضَّرُورَة يُفْتِي أَن الرَّأْي فِيهِ للْقَاضِي.
قَوْله:
стр. 633
(وَظَاهره أَنه مُفَرع على قَول الاكثر) تبع فِيهِ المُصَنّف وَصَاحب الْبَحْر وَهُوَ عَجِيب، فَإِن صَاحب الخزانة صرح بِأَن ذَلِك على قَول الاكثر فَهُوَ صَرِيح لَا ظَاهر.
قَوْله: (وَإِلَّا فَلَا فَائِدَة) قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: قد تكون فَائِدَته اطمئنان خاطر الْمُدَّعِي إِذا حلف فَرُبمَا كَانَ مشتبها عَلَيْهِ الامر لنسيان وَنَحْوه، فَإِذا حلف لَهُ بهما صدقه اهـ.
وَفِي شرح الْمُلْتَقى عَن الباقلاني: الاقرار بالمدعي إِذا احْتَرز عَنهُ.
اهـ: أَي تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا كَانَ جَاهِلًا بِعَدَمِ اعْتِبَارِ نُكُولِهِ، فَإِذَا طَلَبَ حَلِفَهُ بِهِ رُبَّمَا يمْتَنع ويقر بالمدعي.
قَوْله: (وَاعْتَمدهُ المُصَنّف) حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا كَلَام ظَاهر يجب قبُوله والتعويل عَلَيْهِ، لَان التَّحْلِيف إِنَّمَا يقْصد لنتيجته، وَإِذا لم يقْض بِالنّكُولِ عَنهُ فَلَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَال بِهِ، وَكَلَام الْعُقَلَاء فضلا عَن الْعلمَاء الْعِظَام يصان عَن اللَّغْو، وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ اهـ.
لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْكَمَالِ: فَإِنْ أَلَحَّ الْخَصْمُ: قيل يَصح بِهِمَا فِي زَمَانِنَا لَكِنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَلَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَا يَنْفُذُ انْتَهَت.
وَاسْتشْكل فِي السعدية بِأَنَّهُ إِذا امْتنع عَمَّا هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ شرعا فَكيف يجوز للْقَاضِي تَكْلِيف الاتيان بِمَا هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ شرعا؟ وَلَعَلَّ ذَلِك الْبَعْض يَقُول النَّهْي تنزيهي، وَمثل مَا فِي ابْن الْكَمَال فِي الزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّحْلِيفِ بِهِمَا يَقُولُ إنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَلَكِنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ أَدْنَى دِيَانَةٍ لَا يَحْلِفُ بِهِمَا كَاذِبًا فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَعِتْقِ الْأَمَةِ أَوْ إمْسَاكِهِمَا بِالْحَرَامِ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُتَسَاهَلُ بِهِ فِي زَمَانِنَا كَثِيرًا.
تَأَمَّلْ.
قَوْله: (لَا يفرق) أَي بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة.
قَوْله: (لَان السَّبَب لَا يسْتَلْزم قيام الدّين) لاحْتِمَال وفائه أَو إبرائه أَو هِبته مِنْهُ، وَهَذَا التَّفْصِيل هُوَ
الْمُفْتى بِهِ كَمَا فِي شرح عبد الْبر ط.
قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قِيَامِ الْمَالِ: لَا يَحْنَث لاحْتِمَال صدقه) .
أَقُول: تقدم قَرِيبا قَوْله وَيظْهر كذبه بإقامتها لَوْ ادَّعَاهُ: أَيْ الْمَالَ بِلَا سَبَبٍ فَحَلَفَ، وَإِن ادَّعَاهُ بِسَبَب فَحلف أَن لَا دين عَلَيْهِ ثمَّ أَقَامَهَا لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ وَجَدَ الْقَرْضَ، ثُمَّ وَجَدَ الْإِبْرَاءَ أَوْ الْإِيفَاءَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَقد ذكرنَا هُنَاكَ الْكَلَام وَبحث الْمَقْدِسِي فِيهِ وَالْجَوَاب عَنهُ فَرَاجعه إِن شِئْت.
قَوْله: (وَقد تقدم) أَي فِي كَلَام المُصَنّف حَيْثُ قَالَ: وَيظْهر كذبه بإقامتها لَو ادَّعَاهُ بِلَا سَبَب فَحلف الخ، وَإِنَّمَا أعَاد هُنَا لَان هَذِه الْعبارَة أوضح وأدل على الْمَطْلُوب، وفيهَا زِيَادَة فَائِدَة كذكر الْخلاف بَين مُحَمَّد وَأبي يُوسُف، وَهُوَ كالشرح للعبارة الْمُتَقَدّمَة، فقد بَين بِهِ أَن إِطْلَاق الدُّرَر على قَول أحد الشَّيْخَيْنِ، وَلَا اعْتِرَاض على من أَتَى بالعبارة التَّامَّة بعد الْعبارَة القاصرة، كَمَا قَالُوا فِي عطف الْعَام على الْخَاص لَا يحْتَاج إِلَى نُكْتَة لما فِيهِ من زِيَادَة الْفَائِدَة.
تَأمل.
стр. 634
مطلب: مسَائِل ذكرهَا الْخصاف فِي آخر كتاب الْحِيَل قَالَ الْعَلامَة الشلبي فِي حَاشِيَة الزَّيْلَعِيّ: وَنَذْكُر نبذا من مسَائِل ذكرهَا الْخصاف فِي آخر كتاب الْحِيَل: إِن قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق مثلا، وَنوى كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا بِالْيَمِينِ أَو الْهِنْد أَو بالسند أَو فِي بلد من الْبلدَانِ لَهُ نِيَّته، وَإِن ابْتَدَأَ الْيَمين يحتال وَيَقُول: هُوَ الله، ويدغم ذَلِك حَتَّى لَا يفهم المستحلف.
فَإِن قَالَ المستحلف: إِنَّمَا أحلفك بِمَا أُرِيد وَقل أَنْت نعم، وَيُرِيد أَن يستحلفه بِاللَّه وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْمَشْي وَصدقَة مَا يملك، يَقُول نعم وَيَنْوِي نعما من الانعام، وَكَذَا لَو قيل لَهُ نساؤك طَوَالِق وَنوى نِسَاءَهُ العور أَو العميان أَو العرجان أَو المماليك أَو اليهوديات فَيكون لَهُ نِيَّته.
وَإِن أَرَادَ أَن يحلف أَنه لم يفعل كَذَا وأحصر الْمَمْلُوك ليحلف بِعِتْقِهِ قَالَ: يضع يَده على رَأس الْمَمْلُوك أَو ظَهره وَيَقُول هَذَا حر: يَعْنِي ظَهره إِن كَانَ فعل فَلَا يعْتق الْمَمْلُوك.
وَإِن حلف بِعِتْق الْمَمْلُوك أَنه لم يفعل كَذَا، وَنوى بِمَكَّة أَو فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، أَو فِي بلد من
الْبلدَانِ لَا يَحْنَث إِن كَانَ فعله فِي غير ذَلِك الْموضع.
وَإِن حلف بِطَلَاق امْرَأَته وَيَقُول امْرَأَتي طَالِق ثَلَاثًا، وَيَنْوِي عملا من الاعمال كالخبز وَالْغسْل أَو أطالق من وثاق، وَيَنْوِي بقوله ثَلَاثًا ثَلَاثَة أَيَّام أَو أشهر أَو جمع فَلَا حنث.
وَلَو بلغ سُلْطَانا عَن رجل كَلَام فَأَرَادَ السُّلْطَان أَن يحلفهُ عَلَيْهِ فَالْوَجْه أَن يَقُول: مَا الَّذِي بلغك عني؟ فَإِذا قَالَ بَلغنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا، فَإِن شَاءَ حلف لَهُ بالعتاق وَالطَّلَاق أَنه مَا قَالَ هَذَا الْكَلَام الَّذِي حَكَاهُ هَذَا وَلَا سمع بِهِ إِلَّا هَذِه السَّاعَة فَلَا إِثْم عَلَيْهِ، وَإِن شَاءَ نوى فِي الطَّلَاق وَالْعتاق مَا شرحناه، وَإِن شَاءَ نوى أَنه لم يتَكَلَّم بِهَذَا الْكَلَام بِالْكُوفَةِ مثلا غير الْبَلَد الَّذِي تكلم فِيهِ بِهِ أَو الْموضع، أَو يَنْوِي عدم التَّكَلُّم لَيْلًا، وَإِن تكَلمه نَهَارا أَو عَكسه أَو يَنْوِي زَمنا غير الَّذِي تكلم فِيهِ.
اهـ مُلَخصا.
أَقُول: الظَّاهِر فِي ذَلِك أَن الْحَالِف مَظْلُوما، أما لَو كَانَ ظَالِما فَلَا يَنْوِي، بل الْعبْرَة بِظَاهِر اللَّفْظ الْعرفِيّ الَّذِي حلف بِهِ، لَان الْأَيْمَان مَبْنِيَّة على الْأَلْفَاظ لَا على الْأَغْرَاض كَمَا علم ذَلِك من كتاب الايمان، فَرَاجعه.
قَوْله: (ويغلظ بِذكر أَوْصَافه تعاى) أَيْ يُؤَكِّدُ الْيَمِينَ بِذِكْرِ أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مثل قَوْله: * ((٥٩) هُوَ الله الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة الرَّحْمَن الرَّحِيم) * (الْحَشْر: ٢٢) الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ مَا لِفُلَانٍ هَذَا عَلَيْك وَلَا قِبَلَك هَذَا المَال الَّذِي ادَّعَاهُ وَلَا شئ مِنْهُ، لِأَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يمْتَنع عَن الْيَمين بالتغليظ، ويتجاسر عِنْدَ عَدَمِهِ فَيُغَلَّظُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ بِذَلِكَ، وَلَو لم يغلظ جَازَ، وَقيل: لَا تَغْلِيظ على الْمَعْرُوف بالصلاح، ويغلظ على غَيره، وَقيل يغلظ على الخطير من المَال دون الحقير.
عَيْني.
قَوْله: (وَقَيده) أَي قيد بَعضهم التَّغْلِيظ.
قَوْله: (بفاسق) أَي إِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ فَاسِقًا.
قَوْله: (وَمَال خطير) أَي كَمَا ذكرنَا كَمَا بَينه فِي خزانَة الْمُفْتِينَ وتبيين الْحَقَائِق.
قَوْله: (وَالِاخْتِيَار فِيهِ) أَي فِي التَّغْلِيظ لما علمت من أَنه جَائِز وَيجوز إرجاع الضَّمِير إِلَى أصل الْيَمين: أَي الِاخْتِيَار فِي الْيَمين بِأَن يَقُول لَهُ قل وَالله أَو بِاللَّه أَو الرَّحْمَن والقادر على مَا سلف، وَقد صَرَّحُوا أَن التَّحْلِيف حق القَاضِي: أَي الِاخْتِيَار فِي صفة التَّغْلِيظ إِلَى الْقُضَاة يزِيدُونَ فِيهِ مَا شاؤوا أَو ينقصُونَ مَا شاؤوا وَلَا يغلظون لَو شاؤوا كَمَا فِي الْبَحْر عَن الْخُلَاصَة.
قَوْله: (وَفِي صفته) أَي التَّغْلِيظ
стр. 635
الَّتِي ينْطَلق بهَا.
قَوْله: (إِلَى القَاضِي) أَي تفويضه إِلَى القَاضِي.
قَوْله: (ويجتنب الْعَطف) أَي فِي الْيَمين فَلَا يذكرهُ بِحرف الْعَطف ويحترز عَن عطف بعض الاسماء على بعض وَإِلَّا لتَعَدد الْيَمين، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ يَمِين وَاحِدَة وَقد أَتَى بهَا كَمَا أَفَادَهُ الزَّيْلَعِيّ وقدمناه قَرِيبا فَلَا تنسه.
قَوْله: (لَا يسْتَحبّ) وَقيل لَا يجب، وَقيل لَا يشرع.
وَظَاهر مَا فِي الْهِدَايَة أَن الْمَنْفِيّ وجوب التَّغْلِيظ بهما فَيكون مَشْرُوعا، وَظَاهر مَا فِي الْمُحِيط فِي مَوضِع أَن الْمَنْفِيّ كَونه سنة وَفِي مَوضِع بعده عدم مشروعيته حَيْثُ قَالَ: لَا يجوز التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان، وَصرح فِي غَايَة الْبَيَان أَن للْحَاكِم فعله عندنَا إِن رأى ذَلِك، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي كَونه وَاجِبا أَو سنة.
وَفِي الْبَحْر: لَا يجوز التَّغْلِيظ بِالْمَكَانِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: قيل لَا يجب، وَقيل لَا يشرع، لَان فِي التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ تَأْخِير حق الْمُدَّعِي إِلَى ذَلِك الزَّمَان.
قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: وَكَذَا فِي الْمَكَان لَان فِيهِ التَّأْخِير إِلَى الْوُصُول إِلَى ذَلِك الْمَكَان المغلظ بِهِ، فَلَا يشرع.
كَذَا فِي التَّبْيِين وَالْكَافِي.
اهـ.
قلت: وَهَذَا لَا يظْهر إِذا كَانَ على وفْق مَطْلُوبه، وَلَو علل بمخالفته الْمَشْرُوع لَكَانَ أولى، وَعند الشَّافِعِي: يسْتَحبّ هَذَا التَّغْلِيظ فِي قَول، وَيجب فِي قَول بِهِ قَالَ مَالك كَمَا فِي البناية وَغَيره.
أَقُول: الظَّاهِر أَن الْمَذْهَب عندنَا عدم جَوَاز هَذَا التَّغْلِيظ، وَعَلِيهِ دَلَائِل مَشَايِخنَا الْمَذْكُورَة فِي الشُّرُوح وَأما سلب حسن هَذَا لتغليظ تَارَة وسلب الْوُجُوب أُخْرَى فِي عبارتهم فمبني على نفي مَذْهَب الْخصم.
تدبر.
قَوْله: (بِزَمَان) مثل يَوْم الْجُمُعَة.
قَوْله: (وَلَا بمَكَان) مثل الْجَامِع عِنْد الْمِنْبَر أَو مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَعند قَبره ﵊ وَعند صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس.
قَوْله: (وَظَاهره أَنه مُبَاح) فِيهِ أَن الْمُبَاح مَا اسْتَوَى طرفاه فَكَانَ يَقُول فَهُوَ خلاف الاولى.
وَأَقُول كَيفَ يكون مُبَاحا وَفِيه زِيَادَة على النَّص، وَهُوَ قَوْله (ص) الْيَمين على من أنكر وَهُوَ مُطلق عَن التَّقْيِيد بِزَمَان أَو مَكَان، والتخصيص بهما زِيَادَة على النَّص، وَهُوَ نسخ كَمَا أَفَادَهُ الْعَيْنِيّ.
وَفِي شرح الْمُلْتَقى للداماد وَعند الائمة الثَّلَاثَة: يجوز أَن تغلظ بهما أَيْضا إِن كَانَت الْيَمين فِي قسَامَة ولعان وَمَال عَظِيم.
قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: وَعَن أبي يُوسُف أَنه يوضع الْمُصحف فِي حجره، وَيقْرَأ الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهِي * ((٣) إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا) * (آل عمرَان: ٧٧) الْآيَة ثمَّ يحلف فِي مَكَان مِنْهَا
كَمَا فِي الْمُضْمرَات.
قَوْله: (ويستحلف الْيَهُودِيّ) قَالَ فِي الْمِصْبَاح: الْيَهُودِيّ نِسْبَة إِلَى هود، وَهُوَ اسْم نَبِي عَرَبِيّ، وَسمي بِالْجمعِ والمضارع من هدى إِذا رَجَعَ، وَيُقَال هم يهود وَهُوَ غير منصرف للعلمية وَوزن الْفِعْل، وَجَاز تنوينه، وَقيل نِسْبَة إِلَى يهود بن يَعْقُوب.
قَوْله: (بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى) لقَوْله ﵊ لِابْنِ صوريا الاعور: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى أَن حكم الزِّنَا فِي كتابكُمْ هَذَا كَمَا فِي الْبَحْر.
стр. 636
قَالَ فِي الْبَدَائِع: وَلَا يحلف على الاشارة إِلَى مصحف معِين: أَي من التَّوْرَاة بِأَن يَقُول: بِاللَّه الَّذِي أنزل هَذِه التَّوْرَاة أَو هَذَا الانجيل، لانه ثَبت تَحْرِيف بَعْضهَا فَلَا يُؤمن أَن تقع الاشارة إِلَى الْحَرْف المحرف فَيكون التَّحْلِيف تَعْظِيمًا لما لَيْسَ كَلَام الله تَعَالَى شرنبلالية.
أَو من حَيْثُ إِن الْمَجْمُوع لَيْسَ كَلَام الله تَعَالَى ط.
قَوْله: (وَالنَّصْرَانِيّ) قَالَ فِي الْمِصْبَاح: رجل نَصْرَانِيّ بِفَتْح النُّون وَامْرَأَة نَصْرَانِيَّة، وَرُبمَا قيل نصران ونصرانة، وَيُقَال هُوَ نِسْبَة إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا نصْرَة، وَلِهَذَا قيل فِي الْوَاحِد نصري على الْقيَاس، وَالنَّصَارَى جمعه مثل مهري ومهارى، ثمَّ أطلق النَّصْرَانِي على كل من تعبد بِهَذَا الدّين اهـ.
قَوْله: (والمجوسي) قَالَ فِي الْمِصْبَاح: هِيَ كلمة فارسية يُقَال تمجس: إِذا دخل فِي دين الْمَجُوس، كَمَا يُقَال تهود أَو تنصر إدا دخل فِي دين الْيَهُود والنصاري.
قَوْله: (فيغلظ على كل بمعتقده) لتَكون ردعا لَهُ عَن الْيَمين الكاذبة.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَمَا ذكره من صُورَة تَحْلِيف الْمَجُوسِيّ مَذْكُور فِي الاصل.
وروى عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يحلف أحد: أَي من أهل الْكفْر إِلَّا بِاللَّه خَالِصا تحاشيا عَن تشريك الْغَيْر مَعَه فِي التَّعْظِيم.
وَذكر الْخصاف أَنه لار يحلف غير الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إِلَّا بِاللَّه، وَاخْتَارَهُ بعض مَشَايِخنَا لما فِي ذكر النَّار من تعظيمها، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِك، بِخِلَاف الْكِتَابَيْنِ لانهما من كتبه تَعَالَى، وَظَاهر مَا فِي الْمُحِيط أَن مَا فِي الْكتاب قَول مُحَمَّد، وَمَا ذكره الْخصاف قَوْلهمَا.
فَإِنْ قُلْت: إذَا حَلَفَ الْكَافِرُ بِاَللَّهِ فَقَطْ وَنَكَلَ عَمَّا ذُكِرَ هَلْ يَكْفِيهِ أَمْ لَا؟ قلت: لم أره صَرِيحًا، وَظَاهر قَوْلهم إِن يُغَلَّظُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّهُ مِنْ بَاب التَّغْلِيظ، فَيَكْفِي بِاَللَّهِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْ الْوَصْفِ الْمَذْكُور.
اهـ.
قَوْله: (اخْتِيَار) قَالَ فِيهِ بعد قَول الْمَتْن ويستحلف الْيَهُودِيّ الخ وَلَو اقْتصر
فِي الْكل على قَوْله بِاللَّه فَهُوَ كَاف، لَان الزِّيَادَة للتَّأْكِيد كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسلم، وَإِنَّمَا يغلظ ليَكُون أعظم فِي قُلُوبهم فَلَا يتجاسرون على الْيَمين الكاذبة.
اهـ.
قَوْله: (والوثني) الْوَثَنُ: الصَّنَمُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حجر أَو غَيره، وَالْجمع وثن مثل أَسد وَأسد وأوثان، وينسب إِلَيْهِ من يتدين بِعِبَادَتِهِ على لَفظه فَيُقَال رجل وَثني، وَأَرَادَ بالوثني الْمُشرك سَوَاء عبد صنما أَو وثنا أَو غَيرهمَا.
قَوْله: (لانه يقر بِهِ وَإِن عبد غَيره) أَي يعْتَقد أَن الله تَعَالَى خالقه لكنه يُشْرك مَعَه غَيره.
قَالَ تَعَالَى: * (وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات والارض ليَقُولن الله) * (لُقْمَان: ٥٢) .
قَوْله: (وَجزم ابْن الْكَمَال بِأَن الدهرية) بِفَتْح الدَّال.
أَي الطَّائِفَة الَّذين يَقُولُونَ بقدم الدَّهْر وَيُنْكِرُونَ الصَّانِع وَيَقُولُونَ: إِن هِيَ إِلَّا أَرْحَام تدفع وَأَرْض تبلع، وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر.
قَالَ فِي الْقَامُوس: الدَّهْر قد يعد فِي الاسماء الْحسنى والزمن الطَّوِيل والامد الْمَمْدُود وَألف سنة، والدهري وَيضم الْقَائِل بِبَقَاء الدَّهْر.
قَوْله: (لَا يعتقدونه تَعَالَى) وَإِن قَالُوا يقدمهُ لَان قدمه عِنْدهم بِأَنَّهُ قديم بِالزَّمَانِ، وَذَلِكَ لَان مِنْهُم من يَقُول القدماء خَمْسَة: الرب، والدهر، والفلك، والعناصر، والفراغ: أَي الْخَلَاء وَرَاء الْعَام، فالزهرا الْخَالِق لَهَا وَهِي قديمَة بِالزَّمَانِ لَا بِالذَّاتِ كَمَا فِي حَاشِيَة الْكُبْرَى.
قَوْله: (قلت وَعَلِيهِ فبماذا يحلفُونَ) قلت يحلفُونَ بِاللَّه تَعَالَى
стр. 637
لما فِي مِعْرَاج الدِّرَايَة عَن الْمَبْسُوط الْحر والمملوك وَالرجل وَالْمَرْأَة وَالْفَاسِق والصالح وَالْكَافِر وَالْمُسلم فِي الْيَمين سَوَاء، لَان الْمَقْصُود هُوَ الْقَضَاء بِالنّكُولِ، وَهَؤُلَاء فِي اعْتِقَاد الْحُرْمَة فِي الْيَمين الكاذبة سَوَاء.
اهـ.
أَقُول: والزنديق والمباحي داخلون تَحت الْمُشْركين، إِذْ قد سبق فِي صدر الْكتاب من الْبَدَائِع أَنهم لم يتجاسروا فِي عصر من الاعصار على إِظْهَار نحلهم سوء كفرهم، فَلَمَّا لم يقرُّوا بِالْوَاجِبِ الْوُجُود لله تَعَالَى تقدس عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ، وَلَا نَبِي من الانبياء، وَلم يقدروا على إِظْهَار مللهم ألْحقُوا بالمشركين، فيعدون مِنْهُم حكما، على أَنه قد صرح فِي بعض الْكتب أَنهم يقرونَ بِهِ تَعَالَى.
وَلَكِن ينفون الْقدر عَنهُ تَعَالَى فَظهر أَن الْكَفَرَة بأسرهم يَعْتَقِدُونَ الله تَعَالَى وتعمهم الْآيَة الْكَرِيمَة الْمُتَقَدّمَة، فيستحلفون بِاللَّه تَعَالَى، سَوَاء كَانَ المستحلف مِمَّن يعْتَقد الله تَعَالَى أَو لَا، فَإِنَّهُ وَإِن لم يعلم الله تَعَالَى يُعلمهُ،
فَإِذا حلف بِهِ كَاذِبًا فَالله تَعَالَى يقطع دابره وَيجْعَل دياره بَلَاقِع: أَي خَالِيَة، وَحِينَئِذٍ فَلَا معنى لقَوْل الشَّارِح: قلت الخ تَأمل.
أَقُول: وَهَذَا كُله بِخِلَاف الكتابيين كَمَا مر من أَنهم يحلفُونَ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة أَو الانجيل، وَفِي الْمَقْدِسِي: لانهما من كتبه تَعَالَى.
قَالَ فِي شرح الاقطع: أما الصابئة إِن كَانُوا يُؤمنُونَ بِإِدْرِيس ﵇ استحلفوا بِالَّذِي أنزل الصُّحُف على إِدْرِيس ﵇، وَإِن كَانُوا يعْبدُونَ الْكَوَاكِب استحلفوا بِالَّذِي خلق الْكَوَاكِب.
اه.
إتقاني.
وَلَا تنس مَا قَرّرته.
قَوْله: (أَنْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي عَلَيْك عَهْدُ اللَّهِ) وَلَا يَقُول لَهُ: تحلف بِاللَّه مَا لهَذَا عَلَيْك حق فَإِنَّهُ لَا يكون يَمِينا، وَلَو أشر بنعم لانه يصير كَأَنَّهُ قَالَ احْلِف وَذَلِكَ لَا يكون يَمِينا أَفَادَهُ الاتقاني.
قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة: وَلَا يَقُول لَهُ بِاللَّه إِن كَانَ كَذَا، لانه إِذا قَالَ نعم إِقْرَارا لَا يَمِينا.
اهـ.
قَوْله: (فَإِذَا أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ صَارَ حَالِفًا) وَإِن أَشَارَ بالانكار صَار نكولا وَيَقْضِي عَلَيْهِ: قنية.
قَوْله: (أَن عرفه) أَي الْخط.
قَوْله: (وَإِلَّا فبإشارته) ويعامل مُعَاملَة الاخرس.
عبد الْبر.
قَوْله: (وَلَو أعمى أَيْضا) أَي وَهُوَ أَصمّ أُخْرَى.
قَوْله: (فأبوه الخ) مُرَاده بِهِ مَا يعم الْجد، كَمَا أَن المُرَاد بوصيه مَا يَشْمَل وَصِيّ الْجد.
أَفَادَهُ عبد الْبر.
وَظَاهره أَنه يسْتَحْلف عَنهُ، فَإِن كَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يكون مُخَصّصا لما تقدم من قَوْله إِن النِّيَابَة لَا تجْرِي فِي الْحلف.
كَذَا أَفَادَهُ بعض الْفُضَلَاء.
لَكِن صرح الْعَلامَة أَبُو السُّعُود بِأَنَّهُ مُسْتَثْنى من قَوْلهم الْحلف لَا تجْرِي فِيهِ النِّيَابَة، وَهُوَ ظَاهر فِي أَنه يحلف وَهُوَ ظَاهر فِي أَنه يحلف أَبوهُ أَو وَصِيّه.
تَأمل.
قَوْله: (أَو من نَصبه القَاضِي) الصَّوَاب ثمَّ من نَصبه القَاضِي لانه إِنَّمَا ينصب عَنهُ إِذا فقد من سبق ذكره عبد الْبر، وَهل يحلفُونَ على الْعلم لكَونه مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ حق الْغَيْر أَو على الْبَتّ؟ يحرر ط.
قَوْله: (بَحر) قَالَ فِيهِ: وَالْقَاضِي لَا يحضرها بل هُوَ مَمْنُوع عَن ذَلِك.
كَذَا فِي الْهِدَايَة وَلَو قَالَ الْمُسلم لَا يحضرها لَكَانَ أولى، لما فِي التاترخانية: يكره للْمُسلمِ الدُّخُول فِي الْبيعَة والكنيسة من حَيْثُ إِنَّه مجمع الشَّيَاطِين، وَالظَّاهِر أَنَّهَا تحريمية لانها المرادة عِنْد الاطلاق، وَقَدْ أَفْتَيْت بِتَعْزِيرِ مُسْلِمٍ لَازَمَ الْكَنِيسَةَ مَعَ الْيَهُود.
اهـ.
قَوْله: (فِي دَعْوَى سَبَب يرْتَفع) أَي سَبَب ملك وَلَو حكميا أَو سَبَب ضَمَان، وَقيد بِهِ لَان الدَّعْوَى إِذا وَقعت مُطلقَة عَن سَبَب بِأَن ادّعى عبدا أَنه ملكه فاليمين على
стр. 638
الحكم بِلَا خلاف، فَيُقَال قل بِاللَّه مَا هَذَا العَبْد لفُلَان هَذَا وَلَا شئ مِنْهُ كَمَا فِي الْعمادِيَّة.
قَوْله: (يرْتَفع) أَي برافع كالاقالة وَالطَّلَاق وَالرَّدّ.
قَوْله: (أَي على صُورَة إِنْكَار الْمُنكر) وَهُوَ صُورَة دَعْوَى الْمُدَّعِي.
بَحر: هَذَا مَعْنَاهُ الاصطلاحي، أما مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ: فَالْحَاصِل من كل شئ مَا بَقِي وَثَبت وَذهب مَا سواهُ كَمَا فِي الْقَامُوس، وَيُمكن اعْتِبَاره هُنَا فَإِنَّهُ يحلف على الثَّابِت والمستقر الْآن، وَيكون قَوْله أَي على صُورَة الخ تَفْسِير مُرَاد، وَإِنَّمَا كَانَ على صورته، لَان الْمُنكر يَقُول لم يكن بَيْننَا بيع وَلَا طَلَاق وَلَا غصب.
وَالْحَاصِل: أَن التَّحْلِيف على الْحَاصِل نوع آخر من كَيْفيَّة الْيَمين، وَهُوَ الْحلف على الْحَاصِل وَالسَّبَب، وَالضَّابِط فِي ذَلِك أَن السَّبَب إِمَّا أَن يكون مِمَّا يرْتَفع برافع أَو لَا، فَإِن كَانَ الثَّانِي فالتحليف على السَّبَب بالاجماع، وَإِن كَانَ الاول فَإِن تضرر الْمُدَّعِي بالتحليف على الْحَاصِل عِنْد الطَّرفَيْنِ، وعَلى السَّبَب عِنْد أبي يُوسُف كَمَا سَيَأْتِي مفصلا.
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي مَوَاضِعِ التَّحْلِيفِ عَلَى الْحَاصِلِ وَالتَّحْلِيفُ عَلَى السَّبَبِ جغ.
ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي دَيْنًا أَوْ مِلْكًا فِي عَيْنٍ أَوْ حَقًّا فِي عَيْنٍ، وَكُلٌّ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِنَاءً عَلَى سَبَبٍ، فَلَوْ ادَّعَى دَيْنًا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ يُحَلَّفُ عَلَى الْحَاصِلِ مَا لَهُ قِبَلَك مَا ادَّعَاهُ وَلَا شئ مِنْهُ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى مِلْكًا فِي عَيْنٍ حَاضِرٍ أَوْ حَقًّا فِي عَيْنٍ حَاضِرٍ ادَّعَاهُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سَبَبًا يُحَلَّفُ عَلَى الْحَاصِل مَا هَذَا لفُلَان وَلَا شئ مِنْهُ، وَلَوْ ادَّعَاهُ بِنَاءً عَلَى سَبَبٍ بِأَنْ ادّعى دينا بسب قَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ ادَّعَى مِلْكًا بِسَبَبِ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ ادَّعَى غَصْبًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً يُحَلَّفُ عَلَى الْحَاصِلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لَا عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا غصبت مَا استقرضت مَا أودعك مَا شريت مِنْهُ.
كَافِي.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يُحَلَّفُ عَلَى السَّبَب فِي هَذِه الصُّور الْمَذْكُورَةِ، إلَّا عِنْدَ تَعْرِيضِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ أَيُّهَا الْقَاضِي قَدْ يَبِيعُ الْإِنْسَانُ شَيْئا ثمَّ يقيل، فَحِينَئِذٍ يحلف القَاضِي على الْحَاصِل صَحَّ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَنْكَرَ السَّبَبَ يُحَلَّفُ عَلَى السَّبَبِ، وَلَوْ قَالَ مَا عَليّ مَا يَدعِيهِ يحلف على الْحَاصِل.
قاضيخان.
وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدِي وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُضَاةِ.
يَقُول الْحَقِيرِ: وَكَذَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ اهـ.
وَقَالَ فَخر الاسلام الْبَزْدَوِيّ: اللَّائِق أَن يُفَوض الامر إِلَى القَاضِي فَيحلف على الْحَاصِل أَو السَّبَب أَيهمَا رَآهُ مصلحَة كَمَا فِي الْكَافِي، وَمَا فِي الْمَتْن ظَاهر الرِّوَايَة كَمَا فِي الشُّرُوح، وَاعْترض على رِوَايَة عَن أبي يُوسُف بِأَنِّي اللَّائِق التَّحْلِيف على السَّبَب دَائِما، وَلَا اعْتِبَار للتعريض، لانه لَو وَقع فعلى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة، وَإِن عجز فعلى الْمُدعى عَلَيْهِ الْيَمين.
وَأجِيب بِأَنَّهُ قد لَا يقدر عَلَيْهَا والخصم مِمَّن يقدم على الْيَمين الْفَاجِرَة، فاللائق التَّحْلِيف على الْحَاصِل كي لَا يبطل الْحق.
قَالَ البرجندي: مَا ذكره الْمُعْتَرض اعْتِرَاض على قَول أبي يُوسُف بِأَنَّهُ لَا فرق فِي ذَلِك بَين التَّعْرِيض وَعَدَمه، وَذَا لَا ينْدَفع بِهَذَا الْجَواب.
قَوْله: (أَي بِاللَّه مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ) إدْخَالُ النِّكَاحِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُحَلَّفُ فِيهَا عَلَى الْحَاصِلِ عِنْدَهُمَا غَفْلَةٌ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالشَّارِحِينَ، لِأَنَّ أَبَا حنيفَة لَا يَقُول بالتحليف بِالنِّكَاحِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْإِمَامَ فَرَّعَ عَلَى قَوْلهمَا كتفريعه فِي الْمُزَارعَة على قَوْلهمَا.
بَحر.
أَو يُقَالَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعَ النِّكَاح دَعْوَى المَال كَمَا نقل عَن الْمَقْدِسِي، وَلَكِن ذكره فِي اليعقوبية أَيْضا ثمَّ قَالَ: وَهَذَا بعيد، لَان الظَّاهِر أَنه يحلف عِنْده فِي تِلْكَ الصُّورَة على
стр. 639
عدم وجوب المَال لَا على عدم النِّكَاح، فَلْيتَأَمَّل.
اهـ.
قَوْله: (وَمَا بَيْنكُمَا بيع قَائِم الْآن) هَذَا قَاصِر، وَالْحَقُّ مَا فِي الْخِزَانَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ.
قَالَ الْمُشْتَرِي: إذَا ادَّعَى الشِّرَاءَ فَإِنْ ذَكَرَ نَقْدَ الثَّمَنِ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا العَبْد ملك الْمُدَّعِي، وَلَا شئ مِنْهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي ادَّعَى، وَلَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْته، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُشْتَرِي نَقْدَ الثَّمَنِ يُقَالُ لَهُ أَحْضِرْ الثَّمَنَ، فَإِذَا أَحْضَرَهُ اسْتَحْلَفَهُ بِاَللَّهِ مَا يَمْلِكُ قَبْضَ هَذَا الثَّمَنِ وَلَا تَسْلِيم هَذَا الْعَبْدِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَى، وَإِنْ شَاءَ حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ هَذَا شِرَاءٌ قَائِمٌ السَّاعَةَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ دَعْوَى الشِّرَاءِ مَعَ نَقْدِ الثَّمَنِ دَعْوَى الْمَبِيعِ مِلْكًا مُطْلَقًا وَلَيْسَتْ بِدَعْوَى الْعَقْدِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ مَعَ جَهَالَةِ الثّمن فَيحلف على ملك الْمَبِيع، وَدَعوى البيع مَعَ تَسْلِيم الْمَبِيع، وَدَعوى الثَّمَنِ مَعْنًى وَلَيْسَتْ بِدَعْوَى الْعَقْدِ وَلِهَذَا تَصِحُّ مَعَ جَهَالَة الْمَبِيع فَيحلف على ملك الثّمن.
قَوْله: (وَمَا يجب عَلَيْك رده الْآن) الصَّوَاب مَا فِي الْخُلَاصَة: مَا يَجِبُ عَلَيْك رَدُّهُ وَلَا مِثْلِهِ وَلَا بَدَلِهِ وَلَا شئ من ذَلِك انْتهى.
وَإِلَى بعض ذَلِك أَشَارَ الشَّارِح بقوله أَو بدله لَان الْمَغْصُوب لَو كَانَ هَالكا لَا يجب على
الْغَاصِب رد عينه لتعذر ذَلِك، بل يجب عَلَيْهِ رد مثله لَو مثلِيا أَو قِيمَته لَو قيميا، فَلَو حلفه بِاللَّه مَا يجب عَلَيْك رده وَكَانَ ذَلِك بعد هَلَاكه وَحلف على ذَلِك لم يَحْنَث لعدم وجوب رده ح.
بل يحلفهُ بِاللَّه مَا يجب عَلَيْك رده، وَلَا رد بدله ليعم حَاله قيام الْمَغْصُوب وهلاكه فَلَو ادّعى عَلَيْهِ قيام الْمَغْصُوب حلفه بِاللَّه مَا يجب عَلَيْك رده، وَإِن ادّعى عَلَيْهِ أَن الْمَغْصُوب قد هلك فِي يَده وَيُرِيد تَضْمِينه حلف بِاللَّه مَا يجب عَلَيْك بدله، وَإِنَّمَا عبر بِالْبَدَلِ ليعم الْمثل لَو مثلِيا وَالْقيمَة لَو قيميا.
قَوْله: (وَمَا هِيَ بَائِن مِنْك الْآن) هَذَا فِي الْبَائِن الْوَاحِد، وَأما إِذا كَانَ بِالثلَاثِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فِي النِّكَاحِ الَّذِي بَيْنكُمَا وَفِي الرَّجْعِيّ يحلف بِاللَّه تَعَالَى مَا هِيَ طَالِقٌ فِي النِّكَاحِ الَّذِي بَيْنَكُمَا، وَهُوَ معنى قَوْله الْآن قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فِي النِّكَاح الَّذِي بَيْنكُمَا.
قَوْله: (وَمَا بِعْت) أَي أَو مَا غصبت أَو مَا طلقت لاحْتِمَال أَنه رده أَو جدد النِّكَاح بعد الابانة.
قَالَ فِي الْبَحْر وَلم يسْتَوْف الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى الْمسَائِل المفرعة على هَذَا الاصل، فَمِنْهَا الامانة وَالدّين وَقد ذكرناهما.
وَفِي منية الْمُفْتِي: الْمُدعى عَلَيْهِ الالف يحلف بِاللَّه مَا لَهُ قبلك مَا يَدعِي وَلَا شئ مِنْهُ، لانه قد يكون عَلَيْهِ الالف إِلَّا درهما فَيكون صَادِقا.
اهـ.
وَفِيمَا ذكره الاسبيجابي فِي التَّحْلِيف على الْوَدِيعَة إِذا أنكرها الْمُدعى عَلَيْهِ يحلف على صُورَة إِنْكَاره بِاللَّه لَيْسَ لَهُ عنْدك شئ، وَلَا عَلَيْك دين وَعند أبي يُوسُف بِاللَّه مَا أودعهُ وَلَا بَاعه وَلَا أقْرضهُ قُصُور، وَالصَّوَاب مَا فِي الخزانة.
وَفِي دَعْوَى الْوَدِيعَة: إِذا لم تكن حَاضِرَة يحلف بِاللَّه مَا لَهُ هَذَا المَال الَّذِي ادَّعَاهُ فِي يَديك وَدِيعَة وَلَا شئ مِنْهُ، وَلَا لَهُ قبلك حق مِنْهُ لانه مَتى استهلكها أَو دلّ إنْسَانا عَلَيْهَا لَا تكون فِي يَدَيْهِ وَيكون عَلَيْهِ قيمتهَا فَلَا يَكْتَفِي بقوله فِي يَديك بل يضم إِلَيْهِ وَلَا لَهُ قبلك حق مِنْهُ احْتِيَاطًا.
اهـ.
وَمِنْهَا دَعْوَى الْملك الْمُطلق: فَإِن كَانَ فِي ملك مَنْقُول حَاضر فِي الْمجْلس يحلف بِاللَّه مَا هَذَا الْعين
стр. 640
ملك الْمُدَّعِي من الْوَجْه الَّذِي يَدعِيهِ وَلَا شئ مِنْهُ، وَإِن كَانَ غَائِبا من الْمجْلس إِن أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه فِي يَده وَأنكر كَونه ملك الْمُدَّعِي كلف إِحْضَاره ليشير إِلَيْهِ، وَإِن أنكر كَونه فِي يَده فَإِنَّهُ يسْتَحْلف بعد
صِحَة الدَّعْوَى مَا لهَذَا فِي يَديك كَذَا وَلَا شئ مِنْهُ وَلَا شئ عَلَيْك وَلَا قبلك وَلَا قيمَة وَهِي كَذَا وَلَا شئ مِنْهَا.
كَذَا فِي الخزانة.
وَمِنْهَا دَعْوَى إِجَارَة الضَّيْعَة أَو الدَّار أَو الْحَانُوت أَو العَبْد أَو دَعْوَى مُزَارعَة فِي أَرض أَو مُعَاملَة فِي نخل بِاللَّه مَا بَيْنك وَبَين هَذَا الْمُدَّعِي إِجَارَة قَائِمَة تَامَّة لَازِمَة الْيَوْم فِي هَذَا الْعين الْمُدَّعِي وَلَا لَهُ قبلك حق بالاجارة الَّتِي وصفت.
كَذَا فِي الخزانة.
وَمِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت امْرَأَة على زَوجهَا أَنه جعل أمرهَا بِيَدِهَا وَإِنَّهَا اخْتَارَتْ نَفسهَا وَأنكر الزَّوْج، فَالْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه، إِمَّا أَن يُنكر الزَّوْج الامر وَالِاخْتِيَار جَمِيعًا وَفِيه لَا يحلف على الْحَاصِل بِلَا خلاف، لانه لَو حلف مَا هِيَ بَائِن مِنْك السَّاعَة رُبمَا تَأَول قَول بعض الْعلمَاء: إِن الْوَاقِع بالامر بِالْيَدِ رَجْعِيّ، فَيحلف على السَّبَب، وَلكنه يحْتَاط فِيهِ للزَّوْج بِاللَّه مَا قلت لَهَا مُنْذُ آخر تزوج تَزَوَّجتهَا أَمرك بِيَدِك، وَمَا تعلم أَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفسهَا بِحكم ذَلِك الامر، وَإِن أقرّ بالامر وَأنكر اخْتِيَارهَا يحلف بِاللَّه مَا تعلم أَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفسهَا، وَإِن أقرّ بِالِاخْتِيَارِ وَأنكر الامر يحلف بِاللَّه مَا جعلت أَمر امْرَأَتك هَذِه بِيَدِهَا قبل أَن تخْتَار نَفسهَا فِي ذَلِك الْمجْلس، وَكَذَا إِن ادَّعَت أَن الزَّوْج حلف بِطَلَاقِهَا ثَلَاثًا أَن لَا يفعل كَذَا وَقد فعل فَهُوَ على التَّفْصِيل.
كَذَا فِي الخزانة.
وَمِنْهَا: أَن مَا ذكره فِي حلف البيع قَاصِر، وَالْحق مَا فِي الخزانة وَقد قدمْنَاهُ قَرِيبا.
وَمِنْهَا: فِي دَعْوَى الْكفَالَة إِذا كَانَت صَحِيحَة بِأَن ذكر أَنَّهَا منجزة أَو معلقَة بِشَرْط مُتَعَارَف وَأَنَّهَا كَانَت بِإِذْنِهِ أَو أجازها فِي الْمجْلس، وَإِذا حلفه يحلفهُ بِاللَّه مَا لَهُ قبلك هَذِه الالف بِسَبَب هَذِه الْكفَالَة الَّتِي يدعيها حَتَّى لَا يتَنَاوَلهُ كَفَالَة أُخْرَى، وَكَذَا إِذا كَانَت كَفَالَة بِعرْض بِاللَّه مَا لَهُ قبلك هَذَا الثَّوْب بِسَبَب هَذِه الْكفَالَة، وَفِي النَّفس بِاللَّه مَا لَهُ قبلك تَسْلِيم نفس فلَان بِسَبَب هَذِه الْكفَالَة الَّتِي يدعيها.
كَذَا فِي الخزانة.
وَمِنْهَا: تَحْلِيف الْمُسْتَحق.
قَالَ فِي الخزانة: رجل أعَار دَابَّة أَو أجرهَا أَو أودعها فجَاء مُدع وَأقَام بَيِّنَة أَنَّهَا لَهُ لَا يقْضِي لَهُ بشئ حَتَّى يحلف بِاللَّه مَا بِعْت وَلَا وهبت وَلَا أَذِنت فيهمَا وَلَا هِيَ خَارِجَة عَن ملكك للْحَال.
وَمِنْهَا: إِذا ادّعى غَرِيم الْمَيِّت إِيفَاء الدّين لَهُ وَأنكر الْوَارِث يحلف مَا تعلم أَنه قَبضه، وَلَا شئ مِنْهُ وَلَا برِئ إِلَيْهِ مِنْهُ.
كَذَا فِي الخزانة وَقدمنَا كَيْفيَّة تَحْلِيف مدعيه على الْمَيِّت.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ أَقُول: قَوْله: وَلَا برِئ الخ لَا حَاجَة إِلَيْهِ لانه يَدعِي الايفاء لَا الْبَرَاءَة فَلَا وَجه لذكره فِي التَّحْلِيف إِ هـ.
وأوجبت عَنهُ فِيمَا كتبناه عَلَيْهِ بِجَوَاز أَن الْمَيِّت أَبرَأَهُ وَلم يعلم الْمَدْيُون أَنه لَا يتَوَقَّف على قبُوله إِ هـ.
أَقُول: وَأجَاب عَنهُ أَيْضا فِي نور الْعين حَيْثُ قَالَ قَوْله: لَا حَاجَة إِلَيْهِ مَحل نظر، لَان الْمُدَّعِي هُوَ إِيفَاء مَجْمُوع الدّين، فَلَو أُرِيد تسويته بالمحلوف عَلَيْهِ لاكتفى فِي الْحلف بِلَفْظ مَا تعلمُونَ أَن أَبَاكُم قَبضه فَزِيَادَة لفظ وَلَا شئ مِنْهُ تدل قطعا على أَن المُرَاد إِنَّمَا هُوَ دفع جَمِيع الْوُجُوه المحتملة فِي جَانب الْمُورث نظرا للْغَرِيم وشفقة عَلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون وَجه زِيَادَة، وَلَا برِئ إِلَيْهِ احْتِمَال أَن الْغَرِيم تجوز، فَأَرَادَ بالايفاء الابراء نظرا إِلَى اتِّحَاد مآلها وَهُوَ خلاص الذِّمَّة إِ هـ.
стр. 641
وَفِي الْبَحْر أَيْضا: وَمِنْهَا فِي دَعْوَى الاتلاف، قَالَ فِي الخزانة: ادّعى على آخر أَنه خرق ثَوْبه، واحضر مَعَه إِلَى القَاضِي لَا يحلفهُ مَا خرقت لاحْتِمَال أَنه خرقه وَأَدَّاهُ ضَمَانه ثمَّ ينظر فِي الْخرق إِن كَانَ يَسِيرا وَضمن النُّقْصَان يحلف مَا لَهُ عَلَيْك هَذَا الْقدر من الدَّرَاهِم الَّتِي تَدعِي، وَلَا أقل مِنْهُ وَإِن لم يكن الثَّوْب حَاضرا كلفه القَاضِي بَيَان قِيمَته، وَمِقْدَار النُّقْصَان ثمَّ تترتب عَلَيْهِ الْيمن وَكَذَلِكَ هَذَا فِي هدم الْحَائِط أَو فَسَاد مَتَاع أَو ذبح شَاة أَو نَحوه اه.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ صُوَرِ التَّحْلِيفِ تَكْرَارٌ، لَا فِي لَفْظِ الْيَمِينِ خُصُوصًا فِي تَحْلِيفِ مُدَّعِي دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِنَّهَا تَصِلُ إلَى خَمْسَةٍ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَى أَرْبَعَة مَعَ قَوْلهم فِي كتاب الايمان: الْيَمِينَ تَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ حَرْفِ الْعَطْفِ، مَعَ قَوْلِهِ: لَا، كَقَوْلِهِ: لَا آكُلُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا، وَمَعَ قَوْلِهِمْ هُنَا فِي تَغْلِيظِ الْيَمِينِ: يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْعَطْفِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا عَطَفَ صَارَتْ أَيْمَانًا، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ جَوَابا بل وَلَا من تعرض لَهُ اهـ.
قَالَ الرَّمْلِيّ: إِذا تَأمل المتأمل وجد التّكْرَار لتكرار الْمُدَّعِي فَلْيتَأَمَّل.
إِ هـ: يَعْنِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ وَإِنْ ادَّعَى
شَيْئًا وَاحِدًا فِي اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُدَّعٍ لِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ ضِمْنًا فَيحلف الْخصم عَلَيْهَا احْتِيَاطًا.
قَوْله: (خلافًا للثَّانِي) فَقَالَ: الْيَمين تستوفى لحق الْمُدَّعِي فَيجب مطابقتها لدعواه وَالْمُدَّعِي هُوَ السَّبَب، إِلَّا إِذا عرض الْمُدعى عَلَيْهِ بِمَا ذكرنَا بِأَن يَقُول الْمَطْلُوب عِنْد طلب يَمِينه قد يَبِيع الشَّخْص شَيْئا ثمَّ يقايل فَيحلف حِينَئِذٍ على الْحَاصِل ط.
وَقدمنَا الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (نظرا للْمُدَّعى عَلَيْهِ) أَي كَمَا هُوَ نظر للْمُدَّعِي.
وَهَذَا تَعْلِيل لقَوْل الامام وَالثَّالِث، وَهُوَ مَا مَشى عَلَيْهِ فِي الْمَتْن من التَّحْلِيف على الْحَاصِل: يَعْنِي إِنَّمَا يحلفهُ على الْحَاصِل، لَا على السَّبَب لاحْتِمَال طَلَاقه بعد النِّكَاح وإقالته بعد البيع: أَي وأدائه أَو إبرائه بعد الْغَصْب، وتزوجه بعد الابانة وَلَو بعد زوج آخر فِي الْحُرْمَة الغليظة، فَلَو حلف على السَّبَب لَكَانَ حانثا، وَلَو ادّعى الْوَاقِع بعد السَّبَب لكلف إثْبَاته فيتضرر بذلك، فَكَانَ فِي التَّحْلِيف على الْحَاصِل نظر للْمُدَّعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (لاحْتِمَال طَلَاقه) أَي فِي دَعْوَى النِّكَاح.
قَوْله: (وإقالته) أَي فِي البيع وإدانته أَو إبرائه بعد الْغَصْب وتزوجه بعد الابانة.
وَالْحَاصِل: أَن الْيَمين كَمَا تقدم شرعت لرجاء النّكُول، فَإِذا حلف على السَّبَب الَّذِي يرْتَفع برافع فنكل وَأقر بِالسَّبَبِ ثمَّ ادّعى الرافع لَا يقبل مِنْهُ قيتضرر، بِخِلَاف مَا إِذا حلف على الْحَاصِل فَإِن فِيهِ نظرا إِلَيْهَا.
قَوْله: (على السَّبَب) بِأَن يحلفهُ بِاللَّه مَا اشْتريت هَذِه الدَّار وَمَا هِيَ مُطلقَة مِنْك بَائِنا فِي الْعدة، وَتقدم تَفْصِيله موضحا فَارْجِع إِلَيْهِ.
قَوْله: (كدعوى شُفْعَة بالجوار وَنَفَقَة مبتوتة) قيد بهما لَان فِي الشُّفْعَة بِالشّركَةِ وَنَفَقَة الرَّجْعِيّ يسْتَحْلف على الْحَاصِل عِنْدهمَا، وَعند أبي يُوسُف على السَّبَب إِلَّا إِذا عرض كَمَا سبق.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (لكَونه شافعيا) ظَاهر كَلَام الْخصاف والصدر الشَّهِيد أَن معرفَة كَون الْمُدعى عَلَيْهِ شافعيا إِنَّمَا هُوَ بقول الْمُدَّعِي، وَلَو تنَازعا فَالظَّاهِر من كَلَامهم أَنه لَا اعْتِبَار بقول الْمُدعى عَلَيْهِ.
بَحر: أَي سَوَاء كَانَ فِي جَمِيع الْمسَائِل أَو فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَط، حَتَّى لَو كَانَ حنفيا لحلف على السَّبَب لاحْتِمَال أَن يقْصد تَقْلِيد الشَّافِعِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عِنْد الْحلف، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يُحَلِّفُ عَلَى
стр. 642
الْحَاصِلِ مُعْتَقِدًا مَذْهَبَهُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً وَلَا شُفْعَة مثلا فَيُضَيِّعُ النَّفْعَ، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَبَانَهَا وَمَا اشْترى ظَهَرَ النَّفْعُ، وَرِعَايَةُ جَانِبِ الْمُدَّعِي أَوْلَى، لِأَنَّ السَّبَبَ إذَا ثَبَتَ ثَبَتَ الْحَقُّ وَاحْتِمَالُ سُقُوطِهِ
بِعَارِض موهوم، والاصل عَدمه حَتَّى يقوم الدَّلِيل على الْعَارِض.
قَالَ تَاج الشَّرِيعَة: حكى عَن القَاضِي أبي عَليّ النَّسَفِيّ أَنه قَالَ: خرجت حَاجا فَدخلت على القَاضِي أبي عَاصِم فَإِنَّهُ كَانَ يدرس وخليفته يحكم، فَوَافَقَ جلوسي أَن امْرَأَة ادَّعَت على زَوجهَا نَفَقَة الْعدة وَأنكر الزَّوْج، فحلفه بِاللَّه مَا عَلَيْك تَسْلِيم النَّفَقَة من الْوَجْه الَّذِي تَدعِي، فَلَمَّا تهَيَّأ الرجل ليحلف نظرت إِلَى القَاضِي، فَعلم أَنِّي لماذا نظرت، فَنَادَى خَلِيفَته فَقَالَ: سل الرجل من أَي محلّة هُوَ؟ حَتَّى إِن كَانَ من أصَاب الحَدِيث حلفه بِاللَّه مَا هِيَ مُعْتَدَّة مِنْك، لَان الشَّافِعِي لَا يرى النَّفَقَة للمبتوتة، وَإِن كَانَ من أَصْحَابنَا حلفه بِاللَّه مَا لَهَا عَلَيْك تَسْلِيم النَّفَقَة إِلَيْهَا من الْوَجْه الَّذِي تدعى نظرا لَهَا أهـ.
قَوْله: (فيتضرر الْمُدَّعِي) فَإِن قلت: التَّحْلِيف على السَّبَب روعي فِيهِ جَانب الْمُدَّعِي، وَلَا نظر فِيهِ للْمُدَّعى عَلَيْهِ لانه قد يثبت البيع وَالشِّرَاء، وَلَا شُفْعَة بِأَن يُسَلِّمهَا الْمُدَّعِي أَو يسكت عَن الطّلب.
وَالْجَوَاب: أَنَّ الْقَاضِي لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَر بِأَحَدِهِمَا، ورعاية جَانب الْمُدَّعِي أولى، لَان سَبَب وجوب الْحق لَهُ وَهُوَ الشِّرَاء إِذا ثَبت ثَبت الْحق لَهُ، وثبوته إِنَّمَا يكون بِأَسْبَاب عارضة فصح التَّمَسُّك بالاصل حَتَّى يقوم دَلِيل على الْعَارِض كَمَا قدمْنَاهُ قَرِيبا.
قَوْله: (وَأما مَذْهَب الْمُدَّعِي فَفِيهِ خلاف) فَقيل لَا اعْتِبَار بِهِ أَيْضا، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار لمَذْهَب القَاضِي، فَلَو ادّعى شَافِعِيّ شُفْعَة الْجوَار عِنْد حَنَفِيّ سَمعهَا وَقيل لَا.
قَوْله: (والاوجه أَن يسْأَله) أَي الْمُدَّعِي.
قَوْله: (هَلْ تَعْتَقِدُ وُجُوبَ شُفْعَةِ الْجِوَارِ أَوْ لَا) فَإِن قَالَ اعتقدها يحلف على الْحَاصِل، وَإِن كَانَ لَا يعتقدها يحلف على السَّبَب.
قَوْله: (وَاعْتَمدهُ المُصَنّف) أَي تبعا للبحر: وَالَّذِي يظْهر القَوْل بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَار بِمذهب الْمُدعى عَلَيْهِ بل لمَذْهَب القَاضِي كَمَا هُوَ أحد الاقوال الثَّلَاثَة، حَتَّى لَو ادّعى شَافِعِيّ شُفْعَة الْجوَار عِنْد حَنَفِيّ سَمعهَا أَلا يرى أَن أهل الذِّمَّة إِذا تحاكموا إِلَيْنَا نحكم عَلَيْهِم بمعتقدنا فَهَذَا أولى فَلْيتَأَمَّل.
على أَن قُضَاة زَمَاننَا مأمورون بالحكم بِمذهب سيدنَا أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى من السُّلْطَان عز نَصره.
قَوْله: (لعدم تكَرر رقّه) لَان الْمُرْتَد لَا يسترق وَإِن لحق بدار الْحَرْب، لانه لَو ظفر بِهِ فموجبه الْقَتْل فَقَط إِن لم يسلم كَمَا مر فِي بَابه، وَالظَّاهِر أَنه يَكْتَفِي بِإِسْلَامِهِ حَال ادعوى عملا باستصحاب الْحَال كَمَا فِي مَسْأَلَة الطاحون.
قَوْله: (على الْحَاصِل) فَيحلف السَّيِّد على أَنه بَيْنكُمَا عتق قَائِم الْآن لَا مَا أَعتَقته لجَوَاز أَنه أعْتقهُ فلحق ثمَّ عَاد إِلَى
رقّه فيتضرر بِصُورَة هَذَا الْيَمين، وَكَذَا يُقَال فِي الامة ط.
قَوْله: (وَصَحَّ فدَاء الْيَمين) أَي بِمثل الْمُدَّعِي، أَو أقل.
حموي.
مِثَاله إِذا توجه حلف على الْمُدعى عَلَيْهِ أعْطى الْمُدَّعِي مثل الْمُدَّعِي أَو أقل صَحَّ.
قَوْله:
стр. 643
(وَالصُّلْح مِنْهُ) أَي على شئ أقل من الْمُدَّعِي، لَان مبْنى الصُّلْح على الحطيطة.
حموي.
فَيكون الْفِدَاء أَعم من الصُّلْح وَحِينَئِذٍ فَيحْتَاج إِلَى نُكْتَة، وَظَاهر مَا قَرَّرَهُ الشَّارِح أَن أَخذ المَال فِي الْفِدَاء وَالصُّلْح عَن الْيَمين إِنَّمَا يحل إِذا كَانَ الْمُدَّعِي محقا ليَكُون الْمَأْخُوذ فِي حَقه بَدَلا كَمَا فِي الصُّلْح عَن إِنْكَار، فَإِن كَانَ مُبْطلًا لم يجز.
اهـ.
بَحر.
قَوْله: (لحَدِيث ذبوا عَن أعراضكم بأموالكم) قَالَ الْحَمَوِيّ: لما رُوِيَ عَن حُذَيْفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه افتدى يَمِينه بِمَال، وَكَذَا عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ افتدى يَمِينه حِين ادّعى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ درهما، فَقيل أَلا تحلف وَأَنت صَادِق؟ فَقَالَ أَخَاف أَن يُوَافق قدر يَمِيني فَيُقَال هَذَا بِيَمِينِهِ الكاذبة.
ولان فِيهِ صون عرضه وَهُوَ مستحسن عقلا وَشرعا، ولانه لَو حلف يَقع فِي القيل والقال، فَإِن النَّاس بَين مُصدق ومكذب، فَإِذا افتدى بِيَمِينِهِ فقد صان عرضه وَهُوَ حسن.
قَالَ ﵊ ذبوا عَن أعراضكم بأموالكم.
قَوْله: (أَي ثَابت) الاولى أَن يُقَال: أَي لَازم من جِهَة الحزم والمروءة وصيانة الْعرض: أَي متأكد الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْوَاجِب الْعرفِيّ لَا الشَّرْعِيّ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من الْعبارَة.
نعم هُوَ غير وَاجِب شرعا لما علل بِهِ.
قَوْله: (بِدَلِيل جَوَاز الْحلف صَادِقا) وَقد وَقع من النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم تَعْلِيما وتشريعا.
قَوْله: (وَلَا يحلف) بِالتَّشْدِيدِ من التَّحْلِيف: أَي لَيْسَ للْمُدَّعِي أَن يحلفهُ بعده.
قَوْله: (لانه) أَي لَان الْمُدَّعِي أسقط حَقه فِي الْيَمين بِأخذ الْفِدَاء أَو الصُّلْح عَنهُ.
قَوْله: (أسقط) الَّذِي فِي الْبَحْرِ: لِأَنَّهُ أَسْقَطَ خُصُومَتَهُ بِأَخْذِ الْمَالِ مِنْهُ.
قَوْله: (حَقه) أَي حق خصومته بِأخذ المَال مِنْهُ.
قَوْله: (لَو أسْقطه أَي الْيَمين) ذكر بِاعْتِبَار كَون الْيَمين قسما وَإِلَّا فَهِيَ مُؤَنّثَة.
قَوْله: (أَو تركته عَلَيْهِ) الاوضح أَو تركته لَك ليناسب الْخطاب قبله وَلَا يظْهر التَّعْبِير بعلى.
قَوْله: (بِخِلَاف الْبَرَاءَة عَن المَال) أَي فَإِنَّهَا لَهُ فيستقل بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَكَذَا عَن الدَّعْوَى: أَي فَيصح لانه حَقه.
قَوْله: (لَان التَّحْلِيف للْحَاكِم) أَي هُوَ حق الْحَاكِم، حَتَّى لَو حلفه الْمُدَّعِي، وَلَو عِنْد الْحَاكِم لَا يعْتَبر كَمَا تقدم فَلَا يَصح الابراء عَن حق غَيره، وَإِنَّمَا صَحَّ فِي الْفِدَاء وَالصُّلْح اسْتِحْسَانًا على خلاف
الْقيَاس بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذكره، ولان بِالْفِدَاءِ وَالصُّلْح يَأْخُذهُ الْمُدَّعِي على أَنه هُوَ مَا يَدعِيهِ على زَعمه أَو صلحا عَنهُ فَتسقط دَعْوَاهُ، فَيسْقط الْيَمين ضمنا لَا قصدا.
قَوْله: (لعدم ركن البيع) وَهُوَ مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ فَلم يجز، لَكِن لَا يظْهر تَعْلِيل الشَّارِح فِيمَا ذكر، لَان الَّذِي سبق لَهُ فِي أول البيع بِأَن المَال مَحل البيع على أَن عبارَة الدُّرَر خلية عَن ذَلِك حَيْثُ قَالَ: لَان الشِّرَاء عقد تمْلِيك المَال بِالْمَالِ، وَالْيَمِين لَيست بِمَال وَحِينَئِذٍ فعبارة الدُّرَر أظهر.
فَتَأمل.
ولانه إِسْقَاط للْيَمِين قصدا وَالْمُدَّعِي لَا يملكهُ، لانه لَيْسَ حَقًا لَهُ بل للْقَاضِي كَمَا مر بِخِلَاف الاول، فَإِن الْفِدَاء وَالصُّلْح وَقع عَن الْمُدَّعِي وَهُوَ حق الْمُدَّعِي على زَعمه.
قَوْله: (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يكن عِنْد حَاكم أَو مُحكم لانه حِينَئِذٍ غير مُعْتَبر، وَكَذَا إِذا كَانَ عِنْد أَحدهمَا، لَكِن بتحليف الْمُدَّعِي لَا الْحَاكِم أَو لم يبرهن لعدم ثُبُوت التَّحْلِيف
قَوْله: (فَلهُ تَحْلِيفه)
стр. 644
أَي تَحْلِيف الْمُدَّعِي لما سبق من أَن التَّحْلِيف للْحَاكِم، فَإِذا وَقع عِنْد غَيره لَا يبْنى عَلَيْهِ حكم دينوي.
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ: أَرَادَ تَحْلِيفَهُ فَبَرْهَنَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ حَلَّفَنِي عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضِي كَذَا يقبل، وَلَوْلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ حَقِّهِ فِي الْيَمِينِ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَنِي عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُهُ إنْ لَمْ يُبَرْهِنْ إذْ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ اسْتَحَقَّ الْجَوَابَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ إمَّا إقْرَارٌ أَوْ إنْكَارٌ.
وَقَوْلُهُ أَبْرَأَنِي إلَخْ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ فَلَا يُسْمَعُ، وَيُقَالُ لَهُ أَجِبْ خَصْمَك ثُمَّ ادَّعِ مَا شِئْت، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَبْرَأَنِي عَنْ هَذَا الْأَلْفِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ، إذْ دَعْوَى الْبَرَاءَةِ عَنْ الْمَالِ إقْرَارٌ بِوُجُوبِهِ وَالْإِقْرَارُ جَوَابٌ، وَدَعْوَى الْإِبْرَاءِ مُسْقِطٌ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الصَّوَابُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَعْوَى الْبَرَاءَةِ كَمَا يحلف على دَعْوَى التَّحْلِيف، وَإِلَيْهِ مَال مح، وَعَلِيهِ أَكثر قُضَاة زَمَاننَا اهـ.
وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَاسْتَحْلَفَهُ: أَيْ أَرَادَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي جَازَ انْتَهَتْ.
وَبِهِ عُلِمَ مَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مِنْ الايهام فَتنبه.
أَفَادَهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
وَنقل أَيْضا عَن الْبَحْرِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ أَرَادَ الْقَاضِي تَحْلِيفَهُ إنَّهُ حَلَّفَنِي عَلَى هَذَا المَال عَنهُ قَاضٍ آخَرَ أَوْ أَبْرَأَنِي عَنْهُ إنْ بَرْهَنَ قُبِلَ وَانْدَفَعَ عَنْهُ الدَّعْوَى، وَإِلَّا قَالَ الْإِمَامُ الْبَزْدَوِيُّ: انْقَلَبَ الْمُدَّعِي مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ انْدفع الدَّعْوَى، وَإِن حلف لزمَه الْمَالُ، لِأَنَّ دَعْوَى
الْإِبْرَاءِ عَنْ الْمَالِ إقْرَارٌ بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ عَنْ دَعْوَى المَال.
اهـ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ: وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيفُهُ: أَيْ وَإِلَّا يُبَرْهِنُ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ: أَيْ تَحْلِيف الْمُدَّعِي الاول تَأمل.
قَوْله: (قلت وَلم أر الخ) قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: وَجَدْت فِي هَامِشِ نُسْخَةِ شَيْخِنَا بِخَطِّ بَعْضِ الْعلمَاء مَا نَصه: قَدْ رَأَيْتهَا فِي أَوَاخِرِ الْقَضَاءِ قُبَيْلَ كِتَابِ الشَّهَادَة من فَتَاوَى الكرنبشي معزيا الاول قَضَاءِ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى.
وَعِبَارَتُهُ: رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى آخَرَ دَعْوَى وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَلَمَّا عَرَضَ القَاضِي الْيَمين عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي حَلَفت بِالطَّلَاق أَن لَا أَحْلِفُ أَبَدًا، وَالْآنَ لَا أَحْلِفُ حَتَّى لَا يَقَعَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْيَمين ثَلَاثًا ثمَّ يحكم عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ بِهَذَا الْيَمِينِ اهـ.
قَوْله: (فَليُحرر) هُوَ مُحَرر لانه ناكل عَن الْيَمين فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ، لَان الَّذِي تقدم أَن الآفة إِنَّمَا هِيَ قيد فِي السُّكُوت لَا فِي قَوْله لَا أَحْلف لَو فرض إِن هَذَا من الآفة.
وَسبق عَنْ الْعِنَايَةِ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِأَحَدِهِمَا فِي الِاسْتِحْلَافِ عَلَى الْحَاصِل، أَو على السَّبَب، فمراعاة جَانب الْمُدَّعِي أولى، فعلى هَذَا لَا يُعَزّر بِدَعْوَاهُ بِالْحلف بِالطَّلَاقِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِالْأَوْلَى، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْحَقَ الضَّرَرَ بِنَفسِهِ بإقدامه على الْحلف بِالطَّلَاق كَمَا أَفَادَهُ أَبُو السُّعُود.
وَأَقُول: لَو كَانَ ذَلِك حجَّة صَحِيحَة لتحيل بِهِ كل من تَوَجَّهت عَلَيْهِ يَمِين فَيلْزم ضَيَاعُ حَقِّ الْمُدَّعِي وَمُخَالَفَةُ نَصِّ الْحَدِيثِ وَالْيَمِينُ على من أنكر فَتدبر، وَالله تَعَالَى أعلم واستغفر الله الْعَظِيم.
بَاب التَّحَالُف
التَّحَالُف من الْحلف بِفَتْح الْحَاء: وَهُوَ الْقسم وَالْيَمِين، فَيكون مَعْنَاهُ التقاسم، وَأما الْحلف بِالْكَسْرِ فَهُوَ الْعَهْد.
وَفِي الْبَحْر عَن الْقَامُوس: تحالفوا تَعَاهَدُوا.
وَفِي الْمِصْبَاح: الحليف الْمعَاهد، يُقَال
стр. 645
مِنْهُ: تحَالفا: تعاهدا وتعاقدا على أَن يكون أَمرهمَا وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية، وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا وَإِنَّمَا المُرَاد حلف الْمُتَعَاقدين عِنْد الِاخْتِلَاف، يُرِيد بِهِ أَن كلا مِنْهُمَا لم يذكر التَّحَالُف بِمَعْنى التقاسم، وَهَذَا اصْطِلَاح جَدِيد من الْفُقَهَاء، وَلَا يذهب عَلَيْك أَن هَذَا غَفلَة عَن دأب أهل اللُّغَة، فَإِنَّهُم يذكرُونَ أصل الْمَادَّة فِي كل كلمة ثمَّ يفرعون عَلَيْهَا المزيدات تَارَة وَلَا يفرعون أُخْرَى، وَهنا كَذَلِك حَيْثُ فرعوا بالمزيد
على الْحلف بِالْكَسْرِ، وَلم يفرعوا بِهِ على الْحلف بِالْفَتْح تدرب كَمَا لَا يخفى.
قَوْله: (ذكر يَمِين الِاثْنَيْنِ) ليناسب الْوَضع الطَّبْع.
قَوْله: (فِي قدر ثمن) دخل فِيهِ رَأس المَال فِي السّلم كَمَا دخل الْمُسلم فِيهِ فِي الْمَبِيع.
بَحر.
قَوْله: (أَو وَصفه) بِأَن ادّعى البَائِع أَنه بِدَرَاهِم رائجة وَادّعى المُشْتَرِي أَنه بِدَرَاهِم فَاسِدَة.
قَوْله: (أَو جنسه) بِأَن ادّعى البَائِع أَنه بِالدَّنَانِيرِ وَالْمُشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ، وَكَذَا لَو اخْتلفَا فِي جنس العقد كَالْهِبَةِ وَالْبيع على الْمُخْتَار فيهمَا.
قَوْله: (أَو فِي قدر مَبِيع) وَلم يتَعَرَّض للِاخْتِلَاف فِي وَصفه أَو جنسه لانه لَا يُوجب التَّحَالُف، بل القَوْل فِيهِ للْبَائِع مَعَ يَمِينه، صرح بالاول فِي الظَّهِيرِيَّة على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى عِنْد ذكر الشَّارِح لَهُ، وَلم أر من صرح بِالثَّانِي، وَلَكِن يدْخل تَحت الِاخْتِلَاف فِي أصل البيع.
تدبر.
قَوْله: (لانه نور دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ) وَبَقِي فِي الآخر مُجَرّد الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة أقوى لانها تلْزم الحكم على القَاضِي، بِخِلَاف الدَّعْوَى.
وَفِي الْبَحْر عَن الْمِصْبَاح، الْبُرْهَان: الْحجَّة وإيضاحها.
قيل النُّون زَائِدَة، وَقيل أَصْلِيَّة.
وَحكى الازهري الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ فِي بَاب الثلاثي: النُّون زَائِدَة، وَقَوله برهن فلَان مولد، وَالصَّوَاب أَن يُقَال أَبرَأَهُ إِذا جَاءَ بالبرهان كَمَا قَالَ ابْن الاعرابي.
وَقَالَ فِي بَاب الرباعي: برهن: إِذا أَتَى بِحجَّة اهـ.
قَوْله: (وَإِن برهنا فلمثبت الزِّيَادَة) بَائِعا كَانَ أَو مُشْتَريا.
حموي.
إِذْ لَا مُعَارضَة أَي فِي الزِّيَادَة: أَي إِن برهن كل مِنْهُمَا فِي الصُّورَتَيْنِ حكم لمن أثبت الزِّيَادَة، وَهُوَ البَائِع إِن اخْتلفَا فِي قدر الثّمن، وَالْمُشْتَرِي إِن اخْتلفَا فِي قدر الْمَبِيع، هَذَا مُقْتَضى ظَاهر كَلَامه.
وَكَذَا إِذا اخْتلفَا فِي وصف الثّمن أَو جنسه، وَبرهن كل على مَا ادَّعَاهُ حكم لمثبت وصف أَو جنس اقْتضى زِيَادَة، وَهَذَا مُقْتَضى سِيَاق كَلَامه وسياقه أَيْضا حَيْثُ صرح فِي بَيَان اخْتِلَاف الاجل بِأَن التَّحَالُف يجْرِي فِي الِاخْتِلَاف فِي وصف الثّمن أَو جنسه.
تدبر.
قَوْله: (إِذْ الْبَينَات للاثبات) ومثبت الاقل لَا يُعَارض مُثبت الاكثر، ولان النَّافِي مُنكر ويكفيه الْيَمين فَلَا حَاجَة لبينته، بِخِلَاف مدعي الزِّيَادَة لانه مُدع حَقِيقَة، وَلَا يعْطى بِدَعْوَاهُ بِلَا برهَان.
وَفِي الزَّيْلَعِيّ، قَالَ البَائِع بِعْتُك هَذِه الْجَارِيَة بعبدك هَذَا وَقَالَ المُشْتَرِي اشْتَرَيْتهَا مِنْك بِمِائَة دِينَار وَأَقَامَا الْبَيِّنَة، فَبَيِّنَة البَائِع أولى لانها تثبت الْحق لَهُ فِيهِ والاخرى تنفيه، وَالْبَيِّنَة للاثبات دون النَّفْي.
قَوْله: (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِمَا) أَيْ الثَّمَنُ وَالْمَبِيعُ جَمِيعًا بِأَن ادّعى البَائِع أَكثر مِمَّا يَدعِيهِ المُشْتَرِي من الثّمن،
وَادّعى المُشْتَرِي أَكثر مِمَّا يقر البَائِع من الْمَبِيع فِي حَالَة وَاحِدَة، فَبَيِّنَة البَائِع أولى فِي الثّمن، وَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى فِي الْمَبِيع، لَان حجَّة البَائِع فِي الثّمن أَكثر إِثْبَاتًا وَحجَّة المُشْتَرِي فِي الْمَبِيع أَكثر إِثْبَاتًا.
دُرَر.
وَصُورَة فِي الْعِنَايَة بِمَا إِذا قَالَ البَائِع بِعْتُك هَذِه الْجَارِيَة بِمِائَة دِينَار وَقَالَ المُشْتَرِي بعتنيها وَأُخْرَى مَعهَا بِخَمْسِينَ دِينَارا وَأَقَامَا الْبَيِّنَة، فَبَيِّنَة البَائِع أولى فِي الثّمن، وَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى فِي الْمَبِيع نظرا إِلَى إِثْبَات الزِّيَادَة فهما جَمِيعًا للْمُشْتَرِي بِمِائَة دِينَار.
قيل هَذَا قَول أبي حنيفَة آخرا، وَكَانَ يَقُول أَولا وَهُوَ
стр. 646
قَول زفر: يقْضِي بهما للْمُشْتَرِي بِمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين دِينَارا.
قَوْله: (لَو فِي الثّمن) يجب إِسْقَاط لَو هُنَا، وَفِي قَوْله لَو فِي الْمَبِيع ح.
لَان فِي زِيَادَة لَو هُنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ خللا، وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ: وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا، فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ أَوْلَى، وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ أَوْلَى نَظَرًا إلَى زِيَادَة الاثبات.
مدنِي.
قَوْله: (فِي الصُّور الثَّلَاث) فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا.
قَوْله: (فَإِن رَضِي كل بمقالة الآخر فِيهَا) بِأَن رَضِي البَائِع بِالثّمن الَّذِي ذكره المُشْتَرِي عِنْد الِاخْتِلَاف فِيهِ أَو رَضِي المُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الَّذِي ذكره البَائِع إِن كَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ، أَو رَضِي كل بقول الآخر إِن كَانَ الِاخْتِلَاف فيهمَا.
والاولى فِي التَّعْبِير أَن يَقُول: فَإِن تَرَاضيا على شئ بِأَنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي، أَو رَضِي المُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ رَضِيَ كُلٌّ بِقَوْلِ الْآخَرِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فيهمَا، لَان مَا ذكره الشَّارِح لَا يَشْمَل إِلَّا صُورَة الِاخْتِلَاف فيهمَا، فَتَأمل.
قَول: (وَإِن لَمْ يَرْضَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِدَعْوَى الْآخَرِ تَحَالَفَا) قيد بِهِ للاشارة إِلَى أَن القَاضِي يَقُول لكل مِنْهُمَا: إِمَّا أَن ترْضى بِدَعْوَى صَاحبك وَإِلَّا فسخنا البيع، لَان الْقَصْد قطع الْمُنَازعَة، وَقد أمكن ذَلِك بِرِضا أَحدهمَا بِمَا يَدعِيهِ الآخر، فَيجب أَن لَا يعجل القَاضِي بِالْفَسْخِ حَتَّى يسْأَل كلا مِنْهُمَا بِمَا يختاره كَمَا فِي الدُّرَر، وَهَذَا قياسي إِن كَانَ قبل الْقَبْض لَان كلا مِنْهُمَا مُنكر، واستحساني بعده لَان المُشْتَرِي لَا يَدعِي شَيْئا لَان الْمَبِيع سلم لَهُ.
بَقِي دَعْوَى البَائِع فِي زِيَادَة الثّمن وَالْمُشْتَرِي يُنكره، فَكَانَ يَكْفِي حلفه لَكِن عَرفْنَاهُ بِحَدِيث إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا تَحَالَفَا وترادا.
قَالَ فِي الاشباه: وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا إِذا كَانَ الْمَبِيع عبدا فَحلف كل بِعِتْقِهِ على صدق دَعْوَاهُ،
فَلَا تحالف وَلَا فسخ وَيلْزم البيع وَلَا يعْتق، وَالْيَمِين على المُشْتَرِي كَمَا فِي الْوَاقِعَات.
اهـ.
وَيلْزم من الثّمن مَا أقرّ بِهِ المُشْتَرِي لانه مُنكر الزِّيَادَة، لَان البَائِع قد أقرّ أَن العَبْد قد عتق.
قَوْله: (تحَالفا) أَي اشْتَركَا فِي الْحلف.
قُهُسْتَانِيّ.
وَظَاهر كَلَامهم وَمَا سَيَأْتِي أَنه يَقع أَيْضا على الْحلف مِنْهُمَا.
قَوْله: (مَا لم يكن فِيهِ خِيَار) أَي لاحدهما.
قَالَ الْحَمَوِيّ: وَأَشَارَ بعجزهما إلَى أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ فِيهِ خِيَارٌ لِأَحَدِهِمَا وَلِهَذَا.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ رُؤْيَةٍ أَوْ خِيَارُ عَيْبٍ أَوْ خِيَارُ شَرط لَا يَتَحَالَفَانِ.
اهـ.
وَالْبَائِع كالمشتري وَظَاهره أَنه يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْفَسْخ، فَلَو أَبى يجْبر وَيُحَرر.
وَالْمَقْصُود أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْفَسْخِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّحَالُفِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ وَأَنْكَرَهَا الْمُشْتَرِي فَإِنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ التَّحَالُفَ، وَأَمَّا خِيَارُ الْبَائِعِ فَلَا.
وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي يَدَّعِي زِيَادَةَ الْمَبِيعِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهَا فَإِنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَسْخِ، وَأَمَّا خِيَارُ الْمُشْتَرِي فَلَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي تَخْرِيجًا لَا نقلا.
بَحر.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفَسْخِ دَائِمًا فَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْإِطْلَاقِ.
قَوْلُهُ: (فَيفْسخ) لانه يَسْتَغْنِي عَن التَّحَالُف حِينَئِذٍ.
قَوْله: (وَبَدَأَ) أَي القَاضِي بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي: أَيْ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ كَمَا فِي شرح ابْن الْكَمَال، وَكَذَا فِي صُورَتي الِاخْتِلَاف فِي الْوَصْف وَالْجِنْس.
قَوْله: (لانه
стр. 647
البادئ بالانكار) لانه يُطَالب أَولا بِالثّمن وَهُوَ يُنكره، ولاحتمال أَن ينكل فتتعجل فَائِدَة نُكُوله بإلزامه الثّمن، وَلَو بَدَأَ بِيَمِين البَائِع فنكل تَأَخَّرت مُطَالبَته بِتَسْلِيم الْمَبِيع حَتَّى يَسْتَوْفِي الثّمن، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحَالُفِ فِي الثَّمَنِ، أَمَّا فِي الْمَبِيعِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الثَّمَنِ فَلَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ الْبَائِعَ هُوَ الْمُنْكِرُ فَالظَّاهِرُ الْبُدَاءَةُ بِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُؤَجّر، وَإِلَى ذَلِك أَوْمَأ الْقُهسْتَانِيّ وَبحث مثل هَذَا الْعَلامَة الرَّمْلِيّ.
قَوْله: (هَذَا) أَي البدء بِيَمِين المُشْتَرِي.
قَوْله: (مقايضة) وَهِي بيع سلْعَة بسلعة.
قَوْله: (أَو صرفا) هُوَ بيع ثمن بِثمن.
قَوْله: (فَهُوَ مُخَيّر) لَان كلا مِنْهُمَا فيهمَا مُشْتَر من وَجه فاستويا فَيُخَير القَاضِي، ولانهما يسلمان مَعًا فَلم يكن أَحدهمَا سَابِقًا.
قَوْله: (وَقيل يقرع ابْن ملك) هَذَا رَاجع إِلَى مَا قبل فَقَط لَا إِلَى المقايضة وَالصرْف لانه لم يحك فيهمَا خلافًا.
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَبَدَأَ بِيَمِين المُشْتَرِي عِنْد مُحَمَّد وَأبي يُوسُف وَزفر وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى، وَعَن أبي يُوسُف أَنه يبْدَأ بِيَمِين البَائِع وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة، وَقيل يقرع بَينهمَا فِي الْبدَاءَة اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْتَصِرُ عَلَى النَّفْيِ) بِأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ وَالله مَا بَاعه بِأَلف وَيَقُول المُشْتَرِي وَالله مَا اشْتَرَاهُ بِأَلفَيْنِ وَلَا يزِيد الاول وَلَقَد بِعته بِأَلفَيْنِ وَلَا يزِيد الثَّانِي وَلَقَد بَاعَنِي بِأَلف، لَان الايمان على ذَلِك وضعت، أَلا ترى أَنه اقْتصر عَلَيْهِ فِي الْقسَامَة بقَوْلهمْ مَا قتلنَا وَلَا علمنَا لَهُ قَاتلا.
وَالْمعْنَى: أَن الْيَمين تجب على الْمُنكر وَهُوَ النَّافِي فَيحلف على هَيْئَة النَّفْي إشعارا بِأَن الْحلف وَجب عَلَيْهِ لانكاره، وَإِنَّمَا وَجب على البَائِع وَالْمُشْتَرِي، لَان كلا مِنْهُمَا مُنكر.
قَوْله: (فِي الاصح) إِشَارَة إِلَى تَضْعِيف مَا فِي الزِّيَادَات بِضَم الاثبات إِلَى النَّفْي تَأْكِيدًا، وَعبارَته: يحلف البَائِع بِاللَّه مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَلَقَدْ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ وَلَقَدْ اشْتَرَاهُ بِأَلف.
قَالَ فِي الْمنح: والاصح الِاقْتِصَار على النَّفْي لَان الايمان على ذَلِك وضعت.
قَوْله: (بِطَلَب أَحدهمَا) وَهُوَ الصَّحِيح، لانهما لما حلفا لم يثبت مدعي كل مِنْهُمَا فَبَقيَ بيعا بِثمن مَجْهُول، فيفسخه القَاضِي قطعا للمنازعة.
وَفرع عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوط بقوله: فَلَو وطئ المُشْتَرِي الْجَارِيَة الْمَبِيعَة بعد التَّحَالُف، وَقبل الْفَسْخ يحل لانها لم تخرج عَن ملكه مَا لم يفْسخ القَاضِي.
دُرَر.
وَفسخ القَاضِي لَيْسَ بِشَرْط، حَتَّى لَو فسخاه انْفَسَخ، لَان الْحق لَهما، وَظَاهره أَن فسخ أَحدهمَا لَا يَكْفِي وَإِن اكْتفى بِطَلَبِهِ.
بَحر وحموي.
وَقَوله فِي الدُّرَر: لَو وطئ المُشْتَرِي الْجَارِيَة الخ يُفِيد أَن وطأه لَا يمْنَع من ردهَا بعد الْفَسْخ للتحالف، بِخِلَاف مَا لَو ظهر بهَا عيب قديم بعد الوطئ حَيْثُ لَا يملك ردهَا، وَإِنَّمَا يرجع بِالنُّقْصَانِ إِلَّا إِذا وطئ لاختبار بَكَارَتهَا فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا وَنزع من سَاعَته وَلم يلبث اهـ.
فَيُفَرق بَين هَذَا وَاللّعان، وَهُوَ أَن الزَّوْجَيْنِ إِذا تلاعنا فَالْقَاضِي يفرق بَينهمَا طلبا التَّفْرِيق أَو لم يطلباه، لَان حُرْمَة الْمحل قد ثبتَتْ شرعا للعان على مَا قَالَه ﵊ المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَهَذِه الْحُرْمَة حق الشَّرْع، وَأما العقد وفسخه فحقهما بِدَلِيل قَوْله ﵊ تحَالفا وترادا.
قَوْله: (أَو طلبهما) لَا
حَاجَة إِلَيْهِ لعلمه بالاولى.
قَوْله: (وَلَا يَنْفَسِخ بالتحالف) فِي الصَّحِيح: أَي بِدُونِ فسخ القَاضِي لانهما لما حلفا لم يثبت مدعاهما فَيبقى بيعا مَجْهُولا فيفسخه القَاضِي قطعا للمنازعة، أَو أَنه لما لم يثبت بدل
стр. 648
يبْقى بيعا بِلَا بدل، وَهُوَ فَاسد فِي رِوَايَة، وَلَا بُد من الْفَسْخ فِي الْفَاسِد اهـ.
حموي.
قَوْله: (وَلَا بِفَسْخ أَحدهمَا) لبَقَاء حق الآخر وَلَا ولَايَة لصَاحبه عَلَيْهِ، بِخِلَاف القَاضِي فَإِن لَهُ الْولَايَة الْعَامَّة.
قَوْله: (بل بفسخهما) أَي بِلَا توقف على القَاضِي لَان لَهما الْفَسْخ بِدُونِ اخْتِلَاف فَكَذَا مَعَه، فَكَمَا ينْعَقد البيع بتراضيهما يَنْفَسِخ بِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى قَضَاء.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَظَاهر مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ أَنَّهُمَا لَوْ فَسَخَاهُ انْفَسَخَ بِلَا توقف عَلَى الْقَاضِي، وَأَنَّ فَسْخَ أَحَدِهِمَا لَا يَكْفِي وَإِن اكْتفى بِطَلَب أَحدهمَا.
قَوْله: (لزمَه دَعْوَى الآخر) لانه جعل باذلا فَلم تبْق دَعْوَاهُ مُعَارضَة لدعوى الآخر فَلَزِمَ القَوْل بِثُبُوتِهِ.
منح: أَي بِثُبُوت مدعي الآخر.
قَوْله: (بِالْقضَاءِ) مُتَعَلق بقوله لزم: أَي لَا بِمُجَرَّد النّكُول، بل إِذا اتَّصل بِهِ الْقَضَاء.
قَالَ فِي التَّبْيِين: لانه بِدُونِ اتِّصَال الْقَضَاء بِهِ لَا يُوجب شَيْئا، أما على اعْتِبَار الْبَذْل فَظَاهر، وَأما على اعْتِبَار أَنه إِقْرَار فُلَانُهُ إِقْرَار فِيهِ شُبْهَة الْبَذْل فَلَا يكون مُوجبا بِانْفِرَادِهِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ) احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا هَلَكَتْ وَسَيَأْتِي متناف.
قَوْله: (وَهَذَا كُله) أَي من التَّحَالُف وَالْفَسْخ.
قَوْله: (كاختلافهما فِي الزق) أَي الظّرْف بِأَن بَاعه التَّمْر فِي زق ووزنه مائَة رَطْل ثمَّ جاءز بالزق فَارغًا ليَرُدهُ على صَاحبه وَزنه عِشْرُونَ فَقَالَ الْبَائِعُ لَيْسَ هَذَا زِقِّي وَقَالَ الْمُشْتَرِي هُوَ زِقُّك، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ رِطْلٍ ثَمَنًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ، فَجَعَلَ هَذَا اخْتِلَافًا فِي الْمَقْبُوضِ.
وَفِيهِ الْقَوْلُ قَول الْقَابِض، وَإِن كَانَ فِي ضمنه اخْتِلَاف فِي الثّمن لم يُعْتَبَرْ فِي إيجَابِ التَّحَالُفِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَقع مُقْتَضى اخْتِلَافهمَا فِي الزق.
قَوْله: (فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي) لَان القَوْل قَول الْقَابِض أَمينا كَانَ أَو ضمينا.
قَوْله: (وَلَا تحالف) وَإِن لزم فِي ضمنهما الِاخْتِلَاف فِي الثّمن فالبائع يَجعله تسعين وَالْمُشْتَرِي ثَمَانِينَ، لكنه لَيْسَ مَقْصُودا، بل وَقع فِي ضمن اخْتِلَافهمَا فِي الزق.
وَفِي الْبَحْر من البيع الْفَاسِد: وَلَو رد المُشْتَرِي الزق وَهُوَ عشرَة أَرْطَال فَقَالَ البَائِع الزق غَيره وَهُوَ خَمْسَة أَرْطَال فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه، لِأَنَّهُ إنْ اُعْتُبِرَ اخْتِلَافًا فِي تَعْيِينِ الزِّقِّ الْمَقْبُوض فَالْقَوْل قَول
الْقَابِض ضَمِينًا كَانَ أَوْ أَمِينًا، وَإِنْ اُعْتُبِرَ اخْتِلَافًا فِي الثَّمَنِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَة اهـ.
قَوْله: (كَمَا لَو اخْتلفَا فِي وصف الْمَبِيع) مُحْتَرز قَوْله سَابِقًا أَو وَصفه أَي الثّمن.
وَالْحَاصِل: أَنَّهُمَا إِذا اخْتلفَا فِي الْوَصْف فَإِن كَانَ وصف الثّمن تحَالفا وَإِن كَانَ وصف الْمَبِيع فَالْقَوْل للْبَائِع وَلَا تحالف.
قَوْله: (فَالْقَوْل للْبَائِع وَلَا تحالف) لَان اخْتِلَافهمَا لَيْسَ فِي الْبَدَل، لَكِن المُشْتَرِي يَدعِي اشْتِرَاط أَمر زَائِد وَالْبَائِع يُنكره وَالْقَوْل للْمُنكر بِيَمِينِهِ.
قَوْله: (لكَونه لَا يخْتل بِهِ قوام العقد) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَبِهِ فَأشبه الِاخْتِلَاف فِي الْحَط والابراء.
قَوْله: (نَحْو أجل) أطلقهُ فَشَمِلَ الِاخْتِلَافَ فِي أَصْلِهِ وَقَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الزَّائِدِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ فِي
стр. 649
السَّلَمِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ وَخَرَجَ الِاخْتِلَافُ فِي مُضِيِّهِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ.
كَذَا فِي النِّهَايَة.
بَحر.
قَالَ فِي الْبَدَائِع: وَقَوله والاجل: أَي فِي أَصله أَو فِي قدره أَو فِي مضيه أَو فِي قدره ومضيه، فَفِي الاولين: القَوْل قَول البَائِع مَعَ يَمِينه.
وَفِي الثَّالِث: القَوْل قَول المُشْتَرِي.
وَفِي الرَّابِع: القَوْل قَول المُشْتَرِي فِي الْمُضِيّ وَقَول البَائِع فِي الْقدر.
وَبَاقِي التَّفْصِيل فِيهَا وَفِي غَايَة الْبَيَان.
وَمِنْه: مَا لَو ادّعى عَلَيْهِ أَنه اشْترى بِشَرْط كَونه كَاتبا أَو خبازا فَلَا حَاجَة إِلَى تَقْدِيمه.
وَفِي الْبَحْر أَيْضا: وَيُسْتَثْنَى مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَجَلِ مَا لَوْ اخْتلفَا فِي الاجل فِي السَّلَمِ بِأَنْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَنَفَاهُ الْآخَرُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهِ لِمُدَّعِيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ فِيهِ شَرْطٌ وَتَرْكُهُ فِيهِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَإِقْدَامُهُمَا عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فِيهِ، فَكَانَ القَوْل لنا فِيهِ.
اهـ.
وَفِيه عَن الظَّهِيرِيَّة: قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن فِي رجلَيْنِ تبَايعا شَيْئا وَاخْتلفَا فِي الثّمن فَقَالَ المُشْتَرِي اشْتريت هَذَا الشئ بِخَمْسِينَ درهما إِلَى عشْرين شهرا على أَن أؤدي إِلَيْك كل شهر دِرْهَمَيْنِ وَنصفا وَقَالَ البَائِع بعتكه بِمِائَة دِرْهَم إِلَى عشرَة أشهر على أَن تُؤدِّي إِلَيّ كل عشرَة دَرَاهِم وَأَقَامَا الْبَيِّنَة.
قَالَ مُحَمَّد: تقبل شَهَادَتهمَا وَيَأْخُذ البَائِع من المُشْتَرِي سِتَّة أشهر كل شهر عشرَة وَفِي الشَّهْر السَّابِع سَبْعَة وَنصفا ثمَّ يَأْخُذ بعد ذَلِك كل شهر دِرْهَمَيْنِ وَنصفا إِلَى أَن تتمّ لَهُ مائَة، لَان المُشْتَرِي أقرّ لَهُ بِخَمْسِينَ
درهما على أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِ كل شهر دِرْهَمَيْنِ وَنصفا، وَبرهن دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ وَأقَام البَائِع الْبَيِّنَة بِزِيَادَة خمسين على أَن يَأْخُذ من هَذِه الْخمسين مَعَ مَا أقرّ لَهُ بِهِ المُشْتَرِي فِي كل شهر عشرَة، فَالزِّيَادَة الَّتِي يدعيها البَائِع فِي كل شهر سَبْعَة وَنصف، وَمَا أقرّ بِهِ المُشْتَرِي لَهُ فِي كل شهر دِرْهَمَانِ وَنصف فَإِذا أَخذ فِي كل شهر عشرَة فقد أَخذ فِي كل سِتَّة أشهر مِمَّا ادَّعَاهُ خَمْسَة وَأَرْبَعين وَمِمَّا أقرّ بِهِ المُشْتَرِي خَمْسَة عشر.
بَقِي إِلَى تَمام مَا يَدعِيهِ من الْخمسين خَمْسَة، فيأخذها البَائِع مَعَ مَا يقر بِهِ المُشْتَرِي فِي كل شهر، وَذَلِكَ سَبْعَة وَنصف ثمَّ يَأْخُذ بعد ذَلِك فِي كل شهر دِرْهَمَيْنِ وَنصفا إِلَى عشْرين شهرا حَتَّى تتمّ الْمِائَة.
وَهَذِه مَسْأَلَة عَجِيبَة يقف عَلَيْهَا من أمعن النّظر فِيمَا ذَكرْنَاهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطِ رَهْنٍ) أَيْ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي.
قَوْله: (أَو خِيَار) فَالْقَوْل لمنكره على الْمَذْهَب، وَقد ذكر الْقَوْلَيْنِ فِي بَاب خِيَار الشَّرْط، وَالْمذهب مَا ذَكرُوهُ هُنَا لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِعَارِضِ الشَّرْطِ، وَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الْعَوَارِضِ.
بَحر.
وَلَا فرق بَين أصل شَرط الْخِيَار، وَقدره عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة ويتحالفان عِنْد زفر وَالشَّافِعِيّ وَمَالك كَمَا فِي البناية.
قَوْله: (أَو ضَمَان) أَي ضَمَان الثّمن بِأَن قَالَ بعتكه بِشَرْط أَن يتكفل لي بِالثّمن فلَان وَأنكر المُشْتَرِي، وَمثله ضَمَان الْعهْدَة.
حموي.
فَالْقَوْل قَول الْمُنكر.
قَوْلُهُ: (وَقَبْضِ بَعْضِ ثَمَنٍ) أَوْ حَطِّ الْبَعْضِ أَو إِبْرَاء الْكل وَقيد بِالْبَعْضِ مَعَ أَن كل الثّمن كَذَلِك لدفع وهم، وَهُوَ أَن الاخلاف فِي أصل بعض الثّمن لما أوجب التَّحَالُف كَمَا سبق ذهب الْوَهم إِلَى أَن الِاخْتِلَاف فِي قبض بعضه يُوجب ب التَّحَالُف أَيْضا فَصرحَ بِذكرِهِ دفعا لَهُ كَمَا فِي البرجندي، فَظهر أَن الْقَيْد لَيْسَ للِاحْتِرَاز بل لدفع الْوَهم وَأَرَادَ بِالْقَبْضِ الِاسْتِيفَاء، فَيشْمَل الاخذ والحط والابراء وَلَو كلا، كَمَا فِي مِعْرَاج الدِّرَايَة.
قَوْله: (وَالْقَوْل للْمُنكر بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَبِهِ فَأَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَطِّ وَالْإِبْرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِانْعِدَامِهِ لَا يَخْتَلُّ مَا بِهِ قِوَامُ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي وَصْفِ الثَّمَنِ أَوْ جنس فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة الِاخْتِلَاف فِي الْقدر فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الثَّمَنِ، فَإِنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ وَهُوَ يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، وَلَا كَذَلِك الاجل فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَصْف، أَلا
стр. 650
ترى أَن الثّمن مَوْجُود بعد مضيه فَالْقَوْل لمنكر الْخِيَار والاجل مَعَ يَمِينه، لِأَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ بِعَارِضِ الشَّرْطِ وَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الْعَوَارِضِ.
بَحر.
قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: ولان أصل الثّمن حق البَائِع والاجل حق المُشْتَرِي، وَلَو كَانَ وَصفا لَهُ لتبع الاصل وَكَانَ حَقًا للْبَائِع، وَلقَائِل أَن يَقُول: هَذَا خلاف الْمَعْقُول، لانه اسْتِدْلَال بِبَقَاء الْمَوْصُوف على بَقَاء الصّفة، وَالصّفة قد تَزُول مَعَ بَقَاء الْمَوْصُوف بِأَن تنزل صِفَاته، فعندكم البيع يَقع بِثمن ثمَّ يُزَاد أَو ينقص مَعَ بَقَائِهِ.
اهـ.
تَأمل.
قَوْله: (وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ: يَتَحَالَفَانِ) أَي فِي الْمسَائِل الثَّلَاثَة وَهِي الاجل وَالشّرط وَقبض بعض الثّمن، وَعَلِيهِ صَاحب الْمَوَاهِب بقوله: وَإِن اخْتلفَا فِي الاجل أَو شَرط أَو قبض الثّمن لم يتحالفا عندنَا واكتفيا بِيَمِين الْمُنكر، حَيْثُ أَشَارَ بعندنا إِلَى خلاف مَالك وَالشَّافِعِيّ، وباكتفيا إِلَى خلاف زفر، فَكَانَ على الشَّارِح أَن يزِيد مَالِكًا، وَجعل الْعَيْنِيّ الْخلاف قاصرا على الاجل حَيْثُ قَالَ: وَعند زفر وَالشَّافِعِيّ وَمَالك يَتَحَالَفَانِ فِي الاجل إِذا اخْتلفَا فِي أَصله وَقدره.
قَوْله: (بعد هَلَاك البيع) أَي عِنْد المُشْتَرِي، إِمَّا إِذا هلك عِنْد البَائِع قبل قَبضه انْفَسَخ البيع ط ومعراج، وَأفَاد أَنَّهُ فِي الْأَجَلِ وَمَا بَعْدَهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ بَعْدَ الْهَلَاكِ أَوْ قَبْلَهُ.
قَوْله: (أَو تعيبه بِمَا لَا يرد بِهِ) هَذَا دَاخِلٌ فِي الْهَلَاكِ لِأَنَّهُ مِنْهُ.
تَأَمَّلْ.
ثُمَّ إِن عباراتهم هَكَذَا، أَوْ صَارَ بِحَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ بِالْعَيْبِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: بِأَنْ زَادَ زِيَادَة مُتَّصِلَة أَو مُنْفَصِلَة إِ هـ: أَيْ زِيَادَةً مِنْ الذَّاتِ كَسِمَنٍ وَوَلَدٍ وَعُقْرٍ.
قَالَ فِي غرر الافكار: أَو تغير إِلَى زِيَادَة منشؤها الذَّات بعد الْقَبْض مُتَّصِلَة كَانَت أَو مُنْفَصِلَة كَوَلَد وَأرش وعقر، وَإِذا تحَالفا عِنْد مُحَمَّد يفْسخ على الْقيمَة، إِلَّا إِذا اخْتَار المُشْتَرِي رد الْعين مَعَ الزِّيَادَة، وَلَوْ لَمْ تَنْشَأْ مِنْ الذَّاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ من حَيْثُ السّعر أَو غَيره كَانَت قبل الْقَبْض أَو بعده يتحالفات اتِّفَاقًا، وَيكون الْكسْب للْمُشْتَرِي اتِّفَاقًا: إِ هـ.
قَالَ الرَّمْلِيّ: وَقد صَرَّحُوا بِأَن الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة بِالْمَبِيعِ الَّتِي تتولد من الاصل مَانِعَة من الرَّد كالغرس وَالْبناء وطحن الْحِنْطَة وشي اللَّحْم وَخبر الدَّقِيق، فَإِذا ژجد شئ من ذَلِك لَا تحالف عِنْدهمَا، خلافًا لمُحَمد، وَالله تَعَالَى أعلم.
لم يذكر غَالب الشَّارِحين وَأَصْحَاب الْفَتَاوَى اخْتِلَافهمَا بعد الزِّيَادَة وَلَا بعد موت الْمُتَعَاقدين أَو أَحدهمَا، مَعَ شدَّة الْحَاجة إِلَى ذَلِك، وَقد ذكر ذَلِك مفصلا فِي التاترخانية فَارْجِع إليبه إِن شِئْت، ثمَّ بحثت فِي الْكتب فَرَأَيْت ابْن ملك قَالَ فِي شرح الْمجمع: اعْلَم أَن مَسْأَلَة التَّغَيُّر مَذْكُورَة فِي الْمَنْظُومَة
وَقد أهملها المُصَنّف، ثمَّ تغيره إِلَى زِيَادَة إِن كَانَ من حَيْثُ الذَّات بعد الْقَبْض مُتَّصِلَة كَانَت أَو مُنْفَصِلَة، مُتَوَلّدَة من عينهَا كَالْوَلَدِ أَو بدل الْعين كالارض والعقر يَتَحَالَفَانِ عِنْد مُحَمَّد خلافًا لَهما، وَإِذا تحَالفا يترادان الْقيمَة عِنْده، إِلَّا إِن شَاءَ المُشْتَرِي أَن يرد الْعين مَعَ الزِّيَادَة، وَقيل: يترادان إِن رَضِي المُشْتَرِي أَو لَا.
قيدنَا الزِّيَادَة بقولنَا من حَيْثُ الذَّات، لانها لَو كَانَت من حَيْثُ السّعر يَتَحَالَفَانِ، سَوَاء كَانَ قبل الْقَبْض أَو بعده، وَقَيَّدنَا بقولنَا مُتَوَلّدَة من عينهَا، لانها لَو لم تكن كَذَلِك يَتَحَالَفَانِ اتِّفَاقًا، وَيكون الْكسْب للْمُشْتَرِي عِنْدهم جَمِيعًا.
стр. 651
وَفِي التاترخانية: وَفِي التَّجْرِيد: وَإِن وَقع الِاخْتِلَاف بَين ورثتهما أَو بَين وَرَثَة أَحدهمَا وَبَين الْحَيّ: فَإِن كَانَ قبل قبض السّلْعَة يَتَحَالَفَانِ بالاجماع، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ: إِلَّا أَن الْيمن على الْوَرَثَة على الْعلم.
وَإِن كَانَ الْقَبْض فَكَذَلِك عِنْد مُحَمَّد، وعَلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف يَتَحَالَفَانِ، وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ: وَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي أَو قَول ورثته بعد وَفَاته.
وفيهَا وَفِي الْخُلَاصَة: رجل اشْترى شَيْئا فَمَاتَ البَائِع أَو المُشْتَرِي وَوَقع الِاخْتِلَاف فِي الثّمن بَين الْحَيّ وورثة الْمَيِّت إِن مَاتَ البَائِع، فَإِن كَانَت السّلْعَة فِي يَد الْوَرَثَة يَتَحَالَفَانِ، وَإِن كَانَت السّلْعَة فِي يَد الْحَيّ لَا يَتَحَالَفَانِ عِنْدهمَا.
وَقَالَ مُحَمَّد: يَتَحَالَفَانِ، هَذَا إِذا مَاتَ البَائِع، فَإِن مَاتَ المُشْتَرِي والسلعة فِي بُد البَائِع يَتَحَالَفَانِ عِنْد الْكل، وَإِن كَانَت السّلْعَة فِي يَد وَرَثَة المُشْتَرِي عِنْدهمَا لَا يَتَحَالَفَانِ، وعَلى قَول مُحَمَّد يَتَحَالَفَانِ وهلاك الْعَاقِد بِمَنْزِلَة الْمَعْقُود عَلَيْهِ، وَمِمَّنْ ذكر مَسْأَلَة بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص الِاخْتِيَار والمنهاج والتغير بِالْعَيْبِ الدُّرَر وَالْغرر، وَالله تَعَالَى أعلم.
وَاقعَة الْحَال: اخْتلف المُشْتَرِي مَعَ الْوَكِيل بِقَبض الثّمن، هَل يجْرِي التَّحَالُف بَينهمَا؟ وَقد كتبت الْجَواب: لَا يجْرِي إِذْ الْوَكِيل بِالْقَبْضِ لَا يحلف وَإِن ملك الْخُصُومَة عِنْد الامام فَيدْفَع الثّمن الَّذِي أقرّ بِهِ لَهُ، وَإِذا حضر الْمُوكل الْمُبَاشر للْعقد وَطَلَبه بِالزِّيَادَةِ يَتَحَالَفَانِ حِينَئِذٍ إِ هـ.
ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ تَبِعَ الدُّرَرَ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَالُوهُ أَوْلَى لِمَا عَلِمْت مِنْ شُمُوله الْعَيْب، وَغَيره.
تَأمل.
قَوْله: (وَحلف المُشْتَرِي) لانه يُنكر زِيَادَة الثّمن، فَلَو ادّعى البَائِع أَن مَا دَفعه إِلَيْهِ بعض مِنْهُ هُوَ الْمَبِيع وَالْبَاقِي وَدِيعَة يَنْبَغِي أَن يكون
القَوْل فوله لانه مُنكر لتمليك الْبَاقِي، وليراجع.
قَوْله: (إِلَّا إِذا اسْتَهْلكهُ البَائِع الخ) أَي فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ لقيان الْقيمَة مقَام الْعين، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمُسْتَهْلك المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَجْعَل قَابِضا باستهلاكه وَيلْزمهُ الْمَبِيع، وَصَارَ كَمَا لَو هلك فِي يَده فَلَا تحالف، وَالْقَوْل لَهُ فِي أنكار الزِّيَادَة بِيَمِينِهِ، وَلَو اسْتَهْلكهُ البَائِع كَانَ فسخا للْبيع كَمَا لَو هلك بِنَفسِهِ، فَلَا حَاجَة إِلَى التَّحَالُف، وَلذَا قَاضِي زَاده فِي قَوْله بعد هَلَاك الْمَبِيع: لَو عِنْد المُشْتَرِي، وَأَرَادَ بِغَيْر المُشْتَرِي الاجنبي فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ على قيمَة الْمَبِيع كَمَا فِي التَّبْيِين وَالْبَحْر.
قَوْله: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِك) وَهل تعْتَبر قِيمَته يَوْم التّلف أَو الْقَبْض أَو أقلهما يُرَاجع.
قَوْله: (وَهَذَا) أَي الِاقْتِصَار على يَمِين المُشْتَرِي.
قَوْله: (لَو الثّمن دينا) بِأَن كَانَ دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو مَكِيلًا أَو مَوْزُونا، وَإِن كَانَ عينا بِأَن كَانَ العقد مقايضة فاختلفا بعد هَلَاك أحد الْبَدَلَيْنِ يَتَحَالَفَانِ بالِاتِّفَاقِ كَمَا صرح بِهِ الشَّارِح.
قَوْله: (فَلَو مقايضة تحَالفا) وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِ الْبَدَلِ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا إنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَهُمَا، وَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ دَيْنًا لَا يَتَحَالَفَانِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي كِفَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَبِيع كل مِنْهُمَا) أَي فَكَانَ العقد قَائِما بِبَقَاء الْبَاقِي مِنْهُمَا.
قَوْله: (وَيرد مثل الْهَالِكِ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ قِيَمِيًّا.
قَوْله: (كَمَا لَو اخْتلفَا فِي جنس الثّمن الخ) كألف دِرْهَم وَألف دِينَار، وَهَذَا تَشْبِيه بالمقايضة فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ بِلَا خلاف، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ثَمَنٍ، فَلَا بُدَّ من التَّحَالُف ف للْفَسْخ كَمَا فِي الْبَحْر، وَبِهَذَا تعلم أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ كَالِاخْتِلَافِ فِي قدره، إِلَّا فِي مَسْأَلَة وَهِي مَا إِذا كَانَ الْمَبِيع هَالكا.
стр. 652
وَالْحَاصِل: أَنه إِذا هلك الْمَبِيع لَا تحالف عِنْدهمَا خلافًا لمُحَمد إِذا كَانَ الثّمن دينا، وَاخْتلفَا فِي قدره أَو وَصفه، أما إِذا اخْتلفَا فِي جنسه أَو لم يكن دينا فَلَا خلاف فِي التَّحَالُف.
قَوْله: (وَلَا تحالف بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِهِ) أَيْ هَلَاكِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا سَيذكرُهُ قَرِيبا، لَان التَّحَالُف بعد الْقَبْض ثَبت بِالنَّصِّ على خلاف الْقيَاس، وورلاد الشَّرْع بِهِ فِي حَال قيام السّلْعَة، والسلعة اسْم لجميعها فَلَا تبقى بعد فَوَات جُزْء مِنْهَا، وَلَا يُمكن التَّحَالُف فِي الْقَائِم إِلَّا على اعْتِبَار حِصَّته من الثّمن، وَلَا بُد من الْقِسْمَة على قيمتهمَا،
وَالْقيمَة تعرف بِالظَّنِّ والحزر فَيُؤَدِّي إِلَى التَّحْلِيف مَعَ الْجَهْل وَذَلِكَ لَا يجوز.
قَوْله: (عِنْد المُشْتَرِي) أَي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ قَبْضِهِمَا) فَلَوْ قَبْلَهُ يَتَحَالَفَانِ فِي مَوْتِهِمَا وَمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَفِي الزِّيَادَة لوُجُود الانكار من الْجَانِبَيْنِ.
كِفَايَة.
وَلَو عِنْد البَائِع قبل الْقَبْض تحَالفا على الْقَائِم عِنْدهم.
قَوْله: (لم يتحالفا عِنْد أبي حنيفَة) أَي وَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ التَّحَالُفَ مَشْرُوطٌ بَعْدَ الْقَبْضِ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَهِي اسْم لجَمِيع الْمَبِيع كَمَا تقدم، فَإِذا هلك بعضه انْعَدم الشَّرْط.
وَقَالَ أَبُو يُوسُف: يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيّ وَيفْسخ العقد فِيهِ، وَلَا يَتَحَالَفَانِ فِي الْهَالِك، وَيكون القَوْل فِي ثمنه قَول المُشْتَرِي، وَقَالَ مُحَمَّد: يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيفْسخ العقد فيهمَا، وَيرد الْحَيّ وَقِيمَة الْهَالِك كَمَا فِي الْعَيْنِيّ.
قَوْله: (إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ أصلا) أَي لَا يَأْخُذ من ثمن الْهَالِكِ شَيْئًا أَصْلًا، وَيَجْعَلُ الْهَالِكَ كَأَنْ لَمْ يكن وَكَأن العقد لن يكن، إِلَّا على الْحَيّ فَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ فِي ثمنه وَيكون الثّمن كُله فِي مُقَابلَة الْحَيّ، وبنكول أَيهمَا لزم دَعْوَى الآخر كَمَا فِي غُرَرُ الْأَفْكَارِ.
قَوْلُهُ: (يَتَحَالَفَانِ) أَيْ عَلَى ثَمَنِ الْحَيّ فَإِن حلفا فسخ العقد فِيهِ وَأَخذه، وَلَا يُؤْخَذ من ثمن الْهَالِك وَلَا فِي قِيمَته شئ، وَأيهمَا نكل لزمَه دَعْوَى الآخر كَمَا فِي التَّبْيِين.
قَوْله: (هَذَا على تَخْرِيج الْجُمْهُور) أَي صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى التَّحَالُف، وَلَفظ الْمَبْسُوط يدل على هَذَا، لَان الْمُسْتَثْنى مِنْهُ عدم التَّحَالُف حَيْثُ قَالَ: لم يتحالفا إِلَّا أَن يرضى الخ.
قَوْله: (وَصرف مَشَايِخ بَلخ الِاسْتِثْنَاء) أَيْ الْمُقَدَّرَ فِي الْكَلَامِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى وَلَا تحالف بعد هَلَاكه بعضه بل الْيَمين على المُشْتَرِي.
قَالَ فِي غرر الافكار بعد ذكره مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى حَلِفِ الْمُشْتَرِي الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ يَعْنِي يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِك قدر مَا أقرّ بِهِ المُشْتَرِي وَحلف، لَا الزَّائِد إِلَّا أَن يرضى البَائِع أَن يَأْخُذ الْقَائِم، وَلَا يخاصمه فِي الْهَالِك، فَحِينَئِذٍ لَا يحلف المُشْتَرِي إِذا الْبَائِعُ أَخَذَ الْقَائِمَ صُلْحًا عَنْ جَمِيعِ مَا ادَّعَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ إلَى تَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي لَا الزِّيَادَة، فيتحالفان ويترادان فِي الْقَائِم إِ هـ.
قَوْله: (إِلَى يَمِين المُشْتَرِي) اعْلَم أَن الْمَشَايِخ اخْتلفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاء، فالعامة على أَنه منصرف إِلَى التَّحَالُف، لانه الْمَذْكُور فِي كَلَام الْقَدُورِيّ، فتقدير الْكَلَام: لم يتحالفا إِلَّا إِذا ترك البَائِع حِصَّة الْهَالِك فيتحالفان.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه منصرف إِلَى يَمِين المُشْتَرِي الْمُقَدَّرَ فِي الْكَلَامِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَلَا تَحَالُفَ بَعْدَ هَلَاكِ
بَعْضِهِ بَلْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِلَّا أَن يرضى الخ: أَي فَحِينَئِذٍ لَا يَمِين على المُشْتَرِي، لانه لما أَخذ البَائِع بقول المُشْتَرِي وَصدقه لَا يحلف المُشْتَرِي، وَيكون القَوْل قَوْله بِلَا يَمِين، وَهَذَا إِنَّمَا يظْهر أَن لَو كَانَ الثّمن مفصلا أَو كَانَت قيمَة الْعَبْدَيْنِ سَوَاء أَو مُتَفَاوِتَة مَعْلُومَة، أما إِذا كَانَت قيمَة الْهَالِك مَجْهُولَة
стр. 653
وتنازعا فِي الْقدر الْمَتْرُوك لَهَا فَلم أره، وَالظَّاهِر أَن القَوْل قَول المُشْتَرِي فِي تعْيين الْقدر وَيُحَرر.
ط.
وَالْحَاصِل: أَنه إِذا هلك بعض الْمَبِيع أَو أخرجه المُشْتَرِي عَن ملكه لَا تحالف، وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ فيتحالفان، فَيحلف البَائِع أَنه مَا بَاعه بِمَا يَقُول للْمُشْتَرِي، وَيحلف المُشْتَرِي بِأَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ بِمَا يَقُوله البَائِع وَيفْسخ العقد بَينهمَا، وَيَأْخُذ البَائِع الْقَائِم فَقَط وَلَا شئ لَهُ سواهُ، لانه رَضِي بِإِسْقَاط حِصَّة الْهَالِك هَذَا مَا تفيده عبارَة الْمَبْسُوط، وَجعله الشَّارِح تبعا للزيلعي تَخْرِيج الْجُمْهُور، وَالَّذِي تفهمه عبارَة الْجَامِع الصَّغِير، اخْتَارَهُ مَشَايِخ بَلخ عدم التَّحَالُف مُطلقًا، وَأَن القَوْل للْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ، وَأخذ الْقَائِم صلحا عَمَّا يَدعِيهِ من جملَة الثّمن وَلَا شئ لَهُ سواهُ لرضاه بِهِ، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَوْله: (وَلَا فِي قدر بدل كِتَابَة) أَي إِذا اخْتلف الْمولى وَالْمكَاتب، فَلَا تحالف عِنْد الامام لَان التَّحَالُف فِي الْمُعَاوَضَات اللَّازِمَة، وَبدل الْكِتَابَة غير لَازم على الْمكَاتب مُطلقًا فَلم يكن فِي معنى البيع، ولان فَائِدَة النّكُول ليقضى عَلَيْهِ، وَالْمكَاتب لَا يقْضى عَلَيْهِ، ولان الْبَدَل فِي الْكِتَابَة مُقَابل بفك الْحجر، وَهُوَ ملك التَّصَرُّف وَالْيَد فِيهِ للْحَالِف وَقد سلم ذَلِك لَهُ وَلَا يَدعِي على مَوْلَاهُ شَيْئا، وَقد بَينا أَن التَّحَالُف بعد الْقَبْض على خلاف الْقيَاس فَلَا يَتَحَالَفَانِ، فَيكون القَوْل قَول العَبْد لكَونه مُنْكرا، وَإِنَّمَا يصير مُقَابلا بِالْعِتْقِ عِنْد الاداء وَقَبله لَا يُقَابله أصلا.
فتعليل الشَّارِح تبع فِيهِ المُصَنّف حَيْثُ علل للامام الْقَائِل بِعَدَمِ التَّحَالُف فِي الْكِتَابَة بِأَن التَّحَالُف فِي الْمُعَاوَضَات اللَّازِمَة وَبدل الْكِتَابَة غير لَازم على الْمكَاتب مُطلقًا، فَلم يكن فِي معنى البيع.
وَقَالا: يَتَحَالَفَانِ وتفسخ الْكِتَابَة كَالْبيع، وَإِن أَقَامَ أَحدهمَا بَيِّنَة قبلت، وَإِن أقاماها فَبَيِّنَة الْمولى أولى لاثباتها الزِّيَادَة، لَكِن يعْتق بأَدَاء قدر مَا برهن عَلَيْهِ، وَلَا يمْتَنع وجوب بدل الْكِتَابَة بعد عتقه، كَمَا لَو كَاتبه على ألف على أَنه إِذا أدّى خَمْسمِائَة عتق، وكما لَو اسْتحق الْبَدَل بعد الاداء كَمَا فِي التَّبْيِين.
قَوْله:
(وَقدر رَأس مَال بعد إِقَالَة عقد السّلم) أَي بِأَن اخْتلف رب السّلم وَالْمُسلم إِلَيْهِ فِي قدر رَأس المَال بعد إِقَالَة السّلم، فَقَالَ رب السّلم رَأس المَال عشرَة وَقَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ خَمْسَة لم يتحالفا، لَان التَّحَالُف مُوجبه رفع الاقالة وعود السّلم: أَي مَعَ أَنه دين وَقد سقط والساقط لَا يعود، ولانها لَيست بِبيع بل هِيَ إبِْطَال من وَجه، فَإِن رب السّلم لَا يملك الْمُسلم فِيهِ بالاقالة بل يسْقط فَلم يكن فِيهَا معنى البيع حَتَّى يتحالفا، وَاعْتبر حَقِيقَة الدَّعْوَى والانكار وَالْمُسلم إِلَيْهِ هُوَ الْمُنكر فَكَانَ القَوْل قَوْله، وَقيد بالاختلاف بعْدهَا، لانهما لَو اخْتلفَا قبلهَا فِي قدره تحَالفا كالاختلاف فِي نَوعه وجنسه وَصِفَتِهِ، كَالِاخْتِلَافِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْوُجُوهِ الاربعة على مَا قدمْنَاهُ.
قَوْله: (بل القَوْل للْعَبد وَالْمُسلم إِلَيْهِ) مَعَ يَمِينِهِمَا.
بَحْرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَعُودُ السَّلَمُ) لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِي بَابِ السَّلَمِ لَا تَحْتَمِلُ النَّقْضَ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فَلَا يَعُودُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَيَنْبَغِي أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ بَعْدَهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا.
بَحْرٌ.
وَفِيهِ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِهِمْ هُنَا أَنَّ الْإِقَالَةَ تَقْبَلُ الْإِقَالَةَ، إلَّا فِي إقَالَةِ السَّلَمِ، وَأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَقْبَلُهَا، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي الْفَوَائِد.
قَوْله: (وَإِن اخْتلفَا فِي مِقْدَار الثّمن الخ) بِأَن اشْترى أمة بِأَلف دِرْهَم وَقَبضهَا ثمَّ تَقَايلا البيع حَال قيام الامة، ثمَّ اخْتلفَا فِي مِقْدَار الثّمن بعد الاقالة قبل أَن يقبض البَائِع الامة بِحكم الاقالة تحَالفا وَيعود البيع الاول.
قَوْله: (وَلَا بَيِّنَة) أما إِذا
стр. 654
وجدت لاحدهما عمل بهَا لَهُ وَإِن برهنا، فَبَيِّنَة مُثبت الزِّيَادَة مُقَدّمَة، وَهَذَا قِيَاس مَا تقدم ط.
قَوْله: (وَعَاد البيع) حَتَّى يكون البَائِع فِي الثّمن وَحقّ المُشْتَرِي فِي الْمَبِيع كَمَا كَانَ قبل الاقالة، لَان التَّحَالُف قبل الْقَبْض مُوَافق للْقِيَاس لما أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُدع ومنكر فيتعدى إِلَى الاقالة، وَلَا بُد من الْفَسْخ مِنْهُمَا أَو من القَاضِي.
أبي السُّعُود.
قَوْله: (لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ مَقْبُوضًا) فَلَو لم يَكُونَا مقبوضين أَو أَحدهمَا فَلَا يعود البيع وَالْقَوْل قَول مُنكر الزِّيَادَة مَعَ يَمِينه.
هَذَا مَا ظهر لي ط.
وَفِي مِسْكين: وَالْقَوْل للْمُنكر.
قَوْله: (خلافًا لمُحَمد) لانه يرى النَّص معلولا بعد الْقَبْض أَيْضا، وهما قَالَا: كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا تحالف مُطلقًا، لانه إِنَّمَا ثَبت فِي البيع الْمُطلق بِالنِّسْبَةِ، والاقالة فسخ فِي حَقّهمَا إِلَّا أَنه قبل الْقَبْض على وفْق الْقيَاس، فَوَجَبَ الْقيَاس عَلَيْهِ كَمَا قسنا الاجارة على البيع قبل الْقَبْض وَالْوَارِث
على الْعَاقِد وَالْقيمَة على الْعين فِيمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ غَيْرُ الْمُشْتَرِي.
بَحر.
قَوْله: (وَإِن اخْتلفَا فِي قدر الْمهْر) كألف وألفين.
هَذِه الْمَسْأَلَة وَقعت مكررة، لانها ذكرت فِي بَاب الْمهْر وَتبع فِيهِ صَاحب الْهِدَايَة والكنز، وَلذَلِك لم يذكرهَا هُنَا صَاحب الْوِقَايَة، لَان محلهَا الانسب ثمَّة، إِلَّا أَن المُصَنّف ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة على تَخْرِيج الْكَرْخِي هُنَا وعَلى تَخْرِيج الرَّازِيّ ثمَّة، وَهَكَذَا فِي الْكَنْز، وَقصد مِنْهُ نُكْتَة تخرجها عَن حد التّكْرَار على مَا تقف عَلَيْهِ الْآن إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقيد بِقدر الْمهْر، لَان الِاخْتِلَاف لَو كَانَ فِي أَصله يجب مهر الْمثل لما سبق فِي بَابه، وَالِاخْتِلَاف فِي جنسه كالاختلاف فِي قدره، إلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مهر مثلهَا كقيمة مَا عينته الْمَرْأَة مهْرا أَو أَكثر فلهَا قِيمَته لَا عينه كَمَا يَأْتِي ذكره فِي الْهِدَايَة وَغَيرهَا.
قَوْله: (أَو جنسه) كَمَا إِذا ادّعى أَن مهرهَا هَذَا العَبْد وَادعت أَنه هَذِه الْجَارِيَة فَحكم الْقدر وَالْجِنْس وَاحِد، إِلَّا فِي صُورَة وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِثْلَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهَا قِيمَةُ الْجَارِيَةِ لَا عينهَا.
بَحر.
وَفِيه: لم يَذْكُرْ حُكْمَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَحُكْمُهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ لَهَا نِصْفَ مَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةُ لَهَا الْمُتْعَةُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ تَأْخُذَ نصف الْجَارِيَة اهـ.
قَوْله: (قضى لمن أَقَامَ الْبُرْهَان) لانه نور دَعْوَاهُ بهَا، أَمَّا قَبُولُ بَيِّنَةِ الْمَرْأَةِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الْأَلْفَيْنِ وَلَا إشْكَالَ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَلَى قَبُولِ بَيِّنَةِ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْيَمين لَا الْبَيِّنَة، فَكيف تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ.
قُلْنَا: هُوَ مُدَّعٍ صُورَةً لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَى الْمَرْأَةِ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا بِأَدَاءِ مَا أقرّ بِهِ الْمَهْرِ، وَهِيَ تُنْكِرُ وَالدَّعْوَى كَافِيَةٌ لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ كَمَا فِي دَعْوَى الْمُودِعِ رَدَّ الْوَدِيعَةِ.
مِعْرَاجٌ.
قَوْله: (بِأَن كَانَ كمقالته أَو أقل) لانها تثبت الزِّيَادَة، وَبَيِّنَة الزَّوْج تَنْفِي ذَلِك والمثبت أولى، ولان الظَّاهِر يشْهد لَهُ وَبَيِّنَة الْمَرْأَة تثبت خلاف الظَّاهِر، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبر فِي الْبَينَات.
قَوْله: (فبينته أولى) هَذَا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُلْتَقَى، وَكَذَا الزَّيْلَعِيُّ هُنَا وَفِي بَابِ الْمهْر.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهَا أَيْضًا لِأَنَّهَا أَظْهَرَتْ شَيْئا لم يكن ظَاهرا بتصادقهما كَمَا فِي الْبَحْر.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى.
قُلْت: بَقِيَ مَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ مَهْرُ الْمِثْلِ كَيْفَ يُفْعَلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُمَاثِلُهَا.
تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لاثباتها
стр. 655
خلاف الظَّاهِر) عِلّة للمسألتين أَيْ وَالظَّاهِرِ مَعَ مَنْ شَهِدَ لَهُ مَهْرُ الْمثل.
قَوْله: (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ شَاهِدٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِأَنْ كَانَ بَينهمَا) لَيْسَ المُرَاد أَنه متوسط بَينهمَا، بل المُرَاد أَنه أقل مِمَّا ادَّعَتْهُ وَأكْثر مِمَّا ادَّعَاهُ، وَبِه عبر فِي الدُّرَر.
قَوْله: (فالتهاتر) أَي التساقط: أَي فَالْحكم حِينَئِذٍ التهاتر مَعَ الهتر بِكَسْر الْهَاء وَهُوَ السقط من الْكَلَام أَو الْخَطَأ فِيهِ.
عناية.
قَوْله: (للاستواء) أَي فِي الاثبات، لَان بينتها تثبت الزِّيَادَة وبينته تثبت الْحَط، وَلَيْسَ أَحدهمَا بِأولى من الآخر.
دُرَر.
قَوْله: (وَيجب مهر الْمثل عَلَى الصَّحِيحِ) قَيْدٌ لِلتَّهَاتُرِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالصَّحِيح التهاتر وَيجب مهر الْمثل.
قَوْله: (تحَالفا) أَي عِنْد أبي حنيفَة وَأيهمَا نكل لزمَه دَعْوَى الآخر، لانه صَار مقرا بِمَا يَدعِيهِ خَصمه، أَو باذلا.
دُرَر.
وَعند أبي يُوسُف لَا يَتَحَالَفَانِ وَالْقَوْل قَول الزَّوْج مَعَ يَمِينه، إِلَّا أَن يَأْتِي بشئ مستنكر لَا يتعارف مهْرا لَهَا.
وَقيل هُوَ أَن يَدعِي مَا دون عشرَة دَرَاهِم كَمَا فِي الْجَوْهَرَة.
وَقَالَ الامام جَوَاهِر زَاده: هُوَ أَن يَدعِي مهْرا لَا يتَزَوَّج مثلهَا عَلَيْهِ عَادَة، كَمَا لَو ادّعى النِّكَاح على مائَة دِرْهَم وَمهر مثلهَا ألف.
وَقَالَ بَعضهم: المستنكر مَا دون نصف الْمهْر، فَإِذا جَاوز نصف الْمهْر لم يكن مستنكرا.
عَيْني.
قَوْله: (وَلم يفْسخ النِّكَاح لتبعية الْمهْر) لَان أثر التَّحَالُف فِي انعدام التَّسْمِيَة وَذَا لَا يخل بِصِحَّة النِّكَاح: أَي لَان يَمِين كل مِنْهُمَا يبطل مَا يَدعِيهِ صَاحبه من التَّسْمِيَة، وَهُوَ لَا يفْسد النِّكَاح إِذْ الْمهْر تَابع فِيهِ.
بِخِلَاف البيع فَإِن عدم تَسْمِيَته الثّمن يُفْسِدهُ كَمَا مر ويفسخه القَاضِي قطعا للمنازعة بَينهمَا.
قَوْلُهُ: (وَيَبْدَأُ بِيَمِينِهِ) نَقَلَ الرَّمْلِيُّ عَنْ مَهْرِ الْبَحْرِ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا اسْتِحْبَابا لانه لَا رُجْحَان لاحدهما على الآخر.
وَاخْتَارَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَكَثِيرُونَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ الْيَمِينَيْنِ عَلَيْهِ كتقديم المُشْتَرِي على البَائِع، وَالْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَوَّلَ التَّسْلِيمَيْنِ) التسليمان: هما تَسْلِيم الزَّوْج الْمهْر، وَتَسْلِيم الْمَرْأَة نَفسهَا، وَالسَّابِق فيهمَا تَسْلِيم معجل الْمهْر، وَمَا ذكر تَخْرِيج الْكَرْخِي فَيقدم التَّحَالُف عِنْد الْعَجز عَن الْبُرْهَان فِي الْوُجُوه كلهَا: يَعْنِي فِيمَا إِذا كَانَ مهر الْمثل مثل مَا اعْترف بِهِ الزَّوْج أَو أقل مِنْهُ أَو مثل مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَة أَو أَكثر مِنْهُ، أَو كَانَ بَينهمَا خَمْسَة أوجه.
وَأما على تَخْرِيج الرَّازِيّ فَلَا تحالف إِلَّا فِي وَجه وَاحِد، وَهُوَ مَا إِذا لم يكن مهر الْمثل شَاهدا لاحدهما، وَفِيمَا عداهُ فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ إِذا كَانَ مهر الْمثل مثل مَا يَقُول أَو
أقل، وَقَوْلها مَعَ يَمِينهَا إِذا كَانَ مثل مَا ادَّعَتْهُ أَو أَكثر.
أَبُو السُّعُود عَن الْعِنَايَة.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ التَّحَالُفَ فِيمَا إذَا خَالَفَ قَوْلَهُمَا، أَمَّا إذَا وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ لَهُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَعَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ يَتَحَالَفَانِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ يَحْكُمُ مهر الْمثل.
وَصَححهُ فِي الْمَبْسُوط وَالْمُحِيط بِهِ جزم فِي الْكَنْز.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ رَجَّحَ الاول وَتَعَقَّبَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ تَقْدِيمَ الزَّيْلَعِيِّ وَغَيْرِهِ لَهُ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ يُؤْذِنُ بِتَرْجِيحِهِ وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَة.
وَقَالَ قاضيخان إنَّهُ الْأَوْلَى وَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِير غَيره، وَالْأَوْلَى الْبُدَاءَةُ بِتَحْلِيفِ الزَّوْجِ، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
قَوْله: (وحيكم بِالتَّشْدِيدِ) وَهَذَا: أَعْنِي التَّحَالُفَ أَوَّلًا ثُمَّ التَّحْكِيمَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، لَان مهر الْمثل لَا اعْتِبَار لَهُ مَعَ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا بِالتَّحَالُفِ، فَلِهَذَا يقدم فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَأَمَّا عَلَى تَخْرِيجِ الرَّازِيّ فالتحكيم قَبْلَ التَّحَالُفِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَهْرِ مَعَ بَيَانِ اخْتِلَافِ التَّصْحِيحِ وَخِلَافِ أَبِي يُوسُفَ.
بَحْرٌ.
стр. 656
قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود: وَلقَائِل أَن يَقُول: مَا بالهم لَا يحكمون قيمَة الْمَبِيع إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي الثّمن لمعْرِفَة من يشْهد لَهُ الظَّاهِر كَمَا فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا مَحْظُور فِيهِ، وَيُمكن أَن يُجَاب عَنهُ بِأَن مهر الْمثل أَمر مَعْلُوم ثَابت بِيَقِين فَجَاز أَن يكون حكما، بِخِلَاف الْقيمَة فَإِنَّهَا تعلم بالحزر وَالظَّن فَلَا تفِيد الْمعرفَة فَلَا جعل حكما.
عناية.
قَوْله: (وَلَو اخْتلفَا الخ) وَجه التَّحَالُف أَن الاجارة قبل قبض الْمَنْفَعَة كَالْبيع قبل قبض الْمَبِيع فِي كَون كل من الْمُتَعَاقدين يَدعِي على الآخر وَهُوَ يُنكر، وَكَون كل من الْعقْدَيْنِ مُعَاوضَة يجْرِي فِيهَا الْفَسْخ فالتحقت بِهِ.
وَاعْترض بِأَن قيام الْمَعْقُود عَلَيْهِ شَرط لصِحَّة التَّحَالُف، وَالْمَنْفَعَة مَعْدُومَة، وَأجِيب بِأَن الدَّار مثلا أُقِيمَت مقَام الْمَنْفَعَة فِي حق إِيرَاد العقد عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا قَائِمَة تَقْديرا.
دُرَر.
قَوْله: (فِي بدل الاجارة) أَي فِي قدرهَا بِأَن ادّعى الْمُؤَجّر أَنه آجر شهرا بِعشْرَة وَادّعى الْمُسْتَأْجر أَنه آجره بِخَمْسَة.
قَوْله: (أَو فِي قدر الْمدَّة) بِأَن ادّعى الْمُؤَجّر أَنه آجر شهرا وَالْمُسْتَأْجر شَهْرَيْن.
قَوْله: (قبل الِاسْتِيفَاء للمنفعة) لِأَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ وَالْإِجَارَةُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ نَظِيرُهُ.
بَحْرٌ.
وَفِيه: المُرَاد بِالِاسْتِيفَاءِ التَّمَكُّن مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَبِعَدَمِهِ عَدَمُهُ لِمَا عُرِفَ أَنه قَائِم مقَامه فِي وجوب الاجر اهـ.
فَلَو أبدل المُصَنّف قَوْله قبل الِاسْتِيفَاء بقوله قبل التَّمَكُّن من الِاسْتِيفَاء لَكَانَ أولى، وَأَشَارَ فِي الْبَحْر بقوله فِي وجوب الاجر إِلَى الِاحْتِرَاز عَن الاجارة الْفَاسِدَة، فَإِن أجر الْمثل إِنَّمَا يجب بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء لَا بِمُجَرَّد التَّمَكُّن على مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (تَحَالَفَا) وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَأيهمَا برهن قبل.
قَوْله: (وبدئ بِيَمِين الْمُسْتَأْجر) لانه هُوَ الْمُنكر للزِّيَادَة.
فَإِنْ قِيلَ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِ الْآجِرِ لِتَعْجِيلِ فَائِدَةِ النُّكُولِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَاجِب.
وَأجِيب بِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةَ التَّعْجِيلِ فَهُوَ الاسبق إنْكَارًا فَيَبْدَأُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَا يمْنَع الْآجِرُ مِنْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضِ الْأُجْرَةِ.
أَبُو السُّعُودِ
قَوْله: (والمؤجر لَوْ فِي الْمُدَّةِ) وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا قُبِلَتْ بَيِّنَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْفَضْلِ نَحْوُ: أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ ولمستأجر شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ فَيُقْضَى بِشَهْرَيْنِ بِعَشَرَةٍ.
بَحْرٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِن برهنا فَالْبَيِّنَة للمؤجر فِي الْبَدَل) نظرا إِلَى إِثْبَات الزِّيَادَة، وَلَو اخْتلفَا فيهمَا فَتقدم حجَّة كل فِي زَائِد يَدعِيهِ.
قَوْله: (وللمستأجر فِي الْمدَّة) نظرا إِلَى إِثْبَات الزِّيَادَة.
قَوْله: (وَبعده) أَي بعد الِاسْتِيفَاء لَا تحالف، وَالْمرَاد من الِاسْتِيفَاء التَّمَكُّن كَمَا تقدم.
قَوْله: (وَالْقَوْل للْمُسْتَأْجر) أَي إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِي الاجرة، فَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف فِي الْمدَّة كَأَن ادّعى الْمُسْتَأْجر بعد الِاسْتِيفَاء مُدَّة أَكثر مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُؤَجّر لَا يكون القَوْل للْمُسْتَأْجر بل للمؤجر، وَكَأَنَّهُم تركُوا التَّنْبِيه على ذَلِك لظُهُوره.
أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (وَفسخ العقد فِي الْبَاقِي) لانه من الِاخْتِلَاف فِي
стр. 657
العقد.
قَوْله: (وَالْقَوْل فِي الْمَاضِي للْمُسْتَأْجر) لانه من الِاخْتِلَاف فِي الدّين وَهَذَا بالاجماع فَأَبُو يُوسُف مر على أَصله فِي هَلَاك بعض الْمَبِيع، فَإِن التَّحَالُف فِيهِ يتَقَدَّر بِقدر الْبَاقِي عِنْده، فَكَذَا هُنَا، وهما خالفا أَصلهمَا فِي الْمَبِيع، وَالْفرق لمُحَمد مَا بَيناهُ فِي اسْتِيفَاء الْكل من أَن الْمَنَافِع لَا تتقوم إِلَّا بِالْعقدِ، فَلَو تحَالفا لَا يبْقى العقد، فَلم يُمكن إِيجَاب شئ، وَالْفرق لابي حنيفَة أَن العقد فِي الاجارة ينْعَقد سَاعَة فساعة على حسب حُدُوث الْمَنَافِع، فَيصير كل جُزْء من الْمَنَافِع كالمعقود عَلَيْهِ عقدا مُبْتَدأ على حِدة، فَلَا يلْزم من تعذر التَّحَالُف فِي الْمَاضِي التَّعَذُّر فِيمَا بَقِي إِذْ هما فِي حكم عقدين مُخْتَلفين فيتحالفان، بِخِلَاف مَا إِذا
هلك بعض الْمَبِيع حَيْثُ يمْنَع التَّحَالُف فِيهِ عِنْده لانه عقد وَاحِد، فَإِذا امْتنع فِي الْبَعْض امْتنع فِي الْكل ضَرُورَة كي لَا يُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق الصَّفْقَة على البَائِع.
زَيْلَعِيّ.
قَوْله: (لانعقادها سَاعَة فساعة) أَي على حسب حُدُوث الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا فِي الاجارة.
قَوْله: (فَكل جُزْء كعقد) أَي فَيصير كل جُزْء من الْمَنْفَعَة كالمعقود عَلَيْهِ ابْتِدَاء.
قَوْله: (بِخِلَاف البيع) أَي بِخِلَاف مَا إِذا هلك بعض الْمَبِيع، لَان كل جُزْء لَيْسَ بمعقود عَلَيْهِ عقدا مُبْتَدأ، بل الْجُمْلَة معقودة بِعقد وَاحِد، فَإِذا تعذر العقد فِي بعضه بِالْهَلَاكِ تعذر فِي كُله ضَرُورَة.
قَوْله: (وَإِن اخْتلف الزَّوْجَانِ الخ) قيد باختلافهما للِاحْتِرَاز عَن اخْتِلَاف نسَاء الزَّوْج دونه، فَإِن مَتَاع النِّسَاء بَينهُنَّ على السوَاء إِن كن فِي بَيت وَاحِد، وَإِن كَانَت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ فِي بَيت على حِدة فَمَا فِي بَيت كل امْرَأَة بَينهَا وَبَين زَوجهَا على مَا ذكر بعد، وَلَا يشْتَرك بَعضهنَّ مَعَ بعض.
كَذَا فِي خزانَة الاكمل وَالْخَانِيَّة.
وللاحتراز عَن اخْتِلَاف الاب وَالِابْن فِيمَا فِي الْبَيْت.
قَالَ فِي خزانَة الاكمل: قَالَ أَبُو يُوسُف: إِذا كَانَ الاب فِي عِيَال الابْن فِي بَيته فالمتاع كُله للِابْن، كَمَا لَو كَانَ الابْن فِي بَيت الاب وَعِيَاله فمتاع الْبَيْت للاب.
اهـ.
وَانْظُر هَل يَأْتِي التَّفْصِيل هُنَا كَمَا ذَكرُوهُ فِي الزَّوْجَيْنِ بِأَن يكون أَحدهمَا عَالما مثلا وَالْآخر جَاهِلا، وَفِي الْبَيْت كتب وَنَحْوهَا مِمَّا يصلح لاحدهما فَقَط؟ وَكَذَا لَو كَانَت الْبِنْت فِي عِيَال أَبِيهَا فَهَل لَهَا ثِيَاب النِّسَاء؟ وَيَقَع كثيرا إِن الْبِنْت يكون لَهَا جهاز فيطلقها زَوجهَا فتسكن فِي بَيت أَبِيهَا فَهَل تكون كَمَسْأَلَة الزَّوْجَيْنِ أَو كَمَسْأَلَة الاسكاف والعطار الْآتِيَة؟ لم أره فَليُرَاجع.
قَالَ فِي الْبَحْر: قَالَ مُحَمَّد: رجل زوج ابْنَته وَهِي وَخَتنه فِي دَاره وَعِيَاله ثمَّ اخْتلفُوا فِي مَتَاع الْبَيْت فَهُوَ للاب، لانه فِي بَيته وَفِي يَده، وَلَهُم مَا عَلَيْهِم من الثِّيَاب انْتهى.
لَكِن قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: وَهُوَ مُخَالف لما مر عَن خزانَة الاكمل من عدم اعْتِبَار الْبَيْت، بل الْيَد هِيَ الْمُعْتَبرَة كَمَا سَيذكرُهُ الشَّارِح عَنْهَا.
أَقُول: وَيظْهر من هَذَا جَوَاب الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة هِيَ: لَو طلقت الْبِنْت وَلها جهاز وسكنت عِنْد أَبِيهَا فَتَأمل.
وللاحتراز عَن إسكاف وعطار، اخْتلفَا فِي آلَة الاساكفة أَو آلَة العطارين وَهِي فِي أَيْدِيهِمَا، فَإِنَّهُ يقْضِي بهَا بَينهمَا وَلَا ينظر إِلَى مَا يصلح لاحدهما، لانه قد يَتَّخِذهُ لنَفسِهِ أَو للْبيع فَلَا يصلح مرجحا،
وللاحتراز عَمَّا إِذا اخْتلف الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر فِي مَتَاع الْبَيْت فَإِن القَوْل فِيهِ للْمُسْتَأْجر، لكَون الْبَيْت مُضَافا إِلَيْهِ بِالسُّكْنَى، وللاحتراز عَن اخْتِلَاف الزَّوْجَيْنِ فِي غير مَتَاع الْبَيْت، وَكَانَ أَيْدِيهِمَا فَإِنَّهُمَا كالاجنبيين يقسم بَينهمَا، وَقد ذكر الْمُؤلف بعد بعض مَا ذكر.
قَوْله: (وَلَو مملوكين) أَي أَو حُرَّيْنِ أَو مُسلمين أَو كَافِرين أَو كبيرين، وَأما إِذا كَانَ أَحدهمَا حرا وَالْآخر مَمْلُوكا فَسَيَأْتِي، وَأَشَارَ باختلافهما أَنَّهُمَا حَيَّان،
стр. 658
وَلذَلِك فرع عَلَيْهِ بعد حكم موت أَحدهمَا.
قَوْله: (وَالصَّغِير يُجَامع) قيد بِالْجِمَاعِ ليَكُون القَوْل قَوْله فِي الصَّالح لَهما، لَان الْمَرْأَة لَا تكون مَعَ مَا فِي يَدهَا فِي يَد الزَّوْج إِلَّا بذلك، بِخِلَاف الصَّغِير الَّذِي لم يبلغ حد الْجِمَاع، فَإِنَّهُ لَا يَد لَهُ على زَوجته، أما فِي الصَّالح لَهُ فَالْقَوْل لوَلِيِّه فِيهِ، سَوَاء كَانَ يُجَامع أَو لَا.
ثمَّ معنى كَون القَوْل للصَّغِير أَن القَوْل لوَلِيِّه لَان عِبَارَته غير مُعْتَبرَة.
قَوْله: (أَو ذِمِّيَّة) لَان لَهُم مَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا فِي الْمُعَامَلَات.
قَوْله: (قَامَ النِّكَاح أَو لَا) بِأَن طَلقهَا مثلا، ويستثني مَا إذَا مَاتَ بَعْدَ عِدَّتِهَا كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ الرَّمْلِيّ: أَي سَوَاء وَقع الِاخْتِلَاف بَينهمَا حَال قيام النِّكَاح أَو بعده، وَمَا هُنَا هُوَ الَّذِي مَشى عَلَيْهِ الشُّرَّاح، وَإِن كَانَ فِي لِسَان الْحُكَّام مَا يُخَالف ذَلِك.
قَوْله: (فِي مَتَاع) مُتَعَلق باختلف.
قَوْله: (هُوَ هُنَا مَا كَانَ فِي الْبَيْت) الاولى أَن يَقُول الْبَيْت وَمَا كَانَ فِيهِ بِدَلِيل مَا ذكره فِي الْبَحْر عَن خزانَة الاكمل معزيا للامام الاعظم، من أَن الْمنزل وَالْعَقار والمواشي والنقود مِمَّا يصلح لَهما.
تَأمل.
وَسَيذكر الشَّارِح أَن الْبَيْت للزَّوْج إِلَّا أَن يكون لَهَا بَيِّنَة: أَي لكَونه ذَا يَد وَهُوَ تبع لَهُ فِي السُّكْنَى، وَهِي خَارِجَة معنى كَمَا علل بِهِ فِي الْخَانِية، وَالْمَتَاع لُغَة: كل مَا ينْتَفع بِهِ كالطعام والبز وأثاث الْبَيْت، وَأَصله مَا ينْتَفع بِهِ من الزَّاد، وَهُوَ اسْم من متعته بالتثقيل: إِذا أَعْطيته ذَلِك، وَالْجمع أَمْتعَة.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
بَحر.
قَالَ الرَّمْلِيّ: أَقُول: الَّذِي يظْهر أَن المُرَاد بقوله فِي مَتَاعِ هُوَ هُنَا مَا كَانَ فِي الْبَيْت: أَي مَا ثَبت وضع أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ أَو تصرفهما فِيهِ بِأَن كَانَت أَيْدِيهِمَا تتعاقب عَلَيْهِ وتختلف بِالتَّصَرُّفِ، يدل عَلَيْهِ التَّعْلِيل فِي مسَائِل هَذَا الْبَاب بِالْيَدِ وَعدمهَا فِي الاخذ بقول الْمُدَّعِي وَعَدَمه.
تَأمل.
اهـ.
قَوْله: (وَلَو ذَهَبا أَو فضَّة) أَقُول: جعل الشَّارِح فِي الدّرّ الْمُنْتَقى النُّقُود مِمَّا يصلح لَهما، وَمثله فِي الْقُهسْتَانِيّ.
قَوْله: (فِيمَا صلح لَهُ) أَي لكل مِنْهُمَا مَعَ يَمِينه، فالصالح لَهُ الْعِمَامَة والقباء والقلنسوة والطيلسان وَالسِّلَاح
والمنطقة والكتب وَالْفرس والدرع الْحَدِيد، والصالح لَهَا الْخمار والدرع والاساور وخواتيم النِّسَاء والحلي والخلخال وَنَحْوهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ سَقَطَ قَوْلُهَا لانها أقرَّت بِأَن الْملك للزَّوْج ثُمَّ ادَّعَتْ الِانْتِقَالَ إلَيْهَا فَلَا يَثْبُتُ الِانْتِقَالُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا شكّ أَنَّهُ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى شِرَائِهِ كَانَ كَإِقْرَارِهَا بِهِ فَلَا بُد من بَيِّنَة على انْتِقَاله لَهَا.
اهـ.
بَدَائِع.
وَكَذَا إِذا ادَّعَت أَنَّهَا اشترته مِنْهُ مثلا فَلَا بُد من بَيِّنَة على الِانْتِقَال إِلَيْهَا مِنْهُ بِهِبَة أَو نَحْو ذَلِك، لَا يَكُونُ اسْتِمْتَاعُهَا بِمُشْرِيهِ وَرِضَاهُ بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهَا ذَلِكَ كَمَا تَفْهَمُهُ النِّسَاءُ وَالْعَوَامُّ، وَقد أَفْتيت بذلك مرَارًا بَحر.
أَقُول: وَظَاهر قَوْله وَهَذَا كُله إِذا لم تقر الْمَرْأَة الخ شَامِل لما يخْتَص بِالنسَاء.
تَأمل.
وَيَنْبَغِي تَقْيِيده بِمَا لم يكن من ثِيَاب الْكسْوَة الْوَاجِبَة على الزَّوْج.
تَأمل.
وَفِي الْبَحْر عَن الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَجْهِيزِ الْبَنَاتِ: افْتَرقَا وَفِي بَيتهَا جَارِيَة نقلهَا مَعهَا وَاسْتَخْدَمَتْهَا سَنَةً وَالزَّوْجُ عَالِمٌ بِهِ سَاكِتٌ ثُمَّ ادَّعَاهَا فَالْقَوْلُ لَهُ، لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً وَلم يُوجد المزيل.
اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ سُكُوتَ الزَّوْجِ عِنْدَ نَقْلِهَا مَا يصلح لَهما لَا يبطل دَعْوَاهُ اهـ.
أَقُول: قَوْله لَا يبطل دَعْوَاهُ: أَي وَلَا دَعْوَاهَا لَان الْجَارِيَة صَالِحَة لَهما.
قَوْله: (فِيمَا صلح لَهُ)
стр. 659
أَي لكل مِنْهُمَا مَعَ يَمِينه، وَتقدم الْفرق بَين الصَّالح لَهُ والصالح لَهَا.
قَوْله: (فَالْقَوْل لَهُ) أَي للَّذي يفعل أَو يَبِيع من الزَّوْجَيْنِ.
قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيّ: لَيْسَ هَذَا على ظَاهره، لَان الْمَرْأَة وَمَا فِي يَدهَا فِي يَد الزَّوْج، وَالْقَوْلُ فِي الدَّعَاوَى لِصَاحِبِ الْيَدِ، بِخِلَافِ مَا يخْتَص بهَا لانه عَارض يَد الزَّوْج مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، وَهُوَ الِاخْتِصَاصُ بِالِاسْتِعْمَالِ كَمَا فِي الْعِنَايَة، لكنه خلاف مَا عَلَيْهِ الشُّرُوح فقد صرح الْعَيْنِيّ بِخِلَافِهِ.
قَوْله: (لتعارض الظاهرين) أَي ظَاهر صالحيته لَهما، وَظَاهر اصطناعه أَو بَيْعه لَهُ فتساقطا ورجعنا إِلَى اعْتِبَار الْيَد، وَهِي وَمَا فِي يَدهَا فِي يَده.
وَبِهَذَا الْحل ظهر أَنه لَا وَجه لتوقف سَيِّدي أبي السُّعُود فَإِنَّهُ قَالَ: وَاعْلَم أَن فِي التَّعْلِيل بتعارض الظاهرين تأملا، لانه حَيْثُ اسْتَويَا فِي الْقُوَّة لَا يصلح أَن يكون تعارضهما مرجحا لاحدهما، هَكَذَا توقفت بُرْهَة ثمَّ راجعت عبارَة الدُّرَر فَلم أجد فِيهَا التَّعْلِيل الْمَذْكُور.
اهـ.
فَإِنَّهُ يَجْعَل التَّعَارُض مرجحا:
أَي بل هُوَ مسْقط والمرجح الْيَد فَلْيتَأَمَّل.
وَالْحَاصِل: أَن مَا علل بِهِ الشَّارِح لَا يصلح عِلّة لوَجْهَيْنِ.
الاول إِذا كَانَ الزَّوْج يَبِيع مَا يصلح لَهُ يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرَانِ الْيَدُ وَالْبَيْعُ لَا ظَاهِرٌ وَاحِد فَلَا تعَارض، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت هِيَ تبيع ذَلِك لَا يتَرَجَّح ملكهَا إلَّا إذَا كَانَ مِمَّا يَصْلُحُ لَهَا عَلَى أَنَّ التَّعَارُضَ لَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ بَلْ التَّهَاتُرَ.
الثَّانِي أَنه إِذا كَانَ الزَّوْج يَبِيع فَلَا تعَارض، وَإِن كَانَت هِيَ تبيع فَكَذَلِك، وَحِينَئِذٍ الاوجه فِي التَّعْلِيل أَن يُقَال: لَان ظَاهر الَّذِي يفعل وَيبِيع أظهر وَأقوى، كَمَا أَن ظَاهرهَا فِيمَا يخْتَص بهَا أظهر وَأقوى من ظَاهره مَعَ أَن لَهُ يَد عَلَيْهِ.
تَأمل.
قَوْله: (دُرَر وَغَيرهَا) عِبَارَةُ الدُّرَرِ: إلَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يفعل أَو يَبِيع مَا يصلح للْآخر اهـ.
أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ صَائِغًا وَلَهُ أساور وَخَوَاتِيمُ النِّسَاءِ وَالْحُلِيُّ وَالْخَلْخَالُ وَنَحْوُهَا، فَلَا يَكُونُ لَهَا، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ دَلَّالَةً تَبِيعُ ثِيَابَ الرِّجَالِ أَوْ تَاجِرَةً تَتَّجِرُ فِي ثِيَابِ الرِّجَال أَوْ النِّسَاءِ أَوْ ثِيَابِ الرِّجَالِ وَحْدَهَا.
كَذَا فِي شُرُوح الْهِدَايَة.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: قَول الدُّرَرِ: وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ دَلَّالَةً إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ لِلزَّوْجِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ مَا لَوْ كَانَتْ تَبِيعُ ثِيَابَ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ، فَالْقَوْلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا بِجَعْلِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ فَالْقَوْلُ لَهُ رَاجِعًا إلَى الزَّوْجِ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِتَعَارُضِ الظَّاهِرَيْنِ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً سَوَاءٌ حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ يَبِيعُ يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرَانِ الْيَدُ وَالْبَيْعُ لَا ظَاهِرٌ وَاحِدٌ فَلَا تَعَارُضَ، إلَّا إذَا كَانَتْ هِيَ تبيع فَلَا يُرَجَّحُ مِلْكَهَا لِمَا ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ إلَّا إذَا كَانَ مِمَّا يَصْلُحُ لَهَا، عَلَى أَنَّ التَّعَارُض لَا يَقْتَضِي التَّرْجِيح بَلْ التَّهَاتُرَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ يَبِيعُ فَلَا تَعَارُضَ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تَبِيعُ هِيَ فَكَذَلِكَ لِمَا مَرَّ أَيْضًا، فَتَنَبَّهْ.
أَقُولُ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْعِنَايَةِ صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ، لَكِنْ فِي الْكِفَايَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمَرْأَةِ حَيْثُ قَالَ: إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَبِيعُ ثِيَابَ الرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ كَالْخِمَارِ وَالدِّرْعِ والملحفة والحملى فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ: أَيْ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهَا لِشَهَادَةِ الظَّاهِر.
اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ قَالَ: وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَبِيعُ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لَا يَكُونُ القَوْل قَوْله فِي ذَلِك.
اهـ.
فَالظَّاهِر أَن فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ
فَليُحرر.
اهـ.
أَقُول: وَالْحَاصِل أَن القَوْل للرجل فِيمَا يخْتَص بِهِ، وَفِي الْمُتَشَابه سَوَاء كَانَت الْمَرْأَة دلَالَة أَو لَا،
стр. 660
وَإِذا كَانَ يصنع أَو يَبِيع ثِيَاب النِّسَاء وحليهن فَالْقَوْل لَهُ فِي الاجناس كلهَا فِي الْمَشْهُور.
قَوْله: (وَالْقَوْل لَهُ فِي الصَّالح لَهما) أَي القَوْل لَهُ فِي مَتَاع يصلح للرجل وللمرأة.
قَوْله: (لانها وَمَا فِي يَدهَا فِي يَد الزَّوْج) أَي وَالْقَوْل فِي الدعاوي لصَاحب الْيَد، وَشَمل كَلَامه مَا إِذا كَانَ فِي لَيْلَة الزفاف فَيكون القَوْل لَهُ، لَكِن قَالَ الاكمل فِي الخزانة: لَو مَاتَت الْمَرْأَة فِي لَيْلَة زفافها فِي بَيته لَا يستحسن أَن يَجْعَل مَتَاع الْبَيْت من الْفرش وحلي النِّسَاء وَمَا يَلِيق بِهن للزَّوْج والطنافس والقماقم والاباريق والفرش والخدم واللحف للنِّسَاء، وَكَذَا مَا يُجهز مثلهَا، إِلَّا أَن يكون الرجل مَعْرُوفا بِتِجَارَة جنس مِنْهَا فَهُوَ لَهُ.
وَاسْتثنى أَبُو يُوسُف من كَون مَا يصلح لَهما لَهُ مَا إِذا كَانَ مَوتهَا لَيْلَة الزفاف، فَكَذَا إِذا اخْتلفَا حَال حياتهما فِيمَا يصلح لَهما فَالْقَوْل لَهُ، وَإِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِي لَيْلَة الزفاف فَالْقَوْل لَهَا فِي الْفرش وَنَحْوهَا لجَرَيَان الْعرف غَالِبا من الْفرش والصناديق والخدم تَأتي بِهِ الْمَرْأَة، وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ لِلْفَتْوَى، إلَّا أَنْ يُوجَدَ نَصٌّ فِي حكمه لَيْلَة الزفاف عَن الامام بِخِلَافِهِ فَيتبع، بَحر.
لَكِن قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي بعد نَقله عبارَة الاكمل: فَيَنْبَغِي أَن يتَأَمَّل فِيهِ.
اهـ.
قَوْله: (بِخِلَاف مَا يخْتَص بهَا الخ) جَوَاب سُؤال ورد على الْكَلَام السَّابِق تَقْرِيره إِذا كَانَ القَوْل فِي الدَّعَاوَى لذِي الْيَد وَالْمَرْأَة وَمَا فِي يَدهَا فِي يَد الزَّوْج يكون القَوْل للزَّوْج أَيْضا فِي الْمُخْتَص بهَا لانه فِي يَده ط.
قَوْله: (وَهُوَ) أَي ظَاهرهَا.
قَوْله: (لانها خَارِجَة) أَي عَن اعْتِبَار الظَّاهِر، إِذْ الظَّاهِر أَنه لَهُ لانه فِي يَده وَبَيِّنَة الْخَارِج مُقَدّمَة على بَيِّنَة ذِي الْيَد، لَكِن تقدم أَن هَذَا مُقَيّد بِمَا إِذا كَانَت الْبَيِّنَة على الْملك الْمُطلق، فَإِن كَانَت على النِّتَاج وَسبب ملك لَا يتَكَرَّر كَانَت الْبَيِّنَة لذِي الْيَد فَيَنْبَغِي أَن يجْرِي هَذَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْبَيْتُ لِلزَّوْجِ) أَيْ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْت فَهُوَ لَهُ لانه من الصَّالح لَهما وَفِي يَده حَتَّى لَو برهنا قضى ببرهانها خَارِجَة.
خَانِية.
وفيهَا: إِن كَانَ غير الزَّوْجَة فِي عِيَال أحد كَابْن فِي عيلة أَب أَو الْقلب كَانَ الْمَتَاع عِنْد الِاشْتِبَاه للَّذي يعول.
قَوْله: (إِلَّا أَن يكون لَهَا بَيِّنَةٌ) أَيْ فَيَكُونُ الْبَيْتُ لَهَا، وَكَذَا لَو برهنت على كل مَا صلح لَهما أَو لَهُ وَالْبَيْت الْمسكن، وَبَيت الشّعْر
مَعْرُوف.
مِصْبَاح.
وَالْبَيْت اسْم لمسقف وَاحِد.
مغرب.
وَلم يذكر الدَّار، وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي الْعقار فَالظَّاهِر أَن حكمه مثل الْبَيْت بِدَلِيل مَا نَقله سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَاب الدُّخُول وَالْخُرُوج، وَكَذَا صَاحب الْبَحْر عَن الْكَافِي أَن الْعرف الْآن أَن الدَّار وَالْبَيْت وَاحِد، فَيحنث إِن دخل صحن الدَّار، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
اهـ.
إِلَّا أَن يفرق بَين هَذَا وَبَين الْيَمين.
أَقُول: وَالَّذِي نَقله الشَّارِح هُنَا عَن الْبَحْر أَنَّهَا للزَّوْج على قَوْلهمَا، وَيُؤَيِّدهُ مَا قدمْنَاهُ وَللَّه الْحَمد.
قَالَ فِي الْبَحْر: إِذا اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي غير مَتَاع الْبَيْت، وَكَانَ فِي أَيْدِيهِمَا فَإِنَّهُمَا كالاجنبيين يقسم بَينهمَا.
اهـ.
وَبِه علم أَن الْعقار إِذا لم يَكُونَا ساكنين فِيهِ لم يدْخل فِي مُسَمّى مَتَاع الْبَيْت، لَان الْكَلَام فِي مَتَاع الْبَيْت فَقَط، وَقد علمت تَفْسِير مَتَاع الْبَيْت مِمَّا قدمْنَاهُ من أَن الاولى فِي تَفْسِيره بِالْبَيْتِ، وَبِمَا كَانَ فِيهِ، لما ذَكرْنَاهُ من الِاخْتِلَاف فِي نفس الْبَيْت كَذَلِك، فَعلم أَن قَول الْبَحْر: وَإِذا اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي غير مَتَاع الْبَيْت: المُرَاد بِهِ مَا كَانَ خَارِجا عَن سكناهما فَيقسم بَينهمَا، فَيتَعَيَّن تَقْيِيد الْعقار بِمَا كَانَا ساكنين فِيهِ، فَلْيتَأَمَّل.
قَوْله: (وَهَذَا) أَي مَا تقدم لَو حيين.
قَوْله:: (فِي الْمُشكل) وَالْجَوَاب فِي غير الْمُشكل على
стр. 661
مَا مر.
حموي: أَي أَن القَوْل لكل مِنْهُمَا فِيمَا يخْتَص بِهِ ط.
قَوْله: (الصَّالح لَهما) بَيَان للمراد بالمشكل على حذف أَي التفسيرية.
قَوْله: (فَالْقَوْل فِيهِ للحي) أَي بِيَمِينِهِ إِذْ لَا يَد للْمَيت.
در منتقى.
وَأما مَا يصلح لاحدهما وَلَا يصلح للْآخر فَهُوَ على مَا كَانَ قبل الْمَوْت وَيقوم ورثته مقَامه فِيهِ.
عَيْني.
وَأفَاد قَوْله يقوم وَارثه مقَامه أَنه يعْمل بِبَيِّنَة وَارِث الزَّوْجَة فِي الصَّالح لَهما.
قَوْله: (وَلَو رَقِيقا) لَان الرَّقِيق لَهُ يَد، وَهَذَا لَا يُنَاسب الْمقَام لَان الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَا حُرَّيْنِ، وَأما إِذا كَانَ أَحدهمَا مَمْلُوكا فَهِيَ الْمَسْأَلَة الْآتِيَة، وَعَلِيهِ فَلَو حذفه وَاسْتغْنى بِمَا يَأْتِي فِي الْمَتْن لَكَانَ أولى.
قَوْله: (وَهِي المسبعة) أَي الَّتِي فِيهَا سَبْعَة أَقْوَال لارباب الِاجْتِهَاد.
قَوْلُهُ: (تِسْعَةُ أَقْوَالٍ) الْأَوَّلُ: مَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ.
الثَّانِي: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِلْمَرْأَةِ جِهَازُ مِثْلِهَا وَالْبَاقِي لِلرَّجُلِ: يَعْنِي فِي الْمُشْكِلِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُ ابْنِ أبي ليلى: الْمَتَاع كُله لَهُ وَلها مَا عَلَيْهَا فَقَط.
الرَّابِع: قَوْلُ ابْنِ مَعْنٍ وَشَرِيكٍ هُوَ بَيْنَهُمَا.
الْخَامِسُ قَول
الْحسن الْبَصْرِيّ: كُلُّهُ لَهَا وَلَهُ مَا عَلَيْهِ.
السَّادِسُ: قَوْلُ شُرَيْح: الْبَيْت للْمَرْأَة.
السَّابِع: قَول مُحَمَّد: إِن الْمُشْكِلِ لِلزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ، وَوَافَقَ الْإِمَامُ فِيمَا لَا يُشْكِلُ.
الثَّامِنُ: قَوْلُ زُفَرَ الْمُشْكِلُ بَينهمَا.
التَّاسِع: قَول مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لكل بَيْنَهُمَا.
هَكَذَا حَكَى الْأَقْوَالَ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَلَا يخفى أَن التَّاسِع هُوَ الرَّابِع.
حَلَبِيّ عَن الْبَحْر.
قَالَ فِي الْكِفَايَة: وعَلى قَول الْحسن الْبَصْرِيّ إِن كَانَ الْبَيْت بَيت الْمَرْأَة فالمتاع كُله لَهَا إِلَّا مَا على الزَّوْج من ثِيَاب بدنه، وَإِن كَانَ الْبَيْت للزَّوْج فالمتاع كُله لَهُ اهـ.
قَوْله: (وَلَو أَحدهمَا مَمْلُوكا فَالْقَوْلُ لِلْحُرِّ فِي الْحَيَاةِ وَلِلْحَيِّ فِي الْمَوْتِ) كَمَا فِي عَامَّة شُرُوح الْجَامِع.
وَذكر السَّرخسِيّ أَنه سَهْو، وَالصَّوَاب أَنه للْحرّ مُطلقًا.
وَفِي الْمُصَفّى: ذكر فَخر الاسلام أَن القَوْل هُنَا فِي الْكُلِّ لَا فِي خُصُوصِ الْمُشْكِلِ، لَكِن اخْتَار فِي الْهِدَايَة قَول الْعَامَّة فاققتفى أَصْحَاب الْمُتُون أَثَره، وَهُوَ قَول الامام وَعِنْدَهُمَا: الْمَأْذُون وَالْمكَاتب كَالْحرِّ كَمَا فِي الداماد شرح الْمُلْتَقى.
قَوْله: (هما كَالْحرِّ) لَان لَهما يدا مُعْتَبرَة، وَله أَن يَد الْحر أقوى وَأكْثر تَصرفا فتقدمت.
قَوْله: (فَالْقَوْل للْحرّ) قَالَ الْقُهسْتَانِيّ: وَقَوله الْكل مشير إِلَى وُقُوع الِاخْتِلَاف فِي مُطلق الْمَتَاع على مَا ذكر فَخر الاسلام كَمَا فِي الْمُصَفّى، لَكِن فِي الْحَقَائِق قَيده بِمَا إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِي الامتعة المشكلة اهـ بِتَصَرُّف.
ذكره أَبُو السُّعُود.
وللحي فِي الْمَوْت حرا كَانَ أَو رَقِيقا، إِذْ لَا يَد للْمَيت فَبَقيت يَد الْحَيّ بِلَا معَارض، هَكَذَا ذكره فِي الْهِدَايَة وَالْجَامِع الصَّغِير للصدر الشَّهِيد وَصدر الاسلام وشمس الائمة الْحلْوانِي وقاضيخان.
وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد والزعفراني: للْحرّ مِنْهُمَا بالراء اهـ.
دُرَر.
قَوْله: (لَان يَد الْحر أقوى) عِلّة للمسألة الاولى، وَقَوله وَلَا يَد للْمَيت عِلّة للمسألة الثَّانِيَة، وَهِي كَون القَوْل للحي فِيمَا إِذا مَاتَ أَحدهمَا سَوَاء كَانَ الْحَيّ الْحر أَو العَبْد، لانها إِنَّمَا تظهر قَوِيَّة يَد الْحر إِذا كَانَ حيين، أما الْمَيِّت فَلَا يَد لَهُ حرا كَانَ أَو عبدا فَلِذَا كَانَ القَوْل للحي مِنْهُمَا، وَفِيه لف وَنشر مُرَتّب،
стр. 662
وَبحث فِيهِ صَاحب اليعقوبية فَليُرَاجع.
قَوْله: (واختارت نَفسهَا) أَي لم ترض ببقائها فِي نِكَاحه فَاخْتَارَتْ نَفسهَا.
قَوْله: (فَهُوَ للرجل) لتحققه عِنْده وَهِي رقيقَة وَالرَّقِيق لَا ملك لَهُ.
قَوْله: (قبل أَن
تخْتَار نَفسهَا) الظَّاهِر أَنه قيد اتفاقي، بل الحكم كَذَلِك وَلَو بعد الِاخْتِيَار، لانه لَا يشْتَرط قيام النِّكَاح كَمَا تقدم، وَعَلِيهِ فَلَا فرق وَإِن وَقع الِاخْتِلَاف بعد الْفرْقَة أَو بعد انْقِضَاء الْمدَّة.
تَأمل ط بِزِيَادَة.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ) يَعْنِي الْمُشْكِلَ لِلزَّوْجِ وَلَهَا مَا صَلَحَ لَهَا لِأَنَّهَا وَقْتَهُ حُرَّةٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ السِّيَاقِ وَاللَّحَاقِ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ السِّرَاجِ: وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا وَالْمَرْأَةُ مُكَاتَبَةً أَوْ أَمَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَقَدْ أُعْتِقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، فَمَا أحدثا قَبْلَ الْعِتْقِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَمَا أَحْدَثَاهُ بَعْدَهُ فهما فِيهِ كلاحرين اهـ.
وَقَالَ فِي الْبَحْر: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا: أَيْ جَمِيعُ مَا مر إِذا لم يَقع التنازل بَيْنَهُمَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَالنِّكَاحِ وَعَدَمِهِ، فَإِنْ وَقع قَالَ فِي الْخَانِية: وَلَو كَانَت الدَّار فِي يَد رجل وَامْرَأَة فأقامت الْمَرْأَة الْبَيِّنَة أَن الدَّار لَهَا وَأَن الرجل عَبدهَا وَأقَام الرجل الْبَيِّنَة أَن الدَّار لَهُ وَالْمَرْأَة امْرَأَته تزَوجهَا بِأَلف دِرْهَم، وَدفع إِلَيْهَا وَلم يقم الْبَيِّنَة أَنه حر يقْضِي بِالدَّار وَالرجل للْمَرْأَة وَلَا نِكَاح بَينهمَا، لَان الْمَرْأَة أَقَامَت الْبَيِّنَة على رق الرجل وَالرجل لم يقم الْبَيِّنَة على الْحُرِّيَّة فَيَقْضِي بِالرّقِّ، وَإِذا قضى بِالرّقِّ بطلت بَيِّنَة الرجل فِي الدَّار وَالنِّكَاح ضَرُورَة، وَإِن كَانَ الرجل أَقَامَ بَيِّنَة أَنه حر الاصل وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا يقْضِي بحريّة الرجل وَنِكَاح الْمَرْأَة، وَيَقْضِي بِالدَّار للْمَرْأَة لانا لما قضينا النِّكَاح صَار الرجل فِي الدَّار صَاحب يَد وَالْمَرْأَة خَارِجَة فَيَقْضِي بِالدَّار لَهَا، كَمَا لَو اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي دَار فِي أَيْدِيهِمَا كَانَت الدَّار للزَّوْج فِي قَوْلهمَا، وَلَو اخْتلفَا فِي الْمَتَاع وَالنِّكَاح فأقامت الْبَيِّنَة أَن الْمَتَاع لَهَا وَأَنه عَبدهَا وَأقَام أَن الْمَتَاع لَهُ وَأَنه تزَوجهَا بِأَلف ونقدها فَإِنَّهُ يقْضِي بِهِ عبدا لَهَا وبالمتاع أَيْضا لَهَا، وَإِن برهن على أَنه حر الاصل قضى لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ وبالمرأة وَالْمَتَاع إِن كَانَ مَتَاع النِّسَاء، وَإِن كَانَ مُشكلا قضى بحريَّته وبالمرأة وبالمتاع لَهَا اهـ.
قَوْله: (طَلقهَا وَمَضَت الْعدة فالمشكل للزَّوْج) قد اسْتُفِيدَ هَذَا من التَّعْمِيم السَّابِق فِي قَوْله قَامَ النِّكَاح أَو لَا وَصَاحب الْبَحْر إِنَّمَا فرض الْمَسْأَلَة فِيمَا إِذا مَاتَ الزَّوْج بعد انْقِضَاء الْعدة، وَجعل الْمُشكل لوَارث الزَّوْج، وَلَا اعْتِبَار للزَّوْجَة وَإِن كَانَت حَيَّة لانها صَارَت أَجْنَبِيَّة إِلَى آخر مَا يَأْتِي عَن الْمنح قَرِيبا.
وَلما شَرْطِيَّة، وَالْجَوَاب: فَكَذَا يكون القَوْل لوَارِثه ط.
قَوْله: (لانها صَارَت أَجْنَبِيَّة) تَعْلِيل لقَوْله ولورثته بعده يَعْنِي إِنَّمَا قُلْنَا أَن القَوْل للحي لَو مَاتَ وَهِي فِي نِكَاحه، أما بعد انْقِضَاء الْعدة فقد صَارَت أَجْنَبِيَّة
فَلم يبْق لَهَا يَد على الصَّالح لَهما فَكَانَ القَوْل فِيهِ لوَرَثَة الزَّوْج، لَان الْمَتَاع فِي يدهم بعد مُورثهم، وَفِيه تَأمل.
أَو هُوَ مَحْمُول على مَا إِذا انْتَقَلت وَتركت الْمَتَاع بِالْبَيْتِ، أما لَو بقيت سَاكِنة بعد انْقِضَاء الْعدة فَالظَّاهِر أَن الْمَتَاع بَاقٍ فِي يَدهَا فَيكون القَوْل قَوْلهَا فِي الصَّالح لَهما فَليُحرر، قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: وَيُسْتَفَاد من التَّعْلِيل أَنَّهُمَا لَو مَاتَا فَكَذَلِك.
قَوْله: (وَلما ذكرنَا الخ) الاولى إِسْقَاطه لعلمه من قَوْله ولورثته بعده وَلذَا لم يذكرهُ فِي الْبَحْر.
قَوْله: (أما لَو مَاتَ الخ) لَعَلَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ الطَّلَاق فِي مرض الْمَوْت بِدَلِيل تَعْلِيله بقوله بِدَلِيل إرثها قَالَ فِي الْمنح: قيد بكونهما زَوْجَيْنِ للِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا طَلقهَا فِي الْمَرَض وَمَات الزَّوْج بعد انْقِضَاء الْعدة، فَإِن الْمُشكل
стр. 663
لوَارث الزَّوْج لانها صَارَت أَجْنَبِيَّة لم يبْق لَهَا يَد، وَإِن مَاتَ قبل انْقِضَاء الْعدة كَانَ الْمُشكل للْمَرْأَة فِي قَول أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهَا تَرِثُ فَلَمْ تَكُنْ أَجْنَبِيَّةً، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَة مَا لَو مَاتَ الزَّوْج قبل الطَّلَاق، كَذَا فِي الْخَانِية.
مطلب: تورك على عبارَة الشَّارِح وَهَذِه الْعبارَة هِيَ الَّتِي نقلهَا الشَّارِح هُنَا، إِلَّا أَنه أخل بقوله طَلقهَا فِي الْمَرَض، ثمَّ نقل المُصَنّف بعْدهَا عَن الْبَحْر: وَإِن علم أَنه طَلقهَا ثَلَاثًا فِي صِحَّته أَو فِي مَرضه وَقد مَاتَ بعد انْقِضَاء عدتهَا فَمَا كَانَ من مَتَاع الرِّجَال وَالنِّسَاء فَهُوَ لوَرَثَة الزَّوْج، وَإِن مَاتَ فِي عدَّة الْمَرْأَة فَهُوَ للْمَرْأَة كَأَنَّهُ لم يُطلق.
اهـ.
فَيمكن أَن يرجع قَوْله: وَإِن مَاتَ فِي عدَّة الْمَرْأَة الخ إِلَى قَوْله أَو مَرضه، ليُوَافق مَا نَقله عَن الْخَانِية ولظهور وَجهه حِينَئِذٍ.
تَأمل.
قَوْله: (فَالْقَوْل للْمُسْتَأْجر بِيَمِينِهِ) لَان الْبَيْت مُضَاف إِلَيْهِ بِالسُّكْنَى، وَقد سبق ذَلِك فِي المحترزات.
مطلب: تورك على كَلَام الشَّارِح
قَوْله: (فِي آلَات الاساكفة وآلات العطارين) لَعَلَّ الْوَاو بِمَعْنى أَو: أَي اخْتلفَا فِي آلَات الاساكفة مُنْفَرِدَة أَو آلَات العطارين مُنْفَرِدَة، لَان مَا اخْتلفَا فِيهِ فِي أَيْدِيهِمَا فَيقسم بَينهمَا، كَمَا لَو اخْتلفَا فِي سفينة فِي أَيْدِيهِمَا، أَو فِي دَقِيق فِي أَيْدِيهِمَا وَكَانَ أَحدهمَا ملاحا وَالْآخر بَائِع الدَّقِيق، فَإِن كلا من السَّفِينَة
والدقيق يقسم بَينهمَا لما ذكرنَا، بِخِلَاف مَا إِذا اخْتلفَا فيهمَا مُجْتَمعين، فَإِنَّهُ يُعْطي لكل مِنْهُمَا مَا يُنَاسِبه، كَمَا لَو اخْتلفَا فِي سفينة ودقيق وَهِي الَّتِي تَأتي فِي الْمَتْن.
أما لَو لم نحمل الْوَاو على معنى أَو وَتَركنَا الْعبارَة على ظَاهرهَا وأعطينا الاسكاف نصف آلَات الْعَطَّار والعطار نصف آلَات الاسكاف فنكون تركنَا الِاسْتِصْحَاب وَالْعَمَل بِالظَّاهِرِ من الْحَال، وَيكون خَالف هَذَا الْفَرْع مَا قبله وَمَا بعده، وَيُعَكر علينا ذَلِك، لَان تِلْكَ الْفُرُوع تَقْتَضِي أَن لكل مَا عرف بِهِ، فَتَأمل وراجع.
قَوْله: (فَهِيَ بَينهمَا الخ) لانه قد يَتَّخِذهُ لنَفسِهِ أَو البيع، فَلَا يصلح مرجحا.
تَأمل وتفطن.
قَوْله: (وعَلى عُنُقه بدرة) هِيَ كيس فِيهِ ألف أَو عشرَة آلَاف دِرْهَم أَو سَبْعَة آلَاف دِينَار.
اهـ.
قَامُوس.
وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بهَا المَال الْكثير.
قَوْله: (وَذَلِكَ بداره) يفهم مَفْهُومه بالاولى.
قَوْله: (فَهُوَ للمعروف باليسار) وَهَذَا كَالَّذي بعده مِمَّا عمل فِيهِ الاصحاب بِظَاهِر الْحَال.
مطلب: استنبط صَاحب الْبَحْر أَن من شَرط صِحَة الدَّعْوَى أَن يكذب الْمُدَّعِي ظَاهر حَاله وَقد تقدم تَحْقِيقه أول الدَّعْوَى قَالَ فِي الْبَحْر: وَقد استنبطت من فرع الْغُلَام أَن من شَرط سَماع الدَّعْوَى أَن لَا يكذب الْمُدَّعِي ظَاهر حَاله كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي كتب الشَّافِعِيَّة، فَلَو ادّعى فَقير ظَاهر الْفقر على رجل أَمْوَالًا عَظِيمَة
стр. 664
قرضا أَو ثمن مَبِيع لَا تسمع فَلَا جَوَاب لَهَا، وَقدمنَا تَحْقِيق ذَلِك أَوَائِل الدَّعْوَى.
قَوْله: (وعَلى عُنُقه قطيفة) القطيفة دثار مخمل وَالْجمع قطائف وقطف مثل صحيفَة وصحف كَأَنَّهَا جمع قطيف وصحيف، وَمِنْه القطائف الَّتِي تُؤْكَل صِحَاح.
قَوْله: (الَّذِي هِيَ) هَكَذَا فِي نُسْخَتي الَّتِي بيَدي وَهِي الصَّحِيحَة، وَفِي بعض النّسخ كنسخة الطَّحْطَاوِيّ الَّذِي هُوَ بضمير الْمُذكر، وَكتب عَلَيْهَا الاولى: وَهِي بضمير المؤنثة، وَكَذَا يُقَال فِي ادَّعَاهُ.
قَوْله: (وَآخر مُمْسك) الظَّاهِر أَنه ماسك الدَّفَّةَ الَّتِي هِيَ لِلسَّفِينَةِ بِمَنْزِلَةِ اللِّجَامِ لِلدَّابَّةِ.
قَوْله: (وَآخر يجذب) بحبلها على الْبر.
قَوْله: (وَآخر يمدها) أَي يجريها بمقدافها.
قَوْله: (وَلَا شئ للماد) لانه لَا يَد لَهُ فِيهَا أَو أجبرهم على الْعَمَل، بِخِلَاف البَاقِينَ لانهم المتصرفون فِيهَا التَّصَرُّف الْمُعْتَاد.
قَوْله: (وَآخر رَاكب) أَي بَعِيرًا مِنْهَا.
قَوْله: (إِن على الْكل مَتَاع الرَّاكِب) أَي إِن كَانَ
على جَمِيع الابل مَتَاع الرَّاكِب فَجَمِيع الابل للراكب، وَإِن لم يكن على الابل شئ من الْحمل فللراكب الْبَعِير الَّذِي هُوَ رَاكب عَلَيْهِ مَعَ مَا عَلَيْهِ وَبَاقِي الابل للقائد.
قَالَه أَبُو الطّيب.
وَالظَّاهِر أَن الحكم كَذَلِك لَو كَانَ على الْكل مَتَاع الْقَائِد، فَإِن اخْتلفَا فِي الْمَتَاع كَيفَ يكون وَيُرَاجع.
مطلب: تورك على كَلَام الشَّارِح
قَوْله: (بِخِلَاف الْبَقر وَالْغنم) أَي إِذا كَانَ عَلَيْهَا رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَائِدٌ وَالْآخَرُ سَائِقٌ، فَهِيَ لِلسَّائِقِ إلَّا أَنْ يَقُودَ شَاةً مَعَهُ فَتَكُونَ لَهُ تِلْكَ الشَّاة وَحدهَا.
بَحر عَن نَوَادِر الْمُعَلَّى: أَي إِلَّا أَن يكون السَّائِق للبقر أَو الْغنم مَعَه شَاة يَقُودهَا: أَي أَو بقرة فَيكون لَهُ تِلْكَ الشَّاة أَو الْبَقَرَة وَحدهَا، وَانْقطع حكم السُّوق وَيكون الْبَاقِي لقائدها، وَعَلِيهِ فَكَلَام الشَّارِح غير تَامّ.
قَوْله: (وَتَمَامه فِي خزانَة الاكمل) وَيَأْتِي تَمام تفاريع هَذِه الْمسَائِل فِي الْفَصْل الْآتِي.
وَذكر فِي الْمنح مسَائِل من هَذَا الْقَبِيل قَالَ: دخل رجل فِي منزل يعرف الدَّاخِل أَنه يُنَادي بِبيع الذَّهَب وَالْفِضَّة أَو الْمَتَاع، وَمَعَهُ شئ من ذَلِك فادعياه، فَهُوَ لمن يعرف بِبيعِهِ، وَلَا يصدق رب الْمنزل، وَإِن لم يكن كَذَلِك القَوْل قَول رب الْمنزل.
رجل خرج من دَار إِنْسَان وعَلى عُنُقه مَتَاع رَآهُ قوم وَهُوَ مَعْرُوف بِبيع مثله من الْمَتَاع فَقَالَ صَاحب الدَّار ذَلِك الْمَتَاع متاعي وَالْحَامِل يَدعِيهِ فَهُوَ للَّذي يعرف بِهِ وَإِن لم يعرف بِهِ فَهُوَ لصَاحب الدَّار.
اهـ.
مطلب: لَا تسمع الدَّعْوَى بعد مُضِيّ الْمدَّة قَالَ فِي الْبَحْر عَن ابْن الْغَرْس: رجل تَرَكَ الدَّعْوَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَانع من الدَّعْوَى ثمَّ ادّعى لم تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى مَعَ التَّمَكُّنِ يدل على عدم الْحق ظَاهرا، وَقدمنَا
стр. 665
عَنْهُم أَن من الْقَضَاء الْبَاطِل الْقَضَاء بِسُقُوط الْحق بِمُضِيِّ سِنِين، لَكِن مَا فِي الْمَبْسُوط لَا يُخَالِفهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ قَضَاء بالسقوط، وَإِنَّمَا فِيهِ عدم سماعهَا.
مطلب: نهى السُّلْطَان عَن سَماع حَادِثَة لَهَا خمس عشرَة سنة وَقد كثر السُّؤَال بِالْقَاهِرَةِ عَن ذَلِك مَعَ وُرُود النَّهْي من السُّلْطَان أيده الله تَعَالَى بِعَدَمِ سَماع حَادِثَة لَهَا خمس عشرَة سنة، وَقد أَفْتيت بِعَدَمِ سماعهَا عملا بنهيه على مَا فِي خزانَة الْمُفْتِينَ، وَالله سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى أعلم.
اهـ.
مطلب: لَا تسمع الدَّعْوَى بعد مُضِيّ ثَلَاثِينَ سنة إِذا كَانَ التّرْك بِلَا عذر شَرْعِي من كَون الْمُدَّعِي غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَلَيْسَ لَهما ولي أَو الْمُدعى عَلَيْهِ ذَا شَوْكَة أَو أَرض وقف لَيْسَ لَهَا نَاظر وَفِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ: رَجُلٌ تَصَرَّفَ زَمَانًا فِي أَرْضٍ وَرَجُلٌ آخَرُ رَأَى الْأَرْضَ وَالتَّصَرُّفَ وَلَمْ يَدَّعِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَى وَلَدِهِ فَتُتْرَكُ عَلَى يَدِ الْمُتَصَرِّفِ، لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدٌ.
اهـ.
قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي عُقُود الدرية بعد كَلَام أَقُول: وَالْحَاصِل من هَذِه النقول أَن الدَّعْوَى بعد مُضِيّ ثَلَاثِينَ سنة أَو بعد ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ لَا تسمع إِذا كَانَ التّرْك بِلَا عذر من كَون الْمُدَّعِي غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَلَيْسَ لَهُمَا وَلِيٌّ، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمِيرًا جَائِرًا يخَاف مِنْهُ، أَو أَرض وقف لَيْسَ لَهَا نَاظر، لَان تَركهَا هَذِه الْمدَّة مَعَ التَّمَكُّنِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ ظَاهِرًا كَمَا مر عَن الْمَبْسُوط، وَإِذا كَانَ الْمُدَّعِي نَاظرا ومطلعا على تصرف الْمُدعى عَلَيْهِ إِلَى أَن مَاتَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا تسمع الدَّعْوَى على ورثته كَمَا مر عَن الْخُلَاصَة.
وَكَذَا لَو مَاتَ الْمُدَّعِي لَا تسمع دَعْوَى ورثته كَمَا مر عَن الْوَلوالجِيَّة.
وَالظَّاهِر أَن الْمَوْت لَيْسَ بِقَيْد وَأَنه لَا تَقْدِير بِمدَّة مَعَ الِاطِّلَاع على التَّصَرُّف لما ذكره المُصَنّف وَالشَّارِح فِي مسَائِل شَتَّى آخر الْكتاب.
مطلب: بَاعَ عقارا أَو غَيره وَزَوجته أَو قَرِيبه حَاضر سَاكِت يعلم البيع لَا تسمع دَعْوَاهُ بَاعَ عَقَارًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ ثَوْبًا وَابْنُهُ وَامْرَأَته أَو غَيرهمَا من أَقَاربه حَاضِرٌ يَعْلَمُ بِهِ ثُمَّ ادَّعَى الِابْنُ مَثَلًا أَنَّهُ مِلْكُهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
كَذَا أَطْلَقَهُ فِي الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى، وَجُعِلَ سُكُوتُهُ كَالْإِفْصَاحِ قَطْعًا للتزوير والحيل.
مطلب: لَا يعد سكُوت الْجَار رضَا بِالْبيعِ إِلَّا إِذا سكت عِنْد التَّسْلِيم وَالتَّصَرُّف بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ سُكُوتَهُ وَلَوْ جَارًا لَا يَكُونُ رِضًا، إلَّا إذَا سَكَتَ الْجَارُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِيهِ زَرْعًا وَبِنَاءً فَحِينَئِذٍ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَة.
اهـ.
وَقَوله لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ: أَيْ دَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ جارا كَمَا فِي حَاشِيَة الْخَيْر الرَّمْلِيّ على الْمنح،
وَأطَال فِي تَحْقِيقه فِي فَتَاوِيهِ الْخَيْرِيَّة من كتاب الدَّعْوَى، فقد جعلُوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مُجَرّد السُّكُوت عِنْد البيع مَانِعا من دَعْوَى الْقَرِيب وَنَحْوه كَالزَّوْجَةِ بِلَا تَقْيِيد باطلاع عَلَى تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي، كَمَا أَطْلَقَهُ فِي الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى.
وَأَمَّا دَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ جَارًا فَلَا يمْنَعهَا مُجَرّد السُّكُوت عِنْد البيع، بل لَا بُد من الِاطِّلَاعِ عَلَى تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِمُدَّةٍ وَلَا بِمَوْت كَمَا ترى.
стр. 666
مطلب: مَا يمْنَع صِحَة دَعْوَى الْمُورث يمْنَع صِحَة دَعْوَى وَارثه لَان مَا يمْنَع صِحَة دَعْوَى الْمُورث يمْنَع صِحَة دَعْوَى الْوَارِث لقِيَامه مقَامه كَمَا فِي الْحَاوِي الزَّاهدِيّ وَغَيره، فَتَأمل.
ثمَّ إِن مَا فِي الْخُلَاصَة والولجية يدل على أَن البيع غير قيد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الاجنبي وَلَو جارا، بل مُجَرّد الِاطِّلَاع على التَّصَرُّف مَانع من الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا فَائِدَة التَّقْيِيد هِيَ الْفرق بَين الْقَرِيب والاجنبي، فَإِن الْقَرِيب للْبَائِع لَا تسمع دَعْوَاهُ إِذا سكت عِنْد البيع، بِخِلَاف الاجنبي، فَإِنَّهُ لَا تسمع إِذا اطلع على تصرف المُشْتَرِي وَسكت فالمانع لدعواه هُوَ السُّكُوت عِنْد الِاطِّلَاع على التَّصَرُّف لَا السُّكُوت عِنْد البيع، فلاجل الْفرق بَينهمَا صوروا الْمَسْأَلَة بِالْبيعِ، وَوجه الْفرق بَينهمَا مَعَ تَمام بَيَان هَذِه الْمَسْأَلَة مُحَرر فِي حواشينا رد الْمُحْتَار على الدّرّ الْمُخْتَار.
ثمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى المرحوم الْعَلامَة الْغَزِّي صَاحب التَّنْوِير مَا يُؤَيّد ذَلِك، وَنَصه: سُئِلَ عَن رجل لَهُ بَيت فِي دَار يسكنهُ مُدَّة تزيد على ثَلَاث سنوات وَله جَار بجانبه، وَالرجل الْمَذْكُور يتَصَرَّف فِي الْبَيْت الْمَزْبُور هدما وَعمارَة مَعَ اطلَاع جَاره على تصرفه فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة، فَهَل إِذا ادّعى الْبَيْت أَو بعضه بَعْدَمَا ذكر من تصرف الرجل الْمَذْكُور فِي الْبَيْت هدما وَبِنَاء فِي الْمدَّة الْمَذْكُورَة تسمع دَعْوَاهُ أم لَا؟ أجَاب: لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى إِ هـ.
فَانْظُر كَيفَ أفتى بِمَنْع سماعهَا من غير الْقَرِيب بِمُجَرَّد التَّصَرُّف مَعَ عدم سبق البيع، وَبِدُون مُضِيّ خمس عشرَة سنة أَو أَكثر.
ثمَّ اعْلَم أَن عدم سَماع الدَّعْوَى بعد مُضِيّ ثَلَاثِينَ سنة أَو بعد الِاطِّلَاع على التَّصَرُّف لَيْسَ مَبْنِيا على بطلَان الْحق فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد منع للقضاة عَن سَماع الدَّعْوَى مَعَ بَقَاء الْحق لصَاحبه، حَتَّى
لَو أقرّ بِهِ الْخصم يلْزمه، وَلَو كَانَ ذَلِك حكما بِبُطْلَانِهِ لم يلْزمه وَيدل على مَا قُلْنَاهُ تَعْلِيلهم للْمَنْع بِقطع التزوير والحيل كَمَا مر فَلَا يرد مَا فِي قَضَاء الاشباه مِنْ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ، ثمَّ رَأَيْت التَّصْرِيح بِمَا نَقَلْنَاهُ فِي الْبَحْر قبيل قُضَاته دفع الدَّعْوَى، وَلَيْسَ أَيْضا مَبْنِيا على الْمَنْع السلطاني حَيْثُ منع السُّلْطَان عز نَصره قُضَاته من سَماع الدَّعْوَى بعض خمس عشرَة سنة فِي الاملاك وَثَلَاثِينَ سنة فِي الاوقاف، بل هُوَ حكم اجتهادي نَص عَلَيْهِ الْفُقَهَاء كَمَا رَأَيْت، فاغتنم تَحْرِير هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ مِنْ مُفْرَدَاتِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنعم الْوَهَّاب إِ هـ.
أَقُول: وعَلى هَذَا لَو ادّعى على آخر دَارا مثلا وَكَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ متصرفا فِيهَا هدما وَبِنَاء أَو مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة، وَسَوَاء فِيهِ الْوَقْف وَالْملك وَلَو بِلَا نهي سلطاني، أَو خمس عشرَة سنة وَلَو بِلَا هدم وَبِنَاء فيهمَا، وَالْمُدَّعى مطلع على التَّصَرُّف فِي الصُّور الثَّلَاث مشَاهد لَهُ فِي بَلْدَة وَاحِدَة، وَلم يدع وَلم يمنعهُ من الدَّعْوَى مَانع شَرْعِي لَا تسمع دَعْوَاهُ عَلَيْهِ.
أما الاول: فاطلاعه على تصرفه هدما وَبِنَاء وسكوته، وَهُوَ مَانع من الدَّعْوَى كَمَا عرفت.
وَأما الثَّانِي: فلتركه الدَّعْوَى للمدة المزبورة وسكوته، وَهُوَ دَلِيل على عدم الْحق لَهُ، ولان صِحَة الدَّعْوَى شَرط لصِحَّة الْقَضَاء وَالْمَنْع مِنْهُ حكم اجتهادي كَمَا علمت.
وَأما الثَّالِث: فللمنع من السُّلْطَان نَصره الرَّحْمَن قُضَاته فِي سَائِر ممالكه عَن سماعهَا بعد خمس عشرَة سنة إِذا كَانَ تَركهَا لغير عذر شَرْعِي فِي الْملك لَا لكَون التقادم يبطل الْحق بِدَلِيل أَن الْحق بَاقٍ، وَيلْزمهُ لَو أقرّ بِهِ فِي مجْلِس القَاضِي، فَلَو قَالَ: لَا أسلمها لمضي هَذِه الْمدَّة مَعَ عدم دَعْوَاهُ عَليّ وَهُوَ مَانع مِنْهَا لَا يلْتَفت إِلَى تعلله وتنزع من يَده، فَلَو ادّعى أَن الْمُدعى عَلَيْهِ أقرّ لي بهَا فِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة وَهُوَ يُنكره
стр. 667
يَنْبَغِي أَن تسمع أَيْضا، لَان لما كَانَ الْمَنْع من سَماع أصل الدَّعْوَى ففرعها وَهُوَ الاقرار أولى بِالْمَنْعِ لما أَن النَّهْي مُطلق فيشملهما، إِلَّا إِذا كَانَ الاقرار عِنْد القَاضِي كَمَا عرفت، فتنزع من يَده لابطاله ملكه ولالزامه الْحجَّة على نَفسه، وَهِي الاقرار بِعَدَمِ صِحَة تصرفه.
مطلب: لَو ترك دَعْوَاهُ الْمدَّة ثمَّ أَقَامَ بَيِّنَة على أَن الْمُدعى عَلَيْهِ أقرّ لَهُ بهَا تسمع لَكِن يُعَارض ذَلِك إِطْلَاق عبارَة الاسماعيلية حَيْثُ قَالَ فِيمَا إِذا كَانَت دَار بَين زيد وَهِنْد فَوضع
زيد يَده على الدَّار المزبورة مُدَّة تزيد على خمس عشرَة سنة، وَطلبت هِنْد مِنْهُ فِي أثْنَاء الْمدَّة أَن يقسم لَهَا حصَّتهَا وأجابها إِلَى ذَلِك وَمَات وَلم يقسم لَهَا فطالبت أَوْلَاده بحصتها فِي الدَّار فَذكرُوا بِأَن والدهم تصرف أَكثر من خمس عشرَة سنة وَلم تدع عَلَيْهِ هِنْد وَلم يمْنَعهَا من الدَّعْوَى مَانع شَرْعِي، فَلَا تسمع دَعْوَاهَا بذلك، فَهَل تسمع دَعْوَاهَا حَيْثُ كَانَ معترفا بِأَن لَهَا فِي الدَّار حِصَّة؟ أجَاب: تسمع دَعْوَاهَا حَيْثُ كَانَ معترفا بِأَن لَهَا حِصَّة إِ هـ.
إِلَى غير ذَلِك من الاجوبة، إِلَّا أَنه لم يعز ذَلِك لَاحَدَّ كَمَا هُوَ عَادَته فِي فَتَاوَاهُ، لَكِن يُؤَيّد إِطْلَاق التَّنْقِيح أَيْضا، فَتَأمل وراجع يظْهر لَك الْحق.
أما عدم ترك الدَّعْوَى فِي مُدَّة الْخمس عشرَة سنة فَيشْتَرط كَون الدَّعْوَى عِنْد القَاضِي، فَإِن ادّعى عِنْد القَاضِي مرَارًا فِي أثْنَاء الْمدَّة الَّتِي هِيَ خمس عشرَة سنة إِلَّا أَن الدَّعْوَى لم تفصل، فَإِن دَعْوَاهُ تسمع وَلَا يمْنَع مُرُور الزَّمَان، أما لَو كَانَ الْمُدَّعِي أَو الْمُدعى عَلَيْهِ غَائِبا مَسَافَة لسفر ثمَّ حضر مرَارًا فِي أثْنَاء الْمدَّة الَّتِي هِيَ خمس عشرَة سنة وَسكت ثمَّ أَرَادَ أَن يَدعِي بعد ذَلِك فَلَا تسمع دَعْوَاهُ.
كَذَا فِي فَتَاوَى عَليّ أَفَنْدِي، وَإِذا كَانَ الْمَانِع شَوْكَة الْمُدعى عَلَيْهِ وزالت فَلَا يمْنَع الدَّعْوَى إِلَّا إِذا استدام زَوَال شوكته خمس عشرَة سنة، فَلَو زَالَت شوكته أقل من خمس عشرَة سنة ثمَّ صَار ذَا شَوْكَة لَا يمْنَع بعد ذَلِك من الدَّعْوَى لانه لم يصدق أَنه ترك الدَّعْوَى فِي مَسْأَلَة زَوَال الشَّوْكَة خمس عشرَة سنة، وَإِنَّمَا قيدت بِقَوْلِي عِنْد القَاضِي، فَلَو ترك الْمدَّة المزبورة إِلَّا أَنه فِي أثْنَاء ذَلِك ادّعى مرَارًا عِنْد غير القَاضِي لَا تعْتَبر دَعْوَاهُ كَمَا فِي تَنْقِيح سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا مَا ظهر لي تفقها أخذا من مَفْهُوم عِبَارَات السَّادة الاعلام بوأهم الله تَعَالَى دَار السَّلَام.
وَأَقُول: لَكِن الْمُعْتَبر الْآن مَا تقرر فِي الْمجلة الشَّرْعِيَّة فِي الاحكام العدلية، وَصدر الامر الشريف السلطاني بِالْعَمَلِ بمواجبه أَن دَعْوَى الاقرار بعد مُضِيّ مُدَّة الْمَنْع من سَماع الدَّعْوَى لَا تسمع إِذا ادّعى أَنه أقرّ لَهُ بهَا من جُمُعَة أَو سنة مثلا، إِلَّا إِذا كَانَ الاقرار عِنْد القَاضِي أَو تحرر بِهِ سَنَد شَرْعِي بإمضاء الْمقر أَو سنة مثلا، إِلَّا إِذا كَانَ الاقرار عِنْد القَاضِي أَو تحرر بِهِ سَنَد شَرْعِي بإمضاء الْمقر أَو خَتمه المعروفين، وَكَانَ بِمحضر من الشُّهُود وشهدوا بذلك فَإِنَّهَا تسمع حِينَئِذٍ إِذا لم يمض على الاقرار خمس عشرَة سنة، أَو كَانَ دَعْوَى الاقرار على عقار وَكَانَ يستأجره الْمُدعى عَلَيْهِ مُدَّة تزيد على
خمس عشرَة سنة وَالْمُسْتَأْجر يَدعِي التَّصَرُّف وينكر الِاسْتِئْجَار وَأثبت الْمُدَّعِي الِاسْتِئْجَار ومواصلة الاجرة فِي كل سنة وَكَانَ ذَلِك مَعْرُوفا بَين النَّاس، فَإِنَّهَا تسمع الدَّعْوَى حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ للْمُدَّعى عَلَيْهِ حق فِي دَعْوَى التَّصَرُّف الْمدَّة الْمَمْنُوع من سَماع الدَّعْوَى بهَا، وَأَيْضًا فَإِن أول ابْتِدَاء مُدَّة الْمَنْع من حِين زَوَال الْعذر كَمَا تقدم.
وَدَعوى الْمَرْأَة مهرهَا الْمُؤَجل إِذا تركت دَعْوَاهُ وَالْوَقْف الْمُرَتّب بثم إِذا كَانَ الْمُدعى محجوبا بالطبقة إِذا اسْتحق بزوالها وَترك دَعْوَاهُ، فَإِنَّهُ يعْتَبر مُدَّة التّرْك من حِين الْوَفَاة أَو الطَّلَاق وَزَوَال الدرجَة لَو كَانَ خمس عشرَة سنة لَا تسمع.
стр. 668
وَدَعوى الدّين على مُعسر أيسر إِذا تَركهَا الْمدَّة الْمَذْكُورَة من حِين الْيَسَار.
وَمُدَّة عدم سَماع الدَّعْوَى فِي الْوَقْف سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة إِذا كَانَ بِدُونِ عذر شَرْعِي وَكَانَ للْوَقْف متول.
وَأما دَعْوَى الاراضي الاميرية فَمن بعد مُرُور عشر سِنِين لَا تسمع الدَّعْوَى بهَا وَلَا بشئ من حُقُوقهَا.
وَأما الدَّعْوَى فِي الْمَنَافِع الْعَامَّة كالطريق الْعَام وَالنّهر الْعَام والمرعى وأمثال ذَلِك إِذا تصرف بهَا أحد: أَي مُدَّة كَانَت فَإِنَّهَا تسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ بهَا.
وَأَن الْقَاصِر إِذا ادّعى عقارا إِرْثا عَن وَالِده مثلا بعد بُلُوغه وأثبته بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّة فَلَا يسري سَماع الدَّعْوَى لبَقيَّة الْوَرَثَة البَاقِينَ الْبَالِغين التاريكين للدعوى مُدَّة الْمَنْع، وَمثله من كَانَ مُسَافِرًا.
وَأَنه إِذا ترك شخص الدَّعْوَى عشر سِنِين مثلا بِلَا عذر شَرْعِي وَمَات وَترك دَعْوَاهَا وَارثه أَيْضا الْبَالِغ عشر سِنِين أَو خمس سِنِين فَلَا تسمع دَعْوَى الْوَارِث حِينَئِذٍ لَان مَجْمُوع المدتين مُدَّة الْمَنْع، وَأَيْضًا الْمَالِك وَالْمُشْتَرِي مِنْهُ إِذا تركا الدَّعْوَى كَذَلِك لَا تسمع دَعْوَى المُشْتَرِي فِيمَا يتَعَلَّق بِحُقُوق الْمَبِيع إِذا كَانَ مَجْمُوع المدتين خمس عشرَة سنة كَمَا فِي الْبَاب الثَّانِي من كتاب الدَّعْوَى من الْمجلة، وفيهَا من الْمَادَّة (٠٣٨١) : لَو أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ غَابَ قبل الحكم عَلَيْهِ وَكَانَ الاقرار لَدَى القَاضِي فَلهُ أَن يحكم عَلَيْهِ فِي غيابه، وَكَذَلِكَ لَو ثَبت الْحق عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّة وَغَابَ قبل التَّزْكِيَة وَالْحكم، فللحاكم أَن يُزكي
الشُّهُود وَيحكم عَلَيْهِ فِي غيبته وفيهَا من الْمَادَّة (٤٣٨١) لَو أُقِيمَت الْبَيِّنَة على وَكيل الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ حضر الْمُدعى عَلَيْهِ بِالذَّاتِ فللحاكم أَن يحكم عَلَيْهِ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ يحكم على الْوَكِيل، وَكَذَلِكَ لَو أُقِيمَت الْبَيِّنَة على أحد الْوَرَثَة بِحَق ثمَّ غَابَ فللحاكم أَن يحضر وَارِثا آخر ليحكم عَلَيْهِ، وفيهَا فِي الْمَادَّة الْمَذْكُورَة: إِذا طلب الْحَاكِم الشَّرْعِيّ الْخصم بِطَلَب الْمُدَّعِي وَامْتنع عَن الْحُضُور بِلَا عذر فللحاكم إِحْضَاره جبرا، وَإِذا لم يُمكن إِحْضَاره فَبعد طلبه بورثة الاحضار ثَلَاث مَرَّات فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يُمكن إِحْضَاره فللحاكم أَن ينصب عَنهُ وَكيلا لتقام عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة وَيحكم عَلَيْهِ.
مطلب فِي أَمْرَد كره خدمَة سَيّده لفسقه فَادّعى السَّيِّد عَلَيْهِ مبلفا سَمَّاهُ وَقَامَت الامارات على السَّيِّد بِأَن غَرَضه استبقاؤه لَا تسمع دَعْوَاهُ فَرْعٌ: سُئِلَ فِي شَابٍّ أَمْرَدَ كَرِهَ خِدْمَةَ مَنْ هُوَ فِي خِدْمَتِهِ لِمَعْنًى هُوَ أَعْلَمُ بِشَأْنِهِ وَحَقِيقَتِهِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَاتَّهَمَهُ أَنَّهُ عمد إِلَى سبته وَكَسَرَهُ فِي حَالَ غَيْبَتِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ كَذَا الْمبلغ سَمَّاهُ وَقَامَتْ أَمَارَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّ غَرَضَهُ مِنْهُ بذلك استبقاؤه واستقراره فِي يَده على مَا يتوخاه، هَلْ يَسْمَعُ الْقَاضِي وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ وَيَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ هُوَ مُتَقَيِّدٌ بِخِدْمَتِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ مِنْ طَعَامِهِ وَمَرَقَتِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِحُبِّ الْغِلْمَانِ، الْجَوَابُ وَلَكُمْ فَسِيحُ الْجِنَانِ.
الْجَوَابُ: قَدْ سَبَقَ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي السُّعُودِ الْعِمَادِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَتْوَى بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي سَمَاعُ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى مُعَلِّلًا بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِيلَةِ مَعْهُودٌ فِيمَا بَين الفجرة واختلاقاتهم فِيمَا بَين النَّاس مشتهرة، وفيهَا من لَفظه رَحمَه الله تَعَالَى: لَا بُد للْحَاكِم أَن لَا يصغوا لمثل هَذِهِ الدَّعَاوَى، بَلْ يُعَزِّرُوا الْمُدَّعِيَ وَيَحْجِزُوهُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِمِثْلِ ذَلِكَ الْغَمْرِ الْمُنْخَدِعِ، وَبِمِثْلِهِ أَفْتَى صَاحِبُ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ، لِانْتِشَارِ ذَلِكَ فِي غَالِبِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ فُرُوعٌ ذُكِرَتْ فِي بَاب الدَّعْوَى،
стр. 669
تَتَعَلَّقُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُدَّعِي وَحَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيزِيد ذَلِك بعد إشهاده من بعشاه يتعشى وبغداه يَتَغَدَّى، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لم يكن، وَالله تَعَالَى أعلم.
فتاوي الْخَيْرِيَّة.
وَعبارَة المُصَنّف فِي فَتَاوِيهِ بعد ذكره فَتْوَى أَبِي السُّعُودِ: وَأَنَا أَقُولُ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالْفِسْقِ وَحُبِّ الْغِلْمَانِ وَالتَّحَيُّلِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا يَلْتَفِتُ الْقَاضِي لَهَا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ فَلَهُ سَمَاعُهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أعلم واستغفر الله الْعَظِيم.
مطلب: دفع الدَّعْوَى صَحِيح وَكَذَا دفع الدّفع وَمَا زَاد عَلَيْهِ الحكم وَبعده على الصَّحِيح إِلَّا فِي المخمسة فصل فِي دفع الدَّعَاوَى قَالَ فِي الاشباه: دفع الدَّعْوَى صَحِيح، وَكَذَا دفع الدّفع وَمَا زَاد عَلَيْهِ يَصح هُوَ الْمُخْتَار، وكما يَصح الدّفع قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة يَصح بعْدهَا، وكما قبل الحكم يَصح بعده، إِلَّا فِي الْمَسْأَلَة المخمسة كَمَا كتبناه فِي الشَّرْح، وكما يَصح عِنْد الْحَاكِم الاول يَصح عِنْد غَيره، وكما يَصح قبل الاستمهال يَصح بعده هُوَ الْمُخْتَار، إِلَّا فِي ثَلَاث: الاولى: إِذا قَالَ لي دفع وَلم يبين وَجهه لَا يلْتَفت إِلَيْهِ.
الثَّانِيَة: لَو بَينه لَكِن قَالَ بينتي غَائِبَة عَن الْبَلَد لم تقبل.
الثَّالِثَة: لَو بَين دفعا فَاسِدا وَلَو كَانَ الدّفع صَحِيحا وَقَالَ بينتي حَاضِرَة فِي الْمصر يمهله إِلَى الْمجْلس الثَّانِي.
كَذَا فِي جامعي الْفُصُولَيْنِ.
والامهال هُوَ الْمُفْتى بِهِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّة.
وعَلى هَذَا: لَو أقرّ بِالدّينِ فَادّعى إيفاءه أَو الابراء فَإِن قَالَ بينتي فِي الْمصر لَا يقْضى عَلَيْهِ بِالدفع، وَإِلَّا قضي عَلَيْهِ الدّفع بعد الحكم صَحِيح، إِلَّا فِي الْمَسْأَلَة المخمسة كَمَا ذكرته فِي الشَّرْح.
مطلب: لَا يَصح الدّفع من غير الْمُدعى عَلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ أحد الْوَرَثَة الدّفع من غير الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يَصح إِلَّا إِذا كَانَ أحد الْوَرَثَة اهـ: أَي فَإِنَّهُ يسمع دَفعه وَإِن ادّعى على غَيره لقِيَام بَعضهم مقَام الْكل، حَتَّى لَو ادّعى مُدع على أحد الْوَرَثَة فبرهن الْوَارِث الآخر أَن الْمُدَّعِي أقرّ بِكَوْنِهِ مُبْطلًا فِي الدَّعْوَى تسمع كَمَا فِي الْبَحْر، لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ فِيمَا لَهُم وَعَلَيْهِم.
قَوْله: (ذكر من لَا يكون خصما) لَان معرفَة الملكات قبل معرفَة الاعدم، فَإِن قيل الْفَصْل مُشْتَمل على ذكر من يكون خصما أَيْضا قلت: نعم من حَيْثُ الْفرق لَا من حَيْثُ الْقَصْد الاصلي.
عناية.
قَوْله: (هَذَا الشئ أَو دعنيه الخ) أطلق قَوْله هَذَا فَشَمَلَ أَنه قَالَ ذَلِك وَبرهن عَلَيْهِ قبل تَصْدِيقه الْمُدَّعِي فِي أَن الْملك لَهُ أَو بعد تَصْدِيقه كَمَا فِي تَلْخِيص الْجَامِع، أَو أنكر كَونه ملكا لَهُ، فَطَلَبَ
مِنْ الْمُدَّعِي الْبُرْهَانَ فَأَقَامَهُ وَلَمْ يَقْضِ القَاضِي حَتَّى دَفعه الْمُدَّعِي بِأحد هَذِه الاشياء كَمَا فِي الشُّرُوح، فَظهر أَن قَوْله فِي التَّصْوِير زيد لغَائِب بِنَاء لما فِي الشُّرُوح فَيحمل على التَّمْثِيل، لَكِن فِي نور الْعين برمز قَشّ: ادّعى ذُو الْيَد وَدِيعَة وَلم يُمكنهُ إِثْبَاتهَا حَتَّى حكم للْمُدَّعِي وَنفذ حكمه ثمَّ لَو برهن على الايداع لَا يقبل، فَلَو قدم الْغَائِب فَهُوَ على حجَّته.
стр. 670
مطلب: لَا تنْدَفع الدَّعْوَى لَو كَانَ الْمُدَّعِي هَالكا يَقُول الحقير: فِيهِ إِشْكَال لما سَيَأْتِي فِي أَوَاخِر هَذَا الْفَصْل نقلا عَن الذَّخِيرَة أَنه كَمَا يَصح الدّفع قبل الحكم يَصح بعده أَيْضا، وَلَعَلَّه بِنَاء على أَن الدّفع بعد الحكم لَا يسمع، وَهُوَ خلاف القَوْل الْمُخْتَار كَمَا سَيَأْتِي أَيْضا هُنَاكَ، وَالله تَعَالَى أعلم.
اهـ.
وَأَشَارَ بقوله هَذَا الشئ إِلَى أَن الْمُدَّعِي بِهِ قَائِم كَمَا صرح بِهِ الشَّارِح، إِذْ لَو كَانَ هَالكا لَا تنْدَفع الْخُصُومَة، فَيَقْضِي بِالْقيمَةِ على ذِي الْيَد للْمُدَّعِي، ثمَّ إِن حضر الْغَائِب فَصدقهُ فِيمَا قَالَ فَفِي الْوَدِيعَة وَالرَّهْن والاجارة وَالْمُضَاربَة وَالشَّرِكَة يرجع الْمُدعى عَلَيْهِ على الْغَائِب بِمَا ضمن، وَلَا يرجع الْمُسْتَعِير وَالْغَاصِب وَالسَّارِق كَمَا فِي الْعمادِيَّة، وَإِلَى أَنه أَعم من أَن يكون مَنْقُولًا أَو عقارا كَمَا صرح بِهِ الشَّارِح أَيْضا كَمَا فِي الْمَبْسُوط، وَظَاهر هَذَا القَوْل على أَن ذَا الْيَد ادّعى إِيدَاع الْكل أَو عاريته أَو رَهنه الخ.
مطلب: قَالَ النّصْف لي وَالنّصف وَدِيعَة لفُلَان هَل تبطل الدَّعْوَى فِي الْكل وَفِي النّصْف؟ وَلَو ادّعى أَن نصفه وَنَحْوه ملكه وَنصفه الآخر وَدِيعَة فِي يَد لفُلَان الْغَائِب قيل لَا تبطل دَعْوَى الْمُدَّعِي إِلَّا فِي النّصْف، وَإِلَيْهِ الاشارة فِي بُيُوع الْجَامِع الْكَبِير كَمَا فِي الذَّخِيرَة.
وَقيل تبطل فِي الْكل لتعذر التَّمْيِيز، وَعَلِيهِ كَلَام الْمُحِيط وَالْخَانِيَّة وَالْبَحْر، وَاخْتَارَ فِي الِاخْتِيَار.
وَلَكِن قَالَ صَاحب الْعمادِيَّة: فِي هَذَا القَوْل نظر، فَيظْهر مِنْهُ أَن الْمُخْتَار عِنْده عدم الْبطلَان فِي النّصْف.
وَنقل فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ هَذَا النّظر من غير تعرض، وَكَذَا صَاحب نور الْعين، وَاقْتصر المُصَنّف عَلَى الدَّفْعِ بِمَا ذُكِرَ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا زَادَ وَقَالَ كَانَتْ دَارِي بِعْتهَا مِنْ فُلَانٍ وَقَبَضَهَا ثُمَّ أَوْدَعَنِيهَا أَوْ ذَكَرَ هِبَةً وَقَبْضًا لَمْ تَنْدَفِعْ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ، وَلَو أجَاب الْمُدعى عَلَيْهِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِي أَوْ هِيَ لِفُلَانٍ وَلَمْ يزدْ لَا يكون دفعا.
حموي
مُلَخصا.
قَالَ فِي الْبَحْر: وَأَشَارَ بقوله: وَبرهن عَلَيْهِ أَي على مَا قَالَ إِلَى أَنه لَو برهن على إِقْرَار الْمُدَّعِي أَنه لفُلَان وَلم يزِيدُوا فالخصومة بَينهمَا قَائِمَة كَمَا فِي خزانَة الاكمل.
اهـ.
لَكِن يُخَالِفهُ مَا ذكره بعد عَن الْبَزَّازِيَّة أَنَّهَا تنْدَفع فِي هَذِه الصُّورَة، وَكَذَا مُخَالف لما قدمه قبل أسطر عَن خزانَة الاكمل، لَكِن مَا قدمه فِيهِ الشَّهَادَة على إِقْرَار الْمُدَّعِي أَن رجلا دَفعه إِلَيْهِ وَمَا هُنَا على إِقْرَار بِأَنَّهُ لفُلَان بِدُونِ التَّصْرِيح بِالدفع، فَتَأمل.
مطلب: حِيلَة إِثْبَات الرَّهْن على الْغَائِب
قَوْله: (أَو رهننيه) هَذِه مِمَّا تصلح حِيلَة لاثبات الرَّهْن فِي غيبَة الرَّاهِن كَمَا فِي حيل الْوَلوالجِيَّة.
مطلب: لَا بُد من تعْيين الْغَائِب فِي الدّفع وَالشَّهَادَة
قَوْله: (زيد الْغَائِب) أَتَى باسم الْعلم لانه لَو قَالَ أودعينه رَحل لَا أعرفهُ لن تَنْدَفِعْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْغَائِبِ فِي الدّفع، وَكَذَا فِي الشَّهَادَة كَمَا يذكرهُ الشَّارِحُ، فَلَوْ ادَّعَاهُ مِنْ مَجْهُولٍ وَشَهِدَا بِمُعَيَّنٍ أَوْ عَكْسِهِ لَمْ تَنْدَفِعْ.
بَحْرٌ.
وَفِيهِ عَنْ حزانة الْأَكْمَلِ وَالْخَانِيَّةِ: لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّ رَجُلًا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ فَلَا خُصُومَة بَينهمَا.
مطلب: أطلق فِي الْغَائِب فَشَمَلَ الْبعيد والقريب وَأَطْلَقَ فِي الْغَائِبِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بَعِيدًا مَعْرُوفًا يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ أَوْ قَرِيبًا،
قَوْله: (أَو
следующие страницы →