Полный текст (1 094 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وَتَفْسِيره فِي الْحَد: إِذا قذف إنْسَانا ثمَّ زعم الْقَاذِف أَن الْمَقْذُوف عبد فَإِنَّهُ لَا يحد الْقَاذِف حَتَّى يثبت الْمَقْذُوف حُرِّيَّته بِالْحجَّةِ.
وَفِي الْقصاص: إِذا قطع يَد إِنْسَان وَزعم الْقَاطِع أَن الْمَقْطُوع يَده عبد فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بِالْقصاصِ حَتَّى يثبت حُرِّيَّته.
وَفِي الدِّيَة: إِذا قتل إنْسَانا خطأ وَزَعَمت الْعَاقِلَة أَنه عبد
فَإِنَّهُ لَا يقْضِي عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته.
وَفِي البيري: لَو كَانَ الْمُدَّعِي بِهِ حدا أَو قصاصا سَأَلَ القَاضِي عَنْهُم طعن الْخصم أَولا بالاجماع اهـ.
لَان فِي الْقَذْف: أَي مثلا إِلْزَام الْحَد على الْقَاذِف، وَفِي الْقصاص إِيجَاب الْعقُوبَة على الْقَاطِع، وَفِي الْقَتْل خطأ إِيجَاب الدِّيَة على الْعَاقِلَة، وَذَلِكَ لَا يجوز إِلَّا بِاعْتِبَار حريَّة الشَّاهِد، فَمَا لم تثبت الْحُرِّيَّة بِالْحجَّةِ لَا يجوز الْقَضَاء بشئ من ذَلِك ط.
مطلب: الاصل فِي النَّاس الْفقر والرشد والامانة وَالْعَدَالَة وَإِنَّمَا على القَاضِي أَن يسْأَل عَن الشُّهُود سرا وعلنا قَالَ الْحَمَوِيّ: وَقد سُئِلَ شيخ مَشَايِخنَا الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ الْعَبَّادِيّ: هَل الاصل فِي النَّاس الرشد أَو السَّفه، وَهل الاصل فِي النَّاس الْفقر أَو الْغنى، وَهل الاصل فِي النَّاس الامانة أَو الْخِيَانَة، وَهل الاصل فِي النَّاس الْجرْح أَو التَّعْدِيل؟ فَأجَاب: الاصل الرشد والفقر والامانة وَالْعَدَالَة، وَإِنَّمَا على القَاضِي أَن يسْأَل عَن الشُّهُود سرا وعلنا لَان الْقَضَاء مَبْنِيّ على الْحجَّة وَهِي شَهَادَة الْعدْل فيتعرف عَن الْعَدَالَة، وَفِيه صون قَضَائِهِ عَن لبُطْلَان، وَالله تَعَالَى أعلم.
وَفِي قَوْله صون قَضَائِهِ عَن الْبطلَان نظر، فتدبره اهـ.
وَوَجهه أَنه إِذا قضى بِشَهَادَة الْفَاسِق يَصح قَضَاؤُهُ.
مطلب: منع السُّلْطَان عَن نصْرَة قُضَاته عَن الحكم بِشَهَادَة الشُّهُود إِلَّا بعد التَّزْكِيَة سرا وَعَلَانِيَة لَكِن فِي زَمَاننَا قد تكَرر أَمر السُّلْطَان نَصره الله تَعَالَى فِي منع قُضَاته فِي سَائِر مَمْلَكَته أَن يحكموا بعد الشَّهَادَة بِدُونِ تَزْكِيَة السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، فَافْهَم.
قَوْله: (وَالْحُدُود) فَلَو أنكر الْقَاذِف حريَّة الْمَقْذُوف لَا يحد حَتَّى يثبت حُرِّيَّته لانه لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الْحَد إِلَّا بِالْحُرِّيَّةِ، وَالظَّاهِر لَا يَكْفِي للاستحقاق، ولان الْحُدُود تدرأ بِالشُّبُهَاتِ فيحتاط فِي إِثْبَاتهَا، وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ عَن البيري.
قَوْله: (وَالْقصاص) أَي فِي الاطراف، فَلَو أنكر الْقَاطِع حريَّة الْمَقْطُوع لَا يقطع حَتَّى يثبت حُرِّيَّته، لانه لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الْقطع إِلَّا بِالْحُرِّيَّةِ إِذْ لَا قصاص بَين طرفِي حر وَعبد، لَان الاطراف يسْلك بهَا مَسْلَك الاموال.
قَوْله: (وَالْقَتْل) أَي خطأ فَلَا تثبت الدِّيَة
على الْعَاقِلَة حَتَّى تثبت حريَّة الْقَاتِل لانه يُرِيد اسْتِحْقَاق الْعقل عَلَيْهِ فَلَا يثبت بِظَاهِر الْحُرِّيَّة، وَلذَا وَقع فِي نُسْخَة الْعقل: يَعْنِي لَا يثبت الْعقل إِلَّا بعد ثُبُوت الْحُرِّيَّة، وَهُوَ معنى عبارَة الاشباه من
قَوْله: (وَالدية) .
قَوْله: (وَفِي نُسْخَة الْعقل) هُوَ فِي معنى الاول: يَعْنِي لَا يثبت الْعقل إِلَّا بعد ثُبُوت الْحُرِّيَّة، وَلَو قَالَ فِي الْحُرِّيَّة وَعدمهَا لَكَانَ أوضح.
قَوْله: (وَعبارَة الاشباه وَالدِّيَةُ) الثَّلَاثُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (أحر أم لَا) .
بَيَان لوجه جَهَالَة حَاله.
وَلَو قَالَ فِي الْحُرِّيَّة وَعدمهَا لَكَانَ أوضح.
قَوْله: (لتمسكه بالاصل) أَي وَهُوَ دَافع، وَظَاهر الْحَال يَكْفِي للدَّفْع عَيْني.
قَوْله: (واللابس للثوب الخ) شُرُوع فِي مسَائِل يصدق فِيهَا
стр. 737
وَاضع الْيَد بِلَا برهَان، وَهل يصدق بِيَمِينِهِ، ينظر، وَيَأْتِي حكمه فِي التَّنْبِيه الْآتِي ط.
وَإِنَّمَا كَانَ اللابس أَحَق لَان تصرفه أظهر لاقْتِضَائه الْملك فَكَانَ صَاحب يَد والآخذ خَارِجا وَذُو الْيَد أولى، بِخِلَاف مَا إِذا أَقَامَ آخذ الْكمّ الْبَيِّنَة حَيْثُ يكون أولى وَالْعلَّة الْمَذْكُورَة تجْرِي فِيمَا بعد.
قَالَ الْعَلامَة قَاسِمٌ: فَيُقْضَى لَهُ قَضَاءَ تَرْكٍ لَا اسْتِحْقَاقٍ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْضَى لَهُ.
شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ فِي السَّرْجِ) أَي أولى من رديفه، لَان تمكنه فِي ذَلِك الْموضع دَلِيل على تقدم يَده.
قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيّ: نَقَلَ النَّاطِفِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ النَّوَادِرِ، وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة هِيَ بَينهمَا نِصْفَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا رَاكِبَيْنِ فِي السَّرْجِ فَإِنَّهَا بَينهمَا قولا وَاحِدًا كَمَا فِي الْعِنَايَة.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اشْتِرَاكُهُمَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُسَرَّجَةً اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُلْتَقَى مِثْلُ مَا فِي الْمَتْن فَتنبه، وَمَا فِي الْهِدَايَة وَهُوَ على رِوَايَة النَّوَادِر، وَلَو كَانَ أَحدهمَا مُتَعَلقا بذنبها وَالْآخر ماسك بِلِجَامِهَا قَالُوا: يَنْبَغِي أَن يكون الماسك أولى.
قَوْله: (مِمَّن علق كوزه بهَا) احْتَرز بِذكر الْكوز عَمَّا لَو كَانَ لَهُ بعض حملهَا، فَلَو كَانَ لاحدهما من وَللْآخر مائَة من كَانَت بَينهمَا شرنبلالية عَن التَّبْيِين وَالْحمل: بِكَسْر الْحَاء مَا يحمل على ظهر أَو رَأس حموي.
قَوْله: (لانه أَكثر تَصرفا) عِلّة لجَمِيع الْمسَائِل.
أَقُول: لَكِن فِيهِ أَنه لَا يعْتَبر الاكثر تَصرفا كَمَسْأَلَة الْمَنّ وَالْمِائَة من، والاولى أَن يعلق بِأَنَّهُ لَا يعد متصرفا عرفا كَمَسْأَلَة الهرادي الْآتِيَة.
تَأمل.
قَول: (والجالس على الْبسَاط والمتعلق بِهِ سَوَاء) لَان الْجُلُوس لَيْسَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، لَان الْيَد تثبت بِكَوْنِهِ فِي بَيته أَو بنقله من مَوْضِعه، بِخِلَاف الرّكُوب واللبس
حَيْثُ يكون بهما غَاصبا لثُبُوت يَده وَلَا يصير غَاصبا بِالْجُلُوسِ على الْبسَاط كَمَا فِي الدُّرَر، لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون الْقَاعِد أَحَق من الْمُتَعَلّق.
تَأمل.
وَعبارَة الدُّرَر: وينصف الْبسَاط بَين جالسه والمتعلق بِهِ بِحكم الاسْتوَاء بَينهمَا لَا بطرِيق الْقَضَاء الخ.
وَفِي النِّهَايَة يقْضِي بَينهمَا.
وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن بَين الْكَلَامَيْنِ تدافعا وَأجِيب بِأَن الْمَنْفِيّ قَضَاء الِاسْتِحْقَاق لَا قَضَاء التّرْك.
وَاعْترض على هَذَا الْجَواب بِأَن قَضَاء التّرْك يَقْتَضِي ثُبُوت الْيَد على مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسْأَلَة التَّنَازُع فِي الْحَائِط.
وَأجِيب بِأَن قَضَاء التّرْك يتَحَقَّق فِي الْمَنْقُول من غير ثُبُوت الْيَد الْمُعْتَبرَة شرعا بِثُبُوت الْيَد ظَاهرا فَإِن القَاضِي علم حسا وعيانا أَن هَذَا الْبسَاط لَيْسَ فِي يَد غَيرهمَا فَقضى بَينهمَا لِانْعِدَامِ مُدع غَيرهمَا عيَانًا بِالْيَدِ أَو بِالْملكِ هَذَا.
قَوْله: (وراكبي سرج) أَي فينصف بَينهمَا أَي فِي الصُّورَتَيْنِ.
قَوْله: (وطرفه مَعَ آخر) فينتصف بَينهمَا لَان يَد كل مِنْهُمَا ثَابِتَة فِيهِ وَإِن كَانَ يَد أَحدهمَا فِي الاكثر فَلَا يرجح بِهِ، لما مر أَنه لَا تَرْجِيح بالاكثرية دُرَر: أَي كَمَا فِي مَسْأَلَة كَثْرَة شُهُود أحد المدعيين، هَذَا كُله إِذا لم يقم الْبَيِّنَة فَإِذا أَقَامَا الْبَيِّنَة فَبَيِّنَة الْخَارِج أولى من بَيِّنَة ذِي الْيَد كَمَا مر.
قَوْله: (لَا هدبته) وَيُقَال لَهُ بالتركي سجق وَيسْتَعْمل هَذَا اللَّفْظ الْآن فِي بِلَادنَا.
قَوْله: (الْغَيْر منسوجة) الاولى أَن يَقُول المنسوجة بالالف وَاللَّام لَان غير بِمَنْزِلَة اسْم الْفَاعِل لَا يُضَاف إِلَّا لما فِيهِ أل أَو مَا أضيف إِلَى مَا فِيهِ أل كالضارب رَأس الْجَانِي ط.
قَوْله: (لانها لَيست بِثَوْب) فَلم يكن فِي يَده شئ من الثَّوْب فَلَا يزاحم الآخر.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ جَالِسَيْ دَارٍ) كَذَا قَالَ فِي الْعِنَايَة.
стр. 738
وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ ادَّعَيَا دَارًا وَأَحَدُهُمَا سَاكِنٌ فِيهَا فَهِيَ لِلسَّاكِنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَحْدَثَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ بِنَاءٍ أَو حفر فَهِيَ لَهُ، وَلَو لم يكن شئ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا دَاخِلٌ فِيهَا وَالْآخَرَ خَارِجٌ عَنْهَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ كَانَا جَمِيعًا فِيهَا، لِأَنَّ الْيَدَ عَلَى الْعَقَارِ لَا تثبت بالكون فِيهَا وَإِنَّمَا تثبت بِالتَّصَرُّفِ اهـ.
أَقُول: لَكِن الَّذِي يفهم من التَّعْلِيل وَمِمَّا تقدم قَرِيبا أَنه لَا يقْضِي لَهما فِي مَسْأَلَة كَون أَحدهمَا
دَاخِلا فِيهَا وَالْآخر خَارِجا عَنْهَا تَأمل.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ كُلُّ مَوْضِعٍ قُضِيَ بِالْمِلْكِ لِأَحَدِهِمَا لِكَوْنِ الْمُدَّعَى فِي يَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمين لصَاحبه إِذا طلب، فَإِن حلف برِئ، وَإِن نكل قضى عَلَيْهِ بِهِ اهـ.
شرنبلالية.
قَوْله: (حَيْثُ لَا يقْضِي لَهما) لَا بطرِيق التّرْك وَلَا بِغَيْرِهِ لَان الْجُلُوس لَا يدل على الْملك.
اهـ دُرَر.
قَوْله: (وَهنا) أَي فِي الْجُلُوس على الْبسَاط إِذا كَانَا جالسين عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الزَّيْلَعِيُّ: وَكَذَا إذَا كَانَا جَالِسَيْنِ عَلَيْهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا جَالِسَيْنِ فِي دَارٍ وَتَنَازَعَا فِيهَا حَيْثُ لَا يُحْكَمُ لَهُمَا بِهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَهُنَا علم أَنه لَيْسَ فِي يَد غَيرهمَا اهـ.
مطلب: مسَائِل الْحِيطَان
قَوْله: (الْحَائِط لمن جذوعه عَلَيْهِ) جمع جذع بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة للنخلة وَغَيرهَا، وَالْمرَاد الاخشاب الَّتِي ترص على الجدران لاجل تركيب السّقف عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لانه فِي يَد صَاحب الْجُذُوع، لَان يَده يَد اسْتِعْمَال والحائط مَا بني إِلَّا لَهُ فَوَضعه عَلامَة ملكه: وَلَو كَانَ لكل مِنْهُمَا عَلَيْهِ ثَلَاثَة جُذُوع فَهُوَ بَينهمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي أصل الْعلَّة وَلَا يعْتَبر بِالْكَثْرَةِ والقلة بعد أَن تبلغ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا شرطت الثَّلَاثَة لَان الْحَائِط يَبْنِي للتسقيف وَذَلِكَ لَا يحصل بِمَا دون الثَّلَاث غَالِبا فَصَارَ الثَّلَاث كالنصاب لَهُ، وَلَو كَانَ عَلَيْهِ جُذُوع لاحدهما ثَلَاثَة وَللْآخر أقل فَهُوَ لصَاحب الثَّلَاثَة عِنْد أبي حنيفَة اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاس أَن يكون بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنهُ، وَلَو كَانَ لاحدهما جذع وَاحِد وَلَا شئ للْآخر قيل هما سَوَاء، وَقيل صَاحب الْجذع أولى.
عَيْني.
وَفِي الفتاوي الْخَيْرِيَّة من فصل الْحِيطَان: فَلَو كَانَ لكل جذع مُشْتَرك، فَلَو اخْتلفَا وأقيمت الْبَيِّنَة عمل بهَا وَينظر فِي وضع الآخر، فَإِن كَانَ قَدِيما يتْرك على قَدَمَيْهِ إِذْ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ للظن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه شَرْعِي.
مطلب: حد الْقَدِيم مَا لَا يحفظ الاقران وَرَاءه وحد الْقَدِيم أَن لَا يحفظ أقرانه وَرَاء هَذَا الْوَقْت كَيفَ كَانَ فَيجْعَل أقْصَى الْوَقْت الَّذِي يحفظه الاقران حد الْقَدِيم، وَإِن كَانَ حَادِثا يُؤمر بِرَفْعِهِ، وَإِن سقط لَيْسَ لَهُ إِعَادَته بِغَيْر رضَا مَالِكه، لانه إِن
كَانَ بِإِذْنِهِ فَهُوَ معير وللمعير أَن يرجع مَتى شَاءَ، وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ غَاصِب.
وَإِذا اخْتلفَا فِي الْحُدُوث: فَإِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ أَمر بِرَفْعِهِ وإزالته عَن ملك الْغَيْر شرعا، وَإِن لم يثبت بِالْبَيِّنَةِ لَا يهدم، وَتَمَامه فِيهِ.
وَالْحَاصِل: أَن الْحَائِط تَارَة يثبت بِالْبَيِّنَةِ والبرهان وَتارَة بغَيْرهَا، فَإِن أَقَامَ أحد الْخَصْمَيْنِ الْبَيِّنَة قضى لَهُ وَلَو أَقَامَا الْبَيِّنَة قضى لَهما قَضَاء التّرْك، حَتَّى لَو أَقَامَ الآخر الْبَيِّنَة قضى لَهُ كَمَا فِي الْفَيْض.
стр. 739
وَأما مَا يثبت بغَيْرهَا فَقَالَ فِي الْمُنْتَقى: الايدي فِي الْحَائِط على ثَلَاث مَرَاتِب: اتِّصَال تربيع، واتصال ملازقة ومجاورة، وَوضع جُذُوع ومحاذاة، فأولاهم صَاحب التربيع، فَإِن لم يُوجد فَصَاحب الْجُذُوع، فَإِن لم يُوجد فَصَاحب اتِّصَال الملازقة.
بَيَانه: حَائِط بَين دارين يدعيانه: فَإِن كَانَ مُتَّصِلا بِبِنَاء أَحدهمَا دون الآخر فَصَاحب الِاتِّصَال أولى، وَإِن كَانَ مُتَّصِلا ببنائهما اتِّصَال تربيع أَو ملازقة فَهُوَ بَينهمَا، وَإِن كَانَ لاحدهما اتِّصَال تربيع وَللْآخر اتِّصَال ملازقة لصَاحب التربيع أَو للْآخر عَلَيْهِ جُذُوع، فالحائط لصَاحب الِاتِّصَال، وَلِصَاحِب الْجُذُوع مَوضِع جذوعه.
وروى الطَّحَاوِيّ أَن الْكل لصَاحب التربيع، وَإِن لاحدهما اتِّصَال ملازقة وَللْآخر جُذُوع فَصَاحب الْجُذُوع أولى، وَسَيَأْتِي قَرِيبا بأوضح من هَذَا.
أَقُول: ذكر الْحَنَابِلَة فِي كتبهمْ أَن الْمُعْتَبر فِي التربيع أساس الْحَائِط دون اللَّبن وَهُوَ حسن وَكَأَنَّهُ لما يحصل لَهُ من التَّغَيُّر، وَظَاهر نُصُوص أَئِمَّتنَا الاطلاق كَمَا ترى، وَكَأَنَّهُم لم يعتبروا هَذَا لانه عَارض وَيدْرك عروضه.
نعم لَو كَانَ التربيع فِي الاساس دون اللَّبن فَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة للاساس لانه أقوى لما يعرض للبن من الاصلاح، وَهَذَا وَلَو كَانَ لاحدهما التربيع فِي الاساس وَللْآخر فِي اللَّبن فَالظَّاهِر أَنه لصَاحب تربيع الاساس وَلم أره.
ثمَّ قَالَ صَاحب الْمُنْتَقى: وَإِذا كَانَ الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ مُتَّصِلا من جَانب وَاحِد يَقع فِيهِ التَّرْجِيح وَهُوَ الصَّحِيح.
ذكره الطَّحَاوِيّ.
وَذكر الْكَرْخِي أَنه لَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح مَا لم يكن مَوْصُولا طرفاه بالحائطين.
قلت: وَظَاهر الرِّوَايَة يشْتَرط من جوانبه الاربع كَمَا فِي الْفَيْض وَغَيره، لَكِن قَالُوا: الاظهر مَا قَالَه الطَّحَاوِيّ وَعَلِيهِ مَشى فِي الْخُلَاصَة وَالْبَزَّازِيَّة وَغَيرهمَا من المعتمدات كالهندية وَالْمُحِيط وَالْخَانِيَّة وَغَيرهَا.
ثمَّ ذكر أَيْضا: حَائِط بَين دارين يَدعِيهِ صَاحب أَحدهمَا وَلم يكن مُتَّصِلا بِبِنَاء أَحدهمَا: فَإِن كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جُذُوع فَهُوَ أولى، وَإِن كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جذع وَاحِد وَلَا شئ للْآخر قيل هُوَ بَينهمَا، وَقيل لصَاحب الْجذع، وَإِن كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا ثَلَاثَة جُذُوع فَهُوَ بَينهمَا وَلَا عِبْرَة لِكَثْرَة الْجُذُوع لاحدهما: أَي بعد الثَّلَاثَة.
أَقُول: بَعْدَمَا كَانَ لَاحَدَّ الشَّرِيكَيْنِ ثَلَاثَة جُذُوع وَللْآخر أَكثر لَا يتَرَجَّح بهَا، وَلَكِن فِي الْعمادِيَّة مَا نَصه: وءن كَانَ جُذُوع أَحدهمَا أَسْفَل وجذوع الآخر أَعلَى وتنازعا فِي الْحَائِط فَإِن لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ لِسَبْقِ يَدِهِ وَلَا تُرْفَعُ جُذُوعُ الاعلى اهـ.
فَالَّذِي يظْهر من كَلَام الْعمادِيَّة أَن مَحل وجود الْخشب على الْحَائِط لكل مُوجب للاشتراك إِذا لم يكن خشب أَحدهمَا أَعلَى وخشب الآخر أَسْفَل، أما إِذا كَانَ كَذَلِك وتنازعا فِي الْحَائِط فَهُوَ لصَاحب الاسفل وَلَا ترفع جُذُوع الآخر، وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا مُقَيّد لكلامهم، وَلَكِن لَا تظهر ثَمَرَة ذَلِك إِلَّا فِي التَّصَرُّف فِي الْحَائِط وعمارته، فَافْهَم.
стр. 740
ثمَّ قَالَ صَاحب الْمُنْتَقى: وَإِن كَانَ لاحدهما ثَلَاثَة وَللْآخر وَاحِد فَهُوَ لصَاحب الثَّلَاثَة، إِلَّا مَوضِع الْجذع الْوَاحِد وَهُوَ الاصح، وَمَا بَين الْجُذُوع قيل يكون بَينهمَا نِصْفَيْنِ، وَقيل يكون على أحد عشر جُزْءا.
وَإِن كَانَ الْحَائِط طَويلا وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَرد بِبَعْض الْحَائِط فِي الِاتِّصَال وَوضع الْجُذُوع قضى لكل وَاحِد بِمَا يوازي ساحته من الْحَائِط وَمَا بَينهمَا من الْقَضَاء يقْضِي بِكَوْنِهِ بَينهمَا نِصْفَيْنِ.
لكل وَاحِد مِنْهُمَا بوار وَهُوَ الْقصب فَهُوَ بَينهمَا.
لاحدهما عَلَيْهِ جُذُوع وَللْآخر عَلَيْهِ بوار يقْضِي بِهِ لصَاحب الْجُذُوع وَلَكِن لَا يُؤمر بِرَفْع البواري.
لاحدهما عَلَيْهِ خشب وَللْآخر عَلَيْهِ حَائِط ستْرَة فالحائط الاسفل لصَاحب الْخشب وَلِصَاحِب
الستْرَة سترته، وَلَو تنَازعا فِي الْحَائِط والسترة جَمِيعًا فهما لصَاحب الْخشب اهـ مَا فِي الْمُنْتَقى.
وَقَالَ برهَان الدّين الكركي فِي الْفَيْض: حَائِط ادَّعَاهُ رجلَانِ وغلق الْبَاب إِلَى أَحدهمَا يقْضِي بِالْحَائِطِ وَالْبَاب بَينهمَا نِصْفَيْنِ عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا الْحَائِط بَينهمَا وَالْبَاب للَّذي الغلق إِلَيْهِ، وَأَجْمعُوا أَنه إِذا كَانَ للباب غلقان فِي كل جَانب وَاحِد فَهُوَ بَينهمَا.
وَذكر فِيهِ أَيْضا: رجلَانِ ادّعَيَا حَائِطا وَلَيْسَ الْحَائِط مُتَّصِلا بِبِنَاء أَحدهمَا وَلَيْسَ لاحدهما جُذُوع أَو غَيرهَا يقْضِي بِهِ بَينهمَا، وَإِن كَانَت لاحدهما هرادي أَو بوار فَكَذَلِك، وَإِن كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جذع وَاحِد وَلَا شئ للْآخر أَو لَهُ عَلَيْهِ هرادي لم يذكر فِي الْكتاب.
قَالَ بَعضهم: لَا يتَرَجَّح بجذع وَاحِد.
وَقد رُوِيَ عَن مُحَمَّد: يقْضِي لَهُ، وَلَو كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ خَشَبَة وَللْآخر عَلَيْهِ عشر خشبات يقْضِي بِهِ لصَاحب الْعشْرَة وَللْآخر مَوضِع جذعه.
وَالصَّحِيح أَن الْحَائِط لصَاحب الْجُذُوع وَلَا ينْزع جذع الآخر.
أَقُول: أَي لَان الْملك الثَّابِت بِكَثْرَة الْجُذُوع هَاهُنَا ثَابت بِنَوْع الِاسْتِظْهَار فَهُوَ صَالح للدَّفْع لَا لابطال حق صَاحب الْجذع، بِخِلَاف مَا لَو أَقَامَ صَاحب الْجُذُوع الْبَيِّنَة كَانَ الْحَائِط لَهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ يرفع جذع الآخر كَمَا بَينه صَاحب الذَّخِيرَة، وسيأتيك بأوضح من هَذَا.
وَعَن أبي يُوسُف أَن الْحَائِط بَينهمَا على أحد عشر سَهْما.
وَلَو كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جذعان وَللْآخر عشرَة اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ.
قَالَ بَعضهم: جذعان بِمَنْزِلَة جذع وَاحِد.
وَقَالَ بَعضهم: بِمَنْزِلَة الثَّلَاثَة، وَلَو كَانَ لاحدهما ثَلَاثَة وَللْآخر عشرَة فَهُوَ بَينهمَا، وَكَذَا لَو كَانَ لاحدهما خَمْسَة وَللْآخر عشرَة فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَيْنِ وَقيل أَثلَاثًا.
تنَازعا فِي خص أَو حَائِط بَين داريهما وَلَا بَيِّنَة والقمط: أَي الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الخص وَالْوَجْه: أَي وَجه الْحَائِط أَو الطاقات أَو أَنْصَاف اللَّبن إِلَى أَحدهمَا.
قَالَ أَبُو حنيفَة: هُوَ بَينهمَا إِذْ الانسان كَمَا يَجْعَل الْمَذْكُور إِلَى جَانِبه فِي ملكه الْخَاص يَجعله إِلَى جَانِبه فِي الْمُشْتَرك أَيْضا إِذا تولى الْعَمَل فَلَا يصلح حجَّة.
وَقَالا: هُوَ لمن الْمَذْكُور إِلَى جَانِبه إِذْ الظَّاهِر يشْهد لَهُ، لَان الانسان يزين وَجه دَاره إِلَى نَفسه لَا إِلَى جَاره، وَكَذَا القمط لانه وَقت العقد يَقُول على سطحه فَيجْعَل القمط إِلَيْهِ.
زَاد فِي الْهِنْدِيَّة: هَذَا إِذا جعل وَجه الْبناء حِين بنى.
وَأما إِذا جعل الْوَجْه بعد الْبناء بالنقش
والتطيين فَلَا يسْتَحق بِهِ الْحَائِط فِي قَوْلهم جَمِيعًا.
كَذَا فِي غَايَة الْبَيَان شرح الْهِدَايَة
قَوْله: (أَو مُتَّصِل بِهِ) الاوضح أَن يَقُول: أَو هُوَ مُتَّصِل ببنائه اتِّصَال تربيع.
قَوْله: (بِأَن تتداخل أَنْصَاف لبنَاته) أَي مثلا فَدخل الْآجر وَالْحجر.
وَاخْتلف فِي صفة اتِّصَال التربيع، فَقَالَ الْكَرْخِي: صفته أَن يكون الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ مُتَّصِلا
стр. 741
بحائطين لاحدهما من الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا والحائطان متصلان بحائط لَهُ بِمُقَابلَة الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ حَتَّى يصير مربعًا يشبه الْقبَّة، فَحِينَئِذٍ يكون الْكل فِي حكم شئ وَاحِد.
والمروي عَن أبي يُوسُف أَن اتِّصَال جَانِبي الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ بحائطين لاحدهما يَكْفِي، وَلَا يشْتَرط اتِّصَال الحائطين بحائط لَهُ بِمُقَابلَة الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ.
وَعبارَة الْكَافِي: هُوَ أَن يكون أحد طرفِي الآخر فِي هَذَا الْحَائِط والطرف الآخر فِي الْحَائِط الآخر حَتَّى يصير فِي معنى حَائِط وَاحِد وَبِنَاء وَاحِد فَيكون ثُبُوت الْيَد على الْبَعْض ثبوتا على الْكل، وَهُوَ عين مَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف، وَمعنى التربيع فِيمَا قَالَ الْكَرْخِي أظهر.
وَفِي الْهِنْدِيَّة: وَذكر الطَّحَاوِيّ: إِن كَانَ مُتَّصِلا بحائط وَاحِد يَقع بِهِ التَّرْجِيح.
قَالُوا: وَالصَّحِيح رِوَايَة الطَّحَاوِيّ اهـ.
وَعَزاهُ إِلَى مُحِيط السَّرخسِيّ.
قَوْله: (وَلَو من خشب) عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: إِذا كَانَ الْحَائِط من لبن وَلَو من خشب الخ.
قَوْله: (لدلَالَة) هَذِه عِلّة لكَون صَاحب اتِّصَال التربيع أولى.
قَوْله: (على أَنَّهُمَا) أَي الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ والحائطين المتصلين بِهِ.
قَوْله: (وَلذَا سمي بذلك) أَي لِكَوْنِهِمَا بنيا مَعًا سمى باتصال التربيع قد علمت تَفْسِير اتِّصَال التربيع على قَول الْكَرْخِي وَهُوَ ظَاهر وتسميته بِهِ على قَول أبي يُوسُف بِاعْتِبَار التربيع فِي حائطيه باللبنات.
قَوْله: (يبْنى مربعًا) هَذَا إِنَّمَا يظْهر على قَول الْكَرْخِي.
قَوْله: (لَا لمن لَهُ اتِّصَال ملازقة) بِأَن يكون الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ ملازقا لحائط أَحدهمَا من غير إِدْخَال فِيهِ.
قَوْله: (أَو نقب وَإِدْخَال) وَهَذَا فِيمَا لَو كَانَ من خشب: أَي بِأَن نقب وأدخلت الْخَشَبَة فِيهِ، وَهَذَا مُحْتَرز.
قَوْله: (فِي حَائِط الْخشب) ، بِأَن تكون الْخَشَبَة مركبة فِي الاخرى.
قَالَ الْبَدْر الْعَيْنِيّ: وَإِذا كَانَ الْجِدَار من خشب فالتربيع أَن يكون سَاج أَحدهمَا مركبا على
الآخر.
وَأما إِذا نقب وَأدْخل فَلَا يكون مربعًا فَلَا عِبْرَة بِهِ وَلَا باتصال الملازقة من غير تربيع لعدم المداخلة فَلَا يدل على أَنَّهُمَا بنيا مَعًا اهـ.
وَمثله فِيمَا يظْهر النقب فِي جِدَار نَحْو اللَّبن.
قَوْله: (أَو هرادي) جَمْعُ هَرْدِيَّةٍ: قَصَبَاتٌ تُضَمُّ مَلْوِيَّةً بِطَاقَاتٍ مِنْ الْكَرم فترسل عَلَيْهَا قصبات الْكَرم، كَذَا فِي ديوَان الادب، وَصحح فِيهَا الْحَاء وَالْهَاء جَمِيعًا، وَأنكر الْهَاء صَاحب الصِّحَاح، وَالرِّوَايَة فِي الاصل وَالْكَافِي للشهيد بِالْحَاء.
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير وَشرح الْكَافِي بِالْهَاءِ لَا غير.
شلبي فِي الْحَاشِيَة مُلَخصا.
وَفِي الْمنح: هِيَ خشبات تُوضَع على الْجُذُوع ويلقى عَلَيْهَا التُّرَاب.
وَفِي الواني: هِيَ جمع هردي بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقصر الالف.
وَفِي مُنْهَوَاتِ الْعَزْمِيَّةِ: الْهُرْدِيَّةُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ.
والهرادي بِفَتْح الْهَاء وَكسر الدَّال: نوع من النبت، وَقيل قصب يوضع فَوق الْحَائِط فَهِيَ كالزرب أَو المكعب.
وَمثل الهرادي البواري، وَهِي والبوري والبورية والبورياء والباري والبارياء والبارية: الْحَصِير المنسوج، وَإِلَى بَيْعه ينْسب الْحسن بن الرّبيع البواري شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم كَمَا فِي الْقَامُوس.
قَوْله: (بل صَاحب الْجذع الْوَاحِد الخ) قَالَ فِي غَايَة الْبَيَان: وَالثَّلَاث هِيَ الْمُعْتَبرَة، حَتَّى لَو كَانَ لاحدهما ذَلِك وَللْآخر أَكثر لَا اعْتِبَار لَهُ، فالحائط
стр. 742
بَينهمَا، وَلَو كَانَ لاحدهما جذع أَو اثْنَان وَللْآخر ثَلَاثَة أَو أَكثر فَهُوَ لَهُ، وَأما لصَاحب مَا دون الثَّلَاثَة فموضع جذوعه: يَعْنِي مَا تَحْتَهُ فِي رِوَايَة، وَله حق الْوَضع فِي رِوَايَة اهـ.
وَفِي نور الْعين: وَلَو لاحدهما جذع وَاحِد وَللْآخر هرادي أَو لَا شئ لَهُ لم يذكرهُ مُحَمَّد فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَقد قيل لَا يقْضِي بِهِ لَهُ إِذْ الْحَائِط لَا يبْنى لوضع جذع وَاحِد.
وَعَن مُحَمَّد: إِنَّه لرب الْجذع، إِذا لَهُ مَعَ الْيَد نوع اسْتِعْمَال، إِذا وَضعه اسْتِعْمَال حَتَّى قضء لرب الْجذع فَيكون وَاحِدهَا اسْتِعْمَالا للحائط بِقَدرِهِ وَلَيْسَ للْآخر ذَلِك، وَقد يبْنى الْحَائِط لوضع جذع وَاحِد لَو كَانَ الْبَيْت صَغِيرا، وَهَذَا كُله لَو لم يتَّصل الْحَائِط ببنائهما، فَلَو اتَّصل اتِّصَال تربيع أَو ملازقة قيقضى بِهِ نِصْفَيْنِ بَينهمَا إِذا ستويا اهـ.
وَفِي الزَّيْلَعِيّ: وَإِذا كَانَ لاحدهما جذع وَاحِد وَلَا شئ للْآخر اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ: فَقيل: هما سَوَاء لَان الْوَاحِد لَا يعْتد بِهِ، وَقيل: صَاحب الْجذع أولى لَان الْحَائِط قد يبْنى لجذع وَاحِد، وَإِن كَانَ
غير غَالب.
قَالَ فِي شرح الْمُلْتَقى للداماد: والهرادي غير مُعْتَبرَة، وَكَذَا البواري لانه لم يكن اسْتِعْمَالا وضعا، إِذْ الْحَائِط لَا يبْنى لَهَا بل للتسقيف، وَهُوَ لَا يُمكن على الهرادي والبواري كَمَا فِي الدُّرَر انْتهى.
وَفِيه: وَلَا مُعْتَبر بِكَثْرَة الْجُذُوع وَقتهَا بعد أَن تبلغ ثَلَاثًا، لَان التَّرْجِيح بِالْقُوَّةِ لَا بِالْكَثْرَةِ على مَا بَينا، وَاشْترط أَن يبلغ الثَّلَاث لَان الْحَائِط يبْنى للتسقيف وَذَلِكَ لَا يحصل بِمَا دون الثَّلَاث غلبا فَصَارَ الثَّلَاث كالنصاب لَهُ اهـ.
فَتَأمل.
قَوْله: (وَقيل لذِي الْجُذُوع) وَصَححهُ السَّرخسِيّ، وَصحح الاول الْجِرْجَانِيّ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيط: الايدي على ثَلَاث مَرَاتِب: اتِّصَال تربيع واتصال ملازقة ومجاورة، وَوضع جُذُوع محاذاة بِنَاء.
وَلَا عَلامَة فِي الْحَائِط سوى هَذَا، فأولاهم صَاحب التربيع، فَإِن لم يُوجد فَصَاحب الْجُذُوع، فَإِن لم يُوجد فَصَاحب الْمُحَاذَاة اهـ.
قَالَ فِي الْخُلَاصَة: وَإِنْ كَانَ كِلَا الِاتِّصَالَيْنِ اتِّصَالَ تَرْبِيعٍ أَوْ اتِّصَالَ مُجَاوَرَةٍ يُقْضَى بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا تَرْبِيعٌ وَلِلْآخَرِ مُلَازَقَةٌ يُقْضَى لِصَاحِبِ التَّرْبِيعِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا تَرْبِيعٌ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ جُذُوعٌ فَصَاحِبُ الِاتِّصَالِ أَوْلَى، وَصَاحِبُ الْجُذُوعِ أَوْلَى مِنْ اتِّصَالِ الْمُلَازَقَةِ، ثُمَّ فِي اتِّصَالِ التَّرْبِيعِ هَلْ يَكْفِي مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ؟ فَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يَكْفِي، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُشْتَرَطُ مِنْ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُمَا، وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ اهـ.
وَقدمنَا نَحوه.
قَوْله: (وَتَمَامه فِي الْعَيْنِيّ وَغَيره) قَالَ الْعَلامَة الْعَيْنِيّ: وَلَو كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا ثَلَاثَة جُذُوع فَهُوَ بَينهمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي أصل الْعلَّة، وَلَا يعْتَبر بِالْكَثْرَةِ والقلة بعد أَن تبلغ ثَلَاثَة، وَإِنَّمَا شرطت الثَّلَاثَة، لَان الْحَائِط يبْنى للتسقيف وَذَلِكَ لَا يحصل بِدُونِ الثَّلَاثَة غَالِبا فَصَارَت الثَّلَاثَة كالنصاب لَهُ، وَلَو لاحدهما ثَلَاثَة وَللْآخر أقل فَهُوَ لصَاحب الثَّلَاثَة.
استحسنه الامام.
وَالْقِيَاس المناصفة وَقد رُوِيَ عَنهُ أَيْضا.
ثمَّ لصَاحب الْجذع الْوَاحِد أَو الِاثْنَيْنِ حق الْوَضع، لانا حكمنَا بِالْحَائِطِ لصَاحب الْجُذُوع: أَي الثَّلَاثَة فَأكْثر بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق، فَلَا يُؤمر بِالْقَلْعِ إِلَّا إِذا ثَبت بِالْبَيِّنَةِ أَن الْحَائِط لصَاحب الْجُذُوع فَحِينَئِذٍ يُؤمر بِالْقَلْعِ اهـ.
وَهل الحكم كَذَلِك إِذا أقرّ لَهُ بِهِ؟ الظَّاهِر نعم.
قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ برمز (جع) : جُذُوع أَحدهمَا فِي أحد النصفين وجذوع الآخر فِي
النّصْف فَلِكُل مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ جذوعه، وَمَا بَين النصفين والجذوع أولى من الستْرَة، فالحائط لرب الجدوع، وَكَذَا الستْرَة لَو تنَازعا فِيهَا، وَلَو توافقا أَن الستْرَة للْآخر لَا ترفع كمن لَهُ سفل وتنازعا فِي
стр. 743
سقفه وَمَا عَلَيْهِ فَالْكل لذِي السّفل، وَلَو توافقا أَن الْعُلُوّ للْآخر لَا يرفع إِلَّا إِذا برهن.
اهـ: أَي لانه هُوَ الْمُتَنَازع فِيهِ، فَإِذا برهن ذُو السّفل أَن السّقف لَهُ رفع مَا هُوَ مَوْضُوع عَلَيْهِ بِغَيْر حق، فَتَأمل.
وَإِنَّمَا لم يرفع أَولا قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة، لَان الظَّاهِر أَن وَضعه بِحَق، وَلم يحكم لَهُ بالسفل لَان الظَّاهِر يصلح للدَّفْع لَا للاستحقاق وَهُوَ لصَاحب السّفل كَمَا هُوَ صَرِيح الْخَانِية.
فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين ثُبُوته بِالْبَيِّنَةِ حَيْثُ يرفع بهَا وَبَين ثُبُوته بِظَاهِر الْيَد وَلم يرفع؟ قلت: الْبَيِّنَة كاسمها بَيِّنَة، وَهِي حجَّة متعدية فَيلْزم بهَا الرّفْع، وَالْيَد حجَّة لصَاحب الْحَال فصلحت للدَّفْع لَا للرفع، فَتَأمل.
وَمِمَّا يتَّصل بمسائل الْحِيطَان مَا نَقله فِي الْهِنْدِيَّة: وَلَو كَانَ لَاحَدَّ المدعيين على الْحَائِط الْمُتَنَازع فِيهِ أَزجّ من لبن أَو آجر: أَي ضرب من الابنية فَهُوَ بِمَنْزِلَة الستْرَة.
كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان.
جُذُوع شاخصة إِلَى دَار رجل لَيْسَ لَهُ أَن يَجْعَل عَلَيْهَا كنيفا إِلَّا بِرِضا صَاحب الدَّار وَلَيْسَ لصَاحب الدَّار قطعهَا إِذا أمكنه الْبناء عَلَيْهَا، وَإِن لم يُمكن الْبناء عَلَيْهَا بِأَن كَانَت جذوعا صغَارًا أَو جذعا وَاحِدًا ينظر: إِن كَانَ قطعهَا يضر بِبَقِيَّة الْجُذُوع ويضعفها لَا يملك الْقطع، وَإِن لم يضر بهَا يُطَالِبهُ بِالْقطعِ، وَلَو أَرَادَ صَاحب الدَّار أَن يعلق على أَطْرَاف هَذِه الْجُذُوع شَيْئا لَيْسَ لَهُ ذَلِك.
كَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ.
جِدَار بَين اثْنَيْنِ لَهما عَلَيْهِ حمولة غير أَن حمولة أَحدهمَا أثقل فالعمارة بَينهمَا نِصْفَيْنِ.
وَلَو كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ حمولة وَلَيْسَ للْآخر عَلَيْهِ حمولة والجدار مُشْتَرك بَينهمَا: قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى: للْآخر أَن يضع عَلَيْهِ بِمثل حمولة صَاحبه إِن كَانَ الْحَائِط يحْتَمل ذَلِك، أَلا ترى أَن أَصْحَابنَا رَحِمهم الله تَعَالَى قَالُوا فِي كتاب الصُّلْح: لَو كَانَ جُذُوع أَحدهمَا أَكثر فللآخر أَن يزِيد فِي جذوعه إِن كَانَ يحْتَمل ذَلِك، وَلم يذكرُوا أَنه قديم أَو حَدِيث.
كَذَا فِي الْخُلَاصَة فِي كتاب الْحِيطَان.
وَإِن لم يكن
لَهما عَلَيْهِ خشب فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يضع عَلَيْهِ خشبا لَهُ ذَلِك وَلَيْسَ للْآخر أَن يمنعهُ وَيُقَال لَهُ: ضع أَنْت مثل ذَلِك إِن شِئْت.
كَذَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة.
لَو كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جُذُوع وَلَيْسَ للْآخر عَلَيْهِ جُذُوع فَأَرَادَ أَن يضع والجدار لَا يحْتَمل جُذُوع اثْنَيْنِ وهما مقران بِأَن الْحَائِط مُشْتَرك بَينهمَا، يُقَال لصَاحب الْجُذُوع إِن شِئْت فارفع ذَلِك عَن الْحَائِط لتستوي بصاحبك، وَإِن شِئْت فحط عَنهُ بِقدر مَا يُمكن لشريكك من الْحمل، كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
جِدَار بَين رجلَيْنِ لاحدهما عَلَيْهِ بِنَاء فَأَرَادَ أَن يحول جذوعه إِلَى مَوضِع آخر: قَالَ: إِن كَانَ يحول من الايمن إِلَى الايسر أَو من الايسر إِلَى الايمن لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَإِن أَرَادَ أَنى يسفل الْجُذُوع فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن أَرَادَ أَن يَجعله أرفع عَمَّا كَانَ لَا يكون لَهُ ذَلِك.
كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان.
حَائِط بَينهمَا وَكَانَ لكل وَاحِد جُذُوع فللذي هُوَ صَاحب السّفل أَن يرفعها بحذاء صَاحب الاعلى إِن لم يضر بِالْحَائِطِ، وَلَو أَرَادَ أَحدهمَا أَن ينْزع جذوعه من الْحَائِط لَهُ ذَلِك إِن لم يكن فِي نَزعه ضَرَر بِالْحَائِطِ، هَكَذَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة.
إِذا كَانَت جُذُوع أَحدهمَا مُرْتَفعَة وجذوع الآخر متسفلة فَأَرَادَ أَن ينقب الْحَائِط لينزل فِيهِ الْخشب هَل لَهُ ذَلِك؟ قيل لَيْسَ لَهُ ذَلِك.
وَكَانَ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ يُفْتِي بِأَن لَهُ ذَلِك.
وَقيل: ينظر: إِن كَانَ
стр. 744
ذَلِك مِمَّا يُوجب فِيهِ وَهنا لم يكن لَهُ ذَلِك، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يدْخل فِيهِ وَهنا فَلهُ ذَلِك.
كَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ.
جِدَار بَين رجلَيْنِ أَرَادَ أَحدهمَا أَن يزِيد فِي الْبناء لَا يكون لَهُ ذَلِك إِلَّا بِإِذن الشَّرِيك، أضرّ الشَّرِيك ذَلِك أَو لم يضر.
كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: حَائِط بَين رجلَيْنِ انْهَدم جَانب مِنْهُ فَظهر أَنه ذُو طاقين متلازقين فيريد أَحدهمَا أَن يرفع جِدَاره وَيَزْعُم أَن الْجِدَار الْبَاقِي يَكْفِيهِ للستر فِيمَا بَينهمَا قبل أَن يتَبَيَّن أَنَّهُمَا حائطان فكلا الحائطين بَينهمَا، وَلَيْسَ لاحدهما أَن يحدث فِي ذَلِك شَيْئا بِغَيْر إِذن شَرِيكه، وَإِن أقرا أَن كل حَائِط لصَاحبه فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يحدث فِيهِ مَا أحب.
كَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي كتاب الْحِيطَان.
جِدَار بَين اثْنَيْنِ وهى وَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يصلحه وأبى الآخر يَنْبَغِي أَن يَقُول لَهُ: ارْفَعْ حمولتك بعمد لاني أرفعه فِي وَقت كَذَا وَيشْهد على ذَلِك، فَإِن فعل فبها، وَإِن لم يفعل فَلهُ أَن يرفع الْجِدَار، فَإِن سَقَطت حمولته لَا يضمن، كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
وَعَن الشَّيْخ الامام أبي الْقَاسِم: جِدَار بَين رجلَيْنِ لاحدهما عَلَيْهِ حمولة لَيْسَ للْآخر شئ فَمَال الْجِدَار إِلَى الَّذِي لَا حمولة فَأشْهد على صَاحب الحمولة فَلم يرفعهُ مَعَ إِمْكَان الرّفْع بعد الاشهاد حَتَّى انْهَدم وأفسد شَيْئا قَالَ: إِذا ثَبت الاشهاد وَكَانَ مخوفا وَقت الاشهاد يضمن الْمَشْهُود عَلَيْهِ نصف قيمَة مَا أفسد من سُقُوطه.
هَكَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: حَائِط بَين رجلَيْنِ لاحدهما عَلَيْهِ غرفَة وَالْآخر عَلَيْهِ سقف بَيته فهدما الْحَائِط من أَسْفَله ورفعا أَعْلَاهُ بالاساطين ثمَّ اتفقَا جَمِيعًا حَتَّى بنيا فَلَمَّا بلغ الْبناء مَوضِع سقف هَذَا أَبى صَاحب السّقف أَن يبْنى بعد ذَلِك لَا يجْبر أَن ينْفق فِيمَا جَاوز ذَلِك.
كَذَا فِي الصُّغْرَى رجل لَهُ ساباط أحد طرفِي جُذُوع هَذَا الساباط على حَائِط دَار رجل فتنازعا فِي حق وضع الْجُذُوع فَقَالَ صَاحب الدَّار: جذوعك على حائطي بِغَيْر حق فارفع جذوعك عَنهُ وَقَالَ صَاحب الساباط: هَذِه الْجُذُوع على حائطك بِحَق وَاجِب، ذكر صَاحب كتاب الْحِيطَان الشَّيْخ الثَّقَفِيّ أَن القَاضِي يَأْمُرهُ بِرَفْع جذوعه.
وَقَالَ الصَّدْر الشَّهِيد رَحمَه الله تَعَالَى: وَبِه يُفْتى.
وَإِن تنَازعا فِي الْحَائِط يقْضى بِالْحَائِطِ لصَاحب الدَّار فِي ظَاهر مَذْهَب أَصْحَابنَا لَان الْحَائِط مُتَّصِل بِملك صَاحب الدَّار وبالاتصال تثبت الْيَد، وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ اتِّصَال اتِّصَال تربيع، إِمَّا إِذا كَانَ اتِّصَال ملازقة فَصَاحب الساباط أولى.
وَهَكَذَا فِي الْمُحِيط فِي كتاب الْحِيطَان.
الْكل الْهِنْدِيَّة.
أَقُول: ثمَّ التَّصَرُّف فِي الْحَائِط الْمُشْتَرك بعد ثُبُوته شرعا قِسْمَانِ: مُمْتَنع إِلَّا بِإِذن شَرِيكه وَهُوَ مُقْتَضى شركَة الْملك وَالْقِيَاس.
وَجَائِز لضَرُورَة مَنْفَعَة الِاشْتِرَاك لغير إِذن شَرِيكه.
أما الْمُمْتَنع فَهُوَ زِيَادَة خشب على خشب شَرِيكه أَو اتِّخَاذ ستر عَلَيْهِ أَو فتح كوَّة أَو بَاب، وَهُوَ مَحل إِطْلَاقهم الْوَاقِع فِي بعض عباراتهم من أَنه لَيْسَ لَهُ: أَي الشَّرِيك أَن يحدث فِي الْحَائِط الْمُشْتَرك حَدثا بِغَيْر إِذن شَرِيكه أَو يزِيد عَلَيْهِ.
وَأما الْجَائِز بِغَيْر إِذْنه فَلهُ صور: مِنْهَا: مَا هُوَ جَائِز بِاتِّفَاق، وَهُوَ مَا إِذا لم يكن عَلَيْهِ لوَاحِد مِنْهُمَا خشب فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يضع عَلَيْهِ خشبا لَهُ ذَلِك، وَلَا يكون لصَاحبه مَنعه وَلَكِن يُقَال لَهُ: ضع أَنْت مثل ذَلِك إِن شِئْت.
стр. 745
وَمِنْهَا: مَا هُوَ جَائِز بالِاتِّفَاقِ أَيْضا، وَهُوَ مَا إِذا كَانَ لَهُ جُذُوع ولشريكه أَكثر مِنْهَا فَلهُ الْمُسَاوَاة بِاتِّفَاق كلماتهم، كَمَا ستطلع عَلَيْهِ قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى، كَذَا قَالُوا.
وَأَقُول: هَذِه الْمَسْأَلَة، وَهِي مَا إِذا كَانَت حمولته محدثة يَنْبَغِي أَن تكون عين الْمَسْأَلَة الاولى الْجَائِزَة بالانفاق، فَتَأمل.
وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُقَيّد على قَول وَالرَّاجِح الاطلاق، وَهِي مَا إِذا كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ حمولة وَلَيْسَ للْآخر ذَلِك فَأَرَادَ أَن يحدث حمولة فالمرجح لَهُ أَن يحدث إِذا كَانَ الْحَائِط يحْتَمل ذَلِك.
وَقَالَ بَعضهم فِي هَذِه الصُّورَة: إِن كَانَت حمولة صَاحبه محدثة فَلهُ ذَلِك، وَإِن كَانَت قديمَة فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك.
ثمَّ فِي هَذِه الصُّورَة على الرَّاجِح قد صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِن كَانَ الْحَائِط لَا يحْتَمل حمولتين يُؤمر الآخر بِرَفْع حمولته لتحصل التَّسْوِيَة مَعَ صَاحبه أَو بِرَفْع الْبَعْض لتمكن شَرِيكه من الْحمل فَهُوَ كالمهايأة.
وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُقَيّد بِعَدَمِ الْمضرَّة، وَهُوَ مَا إِذا كَانَ لَهما عَلَيْهِ حمولة وحمولة أَحدهمَا أَسْفَل من حمولة الآخر فَأَرَادَ هُوَ أَن يرفع حمولته ويضعها بِإِزَاءِ حمولة صَاحبه فَلهُ ذَلِك وَلَيْسَ لصَاحبه مَنعه، وَكَذَا لَو كَانَت حمولة أَحدهمَا فِي وسط الْجِدَار وحمولة الآخر فِي أَعْلَاهُ فَأَرَادَ أَن يضع حمولته فِي أَعلَى الْجِدَار لَهُ ذَلِك إِذا لم يدْخل على الاعلى مضرَّة، وَكَذَا إِذا أَرَادَ أَن يسفل الْجُذُوع، وَقَيده بَعضهم بِمَا إِذا انْهَدم أَو هدماه، لانه إِذا يحصل ذَلِك يحصل مضرَّة وَلَا بُد، والمدار فِي أَجنَاس هَذَا على عدم الضَّرَر.
وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ التعلي، وَهُوَ أَن يزِيد فِي أَعلَى الْجِدَار فِي هَوَاء الْمُشْتَرك كَانَ للْآخر مَنعه لانه تصرف فِي شئ مُشْتَرك، وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن مُحَمَّد، وَقيل لَا يمْنَع.
أَقُول وَالْحَاصِل: أَن فِي مَسْأَلَة التعلي ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا: لَهُ التعلي مُطلقًا.
ثَانِيهَا: لَهُ بِمَا إِذا لم يكن خَارِجا عَن الرَّسْم الْمُعْتَاد، وَاعْتَمدهُ ابْن الشّحْنَة والشرنبلالي.
ثَالِثهَا: الْمَنْع مُطلقًا، وَاعْتَمدهُ
قاضيخان وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الْخَيْرِيَّة فَكَانَ عَلَيْهِ الِاعْتِمَاد، وبالعمل بِهِ صدر الامر السلطاني وَجرى عَلَيْهِ فِي الْمجلة فِي مَادَّة ألف وَمِائَتَيْنِ وَعشرَة.
قَالَ فِي الذَّخِيرَة: إِذا كَانَ الْحَائِط بَين رجلَيْنِ وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يضع عَلَيْهِ خشبا لَهُ ذَلِك، وَلَا يكون لصَاحبه أَن يمنعهُ عَن ذَلِك وَلَكِن يُقَال أَنْت ضع مثل ذَلِك إِن شِئْت، هَكَذَا حكى الامام النَّيْسَابُورِي.
وَكَانَ بَين هَذَا وَبَين مَا إذَا كَانَ لَهُمَا عَلَيْهِ خَشَبٌ فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يزِيد عَلَيْهِ خشبا على خشب صَاحبه وَأَرَادَ أَن يتَّخذ سترا أَو يفتح كوَّة أَو بَابا حَيْثُ لَا يكون لَهُ ذَلِك إِلَّا بِإِذن صَاحبه وَكَانَ لصَاحبه ولَايَة الْمَنْع.
وَالْفرق أَن الْقيَاس أَن لَا يكون لَهُ ولَايَة وضع الْخشب من غير إِذن شَرِيكه لانه تصرف فِي شئ مُشْتَرك، إِلَّا إِذا تركنَا الْقيَاس لضَرُورَة أَنا لَو منعناه عَن وضع الْخشب من غير إِذن شَرِيكه رُبمَا لَا يَأْذَن لَهُ شَرِيكه فِي ذَلِك، فتتعطل عَلَيْهِ مَنْفَعَة الْحَائِط.
وَهَذِه الصُّورَة مَعْدُومَة فِي زِيَادَة الْخشب وَفتح
стр. 746
الكوة فَيرد لي الْقيَاس اهـ.
وَمثله فِي الْبَزَّازِيَّة وَغَيرهَا من الْكتب الْمُعْتَبرَة، لكنه مُقَيّد فِي الْبَزَّازِيَّة بِمَا إِذا كَانَ الْحَائِط يحْتَمل ذَلِك، وَهَذَا الْقَيْد لَا بُد مِنْهُ فِي أَمْثَال هَذَا.
وَعبارَة الذَّخِيرَة أغفلته وقيدناه فِيمَا أسلفناه لَك، فَتنبه.
قَالَ السَّرخسِيّ فِي الْوَجِيز عَن النَّوَادِر حَائِط بَين رجلَيْنِ ولاحدهما عَلَيْهِ عشر خشبات وَللْآخر أَربع فَلصَاحِب الاربع أَن يتم عشر خشبات مثل صَاحبه وَلَيْسَ لَهُ الزِّيَادَة، وَإِن كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ خشب وَلَا شئ للْآخر عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَن يحمل مثل خشب صَاحبه، قيل لَهُ ذَلِك، وَقيل لَيْسَ لَهُ ذَلِك اهـ.
فَانْظُر كَيفَ نقل الْخلاف فِي الصُّورَة الثَّانِيَة وَلم يحكه فِي الاولى، وَالْفرق بَينهمَا وَاضح كَمَا ستقف عَلَيْهِ.
قَالَ برهَان الدّين الكركي فِي الْفَيْض من كتاب الْحِيطَان: حَائِط بَين رجلَيْنِ وَكَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جُذُوع أَكثر من جُذُوع الآخر فَلصَاحِب الْقَلِيل أَن يزِيد فِي جذوعه حَتَّى تكون مثل جذوعه صَاحبه اهـ.
وَفِي الْعمادِيَّة: وَلَو كَانَ جُذُوع أَحدهمَا أَكثر فللآخر أَن يزِيد فِي جذوعه إِذا كَانَ الْحَائِط يحْتَمل ذَلِك وَلم يفصلوا بَين الْقَدِيم والْحَدِيث اهـ.
قَالَ فِي الْخَانِية: وَلَو كَانَ الْحَائِط بَين دَاري رجلَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَدعِيهِ وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوع يقْضِي بَينهمَا نِصْفَيْنِ هُوَ الْمُخْتَار، فَإِن كَانَت جُذُوع أَحدهمَا أَكثر فللآخر أَن يزِيد فِي جذوعه حَتَّى تكون مثل جُذُوع الآخر، وَهَذَا إِذا كَانَ الْحَائِط يحْتَمل الزِّيَادَة، فَإِن كَانَ لَا يحْتَمل لَيْسَ لَهُ أَن يزِيد اهـ.
قلت: وَانْظُر إِلَى قَوْله وكل وَاحِد يَدعِيهِ إِلَى قَوْله يقْضِي نجده صَرِيحًا فِي أَنه لَا يلْزم فِي هَذِه الصُّورَة أَن يكون الْحَائِط ثَابتا بِالْبَيِّنَةِ بَينهمَا، خلافًا لمن وهم من أَنَّهَا لَا تثبت الْمُسَاوَاة فِي وضع الْجُذُوع إِلَّا إِذا ثَبت الْحَائِط لَهما بِالْبَيِّنَةِ، ومنشؤه أخذا من عبارَة الذَّخِيرَة وَذَلِكَ من عدم التَّأَمُّل بهَا.
وَحَاصِل عبارَة الذَّخِيرَة: أَن الْملك الثَّابِت بِنَوْع ظَاهر كالاتصال والتربيع لَا يصلح لابطال حق الآخر، لانا هَاهُنَا لم نبطل حق الآخر بل قصدنا الْمُسَاوَاة، نعم هَذَا يظْهر من يثبت لَهُ الْحَائِط بالتربيع وَكَانَ لصَاحبه جُذُوع فَلَيْسَ لَهُ أَن يرفع جُذُوع الآخر إِلَّا إِذا ثَبت الْحَائِط بِالْبَيِّنَةِ فَلهُ رفع جُذُوع لآخر كَمَا ستراه فِي عبارَة الذَّخِيرَة، هَذَا وَقد اتّفقت كلمتهم فِي كتاب الصُّلْح على أَنه لَو كَانَ جُذُوع أَحدهمَا أَكثر، فللآخر أَن يزِيد فِي جذوعه إِن كَانَ يحْتَمل.
وَلما كَانَت هَذِه الْمَسْأَلَة اتفاقية قَاس عَلَيْهَا الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة، وَهِي مَا إِذا كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ جُذُوع وَأَرَادَ الآخر أَن يحدث جذوعا فَرجع هُوَ والحسام الشَّهِيد وهما من أهل التَّرْجِيح جَوَاز إِحْدَاث الْجُذُوع أَيْضا مُطلقًا قديمَة كَانَت الاولى أَو لَا، وَإِن كَانَ بَعضهم قد أبدى فرقا بَين الحديثة والقديمة كَمَا ستطلع عَلَيْهِ.
قَالَ الحسام الشَّهِيد فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: وَلَو كَانَ لاحدهما عَلَيْهِ حمولة وَلَيْسَ للْآخر عَلَيْهِ حمولة وَيُرِيد الَّذِي لَا حمولة لَهُ أَن يضع على هَذَا الْجِدَار حمولة مثل حمولة شَرِيكه، إِن كَانَت حمولته عَلَيْهَا محدثة فللآخر أَن يضع عَلَيْهِ حمولة مثلهَا، وَإِن كَانَت الحمولة الَّتِي لَهُ قديمَة فَلَيْسَ للْآخر أَن يضع حمولة.
قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث: للْآخر أَن يضع عَلَيْهِ حمولة مثل حمولة صَاحبه إِن كَانَ الْحَائِط يحْتَمل مثل ذَلِك مُطلقًا:
стр. 747
أَي سَوَاء كَانَت حمولة صَاحبه محدثة أَو قديمَة، أَلا ترى أَن أَصْحَابنَا قَالُوا فِي كتاب الصُّلْح: لَو كَانَ جُذُوع أَحدهمَا أَكثر فللآخر أَن يزِيد فِي جذوعه إِن كَانَ يحْتَمل ذَلِك، وَلم يشترطوا لَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم: فِي حَائِط بَين رجلَيْنِ لاحدهما عَلَيْهِ جُذُوع فَأَرَادَ الآخر أَن ينصب عَلَيْهِ جذوعا فَمَنعه من ذَلِك صَاحبه والجدار لَا يحْتَمل ذَلِك: أَي الحملين يُقَال لصَاحب الْجُذُوع إِن شِئْت فحط حملك لتستوي مَعَ صَاحبك ك، وَإِن شِئْت فحط عَنهُ مَا يُمكن شريكك من الْحمل، لَان الْبناء الَّذِي عَلَيْهِ إِن كَانَ بِغَيْر رضَا صَاحبه فَهُوَ مُعْتَد ظَالِم، وَإِن كَانَ بِإِذن صَاحبه فَهُوَ عَارِية، أَلا يرى أَن دَارا بَين رجلَيْنِ وَأَحَدهمَا ساكنها، فَأَرَادَ الآخر أَن يسكن مَعَه وَالدَّار لَا تسع لسكنهما فَإِنَّهُمَا يتهايان بهَا، كَذَا هُنَا قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث: وروينا عَن أبي بكر خلاف هَذَا، وَبقول أبي الْقَاسِم نَأْخُذ.
وَوجه الْقَائِل بِالْمَنْعِ الْفرق، لجَوَاز أَن يكون هَذَا مُسْتَحقّا لاحدهما من أصل الْملك وَذَلِكَ حَال الْقِسْمَة بِأَن يَقع الْحَائِط بِنَصِيب أَحدهمَا وَيكون للْآخر عَلَيْهِ حق الْخشب، أما تِلْكَ الْمَسْأَلَة وَهِي مَا لَو كَانَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا عَلَيْهِ خشبات فَفِيهَا دلّ على أَن التَّصَرُّف فِي الِابْتِدَاء ثَبت لَهما فَيثبت بعد ذَلِك لَهما.
كَذَا فِي شرح الْوَهْبَانِيَّة لِابْنِ الشّحْنَة.
أَقُول: وَمُقْتَضى كَلَامه أَن الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة اتفاقية، فَافْهَم.
وَالْحَاصِل: أَن كلا الشَّرِيكَيْنِ إِذا لم يكن لَهما عَلَيْهِ حمولة صَاحبه كَانَ لكل وَاحِد مِنْهَا وضع حمولة بِلَا إِذن شَرِيكه اتِّفَاقًا، وَأَن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا كَانَ لَهُ حمولة أنقص من حمولة صَاحبه كَانَ لَهُ الْمُسَاوَاة اتِّفَاقًا أَيْضا، وَأَن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا كَانَ لَهُ حمولة وَالثَّانِي لَا حمولة لَهُ كَانَ لَهُ أَن يُسَاوِي مَعَ صَاحبه، على مَا رَجحه أَبُو اللَّيْث والحسام الشَّهِيد قِيَاسا على الْمَسْأَلَة الاتفاقية كَمَا تقدم، وَأَن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا أَرَادَ أَن يسفل الْجُذُوع أَو يعليها أَو يتوسط بهَا للمساواة عِنْد عدم الضَّرَر لَهُ ذَلِك، وَأَن أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذا أَرَادَ أَن يعلي بِأَن يزِيد فِي الْجِدَار فِي هَوَاء مُشْتَرك لم يكن للْآخر مَنعه، والمروي عَن مُحَمَّد لَهُ الْمَنْع، وَلذَا قدمه ابْن وهبان فِي الْمَنْظُومَة بقوله:
وَمَا لِشَرِيكٍ أَنْ يُعَلِّيَ حَيْطَهُ وَقِيلَ التَّعَلِّي جَائِز فيعمر وعَلى الْمَنْع مُطلقًا مَشى فِي الْخَانِية فَلْيَكُن هُوَ الْمعول.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ: وَلَو أَرَادَ أَحدهمَا نزع جذوعه من الْحَائِط فَلهُ ذَلِك لَو لم يصر بِالْحَائِطِ.
وَفِيه: انْهَدم حَائِط بَينهمَا فَبنى أَحدهمَا فَإِنَّهُ وَجْهَيْن: إِمَّا عَلَيْهِ حمولة أَو لَا.
والاحكام ثَلَاثَة: أَحدهَا طلب أَحدهمَا قسْمَة عَرصَة الْحَائِط وأبى الآخر.
وَالثَّانِي أَرَادَ أَحدهمَا أَن يبْنى ابْتِدَاء بِلَا طلب الْقِسْمَة وأبى الآخر.
وَثَالِثهَا لَو بناه بِلَا إِذن شريكة هَل يرجع عَلَيْهِ بشئ.
أما الْوَجْه الاول وَهُوَ عدم الحمولة عَلَيْهِ، فَأَما الحكم الاول وَهُوَ طلب الْقِسْمَة وإباء الآخر فقد ذكر فِي بعض الْمَوَاضِع مُطلقًا أَنه لَا يجْبر، وَبِه نَأْخُذ ص.
أما لَو لم تكن عَرصَة الْحَائِط عريضة بِحَيْثُ لَو قسمت لَا يُصِيب كلا مِنْهُمَا شئ يُمكنهُ أَن يَبْنِي فِيهِ فَظَاهر لتعنته فِي طلب الْقِسْمَة، وَأما لَو عريضة بِحَيْثُ يُصِيب كلا مِنْهُمَا مَا يُمكن الْبناء فِيهِ فلَان القَاضِي لَو قسم يقرع بَينهمَا، وَرُبمَا يخرج فِي قرعَة كل مِنْهُمَا مَا يَلِي دَار شَرِيكه فَلَا ينْتَفع بِهِ فَلَا تقع الْقِسْمَة مفيدة، وَإِلَيْهِ أَشَارَ م فِيمَا روى عَنهُ هِشَام: انْهَدم حَائِط بَينهمَا فَقَالَ أَحدهمَا أقسم وَالْآخر أَبى قَالَ لَا أقسم بَينهمَا إِذْ رُبمَا يُصِيب كلا
стр. 748
مِنْهُمَا مَا يَلِي دَار شَرِيكه.
وَبَعض الْمَشَايِخ قَالُوا: لَو كَانَ القَاضِي لَا يرى الْقِسْمَة إِلَّا بإقراع لَا يَسْتَقِيم لما مر.
وَأما لَو يَرَاهَا بِلَا إقراع فيقسمه لَو كَانَت الْعَرَصَة عريضة على وَجه مر وَيجْعَل نصيب كل مِنْهُمَا مِمَّا يَلِي دَاره تتميما للمنفعة عَلَيْهِمَا.
مطلب: لَو كَانَت عَرصَة الْحَائِط عريضة تقسم بَينهمَا وَيُعْطى كلا من جِهَة دَاره بِلَا قرعَة وَيجْبر الآبي بِهِ يُفْتى وَقَالَ ص: لَو عريضة فَالْقَاضِي يجْبر الآبي على كل حَال وَبِه يُفْتى، إِذْ الْعَرَصَة لَو عريضة على وَجه مر فطالب الْقِسْمَة طلب بهَا تتميم الْمَنْفَعَة عَلَيْهِ فَيجْبر شَرِيكه عَلَيْهِ كدار وَأَرْض.
س: يجْبر الآبي على قسْمَة حَائِط بَينهمَا وَذكر الْجَبْر بِلَا فصل بَين العريضة وَغَيرهَا اهـ.
أَقُول: يُؤْخَذ من هَذَا جَوَاب حَادِثَة الْفَتْوَى، وَهِي دَار لزيد وَدَار أُخْرَى مُشْتَركَة بَينه وَبَين عَمْرو
أَرَادَ زيد قسمتهَا وَأخذ حِصَّته مِنْهَا من جِهَة دَاره حَيْثُ لَا يُمكن الِاتِّصَال إِلَيْهَا إِلَّا من دَاره وَالدَّار قَابِلَة للْقِسْمَة والمعادلة مُمكنَة فللقاضي قسمتهَا على هَذَا الْوَجْه وَإِن لم يرض عَمْرو بذلك، وَلَا تلْزم الْقرعَة فِي هَذَا، على أَن الْقرعَة لَيست بواجبة على القَاضِي، غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنهم قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَن يقرع بَينهمَا تطييبا لقلوبهما، وَلَا نقُول إِن يَنْبَغِي هُنَا بِمَعْنى يجب لما أَنهم صَرَّحُوا فِي غير مَا كتاب أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، لَا سِيمَا وَفِيه رفع الضَّرَر عَن أَحدهمَا وَعدم الضَّرَر بِالْآخرِ، فَتَأمل وراجع.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ: الحكم الثَّانِي أَرَادَ أَحدهمَا أَن يبْنى ابْتِدَاء بِلَا طلب الْقِسْمَة وأبى الآخر، فَلَو عَرصَة الْحَائِط عريضة بِحَيْثُ لَو قسمت أصَاب كل وَاحِد مِنْهُمَا مَا يُمكنهُ أَن يَبْنِي فِيهِ حَائِطا لنَفسِهِ لَا يجْبر على الْبناء فِي ملك شَرِيكه إِلَّا إِذا تضرر شَرِيكه بِتَرْكِهِ وَلَا ضَرَر هُنَا، وَلَو غير عريضة فَاخْتلف الْمَشَايِخ، قِيلَ لَا يُجْبَرُ، وَقِيلَ يُجْبَرُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، إِذا بِتَرْكِهِ يتَضَرَّر شَرِيكه بتعطيل مَنَافِع الْحَائِط والباني لَا يتَضَرَّر إِذْ يحصل لَهُ بدل مَا أنْفق، وَمَال إِلَى الثَّانِي الشَّيْخ الامام الْجَلِيل أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل وَالشَّيْخ الامام الاجل شمس الائمة.
الحكم الثَّالِث: لَو بنى أَحدهمَا بِلَا إِذن شَرِيكه هَل يرجع على شَرِيكه بشئ؟ اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ: قيل لَا يرجع مُطلقًا، وَهَكَذَا ذكر فِي كتاب الاقضية، وَهَكَذَا ذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى فِي النَّوَازِل عَن أَصْحَابنَا.
وَقيل لَو عريضة على مَا بَينا لَا يرجع لانه غير مُضْطَر فِيهِ، وَإِن كَانَت غير عريضة يرجع.
قلت: لاحدهما أَن يمْتَنع من الْبناء إِذْ لَهُ أَن يقاسم أَرض الْحَائِط نِصْفَيْنِ، وَلَو بنى أَحدهمَا لَا يرجع على شَرِيكه إِذْ لَيْسَ لَهُ أَخذه بِالْبِنَاءِ.
الْوَجْه الثَّانِي: لَو كَانَ على الْحَائِط حمولة بِأَن كَانَ عَلَيْهِ جُذُوع فَهُوَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا وَهُوَ مَا لَو كَانَ لَهما عَلَيْهِ جُذُوع وَطلب أَحدهمَا قسْمَة عَرصَة الْحَائِط لَا يجْبر شَرِيكه عَلَيْهَا إِلَّا عَن ترَاض مِنْهُمَا وَلَو عريضة على مَا بَينا إِذْ تعلق حق كل مِنْهُمَا بِكُل الْعَرْصَةِ وَهُوَ وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ، فَلَو قسمت بِلَا رضَا أَحدهمَا يسْقط عَمَّا حصل لشَرِيكه بِلَا رِضَاهُ وَأَنه لم يجز، فَإِذا أَرَادَ أَحدهمَا الْبناء وأبى الآخر قَالَ ض: لَا يجْبر لَو عريضة.
وَذكر شيخ الاسلام أَنه لَا يجْبر بِلَا تَفْصِيل.
ذكر شح أَنه يجْبر من غير تَفْصِيل، وَبِه يُفْتى.
إِذا فِي عدم الْجَبْر تَعْطِيل حق شَرِيكه إِذْ لَهُ حق وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ.
وَلَوْ بَنَى أَحدهمَا بِدُونِ إِذن شَرِيكه، قيل لَو عريضة على مَا فسرنا لَا يرجع الْبَانِي وَيكون
مُتَطَوعا، وَكَذَا عَن مُحَمَّد وَهُوَ الصَّحِيح، إِذْ للثَّانِي حق وضع الْجُذُوع على جَمِيع الْحَائِط وَلَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِبِنَاء جَمِيع الْحَائِط فَكَانَ مُضْطَرّا فِي الْبناء فَلَا تبرع، كَمَا لَو غير عريضة فبناه أَحدهمَا اهـ.
وَفِي
стр. 749
الْهِنْدِيَّة: هَكَذَا ذكر الْخصاف فِي نفقاته.
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا: لَا يكون مُتَطَوعا، وَإِلَيْهِ إشار فِي كتاب الاقضية، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن سَمَّاعَة فِي نوادره رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الاصح.
هَكَذَا فِي الْمُحِيط.
قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ أَقُول: مَرَّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ شَرِيكَهُ يُجْبَرُ على الْبناء وَلَا اضطرار فِيمَا يجْبر، وسيجئ تَحْقِيقه فَيَنْبَغِي أَن تكون الْفَتْوَى على أَنه مُتَبَرّع، وَالله تَعَالَى أعلم.
وَإِن كَانَ بناه بِإِذْنِهِ لَيْسَ لَهُ أَن يمنعهُ، لَكِن يرجع عَلَيْهِ بِنصْف مَا أنْفق.
كَذَا فِي فتاوي قاضيخان.
صل: انْهَدم حائطهما وَعَلِيهِ جُذُوع لاحدهما وَطلب رب الْجُذُوع الْبناء من شَرِيكه لَا يجْبر عَلَيْهِ وَيُقَال لَهما إِن شئتما اقْتَسمَا أَرض الْحَائِط، وَلَو شَاءَ رب الْجُذُوع الْبناء وَأَرَادَ الآخر الْقِسْمَة يقسم بَينهمَا نِصْفَيْنِ.
الْوَجْه الثَّانِي من هَذَا الْوَجْه: لَو لاحدهما عَلَيْهِ حمولة وَطلب هُوَ الْقِسْمَة وَأبي الاخير يجْبر الآبي لَو عريضة كَمَا مر وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ يُفْتَى وَلَوْ أَرَادَ ذُو الْحُمُولَةِ الْبِنَاءَ وَأَبَى الْآخَرُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْبَرُ لما مر فِيمَا لَهما عَلَيْهِ حمولة.
وَلَو بنى ذُو الحمولة فَحكمه حكم مَالهمَا عَلَيْهِ حمولة فَالصَّحِيح أَنه يرجع لما مر ثمَّة أَنه مُضْطَر.
وَلَو بناه الآخر وعرصة الْحَائِط عريضة كَمَا مر فَهُوَ مُتَبَرّع إِذا لم يضر فِي الْبناء إِذْ لَا يجْبر بِهِ حَقًا لنَفسِهِ، ثمَّ فِي كل مَحل لم يكن الْبَانِي مُتَبَرعا كَمَا لَهُ أَو لَهما عَلَيْهِ حمولة كَانَ للباني مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ إلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ أَوْ قِيمَةَ الْبِنَاءِ عَلَى مَا اخْتلفُوا فِيهِ على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فَلَو قَالَ صَاحبه أَنا لَا أتمتع بِالْبِنَاءِ هَل يرجع الْبَانِي؟ قيل لَا يرجع، وَقيل يرجع.
شجي: رب الْعُلُوّ يرجع على رب السّفل بِقِيمَة السّفل مَبْنِيا لَا بِمَا أنْفق.
فض يرجع بِمَا أنْفق فِي السّفل، وَأما فِي الْحَائِط الْمُشْتَرك فَيرجع بِنصْف مَا أنْفق.
وَاسْتحْسن بعض الْمُتَأَخِّرين فَقَالُوا: لَو بنى بِأَمْر القَاضِي يرجع بِمَا أنْفق، وَلَو بنى بِلَا أَمر
القَاضِي رَجَعَ بِقِيمَة الْبناء.
لاحدهما بِنَاء وأبى جَاره أَن يَبْنِي لَا يجْبر قَالَ ت: هُوَ الْقيَاس وَهُوَ قَول عُلَمَائِنَا وَقَالَ بَعضهم: لَا بُد من بِنَاء يكون سترا بَينهمَا وَبِه نَأْخُذ، وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابنَا إِنَّه لَا يجْبر لانهم كَانُوا فِي زمن الصّلاح، أما فِي زَمَاننَا فَلَا بُد من حاجز بَينهمَا.
جص: جِدَار بَين كرمين لِرجلَيْنِ انْهَدم فاستعدى أَحدهمَا على السُّلْطَان لما أَبى شَرِيكه أَن يَبْنِي فَأمر السُّلْطَان بِنَاء بِرِضا المستعدي أَن يبنيه على أَن يَأْخُذ الاجر مِنْهُمَا فَلهُ أَخذه مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو بكر: انْهَدم جِدَار بَينهمَا وَأَحَدهمَا غَائِب فبناه الْحَاضِر فِي ملكه من خشب وَبَقِي مَوضِع الْحَائِط على حَاله ثمَّ قدم الْغَائِب فَأَرَادَ أَن يَبْنِي على طرف الْحَائِط مِمَّا يَلِي جَاره وَيجْعَل ساحة الْحَائِط إِلَى ملكه لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَلَو أَرَادَ أَن يَبْنِي حَائِطا غلظه كالاول أَو يَبْنِي أدق مِنْهُ فِي وسط الاس ويدع الْفضل من أسه مِمَّا يَلِي ملكه لَهُ ذَلِك.
كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ وَمثله فِي نور الْعين.
لَكِن قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: جِدَار بَين رجلَيْنِ انْهَدم وَأحد الجارين غَائِب فَبنى الْحَاضِر فِي ملكه جدارا من خشب وَترك مَوضِع الْحَائِط على حَاله فَقدم الْغَائِب فَأَرَادَ أَن يَبْنِي الْحَائِط فِي الْموضع الْقَدِيم وَمنعه الآخر.
قَالَ الْفَقِيه أَبُو بكر: إِن أَرَادَ الَّذِي قدم أَن يَبْنِي على مَوضِع طرف الْحَائِط مِمَّا يَلِيهِ جَازَ، وَإِن جعل ساحة أس الْحَائِط إِلَى جَانب نَفسه لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَإِن أَرَادَ أَن يَبْنِي الْحَائِط كَمَا كَانَ
стр. 750
أَو أدق مِنْهُ وَيتْرك الْفضل من الْجَانِبَيْنِ سَوَاء لَهُ ذَلِك.
كَذَا فِي فتاوي قاضيخان فِي الْحِيطَان.
اهـ أَقُول: وَهَذَا أشبه بالقواعد، وَلم يظْهر لي مَا نَقله فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَتَبعهُ فِي نور الْعين.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَقَالَ فِي جِدَار بَينهمَا وَلكُل مِنْهُمَا عَلَيْهِ حُمُولَةٌ فَوَهَى الْحَائِطُ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا رَفْعَهُ لِيُصْلِحَهُ وَأَبَى الْآخَرُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مُرِيدُ الْإِصْلَاحِ لِلْآخَرِ ارْفَعْ حُمُولَتَكَ بِأُسْطُوَانَاتٍ وَعُمُدٍ وَيُعْلِمَهُ أَنَّهُ يُرِيد رَفعه فِي وَقت كَذَا وَيشْهد عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ فَعَلَهُ وَإِلَّا فَلَهُ رَفْعُ الْجِدَار، فَلَو سقط حمولته لم يضمن.
فض: حَائِطٌ بَيْنَهُمَا وَهَى وَخِيفَ سُقُوطُهُ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْضَهُ وَأَبَى الْآخَرُ يُجْبَرُ عَلَى نَقْضِهِ، وَلَوْ
هَدَمَا حَائِطًا بَيْنَهُمَا فَأَبَى أَحَدُهُمَا عَنْ بِنَائِهِ يُجْبَرُ، وَلَوْ انْهَدَمَ لَا يُجْبَرُ وَلَكِنَّهُ يَبْنِي الْآخَرُ فَيَمْنَعُهُ حَتَّى يَأْخُذَ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ لَوْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَنِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ لَو أنْفق بِلَا أَمر القَاضِي انْتهى.
أَقُول: قَوْله لَا يجْبر صَرِيح فِي أَنه لَيْسَ للْآخر مَنعه من الْبناء لَان لَهُ غَرضا فِي وُصُوله إِلَى حَقه، فَلَا يُقَال هُوَ تصرف فِي الْمُشْتَرك فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يكون يجوز بِدُونِ رضَا الشَّرِيك.
وَأَقُول: قيد بقوله وهى لانه لَو لم يكن كَذَلِك لَا يملك هَدمه وبناءه لانه تصرف فِي الْمُشْتَرك، وَلَا بُد وَأَن يكون معنى قَوْله وَلكنه يبْنى: أَي بِغَيْر النَّقْض الْمُشْتَرك، أما بِهِ لَا لانه تصرف فِي الْمُشْتَرك.
تَأمل رملي.
وَفِي جَامع الْفُصُولَيْنِ برمز ت: قَالَ أَبُو بكر فِي جِدَار بَينهمَا وَبَيت أَحدهمَا أَسْفَل وَبَيت الآخر أَعلَى قدر ذِرَاع أَو ذراعين فانهدم فَقَالَ ذُو الاعلى لذِي الاسفل ابْن لي حذاء أسي ثمَّ نَبْنِي جَمِيعًا لَيْسَ لَهُ ذَلِك، بل يبنيانه جَمِيعًا من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ.
قَالَت: وَلَو بَيت أَحدهمَا أَسْفَل بأَرْبعَة أَذْرع أَو نَحْوهَا قدر مَا يُمكن أَن يتَّخذ بَيْتا فإصلاحه على ذِي الاسفل حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مَحل الْبَيْت الآخر لانه كحائطين سفل وعلو، وَقيل: يبنيان الْكل.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: فِي حَائِط بَينهمَا عَلَيْهِ لاحدهما غرفَة وَللْآخر سقف بَيت فهدما الْحَائِط من أَسْفَله ورفعا أَعْلَاهُ بأساطين ثمَّ اتفقَا حَتَّى يبنيا فَلَمَّا بلغ الْبناء مَوضِع سقف هَذَا أَبى رب السّقف أَن يَبْنِي بعمده لَا يجْبر أَن ينْفق فِيمَا جاوزه.
وَقَالَ: حَائِط بَينهمَا انْهَدم جَانب مِنْهُ فَظهر أَنه ذُو طاقين متلاصقين فَأَرَادَ أَحدهمَا رفع جِدَاره وَزعم أَن الْجِدَار الْبَاقِي يَكْفِي للْآخر ستْرَة بَينهمَا وَزعم الآخر أَن جِدَاره لَو بَقِي ذَا طاق يهي وينهدم، فَلَو سبق مِنْهُمَا إِقْرَار أَن الْحَائِط بَينهمَا قبل أَن يتَبَيَّن أَنه حائطان فكلاهما بَينهمَا، وَلَيْسَ لاحدهما أَن يحدث فِي ذَلِك شَيْئا إِلَّا بِإِذن الآخر، وَلَو أقرّ أَن كل حَائِط لصَاحبه فَلِكُل مِنْهُمَا أَن يحدث فِيهِ مَا أحب.
قاضيخان.
حَائِط بَين رجلَيْنِ انْهَدم فبناه أَحدهمَا عِنْد غيبَة شَرِيكه.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: إِن بناه ينْقض الْحَائِط الاول فَهُوَ مُتَبَرّع وَلَا يكون لَهُ أَن يمْنَع شَرِيكه من الْحمل عَلَيْهِ، وَإِن بناه بِلَبن أَو خشب من قبل نَفسه فَلَيْسَ للشَّرِيك أَن يحمل على الْحَائِط حَتَّى يُؤَدِّي نصف قيمَة الْحَائِط.
أَرَادَ أَحدهمَا نقض جِدَار مُشْتَرك وأبى الآخر فَقَالَ لَهُ صَاحبه أَنا أضمن لَك كل شئ ينهدم لَك من بَيْتك وَضمن ثمَّ نقض الْجِدَار بِإِذن شَرِيكه فانهدم من منزل الْمَضْمُون لَهُ شئ لَا يلْزمه ضَمَان ذَلِك، وَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ رجل لآخر ضمنت لَك مَا يهْلك من مَالك لَا يلْزمه شئ.
خُلَاصَة.
стр. 751
حَائِطٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَهُمَا عَلَيْهِ خَشَبٌ فَبَنَى أَحدهمَا للباني أَن يمْنَع الآخر من وضع الْخشب على الْحَائِط حَتَّى يُعْطِيهِ نصف الْبناء مَبْنِيا.
وَفِي الاقضية: حَائِط بَين اثْنَيْنِ أَرَادَ أَحدهمَا نقضه وأبى الآخر: لَو بِحَال لَا يخَاف سُقُوطه لَا يجْبر، وَلَو يخَاف فَعَن الفضلي أَنه يجْبر، فَإِن هدما وَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يَبْنِي وأبى الآخر لَو أس الْحَائِط عريضا يُمكنهُ بِنَاء حَائِطه فِي نصِيبه بعد الْقِسْمَة لَا يجْبر الشَّرِيك، وَلَو لم يُمكن يجْبر، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
وَتَفْسِير الْجَبْر أَنه إِن لم يُوَافقهُ الشَّرِيك فَهُوَ ينْفق على الْعِمَارَة، وَيرجع على الشَّرِيك بِنصْف مَا أنْفق لَو أس الْحَائِط لَا يقبل الْقِسْمَة.
وَفِي فَتَاوَى الفضلي: وَلَو هدماه وأبى أَحدهمَا عَن الْبناء يجْبر، وَلَو انْهَدم لَا يجْبر، وَلَكِن يمْنَع من الِانْتِفَاع بِهِ مَا لم يسْتَوْف نصف مَا أنْفق فِيهِ مِنْهُ إِن فعل ذَلِك بِقَضَاء القَاضِي، وَلَو بِغَيْر قَضَاء فَنصف قيمَة الْبناء، وَإِن انْهَدم أَو خيف وُقُوعه فهدم أَحدهمَا لَا يجْبر الآخر على الْبناء.
وَلَو كَانَ الْحَائِط صَحِيحا فهدمه أَحدهمَا بِإِذن الآخر لَا شكّ أَنه يجْبر الهادم على الْبناء إِن أَرَادَ الآخر الْبناء كَمَا لَو هدماه.
وَعَن ابْن أبي سَلمَة: لَو لَهما عَلَيْهِ حمولة وانهدم وأبى الآخر الْعِمَارَة فَبنى أَحدهمَا يمْنَع الآخر من وضع الحمولة حَتَّى يُؤَدِّي نصف مَا أنْفق، وَإِن لم يكن عَلَيْهِ حمولة لَا يجْبر على الْعِمَارَة وَلَا يرجع بشئ لانه بِمَنْزِلَة الستارة، وَهَذَا كُله إِذا أنْفق فِي الْعِمَارَة بِغَيْر إِذن صَاحبه، فَلَو بِإِذْنِهِ أَو بِأَمْر الْحَاكِم يرجع عَلَيْهِ بِنصْف مَا أنْفق.
وَفِي الْبناء الْمُشْتَرك: لَو أَحدهمَا غَائِبا فهدم الآخر بِإِذن القَاضِي أَو بِلَا إِذْنه لَكِن بنى بِإِذن القَاضِي فَهُوَ كإذن شَرِيكه لَو حَاضرا فَيرجع عَلَيْهِ بِمَا أنْفق لَو حضر.
كَذَا فِي نور الْعين.
أَقُول: أما قَوْله وَإِن لم يكن عَلَيْهِ حمولة لَا يجْبر الخ هَذَا على جَوَاب الْمُتَقَدِّمين.
وَأما على مَا
اخْتَارَهُ الْمُتَأَخّرُونَ من أَنه إِذا كَانَ لَهُ حرم فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا لَو كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حمولة، فَتَأمل وراجع.
قَوْله: (فَلَا يسْقط بإبراء) أَي عَن رفع الْجُذُوع، لَان الابراء لَا يكون فِي الاعيان بل عَمَّا فِي الذِّمَّة.
قَوْله: (وَلَا صلح) بشئ عَن الْوَضع لجَهَالَة مُدَّة الْوَضع.
قَوْله: (وَبيع) أَي إِذا بَاعَ الْوَاضِع أَو الْمَوْضُوع على حَائِط دَاره فَلِلْمُشْتَرِي حق الْمُطَالبَة بِالرَّفْع.
وَذكر الْحَمَوِيّ أَن المُرَاد بِالْبيعِ بيع الْحَائِط الْمَوْضُوع عَلَيْهِ الْجُذُوع وإجارتها.
قَوْله: (وَإِجَارَة) أَي إِذا آجر دَاره مِنْهُ لَا تسْقط الْمُطَالبَة بِالرَّفْع بالاجارة.
قَوْلُهُ: (أَشْبَاهٍ مِنْ أَحْكَامِ السَّاقِطِ لَا يَعُودُ) صَوَابه: لَا يقبل الاسقاط من الْحُقُوق وَمَا لَا يقبله وَهُوَ قبله، وَلذَا قَالَ ط: وَلم أَقف عَلَيْهِ.
وَسَيَأْتِي للشَّارِح فِي الْعَارِية عَن الاشباه تَلْزَمُ الْعَارِيَّةُ فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ جِدَارَ غَيْرِهِ لِوَضْعِ جُذُوعِهِ فَوَضَعَهَا ثُمَّ بَاعَ الْمُعِيرُ الْجِدَارَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَفْعُهَا، وَقِيلَ نَعَمْ إلَّا إذَا شَرَطَهُ وَقْتَ الْبَيْعِ.
قُلْت: وَبِالْقِيلِ جَزَمَ فِي الْخُلَاصَة وَالْبَزَّازِيَّة وَغَيرهمَا، وَكَذَا قاضيخان مِنْ بَابِ مَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا من الْفَصْل الاول، وَمثله فِي الاشباه من الْعَارِية، لَكِن فِيهِ أَن الشَّرْط إِذا كَانَ لَا يَقْتَضِيهِ الْعقل لَا يلائمه وَفِيه نفع لَاحَدَّ الْمُتَعَاقدين أَو لآخر من أهل الِاسْتِحْقَاق وَلم يتعارف بَين النَّاس يفْسد البيع،
стр. 752
فَلَو كَانَ متعارفا كَبيع نعل على أَنه يحذوه البَائِع فَالْبيع صَحِيح للْعُرْف.
تَأمل.
قَوْله: (وَذُو بَيت) يَعْنِي إِذا كَانَ بَيت من دَار فِيهَا بيُوت كَثِيرَة فِي يَد رجل والبيوت الْبَاقِيَة فِي يَد آخر.
قَوْله: (فِي حق ساحتها) بِالْحَاء الْمُهْملَة هِيَ عَرصَة فِي الدَّار أَو بَين يَديهَا.
قَالَ فِي شرح الطَّحَاوِيّ: وَلَو كَانَ الْعُلُوّ فِي يَد أَحدهمَا والسفل فِي يَد آخر والساحة فِي أَيْدِيهِمَا وَلم يكن لَهما بَيِّنَة وحلفا وكل مِنْهُمَا يَدعِي الْجَمِيع يتْرك السّفل فِي يَد صَاحبه والعلو كَذَلِك والساحة لصَاحب السّفل، وَلِصَاحِب الْعُلُوّ حق الْمُرُور فِي رِوَايَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى الساحة بَينهمَا نِصْفَانِ.
اهـ.
قَوْله: (فَهِيَ بَينهمَا نِصْفَيْنِ) لانهما اسْتَويَا فِي اسْتِعْمَال الساحة فِي الْمُرُور وَوضع الامتعة وَكسر الْحَطب وَنَحْو ذَلِك وَلم تكن فِي يَد أَحدهمَا دون الآخر وهما فِي ذَلِك سَوَاء فتنصف بَينهمَا كالطريق، لَان التَّرْجِيح بِالْقُوَّةِ لَا بِالْكَثْرَةِ.
قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود: وَاعْلَم أَن الْقِسْمَة على الرؤوس: فِي السَّاحَةِ وَالشُّفْعَةِ وَأُجْرَةِ الْقَسَّامِ وَالنَّوَائِبِ: أَيْ الْهَوَائِيَّةَ الْمَأْخُوذَةَ ظُلْمًا وَالْعَاقِلَةِ وَمَا يُرْمَى مِنْ الْمركب خوف الْغَرق والحريق اهـ.
قَوْله: (كالطريق) فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهَا صَاحب الْبَيْت وَصَاحب الْمنزل وَصَاحب الدَّار.
اتَّقَانِي.
وَصَاحب بَيت وَصَاحب بيُوت.
قَالَ فِي الْقنية: الطَّرِيق يقسم على عدد الرؤوس، لَا بِقدر ساحة الْأَمْلَاكِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ الْأَنْصِبَاءِ، وَفِي الشُّرْبِ مَتَى جَهِلَ قَدْرَ الْأَنْصِبَاءِ يُقْسَمُ عَلَى قدر الاملاك لَا الرؤوس اهـ.
وَاعْترض بِأَن الْبيُوت الْكَثِيرَة تجمع عَادَة جمعا كثيرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَيْت الْوَاحِد فَيكون احتياجهم إِلَى نَحْو التوضي أَكثر وقوعا فَيَنْبَغِي أَن يرجح صَاحبهَا وَلَا أقل أَن يُسَاوِي.
أَقُول: الْمَسْأَلَة من مسَائِل الْجَامِع الصَّغِير، والمجتهد لَيْسَ بغافل عَن مثل هَذِه الملاحظة، فاللازم علينا أَن نلاحظ وَجه الاستنباط وَذَا هُنَا أَنه ثَبت فِي أصولهم أَن التَّرْجِيح لَا يَقع بِكَثْرَة الْعِلَل فتفرع عَلَيْهِ مسَائِل جمة: مِنْهَا هَذِه الْمَسْأَلَة، وَمِنْهَا مَسْأَلَة أَنه لَا يرجح صَاحب الْجِرَاحَات على صَاحب جِرَاحَة وَاحِدَة، فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ الْمَجْرُوح يجب الْقصاص عَلَيْهِمَا فِي الْعمد وَالدية نِصْفَيْنِ فِي الْخَطَأ حَيْثُ لم يعتبروا عدد الْجِرَاحَات مَعَ إِمْكَان اعْتِبَار تَقْسِيم الدِّيَة عَلَيْهَا، فَكَذَا لم يعتبروا تعدد الْبيُوت فِي تَقْسِيم الساحة عَلَيْهَا فضلا أَن يرجح صَاحبهَا وَيحكم بِكُل الساحة لَهُ سوى حق الْمُرُور لصَاحب الْبَيْت.
تدبر.
قَوْله: (بِخِلَاف الشّرْب) لَان الشّرْب يحْتَاج إِلَيْهِ لاجل سقِِي الارض، فَعِنْدَ كَثْرَة الاراضي تكْثر الْحَاجة إِلَيْهِ فَيقدر بِقدر الاراضي منح.
وَفِي الثَّالِث عشر من الْبَزَّازِيَّة: دَارٌ فِيهَا عَشَرَةُ أَبْيَاتٍ لِرَجُلٍ وَبَيْتٌ وَاحِدٌ لِرَجُلٍ تَنَازَعَا فِي السَّاحَةِ أَوْ ثَوْبٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَطَرَفٌ مِنْهُ فِي يَدِ آخَرَ تَنَازَعَا فِيهِ فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِفضل الْيَد، كَمَا لَا اعْتِبَار لفضل الشُّهُود لبُطْلَان التَّرْجِيح بِكَثْرَة الادلة.
اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ جُهِلَ أَصْلُ الْمِلْكِ، أَمَّا لَوْ عُلِمَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ عَنْ أَوْلَادٍ تَقَاسَمُوا الْبُيُوتَ مِنْهَا فَالسَّاحَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قدر الْبيُوت.
قَوْله: (يقدر بالارض بِقَدْرِ سَقْيِهَا) فَعِنْدَ كَثْرَةِ الْأَرَاضِي تَكْثُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْأَرَاضِي.
بِخِلَافِ الِانْتِفَاعِ بِالسَّاحَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْلَاكِ كَالْمُرُورِ
стр. 753
فِي الطَّرِيق.
زَيْلَعِيّ.
قَوْله: (برهنا أَي الخارجان الخ) أَي إِن لكل يَد فِيهَا، وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَت فِي أَيْدِيهِمَا لانهما فِي حَالَة الدَّعْوَى خارجان، وَعبارَة الشَّارِح هُنَا تبع فِيهَا الدُّرَر والمنح.
وَعبارَة الزَّيْلَعِيّ كَغَيْرِهَا تفِيد أَنَّهُمَا ذُو أيد.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ خَ: ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَهُ وَفِي يَدِهِ: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَالْيَمِينُ، إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقِرٌّ بِتَوَجُّهِ الْخُصُومَةِ عَلَيْهِ لَمَّا ادَّعَى الْيَدَ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ بَرْهَنَ أَحَدُهُمَا حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ وَيَصِيرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُدَّعِيًا، وَلَوْ بَرْهَنَا يُجْعَلُ الْمُدَّعِي فِي يَدِهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي إثْبَاتِ الْيَدِ.
وَفِي دَعْوَى الْمِلْكِ فِي الْعَقَارِ لَا تُسْمَعُ إلَّا عَلَى ذِي الْيَدِ، وَدَعْوَى الْيَدِ تُقْبَلُ عَلَى غَيْر ذِي الْيَدِ لَوْ نَازَعَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ فِي الْيَدِ فَيُجْعَلُ مُدَّعِيًا لِلْيَدِ مَقْصُودا ومدعيا للْملك تبعا اهـ.
وَفِي الْكِفَايَةِ: وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ: فَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينَ صَاحِبِهِ مَا هِيَ فِي يَدِهِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هِيَ فِي يَد صَاحبه على الْبَتَات فَإِن حلفا لَمْ يُقْضَ بِالْيَدِ لَهُمَا وَبَرِئَ كُلٌّ عَنْ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَتُوقَفُ الدَّارُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْحَال، فَإِنْ نَكَلَا قُضِيَ لِكُلٍّ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِكُلِّهَا لِلْحَالِفِ نِصْفُهَا الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ وَنِصْفُهَا الَّذِي كَانَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ بِنُكُولِهِ، وَإِن كَانَت الدَّارُ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَمْ تُنْزَعْ مِنْ يَدِهِ لِأَنَّ نُكُولَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الثَّالِث اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْخَارِجَيْنِ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ.
قَوْله: (قضى بيدهما فتنصف) لَان الْيَد فِيهَا غير مُشَاهدَة لتعذر إحضارها وَالْبَيِّنَة تثبت مَا غَابَ عَن علم القَاضِي.
دُرَر.
وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْيَد لَا تثبت فِي الْعقار بالتصادق وَكَذَا بِالنّكُولِ عَن الْيَمين لاحْتِمَال أَنَّهَا فِي يَد غَيرهمَا.
وَإِن ادّعَيَا أَنَّهَا فِي يَد أَحدهمَا فَكَذَلِك لانهما يُمكن أَنَّهُمَا تواضعا على ذَلِك ط.
وَأَشَارَ إِلَى أَنه لَو طلبا الْقسم لم يقسم بَينهمَا مَا لم يبرهنا على الْملك.
قيل هَذَا بالِاتِّفَاقِ، وَقيل هَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى.
وَعِنْدَهُمَا: يقسم بَينهمَا كَمَا فِي الشُّرُوح.
قَوْله: (بِأَن لبن أَو بنى) وَلبن بتَشْديد الْبَاء: أَي ضرب فِيهَا الْبَنَّا وَهُوَ الطوب النئ، بِخِلَاف المشوي فَإِنَّهُ آجر.
قَوْله: (قضى بِيَدِهِ لوُجُود تصرفه) لَان التَّمَكُّن من هَذِه الاشياء دَلِيل على أَنَّهَا فِي يَده، وَمحل ذَلِك إِذا لم يقم الآخر برهانا كَمَا لَا يخفى زَيْلَعِيّ.
قَوْله: (لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي زَمَانٍ يُحْكَمُ
بِبَقَائِهِ) فشهادتهم تثبت الْملك فِي الْحَال والماضي.
قَوْله: (فَالْقَوْل لَهُ) فَلَا تقبل دَعْوَى أحد عَلَيْهِ أَنه عَبده عِنْد إِنْكَاره إِلَّا بِبَيِّنَة.
اهـ.
دُرَر وَهَذَا لَان الاصل أَن يكون لكل إِنْسَان يَد فِي نَفسه إبانة لِمَعْنى الْكَرَامَة، إِذْ كَونه فِي يَد غَيره دَلِيل الاهانة وَمَعَ قيام يَده على نَفسه لَا تثبت يَد الْغَيْر عَلَيْهِ للتنافي بَين الْيَدَيْنِ.
حموي.
قَوْله: (قضى بِهِ لذِي الْيَد) لَا يُقَالُ: الْإِقْرَارُ بِالرِّقِّ مِنْ الْمَضَارِّ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ الصَّبِيِّ.
لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلِهِ بَلْ بِدَعْوَى ذِي الْيَدِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْمَضَارِّ لِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ بَعْدَهُ بِدَعْوَى الْحُرِّيَّةِ.
وَلَا يُقَالُ: الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّ الْحُرِّيَّةُ فَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى بِلَا بَيِّنَةٍ، وَكَوْنُهُ فِي يَدِهِ لَا يُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ كاللقيط لَا يقبل قَوْله الْمُلْتَقِطِ إنَّهُ عَبْدُهُ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إذَا
стр. 754
اعْترض على الاصل دَلِيل خِلَافه بَطَلَ وَثُبُوتُ الْيَدِ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّقِيطَ إذَا عَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ وَأَقَرَّ بِالرِّقِّ يُخَالِفُهُ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ لَمْ يُعَبِّرْ فَلَيْسَ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لانه أَمِين.
زَيْلَعِيّ مُلَخصا.
حموي.
قَوْله: (كمن لَا يعبر عَن نَفسه) مَفْهُوم من يعبر.
قَوْله: (لاقراره بِعَدَمِ يَده) حَيْثُ أقرّ على نَفسه بِالْملكِ وَثبتت رقيته بِدَعْوَى ذِي الْيَد الخالية عَن الْمعَارض لَا بِإِقْرَارِهِ فَكَانَ ملكا لمن فِي يَده كالقماش وَمن لَا يعبر بِمَنْزِلَة الْمَتَاع فَلَا يقبل قَوْله أَنا حر، لَكِن هُنَا بعد أَن صرح بِأَنَّهُ عبد فلَان فَيكون مقرا بِمَا للْغَيْر فَلَا يسري إِقْرَاره عَلَيْهِ: أَي على الْغَيْر، بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن بيد أحد حَيْثُ يَصح إِقْرَاره لانه حِينَئِذٍ فِي يَد نَفسه.
تَأمل.
قَوْله: (لَا يمْنَع صِحَة الدَّعْوَى) لَا سِيمَا وَقد صدر الاقرار الاول حَال عدم التَّكْلِيف.
فروع رحى مَاء بَينهمَا فِي بَيت لَهما فخربت كلهَا حَتَّى صَارَت صحراء لم يجبرا على الْعِمَارَة وتقسم الارض بَينهمَا: أَي بطلبهما أَو بِطَلَب أَحدهمَا، وَلَو قَائِمَة ببنائها وأدواتها إِلَّا أَنه ذهب شئ مِنْهَا يجْبر الشَّرِيك على أَن يعمر مَعَ الآخر وَلَو مُعسرا قيل لشَرِيكه أنْفق أَنْت لَو شِئْت فَيكون نصفه دينا على شريكك وَكَذَا الْحمام لَو صَار صحراء تقسم الارض بَينهمَا، وَلَو تلف شئ مِنْهُ يجْبر الآبي على عِمَارَته.
ن عَن م: فِي حمام بَينهمَا انْهَدم بَيت مِنْهُ أَو احْتَاجَ إِلَى قدر وَمَرَمَّة وأبى أَحدهمَا لَا يجْبر وَيُقَال
للْآخر إِن شِئْت فابنه أَنْت وَخذ من غَلَّته نَفَقَتك ثمَّ تستويان.
ط عَن بعض الْمُتَأَخِّرين: لَو أَبى أَحدهمَا فَالْقَاضِي يخرج الْحمام من أَيْدِيهِمَا ويؤجره ثمَّ يعمره فَيَأْخُذ نَفَقَته من أجرته.
كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ.
وَفِي الْخَانِية من بَاب الْحِيطَان: دَار بَين رجلَيْنِ انْهَدَمت أَو بَيت بَين رجلَيْنِ انْهَدم فبناه أَحدهمَا لَا يرجع هُوَ على شَرِيكه بشئ لَان الدَّار تحْتَمل الْقِسْمَة، فَإِذا أمكنه أَن يقسم يكون مُتَبَرعا فِي الْبناء وَالْبَيْت، كَذَلِك إِذا كَانَ كَبِيرا يحْتَمل الْقِسْمَة، وَكَذَلِكَ الْحمام إِذا خرب وَصَارَ ساحة، وَكَذَلِكَ الْبِئْر أَرَادَ بِهِ إِذا امتلات من الحمأة فَلهُ أَن يُطَالب شَرِيكه بِالْبِنَاءِ، فَإِذا لم يُطَالِبهُ وَأَصْلَحهَا وفرغها كَانَ مُتَبَرعا اهـ.
ومفاد هَذَا أَن الدَّار لَو كَانَت صَغِيرَة لَا تمكن قسمتهَا أَنه لَا يكون مُتَبَرعا لانه حِينَئِذٍ يكون مُضْطَرّا إِلَى الْبناء ليتوصل إِلَى الِانْتِفَاع بِملكه، بِخِلَاف مَا إِذا كَانَت كَبِيرَة لانه يُمكنهُ أَن يقسم حِصَّته مِنْهَا ثمَّ يَبْنِي فِي حِصَّته، فَإِذا بنى قبل الْقِسْمَة لم يكن مُضْطَرّا فَيكون مُتَبَرعا، وَلذَا قيد الْحمام بِمَا إِذا خرب وَصَارَ ساحة لانه حِينَئِذٍ تمكن قسمته فَإِذا لم يقسم يكون مُتَبَرعا، لَكِن فِي الْبِئْر يَنْبَغِي أَن لَا يكون مُتَبَرعا لكَونه مِمَّا لَا يقسم، لَكِن أَشَارَ صَاحب الْخَانِية إِلَى الْفرق بِأَن لَهُ أَن يُطَالب شَرِيكه بِالْبِنَاءِ: أَي فَيجْبر شَرِيكه عَلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ غَيره.
مطلب: الاصل أَن مَا اضْطر إِلَى بنائِهِ مِمَّا لَا يقسم لَا يكون مُتَبَرعا وَإِذا أجبر لم يكن الآخر مُضْطَرّا فَصَارَ الاصل أَن مَا اضْطر إِلَى بنائِهِ بِأَن كَانَ مِمَّا لَا يقسم أَو مِمَّا لَا يجْبر الشَّرِيك على بنائِهِ فبناه أَحدهمَا لم يكن مُتَبَرعا، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَبَرّع، لَكِن اسْتشْكل هَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ بِأَن من لَهُ حمولة على حَائِط لَو بنى الْحَائِط يرجع لانه مُضْطَر إِذْ لَا يتَوَصَّل إِلَى حَقه إِلَّا بِهِ مَعَ أَن الشَّرِيك يجْبر أَيْضا كالبئر فَيَنْبَغِي أَن يتحد حكمهمَا.
стр. 755
مطلب: التَّبَرُّع وَالرُّجُوع دائر على الْجَبْر وَعَدَمه ثمَّ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاضْطِرَارَ يَثْبُتُ فِيمَا لَا يجْبر صَاحبه كَمَا سيجئ، فَيَنْبَغِي أَن يَدُور التَّبَرُّع وَالرُّجُوع على الْجَبْر وَعَدَمه، إِلَى أَن قَالَ: وَهَذَا يخلصك من التحير بِمَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب من
الِاضْطِرَاب، ويرشدك إِلَى الصَّوَاب اهـ.
لَكِن عبارَة الْخُلَاصَة الَّتِي ذكرهَا الْمُؤلف تدل على أَن للْقَاضِي أَن يَأْمُرهُ بِبِنَاء الدَّار، فَإِن كَانَ كَذَلِك لم يكن مُضْطَرّا إِلَى الْبناء أَبى شَرِيكه لانه يُمكنهُ اسْتِئْذَان القَاضِي.
وَقد يُجَاب بِأَن للْقَاضِي ذَلِك إِذا كَانَ الشَّرِيك غَائِبا مثلا لانه حِينَئِذٍ لَا يُمكن طلب الْبناء مِنْهُ وَلَا الْقِسْمَة مَعَه.
فَالْحَاصِل: أَنه إِذا كَانَت الدَّار تحْتَمل الْقِسْمَة، فَإِن أذن لَهُ شَرِيكه بنى، وَإِلَّا قسمهَا جبرا عَلَيْهِ ثمَّ بنى فِي حِصَّته، فَإِن لم يكن اسْتِئْذَانه يبْنى بِإِذن القَاضِي، وَفِيمَا عدا ذَلِك فَهُوَ مُتَطَوّع.
وَذكر سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الْقِسْمَة من تنقيحه أَن فِي غير مُحْتَمل الْقِسْمَة للطَّالِب أَن يَبْنِي ثمَّ يُؤجر ثمَّ يَأْخُذ نصف مَا أنْفق فِي الْبناء من الْغلَّة.
وَذكر هُنَاكَ عَن الاشباه أَنه يرجع بِمَا أنْفق لَو بنى بِأَمْر قَاض إِلَّا فبقيمة الْبناء وَقت الْبناء اهـ.
وَهَذَا هُوَ الْمُحَرر كَمَا قَالَ فِي الْوَهْبَانِيَّة، لَكِن هَذَا التَّفْصِيل إِنَّمَا ذَكرُوهُ فِي السّفل إِذا انْهَدم، وَعبارَة الاشباه مُطلقَة.
وَالَّذِي يظْهر الاطلاق إِذْ لَا فرق يظْهر، فَيجْرِي ذَلِك فِي كل مَا يضْطَر فِيهِ أَحدهمَا إِلَى الْبناء كالسفل والجدار والرحى وَالْحمام وَالْبَيْت وَالدَّار الصَّغِيرَة وَالله تَعَالَى أعلم.
وَفِي الْهِنْدِيَّة: لَو ادّعى على آخر حق الْمُرُور ورقبة الطَّرِيق فِي دَاره فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار، وَلَو أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة أَنه كَانَ يمر فِي هَذِه الدَّار لم يسْتَحق بِهَذَا شَيْئا.
كَذَا فِي الْخُلَاصَة.
وَلَو شهد الشُّهُود أَن لَهُ طَرِيقا فِي هَذِه الدَّار جَازَت شَهَادَتهم وَإِن لم يَجدوا الطَّرِيق وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي الْخَانِية وَالْمُحِيط، لَكِن فِي الْمُحِيط عبر بالاصح إِذا كَانَ لَهُ بَاب مَفْتُوح من دَاره على حَائِط فِي زقاق أنكر أهل الزقاق أَن يكون لَهُ حق الْمُرُور فِي زقاقهم فَلهم مَنعه، إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة على أَن لَهُ طَرِيقا ثَابتا فِيهَا.
كَذَا فِي الْمُحِيط.
إِذا كَانَ الْمِيزَاب مَنْصُوبًا إِلَى دَار رجل وَاخْتلفَا فِي حق إِجْرَاء المَاء وإسالته، فَإِن كَانَ فِي حَال عدم جَرَيَان المَاء لَا يسْتَحق إِجْرَاء المَاء وإسالته إِلَّا بِبَيِّنَة.
هَكَذَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ.
وَلَيْسَ لصَاحب الدَّار أَيْضا أَن يقطع الْمِيزَاب.
كَذَا فِي الْمُحِيط.
وَحكى الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى أَنهم استحسنوا أَن الْمِيزَاب إِذا كَانَ قَدِيما وَكَانَ تصويب
السَّطْح إِلَى دَاره وَعلم أَن التصويب قديم وَلَيْسَ بمحدث أَن يَجْعَل لَهُ حق التسييل، وَإِن اخْتلفَا فِي حَال جَرَيَان المَاء، قيل القَوْل لصَاحب الْمِيزَاب وَيسْتَحق إِجْرَاء المَاء، وَقيل لَا يسْتَحق، فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة على أَن لَهُ حق المسيل وبينوا أَنه لماء الْمَطَر من هَذَا الْمِيزَاب فَهُوَ لماء الْمَطَر، وَلَيْسَ لَهُ أَن يسيل مَاء الِاغْتِسَال وَالْوُضُوء فِيهِ، وَإِن بينوا أَنه لماء الِاغْتِسَال وَالْوُضُوء فَهُوَ كَذَلِك، وَلَيْسَ لَهُ أَن يسيل مَاء الْمَطَر فِيهِ، وَإِن قَالُوا لَهُ فِيهَا حق مسيل مَاء وَلم يبنوا أَنه لماء الْمَطَر أَو غَيره صَحَّ، وَالْقَوْل لرب الدَّار مَعَ يَمِينه أَنه لما الْمَطَر أَو لماء الْوضُوء والغسالة.
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا: لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة فِي المسيل، وَفِي الطَّرِيق تقبل.
كَذَا فِي الْمُحِيط.
وَلَو لم تكن للْمُدَّعِي بَيِّنَة أصلا اسْتحْلف صَاحب الدَّار وَيَقْضِي فِيهِ بِالنّكُولِ.
كَذَا فِي الْحَاوِي.
стр. 756
رجل لَهُ قناة خَالِصَة عَلَيْهَا أَشجَار لقوم أَرَادَ صَاحب الْقَنَاة أَن يصرف قناته من هَذَا النَّهر ويحفر لَهُ موضعا آخر لَيْسَ لَهُ ذَلِك، وَلَو بَاعَ صَاحب الْقَنَاة الْقَنَاة كَانَ لصَاحب الشَّجَرَة شُفْعَة جوَار، كَذَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة فِي الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ اهـ.
وَالله تَعَالَى أعلم وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.
بَاب دَعْوَى النّسَب
حَقه التَّقْدِيم بِالنّظرِ إِلَى أَنه دَعْوَى الانفس، إِلَّا أَن دَعْوَى المَال لما كَانَت كَثِيرَة الْوُقُوع والانواع قدمهَا اهتماما.
والدعوة إِلَى الطَّعَام بِالْفَتْح، وَفِي النّسَب بِالْكَسْرِ، وَقد يعكس، وَأما بِالْحَرْبِ فبالضم: نِهَايَة.
قَوْله: (الدعْوَة نَوْعَانِ) زَاد أَبُو السُّعُود ثَالِثَة، وَهِي دَعْوَى شُبْهَة، وَهِي دَعْوَة الاب ولد أمة ابْنه فَيثبت مِنْهُ النّسَب وَإِن لم يصدقهُ ابْنه بِشَرْط أَن تكون الامة فِي ملك ابْنه من حِين الْعلُوق إِلَى حِين الدعْوَة.
قَوْله: (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَمَا إذَا وطئ جَارِيَة ابْنه فَولدت فَادَّعَاهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مِلْكُهُ فِيهَا وَيَثْبُتُ عِتْقُ الْوَلَدِ وَيضمن قيمتهَا لوَلَده كَمَا تقدم، وَحِينَئِذٍ فَيكون النَّوْع الثَّانِي على قسمَيْنِ: دَعْوَة الْملك، ودعوة شُبْهَة الْملك، فَتبقى الدعْوَة نَوْعَيْنِ لَا ثَلَاثَة، لَكِن الاتقاني جعلهَا ثَلَاثَة كَمَا قدمْنَاهُ عَن أبي السُّعُود.
قَوْله: (وَهُوَ بِخِلَافِهِ) بِأَن لَا يكون الْعلُوق فِي ملك الْمُدَّعِي.
قَوْله: (واستنادها لوقت الْعلُوق) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ.
قَالَ فِي الدُّرَرِ:
والاولى أولى لانها أسبق لاستنادها.
حَلَبِيّ وَأَنت بِاعْتِبَار الْمَعْنى.
قَوْله: (مبيعة) وَلَو بيعا بِخِيَار للْبَائِع أَو المُشْتَرِي أَو لَهما إِلَى وَقت الْولادَة.
حموي.
وَالظَّاهِر أَنه على قَوْلهمَا، وَإِلَّا فمدة الْخِيَار عِنْده ثَلَاثَة أَيَّام ط.
قَوْله: (ولدت لاقل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) أَفَادَ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْمدَّة، وَإِلَّا فَفِي التاترخانية عَنْ الْكَافِي: قَالَ الْبَائِعُ بِعْتهَا مِنْكَ مُنْذُ شَهْرٍ وَالْوَلَدُ مِنِّي وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِعْتَهَا مِنِّي لاكثر من سِتَّة أشهر وَالْوَلَدُ لَيْسَ مِنْك فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلْبَائِعِ، وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ.
قَوْله: (وَلَو تنَازعا الخ) وَقُيِّدَ بِدَعْوَى الْبَائِعِ، إذْ لَوْ ادَّعَاهُ ابْنُهُ وَكذبه المُشْتَرِي صدقه البَائِع أَو لَا فدعوته بَاطِلَة وَتَمَامه فِيهَا.
قَوْله: (فَادَّعَاهُ البَائِع) أَي وَلَو أَكثر من وَاحِد.
قُهُسْتَانِيّ.
والاداء بِالْفَاءِ يُفِيد أَنَّ دَعْوَتَهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ وَلَدَتْ حَيًّا ثَبَتَ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ كَانَتْ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَشَرَاهَا أَحَدُهُمْ فَوَلَدَتْ فَادَّعَوْهُ جَمِيعًا ثَبَتَ مِنْهُمْ عِنْدَهُ وَخَصَّاهُ بِاثْنَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي النَّظْمِ، وَبِالْإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَدِّقْ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ الْعُلُوقُ عِنْدَكَ كَانَ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ، فَإِنْ بَرْهَنَ أَحَدُهُمَا فَبَيِّنَتُهُ، وَإِنْ بَرْهَنَا فَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الثَّانِي وَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ عِنْدَ الثَّالِثِ كَمَا فِي الْمنية شرح الملتقي.
قَوْلُهُ: (ثَبَتَ نَسَبُهُ) صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا كَمَا فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ، وَأَطْلَقَ فِي الْبَائِعِ فَشَمِلَ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ وَالْحَرَّ وَالْمُكَاتَبَ، كَذَا رَأَيْتُهُ معزوا للاختيار، وَشرط أَبُو السُّعُود أَن لَا يسْبقهُ المُشْتَرِي فِي الدَّعْوَى.
قَوْلُهُ: (اسْتِحْسَانًا) أَيْ لَا قِيَاسًا، لِأَنَّ بَيْعَهُ إِقْرَار مِنْهُ بِأَنَّهَا أمة فَيصير مناقضا.
وَالْقِيَاس أَن لَا يثبت، وَبِه قَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَان بَيْعه إِقْرَار كَمَا علمت.
стр. 757
وَجه الِاسْتِحْسَان أَنه تنَاقض فِي مَحل الخفاء فيغتفر لَان النّسَب يبتني على الْعلُوق، وَفِيه من الخفاء مَا لَا يخفى.
وَنَظِيره المختلعة تَدعِي الطَّلَاق وتريد الرُّجُوع بِالْبَدَلِ مدعية أَنه طَلقهَا قبل الْخلْع تسمع دَعْوَاهَا وَإِن كَانَت متناقضة كَمَا قدمْنَاهُ، لَان إقدامها على الْخلْع كالاقرار بِقِيَام الْعِصْمَة، لَكِن لما كَانَ التَّنَاقُض فِي مَحل الخفاء جعل عفوا لَان الزَّوْج يسْتَقلّ بِالطَّلَاق فَلَعَلَّهُ طلق وَلم تعلم، فَإِذا أَقَامَت الْبَيِّنَة على
الطَّلَاق قبلت.
قَوْله: (لعلوقها الخ) قَالَ فِي الْمنح وَلنَا أَن مَبْنِيّ النّسَب فِيهِ على الخفاء فيعفى فِيهِ التَّنَاقُض فَتقبل دَعوته إِذا تَيَقّن بالعلوق فِي ملكه بِالْولادَةِ للاول فَإِنَّهُ كالبينة العادلة فِي إِثْبَات النّسَب مِنْهُ، إِذْ الظَّاهِر عدم الزِّنَا مِنْهَا وَأمر النّسَب على الخفاء، فقد يظنّ الْمَرْء أَن الْعلُوق لَيْسَ مِنْهُ ثمَّ يظْهر أَنه مِنْهُ فَكَانَ عذرا فِي أسقاط اعْتِبَار التَّنَاقُض اهـ.
قَوْله: (وَإِذا صحت) أَي الدَّعْوَى.
قَوْله: (فَيفْسخ البيع) لعدم جَوَاز بيع أم الْوَلَد.
قَوْله: (وَيرد الثّمن) لَان سَلامَة الثّمن مَبْنِيَّة على سَلامَة الْمَبِيع.
قَوْله: (وَلَكِن إِذا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي الخ) قَالَ الْعَلامَة أَبُو السُّعُود فِي حَاشِيَته على مِسْكين: وَالْحَاصِل أَن البَائِع إِذا ادّعى ولد الْمَبِيعَة فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَن تجئ بِهِ لاقل من سِتَّة أشهر أم لَا.
وَالثَّانِي لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تجئ بِهِ لاقل من سنتَيْن أم لَا، ثمَّ ذَلِك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يصدقهُ المُشْتَرِي فِي الدَّعْوَى أم لَا، وكل ذَلِك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يسْبقهُ المُشْتَرِي فِي الدَّعْوَى أم لَا، بِأَن ادَّعَاهُ مَعَ البَائِع أَو بعده أَو لم يدع أصلا، وكل ذَلِك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْوَلَد الْمُدَّعِي نسبه حَيا أَو مَيتا، والاول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُوقع المُشْتَرِي بِهِ مَا لَا يُمكن نقضه كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِير، أَو مَا يُمكن كَالْبيع وَالْكِتَابَة وَالرَّهْن والاجارة وَالْهِبَة أم لَا، وَكَذَلِكَ الام على هَذَا التَّقْسِيم إِمَّا أَن تكون وَقت الدعْوَة حَيَّة أَو ميتَة، فَإِن كَانَت حَيَّة فإمَّا أَن يكون المُشْتَرِي أوقع بهَا مَا لَا يُمكن نقضه وَهُوَ الْعتْق وَالتَّدْبِير، أَو يُمكن وَهُوَ البيع وَالْكِتَابَة وَالرَّهْن والاجارة وَالْهِبَة وَالتَّزْوِيج.
إِذا عرف هَذَا فَنَقُول: إِذا ادّعى البَائِع ولد الْمَبِيعَة ينظر إِذا جَاءَت لاقل من سِتَّة أشهر وَهُوَ حَيّ لم يَتَّصِف بِالْعِتْقِ أَو التَّدْبِير وَلم يسْبقهُ المُشْتَرِي فِي الدعْوَة ثَبت النّسَب من البَائِع مُطلقًا صدقه المُشْتَرِي أم لَا، فالتقييد بِالْحَيَاةِ للِاحْتِرَاز عَن الْوَفَاة حَيْثُ لَا يثبت نسبه، لَان الْحُقُوق لَا تثبت للْمَيت ابْتِدَاء وَلَا عَلَيْهِ، وَالتَّقْيِيد بِعَدَمِ اتصافه بِالْعِتْقِ أَو التَّدْبِير للِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا كَانَ الْوَلَد عِنْد الدعْوَة عتيقا أَو مُدبرا، بِأَن أعْتقهُ المُشْتَرِي أَو دبره حَيْثُ لَا يثبت نسبه أَيْضا، لَان ثُبُوت نسبه يسْتَلْزم نقص عتقه أَو تَدْبيره، وكل مِنْهُمَا بعد وُقُوعه لَا ينْتَقض، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى نسبه بعد أَن بَاعه المُشْتَرِي أَو كَاتبه أَو رَهنه أَو وهبه أَو آجره حَيْثُ يثبت نسبه وتنقض هَذِه التَّصَرُّفَات، وَالتَّقْيِيد بِعَدَمِ سبق المُشْتَرِي البَائِع فِي الدعْوَة للِاحْتِرَاز عَمَّا إِذا ادَّعَاهُ قبله فَإِن النّسَب مِنْهُ يثبت وَلَا يتَصَوَّر بعده ثُبُوت النّسَب من البَائِع، بِخِلَاف مَا إِذا ادَّعَاهُ مَعَه أَو قبله حَيْثُ لَا تعْتَبر دَعْوَة المُشْتَرِي مَعَ دَعْوَة البَائِع لَان دَعْوَة البَائِع أقوى لاستنادها
إِلَى وَقت الْعلُوق، بِخِلَاف دَعْوَة المُشْتَرِي فَإِنَّهَا تقتصر وَلَا تستند لعدم كَون الْعلُوق فِي ملكه، فَيُفَرق بَين مَا إِذا ادَّعَاهُ بعد مَوته أَو عتقه أَو تَدْبيره، وَبَين مَا إِذا ادَّعَاهُ بعد كِتَابَته أَو رَهنه أَو نَحْو ذَلِك، فَفِي الثَّانِي يثبت النّسَب لَا فِي الاول، بِخِلَاف مَا إِذا ادَّعَاهُ بعد موت أمه أَو عتقهَا أَو تدبيرها حَيْثُ لَا يفْتَرق الْحَال فِي ثُبُوت النّسَب بَين مَوتهَا وعتقها وتدبيرها وَبَين كتَابَتهَا وإجارتها وتزويجها وَنَحْو ذَلِك مِمَّا سبق الْكَلَام عَلَيْهِ، بل يثبت نسب وَلَدهَا بالدعوة مُطلقًا وَلَا يمْنَع مِنْهُ ثُبُوت هَذِه الاوصاف لامه،
стр. 758
غير أَنه فِي الْوَجْه الاول: أَعنِي الْمَوْت وأخويه لَا يثبت لَهَا أمومية الْوَلَد، أما فِي الْمَوْت فَلَمَّا سبق من أَن الْمَيِّت لَا يثبت لَهُ الْحُقُوق ابْتِدَاء وَلَا عَلَيْهِ، وَأما فِي الْعتْق وَنَحْوه فلَان ثُبُوت أمومية ولد لَهَا يسْتَلْزم نقض الْعتْق وَهُوَ بعد وُقُوعه لَا ينْتَقض فِي الْوَجْه الثَّانِي: أَعنِي الْكِتَابَة وَأَخَوَاتهَا يثبت لَهَا أمومية الْوَلَد بالتبعية لثُبُوت نسب الْوَلَد لعدم الْمَانِع، لَان الْكِتَابَة وَنَحْوهَا تنْتَقض ضمن ثُبُوت الِاسْتِيلَاد لَهَا.
هَذَا كُله إِذا ادّعى نسبه وَالْحَال أَنَّهَا قد جَاءَت بِهِ لاقل من سِتَّة أشهر، فَإِن جَاءَت بِهِ لاكثر ردَّتْ دَعوته إِلَّا أَن يصدقهُ المُشْتَرِي، فَإِن صدقه ثَبت مِنْهُ النّسَب سَوَاء جَاءَت بِهِ لاقل من سنتَيْن أَو لاكثر مِنْهُمَا، وَهل يثبت لامه الِاسْتِيلَاد فينتقض البيع وَيرد الثّمن أم لَا؟ إِن جَاءَت بِهِ لاقل من سنتَيْن انْتقض البيع وَثَبت لَهَا الِاسْتِيلَاد فَتَصِير أم ولد البَائِع وَيرد الثّمن، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْله: (قبله) أَي قبل ادِّعَاء البَائِع.
قَوْله: (لوُجُود ملكه) وَهُوَ المجوز للدعوى، أَلا ترى أَنه يجوز إِعْتَاقه وإعتاق أمه.
قَوْله: (وأميتها) بِالرَّفْع عَطْفٌ عَلَى فَاعِلِ ثَبَتَ.
ح: وَهَذَا لَوْ جُهِلَ الْحَالُ لِمَا سَبَقَ فِي الِاسْتِيلَادِ أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِأَمَةٍ فَوَلَدَتْ فَمَلَكَهَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ مَلَكَ الْوَلَدَ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَمَرَّ فِيهِ مَتْنًا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ظَنَنْتُ حِلَّهَا لِي فَلَا نَسَبَ، وَإِنْ مَلَكَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ.
قَالَ الشَّارِحُ ثَمَّةَ: وَإِنْ مَلَكَ أُمَّهُ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ لِعَدَمِ ثُبُوت نسبه.
قَوْلُهُ: (بِإِقْرَارِهِ) ثُمَّ لَا تَصِحُّ دَعْوَى الْبَائِعِ بعده لاستغناء الْوَلَد بِثُبُوت نسبه من المُشْتَرِي ولانه لَا يحْتَمل الابطال زَيْلَعِيّ.
قَوْله: (وَقيل يحمل الخ) أَي حملا لحاله على الصّلاح فَإِنَّهُ حَيْثُ لم يكن تَحْتَهُ حرَّة فنكاحه صَحِيح، وَإِلَّا ففاسد، وَكِلَاهُمَا يثبت بِهِ النّسَب، وَمَعَ كل فدعوة البَائِع مُقَدّمَة، لَان ملكه وَقت الْعلُوق مُحَقّق وَملك
المُشْتَرِي مَفْرُوض فَلَا يُعَارضهُ.
تَأمل.
وَلم يذكر فِي الْمنح وَلَا فِي غَيرهَا لَفظه قيل.
قَوْله: (لَان دَعوته تَحْرِير) على أَنه لما ثَبت نسبه من البَائِع بَطل البيع فَلم يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي فَهُوَ كأجنبي كَمَا فِي الْمَقْدِسِي.
قَالَ ط: فِيهِ أَنَّهَا دَعْوَة استيلاد أَيْضا، إِلَّا أَن يُقَال إِنَّهَا دَعْوَة تَحْرِير بعد دَعْوَة البَائِع
قَوْله: (وَكَذَا يَثْبُتُ مِنْ الْبَائِعِ لَوْ ادَّعَاهُ بَعْدَ موت الام) أَي وَقد ولدت لاقل من سِتَّة أشهر وَذَلِكَ لَان الْوَلَد هُوَ الاصل فِي النّسَب وَلذَلِك تُضَاف إِلَيْهِ وَيُقَال أم الْوَلَد، والاضافة إِلَى الشئ أَمارَة أَصَالَة الْمُضَاف إِلَيْهِ ولانها تستنفيد مِنْهُ الْحُرِّيَّة، أَلا ترى إِلَى قَوْله (ص) : أعْتقهَا وَلَدهَا قَالَه حِين قيل بِهِ وَقد ولدت مَارِيَة الْقبْطِيَّة إِبْرَاهِيم من رَسُول الله (ص) أَلا تعتقها؟ فالثابت لَهَا حق الْحُرِّيَّة وَله حَقِيقَة الْحُرِّيَّة، والحقيقة أولى من الْحق فيستتبع الادنى وَلَا يضرّهُ فَوَات التبع.
قَوْله: (بِخِلَاف موت الْوَلَد) أَي دون الام لفَوَات الاصل وَهُوَ الْوَلَد: أَي وَقد ولدت لِدُونِ الْأَقَلِّ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فِي الْأُمِّ لفَوَات الاصل لانه اسْتَغْنَى بِالْمَوْتِ عَنْ النَّسَبِ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ التَّعْلِيل بالاستغناء كَمَا لَا يخفى، فَتدبر.
وعللوا لمَوْت الْوَلَد بتعذر ثُبُوت النّسَب فِيهِ لَان الْحُقُوق لَا تثبت للْمَيت وَلَا عَلَيْهِ كَمَا سبق، وَإِذا
стр. 759
لم يثبت النّسَب لم يثبت الِاسْتِيلَاد لانه فرع النّسَب وَكَانَت الام بِحَالِهَا.
إتقاني.
قَوْله: (وَيسْتَرد المُشْتَرِي كُلَّ الثَّمَنِ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ وَمَالِيَّتُهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ فَلَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي، وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوِّمَةٌ فَيَضْمَنُهَا هِدَايَة.
قَوْله: (وَقَالا حِصَّته) أَي الْوَلَد فَقَط، وَلَا يرد حِصَّة الام لانها مُتَقَومَة عِنْدهمَا فتضمن بِالْغَصْبِ وَالْعقد فيضمنها المُشْتَرِي، فَإِذا رد الْوَلَد دونهَا يجب على البَائِع رد حِصَّة مَا سلم لَهُ وَهُوَ الْوَلَد كي لَا يجْتَمع الْبَدَل والمبدل فِي ملكه، وَلَا يجب رد حِصَّة الام.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: هَكَذَا ذكرُوا الحكم على قَوْلهمَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يرد البَائِع جمع الثّمن عِنْدهمَا أَيْضا ثمَّ يرجع بِقِيمَة الام، لانه لما ثَبت نسب الْوَلَد مِنْهُ تبين أَنه بَاعَ أم وَلَده وَبيع أم الْوَلَد غير صَحِيح بالاجماع فَلَا يجب فِيهِ الثّمن، وَلَا يكون لاجراء الْمَبِيع مِنْهُ حِصَّة، بل يجب على كل وَاحِد من الْمُتَعَاقدين رد مَا قَبضه إِن كَانَ بَاقِيا وَإِلَّا فبدله اهـ.
قَالَ الْمَقْدِسِي: لَعَلَّ مُرَادهم مَا ذكره بِنَاء على أَن الْغَالِب تَسَاوِي الثّمن وَالْقيمَة اهـ.
قَوْله: (وإعتاقهما أَي إِعْتَاق المُشْتَرِي الام وَالْولد) الْوَاو بِمَعْنى أَو المجوزة للْجمع.
قَوْلُهُ: (كَمَوْتِهِمَا) حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ لَا الْوَلَد فَادّعى البَائِع أَنه ابْنه صحت دَعوته وَثَبت نَسَبُهُ مِنْهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ الْوَلَدَ لَا الْأُمَّ لَمْ تَصِحَّ دَعَوْته لَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ وَلَا فِي حَقِّ الْأُمِّ كَمَا فِي الْمَوْتِ، أما الاول فلانها إِن صحت بَطل إِعْتَاقه وللعتق بعد وُقُوعه لَا يحْتَمل الْبطلَان.
وَأما الثَّانِي فلانها تبع لَهُ، فَإِذا لم تصح فِي حق الاصل لم تصح فِي حق التبع ضَرُورَة اهـ.
منح.
فَقَوله أما الاول أَي عدم صِحَّته فِي حق الْوَلَد، وَقَوله وَأما الثَّانِي: أَي عدم صِحَّته فِي حق الام.
وَيشكل على قَوْله وَالْعِتْق بعد وُقُوعه إِلَى آخِره مَا سَيَأْتِي متْنا فِي قَوْله بَاعَ أحد التوأمين إِلَى أَن قَالَ وَبَطل عتق المُشْتَرِي.
قَالَ فِي الْمنح: لَان الَّذِي عِنْده ظهر أَنه حر الاصل، وَقَالَ الشَّارِح بِأَمْر فَوْقه وَهُوَ حريَّة الاصل فَكَذَا يُقَال هُنَا فَيَنْبَغِي أَن تصح دَعوته بعد الاعتاق لانه ظهر أَنه أعتق حر الاصل فَلم يَصح أعتاقه.
تَأمل.
وَأجَاب عَنهُ الْعَيْنِيّ تبعا للزيلعي بِأَنَّهُ لَو بَطل فِيهِ بَطل مَقْصُود الاجل دَعْوَة البَائِع وَأَنه لَا يجوز.
وَفِي مَسْأَلَة التوأمين تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِي الَّذِي لَمْ يُبَعْ ثُمَّ يتَعَدَّى إِلَى آخر ضمنا وتبعا، إِذْ يَسْتَحِيل أَن يلحقا من مَاء وَاحِد وَأَحَدهمَا حر وَالْآخر رَقِيق، وَكم من شئ يثبت ضمنا وَإِن لم يثبت مَقْصُودا اهـ.
فَإِن قلت: تَحْرِير المُشْتَرِي تبين أَنه وَقع فِي غير ملكه لانه أعتق حر الاصل فَلم يَصح عتقه يُجَاب بِأَنَّهُ أعتق ملكه فِي وَقت لَا ينازعه فِيهِ أحد فنفذ عتقه وَثَبت وَلَاؤُه، وكل من الْوَلَاء والاعتاق لَا يحْتَمل النَّقْض، وبثبوت ذَلِك صَار البَائِع مُكَذبا شرعا فِي ادعائه فَلم تصح دَعوته وَتبين صِحَة عتق المُشْتَرِي.
قَوْله: (لانه أَيْضا لَا يحْتَمل الابطال) لثُبُوت بعض آثَار الْحُرِّيَّة كامتناع التَّمْلِيك للْغَيْر.
منح وَيرد عَلَيْهِ مَا ورد على مَا قبله، وَعلم جَوَابه مِمَّا مر عَن الْعَيْنِيّ.
والاولى أَن يَقُول وإعتاقهما وتدبيرهما كموتهما، إِذا لَا يظْهر فَائِدَة فِي تَشْبِيه الاعتاق بِالْمَوْتِ ثمَّ تَشْبِيه التَّدْبِير بالاعتاق.
تَأمل.
قَوْله: (وَيرد حِصَّته اتِّفَاقًا) أَي فِيمَا إِذا أعتق المُشْتَرِي الام أَو دبرهَا فَقَط دون الْوَلَد فَيقسم الثّمن على قيمَة الام
стр. 760
وَقِيمَة الْوَلَد، فَمَا أصَاب الْوَلَد يردهُ وَمَا أصَاب الام لَا يردهُ، وَتعْتَبر قيمَة الام يَوْم الْقَبْض وَقِيمَة الْوَلَد يَوْم الْولادَة لانها دخلت فِي ضَمَانه بِالْقَبْضِ وَصَارَ لَهُ قيمَة وبالولادة فَتعْتَبر الْقيمَة بذلك كَمَا فِي صدر الشَّرِيعَة والشرنبلالية.
قَوْله: (وَكَذَا حصَّتهَا أَيْضًا) أَيْ فِي التَّدْبِيرِ وَالْإِعْتَاقِ.
وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ فَيَرُدُّ حِصَّتَهَا أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةِ رَحمَه الله تَعَالَى قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الدُّرَرِ.
قَالَ: وَفِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ أَوْ دَبَّرَهَا يَرُدُّ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَهُ: يَرُدُّ كُلَّ الثَّمَنِ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمَوْتِ.
كَذَا فِي الْهِدَايَةِ ح.
فَصَارَ الْحَاصِل من هَذَا أَنَّ الْبَائِعَ يَرُدُّ كُلَّ الثَّمَنِ وَهُوَ حِصَّةُ الْأُمِّ وَحِصَّةُ الْوَلَدِ فِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَيَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ فَقَطْ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا.
وَعَلَى مَا فِي الْكَافِي يَرُدُّ حِصَّتَهُ فَقَطْ فِي الْإِعْتَاقِ عِنْدَ الْإِمَامِ كَقَوْلِهِمَا.
قَوْلُهُ: (على الصَّحِيح من مَذْهَب الامام) لَان أم الْوَلَد لَا قيمَة لَهَا عِنْده وَلَا تضمن بِالْعقدِ فيؤاخذ بِزَعْمِهِ.
قَوْله: (وَنَقله فِي الدُّرَر والمنح عَن الْهِدَايَة) قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ: يَرُدُّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ لَا حِصَّتَهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَفَرَّقَ عَلَى هَذَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ كَذَّبَ الْبَائِعَ فِيمَا زَعَمَ حَيْثُ جَعَلَهَا مُعْتَقَةً مِنْ الْمُشْتَرِي فَبَطَلَ زَعْمُهُ وَلَمْ يُوجَدْ التَّكْذِيبُ فِي فَصْلِ الْمَوْتِ فَيُؤَاخَذُ بِزَعْمِهِ فَيَسْتَرِدُّ حِصَّتَهَا.
كَذَا فِي الْكَافِي.
اهـ.
لَكِنْ رَجَّحَ فِي الزَّيْلَعِيِّ كَلَامَ الْمَبْسُوطِ وَجَعَلَهُ هُوَ الرِّوَايَةَ فَقَالَ بَعْدَ نَقْلِ التَّصْحِيحِ عَنْ الْهِدَايَة.
وَهُوَ يُخَالف الرِّوَايَةِ، وَكَيْفَ يُقَالُ يَسْتَرِدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَالْبَيْعُ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْجَارِيَةِ حَيْثُ لَمْ يَبْطُلْ إِعْتَاقه، بل برد حِصَّةَ الْوَلَدِ فَقَطْ بِأَنْ يَقْسِمَ الثَّمَنَ عَلَى قيمتهمَا يعْتَبر قِيمَةُ الْأُمِّ يَوْمَ الْقَبْضِ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ صَار لَهُ الْقيمَة بِالْولادَةِ فَتعْتَبر قِيمَته عِنْد ذَلِك اهـ.
وقدمناه قَرِيبا فَلَا تغفل عَنهُ.
قَوْله: (عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْكَافِي عَنْ الْمَبْسُوطِ) من أَنه لَا يرد حصَّتهَا عِنْده أَيْضا وَقد تقدم ذَلِك.
قَوْله: (وَقِيلَ لَا يَرُدُّ حِصَّتَهَا فِي الْإِعْتَاقِ بِالِاتِّفَاقِ) هُوَ الْمُعْتَمد كَمَا تقدم، وَهَذَا من تَتِمَّة عبارَة الْمَوَاهِب فَلَا يعْتَرض بِأَنَّهُ مُكَرر لانه عين مَا فِي الْمَبْسُوط
قَوْله: (لاكثر من حَوْلَيْنِ) مثله تَمام الْحَوْلَيْنِ إِذْ لَمْ يُوجَدْ اتِّصَالُ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ يَقِينًا وَهُوَ الشَّاهِد وَالْحجّة.
شرنبلالية.
قَوْله: (ثَبت النّسَب بتصديقه) إِذْ عدم ثُبُوته لرعاية حَقه.
وَإِن صدقه زَالَ ذَلِك الْمَانِع وَلم يبطل بَيْعه بِالْجَزْمِ بِأَن الْعلُوق لَيْسَ فِي ملكه فَلَا تثبت حَقِيقَة الْعتْق وَلَا حَقه لانها دَعْوَة تَحْرِير، وَغير الْمَالِك لَيْسَ من أَهله.
قَالَ فِي التاترخانية: وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ صَحَّ وَكَانَتْ دَعْوَةَ استيلاد، وَإِن ادعياه مَعًا أَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَحَّتْ دَعْوَةُ الْمُشْتَرِي لَا البَائِع.
قَوْله: (على الْمَعْنى اللّغَوِيّ) أَي إِنَّهَا كَانَت زَوجته وَأَتَتْ مِنْهُ بِولد وَلَيْسَت أم ولد لَهُ بِالْمَعْنَى الاصطلاحي، وَهِي من اسْتَوْلدهَا فِي ملكه لما تقدم من تَيَقّن أَنَّهَا فِي غير ملكه.
وَالْحَاصِل: أَن الِاسْتِيلَاد لَا يَصح فِي غير الْملك، بل لَو ملكهَا بعد ذَلِك لَصَارَتْ بعد ذَلِك أم وَلَده شرعا أَيْضا.
قَوْله: (نِكَاحا) أَي يحمل على أَنه زوجه إِيَّاهَا المُشْتَرِي وَإِلَّا كَانَ زنا، وَيُعْطى الْوَلَد
стр. 761
حكم ولد أمة الْغَيْر الْمَنْكُوحَة فَيكون للْمُشْتَرِي وَالنّسب ثَابت من البَائِع.
وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة: وَيبقى الْوَلَد عبدا، فَهُوَ كالاجنبي إِذا ادَّعَاهُ لانه بتصادقهما أَن الْوَلَد من البَائِع لَا يثبت كَون الْعلُوق فِي ملكه لَان البَائِع لَا يَدعِي ذَلِك، وَكَيف يَدعِي وَالْولد لَا يبْقى فِي الْبَطن أَكثر من سنتَيْن فَكَانَ حَادِثا بعد زَوَال ملك البَائِع، وَإِذا لم يثبت الْعلُوق فِي ملك البَائِع لَا يثبت حَقِيقَة الْعتْق للْوَلَد وَلَا حق الْعتْق للامة وَلَا يظْهر بطلَان البيع، وَدَعوى البَائِع هُنَا دَعْوَة تَحْرِير، وَغير الْمَالِك لَيْسَ بِأَهْل لَهَا اهـ.
قَوْله: (حملا لامره على الصّلاح) عِلّة.
ل
قَوْله: (نِكَاحا) أَي فَهُوَ ولد نِكَاح لَا زنا حملا الخ.
وَالْحَاصِل: أَنه لَو ولدت لاكثر من سنتَيْن من وَقت البيع ردَّتْ دَعْوَة البَائِع إِلَّا إِذا صدقه المُشْتَرِي فَيثبت النّسَب مِنْهُ، وَيحمل أَن البَائِع اسْتَوْلدهَا بِحكم النِّكَاح حملا لامره على الصّلاح وَيبقى الْوَلَد عبدا للْمُشْتَرِي وَلَا تصير الامة أم ولد للْبَائِع، كَمَا لَو ادَّعَاهُ أَجْنَبِي آخر لَان بتصادقهما أَن الْوَلَد من البَائِع لَا يثبت كَون الْعلُوق فِي ملكه لَان البَائِع لَا يَدعِي ذَلِك، وَكَيف يَدعِي وَالْولد لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سنتَيْن فَكَانَ حَادِثا بعد زَوَال ملك البَائِع، وَإِذا لم يثبت الْعلُوق فِي ملك البَائِع لَا يثبت حَقِيقَة الْعتْق للْوَلَد وَلَا حق الْعتْق للامة، وَلَا يظْهر بطلَان البيع، ودعوة البَائِع هُنَا دَعْوَة تَحْرِير غير الْمَالِك لَيْسَ بِأَهْلِهَا، فَلِذَا حول الشَّارِح رَحمَه الله تَعَالَى الْعبارَة وَحملهَا على الْمَعْنى اللّغَوِيّ، لَكِن إِنَّمَا يتم هَذَا الْحمل إِذا لم يكن تَحْتَهُ حرَّة أما لَو كَانَ فَإِن نِكَاحه لَا يَصح وَمَعَ ذَلِك يثبت بِهِ النّسَب كَمَا مر.
قَوْله: (فِيمَا بَين الاقل والاكثر) المُرَاد بالاقل آخر الاقل من سِتَّة أشهر ليشْمل مَا إِذا ادَّعَاهُ فِي سِتَّة أشهر، كَمَا أَفَادَهُ
الْقُهسْتَانِيّ.
قَوْله: (فَحكمه كالاول) يَعْنِي نسبه وأميتها فَيكون الْوَلَد حرا وَيفْسخ البيع وَيرد الثّمن لاحْتِمَال أَن يكون الْعلُوق فِي ملك البَائِع.
دُرَر.
قَالَ أَبُو السُّعُود: وَالْحَاصِل أَن رد الدَّعْوَى فِيمَا إِذا جَاءَت بِهِ لاكثر من سِتَّة أشهر لَوْلَا التَّصْدِيق، لَا فرق فِيهِ بَين مَا إِذا جَاءَت بِهِ لاقل من سنتَيْن أَو لاكثر إِلَّا من جِهَة ثُبُوت الِاسْتِيلَاد للام بعد التَّصْدِيق وَنقض البيع فِيهَا ورد الثّمن: أَي فِي الاقل مِنْهُمَا دون الاكثر اهـ بِتَصَرُّف ط.
قَوْله: (لاحْتِمَال الْعلُوق قبل بَيْعه) قَالَ فِي التاترخانية: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا عَلِمَتْ الْمُدَّةَ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِأَكْثَرَ إلَى سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي يَصح، وَإِن ادَّعَاهُ مَعًا لَا تصح دَعْوَة وَاحِد مِنْهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا: فَلَوْ الْمُشْتَرِي صَحَّتْ دَعْوَتُهُ وَلَوْ الْبَائِعُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَوْله: (وَإِلَّا لَا) أَي لَا يصدقهُ بِأَن كذبه وَلم يَدعه أَو ادَّعَاهُ أَو سكت فَإِنَّهُ لَا يَجْزِي حكم الاول فِيهِ فَهُوَ أَعم من قَوْله وَلَو تنَازعا.
وَالْحَاصِل: أَنه يثبت نسبه وَتصير أم وَلَده شرعا لَا على الْمَعْنى اللّغَوِيّ كَمَا فِي الصُّورَة الَّتِي قبلهَا، وَيرد الثّمن وَيجْرِي فِيهِ مَا تقدم من التفاريع كلهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَنَازَعَا) أَيْ فِي كَوْنِهِ لِأَقَلَّ من سِتَّة أشهر أَو لاكثر بِأَن قَالَ البَائِع بعتها لَك مُنْذُ شهر وَالْولد مني وَقَالَ المُشْتَرِي لاكثر من سِتَّة أشهر وَالْولد لَيْسَ مِنْك فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي لانه مدعي الصِّحَّة فَالظَّاهِر شَاهد لَهُ، وَكَذَا لَو ادّعى الْوَلَد صحت دَعوته لوُقُوع الْعلُوق فِي ملكه دون البَائِع تحكما للْحَال، وَأما إِذا سكت فقد تقدم حكم سكُوت الْمُدَّعِي عَلَيْهِ
стр. 762
بعد الدَّعْوَى فَإِنَّهُ يَجْعَل إنكارا، فَقَوله وَلَو تنَازعا يَشْمَل الصُّور الثَّلَاث.
قَوْله: (فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي اتِّفَاقًا) لانه يُنكر دَعْوَى البَائِع نقض البيع ولانه وَاضع الْيَد فَهُوَ مُنكر وَالْآخر خَارج فَهُوَ مُدع وَالْبَيِّنَة للْمُشْتَرِي.
قَوْله: (وَكَذَا الْبَيِّنَة لَهُ عِنْد الثَّانِي) لانه أثبت زِيَادَة مُدَّة للشراء، وَهَذَا أَمر حَادث وَهُوَ صِحَة ملكه.
قَوْله: (خلافًا للثَّالِث) فَقَالَ الْبَيِّنَة بَيِّنَة البَائِع لانه يثبت نسب الْوَلَد واستيلاد الامة وَنقض البيع.
حموي عَن الْكَافِي: أَي وَهُوَ إِثْبَات خلاف الظَّاهِر كَمَا هُوَ شَأْن الْبَينَات، لَان الظَّاهِر وُقُوع العقد
صَحِيحا، وَبَيِّنَة البَائِع أَثْبَتَت فَسَاده فَكَانَت أولى بِالْقبُولِ، ولان البَائِع يَدعِي فَسَاد العقد وَالْمُشْتَرِي يُنكره وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْمُدَّعِي، وَالَّذِي يظْهر أوجهية قَول مُحَمَّد، فَلْيتَأَمَّل.
قَوْلُهُ: (وَالْآخَرُ لِأَكْثَرَ) أَيْ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتَّةُ أشهر.
قَوْله: (ثَبت نسبهما) أَي التوأمين من البَائِع لانهما خلقا من مَاء وَاحِد.
وَإِذا صحت الدَّعْوَى فيهمَا كَانَت فِي حكم أول مَسْأَلَة من الْفَصْل فَيفْسخ البيع وَيرد الثّمن فَتَأمل.
وَفِي الاتقاني عَن الْمغرب: يُقَال هما توأمان كَمَا يُقَال هما زوجان، وَقَوْلهمْ هما توأم وهما زوج خطأ اهـ.
قَوْله: (لكَون الْعلُوق فِي ملكه) أَي فَهُوَ كالبينة الشاهدة لَهُ على مدعاه، وَهَذَا يُفِيد تَقْيِيد المُصَنّف، فَقَوله بَاعَ من ولد عِنْده أَي وعلق عِنْده، أما إِذا كَانَ الْعلُوق عِنْد غَيره والوضع عِنْده فَهِيَ دَعْوَة تَحْرِير ط.
قَوْله: (ورد بَيْعه) لانه تبين أَنه بَاعَ حر الاصل، وَكَذَا يُقَال فِيمَا بعده من كِتَابَة الْوَلَد وَرَهنه، أما فِي إِجَارَته فَالَّذِي يرد نفاذها، أما لَو رأى الاب إجازتها فَيَنْبَغِي أَن يجوز لَان للاب إِجَارَته فَكَذَا يملك إجَازَة لَهُ.
قَوْله: (لَان البيع يحْتَمل النَّقْض) أَي وَمَاله من حق الدَّعْوَى لَا يحْتَملهُ فينتقض البيع لاجله.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَاتَبَ) أَيْ الْمُشْتَرِي الْوَلَد أَو رَهنه مِنْهُ، كَذَا فِي نُسْخَة، وَلَا وجود للفظ مِنْهُ فِيمَا شرح عَلَيْهِ المُصَنّف وَلَا فِي أَصله الَّذِي نقل عَنهُ وَهُوَ الدُّرَر، وَالضَّمِير فِي الافعال رَاجع إِلَى المُشْتَرِي.
وَاعْلَم أَن عبارَة الْهِدَايَة هَكَذَا: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وُلِدَ عِنْدَهُ وَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ ابْنُهُ وَبَطَلَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَمَالُهُ مِنْ حَقِّ الدِّعْوَةِ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ لِأَجْلِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَاتَبَ الْوَلَدَ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ آجَرَهُ أَوْ كَاتَبَ الْأُمَّ أَوْ رَهَنَهَا أَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ كَانَتْ الدِّعْوَةُ، لِأَنَّ هَذِه الْعَوَارِض تحْتَمل النَّقْض فينقض ذَلِكَ كُلُّهُ وَتَصِحُّ الدِّعْوَةُ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: ضَمِيرُ كَاتَبَ إنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى الْمُشْتَرِي وَكَذَا فِي قَوْلِهِ أَوْ كَاتَبَ الْأُمَّ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وُلِدَ عِنْدَهُ وَكَاتَبَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ بَيْعُ الْوَلَدِ لَا بَيْعُ الْأُمِّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ وَكَاتَبَ الْمُشْتَرِي الْأُمَّ؟ وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى مَنْ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا، فَالْمَسْأَلَةُ أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ مَنْ وُلِدَ عِنْدَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ آجَرَهُ ثُمَّ كَانَتْ الدِّعْوَةُ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْإِعْتَاقِ الَّتِي مَرَّتْ مَا إذَا أعتق المُشْتَرِي الْوَلَد، لَان الْفرق الصَّحِيح أَن
يَكُونُ بَيْنَ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي وَكِتَابَتِهِ لَا بَيْنَ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي وَكِتَابَةِ الْبَائِعِ، إذَا عَرَفْتَ هَذَا فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي كَاتَبَ الْوَلَدَ هُوَ الْمُشْتَرِي، وَفِي كَاتَبَ الْأُمَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ: مَنْ بَاعَ اهـ.
стр. 763
أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِمَا الْمُشْتَرِي، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ بَيْعُ الْوَلَدِ لَا بَيْعُ الْأُمِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ بَيْعُهُ مَعَ أُمِّهِ بِقَرِينَة الْوِقَايَة سَوْقِ الْكَلَامِ، وَدَلِيلِ كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ بِحَدِيثِ سَيِّدِ الْأَنَامِ ﵊ نَعَمْ كَانَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ أَنْ يُقَالَ بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَ بَيْعِ مُشْتَرِيه، وَكَذَا بَعْدَ كِتَابَةِ الْوَلَد وَرَهنه الخ، لكنه سَهْو.
إِنِّي عَلَى الدُّرَرِ
قَوْلُهُ: (أَوْ كَاتَبَ الْأُمَّ) أَيْ لَوْ كَانَتْ بِيعَتْ مَعَ الْوَلَدِ فَالضَّمِيرُ فِي الْكل للْمُشْتَرِي وَبِه سقط مَا فِي صدر الشَّرِيعَة.
قَوْله: (وَترد هَذِه التَّصَرُّفَات) لانه بَاعَ حر الاصل فتصرف المُشْتَرِي فِي غير مَحَله فينقض، وَهَذَا ظَاهر فِي غير الاجارة، أما فِيهَا فَالَّذِي يرد نفاذها إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ قَرِيبا.
قَوْله: (بِخِلَاف الاعتاق) أَي إِعْتَاق المُشْتَرِي، وَمثل الاعتاق التَّدْبِير كَمَا فِي عزمي زَاده.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذا ادَّعَاهُ المُشْتَرِي أَولا ثمَّ ادَّعَاهُ البَائِع حَيْثُ لَا يثبت النّسَب من البَائِع كَمَا مر.
قَوْله: (بَاعَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ الْمَوْلُودَيْنِ يَعْنِي عَلَقًا وَوَلَدًا) لما كَانَ لفظ المُصَنّف وَهُوَ قَوْله المولودين عِنْده مُحْتملا لشيئين، كَون الْعلُوق عِنْده أَو عِنْد غَيره، بِأَن اشْتَرَاهَا بعد الْولادَة أَو اشْترى أمهما وَهِي حُبْلَى بهما وَكَانَ الحكم مُخْتَلفا فسره بقوله: يَعْنِي الَّتِي يُؤْتى بهَا إِذا كَانَ التَّفْسِير بِغَيْر الظَّاهِر من اللَّفْظ.
قَالَ فِي الرَّمْز تبعا للتبيين: هَذَا إِذا كَانَ الْعلُوق فِي ملكه بِأَن اشتراهما بعد الْولادَة أَو اشْترى أمهما وَهِي حُبْلَى بهما أَو بَاعهَا فَجَاءَت بهما لاكثر من سنتَيْن يثبت نسبهما أَيْضا لانهما لَا يفترقان فِيهِ، لَكِن لَا يعْتق الَّذِي لَيْسَ فِي ملكه، وَإِن كَانَ المُشْتَرِي قد أعْتقهُ لَا يبطل عتقه، لَان هَذِه الدَّعْوَى دَعْوَة تَحْرِير لعدم الْعلُوق فِي الْملك، بخلا ف الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْعُلُوقُ فِي ملكه حَيْثُ يعتقان جَمِيعًا لانها دَعْوَة استيلاد فتستند وَمن ضَرُورَته عتقهما بِدَلِيل أَنَّهُمَا حُرَّا الْأَصْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ حُرًّا.
اهـ.
فَقَوله أَو بَاعهَا فَجَاءَت بهما الخ: أَي ثمَّ ملك وَاحِد مِنْهُمَا فَادَّعَاهُ، وَقَوله: علقا مُحْتَرزه قَوْله حَتَّى لَو اشْتَرَاهَا حُبْلَى الخ.
قَوْله: (ثَبت نسبهما) أَي التوأمين من البَائِع، لِأَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ صَحَّتْ فِي الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ لِمُصَادِفَةِ الْعُلُوقِ وَالدَّعْوَى مِلْكُهُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ ثُبُوتُ الْآخَرِ
لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ وَاحِدًا.
وَتَمَامُهُ فِي الزَّيْلَعِيِّ.
قَوْله: (وَهُوَ حريَّة الاصل) أَي الثَّابِتَة بِأَصْل الْخلقَة، وَأما حريَّة الاعتاق فعارضة وحرية الاصل هُنَا فِي الَّذِي أعْتقهُ، لَان الَّذِي عِنْد البَائِع ظهر أَنه حر الاصل فَاقْتضى كَون الآخر أَيْضا كَذَلِك إِلَى آخر مَا قدمْنَاهُ.
قَوْله: (لانهما علقا فِي ملكه) أَي وَقد خلقا من مَاء وَاحِد، وَهَذَا كُله يصلح جَوَابا لما يرد من أَن نقض الاعتاق مُخَالفا، لما سبق من أَن الْعتْق بعد وُقُوعه لَا يحْتَمل الانتقاض والبطلان.
وَحَاصِله: أَن الْمَمْنُوع هُوَ انْتِقَاض الْعتْق إِلَى الرّقية وَهِي دونه لَا إِلَى شئ فَوْقه وَهِي الْحُرِّيَّة: أَي لانها ثَابِتَة بِأَصْل الْخلقَة كَمَا أَفَادَهُ عزمي، وَهَذَا لَا يتم وَلَا يطرد، فَإِن فِي السَّابِقَة وَهِي دَعْوَة من ولد عِنْد المُشْتَرِي لاقل من سِتَّة أشهر فَأعْتقهُ لَا يقبل مَعَ أَنه انْتقض الْعتْق بِأَمْر فَوْقه، وَهَذَا الامر لَا يتم فِي هَذَا الْمقَام، فَإِن حريَّة أحد التوأمين يظْهر حريَّة الآخر وينعدم تَأْثِير الاعتاق.
وَعبارَة الْعَيْنِيّ: فَإِذا ثَبت نسبهما بَطل عتق المُشْتَرِي إِيَّاه، لَان دَعْوَة البَائِع بعده صحت فِي الَّذِي لم يبع، وَمن ضَرُورَة ذَلِك ثُبُوت نسب الآخر لانهما من وَاحِد فَيلْزم مِنْهُ بطلَان عتق المُشْتَرِي لِكَوْنِهِمَا حري الاصل، إِذا يَسْتَحِيل
стр. 764
أَن يكون أَحدهمَا حر الاصل وَالْآخر رَقِيقا وهما من مَاء وَاحِد، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ وَاحِدًا حَيْثُ لَا يَبْطُلُ فِيهِ إعْتَاقُ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ لَوْ بَطل فِيهِ بَطل مَقْصُودا لاجل حق الدَّعْوَى لِلْبَائِعِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُنَا تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِي الَّذِي لَمْ يُبَعْ ثُمَّ تَتَعَدَّى إلَى الآخر ضمنا وتبعا، وَكم من شئ يثبت ضمنا وَإِن لم يثبت مَقْصُودا اهـ.
فالشارح رَحمَه الله تَعَالَى ذكر آخر عبارَة الدُّرَر وَترك صدرها، فَكَانَ الاولى فِي التَّعْلِيل لانهما علقا فِي ملكه من مَاء وَاحِد، فَإِذا ثبتَتْ حريَّة أَحدهمَا ثبتَتْ حريَّة الآخر تبعا والشئ قد يثبت تبعا وَإِن لم يثبت قصدا.
قَوْله: (حَتَّى لَو اشْتَرَاهَا) أَي البَائِع حُبْلَى وَجَاءَتْ بِهِمَا لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ.
عَيْنِيٌّ.
قَوْله: (لم يبطل عتقه) قَالَ الْأَكْمَلُ: وَنُوقِضَ بِمَا إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ أَحَدَ تَوْأَمَيْنِ وَاشْتَرَى أَبُوهُ الْآخَرَ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الَّذِي فِي يَدِهِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا مِنْهُ ويعتقان جَمِيعًا وَلَمْ تَقْتَصِرْ الدَّعْوَى.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمُوجِبٍ آخر، وَهُوَ أَن الْمُدَّعِي إِن كَانَ هُوَ الْأَبَ فَالِابْنُ قَدْ مَلَكَ أَخَاهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الِابْنَ فَالْأَبُ قَدْ مَلَكَ حَافِدَهُ فَيَعْتِقُ، وَلَوْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ ادَّعَى أَبُو الْبَائِعِ الْوَلَدَيْنِ
وَكَذَّبَاهُ: أَيْ ابْنَهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِالْقِيمَةِ وَثَبَتَ نَسَبُهُمَا وَعَتَقَ الَّذِي فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَلَا يَعْتِقُ الْمَبِيعُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ مِلْكِهِ الظَّاهِرِ، بِخِلَافِ النَّسَبِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ إذَا كَانَ هُوَ الْمُدَّعِيَ أَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ فِي دَعْوَى الْبَائِعِ بِعُلُوقٍ فِي ملكه، وَهنا حجَّة الاب شُبْهَةَ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ تَظْهَرُ فِي مَالِ ابْنه البَائِع فَقَط.
وَفِي التاترخانية: فَإِن بَاعَ الامة مَعَ أحد الْوَالِدين ثمَّ ادّعى أَبُو البَائِع نسب الْوَلَدَيْنِ جَمِيعًا وَكذبه المُشْتَرِي وَالْبَائِع: فَفِي قَول مُحَمَّد: دَعْوَى الاب بَاطِلَة، وَعند أبي يُوسُف: وَدَعوى الاب لَا تصح فِي حق الامة وَلَا تصير أم ولد لَهُ، وَتَصِح دَعوته فِي حق الْوَلَدَيْنِ نسبا، وَلَا يحكم بحريّة الْمَبِيع، وَالْولد الثَّانِي حر بِالْقيمَةِ.
وَإِن صدق المُشْتَرِي وَكذب البَائِع فالامة تصير أم وَلَده اتِّفَاقًا وَعَلِيهِ قيمتهَا للِابْن، وَيثبت نسب الْوَلَدَيْنِ مِنْهُ، وَالْمَبِيع حر بِالْقيمَةِ على الاب عِنْد أبي يُوسُف، وَعند مُحَمَّد: حر بِغَيْر الْقيمَة، وَإِن صدقه البَائِع وَكذبه المُشْتَرِي ثَبت نسب الْوَلَدَيْنِ من أبي البَائِع، فَمن الْمَشَايِخ من ظن أَن ثُبُوت نسبهما من أبي البَائِع قَول أبي يُوسُف، وَقَول مُحَمَّد: يَنْبَغِي أَن لَا يثبت نسبهما مِنْهُ وَالصَّحِيح أَن مَا ذكره مُحَمَّد قَول الْكل، وَلم يذكر مُحَمَّد حكم الام.
وَقَالَ أَبُو حَازِم وَالْقَاضِي أَبُو الهشيم على قِيَاس أبي يُوسُف وَمُحَمّد: يضمن البَائِع قيمتهَا للاب لَا على قَول أبي حنيفَة.
وَقَالَ أَكثر مَشَايِخنَا: لَا يضمن شَيْئا لصَاحبه بالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الْمَقْدِسِي.
وَفِيه: رجل حملت أمته عِنْده وَولدت فَكبر عِنْده فَزَوجهُ أمة لَهُ فَولدت لَهُ ابْنا فَبَاعَ الْمولى هَذَا الابْن وَأعْتقهُ المُشْتَرِي فَادّعى البَائِع نسب الاكبر ثَبت وَبَطل الْعتْق، وَإِن ادّعى نسب الثَّانِي لَا تسمع، وَلَو بَاعَ الام مَعَ أَحدهمَا ثمَّ ادّعى الاب صحت عِنْد أبي يُوسُف وَثَبت نسبهما، وَالْولد الْمَبِيع مَعَ أمه بقيا على ملك المُشْتَرِي، وَعند مُحَمَّد: لَا تصح.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ) لِعَدَمِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ.
قَوْلُهُ: (فَتَقْتَصِرُ) بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِهِ حَيْثُ يَعْتِقَانِ جَمِيعًا لِمَا ذُكِرَ أَنَّهَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ فَتَسْتَنِدُ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ عِتْقُهُمَا بِطَرِيقِ أَنَّهُمَا حُرَّا الْأَصْلِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ حُرًّا.
عَيْنِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تصح دَعْوَاهُ أبدا) أَي وَإِن جحد العَبْد، وَهَذَا عِنْد الامام، وَعِنْدَهُمَا: تصح دَعْوَاهُ إِن جحد العَبْد.
стр. 765
وَوجه قَول الامام أَن الاقرار ابالنسب من الْغَيْر إِقْرَار بِمَا لَا يحْتَمل النَّقْض فَلَا تصح دَعْوَة الْمقر بعد ذَلِك، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه لَا يحْتَمل النَّقْض لَان فِي زعم الْمقر أَنه ثَابت النّسَب من الْغَيْر وَالنّسب إِذا ثَبت لَا ينْتَقض بالجحود والتكذيب، وَلِهَذَا لَو عَاد الْمقر لَهُ إِلَى تَصْدِيقه جَازَ وَثَبت النّسَب مِنْهُ وَصَارَ كَالَّذي لم يصدقهُ وَلم يكذبهُ ط.
قَوْله: (وَقد أَفَادَهُ) أَي أَفَادَ نَظِيره لَا عينه.
قَوْله: (مَعَه أَو مَعَ غَيره) أَشَارَ إِلَى أَن مَا وَقع من التَّقْيِيد بِكَوْنِهِ مَعَه لَيْسَ احترازيا.
قَالَ الزَّيْلَعِيّ: لَا يشْتَرط لهَذَا الحكم أَن يكون الصَّبِي فِي يَده، واشتراطه فِي الْكتاب وَقع اتفاقيا اهـ شرنبلالية.
قَوْله: (الْغَائِب) إتقاني أَيْضا.
قَوْله: (خلافًا لَهما) فَقَالَا تصح دَعْوَة الْمقر بعد جحود الْمقر لَهُ أَن يكون ابْنه، لَان إِقْرَاره لَهُ بَطل بجحود الْمقر لَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ لم يقر وَقد تقدم تَوْجِيه قَول الامام، وَذكره الْمُؤلف.
وَعبارَة الدُّرَر: هُمَا قَالَا: إذَا جَحَدَ زَيْدٌ بُنُوَّتَهُ فَهُوَ ابْن للْمقر، إِذا صَدَّقَهُ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَدْرِ تَصْدِيقَهُ وَلَا تَكْذِيبه لم تصح دَعْوَة الْمقر عِنْدهم.
لَهما أَن الاقرار ارْتَدَّ برد زيد فَصَارَ كَأَن لم يكن، والاقرار بِالنّسَبِ يرْتَد بِالرَّدِّ، وَلِهَذَا إِذا أكره على الاقرار بِالنّسَبِ فَأقر بِهِ لَا يثبت، وَكَذَا لَو هزل بِهِ وَإِن لم يحْتَمل النّسَب نَفسه، النَّقْض، وَله أَنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، والاقرار بِمثلِهِ لَا يرْتَد بِالرَّدِّ: أَي بِمثل مَا لَا يحْتَمل النَّقْض إِذْ تعلق بِهِ حق الْمقر لَهُ، حَتَّى لَو صَدَّقَهُ بَعْدَ التَّكْذِيبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ.
وَأَيْضًا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْمقر لَهُ اهـ.
قَالَ قاضيخان: وَمن جملَة النّسَب لَا يرْتَد بِالرَّدِّ فِي حق الْمقر لَان فِي زَعمه أَنه ثَابت النّسَب من الْغَيْر فيصلح حجَّة فِي حق نَفسه وَإِن لم يصلح على الْغَيْر، كمن أقرّ بحريّة عبد إِنْسَان وَكذبه الْمولي لَا يبطل إِقْرَاره فِي حق نَفسه، حَتَّى لَو ملكه بعد ذَلِك يعْتق عَلَيْهِ اهـ.
وَلَا يرْتَد بِالرَّدِّ فِي حق الْمقر، وَمن ذَلِك لَو صدقه الخ، وَلَا فِي حق الْوَلَد لاحتياجه إِلَى النّسَب.
قَوْله: (بعد ثُبُوته) وَهنا أثبت مِنْ جِهَةِ الْمُقِرِّ لِلْمُقَرِّ لَهُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ) أَيْ صَدَّقَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ، وَفِي التَّفْرِيع خَفَاء لانه لَيْسَ هَذَا متفرعا على مَا زَعمه، بل على أَن الاقرار بِمَا لَا يحْتَمل النَّقْض لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْر، كمن أقرّ بحريّة عبد غَيره فكذبه مَوْلَاهُ فَيبقى فِي حق الْمقر حرا وَلَا يرْتَد بِالرَّدِّ، حَتَّى لَو ملكه عتق
عَلَيْهِ، وَكَمن شهد على رجل بنس ب صَغِير فَردَّتْ شَهَادَته لتهمة فَادَّعَاهُ الشَّاهِد لَا تقبل.
وَلَا يرد مَا لَو أقرّ المُشْتَرِي على البَائِع بِإِعْتَاق الْمَبِيع قبل البيع وَكذبه البَائِع ثمَّ قَالَ المُشْتَرِي أَنا أعْتقهُ يتَحَوَّل الْوَلَاء إِلَيْهِ لانها من مَحل الْخلاف، وَلَو سلم فالنسب ألزم من الْوَلَاء لقبوله التَّحَوُّل من موَالِي الام إِلَى موَالِي الاب أَو إِلَى مولى آخر فِيمَا لَو ارْتَدَّت الْمُعتقَة ثمَّ سبيت بَعْدَمَا لحقت فاشتراها آخر وأعتقها.
وَلَا يرد أَيْضا مَا لَو أقرّ أَن عَبده ابْن الْغَيْر ثمَّ ادَّعَاهُ حَيْثُ يعْتق، لَان الْعتْق لَيْسَ لثُبُوت نسبه مِنْهُ، بل لَان إِقْرَاره يسري على نَفسه كَقَوْلِه لعبد الثَّابِت نسبه من غَيره هُوَ ابْني.
وَعبارَة الدُّرَر كَمَا سَمعتهَا فِي المقولة السَّابِقَة.
فَظَهَرَ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ.
تَأمل.
قَوْله: (فَلَا حَاجَة إِلَى
стр. 766
الاقرار بِهِ ثَانِيًا) بِأَن يَقُول هُوَ ابْني.
قَوْله: (وَلَا سَهْو فِي عبارَة الْعِمَادِيّ) عِبَارَته هَكَذَا: هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي ثُمَّ قَالَ هُوَ مِنِّي صَحَّ، إذْ بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُ ثَبَتَ نسبه فَلَا يَصح نَفْيه.
قَالَ فِي الدُّرَر: هَذَا سَهْو لَان التَّعْلِيل يَقْتَضِي أَن هُنَاكَ ثَلَاث عِبَارَات: إِثْبَات وَنفي وعود إِلَى الاثبات.
قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيّ: وَالَّذِي يظْهر لي أَن عوده إِلَى التَّصْدِيق لَيْسَ لَهُ فَائِدَة فِي ثُبُوت النّسَب لانه بعد الاقرار لَا يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ.
وَأَقُول: هَذَا يُقرر مدعي الدُّرَر، وَلَيْسَ بِجَوَاب عَن الْعِمَادِيّ.
وَفِي الزَّيْلَعِيّ: نفي النّسَب عَن نَفسه لَا يمْنَع الاقرار بِهِ بعده، بِأَن قَالَ لَيْسَ هَذَا بِابْني ثمَّ قَالَ هُوَ ابْني اهـ.
وَأَقُول: لَيْسَ فِي عبارَة الْعِمَادِيّ سبق الاقرار على النَّفْي، وَانْظُر تَحْقِيقه فِيمَا يَأْتِيك فِي المقولة الْآتِيَة.
قَوْله: (كَمَا زَعمه منلا خسرو) رَاجع إِلَى الْمَنْفِيّ الَّذِي هُوَ السَّهْو، وَنَصه قَالَ: هَذَا الْوَلَد مني ثمَّ قَالَ هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي ثُمَّ قَالَ هُوَ مني صَحَّ، إِذْ بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ مِنْهُ تعلق حق الْمقر لَهُ إِذا ثَبت نسبه من رجل معِين حَتَّى يَنْتَفِي كَونه مخلوقا من مَاء الزِّنَا، فَإِذا قَالَ لَيْسَ مني هَذَا الْوَلَد لَا يملك إبِْطَال حق الْوَلَد، فَإِذا عَاد إِلَى التَّصْدِيق صَحَّ.
أَقُول: قد وَقعت الْعبارَة فِي الاستروشنية كالعمادية: هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي ثُمَّ قَالَ هُوَ مني صَحَّ، إِذْ بِإِقْرَارِهِ أَنه مِنْهُ الخ الظَّاهِر أَنه سَهْو من النَّاسِخ الاول، يدل عَلَيْهِ التَّعْلِيل الَّذِي ذكره لانه يَقْتَضِي أَن يكون هُنَا ثَلَاث عِبَارَات: تفِيد الاولى: إِثْبَات الْبُنُوَّة، وَالثَّانيَِة: نَفيهَا، وَالثَّالِثَة: الْعود إِلَى الاثبات، وَالْمَذْكُور فيهمَا العبارتان فَقَط.
قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيّ: وَالَّذِي يظْهر لي أَن اللَّفْظ الثَّالِث وَهُوَ قَوْله ثمَّ قَالَ هُوَ مني لَيْسَ لَهُ فَائِدَة لثُبُوت النّسَب لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ لَا يَنْتَفِي بِالنَّفْيِ وَلَا يحْتَاج إِلَى الاقرار بِهِ بعده، فَلْيتَأَمَّل اهـ.
وَلذَلِك قَالَ فِي الْخُلَاصَة.
وَلَو قَالَ هَذَا الْوَلَد لَيْسَ مني ثمَّ قَالَ مني صَحَّ، وَلَو قَالَ مِنِّي ثُمَّ قَالَ لَيْسَ مِنِّي لَا يَصِحُّ النَّفْي اهـ.
فاقتصر هُنَا على العبارتين كالعمادية والاستروشنية، لَكِن كَلَام الشُّرُنْبُلَالِيّ لَا يدْفع كَلَام صَاحب الدُّرَر، لَان مناقشته إِنَّمَا هِيَ فِي إِسْقَاط الاولى، أما الثَّالِثَة فَهِيَ مَوْجُودَة فِي عبارَة الْعمادِيَّة والاستروشنية، فَصَاحب الدُّرَر ناقش: فِي إِسْقَاط الاولى والشرنبلالي فِي إِسْقَاط الثَّالِثَة.
تَأمل.
وَالْحَاصِل: أَن الِاعْتِبَار إِنَّمَا هُوَ إِلَى وجدان الاقرار سَوَاء تقدم عَلَيْهِ النَّفْي أَو تَأَخّر عَنهُ كَمَا علم من صَرِيح الْخُلَاصَة، وَمِمَّا ذكرنَا، فهر أَنه الْخلَل فِي سبك تَعْلِيل الاستروشني وَتَبعهُ الْعِمَادِيّ، وَأَن منلا خسرو لم يتفطنه وَظن أَنه مُحْتَاج إِلَى عبارَة أُخْرَى، وَلَيْسَ كَذَلِك، إِذْ الاقرار الْوَاحِد يَكْفِي سَوَاء وجد مقدما على النَّفْي أَو مُتَأَخِّرًا عَنهُ كَمَا لَا يخفى، فَتدبر.
قَوْله: (كَمَا أَفَادَهُ الشُّرُنْبُلَالِيّ) رَاجع إِلَى النَّفْي الَّذِي هُوَ عدم السَّهْو.
ط عَن الْحلَبِي.
وَتقدم نَص عبارَة الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَمُقْتَضى مَا يظْهر لي أَنه رَاجع إِلَى قَوْله فَلَا حَاجَة إِلَى الاقرار بِهِ ثَانِيًا.
قَوْله: (وَهَذَا) أَي ثُبُوت النّسَب إِذا صدقه الابْن، أما بِدُونِهِ فَلَا لانه إِقْرَار على الْغَيْر بِأَنَّهُ جزؤه فَلَا يتم إِلَّا بِتَصْدِيق ذَلِك الْغَيْر، وَهَذَا التَّفْصِيل إِنَّمَا يَأْتِي فِي الاقرار بصبي يعبر عَن نَفسه، أما لَو كَانَ صَغِيرا لَا يعبر عَن نَفسه يصدق الْمقر اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْخُلَاصَة.
стр. 767
قَوْله: (أما بِدُونِهِ فَلَا) أَي فَلَا يتم إِلَّا بِتَصْدِيق ذَلِك الْغَيْر.
قَوْله: (لبَقَاء إِقْرَار الاب) لَان إِقْرَار الاب لم يبطل لعدم تَصْدِيق الابْن فَيثبت النّسَب كَمَا فِي الدُّرَر.
قَوْله: (قبل) لانه إِقْرَار على نَفسه بِأَنَّهُ جزؤه.
دُرَر.
قَوْله: (فَلَا يقبل) أَي على الْغَيْر.
قَوْله: (وَبَين جِهَة الارث صَحَّ) قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: إِذا
إِثْبَات الوراثة لَا يَصح مَا لم يعين جِهَة الارث.
قَوْله: (وَلَو ادّعى بنوة الْعم) عبارَة الدُّرَر: ادّعى الاخوة وَلم يذكر راسم الْجد صَحَّ، بِخِلَاف دَعْوَى كَونه ابْن عَمه حَيْثُ يشْتَرط فِيهَا ذكر اسْم الْجد كَمَا فِي الْعمادِيَّة ح.
وَفِي الْخَيْرِيَّة: وَمِمَّا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ دَعْوَى بُنُوَّةِ الْعَمِّ تحْتَاج إِلَى ذكر نِسْبَة الْعم والام إِلَى الْجد ليصير مَعْلُوما لانه لَا يحصل الْعلم للْقَاضِي بِدُونِ ذكر الْجد، وَتحقّق العمومة بأنواع مِنْهَا الْعم لَام ذكره فِي كتاب الْوَقْف.
وَفِي التَّنْقِيح أَن الشُّهُود إِذا شهدُوا بِنسَب فَإِن القَاضِي لَا يقبلهم وَلَا يحكم بِهِ إِلَّا بعد دَعْوَى مَال، إِلَّا فِي الاب وَالِابْن، وَأَن ينْسب الشُّهُود الْمَيِّت وَالْمُدَّعِي لبنوة العمومة حَتَّى يلتقيا إِلَى أَب وَاحِد، وَأَن يَقُول هُوَ وَارثه لَا وَارِث لَهُ غَيره كَمَا صرح قاضيخان، وَلَا بُد أَن يكون الاب الْوَاحِد الملتقي إِلَيْهِ مَعْرُوفا للْقَاضِي بِالِاسْمِ وَالنّسب بالاب وَالْجد إِذْ الْخِصَام فِيهِ، والتعريف بذلك عِنْد الامام الاعظم رَحمَه الله تَعَالَى، وَعَلِيهِ الْفَتْوَى.
فَإِذا لم يُوجد شَرط من هَذِه الشُّرُوط لَا تقبل وَلَا يَصح الْقَضَاء بهَا، وَيَنْبَغِي الِاحْتِيَاط بِالشَّهَادَةِ بِالنّسَبِ سِيمَا فِي هَذَا الزَّمن.
قَالَ الحامدي: قلت: هَذَا مُنَاقض لما ذكره فِي الظَّهِيرِيَّة والعمادية وَغَيرهمَا من أَنه يشْتَرط ذكر الْجد الَّذِي التقيا إِلَيْهِ، وَقد مثل لَهُ فِي الظَّهِيرِيَّة مِثَالا وَلم يذكر اسْم أَب الْجد وَلَا اسْم جده، لَكِن أفتى الامام أَبُو السُّعُود بِاشْتِرَاط ذكر الاب كَمَا ذكره اليشمقجي فِي فَتَاوِيهِ، وأظن أَن الرحيمية اشْترط ذَلِك بِنَاء على قَوْلهم كصاحب التَّنْوِير وَغَيره: إِذا كَانَت الدَّعْوَى على غَائِب يشْتَرط ذكر أَبِيه وجده، وَإِن حكم بِدُونِ ذكر الْجد نفذ وَأَنه ظن أَن الدَّعْوَى على الْجد الَّذِي التقيا إِلَيْهِ، وَالْحَال أَن الدَّعْوَى على الْمَيِّت الَّذِي يطْلبُونَ إِرْثه، فَتنبه اهـ.
قَالَ فِي الدُّرَر: قَالَ أحد الْوَرَثَة لَا دَعْوَى لي فِي التَّرِكَة لَا تبطل دَعْوَاهُ، لَان مَا ثَبت شرعا من حق لَازم لَا يسْقط بالاسقاط، كَمَا لَو قَالَ لست ابْنا لابي قَالَ ذُو الْيَد لَيْسَ هَذَا لي وَنَحْوه.
أَي لَيْسَ ملكي وَلَا حق لي فِيهِ وَنَحْو ذَلِك وَلَا مُنَازع ثمَّة ثمَّ ادَّعَاهُ فَقَالَ: أَي ذُو الْيَد هُوَ لي صَحَّ وَالْقَوْل قَوْله، لَان هَذَا الْكَلَام لم يثبت حَقًا لَاحَدَّ، لَان الاقرار للْمَجْهُول بَاطِل، والتناقض إِنَّمَا يبطل إِذا تضمن إبِْطَال حق
على أحد، وَلَو كَانَ ثمَّة مُنَازع كَانَ إِقْرَارا لَهُ فِي رِوَايَة وَهِي رِوَايَة الْجَامِع الصَّغِير، وَفِي أُخْرَى لَا، وَهِي
стр. 768
رِوَايَة دَعْوَى الاصل، لَكِن قَالُوا: القَاضِي يسْأَل ذَا الْيَد أهوَ ملك الْمُدَّعِي؟ فَإِن أقرّ بِهِ أمره بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَإِن أنكر أَمر الْمُدَّعِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَلَو قَالَه: أَي قَالَ لَيْسَ هَذَا لي وَنَحْوه الْخَارِج لَا يَدعِي ذَلِك الشئ بعده للتناقض وَإِنَّمَا لم يمْنَع ذُو الْيَد على مَا مر لقِيَام الْيَد.
كَمَا فِي الْعمادِيَّة.
أَقُول: لَكِن قَيده فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ بِمَا إِذا قَالَ ذَلِك مَعَ وجود النزاع، أما لَو قَالَه قبل النزاع فعلى الْخلاف على عكس ذِي الْيَد، وَقَوله لقِيَام الْيَد وَهُوَ دَلِيل الْملك فنفي الْملك عَن نَفسه من غير إِثْبَات للْغَيْر لَغْو.
وَفِي الدُّرَر أَيْضا: ادّعى الْعُصُوبَة وَبَين النّسَب وَبرهن الْخصم أَن النّسَب بِخِلَافِهِ، إِن قضى بالاول لم يقْض بِهِ، وَإِلَّا تساقطا للتعارض وَعدم الاولولية.
قَوْله: (مَا لم يذكر اسْمَ الْجَدِّ) بِخِلَافِ الْإِخْوَةِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِلَا ذِكْرِ الْجَدِّ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ دَعْوَى الْأُخُوَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا يَصح مَا لَمْ يَدَّعِ قَبْلَهُ مَالًا.
قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخُوهُ لِأَبَوَيْهِ فَجَحَدَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُهُ أَلَكَ قِبَلَهُ مِيرَاثٌ تَدَّعِيهِ أَوْ نَفَقَةٌ أَوْ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا بِإِثْبَاتِ النَّسَبِ؟ فَإِن كَانَ كَذَلِك يقبل القَاضِي بِبَيِّنَتِهِ عَلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ، وَإِلَّا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَّعِ مَالًا لَمْ يَدَّعِ حَقًّا، لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ الْمُجَاوَرَةُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ فِي الصُّلْبِ أَوْ الرَّحِمِ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَبُوهُ وَأَنْكَرَ فَأَثْبَتَهُ يُقْبَلُ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ قِبَلَهُ حَقًّا، لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ صَحَّ فينتصب خصما، هَذَا لِأَنَّهُ يَدَّعِي حَقًّا، فَإِنَّ الِابْنَ يَدَّعِي حَقَّ الِانْتِسَابِ إلَيْهِ وَالْأَبُ يَدَّعِي وُجُوبَ الِانْتِسَابِ إلَى نَفْسِهِ شَرْعًا.
وَقَالَ ﵊ مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
اهـ مُلَخصا.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: ادّعى على آخر أَنه أَخُوهُ لابويه: إِن ادّعى إِرْثا أَو نَفَقَة وَبرهن تقبل وَيكون قَضَاء على الْغَائِب أَيْضا، حَتَّى وَلَو حضر الاب وَأنكر لَا يقبل وَلَا يحْتَاج إِلَى إِعَادَة الْبَيِّنَة لانه لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِإِثْبَات الْحق على الْغَائِب.
وَإِن لم يدع مَالا بل ادّعى الاخوة الْمُجَرَّدَة لَا يقبل، لَان هَذَا فِي
الْحَقِيقَة إِثْبَات الْبُنُوَّة على أَب الْمُدعى عَلَيْهِ والخصم فِيهِ هُوَ الاب لَا الاخ.
وَكَذَا لَو ادّعى أَنه ابْن ابْنه أَو أَبُو أَبِيه وَالِابْن والاب غَائِب أَو ميت لَا يَصح مَا لم يدع مَالا، فَإِن ادّعى مَالا فَالْحكم على الْغَائِب والحاضر جَمِيعًا كَمَا مر، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى رجل أَنه أَبوهُ أَو ابْنه، وَتَمَامه فِيهَا.
قَوْله: (وَلَو برهن الخ) مُكَرر مَعَ مَا قدمه قَرِيبا.
قَوْله: (تقبل لثُبُوت النّسَب بِإِقْرَارِهِ) أَي ويزاحم الْوَارِث الْمَعْرُوف، وَيظْهر أَن الابوة مثل ذَلِك كَمَا علمت مِمَّا مر.
بَقِي: فِيمَا لم يثبت بِإِقْرَارِهِ فَيشْتَرط أَن يَدعِي حَقًا آخر كإرث أَو نَفَقَة، فَلَو برهنت أَنه عَمها مريدة النَّفَقَة مِنْهُ فبرهن على زيد أَنه أَخُوهَا برِئ الْعم، بِخِلَاف دَعْوَى الابوة كَمَا فِي الْهِنْدِيَّة.
وَقَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: أقرّ ذُو ابْن بِأَن فلَانا وَارثه ثمَّ مَاتَ الابْن ثمَّ الْمقر يَأْخُذ الْمقر لَهُ المَال: يَعْنِي بِحكم الْوَصِيَّة لَان هَذَا وَصِيَّة.
حَتَّى لَو قَالَ هُوَ قريبي وَمَات الْمقر عَن زَوْجَة أخذت الرّبع وَالْبَاقِي للْمقر لَهُ اهـ.
وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه لَا يلْزم معرفَة جِهَة الْقَرَابَة، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَو ادّعى الارث بالاخوة يلْزم، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُسْمَعُ) أَيْ بَيِّنَةُ الْإِرْثِ كَمَا فِي الْفُصُولَيْنِ، لَكِن فِي الاشباه تقبل الشَّهَادَة حسبَة فِي النّسَب.
стр. 769
وَيُمكن أَن يوفق بَينهَا وَبَين مَا هُنَا فِيمَا إِذا لم يكن خصم، كَمَا لَو ترك صَغِيرا وَارِثا فَإِن الشَّهَادَة حسبَة تقبل وَلَا تكون التَّرِكَة فِي بَيت المَال، بِخِلَاف مَا إِذا حصل خصام من الورقة مَعَ الْمُدَّعِي فَلَا بُد مِمَّا ذكر هُنَا.
قَوْله: (وَهُوَ وَارِث) وَكَذَا على الْوَصِيّ.
نور الْعين
قَوْله: (أَو دائن) أَي على مَا ذكره الْخصاف وَخَالفهُ بعض الْمَشَايِخ، وَانْظُر مَا صورته، وَلَعَلَّ صورته أَنه يَدَّعِيَ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَيَنْصِبَ لَهُ الْقَاضِي مَنْ يُثْبِتُ فِي وَجْهِهِ دَيْنَهُ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ خَصْمًا لِمُدَّعِي الْإِرْثِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْمُوصى لَهُ تَأمل.
وَيُمكن التَّصْوِير لَهما: أَي الْوَارِث والدائن بِأَن يكون دفع القَاضِي التَّرِكَة للدائن بِدِينِهِ ثمَّ حضر مدعي الارث وَنَازع الدَّائِن بِأَنَّهُ يُرِيد استلام التَّرِكَة وَدفع جَمِيع الدّين إِلَيْهِ فَأنْكر الدَّائِن أَن يكون الْمُدَّعِي وَارِث الْمَيِّت يكون خصما فِي إِثْبَات النّسَب.
قَوْله: (فَلَو أقرّ) أَي الْمُدعى عَلَيْهِ.
قَوْله: (بِهِ) أَي
بالبنوة بالموروث.
قَوْله: (والدافع على الابْن) عَليّ بِمَعْنى من أَو مُتَعَلق بِمَحْذُوف: أَي وَيرجع الدَّافِع على الابْن.
قَوْله: (وَلَو أنكر) أَي الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دَعْوَة النُّبُوَّة.
قَوْله: (وَالصَّحِيح تَحْلِيفه) أَي تَحْلِيف الْمُنكر على الْعلم: أَي على أَنه لَا يعلم أَنَّك ابْن فلَان، فَإِذا أَرَادَ الْوَلَد أَخذ المَال كلف إِقَامَة الْبَيِّنَة على مدعاه.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْعِلْمِ) أَيْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ تَحْلِيفَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ فُلَانٍ إنَّمَا هُوَ إذَا أَثْبَتَ الْمُدَّعِي الْمَوْتَ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي تَحْلِيفِهِ إلَّا عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَوْتِ.
تَأمل.
قَوْله: (ثمَّ يُكَلف الابْن الخ) أَي إِن حلف، وَإِن نكل يكون مقرا، فَإِن كَانَ مُنْكرا لِلْمَالِ يحلف عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَمَامُهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ) حَيْثُ قَالَ: وَلَو نكل يصير مقرا بِنسَب وَمَوْت، وَصَارَ كَمَا لَو أقرّ بهما صَرِيحًا وَأنكر المَال، وَلَو كَانَ كَذَلِك لَا يَجْعَل القَاضِي الابْن خصما فِي إِقَامَة الْبَيِّنَة على إِثْبَات المَال، وَلَكِن يَجعله خصما فِي حق التَّحْلِيف على المَال وَأَخذه مِنْهُ فيحلفه بتا.
قَوْله: (من الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين) صَوَابه: الثَّامِن وَالْعِشْرين.
قَوْله: (هُوَ عَبدِي) قيد بِهِ لانه لَو قَالَ هُوَ ابْني يقدم الْمُسلم.
قَوْلُهُ: (وَالْإِسْلَامَ مَآلًا) لِظُهُورِ دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ لِكُلِّ عَاقِلٍ، وَفِي الْعَكْسِ يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ تَبَعًا، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِهَا دُرَر.
وَاسْتَشْكَلَهُ الاكمل بمخالفته لقَوْله تَعَالَى: * ((٢) ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك) * (الْبَقَرَة: ١١٢) وَدَلَائِل التَّوْحِيد وَإِن كَانَت ظَاهِرَة لَكِن الالفة مَعَ الْكفَّار مَانع قوي، أَلا ترى أَن آباءه كفرُوا مَعَ ظُهُور أَدِلَّة التَّوْحِيد، وَيُؤَيِّدهُ أَن الذِّمِّيَّة الْمُطلقَة أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ أَو يخف أَن يألف الْكفْر للنَّظَر قبل ذَلِك وَاحْتِمَال الضَّرَر بعده.
وَأجَاب بِأَن قَوْله تَعَالَى: * ((٣٣) ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ) * (الاحزاب: ٥) يُوجب دَعْوَة الاولاد
стр. 770
لِآبَائِهِمْ، ومدعي النّسَب أَب لَان دَعوته لَا تحْتَمل النَّقْض فتعارضت الْآيَتَانِ، وَكفر الْآبَاء جحود والاصل عَدمه، أَلا ترى إِلَى انتشار الاسلام بعد الْكفْر فِي الْآفَاق.
وَأما الْحَضَانَة فَتَركهَا لَا يلْزم مِنْهُ رق اهـ.
بِخِلَاف ترك النّسَب هُنَا فَإِن الْمصير بعده إِلَى الرّقّ وَهُوَ ضَرَر عَظِيم لَا محَالة اهـ.
أَقُول: لَكِن بعد اسْتِدْرَاك الشَّارِح الْآتِي عَن ابْن كَمَال بِأَنَّهُ يكون مُسلما فَلَا إِشْكَال، وَإِن اعْترض عَلَيْهِ فَإنَّك ستسمع الِاعْتِرَاض وَالْجَوَاب.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى: وَهَذَا إذَا ادَّعَيَاهُ مَعًا، فَلَوْ سَبَقَ
دَعْوَى الْمُسْلِمِ كَانَ عَبْدًا لَهُ، وَلَوْ ادَّعَيَا الْبُنُوَّةَ كَانَ ابْنًا لِلْمُسْلِمِ إذْ الْقَضَاءُ بِنَسَبِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ قَضَاءٌ بِإِسْلَامِهِ.
قَوْله: (لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْكَمَالِ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا) أَي تبعا للدَّار وابنا للْكَافِرِ بالدعوة كَمَا صرح بِهِ فِيهِ، لَان حكمه حكم دَار الاسلام، وَفِيه أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلدَّارِ مَعَ وُجُودِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ ح.
قُلْت: يُخَالِفُهُ مَا ذَكَرُوا فِي اللَّقِيطِ لَوْ ادَّعَاهُ ذِمِّيٌّ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَهُوَ مُسلم تبعا للدَّار، وَتقدم فِي كِتَابه عَن الْوَلوالجِيَّة: وَلَا يُقَال إِن تَبَعِيَّة الدَّار إِنَّمَا تكون عِنْد فقد الابوين لَان تبعيته قبل ثُبُوت أَن الذِّمِّيّ أَب لَهُ حَيْثُ كَانَ فِي يَد الْمُسلم وَالْكَافِر يتنازعان فِيهِ، وَهُوَ قَول فِي غَايَة الْحسن وَإِن كَانَ مُخَالفا الظَّاهِر.
تَعْلِيل الْهِدَايَة وَغَيرهَا فليتبصر.
قَوْله: (قَالَ زوج امْرَأَة لصبي مَعَهُمَا) أَيْ فِي يَدِهِمَا اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا.
قَالَ فِي التاترخانية: وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِ الزَّوْجِ أَوْ يَدِ الْمَرْأَةِ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ فِيهِمَا، وَقُيِّدَ بِإِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْوَلَدَ إلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ، لِمَا فِيهَا أَيْضًا عَنْ الْمُنْتَقَى: صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ قَالَتْ الْمَرْأَةُ هَذَا ابْنِي مِنْ هَذَا الرجل وَقَالَ ابْنِي مِنْ غَيْرِهَا يَكُونُ ابْنَ الرَّجُلِ وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ، فَإِنْ جَاءَتْ بِامْرَأَةٍ شَهِدَتْ عَلَى وِلَادَتِهَا إيَّاهُ كَانَ ابْنَهَا مِنْهُ وَكَانَتْ زَوْجَتَهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَادَّعَاهُ وَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْهُ وَشَهِدَتْ امْرَأَة عَلَى الْوِلَادَةِ لَا يَكُونُ ابْنَهَا مِنْهُ بَلْ ابْنُهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَاحْتُرِزَ عَمَّا فِيهَا أَيْضًا: صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يَدَّعِيهِ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهُ ابْنُهَا وَلَدَتْهُ وَلَمْ تُسَمِّ أَبَاهُ وَأَقَامَ رَجُلٌ أَنَّهُ وُلِدَ فِي فِرَاشِهِ وَلَمْ يُسَمِّ أُمَّهُ يُجْعَلُ ابْنَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّرْجِيحُ بِالْيَدِ، كَمَا لَوْ ادعها رَجُلَانِ وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يُقْضَى لذِي الْيَد.
قَوْله: (فَهُوَ ابنهما) لَان كل وَاحِد مِنْهُمَا أقرّ للْوَلَد بِالنّسَبِ وَادّعى مَا يبطل حق صَاحبه وَلَا رُجْحَان لاحدهما على الآخر لِاسْتِوَاء أَيْدِيهِمَا فِيهِ فَيكون ابنهما، هَذَا إِذا كَانَ لَا يعبر عَن نَفسه وَإِلَّا فَهُوَ لمن صدقه.
عَيْني.
قَوْله: (إِن ادّعَيَا) هَذَا إِذا كَانَ النِّكَاح بَينهمَا ظَاهرا، وَإِن لم يكن ظَاهرا بَينهمَا يقْضِي بِالنِّكَاحِ بَينهمَا.
هندية عَن شرح الطَّحَاوِيّ.
قَوْله: (وَإِلَّا فَفِيهِ تَفْصِيل ابْن كَمَال) حَيْثُ قَالَ: وَإِلَّا فعلى التَّفْصِيل الَّذِي فِي شرح الطَّحَاوِيّ وَلم يبين ذَلِك التَّفْصِيل، وَظَاهر إِطْلَاق الْمُتُون والشروح أَنه لَا فرق بَين أَن يدعيا مَعًا أَو متعاقبا وَهِي الْمَوْضُوعَة لنقل الْمَذْهَب فَلْيَكُن الْعَمَل عَلَيْهَا، ولان مَا يَدعِيهِ أَحدهمَا غير مَا يَدعِيهِ الآخر إِذْ هُوَ يَدعِي أبوته وَهِي تَدعِي الامومة، وَلَا يُنَافِي
إِحْدَى الدعوتين الاخرى، غير أَن كلا يكذب صَاحبه فِي حق لَا يَدعِيهِ لنَفسِهِ فَيلْغُو قَوْله وَلَا يعْتَبر السَّبق فِيهِ، وَالله تَعَالَى أعلم.
قَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: وَلَو ادّعى الزَّوْج أَولا أَنه ابْنه من غَيرهَا وَهُوَ فِي يَدَيْهِ يثبت النّسَب من غَيرهَا،
стр. 771
فَبعد ذَلِك إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة لَا يثبت النّسَب مِنْهَا، وَإِن ادَّعَت الْمَرْأَة أَولا أَنه من غَيره وَهُوَ فِي يَدهَا فَادّعى الرجل أَنه ابْنه من غَيرهَا بعد ذَلِك: فَإِن كَانَ بَينهمَا نِكَاح ظَاهر لَا يقبل فَهُوَ ابنهما، وَإِن لم يكن بَينهمَا نِكَاح ظَاهر فَالْقَوْل قَوْلهَا، وَيثبت نسبه مِنْهَا إِذا صدقهَا ذَلِك الرجل، هَذَا إِذا كَانَ الْغُلَام لَا يعبر عَن نَفسه.
أما إِذا كَانَ يعبر عَن نَفسه وَلَيْسَ هُنَاكَ رق ظَاهر فَالْقَوْل قَول الْغُلَام أَيهمَا صدقه يثبت نسبه مِنْهُ بتصديقه.
كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج.
وأوضحه فِي الْعِنَايَة أيضاحا حسنا حَيْثُ قَالَ: إِذا ادَّعَت امْرَأَة صَبيا أَنه ابْنهَا، فإمَّا أَن تكون ذَات زوج أَو مُعْتَدَّة، أَو لَا مَنْكُوحَة وَلَا مُعْتَدَّة، فَإِن كَانَت ذَات زوج وصدقها فِيمَا زعمت أَنه ابْنهَا مِنْهُ ثَبت النّسَب مِنْهُمَا بالتزامه فَلَا حَاجَة إِلَى حجَّة، وَإِن كذبهَا لم تجز دعوتها حَتَّى تشهد بِالْولادَةِ امْرَأَة لانها تَدعِي تحميل النّسَب على الْغَيْر فَلَا تصدق إِلَّا بِالْحجَّةِ وَشَهَادَة الْقَابِلَة كَافِيَة لَان التَّعْيِين يحصل بهَا وَهُوَ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ، إِذْ النّسَب يثبت بالفراش الْقَائِم، وَقد صَحَّ أَنه ﵊ قبل شَهَادَة الْقَابِلَة على الْولادَة وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة احْتَاجَت إِلَى حجَّة كَامِلَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: أَي وَهِي شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، إِلَّا إِذا كَانَ هُنَاكَ حَبل ظَاهر أَو اعْترف من قبل الزَّوْج.
وَقَالا: يَكْفِي فِي الْجَمِيع شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة، وَقد مر فِي الطَّلَاق: وَإِن لم تكن ذَات زوج وَلَا مُعْتَدَّة قَالُوا يثبت النّسَب بقولِهَا لَان فِيهِ إلزاما على نَفسهَا دون غَيرهَا.
وَفِي هَذَا لَا فرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا يقبل قَوْلهَا سَوَاء كَانَت ذَات زوج أَو لَا.
وَالْفرق هُوَ أَن أصل أَن كل من ادّعى أمرا لَا يُمكنهُ إثْبَاته بِالْبَيِّنَةِ كَانَ القَوْل فِيهِ قَوْله من غير بَيِّنَة، وكل من ادّعى أمرا يُمكن إثْبَاته بِالْبَيِّنَةِ لَا يقبل قَوْله فِيهِ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَالْمَرْأَة يُمكنهَا إِثْبَات النّسَب بِالْبَيِّنَةِ لَان انْفِصَال الْوَلَد مِنْهَا مِمَّا يُشَاهد فَلَا بُد لَهَا من بَيِّنَة، وَالرجل لَا يُمكنهُ إِقَامَة الْبَيِّنَة على الاعلاق لخفاء فِيهِ فَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا، والاول هُوَ الْمُخْتَار لعدم التحميل على أحد فيهمَا اهـ.
قَوْله: (وَهَذَا لَو غير
معبر) أَي إِذا كَانَ الْغُلَام لَا يعبر عَن نَفسه.
قَوْله: (فَهُوَ لمن صدقه) أَي فَالْقَوْل قَول الْغُلَام أَيهمَا صدقه يثبت نسبه مِنْهُ بتصديقه، فَلَو لم يصدقهما جَمِيعًا فَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة لقَوْله ط.
قَوْله: (لَان الخ) عِلّة لقَوْله فَهُوَ ابنهما، فَكَانَ الاولى تَقْدِيمه على قَوْله وَإِلَّا، وَأما كَونه لمن كَانَ صدقه إِذا كَانَ معبرا فعلته أَنه فِي يَد نَفسه.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَلَدَتْ أَمَةٌ) أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي وَادّعى الْوَلَد.
حموي.
قَوْله: (غرم الاب قيمَة الْوَلَد) وَلَا يغرم الْوَلَد حَتَّى لَو كَانَ الاب مَيتا تُؤْخَذ من تركته، وَوَلَاؤُهُ للْمُسْتَحقّ عَلَيْهِ لانه علق حر الاصل، وَإِنَّمَا قدر الرّقّ ضَرُورَة الْقَضَاء بِالْقيمَةِ فَلَا تعدو محلهَا.
قَوْله: (يَوْم الْخُصُومَة) لَا يَوْم الْقَضَاء وَلَا يَوْم الْولادَة.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يغرم قيمَة الْوَلَد يَوْم الْقَضَاء، وَإِلَيْهِ يُشِير.
قَوْله: (لانه يَوْم الْمَنْع) أَي منع الْوَلَد من الْمُسْتَحق، لَكِن فِي حَاشِيَة الشَّيْخ حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ مَا يُخَالِفهُ، حَيْثُ فسر يَوْم التخاصم بِيَوْم الْقَضَاء، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِعِبَارَة الزَّيْلَعِيّ وَشرح الطَّحَاوِيّ، وَلَا شكّ أَن الْمُغَايرَة بَينهمَا أظهر لاحْتِمَال تَأَخّر الْقَضَاء عَن التخاصم بِأَن لم يقم الْمُسْتَحق الْبَيِّنَة فِي يَوْم دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق بل فِي يَوْم آخر وَكَانَ بَين الْيَوْمَيْنِ تفَاوت بِالْقيمَةِ، يُؤَيّدهُ أَن قَول الطَّحَاوِيّ صَرِيح فِي الْمُغَايرَة بَين يومي التخاصم وَالْقَضَاء، إِلَّا أَن يُقَال: الْجمع بَينهمَا مُمكن.
تَأمل.
قَوْله: (وَهُوَ حر) أطلقهُ، وَلَكِن هَذَا إِذا
стр. 772
كَانَ حرا، أما إِذا كَانَ مكَاتبا أَو عبدا مَأْذُونا لَهُ فِي التَّزَوُّج يكون وَلَده عبدا: أَي قِنَا للْمُسْتَحقّ عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا لمُحَمد، وَهُوَ حر بِالْقيمَةِ عِنْده، وَبَاقِي التَّفْصِيل مَذْكُور فِي بَابه.
قَوْله: (لانه مغرور) أَي والامة ملك للْمُسْتَحقّ وَالْولد جزؤها فاستوجب الْمُسْتَحق النّظر إِلَيْهِ والمغرور مَعْذُور، وَقد بنى الامر على سَبَب صَحِيح فَوَجَبَ الْجمع بَين النظرين مهما أمكن، وَذَلِكَ بِجعْل الْوَلَد حر الاصل فِي حق الاب ورقيقا فِي حق الْمُسْتَحق، لَان اسْتِحْقَاق الاصل سَبَب اسْتِحْقَاق الْجُزْء فَيضمن الاب قِيمَته يَوْم الْخُصُومَة.
وَاعْلَم أَن ولد الْمَغْرُور حر الاصل من غير خلاف، وَلَا خلاف أَنه مَضْمُون على الاب إِلَّا أَن السّلف اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الضَّمَان، فَقَالَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يفك الْغُلَام بالغلام وَالْجَارِيَة بالجارية: يَعْنِي إِذا كَانَ الْوَلَد غُلَاما فعلى الاب غُلَام مثله، وَإِن كَانَ جَارِيَة فَعَلَيهِ جَارِيَة
مثلهَا.
وَقَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: قِيمَته، وَإِلَيْهِ ذهب أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ قد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الْحَيَوَان لَا يضمن بِالْمثلِ، وَتَأْويل الحَدِيث الْغُلَام بِقِيمَة الْغُلَام وَالْجَارِيَة بِقِيمَة الْجَارِيَة، ولان النّظر من الْجَانِبَيْنِ وَاجِب دفعا للضَّرَر عَنْهُمَا فَيجْعَل الْوَلَد حر الاصل فِي حق أَبِيه رَقِيقا فِي حق مدعيه نظرا لَهما.
عناية.
قَوْله: (فَلِذَا قَالَ) أَي لكَون الْمَغْرُور من اعْتمد فِي وَطئه على ملك يَمِين الخ: أَي وَلم يُقيد بِالشِّرَاءِ، فَعلم أَن قَول المُصَنّف أَولا اشْتَرَاهَا اتفاقي.
قَوْله: (وَكَذَا الحكم لَو ملكهَا بِسَبَب آخر) كَمَا لَو ملكهَا أُجْرَة عين لَهُ آجرها أَو اتهبها أَو تصدق بهَا عَلَيْهِ أَو أوصى لَهُ بهَا، إِلَّا أَن رُجُوع الْمَغْرُور بِمَا ضمن لَا يعم هَذِه الصُّور، بل يقْتَصر على الْمُشْتَرَاة والمجعولة أُجْرَة والمنكوحة بِشَرْط الْحُرِّيَّة لَا الْمَوْهُوبَة.
والمتصدق بهَا وَالْمُوصى بهَا.
أَفَادَهُ أَبُو السُّعُود.
قَوْله: (عَيْني) حَيْثُ قَالَ: النّظر من الْجَانِبَيْنِ وَاجِب فَيجْعَل الْوَلَد حر الاصل فِي حق الاب رَقِيقا فِي حق الْمُسْتَحق فَيضمن قِيمَته يَوْم الْخُصُومَة لانه يَوْم الْمَنْع، وَيجب على الاب دون الْوَلَد، حَتَّى لَو كَانَ الاب مَيتا تُؤْخَذ من تركته، وَلَا وَلَاء للْمُسْتَحقّ عَلَيْهِ لانه علق حر الاصل، وَكَذَا إِذا ملكهَا بِسَبَب آخر غير الشِّرَاء، وَكَذَا إِذا تزَوجهَا على أَنَّهَا حرَّة فَولدت ثمَّ اسْتحقَّت، روى ذَلِك عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي النِّكَاح.
وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الشِّرَاء بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا اهـ.
قَوْله: (كَمَا لَو تزَوجهَا على أَنَّهَا حرَّة) أَي بِأَن كَانَ المزوج وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا عَنْهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَلَا رُجُوعَ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْمُخْبِرِ إِلَّا فِي ثَلَاث مسَائِل: مِنْهَا إذَا كَانَ الْغُرُورُ بِالشَّرْطِ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُخْبِرِ بِمَا غَرِمَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْ قيمَة الْوَلَد.
وَتَمَامه فِي بَاب الْمُرَابَحَة التَّوْلِيَة وَفِي بَاب الِاسْتِحْقَاق.
قَوْله: (غرم قيمَة وَلَده) أَي وَيرجع ذَلِك عَلَى الْمُخْبِرِ كَمَا مَرَّ فِي آخِرِ بَابِ الْمُرَابَحَة.
قَوْله: (وإرثه لَهُ) أَي لَو مَاتَ الْوَلَد وَترك مَالا فَهُوَ لابيه، وَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا لِأَنَّ الْإِرْثَ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَن الْوَلَد فَلَا يقوم مقَامه فَلم يَجْعَل سَلامَة الارث كسلامته.
قَوْله: (لانه حر الاصل) فَإِن قلت: إِنَّه ظهر مِنْهُ أَنه رَقِيق فِي حق الْمُسْتَحق فَوَجَبَ أَن تكون التَّرِكَة بَينهمَا، قلت: بل هُوَ حر فِي حق الْمُسْتَحق أَيْضا، حَتَّى لَو لم
стр. 773
يكن لَهُ وَلَاء فِيهِ، وَإِنَّمَا جعل رَقِيقا ضَرُورَة الْقَضَاء بِالْقيمَةِ، وَمَا ثَبت بِالضَّرُورَةِ يتَقَدَّر بِقَدرِهَا كَمَا فِي الشُّرُوح، فَظهر أَن معنى قَوْله لانه حر الاصل فِي حَقه أَنه حر فِي جَمِيع الاحكام من كل وَجه فِي حق غير الْمُسْتَحق، وَفِي حق الْمُسْتَحق إِنَّمَا هُوَ رَقِيق فِي حق الضَّمَان.
قَوْله: (فَإِن قَتله أَبوهُ) إِنَّمَا غرم لَان الْمَنْع تحقق بقتْله.
قَوْله: (غرم الاب قِيمَته للْمُسْتَحقّ) لوُجُود الْمَنْع مِنْهُ فِيمَا إِذا كَانَ هُوَ الْقَاتِل ولقبضه بدله فِيمَا إِذا كَانَ الْقَاتِل غَيره، فَلِذَا لَا يُؤْخَذ مِنْهُ فَوق مَا قبض كَمَا سَيَأْتِي، بِخِلَاف مِيرَاث الْوَلَد فَإِنَّهُ لَيْسَ بَدَلا عَنهُ، بل آل إِلَيْهِ خلَافَة عَنهُ كَمَا هُوَ طَريقَة الارث وَهُوَ حر الاصل فِي حَقه، والغرامة فِي مَاله لَو كَانَ الْوَلَد حَيا لَا فِي مَال الْوَلَد وَهُوَ لم يمنعهُ وَلَا بدله فَلَا شئ عَلَيْهِ.
قَوْله: (لَا شئ عَلَيْهِ) لَان الْمَنْع لَا يتَحَقَّق فِيمَا لم يصل إِلَيْهِ.
قَوْله: (لزمَه بِقَدرِهِ) اعْتِبَارا للْبَعْض بِالْكُلِّ.
قَوْله: (فِي الصُّورَتَيْنِ) أَي صُورَتي الْملك والتزوج، أما فِي صُورَة الْملك فلَان البَائِع صَار كَفِيلا بِمَا شَرطه من الْبَدَل لوُجُوب سَلامَة الْبَدَلَيْنِ فِي البيع وَلما سلم الثّمن للْبَائِع وَجب سَلامَة الْمَبِيع للْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ بِجعْل البَائِع كَفِيلا لتملكه الْبَدَل، لانه ضمن سلامتها من عيب والاستحقاق عيب.
وَأما فِي صُورَة النِّكَاح فلَان الِاسْتِيلَاد مَبْنِيّ على التَّزَوُّج وَشرط الْحُرِّيَّة كوصف لَازم للتزوج فَنزل: أَي المزوج قَائِلا: أَنا كَفِيل بِمَا لزم فِي هَذَا العقد، بِخِلَاف مَا إِذا أخبرهُ رجل أَنَّهَا حرَّة أَو أخبر بِهِ هِيَ وَتَزَوجهَا من غير شَرط الْحُرِّيَّة حَيْثُ يكون الْوَلَد رَقِيقا، وَلَا يرجع على الْمخبر بشئ لَان الاخبار سَبَب مَحْض، لَان العقد حصل بِاخْتِيَار الرجل وَالْمَرْأَة، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ حكم الْعلَّة بالغرور وَذَلِكَ بِأحد أَمريْن: بِالشّرطِ أَو بالمعاوضة كَمَا فِي الْمَقْدِسِي، وَهَذَا ظَاهر فِيمَا إِذا أرجعنا الصُّورَتَيْنِ إِلَى مَا ذكرنَا، أما إِذا أرجعنا الصُّورَتَيْنِ إِلَى قَوْله فَإِن قَتله أَبوهُ أَو غَيره كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيّ فَلَا يظْهر فِيمَا إِذا قَتله الاب لانه ضَمَان إِتْلَاف فَكيف يرجع بِمَا غرم؟ وَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِذَلِكَ: أَيْ بِالرُّجُوعِ فِيمَا إِذا قَتله غَيره وبعدمه بقتْله، والاولى إرجاع الصُّورَتَيْنِ إِلَى مَا إِذا اسْتَوْلدهَا وَمَا إِذا قَتله غير الاب، فَتَأمل.
قَوْله: (وَلَو هالكة) يَعْنِي إِذا هَلَكت عِنْد المُشْتَرِي فضمنه: أَي الْمُسْتَحق قيمتهَا وَقِيمَة الْوَلَد فَإِنَّهُ يرجع على البَائِع بِثمنِهَا وبقيمة الْوَلَد لَا بِمَا ضمن من قيمتهَا، لانه لما أَخذ الْمُسْتَحق قيمتهَا صَار كَأَنَّهُ أَخذ عينهَا، وَفِي أَخذ الْعين لَا يرجع إِلَّا بِالثّمن فَكَذَا فِي أَخذ الْقيمَة.
وَالْحَاصِل: أَن الْمُسْتَحق يَأْخُذهَا لَو قَائِمَة وَقيمتهَا لَو كَانَت هالكة، وَيرجع بذلك على بَائِعه لانه بِعقد البيع ضمن لَهُ السَّلامَة، بِخِلَاف الْوَاهِب أَو الْمُعير لَو هَلَكت فِي يَده فضمنه الْمُسْتَحق قيمتهَا لانهما محسنان وَمَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل فَلَا يرجع عَلَيْهِمَا كَمَا ذكرنَا.
قَوْله: (وَكَذَا لَو اسْتَوْلدهَا المُشْتَرِي الثَّانِي) فَإِن المُشْتَرِي الثَّانِي يرجع على المُشْتَرِي الاول بِالثّمن وبقيمة الْوَلَد.
قَوْله: (لَكِنْ إنَّمَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ عَلَى الْبَائِعِ الاول بِالثّمن فَقَط) وَلَا يرجع بِقِيمَة الْوَلَد عِنْد الامام.
وَقَالا: يرجع عَلَيْهِ
стр. 774
بِقِيمَة الْوَلَد أَيْضا، لَان البَائِع الاول ضمن للثَّانِي سَلامَة الْوَلَد فِي ضمن البيع وَلم يسلم لَهُ حَيْثُ أَخذ مِنْهُ قيمَة الْوَلَد فَيرجع بِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الثّمن وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ.
ولابي حنيفَة أَن البَائِع الاول ضمن للْمُشْتَرِي سَلامَة أَوْلَاده دون أَوْلَاد المُشْتَرِي مِنْهُ، لَان ضَمَان السَّلامَة إِنَّمَا بثبت بِالْبيعِ، وَالْبيع الثَّانِي لَا يُضَاف إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُضَاف إِلَى البَائِع الثَّانِي لمباشرته بِاخْتِيَارِهِ فَيَنْقَطِع بِهِ سَبَب الاول، بِخِلَاف الثّمن لَان البَائِع الاول ضمن للْبَائِع الثَّانِي سَلامَة الْمَبِيع وَلم يسلم لَهُ فَلَا يسلم للْبَائِع الثّمن، وَبِخِلَاف الرَّد بِالْعَيْبِ لَان المُشْتَرِي الاول اسْتَحَقَّه سليما وَلم يُوجد اهـ.
منح.
قَوْله: (كَمَا فِي الْمَوَاهِب) وعبارتها: وَلَو اسْتحقَّت أمة بَعْدَمَا اسْتَوْلدهَا المُشْتَرِي الثَّانِي غرم الْعقر وَقِيمَة الْوَلَد وَقت الْخُصُومَة، وَيرجع بِالثّمن وَقِيمَته على البَائِع وَهُوَ يرجع بِالثّمن فَقَط انْتهى.
قَوْله: (لَا بعقرها) أَي لَا يرجع بالعقر الَّذِي أَخذه مِنْهُ الْمُسْتَحق لانه لزمَه بِاسْتِيفَاء مَنَافِعهَا: أَي مَنَافِع بضعهَا وَهُوَ الوطئ وَهِي لَيست من أَجزَاء الْمَبِيع فَلم يكن البَائِع ضَامِنا لسلامته.
صدر الشَّرِيعَة.
قَوْله بِاسْتِيفَاء مَنَافِعهَا على حذف مُضَاف: أَي مَنَافِع بضعهَا، دلّ على ذَلِك قَول الزَّيْلَعِيّ: الْعقر عوض عَمَّا استوفى من مَنَافِع الْبضْع، فَلَو رَجَعَ بِهِ سلم لَهُ المستوفي مجَّانا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: يرجع بالعقر أَيْضا على البَائِع.
قَوْله: (التَّنَاقُض فِي مَوضِع الخفاء عَفْوٌ) فِي الْأَشْبَاهِ: يُعْذَرُ الْوَارِثُ وَالْوَصِيُّ وَالْمُتَوَلِّي للْجَهْل اهـ.
لَعَلَّهُ لِجَهْلِهِ بِمَا فَعَلَهُ الْمُوَرِّثُ وَالْمُوصِي وَالْمَوْلَى.
وَفِي دَعْوَى الْأَنْقِرْوِيِّ فِي التَّنَاقُضِ الْمَدْيُونُ بَعْدَ قَضَاء الدّين أَو المختلعة بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْخُلْعِ: لَوْ بَرْهَنَتْ عَلَى طَلَاقِ الزَّوْجِ قَبْلَ الْخُلْعِ وَبَرْهَنَ عَلَى إبْرَاءِ الدّين يقبل، ثمَّ نُقِلَ أَنَّهُ إذَا اُسْتُمْهِلَ فِي قَضَاءِ
الدَّيْنِ ثمَّ ادّعى الابراء لَا يسمع.
سائحاني.
وَقدمنَا نَظِيره وَمِنْه الاقرار بِالرّضَاعِ، فَلَو قَالَ هَذِه رضيعتي ثمَّ اعْترف بالْخَطَأ يصدق فِي دَعْوَاهُ الْخَطَأ، وَله أَن يَتَزَوَّجهَا بعد ذَلِك، وَهَذَا مَشْرُوط بِمَا إِذا لم يثبت على إِقْرَاره بِأَن قَالَ هُوَ حَقٌّ أَوْ صِدْقٌ أَوْ كَمَا قُلْت أَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُهُودًا أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ الثَّبَاتِ اللَّفْظِيِّ الدَّالِّ على الثَّبَات النَّفْسِيّ، واتفقت فِي ذَلِك مبَاحث طَوِيلَة الذيول لَا يحْتَمل هَذِه الاوراق إيرادها، والعذر للْمقر فِي رُجُوعه عَن ذَلِك لانه مِمَّا يخفى عَلَيْهِ، فقد يظْهر بعد إِقْرَاره خطأ النَّاقِل.
وَمِنْهَا: تَصْدِيق الْوَرَثَة الزَّوْجَة على الزَّوْجِيَّة وَدفع الْمِيرَاث لَهَا ثمَّ دَعوَاهُم استرجاع الْمِيرَاث بِحكم الطَّلَاق الْمَانِع مِنْهُ حَيْثُ تسمع دَعوَاهُم لقِيَام الْعذر فِي ذَلِك لَهُم حَيْثُ استصحبوا الْحَال فِي الزَّوْجِيَّة وخفيت عَلَيْهِم الْبَيْنُونَة.
وَمِنْهَا: مَا إِذا أدّى الْمكَاتب بدل الْكِتَابَة ثمَّ ادّعى الْعتْق قبل الْكِتَابَة قيل لانه يخفى عَلَيْهِ الْعتْق.
وَمِنْهَا: مَا إِذا اسْتَأْجر دَارا ثمَّ ادّعى ملكهَا على الْمُؤَجّر وَأَنَّهَا صَارَت إِلَى الْمُسْتَأْجر مِيرَاثا عَن أَبِيه إِذْ هُوَ مِمَّا يخفى.
وَمِنْهَا: مَا إِذا اسْتَأْجر ثوبا مطويا فِي جراب أَو منديل أَو غير ذَلِك، فَلَمَّا نشره قَالَ هَذَا متاعي
стр. 775
تسمع دَعْوَاهُ وَتقبل بَينته، فالدعوى مسموعة مَعَ التَّنَاقُض فِي جَمِيع هَذِه الصُّور مُطلقًا لمُطلق الْعذر على الرَّاجِح الْمُفْتى بِهِ.
وَمن الْمَشَايِخ من اعْتبر الناقض فِي جَمِيع هَذِه الصُّور فَمنع سَماع الدَّعْوَى إِذا تقدم مَا ينافيها إِلَّا فِي مَسْأَلَة الرَّضَاع وَمَسْأَلَة إكذاب القَاضِي الْمُدَّعِي فِي التَّنَاقُض السَّابِق، وَهِي مَا إِذا أَمر إنْسَانا بِقَضَاء دينه فَزعم الْمَأْمُور أَنه قَضَاء عَن أمره وَصدقه الْآمِر وَكَانَ الاذن بِالْقضَاءِ مَشْرُوطًا بِالرُّجُوعِ فَرجع الْمَأْمُور على الْآمِر بِالْمَالِ الَّذِي صدقه على أَدَائِهِ للدائن فجَاء رب الدّين بعد ذَلِك وَادّعى على الْآمِر الْمَدْيُون بِدِينِهِ وَأَن الْمَأْمُور لم يُعْطه شَيْئا وَحلف على ذَلِك يقْضِي لَهُ القَاضِي على الْآمِر بأَدَاء الدّين، فَإِذا أَدَّاهُ ثمَّ ادّعى الْآمِر على الْمَأْمُور بِمَا كَانَ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ بِحكم تَصْدِيقه، فَهَل الدَّعْوَى مسموعة مَعَ التَّنَاقُض لَان القَاضِي أكذب الْمُدَّعِي الَّذِي هُوَ الْآمِر فِيمَا سبق مِنْهُ من تَصْدِيق الْمَأْمُور حَيْثُ قضى عَلَيْهِ
بِدفع الدّين إِلَى الدَّائِن وَالْحَال مَا ذكر مَانِعا من الرُّجُوع عَلَيْهِ بِالْمَالِ؟ ثمَّ قَالَ: وَهل يشْتَرط فِي صِحَة سَماع الدَّعْوَى إبداء الْمُدَّعِي عذره عِنْد القَاضِي والتوفيق بَين الدَّعْوَى وَبَين مَا سبق، أَو لَا يشْتَرط ذَلِك ويكتفي القَاضِي بِإِمْكَان الْعذر والتوفيق، وَقدمنَا الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفِي، فَرَاجعه.
وَمِمَّا يتَّصل بِهَذَا الْفَرْع: أَعنِي قَوْله التَّنَاقُض فِي مَوضِع الخفاء عَفْو مَا ذكره فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: قدم بَلْدَة واستأجر دَارا فَقيل لَهُ هَذِه دَار أَبِيك مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا فادعاها الْمُسْتَأْجر وَقَالَ مَا كنت أعلم بهَا لَا تسمع للتناقض.
أَقُول: يَنْبَغِي أَن تسمع فِيهِ وَفِي أَمْثَاله، إِذْ التَّنَاقُض إِنَّمَا يمْنَع مَا لم يوفق أَو لم يُمكن توفيقه.
وَأما إِذا وفْق فَيَنْبَغِي أَن تسمع إِذْ لَا تنَاقض حِينَئِذٍ حَقِيقَة، أما لَو أمكن توفيقه وَلَكِن لم يوفق فَفِيهِ اخْتِلَاف، وَنَصّ فِي هَذَا وَغَيره على أَن الامكان يَكْفِي اهـ.
وَقدمنَا أَنه فِي مَحل الخفاء لَا يَكْفِي الامكان، وَإِلَّا فَلَا بُد مِنْهُ.
قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: وَالظَّاهِر أَن صَاحب الْفُصُولَيْنِ لم يطلع على نَص صَرِيح يُفِيد سماعهَا، وَقد ظَفرت بِهِ فِي الْبَحْر الرَّائِق فِي بَاب الِاسْتِحْقَاق، وَفِي شرح قَوْله لَا الْحُرِّيَّة وَالنّسب وَالطَّلَاق، حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْعُيُون: قدم بَلْدَة وَاشْترى أَو اسْتَأْجر دَارا ثمَّ ادَّعَاهَا قَائِلا بِأَنَّهَا دَار أَبِيه مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا وَكَانَ لم يعرفهُ وَقت الاستيام لَا يقبل وَالْقَبُول أصح.
اهـ.
ذكره الْغَزِّي.
أَقُول: قَول أَقُول الخ لَا يدل على عدم اطِّلَاعه، بل هُوَ اخْتِيَار مِنْهُ لما هُوَ الاصح وتعليل لَهُ.
وَأَقُول: قَوْله وَاشْترى يدل على أَنه لَو قَاسم فَهُوَ كَذَلِك، وَهِي وَاقعَة الْفَتْوَى.
قَاسم عَمْرو كرما ثمَّ اطلع على أَن الْجَمِيع لوالده غرسه بِيَدِهِ ثمَّ مَاتَ وَتَركه لَهُ مِيرَاثا وَلم يعلم بذلك وَقت الْقِسْمَة، وَسَيَأْتِي مَا هُوَ أدل، فَلْيتَأَمَّل.
وَالظَّاهِر أَن قَوْله قدم بَلْدَة لَيْسَ بِقَيْد بل لانه غَالِبا مَحل الخفاء، وَإِذا كَانَ مُقيما لَا يخفى غَالِبا، يُؤَيّدهُ مَا قدمه من قَوْله شراه أبي فِي صغري، فَتَأمل اهـ.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ فِي الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين: دفع الْوَصِيّ جَمِيع تَرِكَة الْمَيِّت إِلَى وَارثه وَأشْهد على نَفسه أَنه قبض مِنْهُ جَمِيع تَرِكَة وَالِده وَلَمْ يَبْقَ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ قَلِيلٌ وَلَا كثير إِلَّا اسْتَوْفَاهُ ثمَّ ادّعى دَارا فِي يَد الْوَصِيّ أَنَّهَا من تَرِكَة وَالِدي وَلم أقبضها، قَالَ: أقبل بِبَيِّنَتِهِ وأقضي بهَا لَهُ، أَرَأَيْت إِن قَالَ
قد استوفيت جَمِيع مَا تَركه وَالِدي من دين على النَّاس وقبضت كُله ثمَّ ادّعى دينا على رجل لابيه أَلا أقبل بِبَيِّنَتِهِ وأقضي لَهُ بِالدّينِ اهـ.
следующие страницы →