← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 918

تكملة حاشية ابن عابدين = قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار - ط الفكر

نجل ابن عابدين

Полный текст (1 094 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فَبعد ذَلِك إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة لَا يثبت النّسَب مِنْهَا، وَإِن ادَّعَت الْمَرْأَة أَولا أَنه من غَيره وَهُوَ فِي يَدهَا فَادّعى الرجل أَنه ابْنه من غَيرهَا بعد ذَلِك: فَإِن كَانَ بَينهمَا نِكَاح ظَاهر لَا يقبل فَهُوَ ابنهما، وَإِن لم يكن بَينهمَا نِكَاح ظَاهر فَالْقَوْل قَوْلهَا، وَيثبت نسبه مِنْهَا إِذا صدقهَا ذَلِك الرجل، هَذَا إِذا كَانَ الْغُلَام لَا يعبر عَن نَفسه. أما إِذا كَانَ يعبر عَن نَفسه وَلَيْسَ هُنَاكَ رق ظَاهر فَالْقَوْل قَول الْغُلَام أَيهمَا صدقه يثبت نسبه مِنْهُ بتصديقه. كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج. وأوضحه فِي الْعِنَايَة أيضاحا حسنا حَيْثُ قَالَ: إِذا ادَّعَت امْرَأَة صَبيا أَنه ابْنهَا، فإمَّا أَن تكون ذَات زوج أَو مُعْتَدَّة، أَو لَا مَنْكُوحَة وَلَا مُعْتَدَّة، فَإِن كَانَت ذَات زوج وصدقها فِيمَا زعمت أَنه ابْنهَا مِنْهُ ثَبت النّسَب مِنْهُمَا بالتزامه فَلَا حَاجَة إِلَى حجَّة، وَإِن كذبهَا لم تجز دعوتها حَتَّى تشهد بِالْولادَةِ امْرَأَة لانها تَدعِي تحميل النّسَب على الْغَيْر فَلَا تصدق إِلَّا بِالْحجَّةِ وَشَهَادَة الْقَابِلَة كَافِيَة لَان التَّعْيِين يحصل بهَا وَهُوَ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ، إِذْ النّسَب يثبت بالفراش الْقَائِم، وَقد صَحَّ أَنه ﵊ قبل شَهَادَة الْقَابِلَة على الْولادَة وَإِن كَانَت مُعْتَدَّة احْتَاجَت إِلَى حجَّة كَامِلَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: أَي وَهِي شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ، إِلَّا إِذا كَانَ هُنَاكَ حَبل ظَاهر أَو اعْترف من قبل الزَّوْج. وَقَالا: يَكْفِي فِي الْجَمِيع شَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة، وَقد مر فِي الطَّلَاق: وَإِن لم تكن ذَات زوج وَلَا مُعْتَدَّة قَالُوا يثبت النّسَب بقولِهَا لَان فِيهِ إلزاما على نَفسهَا دون غَيرهَا. وَفِي هَذَا لَا فرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا يقبل قَوْلهَا سَوَاء كَانَت ذَات زوج أَو لَا. وَالْفرق هُوَ أَن أصل أَن كل من ادّعى أمرا لَا يُمكنهُ إثْبَاته بِالْبَيِّنَةِ كَانَ القَوْل فِيهِ قَوْله من غير بَيِّنَة، وكل من ادّعى أمرا يُمكن إثْبَاته بِالْبَيِّنَةِ لَا يقبل قَوْله فِيهِ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَالْمَرْأَة يُمكنهَا إِثْبَات النّسَب بِالْبَيِّنَةِ لَان انْفِصَال الْوَلَد مِنْهَا مِمَّا يُشَاهد فَلَا بُد لَهَا من بَيِّنَة، وَالرجل لَا يُمكنهُ إِقَامَة الْبَيِّنَة على الاعلاق لخفاء فِيهِ فَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا، والاول هُوَ الْمُخْتَار لعدم التحميل على أحد فيهمَا اهـ. قَوْله: (وَهَذَا لَو غير معبر) أَي إِذا كَانَ الْغُلَام لَا يعبر عَن نَفسه. قَوْله: (فَهُوَ لمن صدقه) أَي فَالْقَوْل قَول الْغُلَام أَيهمَا صدقه يثبت نسبه مِنْهُ بتصديقه، فَلَو لم يصدقهما جَمِيعًا فَالظَّاهِر أَن الْعبْرَة لقَوْله ط. قَوْله: (لَان الخ) عِلّة لقَوْله فَهُوَ ابنهما، فَكَانَ الاولى تَقْدِيمه على قَوْله وَإِلَّا، وَأما كَونه لمن كَانَ صدقه إِذا كَانَ معبرا فعلته أَنه فِي يَد نَفسه. قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَلَدَتْ أَمَةٌ) أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي وَادّعى الْوَلَد. حموي. قَوْله: (غرم الاب قيمَة الْوَلَد) وَلَا يغرم الْوَلَد حَتَّى لَو كَانَ الاب مَيتا تُؤْخَذ من تركته، وَوَلَاؤُهُ للْمُسْتَحقّ عَلَيْهِ لانه علق حر الاصل، وَإِنَّمَا قدر الرّقّ ضَرُورَة الْقَضَاء بِالْقيمَةِ فَلَا تعدو محلهَا. قَوْله: (يَوْم الْخُصُومَة) لَا يَوْم الْقَضَاء وَلَا يَوْم الْولادَة. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يغرم قيمَة الْوَلَد يَوْم الْقَضَاء، وَإِلَيْهِ يُشِير. قَوْله: (لانه يَوْم الْمَنْع) أَي منع الْوَلَد من الْمُسْتَحق، لَكِن فِي حَاشِيَة الشَّيْخ حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ مَا يُخَالِفهُ، حَيْثُ فسر يَوْم التخاصم بِيَوْم الْقَضَاء، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِعِبَارَة الزَّيْلَعِيّ وَشرح الطَّحَاوِيّ، وَلَا شكّ أَن الْمُغَايرَة بَينهمَا أظهر لاحْتِمَال تَأَخّر الْقَضَاء عَن التخاصم بِأَن لم يقم الْمُسْتَحق الْبَيِّنَة فِي يَوْم دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق بل فِي يَوْم آخر وَكَانَ بَين الْيَوْمَيْنِ تفَاوت بِالْقيمَةِ، يُؤَيّدهُ أَن قَول الطَّحَاوِيّ صَرِيح فِي الْمُغَايرَة بَين يومي التخاصم وَالْقَضَاء، إِلَّا أَن يُقَال: الْجمع بَينهمَا مُمكن. تَأمل. قَوْله: (وَهُوَ حر) أطلقهُ، وَلَكِن هَذَا إِذا

стр. 772

كَانَ حرا، أما إِذا كَانَ مكَاتبا أَو عبدا مَأْذُونا لَهُ فِي التَّزَوُّج يكون وَلَده عبدا: أَي قِنَا للْمُسْتَحقّ عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا لمُحَمد، وَهُوَ حر بِالْقيمَةِ عِنْده، وَبَاقِي التَّفْصِيل مَذْكُور فِي بَابه. قَوْله: (لانه مغرور) أَي والامة ملك للْمُسْتَحقّ وَالْولد جزؤها فاستوجب الْمُسْتَحق النّظر إِلَيْهِ والمغرور مَعْذُور، وَقد بنى الامر على سَبَب صَحِيح فَوَجَبَ الْجمع بَين النظرين مهما أمكن، وَذَلِكَ بِجعْل الْوَلَد حر الاصل فِي حق الاب ورقيقا فِي حق الْمُسْتَحق، لَان اسْتِحْقَاق الاصل سَبَب اسْتِحْقَاق الْجُزْء فَيضمن الاب قِيمَته يَوْم الْخُصُومَة. وَاعْلَم أَن ولد الْمَغْرُور حر الاصل من غير خلاف، وَلَا خلاف أَنه مَضْمُون على الاب إِلَّا أَن السّلف اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الضَّمَان، فَقَالَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يفك الْغُلَام بالغلام وَالْجَارِيَة بالجارية: يَعْنِي إِذا كَانَ الْوَلَد غُلَاما فعلى الاب غُلَام مثله، وَإِن كَانَ جَارِيَة فَعَلَيهِ جَارِيَة مثلهَا. وَقَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ: قِيمَته، وَإِلَيْهِ ذهب أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ قد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الْحَيَوَان لَا يضمن بِالْمثلِ، وَتَأْويل الحَدِيث الْغُلَام بِقِيمَة الْغُلَام وَالْجَارِيَة بِقِيمَة الْجَارِيَة، ولان النّظر من الْجَانِبَيْنِ وَاجِب دفعا للضَّرَر عَنْهُمَا فَيجْعَل الْوَلَد حر الاصل فِي حق أَبِيه رَقِيقا فِي حق مدعيه نظرا لَهما. عناية. قَوْله: (فَلِذَا قَالَ) أَي لكَون الْمَغْرُور من اعْتمد فِي وَطئه على ملك يَمِين الخ: أَي وَلم يُقيد بِالشِّرَاءِ، فَعلم أَن قَول المُصَنّف أَولا اشْتَرَاهَا اتفاقي. قَوْله: (وَكَذَا الحكم لَو ملكهَا بِسَبَب آخر) كَمَا لَو ملكهَا أُجْرَة عين لَهُ آجرها أَو اتهبها أَو تصدق بهَا عَلَيْهِ أَو أوصى لَهُ بهَا، إِلَّا أَن رُجُوع الْمَغْرُور بِمَا ضمن لَا يعم هَذِه الصُّور، بل يقْتَصر على الْمُشْتَرَاة والمجعولة أُجْرَة والمنكوحة بِشَرْط الْحُرِّيَّة لَا الْمَوْهُوبَة. والمتصدق بهَا وَالْمُوصى بهَا. أَفَادَهُ أَبُو السُّعُود. قَوْله: (عَيْني) حَيْثُ قَالَ: النّظر من الْجَانِبَيْنِ وَاجِب فَيجْعَل الْوَلَد حر الاصل فِي حق الاب رَقِيقا فِي حق الْمُسْتَحق فَيضمن قِيمَته يَوْم الْخُصُومَة لانه يَوْم الْمَنْع، وَيجب على الاب دون الْوَلَد، حَتَّى لَو كَانَ الاب مَيتا تُؤْخَذ من تركته، وَلَا وَلَاء للْمُسْتَحقّ عَلَيْهِ لانه علق حر الاصل، وَكَذَا إِذا ملكهَا بِسَبَب آخر غير الشِّرَاء، وَكَذَا إِذا تزَوجهَا على أَنَّهَا حرَّة فَولدت ثمَّ اسْتحقَّت، روى ذَلِك عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي النِّكَاح. وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الشِّرَاء بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا اهـ. قَوْله: (كَمَا لَو تزَوجهَا على أَنَّهَا حرَّة) أَي بِأَن كَانَ المزوج وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا عَنْهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذا أَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَلَا رُجُوعَ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْمُخْبِرِ إِلَّا فِي ثَلَاث مسَائِل: مِنْهَا إذَا كَانَ الْغُرُورُ بِالشَّرْطِ كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُخْبِرِ بِمَا غَرِمَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْ قيمَة الْوَلَد. وَتَمَامه فِي بَاب الْمُرَابَحَة التَّوْلِيَة وَفِي بَاب الِاسْتِحْقَاق. قَوْله: (غرم قيمَة وَلَده) أَي وَيرجع ذَلِك عَلَى الْمُخْبِرِ كَمَا مَرَّ فِي آخِرِ بَابِ الْمُرَابَحَة. قَوْله: (وإرثه لَهُ) أَي لَو مَاتَ الْوَلَد وَترك مَالا فَهُوَ لابيه، وَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا لِأَنَّ الْإِرْثَ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَن الْوَلَد فَلَا يقوم مقَامه فَلم يَجْعَل سَلامَة الارث كسلامته. قَوْله: (لانه حر الاصل) فَإِن قلت: إِنَّه ظهر مِنْهُ أَنه رَقِيق فِي حق الْمُسْتَحق فَوَجَبَ أَن تكون التَّرِكَة بَينهمَا، قلت: بل هُوَ حر فِي حق الْمُسْتَحق أَيْضا، حَتَّى لَو لم

стр. 773

يكن لَهُ وَلَاء فِيهِ، وَإِنَّمَا جعل رَقِيقا ضَرُورَة الْقَضَاء بِالْقيمَةِ، وَمَا ثَبت بِالضَّرُورَةِ يتَقَدَّر بِقَدرِهَا كَمَا فِي الشُّرُوح، فَظهر أَن معنى قَوْله لانه حر الاصل فِي حَقه أَنه حر فِي جَمِيع الاحكام من كل وَجه فِي حق غير الْمُسْتَحق، وَفِي حق الْمُسْتَحق إِنَّمَا هُوَ رَقِيق فِي حق الضَّمَان. قَوْله: (فَإِن قَتله أَبوهُ) إِنَّمَا غرم لَان الْمَنْع تحقق بقتْله. قَوْله: (غرم الاب قِيمَته للْمُسْتَحقّ) لوُجُود الْمَنْع مِنْهُ فِيمَا إِذا كَانَ هُوَ الْقَاتِل ولقبضه بدله فِيمَا إِذا كَانَ الْقَاتِل غَيره، فَلِذَا لَا يُؤْخَذ مِنْهُ فَوق مَا قبض كَمَا سَيَأْتِي، بِخِلَاف مِيرَاث الْوَلَد فَإِنَّهُ لَيْسَ بَدَلا عَنهُ، بل آل إِلَيْهِ خلَافَة عَنهُ كَمَا هُوَ طَريقَة الارث وَهُوَ حر الاصل فِي حَقه، والغرامة فِي مَاله لَو كَانَ الْوَلَد حَيا لَا فِي مَال الْوَلَد وَهُوَ لم يمنعهُ وَلَا بدله فَلَا شئ عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا شئ عَلَيْهِ) لَان الْمَنْع لَا يتَحَقَّق فِيمَا لم يصل إِلَيْهِ. قَوْله: (لزمَه بِقَدرِهِ) اعْتِبَارا للْبَعْض بِالْكُلِّ. قَوْله: (فِي الصُّورَتَيْنِ) أَي صُورَتي الْملك والتزوج، أما فِي صُورَة الْملك فلَان البَائِع صَار كَفِيلا بِمَا شَرطه من الْبَدَل لوُجُوب سَلامَة الْبَدَلَيْنِ فِي البيع وَلما سلم الثّمن للْبَائِع وَجب سَلامَة الْمَبِيع للْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ بِجعْل البَائِع كَفِيلا لتملكه الْبَدَل، لانه ضمن سلامتها من عيب والاستحقاق عيب. وَأما فِي صُورَة النِّكَاح فلَان الِاسْتِيلَاد مَبْنِيّ على التَّزَوُّج وَشرط الْحُرِّيَّة كوصف لَازم للتزوج فَنزل: أَي المزوج قَائِلا: أَنا كَفِيل بِمَا لزم فِي هَذَا العقد، بِخِلَاف مَا إِذا أخبرهُ رجل أَنَّهَا حرَّة أَو أخبر بِهِ هِيَ وَتَزَوجهَا من غير شَرط الْحُرِّيَّة حَيْثُ يكون الْوَلَد رَقِيقا، وَلَا يرجع على الْمخبر بشئ لَان الاخبار سَبَب مَحْض، لَان العقد حصل بِاخْتِيَار الرجل وَالْمَرْأَة، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ حكم الْعلَّة بالغرور وَذَلِكَ بِأحد أَمريْن: بِالشّرطِ أَو بالمعاوضة كَمَا فِي الْمَقْدِسِي، وَهَذَا ظَاهر فِيمَا إِذا أرجعنا الصُّورَتَيْنِ إِلَى مَا ذكرنَا، أما إِذا أرجعنا الصُّورَتَيْنِ إِلَى قَوْله فَإِن قَتله أَبوهُ أَو غَيره كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيّ فَلَا يظْهر فِيمَا إِذا قَتله الاب لانه ضَمَان إِتْلَاف فَكيف يرجع بِمَا غرم؟ وَقَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِذَلِكَ: أَيْ بِالرُّجُوعِ فِيمَا إِذا قَتله غَيره وبعدمه بقتْله، والاولى إرجاع الصُّورَتَيْنِ إِلَى مَا إِذا اسْتَوْلدهَا وَمَا إِذا قَتله غير الاب، فَتَأمل. قَوْله: (وَلَو هالكة) يَعْنِي إِذا هَلَكت عِنْد المُشْتَرِي فضمنه: أَي الْمُسْتَحق قيمتهَا وَقِيمَة الْوَلَد فَإِنَّهُ يرجع على البَائِع بِثمنِهَا وبقيمة الْوَلَد لَا بِمَا ضمن من قيمتهَا، لانه لما أَخذ الْمُسْتَحق قيمتهَا صَار كَأَنَّهُ أَخذ عينهَا، وَفِي أَخذ الْعين لَا يرجع إِلَّا بِالثّمن فَكَذَا فِي أَخذ الْقيمَة. وَالْحَاصِل: أَن الْمُسْتَحق يَأْخُذهَا لَو قَائِمَة وَقيمتهَا لَو كَانَت هالكة، وَيرجع بذلك على بَائِعه لانه بِعقد البيع ضمن لَهُ السَّلامَة، بِخِلَاف الْوَاهِب أَو الْمُعير لَو هَلَكت فِي يَده فضمنه الْمُسْتَحق قيمتهَا لانهما محسنان وَمَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل فَلَا يرجع عَلَيْهِمَا كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَكَذَا لَو اسْتَوْلدهَا المُشْتَرِي الثَّانِي) فَإِن المُشْتَرِي الثَّانِي يرجع على المُشْتَرِي الاول بِالثّمن وبقيمة الْوَلَد. قَوْله: (لَكِنْ إنَّمَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ عَلَى الْبَائِعِ الاول بِالثّمن فَقَط) وَلَا يرجع بِقِيمَة الْوَلَد عِنْد الامام. وَقَالا: يرجع عَلَيْهِ

стр. 774

بِقِيمَة الْوَلَد أَيْضا، لَان البَائِع الاول ضمن للثَّانِي سَلامَة الْوَلَد فِي ضمن البيع وَلم يسلم لَهُ حَيْثُ أَخذ مِنْهُ قيمَة الْوَلَد فَيرجع بِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الثّمن وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ. ولابي حنيفَة أَن البَائِع الاول ضمن للْمُشْتَرِي سَلامَة أَوْلَاده دون أَوْلَاد المُشْتَرِي مِنْهُ، لَان ضَمَان السَّلامَة إِنَّمَا بثبت بِالْبيعِ، وَالْبيع الثَّانِي لَا يُضَاف إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُضَاف إِلَى البَائِع الثَّانِي لمباشرته بِاخْتِيَارِهِ فَيَنْقَطِع بِهِ سَبَب الاول، بِخِلَاف الثّمن لَان البَائِع الاول ضمن للْبَائِع الثَّانِي سَلامَة الْمَبِيع وَلم يسلم لَهُ فَلَا يسلم للْبَائِع الثّمن، وَبِخِلَاف الرَّد بِالْعَيْبِ لَان المُشْتَرِي الاول اسْتَحَقَّه سليما وَلم يُوجد اهـ. منح. قَوْله: (كَمَا فِي الْمَوَاهِب) وعبارتها: وَلَو اسْتحقَّت أمة بَعْدَمَا اسْتَوْلدهَا المُشْتَرِي الثَّانِي غرم الْعقر وَقِيمَة الْوَلَد وَقت الْخُصُومَة، وَيرجع بِالثّمن وَقِيمَته على البَائِع وَهُوَ يرجع بِالثّمن فَقَط انْتهى. قَوْله: (لَا بعقرها) أَي لَا يرجع بالعقر الَّذِي أَخذه مِنْهُ الْمُسْتَحق لانه لزمَه بِاسْتِيفَاء مَنَافِعهَا: أَي مَنَافِع بضعهَا وَهُوَ الوطئ وَهِي لَيست من أَجزَاء الْمَبِيع فَلم يكن البَائِع ضَامِنا لسلامته. صدر الشَّرِيعَة. قَوْله بِاسْتِيفَاء مَنَافِعهَا على حذف مُضَاف: أَي مَنَافِع بضعهَا، دلّ على ذَلِك قَول الزَّيْلَعِيّ: الْعقر عوض عَمَّا استوفى من مَنَافِع الْبضْع، فَلَو رَجَعَ بِهِ سلم لَهُ المستوفي مجَّانا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يرجع بالعقر أَيْضا على البَائِع. قَوْله: (التَّنَاقُض فِي مَوضِع الخفاء عَفْوٌ) فِي الْأَشْبَاهِ: يُعْذَرُ الْوَارِثُ وَالْوَصِيُّ وَالْمُتَوَلِّي للْجَهْل اهـ. لَعَلَّهُ لِجَهْلِهِ بِمَا فَعَلَهُ الْمُوَرِّثُ وَالْمُوصِي وَالْمَوْلَى. وَفِي دَعْوَى الْأَنْقِرْوِيِّ فِي التَّنَاقُضِ الْمَدْيُونُ بَعْدَ قَضَاء الدّين أَو المختلعة بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْخُلْعِ: لَوْ بَرْهَنَتْ عَلَى طَلَاقِ الزَّوْجِ قَبْلَ الْخُلْعِ وَبَرْهَنَ عَلَى إبْرَاءِ الدّين يقبل، ثمَّ نُقِلَ أَنَّهُ إذَا اُسْتُمْهِلَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ ثمَّ ادّعى الابراء لَا يسمع. سائحاني. وَقدمنَا نَظِيره وَمِنْه الاقرار بِالرّضَاعِ، فَلَو قَالَ هَذِه رضيعتي ثمَّ اعْترف بالْخَطَأ يصدق فِي دَعْوَاهُ الْخَطَأ، وَله أَن يَتَزَوَّجهَا بعد ذَلِك، وَهَذَا مَشْرُوط بِمَا إِذا لم يثبت على إِقْرَاره بِأَن قَالَ هُوَ حَقٌّ أَوْ صِدْقٌ أَوْ كَمَا قُلْت أَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُهُودًا أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ الثَّبَاتِ اللَّفْظِيِّ الدَّالِّ على الثَّبَات النَّفْسِيّ، واتفقت فِي ذَلِك مبَاحث طَوِيلَة الذيول لَا يحْتَمل هَذِه الاوراق إيرادها، والعذر للْمقر فِي رُجُوعه عَن ذَلِك لانه مِمَّا يخفى عَلَيْهِ، فقد يظْهر بعد إِقْرَاره خطأ النَّاقِل. وَمِنْهَا: تَصْدِيق الْوَرَثَة الزَّوْجَة على الزَّوْجِيَّة وَدفع الْمِيرَاث لَهَا ثمَّ دَعوَاهُم استرجاع الْمِيرَاث بِحكم الطَّلَاق الْمَانِع مِنْهُ حَيْثُ تسمع دَعوَاهُم لقِيَام الْعذر فِي ذَلِك لَهُم حَيْثُ استصحبوا الْحَال فِي الزَّوْجِيَّة وخفيت عَلَيْهِم الْبَيْنُونَة. وَمِنْهَا: مَا إِذا أدّى الْمكَاتب بدل الْكِتَابَة ثمَّ ادّعى الْعتْق قبل الْكِتَابَة قيل لانه يخفى عَلَيْهِ الْعتْق. وَمِنْهَا: مَا إِذا اسْتَأْجر دَارا ثمَّ ادّعى ملكهَا على الْمُؤَجّر وَأَنَّهَا صَارَت إِلَى الْمُسْتَأْجر مِيرَاثا عَن أَبِيه إِذْ هُوَ مِمَّا يخفى. وَمِنْهَا: مَا إِذا اسْتَأْجر ثوبا مطويا فِي جراب أَو منديل أَو غير ذَلِك، فَلَمَّا نشره قَالَ هَذَا متاعي

стр. 775

تسمع دَعْوَاهُ وَتقبل بَينته، فالدعوى مسموعة مَعَ التَّنَاقُض فِي جَمِيع هَذِه الصُّور مُطلقًا لمُطلق الْعذر على الرَّاجِح الْمُفْتى بِهِ. وَمن الْمَشَايِخ من اعْتبر الناقض فِي جَمِيع هَذِه الصُّور فَمنع سَماع الدَّعْوَى إِذا تقدم مَا ينافيها إِلَّا فِي مَسْأَلَة الرَّضَاع وَمَسْأَلَة إكذاب القَاضِي الْمُدَّعِي فِي التَّنَاقُض السَّابِق، وَهِي مَا إِذا أَمر إنْسَانا بِقَضَاء دينه فَزعم الْمَأْمُور أَنه قَضَاء عَن أمره وَصدقه الْآمِر وَكَانَ الاذن بِالْقضَاءِ مَشْرُوطًا بِالرُّجُوعِ فَرجع الْمَأْمُور على الْآمِر بِالْمَالِ الَّذِي صدقه على أَدَائِهِ للدائن فجَاء رب الدّين بعد ذَلِك وَادّعى على الْآمِر الْمَدْيُون بِدِينِهِ وَأَن الْمَأْمُور لم يُعْطه شَيْئا وَحلف على ذَلِك يقْضِي لَهُ القَاضِي على الْآمِر بأَدَاء الدّين، فَإِذا أَدَّاهُ ثمَّ ادّعى الْآمِر على الْمَأْمُور بِمَا كَانَ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ بِحكم تَصْدِيقه، فَهَل الدَّعْوَى مسموعة مَعَ التَّنَاقُض لَان القَاضِي أكذب الْمُدَّعِي الَّذِي هُوَ الْآمِر فِيمَا سبق مِنْهُ من تَصْدِيق الْمَأْمُور حَيْثُ قضى عَلَيْهِ بِدفع الدّين إِلَى الدَّائِن وَالْحَال مَا ذكر مَانِعا من الرُّجُوع عَلَيْهِ بِالْمَالِ؟ ثمَّ قَالَ: وَهل يشْتَرط فِي صِحَة سَماع الدَّعْوَى إبداء الْمُدَّعِي عذره عِنْد القَاضِي والتوفيق بَين الدَّعْوَى وَبَين مَا سبق، أَو لَا يشْتَرط ذَلِك ويكتفي القَاضِي بِإِمْكَان الْعذر والتوفيق، وَقدمنَا الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوْفِي، فَرَاجعه. وَمِمَّا يتَّصل بِهَذَا الْفَرْع: أَعنِي قَوْله التَّنَاقُض فِي مَوضِع الخفاء عَفْو مَا ذكره فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: قدم بَلْدَة واستأجر دَارا فَقيل لَهُ هَذِه دَار أَبِيك مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا فادعاها الْمُسْتَأْجر وَقَالَ مَا كنت أعلم بهَا لَا تسمع للتناقض. أَقُول: يَنْبَغِي أَن تسمع فِيهِ وَفِي أَمْثَاله، إِذْ التَّنَاقُض إِنَّمَا يمْنَع مَا لم يوفق أَو لم يُمكن توفيقه. وَأما إِذا وفْق فَيَنْبَغِي أَن تسمع إِذْ لَا تنَاقض حِينَئِذٍ حَقِيقَة، أما لَو أمكن توفيقه وَلَكِن لم يوفق فَفِيهِ اخْتِلَاف، وَنَصّ فِي هَذَا وَغَيره على أَن الامكان يَكْفِي اهـ. وَقدمنَا أَنه فِي مَحل الخفاء لَا يَكْفِي الامكان، وَإِلَّا فَلَا بُد مِنْهُ. قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: وَالظَّاهِر أَن صَاحب الْفُصُولَيْنِ لم يطلع على نَص صَرِيح يُفِيد سماعهَا، وَقد ظَفرت بِهِ فِي الْبَحْر الرَّائِق فِي بَاب الِاسْتِحْقَاق، وَفِي شرح قَوْله لَا الْحُرِّيَّة وَالنّسب وَالطَّلَاق، حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْعُيُون: قدم بَلْدَة وَاشْترى أَو اسْتَأْجر دَارا ثمَّ ادَّعَاهَا قَائِلا بِأَنَّهَا دَار أَبِيه مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا وَكَانَ لم يعرفهُ وَقت الاستيام لَا يقبل وَالْقَبُول أصح. اهـ. ذكره الْغَزِّي. أَقُول: قَول أَقُول الخ لَا يدل على عدم اطِّلَاعه، بل هُوَ اخْتِيَار مِنْهُ لما هُوَ الاصح وتعليل لَهُ. وَأَقُول: قَوْله وَاشْترى يدل على أَنه لَو قَاسم فَهُوَ كَذَلِك، وَهِي وَاقعَة الْفَتْوَى. قَاسم عَمْرو كرما ثمَّ اطلع على أَن الْجَمِيع لوالده غرسه بِيَدِهِ ثمَّ مَاتَ وَتَركه لَهُ مِيرَاثا وَلم يعلم بذلك وَقت الْقِسْمَة، وَسَيَأْتِي مَا هُوَ أدل، فَلْيتَأَمَّل. وَالظَّاهِر أَن قَوْله قدم بَلْدَة لَيْسَ بِقَيْد بل لانه غَالِبا مَحل الخفاء، وَإِذا كَانَ مُقيما لَا يخفى غَالِبا، يُؤَيّدهُ مَا قدمه من قَوْله شراه أبي فِي صغري، فَتَأمل اهـ. وَفِي الْفُصُولَيْنِ فِي الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين: دفع الْوَصِيّ جَمِيع تَرِكَة الْمَيِّت إِلَى وَارثه وَأشْهد على نَفسه أَنه قبض مِنْهُ جَمِيع تَرِكَة وَالِده وَلَمْ يَبْقَ مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ قَلِيلٌ وَلَا كثير إِلَّا اسْتَوْفَاهُ ثمَّ ادّعى دَارا فِي يَد الْوَصِيّ أَنَّهَا من تَرِكَة وَالِدي وَلم أقبضها، قَالَ: أقبل بِبَيِّنَتِهِ وأقضي بهَا لَهُ، أَرَأَيْت إِن قَالَ قد استوفيت جَمِيع مَا تَركه وَالِدي من دين على النَّاس وقبضت كُله ثمَّ ادّعى دينا على رجل لابيه أَلا أقبل بِبَيِّنَتِهِ وأقضي لَهُ بِالدّينِ اهـ.

стр. 776

وَفِي الْبَزَّازِيَّة: لَوْ أَبْرَأَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْبَاقِيَ ثُمَّ ادَّعَى التَّرِكَة وَأنكر وَإِلَّا تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ أَقَرُّوا بِالتَّرِكَةِ أُمِرُوا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ. وفيهَا: وَلَو قَالَ تركت حَقي من الْمِيرَاث أَو بَرِئت مِنْهَا وَمن حصتي لَا يَصح وَهُوَ على حَقه، لَان الارث جبري لَا يَصح تَركه اهـ. وَفِي الْخَانِية: وَفِي الْوَصَايَا من تَصَرُّفَات الْوَصِيّ: أشهد الْيَتِيم على نَفسه بعد الْبلُوغ أَنه قبض من الْوَصِيّ جَمِيع تَرِكَة وَالِده وَلم يبْق لَهُ من تَرِكَة وَالِده عِنْده من قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إلَّا قَدْ اسْتَوْفَاهُ ثُمَّ ادّعى فِي يَد الْوَصِيّ شَيْئا وَقَالَ هُوَ من تَرِكَة وَالِدي وَأقَام الْبَيِّنَة قبلت بَينته، وَكَذَا لَو أقرّ الْوَارِث أَنه قد استوفى جَمِيع مَا ترك وَالِده من الدّين على النَّاس ثمَّ ادّعى لابيه دينا على رجل تسمع دَعْوَاهُ اهـ. وَقَول قاضيخان أشهد الْيَتِيم على نَفسه أَنه قبض تَرِكَة وَالِده. أَقُول: ذكر الطرسوسي فِي شرح فَوَائده الْمَنْظُومَة قلت: انْتقض قَوْلهم إِن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تعم، لَان قَوْله لم يبْق حق نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، فعلى مُقْتَضى الْقَاعِدَة لَا تصح دَعْوَاهُ بعد ذَلِك لتناقضه والمتناقض لَا تسمع دَعْوَاهُ وَلَا بَينته اهـ. أَقُول: إِنَّمَا اغتفر مثله لانه مَحل الخفاء بِكَوْنِهِ لَا يُحِيط علمه بِمَا ترك وَالِده بل قد يخفى عَلَيْهِ ذَلِك فيعفى التَّنَاقُض تَأمل. وَأَقُول: قد حرر سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى الْمَسْأَلَة برسالة سَمَّاهَا (إِعْلَام الاعلام بِأَحْكَام الابراء الْعَام) وفْق فِيهَا بَين عِبَارَات متعارضة وَرفع مَا فِيهَا من المناقضة. وَحَاصِل مَا فِيهَا الْفرق بَين إِقْرَار الابْن للْوَصِيّ وَبَين إِقْرَار الْوَرَثَة للْبَعْض، لما فِي الْبَزَّازِيَّة عَن الْمُحِيط لَو أَبْرَأ أحد الْوَرَثَة الْبَاقِي إِلَى آخر عبارتها الْمُتَقَدّمَة. وَوجه الْفرق بَينهمَا أَن الْوَصِيّ هُوَ الَّذِي يتَصَرَّف فِي مَال الْيَتِيم بِلَا اطِّلَاعه، فيعذر إِذا بلغ وَأقر بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ لجهله، بِخِلَاف بَقِيَّة الْوَرَثَة فَإِنَّهُم لَا تصرف لَهُم فِي مَاله، وَلَا فِي شئ من التَّرِكَة إِلَّا باطلاع وَصِيَّة الْقَائِم مقَامه فَلَا يعْذر بالتناقض، وَمن أَرَادَ مزِيد الْبَيَان وَرفع الْجَهَالَة فَعَلَيهِ بِتِلْكَ الرسَالَة فَفِيهَا الْكِفَايَة لِذَوي الدِّرَايَة. قَوْله: (لَا تسمع الدَّعْوَى) أَي من أَي مُدع كَانَ كغريم دائن ومودع هَذَا. وَقد تقدم أَن دَعْوَى أَنه وَارِث تسمع على الدَّائِن والمديون. قَوْله: (على غَرِيم ميت) بالاضافة، وَالْمرَاد بِهِ دائن الْمَيِّت كَمَا هُوَ الْمُتَبَادر من البيري وَاسْتظْهر الْحَمَوِيّ أَنه مديون الْمَيِّت. وَالْحَاصِل: أَنه إِذا ادّعى قوم على الْمَيِّت ديونا وَأَرَادُوا أَن يثبتوا ذَلِك فَلَيْسَ لَهُم أَن يثبتوا على غَرِيم للْمَيت عَلَيْهِ دين وَلَا على موصي لَهُ بل لَا بُد من حُضُور وَارِث أَو وَصِيّ. قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّة: وَإِثْبَات الدّين على من فِي يَده مَال الْمَيِّت هَل يَصح؟ اخْتلف الْمَشَايِخ. وَصورته: الْمَرِيض مرض الْمَوْت وهب كل مَاله فِي مَرضه أَو أوصى بِجَمِيعِ مَاله ثمَّ ادّعى رجل دينا على الْمَيِّت؟ قَالَ السَّعْدِيّ: نصب القَاضِي وَصِيّا وَسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ. وَقَالَ شمس الائمة: يسمع على من فِي يَده المَال. اهـ. وَمن هُنَا تعلم أَن قَوْله الْآتِي زَائِدا صَوَابه ذَا يَد كَمَا هُوَ فِي أصل عبارَة الاشباه. وَفِي الْبَحْر: وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي إِثْبَات الدّين على من فِي يَده مَال الْمَيِّت وَلَيْسَ بوارث وَلَا وَصِيّ، وَلَا تسمع دَعْوَى دين على ميت على غَرِيم الْمَيِّت مديونا أَو دائنا. اه.

стр. 777

وَفِي حَاشِيَة الاشباه للحموي: واستثناء الْمَوْهُوب لَهُ من غَرِيم الْمَيِّت مُنْقَطع، إِذْ لَيْسَ هُوَ من الْغُرَمَاء حَتَّى يكون مُتَّصِلا. وَفِي الْبَزَّازِيَّة: تقبل بَيِّنَة إِثْبَات الدّين على الْمَيِّت على الْمُوصى لَهُ أَو مديون الْمَيِّت أَو الْوَارِث أَو الَّذِي لَهُ على الْمَيِّت دين وَمثله فِي العطائية. وَفِي قاضيخان من الْوَصَايَا: رجل مَاتَ وَعَلِيهِ دين مُحِيط بِمَالِه. قَالَ أَبُو بكر: الْوَارِث لَا يصير خصما للْغُرَمَاء لانه لَا يَرث. وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد: الْوَارِث يصير خصما وَيقوم مقَام الْمَيِّت فِي الْخُصُومَة وَبِه نَأْخُذ. ثمَّ قَالَ: وَالصَّحِيح أَن يكون الْوَارِث خصما لمن يَدعِي الدّين على الْمَيِّت وَإِن لم يملك شَيْئا. وَفِي الْبَزَّازِيَّة أَيْضا: والخصم فِي إِثْبَات كَونه وَصِيّ الْوَارِث أَو الْمُوصى لَهُ أَو مديون الْمَيِّت أَو دائنه، وَقيل الدَّائِن لَيْسَ بخصم. قَالَ فِي نور الْعين من الْخَامِس: لَا تقبل دَعْوَى من يَدعِي على ميت بِحَضْرَة رجل يَدعِي أَنه وَصِيّ الْمَيِّت وَأقر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بالوصاية. اهـ. فَتبين من هَذَا أَن الدَّعْوَى إِنَّمَا تسمع على وَصِيّ مُحَقّق. وَفِيه من السَّادِس فِي دَعْوَى دين على الْمَيِّت: يَكْفِي حُضُور وَصِيّه أَو وراثه، وَلَا حَاجَة إِلَى ذكر كل الْوَرَثَة. اهـ. وَعبارَة الاشباه: لَا تسمع الدَّعْوَى بدين على ميت لَا على وَارِث أَو وَصِيّ موصى لَهُ، وَلَا تسمع على غَرِيم لَهُ كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، إلَّا إذَا وَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ لِأَجْنَبِيٍّ وَسَلَّمَهُ لَهُ فَإِنَّهَا تسمع عَلَيْهِ لكَونه ذَا يَد كَمَا فِي خزانَة الْمُفْتِينَ انْتهى، فعلى هَذَا. قَوْله: غَرِيم ميت تركيب إضافي بِمَعْنى اللَّام. فرع: قَالَ فِي خزانَة الاكمل: لَو مَاتَ رجل فِي بلد بعيد وَترك مَالا وَادّعى رجل عَلَيْهِ دينا وورثته فِي بلد مُنْقَطع عَنهُ فَإِن القَاضِي ينصب لَهُ وَصِيّا وَيسمع بِبَيِّنَتِهِ وَيَقْضِي لَهُ بِالدّينِ، وَلَو لم يكن مُنْقَطِعًا لَا تسمع بَينته على غير الْوَارِث انْتهى قَوْله: (إِلَّا إِذا وهب الخ) صورته: رجل وهب جَمِيع مَاله لانسان وَسلمهُ إِيَّاه ثمَّ مَاتَ فَادّعى عَلَيْهِ آخر أَن هَذِه الْعين لَهُ أَو أَنه لَهُ على الْمَيِّت كَذَا من الدّين فَإِنَّهَا تسمع دَعْوَاهُ عَلَيْهِ، لَان فِي الاولى الْعين الَّتِي يدعيها فِي يَد الْمَوْهُوب لَهُ، وَفِي الثَّانِيَة الدّين مُتَعَلق بِالتَّرِكَةِ وَهِي فِي يَده، لَكِن فِي الثَّانِيَة يشْتَرط أَن تكون الْهِبَة فِي مرض الْمَوْت لَان الدّين إِنَّمَا يتَعَلَّق بهَا فِيهِ، فَعلم أَن الِاسْتِثْنَاء هُنَا مُنْقَطع لَان الْمَوْهُوب لَهُ لَيْسَ بغريم. وَفِي الْبَزَّازِيَّة أَن الْمُوصى لَهُ بِجَمِيعِ المَال أَو بِمَا زَاد على الثُّلُث خصم لعدم الْوَارِث لَان اسْتِحْقَاق الزَّائِد على الثُّلُث من خَصَائِص الْوَارِث فَيلْحق بالوارث. حموي. قَوْله: (لكَونه زَائِدا) أَي عَليّ الثُّلُث كَمَا تقدم، وَفِي نُسْخَة ذَا يَد أَي صَاحب يَد، وَقد علمت تَوْجِيهه وَإِن كَانَ الاول صَوَابا أَيْضا كَمَا ذكر فِي الْبَزَّازِيَّة. قَوْلُهُ: (لَا يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: يَلْحَقُ بِهَذَا مُدَّعِي الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يُنْكِرُ الْحَقَّ حَتَّى يَثْبُتَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَلَوْ أَقَرَّ لَا يَقْدِرُ. وَأَيْضًا ادِّعَاءُ الْوَكَالَةِ أَوْ الْوِصَايَةِ وَثُبُوتُهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْخَصْمِ الْجَاحِدِ كَمَا ذكره قاضيخان، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَكُونَ ثُبُوتُ الْوَكَالَةِ وَالْوِصَايَةِ شَرْعًا صَحِيحًا يَجُوزُ فَيَلْحَقُ هَذَا أَيْضًا بِهِمَا، وَيَلْحَقُ بِالْوَصِيِّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الدّين فَإِنَّهُ لَو أقرّ بِالْحَقِّ يلْزمه الْكُلُّ مِنْ حِصَّتِهِ، وَإِذَا

стр. 778

أَنْكَرَ فَأُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ مِنْ حِصَّتِهِ وحصتهم. حموي. قَوْله: (ليبرهن فيتمكن من الرَّد) لانه إِن قبله بِغَيْر قَضَاء لم يكن لَهُ الرَّد، وَالظَّاهِر أَن هَذَا فِيمَا إِذا كَانَ بَائِعه تملكه بِالشِّرَاءِ من آخر، أما إِذا كَانَ موروثا أَو موهوبا أَو موصى بِهِ أَو نتاجا فَلَا يُنكر الْبَتَّةَ. وَصورته: أَن لَا يكون عَالما بِالْعَيْبِ قبل البيع، وَإِلَّا كَانَ رَاضِيا بِهِ فَلَا يتَمَكَّن من الرَّد. قَوْله: (إِذا علم بِالدّينِ) فَإِنَّهُ لَو أقرّ يلْزمه وَلَا يرجع، بِخِلَاف مَا إِذا أنكر وأقيمت الْبَيِّنَة. زَاد أَبُو السُّعُود: أَو إِذا علم الْوَصِيّ بِالنّسَبِ كَمَا فهمه من عبارَة الحانوتي فِي فَتَاوَاهُ. قَوْله: (لَا تَحْلِيف مَعَ الْبُرْهَان) قيل عَلَيْهِ: لَو قَالَ مَعَ الْبَيِّنَة لَكَانَ صَوَابا، إِذْ لَا تَحْلِيف مَعَ الاقرار بِعَين وَهُوَ برهَان اهـ. وَالْجَوَاب أَن الْمُطلق مَحْمُول على الْفَرد الْكَامِل وَهُوَ الْبَيِّنَة. اهـ. قَوْله: (دَعْوَى دين على ميت) فِي أَوَائِل دَعْوَى التَّنْقِيح: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ يَحْلِفُ بِلَا طَلَبِ وَصِيٍّ وَوَارِثٍ: بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْتَ دَيْنَكَ مِنْهُ وَلَا مِنْ أَحَدٍ أَدَّاهُ عَنْهُ وَمَا قَبَضَهُ قَابِضٌ وَلَا أَبْرَأْتَهُ وَلَا شَيْئا مِنْهُ، وَلَا أحلّت بِهِ وَلَا بشئ مِنْهُ على أحد وَلَا عنْدك وَلَا بشئ مِنْهُ رهن، فَإِذا حلف أَمر بِالدفع إِلَيْهِ وَإِن نكل لم يُؤمر بِالدفع إِلَيْهِ. خُلَاصَةٌ. فَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِالدَّفْعِ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ لم ينفذ حكمه، وَتَمَامه فِيهَا. وفيهَا عَن الْبَحْر: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لِلْمَيِّتِ دَيْنَهُ وَبَرْهَنَ هَلْ يَحْلِفُ وَيَنْبَغِي أَنْ يحلف احْتِيَاطًا، لَكِن رده الرَّمْلِيّ بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَة دفع الدّين شهدُوا على حَقِيقَة الدّفع فانتقى احْتِمَال أَنهم شهدُوا باستصحاب الْحَال، وَقد استوفى فِي بَاطِن الامر كَمَا فِي مدعي الدّين، وارتضاه الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بقوله: وَكَلَام الرَّمْلِيّ هُوَ الاوجه كَمَا لَا يخفى على من تنبه، وقدمناه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ. قَوْله: (وَاسْتِحْقَاق مَبِيع) يَعْنِي إِذا اسْتحق الْمَبِيع بِالْبَيِّنَةِ من المُشْتَرِي فللمستحق عَلَيْهِ تَحْلِيف الْمُسْتَحق بِاللَّه مَا بِعته وَلَا وهبته وَلَا تَصَدَّقت بِهِ وَلَا خرجت الْعين عَن ملكك بِوَجْه من الْوُجُوه. قَوْله: (وَدَعوى آبق) أَي دَعْوَى تملك آبق. قَالَ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى: لَعَلَّ صُورَتَهَا فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ عَبْدِي أَبَقَ مِنِّي وَأَقَامَ بَيِّنَة على أَنه عَبده فليحلف أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بَاعَهُ. تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي شَرْحِ هَذَا الشَّرْحِ نُقِلَ عَنْ الْفَتْحِ هَكَذَا. وَعِبَارَتُهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ: يَحْلِفُ مُدَّعِي الْآبِق مَعَ الْبَين بِاللَّه أَنه بَاقٍ عَلَى مِلْكِك إلَى الْآنِ لَمْ يَخْرُجْ بِبَيْعٍ وَلَا هبة وَلَا نَحْوهَا. اهـ. وَصُورَة ط: بِمَا إِذا حبس القَاضِي الْآبِق فجَاء رجل وادعاه وَأقَام بَيِّنَة أَنه عَبده يسْتَحْلف بِاللَّه أَنه بَاقٍ فِي ملكه وَلم يخرج بِبيع وَلَا هبة فَإِذا حلف دَفعه إِلَيْهِ، وَذَلِكَ صِيَانة لقضائه عَن الْبطلَان ونظرا لمن هُوَ عَاجز عَن النّظر لنَفسِهِ من مُشْتَر وموهوب لَهُ، وَيلْحق بِهَذِهِ الْمسَائِل مَا إِذا قَامَت الْبَيِّنَة للْغَرِيم الْمَجْهُول حَاله بِأَنَّهُ معدم فَلَا بُد من يَمِينه أَنه لَيْسَ لَهُ مَال ظَاهر وَلَا بَاطِن وَإِن وجد مَالا يُؤَدِّي حَقه عَاجلا، لَان الْبَيِّنَة إِنَّمَا قَامَت على الظَّاهِر وَلَعَلَّه غيب مَاله، وَمَا لَو شهد الشُّهُود أَن لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِم سَوَاء قَالُوا لَا نَعْرِف عَددهَا، أم لَا تجْعَل ثَلَاثَة وَيحلف على نفي مَا زَاد عَنْهَا إِذا كَانَ الْمُدَّعِي يَدعِي الزِّيَادَة. اهـ. قَوْلُهُ: (الْإِقْرَارُ لَا يُجَامِعُ الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّهَا لَا تُقَام إِلَّا على مُنكر، وَذكر هَذَا الْأَصْلَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْخَانِيَّةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ أَرْبَعَ مَسَائِلَ: وَهِيَ مَا سِوَى دَعْوَى الْآبِقِ، وَكَذَا ذَكَرَهَا قَبْلَهُ

стр. 779

فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَامِسَةَ بل زَاد غَيرهَا وأوصلها إِلَى سبع وَتَأْتِي هُنَا مفصلة مَعَ زِيَادَة ثَلَاثَة أخر، وَعَلِيهِ فَتكون عشرَة. قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَهَذَا يدل على جَوَاز إِقَامَتهَا مَعَ الاقرار فِي كل مَوضِع يتَوَقَّع الضَّرَر من الْمقر لولاها فَيكون هَذَا أصلا. قَوْله: (إِلَّا فِي أَربع) الَّذِي ذكره هُنَا خَمْسَة وَلكنهَا سَبْعَة كَمَا فِي الْحَمَوِيّ. ملخصها: أَنه لَا تسمع الْبَيِّنَة على مقرّ إِلَّا على وَارِثٍ مُقِرٍّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ فَتُقَامُ الْبَيِّنَةُ لِلتَّعَدِّي، وَفِي مُدَّعًى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْوِصَايَةِ فَبَرْهَنَ الْوَصِيُّ، وَفِي مُدَّعًى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ فَيُثْبِتُهَا الْوَكِيلُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِهِ مَعَ إقْرَارِ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى بَائِعِهِ، وَفِيمَا لَوْ خُوصِمَ الْأَبُ بِحَقٍّ عَنْ الصَّبِيِّ فَأَقَرَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْخُصُومَةِ، وَلَكِنْ تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مَعَ إقْرَارِهِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَأَمِينُ الْقَاضِي إذَا أَقَرَّ خَرَجَ عَنْ الْخُصُومَةِ، وَفِيمَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ لِلْمُوصَى لَهُ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مَعَ إقْرَارِهِ. وَفِيمَا لَوْ أَجَّرَ دَابَّةً بِعَيْنِهَا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ مِنْ آخَرَ فَأَقَامَ الْأَوَّلُ الْبَيِّنَةَ، فَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ حَاضِرًا تُقْبَلُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ كَانَ يقر بِمَا يَدعِي. قَوْله: (وكَالَة) يَعْنِي لَو أقرّ بوكالة رجل بِقَبض دين عَلَيْهِ لمُوكلِه فَإِن الْوَكِيل يُقيم بَينته، إِذْ لَو دَفعه بِلَا بَيِّنَة يتَضَرَّر إِذْ لَا تَبرأ ذمَّته إِذا أنكر الْمُوكل وكَالَته اهـ. ط. زَاد الْفَاضِل الْحَمَوِيّ ثامنة وتاسعة نقلهما عَن الْبَدَائِع من كتاب الْقِسْمَة. الثَّامِن: الْوَرَثَة إِذا كَانُوا مقرين بالعقار لَا بُد من إِقَامَة الْبَيِّنَة على بَعضهم على قَول أبي حنيفَة. التَّاسِع: الاب أَو الْوَصِيّ إِذا أقرّ على الصَّغِير لَا بُد من بَيِّنَة مقَام عَلَيْهِ مَعَ كَونه مقرا اهـ. وَزَاد بعض الْفُضَلَاء عاشرا: وَهُوَ ادّعى على آخر عقارا أَنه فِي يَده وَهُوَ مُسْتَحقّ فَأقر بِالْيَدِ تسمع بَينته أَنه ذُو الْيَد مَعَ إِقْرَاره اهـ. قَوْله: (ووصاية) يَعْنِي إِذا أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ بالوصاية. وَصورته: رجل قَالَ للْقَاضِي إِن فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ أقامني وَصِيّا وَمَات وَله على هَذَا كَذَا أَو فِي يَد هَذَا كَذَا فَصدقهُ الْمُدعى عَلَيْهِ فَالْقَاضِي لَا يثبت وصايته بِإِقْرَارِهِ حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة عَلَيْهَا، لانه إِذا دفع إِلَيْهِ المَال اعْتِمَادًا على الاقرار فَقَط لَا تَبرأ ذمَّته من الدّين إِذا أنكر الْوَارِث، أما لَو دفع بعد الْبُرْهَان تَبرأ ذمَّته. أَفَادَهُ صَاحب تنوير الاذهان. قَوْله: (وَإِثْبَات دين على ميت) صورته: ادّعى على بعض الْوَرَثَة دين على الْمَيِّت فَأقر الْوَارِث بِالدّينِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي من نصِيبه قدر مَا يَخُصُّهُ من الدّين، وللطالب أَن يُقيم بَيِّنَة على حَقه ليَكُون حَقه فِي كل التَّرِكَة، وَكَذَا إِذا أقرّ جَمِيع الْوَرَثَة تقبل بَينته لَان الْمُدَّعِي يحْتَاج إِلَى إِثْبَات الدّين فِي حَقهم وَحقّ دائن آخر. وَفِي البيري: اخْتلفُوا فِيمَا إِذا أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة هَل يقْضِي عَلَيْهِ بالاقرار أَو بِالْبَيِّنَةِ. قيل يقْضِي بِالْبَيِّنَةِ لانه بالانكار وَإِقَامَة الْبَيِّنَة اسْتحق عَلَيْهِ الحكم فَلَا يبطل الْحق السَّابِق بالاقرار اللَّاحِق، ولان زِيَادَة التَّعَدِّي الثَّابِتَة بالبرهان حَقه فَلَا يُؤثر الاقرار اللَّاحِق فِي بُطْلَانه. اهـ. موضحا ط. وَقدمنَا الْكَلَام عَلَيْهِ. قَوْله: (وَاسْتِحْقَاق عين من مُشْتَر) فَإِن المُشْتَرِي إِذا أقرّ بِالِاسْتِحْقَاقِ للْمُسْتَحقّ لَا يتَمَكَّن من الرُّجُوع بِالثّمن على بَائِعه، فَإِذا أُقِيمَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة أمكنه ذَلِك، وَقد تقدم أَنه يسوغ لَهُ الانكار مَعَ الْعلم لاجل هَذَا التَّمَكُّن ط. لَكِن قد يُقَال مَعَ الاقرار كَيفَ يكون لَهُ الرُّجُوع. تَأمل. قَوْله: (وَدَعوى الْآبِق) يَعْنِي إِذا ادّعى على شخص أَن العَبْد الَّذِي عِنْده أبق مِنْهُ، وَأقر وَاضع الْيَد بذلك

стр. 780

فَلهُ أَن يطْلب الْبَيِّنَة على ذَلِك لاحْتِمَال أَن الْغَيْر تملكه مِنْهُ. قَوْله: (لَا تَحْلِيف على حق مَجْهُول) أَي ادّعى بِهِ مُدع، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ خِيَانَةً مُبْهَمَةً لم يحلف كَمَا فِي الْخَانِية. لَكِن أفتى قَارِئ الْهِدَايَة بِخِلَافِهِ. وَعبارَته: سُئِلَ إِذا ادّعى أحد الشَّرِيكَيْنِ على آخر خِيَانَة وَطلب من الْحَاكِم يَمِينه هَل يلْزم أَو لَا؟ أجَاب: إِذا ادّعى عَلَيْهِ خِيَانَة فِي قدر مَعْلُوم وَأنكر فَحلف عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مِقْدَارًا فَكَذَا الْحُكْمُ، لَكِنْ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ أَنْ يبين مِقْدَار مَا كَانَ فِيهِ، وَالْقَوْل فِي مِقْدَاره إِلَى الْمقر مَعَ يَمِينه لَان نُكُوله كالاقرار بشئ مَجْهُولٍ، وَالْبَيَانُ فِي مِقْدَارِهِ إلَى الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ خَصْمُهُ بَيِّنَةً عَلَى الاكثر، وَمثله الْمضَارب مَعَ رب المَال. قَوْله: (إذَا اتَّهَمَ الْقَاضِي وَصِيَّ يَتِيمٍ وَمُتَوَلِّيَ وَقْفٍ) وَلم يدع عَلَيْهِ شَيْئا مَعْلُوما فَإِنَّهُ يحلف نظرا لليتم. وَالْوَقْف. حموي. قَوْله: (وَفِي رهن مَجْهُول) أَي لَو ادّعى الرَّاهِن رهنا مَجْهُولا: أَي كَثوب مثلا فَأنْكر الْمُرْتَهن فَإِنَّهُ يحلف، وَقَيده بعض الْفُضَلَاء عازيا إِلَى الْقنية بِمَا إِذا ذكر الْمُدَّعِي قدر الدّين الَّذِي وَقع بِهِ الرَّهْن ط. قَوْله: (وَدَعوى سَرقَة) أَقُول: فِيهِ نظر لما نقل قاضيخان من أَنه يشْتَرط ذكر الْقيمَة فِي الدَّعْوَى إِذا كَانَت سَرقَة ليعلم أَنَّهَا نِصَاب أَو لَا، فَأَما فِيمَا سوى ذَلِك فَلَا حَاجَة إِلَى بَيَانهَا. أَبُو السُّعُود. وَلَعَلَّ ذَلِك فِي حق الْقطع لَا الضَّمَان كَمَا يفِيدهُ كَلَامه ط. قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: ادَّعَى أَعْيَانَا مُخْتَلِفَةَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَذَكَرَ قيمَة الْكل جملَة وَلم يذكر كلا على حِدة، اخْتلف فِيهِ الْمَشَايِخ: قيل لَا بُد من التَّفْصِيل، وَقيل يَكْتَفِي بالاجمال وَهُوَ الصَّحِيح، إِذْ الْمُدَّعِي لَو ادّعى غصب هَذِه الاعيان لَا يشْتَرط لصِحَّة دَعْوَاهُ بَيَان الْقيمَة، فَلَو ادّعى أَن الاعيان قَائِمَة فَيُؤْمَر بإحضارها فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِحَضْرَتِهَا، وَلَوْ قَالَ إنَّهَا هَالِكَةٌ وَبَين قيمَة الْكل تسمع دَعْوَاهُ. وَفِي ج: وَلَو ادّعى أَنه غصب أمته وَلم يذكر قيمتهَا تسمع دَعْوَاهُ وَيُؤمر برد الامة، وَلَو هالكة فَالْقَوْل فِي قدر الْقيمَة للْغَاصِب فَلَمَّا صَحَّ دَعْوَى الْغَصْب بِلَا بَيَان الْقيمَة فَلَأَنْ يَصِحَّ إذَا بَيَّنَ قِيمَةَ الْكُلِّ جُمْلَةً أولى، وَقيل إِنَّمَا يشْتَرط ذكر الْقيمَة لَو كَانَت الدَّعْوَى سَرقَة ليعلم أَن السّرقَة كَانَت نِصَابا وَفِي غَيرهَا لَا يشْتَرط ذكره الْحَمَوِيّ، فَظهر أَن إيرادها فِي هَذَا الْمحل فِي حق الضَّمَان لَا الْقطع كَمَا قدمْنَاهُ عَن ط. قَوْله: (وغصب) قَالَ فِي الدُّرَر وَالْغرر: وَلَو قَالَ غصب مني عين كَذَا وَلَا أَدْرِي أَنه هَالِكٌ أَوْ قَائِمٌ وَلَا أَدْرِي كَمْ كَانَتْ قِيمَته، وَذكر فِي عَامَّة الْكتب أَنَّهَا تسمع الدَّعْوَى لَان الانسان رُبمَا لَا يعرف قِيمَةَ مَالِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بَيَانَ الْقِيمَةِ لَتَضَرَّرَ. وَفَائِدَة صِحَّةِ الدَّعْوَى مَعَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ تَوَجُّهُ الْيَمِينِ عَلَى الْخَصْمِ إذَا أَنْكَرَ وَالْجَبْرِ عَلَى الْبَيَان إِذا أقرّ وَنكل عَن الْيَمين. اهـ. وقدمناه فِي الدَّعْوَى مَعَ مَا عَلَيْهِ من الْكَلَام، فَرَاجعه. قَوْله: (وخيانة مُودع) فَإِنَّهُ يحلف مَا خَان فِيمَا ائْتمن، فَإِن حلف برِئ، وَإِن نكل يجْبر على بَيَان قدر مَا نكل عَنهُ، وَقيل لَا يسْتَحْلف حَتَّى يقدر شَيْئا يسْتَحْلف عَلَيْهِ. وَذكر بعض الْفُضَلَاء: أَن سَماع الدَّعْوَى فِي مثل هَذِه الْمسَائِل مَعَ الْجَهَالَة مُتَّفق عَلَيْهِ إِلَّا فِي دَعْوَى الْوَدِيعَة وَدَعوى الْغَصْب حَيْثُ يشْتَرط لسماعها فيهمَا بَيَان الْقيمَة عِنْد بعض الْمَشَايِخ اهـ. وَيَنْبَغِي زِيَادَة دَعْوَى السّرقَة كَمَا يعلم من الْحَمَوِيّ.

стр. 781

قَالَ شمس الائمة الْحلْوانِي: الْجَهَالَة كَمَا تمنع قَول الْبَيِّنَة تمنع الِاسْتِحْلَاف. إِلَّا إِذا اتهمَ القَاضِي وَصِيّ الْيَتِيم الخ. وَحِينَئِذٍ فدعوى الْمَجْهُول لَا يسْتَحْلف عَلَيْهَا، فَلَو ادّعى على رجل أَنه اسْتهْلك مَاله وَطلب التَّحْلِيف من القَاضِي لَا يحلفهُ، وَكَذَا لَو قَالَ بَلغنِي أَن فلَان بن فلَان أوصى لي وَلَا أَدْرِي قدره وَأَرَادَ أَن يحلف الْوَارِث لَا يجِيبه القَاضِي، وَكَذَا الْمَدْيُون إِذا قَالَ قضيت بعض ديني وَلَا أَدْرِي كم قضيت أَو قَالَ نسيت قدره وَأَرَادَ تَحْلِيف الطَّالِب لَا يلْتَفت إِلَيْهِ كَمَا فِي الْخَانِية. قَوْله: (إِلَّا فِي مَسْأَلَة فِي دَعْوَى الْبَحْر الخ) أَي قبل قَوْلِهِ وَلَا تُرَدُّ يَمِينٌ عَلَى مُدَّعٍ. قَوْلُهُ: (وَهِي غَرِيبَة يجب حفظهَا) سَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَكَتَبَ الْمُحَشِّي هُنَاكَ عَلَى قَوْلِهِ فَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ فَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ فِي النُّسْخَةِ خَلَلًا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَمَا تِلْكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي يَحْلِفُ عَلَيْهَا: أَيْ عَلَى نَفْيِهَا، وَفِي ظَنِّي أَنَّ أَصْلَ النُّسْخَةِ فَإِنْ بَيَّنَ: يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِمَّا بَيَّنَهُ وَأَقَلُّ مِمَّا يَدَّعِيهِ الْمَالِك هَذَا. وَيَنْبَغِي أَن يُقَارب فِي الْبَيَانَ، حَتَّى لَوْ بَيَّنَ قِيمَةَ فَرَسٍ بِدِرْهَمٍ لَا يقبل مِنْهُ كَمَا تقدم نَظِيره. اهـ. وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ هُنَاكَ وَلَوْ حَلَفَ الْمَالِكُ أَيْضًا عَلَى الزِّيَادَةِ أَخَذَهَا لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ، فَليُرَاجع اهـ. قَوْله: (وألزم ببيانه) لانه أقرّ بِقِيمَة مَجْهُولَة، فَإِن أخبر بشئ يحلف على مَا يَدعِيهِ الْمَغْصُوب مِنْهُ من الزِّيَادَة، فَإِن حلف لَا يثبت مَا ادَّعَاهُ الْمَغْصُوب مِنْهُ، وَإِن نكل لَا يثبت أَيْضا مَا لم يحلف الْمُدَّعِي أَن قِيمَته مائَة فَإِن حلف أَخذ من الْغَصْب مائَة، وَقَوله يحلف على مَا يَدعِيهِ الْمَغْصُوب مِنْهُ فِيهِ أَنه حلف أَولا على ذَلِك، فَلَو كَانَت هَذِه الْيَمين على مَا ذكره من الْقيمَة بِأَن يحلف أَن قِيمَته مَا ذكره. وَحَاصِله: أَن يَمِين الْمُدعى عَلَيْهِ أَنَّهَا لم تكن قِيمَته مائَة وَيَمِين الْمُدَّعِي أَن قِيمَته الْمِائَة. قَوْلُهُ: (يَحْلِفُ عَلَى الزِّيَادَةِ) أَيْ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمَالِك، فَإِن حلف ف لَا يثبت مَا ادَّعَاهُ الْمَغْصُوب مِنْهُ، وَإِن نكل لَا يثبت أَيْضا مَا لم يحلف الْمُدَّعِي أَن قِيمَته مائَة، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بقوله: ثمَّ يحلف الْمَغْصُوب مِنْهُ الخ وَالظَّاهِر أَن ثَمَرَة هَذَا الْيَمين ثُبُوت الْخِيَار لَهُ إِذا ظهر. قَوْله: (ثُمَّ يَحْلِفُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ قِيمَتَهُ مائَة) فَإِن حلف أَخذ من الْغَاصِب مائَة، لَكِن قد يُقَال: إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَمَا تِلْكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي يحلف عَلَيْهَا، وَعَلِيهِ فالاولى أَن يَقُول فَإِن بَيَّنَ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِمَّا بَيَّنَهُ وَأَقَلُّ مِمَّا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ. تَأمل. قَوْله: (وَلَو ظهر) أَي الثَّوْب. قَوْله: (بَين أَخذه) أَي الثَّوْب بِمَا دَفعه من الدَّرَاهِم لَا بِقِيمَة الثَّوْب فِي ذَاته وَإِن كَانَت أنقص أَو أَزِيد لَان الْمَالِك لم يرض إِلَّا بِدَفْعِهِ بِالْمِائَةِ. قَوْلُهُ: (أَوْ قِيمَتِهِ) عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ: أَي أَو أَخذ قِيمَته بِأَن يردهُ وَيَأْخُذ الْقيمَة الَّتِي دَفعهَا. وَفِي متفرقات إِقْرَار التاترخانية: وَيُجْبَرُ الْغَاصِبُ عَلَى الْبَيَانِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقِيمَةٍ مَجْهُولَةٍ وَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ يَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِي الْمَالِكُ مِنْ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ حَلَفَ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا ادَّعَاهُ الْمَالِكُ يَحْلِفُ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةٌ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ مِائَةً فَإِذَا أَخَذَ ثُمَّ ظَهَرَ الثَّوْبُ خُيِّرَ الْغَاصِبُ بَيْنَ أَخْذِهِ أَو رده وَأخذ الْقيمَة. وَحُكِيَ عَنْ الْحَاكِمِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَيْنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْلِيفِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَأخذ الْمِائَة بِثمنِهِ مِنْ الْغَاصِبِ هَذَا بِالْإِنْكَارِ يَصِحُّ، وَكَانَ يَقُولُ: الصَّحِيحُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُجْبَرَ الْغَاصِبُ عَلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ أَبَى

стр. 782

يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي أَكَانَ قِيمَتُهُ مِائَةً؟ فَإِنْ قَالَ لَا، يَقُولُ أَكَانَ خَمْسِينَ؟ فَإِنْ قَالَ لَا، يَقُول خَمْسَةً وَعِشْرِينَ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَا لَا تَنْقُصُ عَنْهُ قِيمَتُهُ عُرْفًا وَعَادَةً فَيَلْزَمُهُ ذَلِك. اهـ. لَكِن قَالَ بعض الْفُضَلَاء: الْحصْر مَمْنُوع لانهما إِذا اخْتلفَا فِي قدر الثّمن أَو الْمَبِيع وَلَا بَيِّنَة تحَالفا، وَلَو اشْترى أمة بِأَلف وَقَبضهَا ثمَّ تَقَايلا وَقيل قبضهَا اخْتلفَا فِي قدر الثّمن تحَالفا، وَلَو اخْتلفَا فِي الاجرة أَو الْمَنْفَعَة أَو فيهمَا قبل التَّمَكُّن فِي الدمرة تحَالفا. حموي. وَفِيه أَن كلا مِنْهُمَا فِي هَذِه الْمسَائِل مُدع ومدعى عَلَيْهِ. ط عَن الطوري. وَمثله فِي حَاشِيَة الْحَمَوِيّ. تذنيب برهن أَنه ابْن عَمه لابيه وَأمه وَبرهن الدَّافِع أَنه ابْن عَمه لامه فَقَط أَو على إِقْرَار الْمَيِّت بِهِ: أَي بِأَنَّهُ ابْن عَمه لامه فَقَط كَانَ دفعا قبل الْقَضَاء بالاول لَا بعده لتأكده بِالْقضَاءِ. ادّعى مِيرَاثا بالعصوبة فَدفعهُ أَن يَدعِي خَصمه قبل الحكم بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ من ذَوي الارحام إِذْ يكون حِينَئِذٍ متناقضا. ادّعى قيمَة جَارِيَة مستهلكة فبرهن الْخصم أَنَّهَا حَيَّة رأيناها فِي بلد كَذَا لَا يقبل إِلَّا أَن يجِئ بهَا حَيَّة. الْكَفِيل ينصب خصما عَن الاصل بِلَا عكس، لَان الْقَضَاء على الْكَفِيل قَضَاء على الاصيل وَلَا عكس. إِذا اشْترك الدّين بَين شَرِيكَيْنِ لَا بِجِهَة الارث فأحدهما لَا ينْتَصب خصما عَن الآخر الْكل من الدُّرَر. رجل غَابَ عَن امْرَأَته وَهِي بكر أَو ثيب فَتزوّجت بِزَوْج آخر وَولدت كل سنة ولدا: قَالَ أَبُو حنيفَة: الاولاد للاول. وَعنهُ أَنه رَجَعَ عَن هَذَا وَقَالَ: لَا يكون الاولاد للاول وَإِنَّمَا هم للثَّانِي. وَعَلِيهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْخَانِية. وَلَو ادّعى عَلَيْهِ مهر امْرَأَة فَقَالَ مَا تزَوجهَا ثمَّ ادّعى الابراء عَن الْمهْر فَهُوَ دفع مسموع إِن وفْق كَمَا فِي الْقنية. وفيهَا: ادّعى عَلَيْهِ شَيْئا فَأمره القَاضِي بالمصالحة فَقَالَ لَا أرْضى بِهَذِهِ الْمُصَالحَة وَتركته أصلا فَهُوَ إِسْقَاط لما يَدعِيهِ عَنْك. إِذا قَالَ تركته أصلا فَهُوَ إِبْرَاء وَعنهُ: لَو قَالَ تَرَكْت دَعْوَايَ عَلَى فُلَانٍ وَفَوَّضْت أَمْرِي إِلَى الْآخِرَة لَا تسمع دَعْوَاهُ بعده. أَقُول: قيد القَاضِي اتفاقي كَمَا لَا يخفى. وَفِي الفتاوي النجدية: رجل مَاتَ فَقَالَت امْرَأَة لِابْنِ الْمَيِّت كنت امْرَأَة أَبِيك مُحَمَّد إِلَى يَوْم مَوته وَطلبت الْمهْر وَالْمِيرَاث فَأنْكر الابْن وَقَالَ اسْم أبي لم يكن مُحَمَّدًا وَإِنَّمَا كَانَ عمر، ثمَّ جَاءَت فادعت أَنَّهَا امْرَأَة أَبِيه عمر إِلَى يَوْم مَوته وطلبتهما تسمع دَعْوَاهَا وَلَيْسَ بتناقض لجَوَاز أَن يكون لَهُ اسمان شَذَّ تسمع إِذا وفْق الْمُدَّعِي. أَقُول: وَجه التَّوْفِيق بِأَن تَقول كنت أعلم أَن لابيه اسْمَيْنِ فادعيت بِأَحَدِهِمَا فَلَمَّا أنكر ادعيت بِالْآخرِ، وَفهم من هَذِه الْمَسْأَلَة أَن تسمع الدَّعْوَى على الْمَيِّت بِدُونِ اسْم أَبِيه وَنسبه. تدبر.

стр. 783

قَالَ فِي التاترخانية فِي الْخَامِس عشر من الدَّعْوَى: غلط الِاسْم لَا يضر لجَوَاز أَن يكون لَهُ اسمان، وَمثله فِي صور الْمسَائِل عَن الْفَتَاوَى الرشيدية. وَفِي الْبَزَّازِيَّة فِي السَّادِس عشر من الِاسْتِحْقَاق، وَكَذَا فِي الْخَيْرِيَّة من الْعشْر وَالْخَرَاج وقدمناه عَن التَّنْقِيح. ولنختم هَذَا الْبَاب بِمَسْأَلَة ختم بهَا كتاب الدَّعْوَى فِي الْجَامِع الصَّغِير، نسْأَل الله حسن الخاتمة. وَهِي أَنه إِذا قَالَت الْمَرْأَة أَنَّهَا أم ولد هَذَا الرجل وأرادت استحلافه لَيْسَ لَهَا ذَلِك فِي قَول أبي حنيفَة، خَاصَّة لَان أمومية الْوَلَد تَابع للنسب وَهُوَ لَا يرى الْيَمين فِي النّسَب اهـ. وَالله تَعَالَى أعلم، وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم.

стр. 784

كتاب الاقرار ثَبت بِالْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: * (وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق) * (الْبَقَرَة: ٢٨٢) أمره بالاملال، فَلَو لم يقبل إِقْرَاره لما كَانَ للاملال معنى، وَقَوله: * (كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم) * (النِّسَاء: ٥٣١) وَالْمرَاد بِهِ إِقْرَار. زَيْلَعِيّ. وَالسّنة، فقد قبل (ص) إِقْرَار مَاعِز والغامدية والاجماع. فقد أَجمعت الامة على أَن الاقرار حجَّة فِي حق نَفسه حَتَّى أوجبوا الْحَد وَالْقصاص بِإِقْرَارِهِ وَإِن لم يكن حجَّة فِي حق غَيره لعدم ولَايَته عَلَيْهِ فَأولى المَال والمعقول، فَإِن الْعَاقِل لَا يقر على نَفسه كَاذِبًا فِيمَا فِيهِ ضَرَر على نَفسه أَو مَاله فترجحت جِهَة الصدْق فِي حق نَفسه لعدم التُّهْمَة وَكَمَال الْولَايَة اهـ. بِخِلَاف إِقْرَاره فِي حق غَيره. حَتَّى لَو أقرّ مَجْهُول النّسَب بِالرّقِّ جَازَ ذَلِك على نَفسه وَمَاله وَلَا يصدق على أَوْلَاده وأمهاتهم ومدبريه ومكاتبيه، بِخِلَاف مَا إِذا ثَبت بِالْبَيِّنَةِ لَان الْبَيِّنَة إِنَّمَا تصير حجَّة بِالْقضَاءِ وَالْقَضَاء ولَايَة عَامَّة فَينفذ فِي حق الْكل. أما الاقرار فحجة بِنَفسِهِ وَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْقَضَاء فَينفذ عَلَيْهِ وَحده الخ، وَقَوله وَلَا يصدق على أَوْلَاده الخ لانه ثَبت لَهُم حق الْحُرِّيَّة أَو اسْتِحْقَاقهَا فَلَا يصدق عَلَيْهِم كَمَا فِي الدُّرَر. قَوْله: (مناسبته) أَي للدعوى. وَوجه تَأْخِيره عَنْهَا أَن الدَّعْوَى تَنْقَطِع بِهِ فَلَا يحْتَاج بعده إِلَى شئ آخر، حَتَّى إِذا لم يُوجد يحْتَاج إِلَى الشَّهَادَة، وركنه لفظ أَو مَا فِي حكمه دَال عَلَيْهِ كَقَوْلِه لفُلَان عَليّ كَذَا أَو مَا يُشبههُ، لانه يقوم بِهِ ظُهُور الْحق وانكشافه حَتَّى لَا يَصح شَرط الْخِيَار فِيهِ بِأَن أقرّ بدين أَو بِعَين على أَنه بِالْخِيَارِ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فَالْخِيَار بَاطِل، وءن صدقه الْمقر لَهُ وَالْمَال لَازم كَمَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ: وَله شُرُوط ستذكر فِي أثْنَاء الْكَلَام، وَهِي: الْعقل وَالْبُلُوغ بِلَا خلاف وَالْحريَّة فِي بعض الاحكام دون الْبَعْض، حَتَّى لَو أقرّ العَبْد الْمَحْجُور بِالْمَالِ لَا ينفذ فِي حق الْمولى، وَلَو أقرّ بِالْقصاصِ يَصح. كَذَا فِي الْمُحِيط ويتأخر إِقْرَاره بِالْمَالِ إِلَى مَا بعد الْعتْق، وَكَذَا الْمَأْذُون لَهُ يتَأَخَّر إِقْرَاره بِمَا لَيْسَ من بَاب التِّجَارَة كإقراره بِالْمهْرِ بوطئ امْرَأَة تزَوجهَا بِغَيْر إِذن مَوْلَاهُ، وَكَذَا إِذا أقرّ بِجِنَايَة مُوجبَة لِلْمَالِ لَا يلْزمه، بِخِلَاف مَا إِذا أقرّ بالحدود وَالْقصاص كَمَا فِي التَّبْيِين، وَكَون المقربة مِمَّا يجب تَسْلِيمه إِلَى الْمقر لَهُ، حَتَّى لَو أقرّ أَنه غصب كفا من تُرَاب أَو حَبَّة حِنْطَة لَا يَصح، لَان الْمقر بِهِ لَا يلْزمه تَسْلِيمه إِلَى الْمقر لَهُ، وَمِنْهَا الطواعية وَالِاخْتِيَار، حَتَّى لَا يَصح إِقْرَار الْمُكْره فِي النِّهَايَة، وَإِقْرَارُ السَّكْرَانِ بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ صَحِيحٌ إلَّا فِي حَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ مِمَّا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ وَإِن كَانَ بطرِيق مُبَاح لَا كَمَا فِي الْبَحْر، وَحكمه ظُهُور الْمقر بِهِ: أَي لُزُومه على الْمقر بِلَا تَصْدِيق وَقبُول من الْمقر لَهُ فَإِنَّهُ يلْزم على الْمقر مَا أقرّ بِهِ لوُقُوعه دَالا على الْمخبر بِهِ لَا ثُبُوته ابْتِدَاء كَمَا فِي الْكَافِي، لانه لَيْسَ بناقل لملك الْمقر إِلَى الْمقر لَهُ فَلِذَا فرع عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي من صِحَة الاقرار بِالْخمرِ للْمُسلمِ حَتَّى يُؤْمَرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا مُبْتَدأ لما صَحَّ، وَكَذَلِكَ لَا يَصح الاقرار بِالطَّلَاق وَالْعتاق مَعَ الاكراه والانشاء يَصح مَعَ الاكراه كَمَا فِي الْمُحِيط. وَحَاصِله: أَن قَول الْمقر إِن هَذَا الشئ لفُلَان مَعْنَاهُ أَن الْملك فِيهِ ثَابت لفُلَان وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه ملك للْمقر وَجعله للْمقر لَهُ فَهُوَ إِخْبَار دَال على الْمخبر بِهِ فَيلْزمهُ الصدْق، وَيحْتَمل الْكَذِب فَيجوز تخلف مَدْلُوله عَنهُ كَمَا فِي الاقرار بِالطَّلَاق مكْرها كَمَا قُلْنَا، وَسَيَأْتِي لقِيَام دَلِيل الْكَذِب وَهُوَ الاكراه، وَلَو كَانَ مَعْنَاهُ الثُّبُوت ابْتِدَاء لصَحَّ لكَونه إنْشَاء والانشاء لَا يتَخَلَّف مَدْلُوله عَنهُ كَمَا سَيَأْتِي تَمَامه قَرِيبا. وَلَو أقرّ

стр. 785

لغيره بِمَال وَالْمقر لَهُ يعلم أَنه كَاذِب فِي إِقْرَاره لَا يحل لَهُ ديانَة إِلَّا أَن يُسلمهُ بِطيب من نَفسه فَيكون هبة مِنْهُ ابْتِدَاء كَمَا فِي الْقنية، وَإِنَّمَا يعْتَبر الاقرار إِظْهَارًا فِي حق ملكية الْمقر بِهِ حَتَّى يحكم بملكيته للْمقر لَهُ بِنَفس الاقرار وَلَا يتَوَقَّف على تَصْدِيق الْمقر لَهُ، أما فِي حق الرَّد فَيعْتَبر تَمْلِيكًا مُبْتَدأ كَالْهِبَةِ حَتَّى يبطل برد الْمقر لَهُ وَبَعْدَمَا وجد التَّصْدِيق من الْمقر لَهُ لَا يعْمل رده لَو رد الاقرار بعد ذَلِك، ثمَّ الاقرار إِنَّمَا يبطل برد الْمقر لَهُ إِذا كَانَ الْمقر لَهُ يبطل بِالرَّدِّ حق نَفسه خَاصَّة، أما إِذا كَانَ يبطل حق غَيره فَلَا يعْمل رده، كَمَا إِذا أقرّ لرجل أَنِّي بِعْت هَذَا العَبْد من فلَان بِكَذَا فَرد الْمقر لَهُ إِقْرَاره وَقَالَ: مَا اشْتريت مِنْك شَيْئا ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: اشْتريت فَقَالَ البَائِع مَا بعتكه لزم البَائِع البيع بِمَا سمي لانه جحد البيع بعد تَمَامه، وجحود أحد الْمُتَعَاقدين لَا يضر، حَتَّى أَن المُشْتَرِي مَتى قَالَ مَا اشْتريت وَصدقه البَائِع وَقَالَ نعم مَا اشْتريت ثمَّ قَالَ لَا بل اشْتريت لَا يثبت الشِّرَاء وَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة على ذَلِك، لَان الْفَسْخ تمّ بجحودهما، ثمَّ فِي كل مَوضِع بَطل الاقرار برد الْمقر لَهُ، لَو أعَاد الْمقر ذَلِك الاقرار فَصدقهُ الْمقر لَهُ كَانَ للْمقر لَهُ أَن يَأْخُذهُ بِإِقْرَارِهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَان. هَكَذَا فِي الْمُحِيط. ثمَّ اعْلَم أَن السُّكُوت نزلوه منزلَة الاقرار فِي مسَائِل سيذكرها الشَّارِح، وَنَذْكُر تَمامهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَذَلِك الايماء بِالرَّأْسِ وسيذكره المُصَنّف. قَوْله: (إِمَّا مُنكر أَو مقرّ) واللائق بِحَال الْمُسلم الاقرار بِالْحَقِّ كي لَا يحْتَاج الْمُدَّعِي إِلَى تدارك الشُّهُود والملازمة فِي بَاب القَاضِي للاحضار، وَلَا سِيمَا وَمَا يلْزم عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَان للتسبب بالوصول إِلَى سحت الْمَحْصُول، كَمَا أَن اللَّائِق بالمدعي أَن تكون دَعْوَاهُ حَقًا لِئَلَّا يلْزم الْمُدعى عَلَيْهِ الدّفع لسحت الْمَنْع وَقدمه: أَي الاقرار على مَا بعده وَهُوَ الصُّلْح لترتبه على الانكار غَالِبا، ثمَّ إِذا حصل بِالصُّلْحِ شئ: إِمَّا إِن يستربح فِيهِ بِنَفسِهِ وَتقدم طَرِيقه فِي البيع أَو بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُضَاربَة وَإِن لم يستربح فإمَّا أَن يحفظه بِنَفسِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى بَيَان حكمه أَو بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَدِيعَة. قَوْله: (وَهُوَ) أَي الاقرار أقرب، أَي لحَال الْمُسلم. قَوْله: (لغَلَبَة الصدْق) أَي من الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ وَمن الْمقر فِيمَا أقرّ لَهُ، لَان الْعَاقِل لَا يقر على نَفسه كَاذِبًا فِيمَا ضَرَر على نَفسه أَو مَاله، فترجحت جِهَة الصدْق فِي حق نَفسه لعدم التُّهْمَة وَكَمَال الْولَايَة، بِخِلَاف إِقْرَار فِي حق غَيره. قَوْله: (هُوَ لُغَة) فَإِذا كَانَ حسيا يُقَال أقره، وَإِذا كَانَ قوليا يُقَال أقرّ بِهِ، فالاقرار إِثْبَات لما كَانَ متزلزلا بَين الْجُحُود والثبوت. أَبُو السُّعُود. وَهُوَ مُشْتَقّ من الْقَرار. دُرَر. قَالَ فِي الْمنح: وَهُوَ فِي اللُّغَة إفعال من قر الشئ إِذا ثَبت، وَأقرهُ غَيره إِذا أثْبته، قَوْله: (وَشرعا إِخْبَار) أَي فِي الاصح وَلَيْسَ بإنشاء لصِحَّته فِي ملك غَيره، وَلَو أقرّ مَرِيض بِمَالِه لاجنبي صَحَّ من غير توقف على إجَازَة وَارِث. قَالَ فِي الْحَوَاشِي السعدية: وَلَعَلَّه ينْتَقض بالاقرار بِأَن لَا حق لَهُ على فلَان، وبالابراء وَإِسْقَاط الدّين وَنَحْوه كإسقاط حق الشُّفْعَة اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: فِيهِ إخْبَارٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ وَهُوَ عدم وجوب الْمُطَالبَة. تَأمل. وللقول بِأَنَّهُ إنْشَاء فروع تشهد لَهُ: مِنْهَا لَو رد إِقْرَاره ثمَّ قبل لَا يَصح، وَكَذَا الْملك الثَّابِت بِالْإِقْرَارِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الزَّوَائِدِ الْمُسْتَهْلَكَةِ فَلَا يملكهَا الْمقر لَهُ حموي. أَقُول: قَوْله: (لَا يظْهر فِي حق الزَّوَائِدُ الْمُسْتَهْلَكَةُ يُفِيدُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي حق الزَّوَائِد الْغَيْر

стр. 786

المستهلكة) . وَهُوَ مُخَالف لما فِي الْخَانِية: رَجُلٌ فِي يَدِهِ جَارِيَةٌ وَوَلَدُهَا أَقَرَّ أَنَّ الْجَارِيَةَ لِفُلَانٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْوَلَدُ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى جَارِيَةٍ أَنَّهَا لَهُ يَسْتَحِقُّ أَوْلَادهَا اهـ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالْبَيِّنَةِ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ الْأَصْلِ، وَلِذَا قُلْنَا: إنَّ الْبَاعَةَ يَتَرَاجَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، بِخِلَافِ الاقرار حَيْثُ لَا يتراجعون. بَقِي أَن يُقَال فِي قَول السَّيِّد الْحَمَوِيّ هُوَ إِخْبَار فِي الاصح وَلَيْسَ بإنشاء مُخَالفَة لما صرح بِهِ فِي الْبَحْر وَجرى عَلَيْهِ المُصَنّف من أَنه إِخْبَار من وَجه إنْشَاء من وَجه فللاول يَصح إِقْرَاره بمملوك الْغَيْر وَيلْزمهُ تَسْلِيمه إِذا ملكه، وَلَو أقرّ بِالطَّلَاق وَالْعتاق مكْرها لَا يَصح، وَللثَّانِي لَو رد إِقْرَاره ثمَّ قبل لَا يَصح، وَكَذَا الْملك الثَّابِت بِالْإِقْرَارِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الزَّوَائِدِ الْمُسْتَهْلَكَةِ فَلَا يملكهَا الْمقر لَهُ. اهـ. من غير ذكر خلاف، وَمِنْه تعلم أَن مَا ذكره السَّيِّد الْحَمَوِيّ مِمَّا يدل على ثُبُوت الْخلاف فِيهِ حَيْثُ صحّح كَونه إِخْبَار الانشاء لَا يَصح عزوه لصَاحب الْبَحْر كَمَا وَقع فِي كَلَام بَعضهم، فَتنبه. قَوْله: (بِحَق عَلَيْهِ للْغَيْر) قَيده بِأَن يكون عَلَيْهِ، لانه لَو كَانَ على غَيره لغيره يكون شَهَادَة ولنفسه يكون دَعْوَى زَيْلَعِيّ، وَأطلق الْحق فِي قَوْله هُوَ إِخْبَار بِحَق عَلَيْهِ ليشْمل مَا لَو كَانَ الْحق الْمقر بِهِ من قبيل الاسقاطات كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق، إِذا الطَّلَاق رفع الْقَيْد الثَّابِت شرعا بِالنِّكَاحِ، فَإِذا أقرّ بِالطَّلَاق يثبت للْمَرْأَة من الْحق مَا لم يكن لَهَا من قبل، وَكَذَا العَبْد يثبت لَهُ على سَيّده حق الْحُرِّيَّة إِذا أقرّ سَيّده بِعِتْقِهِ، فَمَا قيل من أَنه يرد على التَّعْرِيف الاقرار بالاسقاطات كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق لعدم الاخبار فِيهَا عَن ثُبُوت حق للْغَيْر غير سديد. قَوْلُهُ: (إنْشَاءً مِنْ وَجْهٍ) هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: إنْشَاءً وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي غَايَة الْبَيَان عَن الاستروشنية. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّ الْإِقْرَارَ سَبَب للْملك أَو لَا؟ قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: لَا، وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا الْمَرِيضُ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ إذَا أَقَرَّ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَجْنَبِيٍّ يَصِحُّ بِلَا إجَازَةِ الْوَارِثِ، وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَا يَنْفُذُ إلَّا بِقَدْرِ الثُّلُثِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ إذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ يَصِحُّ، وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا يَكُونُ تَبَرُّعًا مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ. وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَاسْتَدَلَّ بمسائل: مِنْهَا إِن أقرّ لوَارِثه بدين فِي الْمَرَض لَا يَصح، وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لصَحَّ اهـ. مُلَخَّصًا فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْبَحْرِ جَمْعٌ بَيْنَ الطَّرِيقَتَيْنِ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ ثُبُوتُ مَا اسْتدلَّ بِهِ الْفَرِيقَانِ. تَأمل أَفَادَهُ سَيِّدي الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى. لَكِن لَو كَانَ إِخْبَارًا من وَجه وإنشاء من وَجه كَمَا ذكره المُصَنّف لعرف بِحَدّ يشملها وَلَا قَائِل بِهِ، ولانهم قَالُوا: لَو أقرّ بِمَال للْغَيْر لزمَه تَسْلِيمه للْمقر لَهُ إِذا ملكه، وَلَو أقرّ بِالطَّلَاق وَالْعتاق الخ فأمثال هَذِه الْمسَائِل دلّت على أَن الاقرار إِخْبَار لَا إنْشَاء. إِذْ لَو كَانَ إنْشَاء لم تكن كَذَلِك، وَمَا اسْتدلَّ بِهِ على كَونه إنْشَاء مُطلقًا أَو من وَجه أَنه لَو أقرّ لرجل فَرد إِقْرَاره ثمَّ قبل لم يَصح وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لصَحَّ، وَأَنه لَو ثَبت الْملك بِسَبَب الاقرار لم يظْهر فِي حق الزَّوَائِد الْمُتَقَدّم ذكرهَا، وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لَصَارَتْ مَضْمُونَة عَلَيْهِ. أَقُول: أما الْجَواب عَن الاول فَهُوَ أَن ارتداده بِالرَّدِّ نَاشِئ من أَن حكمه الظُّهُور لَا الثُّبُوت ابْتِدَاء وَذَلِكَ نَاشِئ من كَونه حجَّة قَاصِرَة، فَلَمَّا صَار مُرْتَدا بِالرَّدِّ جعل كَأَنَّهُ لم يكن فَلذَلِك لم يَصح قبُوله بعده. على أَن هَذَا الدَّلِيل مُشْتَرك الالزام حَيْثُ إِنَّه دَلِيل على أَنه لَيْسَ بإنشاء، إِذْ الانشاء مِمَّا لَا يرْتَد بِالرَّدِّ فِيمَا يكون من قبيل الاسقاطات، كَمَا لَو قَالَ هَذَا الْوَلَد مني يرْتَد برد الْوَلَد فَهَذَا دَلِيل على أَن الاقرار إِخْبَار ثمَّ عَاد الْوَلَد إِلَى التَّصْدِيق يثبت النّسَب نظرا إِلَى احْتِيَاج الْمحل، وَقد سبق.

стр. 787

وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي: أَن الاقرار لما كَانَ حجَّة قَاصِرَة اقْتصر ثُبُوت الْملك وظهوره على الْمقر بِهِ فَلم يَتَعَدَّ إِلَى الزَّوَائِد المستهلكة كَمَا مر وَيَأْتِي، فَتبين أَنه لَيْسَ بإنشاء أصلا. تدبر. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِنَفْسِهِ) أَيْ عَلَى الْغَيْر، وَلَو للْغَيْر على الْغَيْر يكون شَهَادَة كَمَا قدمْنَاهُ. قَوْله: (لَا إِقْرَارا) وَلَا ينْتَقض إِقْرَار الْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ وَنَحْوِهِمَا لِنِيَابَتِهِمْ مَنَابَ الْمُنَوِّبَاتِ شَرْعًا. شرح الْمُلْتَقى. قَوْله: (ثمَّ فرع على كل من الشبهين) صَوَابه من الْوَجْهَيْنِ لانه لم يقل الاقرار يشبه الاخبار ويشبهه الانشاء، بل قَالَ من وَجه وَمن وَجه: أَي إِخْبَار من وَجه بِالنّظرِ لترتب بعض أَحْكَام الاخبارات عَلَيْهِ، وإنشاء من وَجه من حَيْثُ ترَتّب بعض أَحْكَام الانشاءات عَلَيْهِ، وَقد تبع الشَّارِح المُصَنّف فَالْمَعْنى أَنه يعْطى حكم الاخبار فِي بعض الجزئيات وَحكم الانشاء فِي بعض آخر، وَأما بِالنّظرِ للفظه فَهُوَ إِخْبَار عَن ثُبُوت حق عَلَيْهِ لغيره لَا غير. قَوْله: (فللوجه الخ) عِلّة مُقَدّمَة على الْمَعْلُول. قَوْله: (صَحَّ إِقْرَاره) لَان الاخبار فِي ملك الْغَيْر صَحِيح لكم بِالنّظرِ للْمقر، وَأفَاد أَنه لَا يحْتَاج إِلَى الْقبُول كَمَا قدمْنَاهُ. وَفِي الْمنح عَن تَتِمَّة الفتاوي: الاقرار يَصح من غير قبُول، لَكِن الْبطلَان يقف على الابطال وَالْملك للْمقر لَهُ يثبت من غير تَصْدِيق وَقبُول لَكِن يبطل برده، وَالْمقر لَهُ إِذا صدق الْمقر فِي الاقرار ثمَّ رده لَا يَصح الرَّد، وَأفَاد أَيْضا صِحَة الاقرار للْغَائِب. وَأَيْضًا يُسْتَفَاد هَذَا مِمَّا سَيَأْتِي من قَوْله هِيَ: أَي الالف الْمعينَة لفُلَان لَا بل لفُلَان لَا يجب عَلَيْهِ للثَّانِي شئ: أَي لانه أقرّ بهَا للاول ثمَّ رَجَعَ وَشهد بهَا للثَّانِي فرجوعه لَا يَصح وشهادته لَا تقبل، وَبِهَذَا تبين ضعف مَا فِي الْخَانِية من قَوْله لَو أقرّ لغَائِب ثمَّ أقرّ لآخر قبل حُضُور الْغَائِب صَحَّ إِقْرَاره للثَّانِي، لَان الاقرار للْغَائِب لَا يلْزم بل يتَوَقَّف على التَّصْدِيق انْتهى. وَيُمكن أَن يُقَال: معنى صِحَّته للثَّانِي لَيست لاحتياجه للتصديق وَإِنَّمَا لاجل أَن يرْتَد بِالرَّدِّ، فَأفَاد فِي الْخَانِية أَنه يَأْخُذهُ الثَّانِي، فَإِذا جَاءَ الاول وصادق قبل رده الاقرار يَأْخُذهُ، وَإِن قَالَ لَيْسَ لي يكون ملكا للثَّانِي، وَلَكِن أَفَادَ فِي الْبَدَائِع أَنه إِن دفع للاول بِلَا قَضَاء يضمن للثَّانِي لَان إِقْرَاره بهَا صَحِيح فِي حق الثَّانِي إِذا لم يَصح للاول اهـ. وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا التَّعْلِيل رُبمَا يرد عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فتعليل الْمنح ظَاهر وَهُوَ الْمُوَافق لظواهر الْكتب الْمُعْتَمدَة. وَفِي الْمنح فِي مسَائِل شَتَّى فسر الرَّد بِأَن يَقُول مَا كَانَ لي عَلَيْك شئ أَو يَقُول بل هُوَ لَك أَو لفُلَان. قَالَ الْعَلامَة الْخَيْر الرَّمْلِيّ: قَوْلهم الاقرار صَحِيح بِدُونِ التَّصْدِيق لَا يُعَارض قَول الْعِمَادِيّ: إِن إِقْرَاره للْغَائِب توقف عمله على تَصْدِيق الْغَائِب، إِذْ لَا مَانع من توقف الْعَمَل مَعَ الصِّحَّة كَبيع الْفُضُولِيّ يَصح ويتوقف، وَكَذَا لَا يُعَارض مَا فِي الْخَانِية من قَوْله: وَأما الاقرار للْغَائِب لَا يلْزم بل يتَوَقَّف على التَّصْدِيق، إِذْ مَعْنَاهُ يتَوَقَّف لُزُومه لَا صِحَّته، وَقَوله: فَإِن كَانَ صَحِيحا يمْتَنع الاقرار بِهِ للْغَيْر غير مُسلم لعدم الْمُلَازمَة، أَلا ترى أَن للفضولي قبل إجَازَة الْمَالِك أَن يَبِيع الْمَبِيع الَّذِي بَاعه الآخر ويتوقف فَلم يلْزم من صِحَّته عدم صِحَة بَيْعه للْآخر، بل الاقرار بِمَال الْغَيْر يَصح وَيلْزم تَسْلِيمه إِذا ملكه، وَهَذَا يدل على أَن الاقرار لَيْسَ بِسَبَب للْملك كَمَا سَيَأْتِي فَكيف يلْزم من صِحَة إِقْرَاره لغَائِب لَا يلْزمه ذَلِك حَتَّى كَانَ لَهُ الرَّد عدم صِحَة الاقرار بِهِ للْغَيْر.

стр. 788

وَالْحَاصِل: أَن الاقرار يَصح مُطلقًا بِلَا قبُول وَلَا يلْزم لَو كَانَ الْمقر لَهُ غَائِبا وَلعدم لُزُومه جَازَ أَن يقر بِهِ لغيره قبل حُضُوره فاجتمعت كلمتهم على أَنَّ الْقَبُولَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ، وَأما لُزُومه فشئ آخر، وَالْمُصَنّف لم يفرق بَين الصِّحَّة واللزوم فاستشكل فِي منحه على الصِّحَّة المجتمعة عَلَيْهَا كلمتهم باللزوم. وَأما مَا أجَاب بِهِ الْمُجيب الْمَذْكُور فَفِيهِ نظر، إِذْ لَو كَانَ كَمَا فهمه لما افترق الاقرار للحاضر وَالْغَائِب مَعَ أَن بَينهمَا فرقا فِي الحكم، أَلا ترى إِلَى قَوْله فِي الْخَانِية: وَلَو أقرّ لوَلَده الْكَبِير الْغَائِب أَو أَجْنَبِي بعد قَوْله وَأما الاقرار للْغَائِب لَا يلْزم، فَالَّذِي يظْهر أَن الاقرار للْغَائِب لَا يلْزم من جَانب الْمقر حَتَّى صَحَّ إقْرَارُهُ لِغَيْرِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ من جَانب الْمقر لَهُ حَتَّى رَدُّهُ. وَأَمَّا الْإِقْرَارُ لِلْحَاضِرِ فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ الْمقر حَتَّى لَا يَصح إِقْرَاره بِهِ لغيره قَبْلَ رَدِّهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ الْمُقَرِّ لَهُ فَيَصِحُّ رَدُّهُ، وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلَا شُبْهَةَ فِيهَا فِي الْجَانِبَيْنِ بِدُونِ الْقبُول كَمَا يفهم من كَلَامهم انْتهى. وَفِيه: وَيشكل على مَا فِي الْفُصُول الْعمادِيَّة من قَوْله: وَإِن ادّعى الرجل عينا فِي يَد رجل وَأَرَادَ استحلافه فَقَالَ صَاحب الْيَد هَذِه الْعين لفُلَان الْغَائِب لَا ينْدَفع الْيَمين عَنهُ مَا لم يقم الْبَيِّنَة على ذَلِك، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ هَذَا لِابْني الصَّغِير. وَالْفرق أَن إِقْرَاره للْغَائِب توقف عمله على تَصْدِيق الْغَائِب فَلَا يكون الْعين مَمْلُوكا لَهُ بِمُجَرَّد إِقْرَار ذِي الْيَد فَلَا ينْدَفع الْيَمين. وَأما إِقْرَاره للصَّبِيّ فَلَا يتَوَقَّف على تَصْدِيق الصَّبِي فَيصير الْعين ملكا للصَّبِيّ بِمُجَرَّد إِقْرَاره فَلَا يَصح إِقْرَاره بعد ذَلِك لغيره فَلَا يُفِيد التَّحْلِيف لَان فَائِدَته النّكُول الَّذِي هُوَ كالاقرار. أَقُول: لَا يشكل ذَلِك، فَإِن قَوْله توقف عمله صَرِيح فِي صِحَّته وَلَكِن لما توقف عمل وَهُوَ اللُّزُوم على تَصْدِيقه لم تنْدَفع الْيَمين بِمُجَرَّدِهِ مَا لم يقم الْبَيِّنَة عَلَيْهِ. تَأمل. قَوْله: (إِذا ملكه بُرْهَة من الزَّمَان) أَي قَلِيلا من الزَّمَان، حَتَّى لَو تصرف فِيهِ لغير الْمقر لَهُ بعد ملكه لَا ينفذ تصرفه وينقض لتصرفه فِي ملك غَيره كَمَا يُؤْخَذ من الْقَوَاعِد. وَيُؤْخَذ من هَذَا الْفَرْع كَمَا قَالَ أَبُو السُّعُود: أَنه لَو ادّعى شخص عينا فِي يَد غَيره فَشهد لَهُ بهَا شخص فَردَّتْ شَهَادَته لتهمة وَنَحْوهَا كتفرد الشَّاهِد ثمَّ ملكهَا الشَّاهِد يُؤمر بتسليمها إِلَى الْمُدَّعِي انْتهى. قَوْله: (لما صَحَّ) أَي إِقْرَاره للْغَيْر: أَي وَلَو ملكه بعد. قَوْله: (لما صَحَّ) (وَلَا يرجع بِالثّمن) على البَائِع: أَي لاقتصار إِقْرَاره عَلَيْهِ فَلَا يتَعَدَّى لغيره. قَوْله: (صَارَت وَقفا) بِخِلَاف مَا إِذا غصب دَارا من رجل فوقفها ثمَّ اشْتَرَاهَا حَيْثُ لَا يجوز وَقفه. وَالْفرق أَن فعل الْغَاصِب إنْشَاء فِي غير ملكه فَلَا يَصح، لَان شَرط صِحَّته ملكه لَهُ، بِخِلَاف الاقرار لكَونه إِخْبَارًا لَا إنْشَاء. قَوْله: (مكْرها) حَال من الضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ الاقرار، وَإِنَّمَا لم يَصح إِقْرَاره بهَا مُكْرَهًا لِقِيَامِ دَلِيلِ الْكَذِبِ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ وَالْإِقْرَارُ إخْبَارٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَيَجُوزُ تَخَلُّفُ مَدْلُولِهِ الوضعي عَنهُ. منح. قَوْله: (وَلَو كَانَ إنْشَاء لصَحَّ لعدم التَّخَلُّف) أَي تخلف مَدْلُول الانشاء عَنهُ: أَي لانه يمْتَنع فِي الانشاء تخلف مَدْلُول لَفظه الوضعي عَنهُ:

стр. 789

أَي مَتى وجد اللَّفْظ الدَّال على إنْشَاء الطَّلَاق أَو الْعتاق سَوَاء وجد مَدْلُوله فِي حَال الطواعية أَو الاكراه وَهَذَا مَخْصُوص فِيمَا يَصح مَعَ الاكراه، بِخِلَاف مَا لَا يَصح مَعَه كَالْبيع فَإِنَّهُ يتَخَلَّف مَدْلُوله عَنهُ مَعَ الاكراه: أَي وَهُوَ إِثْبَات الْملك غير مُسْتَحقّ الْفَسْخ. قَوْله: (وَصَحَّ إِقْرَار العَبْد الْمَأْذُون بِعَين فِي يَده) وَلَو كَانَ إنْشَاء لَا يَصح، لانه يصير تَبَرعا مِنْهُ وَهُوَ لَيْسَ أَهلا لَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْمُسْلِمُ بِخَمْرٍ) حَتَّى يُؤْمَرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا مُبْتَدأ لما صَحَّ كَمَا فِي الدُّرَرِ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَمْرَ قَائِمَةٌ لَا مُسْتَهْلَكَةٌ إذْ لَا يَجِبُ بَدَلُهَا لِلْمُسْلِمِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ كَمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ. قَوْله: (وبنصف دَاره مشَاعا) أَي الدَّار الْقَابِلَة للْقِسْمَة فَإِنَّهُ يَصح الاقرار بهَا لكَونه إِخْبَارًا، وَلَو كَانَ إنْشَاء لَكَانَ هبة، وَهبة الْمشَاع الْقَابِل للْقِسْمَة لَا تتمّ، وَلَو قبض بِخِلَاف مَالا يقسم كبيت وحمام صغيرين فَإِنَّهَا تصح فِيهِ وتتم بِالْقَبْضِ. قَوْله: (وَالْمَرْأَة بِالزَّوْجِيَّةِ من غير شُهُود) لانه إِخْبَار عَن عقد سَابق، وَلَو كَانَ إنْشَاء لما صَحَّ إِقْرَارهَا بِالزَّوْجِيَّةِ من غير شُهُود، لَان إنْشَاء عقد النِّكَاح يشْتَرط لصِحَّته حضورهم كَمَا مر فِي بَابه. قَوْله: (وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بشئ معِين بِنَاء على الاقرار لَهُ بذلك) يَعْنِي إِذا ادّعى عَلَيْهِ شَيْئا لما أَنه أَقَرَّ لَهُ بِهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ لَا سَبَبٌ لِلُزُومِ الْمُقَرِّ بِهِ عَلَى الْمُقِرِّ، وَقَدْ عَلَّلَ وُجُوبَ الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى الْمُقِرِّ بِالْإِقْرَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ أُطَالِبُهُ بِمَا لَا سَبَبَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ أَوْ لُزُومِهِ بِإِقْرَارِهِ وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ. مِنَحٌ. وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الدَّعْوَى بالشئ الْمُعَيَّنِ بِنَاءً عَلَى الْإِقْرَارِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمَتْن لَا بالاقرار بِنَاء على الاقرار، قَوْله بِأَنَّهُ أقرّ لَهُ لَا مَحل لَهُ، وَفِي إقحامه ركاكة. تَأمل. قَوْله: (بِهِ يُفْتِي) مُقَابِله أَنَّهَا تسمع كَمَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ. وَحَاصِله: أَن الاقرار هَل هُوَ بَاقٍ فِي الشَّرْع أَو هُوَ إنْشَاء فِي الْمَعْنى فَيكون سَببا لذَلِك، فَمن جعله إنْشَاء سوغ هَذِه الدَّعْوَى، وَمن جعله بَاقِيا على مَعْنَاهُ الاصلي لم يجوز سماعهَا، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور وَجَمِيع الْمُتَأَخِّرين، وَهُوَ الصَّحِيح الْمعول عَلَيْهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَة. قَوْله: (لانه إِخْبَار) أَي لَا سَبَبٌ لِلُزُومِ الْمُقَرِّ بِهِ عَلَى الْمُقِرِّ، وَهُوَ قد جعل سَبَب وجوب الْمُدعى بِهِ على الْمقر الاقرار فَكَأَنَّهُ قَالَ أطالبه بِلَا سَبَبَ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ أَوْ لُزُومِهِ بِإِقْرَارِهِ، وَهَذَا بَاطِل لما علم من كَلَام مَشَايِخنَا. قَوْلُهُ: (لَمْ يَحِلَّ لَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ: أَي لَا يجوز لَهُ أَخذه جبرا ديانَة كإقراره لامْرَأَته بِجَمِيعِ مَا فِي منزله وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ اهـ. بَحر: أَي وَلَو كَانَ إنْشَاء يحل أَخذه كَمَا فِي الدُّرَر، وَمَا نَقله فِي الْقنية عَن بعض الْمَشَايِخ من أَن الاقرار كَاذِبًا يكون نَاقِلا للْملك فخلاف الْمُعْتَمد الصَّحِيح من الْمَذْهَب الَّذِي إِلَيْهِ يذهب. قَوْله: (نَعَمْ لَوْ سَلَّمَهُ بِرِضَاهُ كَانَ ابْتِدَاءَ هِبَةٍ وَهُوَ الاوجه) هَذَا ظَاهر إِذا تعمد الْكَذِب، أما إِذا كَانَ يظنّ أَنه وَاجِب عَلَيْهِ يتَعَيَّن الافتاء بِعَدَمِ الْحل. فرع: الابراء والاقرار لَا يحتاجان إِلَى الْقبُول. أَفَادَهُ السائحاني. قَوْله: (أَوْ يَقُولَ لِي عَلَيْهِ كَذَا وَهَكَذَا أَقَرَّ بِهِ) أَي إِنَّه لي عَلَيْهِ. وَفِي شرح تحفة الاقران وَأَجْمعُوا أَنه لَو قَالَ هَذَا الْعين ملكي وَهَكَذَا أقرّ بِهِ الْمُدعى عَلَيْهِ يقبل.

стр. 790

قَوْله: (ثمَّ لَو أنكر الاقرار) أَي وَقد ادّعى مَا أقرّ بِهِ لكَونه ملكه وَلم يبن على مُجَرّد إِقْرَاره لما تقدم. قَوْله: (الْفَتْوَى أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ عَلَى الْإِقْرَارِ بَلْ على المَال) قَالَ ابْن الْغَرْس: ثمَّ لَا يجوز أَن يحلف أَنه مَا أقرّ بِهِ قولا وَاحِدًا، لَان الصَّحِيح أَن الاقرار لَيْسَ بِسَبَب للْملك، وَقد علمت الحكم فِي الاسباب الشَّرْعِيَّة الْمُتَّفق على سببيتها وَأَن الصَّحِيح أَنه لَا يحلف عَلَيْهَا فَكيف الْحَال فِيمَا سببيته قَول مَرْجُوح اهـ. وَقيل يحلف بِنَاء على أَنه إنْشَاء ملك. قَوْله: (وَأما دَعْوَى الاقرار فِي الدّفع) بِأَن أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ أَنه لَا حق لَهُ قبل الْمُدعى عَلَيْهِ، أَو أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ أَن هَذِه الْعين ملك الْمُدعى عَلَيْهِ فَتسمع، وَأَمَّا دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالِاسْتِيفَاءِ فَقِيلَ لَا تُسْمَعُ لانه دَعْوَى الاقرار فِي طرف الِاسْتِحْقَاقِ، إذْ الدَّيْنُ يُقْضَى بِمِثْلِهِ. فَفِي الْحَاصِلِ: هَذَا دَعْوَى الدَّيْنِ لِنَفْسِهِ فَكَانَ دَعْوَى الْإِقْرَارِ فِي طرف الِاسْتِحْقَاق، فَلَا تسمع، جَامع الْفُصُولَيْنِ معزيا للمحيط والذخيرة. وَمثله فِي الْبَزَّازِيَّة لَكِن زَاد فِيهَا: وَقِيلَ: يُسْمَعُ لِأَنَّهُ فِي الْحَاصِلِ يَدْفَعُ أَدَاءَ الدَّيْنِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَانَ فِي طَرَفٍ الدّفع. ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَرْهَنَ الْمَطْلُوبُ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمُدَّعَى، أَوْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ أَو مَا كَانَت ملكا لَهُ ينْدَفع الدَّعْوَى إنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِإِنْسَانٍ مَعْرُوفٍ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَاهُ بِالْإِرْثِ، فَبَرْهَنَ الْمَطْلُوبُ عَلَى إِقْرَار الْمُورث بِمَا ذكرنَا، وَتَمَامه فِيهَا. قَوْله: (فَتسمع عِنْد الْعَامَّة) كَمَا فِي الدُّرَر وَشرح أدب القَاضِي وَالْخَانِيَّة، وَهَذَا مُقَابل قَول المُصَنّف وَلَا تسمع دَعْوَاهُ عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا يَصح) هَذَا فِي الاقرار بِمَا يرْتَد، أما فِيمَا لَا يرْتَد بِالرَّدِّ كالرق وَالنّسب، فَإِنَّهُ لَو أقرّ بِهِ ثمَّ ادَّعَاهُ الْمقر لَهُ بعد رده يقبل مَبْسُوط والعقود اللَّازِمَة مثل النِّكَاح مِمَّا لَا يرْتَد بِالرَّدِّ، فَلَو قَالَ لَهَا تَزَوَّجتك أمس فَقَالَت لَا ثمَّ قَالَت بلَى وَقَالَ هُوَ لَا لزمَه النِّكَاح، لَان إِقْرَاره لم يبطل، إِذْ النِّكَاح عقد لَازم لَا يبطل بِمُجَرَّد جحود أحد الزَّوْجَيْنِ، فَيصح بتصديقها بعد التَّكْذِيب فَيثبت، وَلَا يعْتَبر إِنْكَاره بعد اه. سري الدّين مُلَخصا ط. قَالَ السَّيِّد الْحَمَوِيّ قَوْله لَا يَصِحُّ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِثْلُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُمَا مِثْلُ الشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ فَلَا، وَهُوَ إطْلَاقٌ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ، وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ أَيْضا بِمَا إِذا لم يكن الْمقر مقصرا عَلَى إقْرَارِهِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا شئ لَهُ إلَّا أَنْ يَعُودَ إلَى تَصْدِيقِهِ وَهُوَ مصر اهـ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ قَالَ لِآخَرَ كُنْتُ بِعْتُكَ الْعَبْدَ بِأَلْفٍ فَقَالَ الْآخَرُ لَمْ أَشْتَرِهِ مِنْك فَسَكَتَ الْبَائِعُ حَتَّى قَالَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بعده بلَى اشْتَرَيْته مِنْك بِأَلف فَهُوَ جَائِز، وَكَذَا النِّكَاح، وكل شئ يكون لَهما جَمِيعًا فِيهِ حق، وكل شئ يكون الْحق فِيهِ لِوَاحِدٍ مِثْلُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لَا يَنْفَعُهُ إقْرَارُهُ بعد ذَلِك. قَوْله: (وَأما بعد الْقبُول فَلَا يرْتَد بِالرَّدِّ) يَعْنِي لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكَهُ وَنَفْيُ الْمَالِكِ مِلْكَهُ عَنْ نَفْسِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ لَا يَصِحُّ. نَعَمْ لَوْ تَصَادَقَا عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ صَحَّ لِمَا تقدم فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ طَلَبَ رِبْحُ مَالٍ ادَّعَاهُ عَلَى آخَرَ فَصَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَوْفَاهُ إيَّاهُ ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُهُ بِتَصَادُقِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يكن عَلَيْهِ شئ، فَانْظُر

стр. 791

كَيْفَ التَّصَادُقُ اللَّاحِقُ نَقَضَ السَّابِقَ مَعَ أَنَّ ربحه طيب حَلَال. قَوْله: (لانه إِقْرَار آخر) أَي وَقد صدقه فِيهِ فَيلْزمهُ. قَالَه الْعَلامَة عبد الْبر. وَفِي التاترخانية: وَفِي كل مَوضِع بَطل الاقرار برد الْمقر لَهُ لَو عَاد الْمقر إِلَى ذَلِك الاقرار وَصدقه الْمقر لَهُ أَن يَأْخُذهُ بِإِقْرَارِهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَان وَالْقِيَاس أَن لَا يكون لَهُ ذَلِك اهـ. وَوجه الْقيَاس: أَن الاقرار الثَّانِي عين الْمقر بِهِ، فالتكذيب فِي الاول تَكْذِيب فِي الثَّانِي. وَوجه الِاسْتِحْسَان: أَنه يحْتَمل أَنه كذبه بِغَيْر حق لغَرَض من الاغراض الْفَاسِدَة فَانْقَطع عَنهُ ذَلِك الْغَرَض فَرجع إِلَى تَصْدِيقه، فقد جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل. حموي قَوْله: (ثمَّ لَو أنكر إِقْرَاره الثَّانِي) أَي وادعاه الْمقر لَهُ لكَونه ملكه وَأقَام بَيِّنَة عَلَيْهِ لَا تسمع، وَلَو أَرَادَ تَحْلِيفه لَا يلْتَفت إِلَيْهِ للتناقض بَين هَذِه الدَّعْوَى وَبَين تَكْذِيبه الاقرار الاول. قَوْله: (قَالَ البديع) هُوَ أستاذ صَاحب الْقنية، فَإِنَّهُ عبر فِيهَا بقال أستاذنا. قَالَ عبد الْبر: يَعْنِي للْقَاضِي البديع. وَفِي بعض النّسخ قَالَ فِي الْبَدَائِع: وَلَيْسَ بصواب ط. قَوْله: (والاشبه) أَي بِالصَّوَابِ وَالْقَوَاعِد. قَوْله: (وَاعْتَمدهُ ابْن الشّحْنَة وَأقرهُ الشُّرُنْبُلَالِيّ) وَعبارَته: وَلَو أنكر الْمقر الاقرار الثَّانِيَ لَا يَحْلِفُ، وَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ للتناقض من الْكَذِب للاقرار الاول. وَقَالَ القَاضِي البديع: يَنْبَغِي أَن تقبل بَيِّنَة الْمقر لَهُ على إِقْرَاره ثَانِيًا وَهُوَ الاشبه بِالصَّوَابِ. وَقَالَ الشَّارِح. أَي عبد الْبر ناظما لَهُ: الطَّوِيل وَقد صوب القَاضِي البديع قبُولهَا وَعِنْدِي لَهُ الْوَجْه الصَّحِيح الْمنور وَمن أَرَادَ الْمَزِيد فَعَلَيهِ بشرحه. قَوْله: (لَا يظْهر فِي حق الزَّوَائِدُ الْمُسْتَهْلَكَةُ) يُفِيدُ بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي حق الزَّوَائِد بِغَيْر المستهلكة، وَهُوَ مُخَالف لما فِي الْخَانِية كَمَا قدمْنَاهُ عَنْهَا وَقيد بهَا فِي الاستروشنية وَنَقله عَنْهَا فِي غَايَة الْبَيَان، وَتقدم فِي الِاسْتِحْقَاق نَظِير مَا قدمْنَاهُ عَن الْخَانِية، وَأَنه فرق فِي الِاسْتِحْقَاق لولد الْمُسْتَحقَّة بَين الاقرار، فَلَا يتبعهَا وَلَدهَا وَبَين الاثبات فيتبعها وَلَدهَا وَكَذَا سَائِر الزَّوَائِد، وَهُوَ عَام يَشْمَل المستهلكة وَغَيرهَا، وَهنا قد قيدها بالمستهلكة فَافْهَم أَن الْقَائِمَة يظْهر بهَا لاقرار، فَليُحرر. وَلَعَلَّه أَرَادَ الِاحْتِرَاز بالمستهلكة عَن الهالكة بِنَفسِهَا لانها غير مَضْمُونَة مُطلقًا لانها كزوائد الْمَغْصُوب. تَأمل قَوْله: (فَلَا يَمْلِكُهَا الْمُقَرُّ لَهُ وَلَوْ إخْبَارًا لَمَلَكَهَا) قَالَ فِي نور الْعين: شرى أمة فَولدت عِنْده لَا بِاسْتِيلَادِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِبَيِّنَةٍ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَلَوْ أَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ لَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ بِالْبَيِّنَةِ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ الْأَصْلِ، وَلِذَا قُلْنَا: إنَّ الْبَاعَةَ يتراجعون فِيمَا بَينهم، بِخِلَاف الاقرار حَيْثُ لَا يَتَرَاجَعُونَ ف. ثُمَّ الْحُكْمُ بِأَمَةٍ حُكْمٌ بِوَلَدِهَا وَكَذَا الْحَيَوَانُ، إذْ الْحُكْمُ حُجَّةٌ كَامِلَةٌ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْوَلَدَ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ نَاقِصَة، وَهَذَا الْوَلَدُ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَوْ فِي مِلْكٍ آخَرَ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ. اهـ. فَفِيهِ مُخَالفَة لمَفْهُوم كَلَام المُصَنّف، وَيُشبه أَن تكون هَذِه التفريعات كلهَا جَامعا بَين قَول من قَالَ إِن الاقرار إِخْبَار بِحَق لآخر لَا إِثْبَات، وَهُوَ قَول مُحَمَّد بن الْفضل وَالْقَاضِي أبي حَازِم وَقَول من قَالَ: إِنَّه تمْلِيك فِي الْحَال وَهُوَ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ. قَالَه فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة. وَذكر استشهاد كل على مَا قَالَ بمسائل ذكرت فِي الْفَصْل التَّاسِع من الاستروشنية.

стр. 792

وَالْحَاصِل أَن الاقرار هَل هُوَ إِخْبَار بِحَق لآخر أم تمْلِيك فِي الْحَال على مَا قدمْنَاهُ من الْخلاف؟ وَقد علمت أَن الاكثر على الاول الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول، وَقد ذكرُوا لكل مسَائِل تدل على مَا قَالَ، وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. قَوْله: (أقرّ حر مُكَلّف) أَي بَالغ عَاقل. دُرَر. قيد بِالْحرِّ، لَان العَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ يتَأَخَّر إِقْرَاره بِالْمَالِ إِلَى مَا بعد الْعتْق، وَكَذَا الْمَأْذُون لَهُ يتَأَخَّر إِقْرَاره بِمَا لَيْسَ من بَاب التِّجَارَة كَمَا قدمْنَاهُ. وَكَذَا إِذا أقرّ بِجِنَايَة مُوجبَة لِلْمَالِ لَا يلْزمه لَان الاذن لم يتَنَاوَل إِلَّا التِّجَارَة، بِخِلَاف مَا إِذا أقرّ بالحدود وَالْقصاص، لَان العَبْد مبقى على أصل الْحُرِّيَّة فِي حَقّهمَا. زَيْلَعِيّ قَوْله: (مُكَلّف) شَرط التَّكْلِيف لَان إِقْرَار الصَّبِي وَالْمَعْتُوه وَالْمَجْنُون لَا يَصح لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّة الِالْتِزَام، إِلَّا إِذا كَانَ الصَّبِي مَأْذُونا لَهُ فَيصح إِقْرَاره بِالْمَالِ لكَونه من ضرورات التِّجَارَة، لانه لَو لم يَصح إِقْرَاره لَا يعامله أحد، فَدخل فِي الاذن كل مَا كَانَ طَرِيقه التِّجَارَة كالديون والودائع والعواري والمضاربات والغصوب فَيصح إِقْرَاره بهَا لالتحاقه فِي حَقّهَا بالبالغ الْعَاقِل، لَان الاذن يدل على عقله، بِخِلَاف مَا لَيْسَ من بَاب التِّجَارَة كالمهر وَالْجِنَايَة وَالْكَفَالَة حَيْثُ لَا يَصح إِقْرَاره بهَا، لَان التِّجَارَة مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ وَالْمهْر مُبَادلَة مَال بِغَيْر مَال، وَالْجِنَايَة لَيست بمبادلة، وَالْكَفَالَة تبرع ابْتِدَاء فَلَا تدخل تَحت الاذن والنائم والمغمى عَلَيْهِ كالجنون لعدم التَّمْيِيز، وَإِقْرَار السَّكْرَان جَائِز إِذا سكر بمحظور، لانه لَا يُنَافِي الْخطاب إِلَّا إِذا أقرّ بِمَا يقبل الرُّجُوع كالحدود الْخَالِصَة، وَإِن سكر بمباح كالشرب مكْرها لَا يلْزمه شئ. زَيْلَعِيّ. وَالرِّدَّة كالحدود الْخَالِصَة. حموي. قَوْله: (يقظان) أخرج بِهِ النَّائِم فَلَا يُؤَاخذ بِمَا أقرّ بِهِ فِي النّوم لارْتِفَاع الاحكام عَنهُ. قَوْله: (طَائِعا) أخرج بِهِ الْمُكْره فَلَا يَصح إِقْرَاره، وَلَو بِطَلَاق وعتاق كَمَا تقدم، أما طَلَاقه وعتاقه فيقعان. قَوْله: (إِن أقرُّوا بِتِجَارَة) أَي بِمَال فَيصح، وَجَوَابه قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي صَحَّ أَيْ صَحَّ لِلْحَالِ. قَوْله: (كإقرار مَحْجُور) أَي عبد لانه مبقى على أصل الْحُرِّيَّة فِي الْحُدُود وَالْقصاص ولانه غير مُتَّهم بِهَذَا الاقرار لَان مَا يدْخل عَلَيْهِ بِهَذَا الاقرار من الْمضرَّة أعظم مِمَّا يدْخل على مَوْلَاهُ، وَلَيْسَ هُوَ عَائِدًا إِلَى الصَّبِي وَالْمَعْتُوه فَإِنَّهُ لَا حد عَلَيْهِمَا، وَلَا قَود لَان عمد الصَّبِي خطأ وَالْمَعْتُوه كَالصَّبِيِّ، وَيدل على تَخْصِيصه بِالْعَبدِ قَول الشَّارِح وَإِلَّا فَبعد عتقه أَي إِلَّا يكن إِقْرَار العَبْد الْمَحْجُور بِحَدّ أَو قَود بل بِمَال، فَإِنَّهُ لَا ينفذ عَلَيْهِ فِي الْحَال لانه وَمَا فِي يَده لمَوْلَاهُ والاقرار حجَّة قَاصِرَة لَا تتعدى لغير الْمقر، فَلَا ينفذ على مَوْلَاهُ فَإِن عتق سقط حق الْمولى عَنهُ فنفذ إِقْرَاره على نَفسه والاولى أَن يعبر بدل الْمَحْجُور بِالْعَبدِ وَأَن يُؤَخِّرهُ بعد قَوْله الْآتِي صَحَّ. قَوْله: (بِحَدّ وقود) أَي مِمَّا لَا تُهْمَة فِيهِ كَمَا ذكرنَا فَيَصِحُّ لِلْحَالِ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ تُهْمَة. قَوْله: (فَبعد عتقه) أَي فتتأخر الْمُؤَاخَذَة بِهِ إِلَى عتقه، وَكَذَا الْمَأْذُون رِعَايَة لحق الْمولى. عَيْني قَوْله: (ونائم) قصد بِهَذَا كَالَّذي قبله وَبعده بَيَان المحترزات. قَوْله: (أَو مَجْهُول) إِنَّمَا صَحَّ الاقرار بِهِ لَان الْحق قد يلْزمه مَجْهُولا بِأَن أتلف مَالا لَا يدْرِي قِيمَته أَو جرح جِرَاحَة لَا يعلم أَرْشهَا، وَالضَّمِير فِي صَحَّ يرجع للاقرار الْمَعْلُوم من أقرّ. قَوْله: (لَان جَهَالَة الْمقر بِهِ لَا تضر) كَمَا إِذا أقرّ أَنه غصب من رجل مَالا مَجْهُولا فِي كيس أَو أودعهُ مَالا فِي كيس صَحَّ الْغَصْب والوديعة، وَثَبت حكمهمَا لَان الْحق قد يلْزمه مَجْهُولا الخ. قَوْله: (إلَّا إذَا بَيَّنَ سَبَبًا تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ كَبَيْعٍ) أَي لَو قَالَ لَهُ

стр. 793

سهم من دَاري غير معِين وَلَا مَعْلُوم مِقْدَاره، لاني قد كنت بِعته ذَلِك لَا يَصح لَان البيع الْمَجْهُول فَاسد، وَكَذَا لَو كَانَ الاقرار بِإِجَارَة كَذَلِك. وَاعْلَم أَن الْمقر بِالْمَجْهُولِ تَارَة يُطلق، وَتارَة يبين سَببا لَا تضره الْجَهَالَة كالغصب وَالْجِنَايَة، وَتارَة يبين سَببا تضره الْجَهَالَة، فالاول يَصح وَيحمل على أَن الْمقر بِهِ لزمَه بِسَبَب لَا تضره الْجَهَالَة، وَالثَّانِي ظَاهر، وَالثَّالِث لَا يَصح الاقرار بِهِ كَالْبيع والاجارة، فَإِن مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا أَو آجر مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى مِنْ فُلَانٍ كَذَا بشئ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُقِرُّ عَلَى تَسْلِيم شئ. أَفَادَهُ فِي الدُّرَر والشرنبلالية. قَوْله: (كَقَوْلِه لَك على أَحَدنَا ألف) ظَاهره أَن الْقَائِل وَاحِد من جمَاعَة وَلَو يُحصونَ، وصدوره من أحدهم لَا يعين أَنه هُوَ المطالب، وَأَنه لَا يجْبر الْمُتَكَلّم على الْبَيَان قَوْله: (إِلَّا إِذا جمع بَين نَفسه وَعَبده فَيصح) هَذَا فِي حُكْمِ الْمَعْلُومِ، لِأَنَّ مَا عَلَى عَبْدِهِ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ إنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ، أَمَّا مَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِيهِ، فَإِذَا جَمَعَهُ مَعَ نَفْسِهِ كَانَ كَقَوْلِهِ لَك عَليّ أَو على زيد وَهُوَ مَجْهُول لَا يَصح. حموي. قَالَ فِي الاشباه: إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، فَلَا يَصح: الاولى أَن يكون العَبْد مديونا، الثَّانِيَة أَن يكون مكَاتبا، فَافْهَم. قَوْله: (وَكَذَا تضر جَهَالَة الْمقر لَهُ) أَي فَتبْطل فَائِدَة الاقرار لعدم اعْتِبَاره. قَوْله: (وَإِلَّا لَا) أَي لَا تضر الْجَهَالَة إِن لم تتفاحش على مَا ذكر شيخ الاسلام فِي مبسوطه والناطفي فِي واقعاته، وَسوى شمس الائمة بَين المتفاحشة وَغَيرهَا فِي عدم الِاعْتِبَار، لَان الْمَجْهُول لَا يصلح مُسْتَحقّا إِذْ لَا يُمكنهُ جبره على الْبَيَان من غير تعْيين الْمُدَّعِي فَلَا يُفِيد فَائِدَته كَمَا فِي الْمنح. قَالَ الْحَمَوِيّ: أَقُول مثل شرَّاح الْهِدَايَة وَغَيرهَا للفاحشة بِأَن قَالَ لوَاحِد من النَّاس ولغير الْفَاحِشَة بِأَن قَالَ لاحدكما وَوَقع تردد بدرس شيخ مَشَايِخنَا بَين أهل الدَّرْس: لَو قَالَ لاحدكم وهم ثَلَاثَة أَو أَكثر محصورون هَل هُوَ من الثَّانِي أَو الاول؟ فَمَال بَعضهم إِلَى أَنه من قبيل غير الْفَاحِشَة، وانتصر لَهُ بِمَا فِي الْخَانِية لَو قَالَ من بَايَعَك من هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى قوم مُعينين معدودين فَأَنا قبيل بِثمنِهِ جَازَ اهـ. قَالَ السائحاني: وَيظْهر لي أَن المتفاحش مائَة. أَقُول: لَكِن الَّذِي يظْهر لي أَن الْفَاحِش مَا زَاد على الْمِائَة أخذا من قَوْلهم فِي كتاب الشَّهَادَات من الْبَاب الرَّابِع فِيمَن تقبل شَهَادَته من الْهِنْدِيَّة عَن الْخُلَاصَة: شَهَادَة الْجند للامير لَا تقبل إِن كَانُوا يُحصونَ، وَإِن كَانُوا لَا يُحصونَ تقبل. نَص فِي الصيرفية فِي حد الاحصاء مائَة وَمَا دونه، وَمَا زَاد عَلَيْهِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُحصونَ. كَذَا فِي جَوَاهِر الاخلاطي، وقدمناه فِي الشَّهَادَات. قَوْله: (فَيصح) لَان صَاحب الْحق لَا يعدو من ذكره وَفِي مثله يُؤمر بالتذكر، لَان الْمقر قد ينسى صَاحب الْحق. منح. وَهَذَا قَول الناطفي. وَقَالَ السَّرخسِيّ إِنَّهَا تضر أَيْضا قَوْله: (وَلَا يجْبر على الْبَيَان) أَي إِن فحشت أَو لَا زَادَ الزَّيْلَعِيُّ: وَيُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ لِأَنَّ الْمُقِرَّ قَدْ ينسى صَاحِبَ الْحَقِّ، وَزَادَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا ادَّعَى. وَفِي التاترخانية: وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يَسْتَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا عَلَى حِدَةٍ، بَعْضُهُمْ قَالُوا نَعَمْ، وَيَبْدَأُ الْقَاضِي بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ أَوْ يُقْرِعُ، وَإِذَا حَلَفَ لِكُلٍّ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ يُقْضَى بِالْعَبْدِ لِلْآخَرِ فَقَطْ، وَإِنْ نَكَلَ لَهُمَا يُقْضَى بِهِ وَبِقِيمَةِ الْوَلَدِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ سَوَاءٌ

стр. 794

نَكَلَ لَهُمَا جُمْلَةً بِأَنْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ بِأَنْ حَلَّفَهُ لِكُلٍّ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ حَلَفَ فَقَدْ بَرِئَ عَن دَعْوَة كل، فَإِن أَرَادَ أَن يصطلحا وأخذا الْعَبْدَ مِنْهُ لَهُمَا ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَمَا قَبْلَ الْحَلِفِ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: لَا يَجُوزُ اصْطِلَاحُهُمَا بَعْدَ الْحَلِفِ، قَالُوا: وَلَا رِوَايَةَ عَن أبي حنيفَة اهـ. أَقُول: وَالْحَاصِل: أَن قَول الشَّارِح وَلَا يجْبر على الْبَيَان مُوَافق لما فِي الْبَحْر والزيلعي والعيني وَشرح السَّيِّد حموي، وَيُخَالِفهُ مَا فِي الدُّرَر عَن الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَإِن لم يفحش بِأَن أقرّ أَنه غصب هَذَا العَبْد من هَذَا أَو من هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَصح عِنْد شمس الائمة السَّرخسِيّ، لانه إِقْرَار للْمَجْهُول. وَقيل يَصح وَهُوَ الاصح لانه يُفِيد وُصُول الْحق إِلَى الْمُسْتَحق، لانهما إِذا اتفقَا على أَخذه فَلَهُمَا حق الاخذ وَيُقَال لَهُ: بَين الْمَجْهُول، لَان الاجمال من جِهَته كَمَا لَو أعتق أحد عبديه وَإِن لم يبين أجْبرهُ القَاضِي على الْبَيَان إيصالا للحق إِلَى الْمُسْتَحق اهـ. وَكَلَام الشُّرُنْبُلَالِيَّة يُفِيد مُوَافقَة مَا فِي الدُّرَر من أَنه يجْبر على الْبَيَان حَيْثُ قَالَ: قَوْله كَمَا لَو أعتق أحد عبديه: يَعْنِي من غير تعْيين، أما لَو أعتق أَحدهمَا بِعَيْنِه، ثمَّ نَسيَه لَا يجْبر على الْبَيَان كَمَا فِي الْمُحِيط اهـ. وَأَقُول: قَوْله لَان الاجمال الخ هَكَذَا فِي الْهِدَايَة وَعَامة الشُّرَّاح قاطبة ربطوا هَذَا الْكَلَام على صِحَة الاقرار للْمَجْهُول، وَصَاحب الدُّرَر ظن أَنه مُرْتَبِط بالاقرار بِالْمَجْهُولِ، وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا يظْهر لمن نظر نظر التدبر فِي كَلَام صَاحب الْكَافِي أَيْضا، وَقد سبق أَنه لَا جبر على الْمقر لبَيَان الْمقر لَهُ عِنْد كَونه مَجْهُولا غير متفاحش، فاللائق عَلَيْهِ أَن يَأْتِي بِهَذَا الْكَلَام فِي شرح قَوْله وَلَزِمَه بَيَان مَا جهل. أَقُول: وَإِنَّمَا يجْبرهُ القَاضِي على الْبَيَان فِيمَا إِذا أعتق أحد عبديه من غير تعْيين، لَان الظَّاهِر من حَال الْمقر هُوَ الْعلم بِالْحَقِّ الَّذِي أقرّ بِهِ، فَيجب عَلَيْهِ الْبَيَان. لَا يُقَال: إِنَّه تقدم عِنْد. قَوْله: (أَو مَجْهُول) أَن الْمقر قد يتْلف مَالا لَا يدْرِي قِيمَته أَو يجرح جِرَاحَة لَا يعلم أَرْشهَا. لانا نقُول: إِن ذَلِك احْتِمَال اعْتبر هُنَاكَ بتصحيح الاقرار بِالْمَجْهُولِ، وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يسمع قَوْله لَا أَدْرِي فِي جَمِيع مَا أقرّ بِهِ، بل على القَاضِي أَن يعْتَمد على ظَاهر الْحَال وَلَا يصدقهُ فِيمَا هُوَ مُحْتَمل. قَوْله: (لجَهَالَة الْمُدَّعِي) أَي فيهمَا، ولانه قد يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال الْحق على الْمُسْتَحق، وَالْقَاضِي إِنَّمَا نصب لايصال الْحق إِلَى مُسْتَحقّه لَا لابطاله اهـ. منح. قَوْله: (بَحر) تَتِمَّة عِبَارَته: وَلكُل مِنْهُمَا أَن يحلفهُ. قَوْله: (وَنَقله فِي الدُّرَر لَكِن بِاخْتِصَار مخل كَمَا بَينه عزمي زَاده) لَيْسَ فِي كَلَامه اخْتِصَار مخل بل زِيَادَة مضرَّة ذكرهَا فِي غير موضعهَا، وَقد سَمِعت عِبَارَته وصدرها، وَلم يَصح الاقرار للْمَجْهُول إِذا فحشت جهالته بِأَن يَقُول هَذَا العَبْد لوَاحِد من النَّاس، لَان الْمَجْهُول لَا يكون مُسْتَحقّا، وَإِن لم تفحش إِلَى آخر مَا قدمنَا عَنْهَا، وَاعْتَرضهُ عزمي زَاده بِأَن قَوْله: وَيُقَال لَهُ بَين الْمَجْهُول مُرْتَبِط بِصِحَّة الاقرار مَعَ جَهَالَة الْمقر بِهِ لَا بِعَدَمِ الصِّحَّة فِي جَهَالَة الْمقر لَهُ، وَلَا مساغ لحمله على ذَلِك لانه علل الْمَسْأَلَة بِأَنَّهُ إِقْرَار للْمَجْهُول، وَلَا يُفِيد لَان فَائِدَته الْجَبْر على الْبَيَان، وَصَاحب الْحق مَجْهُول، وَكَانَ الْوَاجِب ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة فِي أثْنَاء شرح قَوْله أقرّ بِمَجْهُول صَحَّ ليُوَافق كَلَامه كَلَامهم ومرامه مرامهم اهـ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ مِنْ الْجَبْرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا جَهِلَ الْمُقَرَّ بِهِ لَا الْمُقَرَّ لَهُ لِقَوْلِ الْكَافِي لِأَنَّهُ إِقْرَار للْمَجْهُول، وَأَنه لَا يُفِيد لَان فَائِدَته الْجَبْر على الْبَيَان، وَلَا يجْبر على الْبَيَان لانه إِنَّمَا يكون ذَلِك لصَاحب الْحق وَهُوَ مَجْهُول.

стр. 795

فَرْعٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْإِقْرَارَ الْعَامَّ وَذَكَرَهُ فِي الْبَحْر، وَفِي الْمِنَحِ، وَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِالْعَامِّ كَمَا فِي يَدِي مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ جَمِيعِ مَا يُعْرَفُ بِي أَوْ جَمِيع مَا ينْسب إِلَيّ لفُلَان وَإِن اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْإِقْرَارِ أَوْ لَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُقَرُّ لَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي يَدِهِ وَقْتَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَبُولَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ، لَكِنَّهُ يَرْتَدُّ برد الْمقر لَهُ. صرح فِي الْخُلَاصَة، وَكثير من الْكتب الْمُعْتَمدَة وَاسْتَشْكَلَ الْمُصَنِّفُ بِنَاءً عَلَى هَذَا قَوْلَ الْعِمَادِيِّ وقاضيخان: الْإِقْرَارُ لِلْغَائِبِ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّصْدِيقِ. ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ وَبَحَثَ فِي الْجَوَابِ الرَّمْلِيُّ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ الْإِشْكَالِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ اللُّزُومَ غَيْرُ الصِّحَّةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَوَقُّفِ الْعَمَلِ مَعَ صِحَّتِهِ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ، فَالْمُتَوَقِّفُ لُزُومُهُ لَا صِحَّتُهُ، فالاقرار للْغَائِب لَا يلْزم حَتَّى صَحَّ إقْرَارُهُ لِغَيْرِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ الْمُقَرِّ لَهُ حَتَّى صَحَّ رَدُّهُ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ لِلْحَاضِرِ فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ الْمُقِرِّ حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ لِغَيْرِهِ بِهِ قَبْلَ رَدِّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَانِبِ الْمُقَرِّ لَهُ فَيَصِحُّ رَدُّهُ، وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلَا شُبْهَةَ فِيهَا من الْجَانِبَيْنِ بِدُونِ الْقبُول وَقدمنَا شَيْئا من ذَلِك فَارْجِع إِلَيْهِ. قَوْله: (وَلَزِمَه بَيَان مَا جهل) أَي يجْبر عَلَيْهِ إِذا امْتنع كَمَا فِي الشمني، لانه لزمَه الْخُرُوج عَمَّا وَجب عَلَيْهِ بالاقرار، لَان كثيرا من الاسباب تتَحَقَّق مَعَ الْجَهَالَة كالغصب والوديعة، لَان الانسان يغصب مَا يُصَادف ويودع مَا عِنْده من غير تَحْرِير فِي قدره وجنسه وَوَصفه فَيحمل عَلَيْهِ حَتَّى لَو فسره بِالْبيعِ أَو الاجارة لَا يَصح إِقْرَاره، لَان هَذِه الْعُقُود لَا تصح مَعَ الْجَهَالَة فَلَا يجْبر على الْبَيَان. زَيْلَعِيّ. قَالَ الْعَلامَة الْخَيْر الرَّمْلِيّ: أَقُول بِهِ استخرجت جَوَاب حَادِثَة الْفَتْوَى: كرم وقف اسْتهْلك الْعَامِل عَلَيْهِ حِصَّة الْوَقْف مُدَّة سِنِين أَو مَاتَ الْعَامِل وَأقر ورثته باستهلاك ثَمَرَته فِي السنين الْمعينَة إِقْرَارا مَجْهُولا فِي الْغلَّة. فأجبت: بِأَنَّهُم يجبرون على الْبَيَان وَالْقَوْل لَهُم مَعَ الْحلف إِلَّا أَن يُقيم الْمُتَوَلِي بَيِّنَة بِأَكْثَرَ، فَتَأمل اهـ. وَقَالَ أَيْضا: ذكر صَاحب الْبَحْر فِي البيع فِي شرح قَوْله: وَإِن اخْتلفت النُّقُود فسد البيع، لَو أقرّ بِعشْرَة دَنَانِير حمر وَفِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة حمر لَا يَصح بِلَا بَيَان، بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ يتَصَرَّف إِلَى الاروج. اهـ. وَلَا ريب أَن معنى قَوْله: لَا يَصح بِلَا بَيَان: أَي لَا يثبت بِهِ شئ بِلَا بَيَان، بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ يثبت الاروج بِدُونِ بَيَان، إِذْ صِحَة الاقرار بِالْمَجْهُولِ مقررة وَعَلِيهِ الْبَيَان. تَأمل. وَفِي الْمَقْدِسِي: وَلَو بَين الْغَصْب فِي عقار أَو خمر مُسلم صَحَّ لانه مَال، فَإِن قيل الْغَصْب أَخذ مَال مُتَقَوّم مُحْتَرم بِغَيْر إِذن الْمَالِك على وَجه يزِيل يَده، وَهُوَ لَا يصدق على الْعقار وخمر الْمُسلم. وَأجِيب: بِأَن ذَلِك حَقِيقَة وَقد تتْرك بِدلَالَة الْعَادة وَفِي خير مَطْلُوب سَوَاء عين فِي هَذِه الْبَلدة أَو غَيرهَا، وَلَو قَالَ: الدَّار الَّتِي فِي يَد فلَان صَحَّ بَيَانه، وَلَا تُؤْخَذ من يَده وَلَا يضمن الْمقر شَيْئا لانه أقرّ بغصبها وَهِي لَا تضمن بِالْغَصْبِ اهـ. أَقُول: وَإِنَّمَا يلْزمه بَيَان مَا جهل، هَذَا إِذا لم يكن الحكم عَلَيْهِ من لخارج، أما إِذا أمكن فَلَا وَيحكم عَلَيْهِ بالمتيقن، أَلا يرى أَنه لَو قَالَ: لَا أَدْرِي لَهُ عَليّ سدس أَو ريع فَإِنَّهُ يلْزم الاقل. وَسَيَأْتِي مَا يُوضح مَا ظهر لي. وَفِي الْمَقْدِسِي: لَهُ عَليّ عبد أَو قَالَ لَهُ شرك فِيهِ: أوجب أَبُو يُوسُف قيمَة وسط فِي الاول والشطر فِي الثَّانِي، وَمُحَمّد الْبَيَان فيهمَا، وَلَو قَالَ لَهُ عشرَة دَرَاهِم ودانق أَو قِيرَاط فهما من

стр. 796

الدَّرَاهِم وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ أَوْ عَبْدٌ صَحَّ وَيُقْضَى بِقِيمَةٍ وَسَطٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّد: القَوْل لَهُ فِي الْقيمَة. وَفِي الاشباه: الاقرار بِالْمَجْهُولِ صَحِيح، وَاعْتَرضهُ الْحَمَوِيّ بِمَا فِي الْمُلْتَقط: إِذا قَالَ عَليّ دَار أَو شَاة: قَالَ أَبُو يُوسُف: يلْزمه الضَّمَان بِقِيمَة الْمقر بِهِ وَالْقَوْل قَوْله. وَقَالَ بشر: تجب الشَّاة. اهـ. وَيُمكن الْجَواب بمشي الاشباه على قَول الامام وَالْخَانِيَّة والملتقط على قَول غَيره، وَلَعَلَّ المُرَاد بالوسط أَو الْقيمَة من أقل الْمقر بِهِ لانه مقرّ بِأَحَدِهِمَا الْمُبْهم إِلَّا بالاثنين، وَحِينَئِذٍ فَحلف بشر لَفْظِي. كَذَا بِخَط الْعَلامَة السائحاني. قَوْله: (كشئ وَحقّ) بِأَن قَالَ عَليّ لفُلَان شئ أَو حق، لَان الْحق قد يلْزم مَجْهُولا بِأَن يتْلف مَالا أَو يجرح جِرَاحَة أَو تبقى عَلَيْهِ بَاقِيَة حِسَاب لَا يعرف قيمتهَا وَلَا أَرْشهَا وَلَا قدرهَا كَمَا فِي الْعَيْنِيّ، وَلَو قَالَ فِي قَوْله: عَليّ حق أردْت بِهِ حق الاسلام لم يصدق مُطلقًا، سَوَاء قَالَه مَوْصُولا أَو مَفْصُولًا، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الزَّيْلَعِيّ والعيني والكفاية لانه خلاف الْعرف، فَإِذا بَين بِغَيْر ذَلِك كَانَ رُجُوعا فَلَا يَصح وَعَلِيهِ الْمعول كَمَا فِي التَّبْيِين. وَفِي تَكْمِلَة قَاضِي زَاده: أَنه إِذا وَصله صدق وَإِن فَصله لَا يصدق، وَعَلِيهِ مَشى فِي التاترخانية، وَنَقله الْحَمَوِيّ، وَكَذَا نَقله صَاحب الْكِفَايَة عَن الْمُحِيط والمستزاد كَمَا فِي الشلبي. قَالَ السَّيِّد الْحَمَوِيّ: بَقِي لَو مَاتَ قبل الْبَيَان توقف فِيهِ الشَّيْخ الحانوتي، قَالَ الْعَلامَة الشُّرُنْبُلَالِيّ: وَيَنْبَغِي أَن يرجع فِيهِ للْوَرَثَة. اهـ. وَفِيه أَن الْوَارِث إِذا كَانَ لَا يعلم كَيفَ يرجع إِلَيْهِ فَليُحرر بِالنَّقْلِ. وَفِيه أَن الْوَارِث قد يعلم فالرجوع إِلَيْهِ لاستكشاف مَا عِنْده، فَإِنَّهُ علمه وَافق علم بِهِ. قَالَ الْعَلامَة الْمَقْدِسِي: يَنْبَغِي أَن يصدق فِي حق الشُّفْعَة أَو التطرق وَنَحْوه. اهـ. قَوْله: (وَالْقَوْل للْمقر مَعَ حلفه لانه الْمُنكر) ولانه لما كذبه فِيمَا بَين وَادّعى شَيْئا آخر بَطل إِقْرَاره بتكذيبه وَكَانَ القَوْل للْمقر فِيمَا ادّعى عَلَيْهِ اهـ. قَوْله: (وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ فِي عَليّ مَال) لَان مَا دونه من الكسور لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم المَال عَادَة وَهُوَ الْمُعْتَبر زَيْلَعِيّ، وَمثله فِي الْهِنْدِيَّة. وَهَذَا اسْتِحْسَان، وَفِي الْقيَاس يصدق فِي الْقَلِيل وَالْكثير كَمَا قَالَ الْقَدُورِيّ. قَالَ ط: وَظَاهر الْبَحْر أَنه يلْزمه دِرْهَم، وَلَا يجْبر على الْبَيَان، وَعبارَته: وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ دَار أَو عبد لَا يلْزمه شئ، أَو مَال قَلِيل أَو دِرْهَم عَظِيم أَو دريهم لزمَه دِرْهَم. قَوْلُهُ: (وَمِنْ النِّصَابِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ دِرْهَم وَكَذَا المعطوفات بعده. قَوْله: (أَي نِصَاب الزَّكَاة) لانه عَظِيم فِي الشَّرْع حَتَّى اعْتبر صَاحبه غَنِيا وَأوجب عَلَيْهِ مواساة الْفُقَرَاء، وَفِي الْعرف حَتَّى يعد من الاغنياء عَادَة. منح. قَوْله: (وَقيل إِن الْمقر فَقِيرا الخ) قَالَ فِي الْمنح: والاصح أَنه على قَوْله مَبْنِيّ عَلَى حَالِ الْمُقِرِّ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، فَإِنَّ الْقَلِيلَ عِنْدَ الْفَقِيرِ عَظِيمٌ، وَأَضْعَافُ ذَلِكَ عِنْدَ الْغَنِيّ لَيْسَ بعظيم وَهُوَ فِي الشَّرْع مُتَعَارِضٌ، فَإِنَّ الْمِائَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ عَظِيمٌ وَفِي السّرقَة وَالْمهْر الْعشْرَة عَظِيم، فَيرجع إِلَى حَاله. كَذَا فِي النِّهَايَة. قَوْله: (فِي مَال عَظِيم) مَعْطُوف على قَوْله فِي عَليّ مَال الْمَعْمُول ليصدق فَفِيهِ الْعَطف على معمولين لعاملين مُخْتَلفين، وَهُوَ لَا يجوز، والاولى أَن يَقُول: وَلزِمَ فِي عَليّ مَال دِرْهَم، وَفِي عَليّ مَال عَظِيم نِصَاب، وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ الْعَطف على معمولين لعامل وَاحِد. تَأمل.

стр. 797

وَاعْلَم أَن المَال الْقَلِيل دِرْهَم، فَإِذا قَالَ فِي لَهُ عَليّ مَال عَظِيم وَسُئِلَ الْبَيَان فَقَالَ لَا قَلِيل وَلَا كثير لزمَه مِائَتَان، لانه لما قَالَ لَا قَلِيل لزمَه الْكثير. كَذَا عَن مُحَمَّد. وَيظْهر لي أَن يلْزمه عِنْد الامام عشرَة إِذْ هِيَ الْكثير عِنْده، وَلَو قَالَ عَليّ شئ من الدَّرَاهِم أَو من دَرَاهِم فَعَلَيهِ ثَلَاثَة. قلت: وعَلى تَقْدِير من تبعيضية لَا يظْهر مقدسي قَوْله: (قَوْله لَو بَينه الخ) بِأَنْ قَالَ مَالٌ عَظِيمٌ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ قَالَ من الْفضة لزمَه النّصاب من الْمقر بِهِ وَمن الابل أَخذ نصابها أَيْضا، فَإِن قَالَ من ثِيَاب أَو كتب اعْتبر النّصاب بِالْقيمَةِ. قَوْله: (وَمن خمس وَعشْرين من الابل) أَيْ وَلَا يَصْدُقُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَوْ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ مِنْ الْإِبِلِ. قَوْله: (لانها أدنى نِصَاب يُؤْخَذ من جنسه) جَوَاب سُؤال حَاصله: أَن أدنى نِصَاب الابل خمس فَإِنَّهُ يُؤْخَذ فِيهَا شَاة. وَحَاصِل الْجَواب: أَن مَا دون الْخمس وَالْعِشْرين من الابل لَا يجب فِيهِ الزَّكَاة من جنسه، وَإِن وَجَبت فِيهِ الزَّكَاة، وَتَقْرِير ذَلِك أَن الْخمس س من الابل وَإِن كَانَت مَالا عَظِيما فَعَظمهُ لمَالِكه نسبي، فَصَارَ لَهُ جهتان: جِهَة الْغَنِيّ بتملكها فأوجبنا الشَّاة فِيهَا، وجهة عدم الْعظم الْحَقِيقِيّ، فَقُلْنَا بِعَدَمِ جَوَاز صَدَقَة فِيهَا مِنْهَا. أَفَادَهُ الْحَمَوِيّ. وَالظَّاهِر أَنه يعْتَبر فِي الْبَقر وَالْغنم نصابهما إِذا بَين بهما كَمَا يُسْتَفَاد من الْمنح ط. قَوْله: (وَمن ثَلَاثَة نصب فِي أَمْوَال عِظَام) لَان أقل الْجَمِيع ثَلَاثَة فَلَا يصدق فِي أقل مِنْهُ للتيقن بِهِ، وَيَنْبَغِي على قِيَاس قَول الامام أَن يعْتَبر فِيهِ حَال الْمقر. منح. وَفِي الذَّخِيرَة: وَلَو قَالَ مَال نَفِيس أَو كريم أَو خطير أَو جليل: قَالَ الناطفي: لم أَجِدهُ مَنْصُوصا، وَكَانَ الْجِرْجَانِيّ يَقُول: يلْزمه مِائَتَان. وروى ابْن سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا قَالَ عَليّ دَرَاهِم مضاعفة فَعَلَيهِ سِتَّة دَرَاهِم، لَان أدنى الْجمع ثَلَاثَة وضعفها سِتَّة، وَلَو قَالَ دَرَاهِم أَضْعَاف مضاعفة يلْزمه ثَمَانِيَة عشر درهما، لَان أضعافا لفظ الْجمع وَأقله ثَلَاثَة فَتَصِير تِسْعَة ومضاعفة التِّسْعَة ثَمَانِيَة عشر. ذكره الشمني. قَوْله: (ثَلَاثَة) لانها أدنى الْجمع. قَوْله: (عشرَة) عِنْد الامام وَقَالا نِصَاب، والاصل أَن رِعَايَة الْكَثْرَة وَاجِبَة، لكنه اعْتبر الْعرف لُغَة وهما اعتبراه شرعا. قَوْله: (لانها نِهَايَة اسْم الْجمع) الاضافة للْبَيَان: أَي نِهَايَة اسْم هُوَ الْجمع وَهُوَ دَرَاهِم إِذْ هُوَ جمع دِرْهَم وَلَيْسَ المُرَاد اسْم الْجمع المصطلح عَلَيْهِ كَمَا لَا يخفى: يَعْنِي أَن الْعشْرَة أقْصَى مَا يذكر بِلَفْظ الْجمع فَكَانَ هُوَ الاكثر من حَيْثُ اللَّفْظ فَيَنْصَرِف إِلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَا: لَا يصدق فِي أقل من نِصَاب: والاصل فِيهِ مَا قدمنَا من أَن رِعَايَة الْكَثْرَة وَاجِبَة الخ، وَهُوَ أول مَا يصدق عَلَيْهِ جمع الْكَثْرَة. أما تَعْلِيل الشَّارِح فيوهم أَن الْعبْرَة لاقل مَا يصدق اللَّفْظ لَا لنهايته، إِذْ هِيَ مشكوكة وَالْمَال لَا يثبت بِالشَّكِّ فَتعين مَا قُلْنَا. تَأمل قَوْله: (وَكَذَا درهما دِرْهَم) أَي لَا يصدق فِي أقل من دِرْهَم فِي قَوْله لَهُ عَليّ كَذَا درهما لانه تَفْسِير للمبهم. كَذَا فِي الْهِدَايَة وَفِيه مَا سبق من مُخَالفَة الْعَطف. قَالَ الاتقاني: وَيَنْبَغِي أَن يلْزمه فِي هَذَا أحد عشرَة لانه أول الْعدَد الَّذِي يَقع مميزه مَنْصُوبًا، هَكَذَا نقل عَن أهل اللُّغَة فَلَا يصدق فِي بَيَانه

стр. 798

بدرهم، وَالْقِيَاس فِيهِ مَا قَالَه فِي مُخْتَصر الاسرار إِذا قَالَ لَهُ كَذَا دِرْهَم أَنه يلْزمه عشرُون، لانه ذكر جملَة وفسرها بدرهم مَنْصُوب. وَذَلِكَ يكون من عشْرين إِلَى تسعين فَيجب الاقل وَهُوَ عشرُون لانه مُتَيَقن اهـ. وَمثله فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة. وَفِي السراج: وَإِن قَالَ كَذَا درهما لزمَه عشرُون، وَإِن قَالَ كَذَا دِرْهَم بالخفض لزمَه مائَة، وَإِن قَالَ كَذَا دِرْهَم بِالرَّفْع أَو بِالسُّكُونِ لزمَه دِرْهَم وَاحِد لانه تَفْسِير للمبهم. قَوْلُهُ: (عَلَى الْمُعْتَمَدِ) لِأَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى. شُرُنْبُلَالِيَّةٌ وَفِي التَّتِمَّةِ وَالذَّخِيرَةِ دِرْهَمَانِ، لِأَنَّ كَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْعَدَدِ وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ، إذْ الْوَاحِد لَا يعد حَتَّى يكون مَعَه شئ. وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ قِيلَ: يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ أَقَلَّ عَدَدٍ غَيْرِ مُرَكَّبٍ يُذْكَرُ بعده الدِّرْهَم بِالنّصب عشرُون. منح. قَوْله: (وَلَو خفضه لزمَه دِرْهَم) كَذَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد، وَإِن قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَم بالخفض لزمَه ثَلَاثمِائَة، والتوجيه فِي غَايَة الْبَيَان. قَوْله: (وَفِي دريهم الخ) أَي بِالتَّصْغِيرِ، وَكَذَا لَو صغر الدِّينَار يلْزمه تَاما، لَان التصغير يكون لصِغَر الحجم وللاستحقار ولخفة الْوَزْن فَلَا ينقص الْوَزْن بِالشَّكِّ ط. قَوْله: (أَو دِرْهَم عَظِيم) إِنَّمَا لزمَه دِرْهَم لَان الدِّرْهَم مَعْلُوم الْقدر فَلَا يزْدَاد قدره بقوله عَظِيم لانه وصف اهـ. تَبْيِين. قَالَ الْمَقْدِسِي: يَنْبَغِي إِذا كَانَت الدَّرَاهِم مُخْتَلفَة أَن يجب من أعظمها عملا بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور حموي. قَوْله: (وَالْمُعْتَبر الْوَزْن الْمُعْتَاد إِلَّا بِحجَّة) قَالَ صَاحب الْهِدَايَة: وينصرف إِلَى الْوَزْن الْمُعْتَاد: أَي بَين النَّاس، وَذَلِكَ لَان الْمُطلق من الالفاظ ينْصَرف إِلَى الْمُتَعَارف وَهُوَ غَالب نقد الْبَلَد. وَلَا يصدق فِي أقل من ذَلِك لانه يُرِيد الرُّجُوع عَمَّا اقْتَضَاهُ كَلَامه. قَالَ فِي تحفة الْفُقَهَاء: وَلَو قَالَ عَليّ ألف دِرْهَم فَهُوَ على مَا يتعارفه أهل الْبَلَد من الاوزان أَو الْعدَد، وَإِن لم يكن شَيْئا متعارفا يحمل على وزن سَبْعَة فَإِنَّهُ الْوَزْن الْمُعْتَبر فِي الشَّرْع، وَكَذَلِكَ فِي الدِّينَار يعْتَبر المثاقيل إِلَّا فِي مَوضِع مُتَعَارَف فِيهِ بِخِلَافِهِ اهـ. شلبي. وَفِي الْكَافِي: وَإِن كَانَ نقد الْبَلَد مُخْتَلفا فَهُوَ على الاقل من ذَلِك اهـ. وَلَا يصدق إِن ادّعى وزنا دون ذَلِك اهـ. بِتَصَرُّف فَقَوله إِلَّا بِحجَّة إِن أُرِيد بهَا الْبَيَان فالامر ظَاهر، وَإِن لم يكن بَيَانا فالحجة عرف الْبَلَد، فَتدبر. ط. قَوْله: (وَكَذَا كَذَا درهما) بِالنّصب. قَوْله: (أحد عشر) لانه ذكر عددين مبهمين بِدُونِ حرف الْعَطف أقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد عشر وَأَكْثَره تِسْعَة عشر، والاقل يلْزمه من غير بَيَان وَالزِّيَادَة تقف على بَيَانه. منح. وبالخفض ثَلَاثمِائَة وَفِي كَذَا وَكَذَا درهما، وَكَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَيْهِ مِنْ كُلٍّ أَحَدَ عَشَرَ، وَفِي كَذَا كَذَا دِينَارًا وَدِرْهَمًا أَحَدَ عَشَرَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيُقْسَمُ سِتَّةٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَخَمْسَةٌ مِنْ الدَّنَانِيرِ احْتِيَاطًا، وَلَا يُعْكَسُ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ أَقَلُّ مَالِيَّةً وَالْقِيَاسُ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ مِنْ كُلٍّ، لَكِنْ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَسْرِ. غَايَة الْبَيَان مُلَخصا. أَقُول: لَكِن مُقْتَضى الِاحْتِيَاط أَن يلْزمه دِينَار وَاحِد وَعشرَة دَرَاهِم لانه أقل مَا يصدق عَلَيْهِ القَوْل الْمَذْكُور. تَأمل. قَوْله: (لَان نَظِيره الخ) لَو قَالَ: لَان أقل نَظِير لَهُ وَاحِد وَعِشْرُونَ لَكَانَ أولى. قَالَ فِي الْمنح: لَان فصل بَينهمَا بِحرف الْعَطف، وَأَقل ذَلِك من الْعدَد الْمُفَسّر أحد وَعِشْرُونَ،

стр. 799

وَأَكْثَره تِسْعَة وَتسْعُونَ، والاقل يلْزمه من غير بَيَان وَالزِّيَادَة تقف على بَيَانه اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ ثَلَّثَ) بِأَنْ قَالَ كَذَا كَذَا كَذَا دِرْهَمًا. قَوْلُهُ: (إذْ لَا نَظِيرَ لَهُ) وَمَا قِيلَ نَظِيرُهُ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفٍ فَسَهْوٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَصْبِ الدِّرْهَمِ وَتَمْيِيزُ هَذَا الْعَدَدِ مَجْرُورٌ، وَلْيُنْظَرْ هَلْ إذَا جَرَّهُ يلْزمه ذَلِك؟ وَظَاهر كَلَامهم لَا. قَوْله: (فَحمل على التّكْرَار) أَي تكْرَار لفظ كَذَا الاخير. قَوْله: (زيد ألف) فَيجب ألف وَمِائَة وَأحد وَعِشْرُونَ لانه أقل مَا يعبر عَنهُ بأَرْبعَة أعداد مَعَ الْوَاو. ط عَن أبي السُّعُود. قَوْله: (وَلَو خمس زيد عَشَرَةُ آلَافٍ) هَذَا حَكَاهُ الْعَيْنِيُّ بِلَفْظِ يَنْبَغِي لَكِنَّهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْعَشَرَةَ آلَافٍ تَتَرَكَّبُ مَعَ الْأَلْفِ بِلَا وَاوٍ فَيُقَالُ أَحَدَ عَشَرَ ألفا، فتهدر الْوَاو الَّتِي تعْتَبر مهما أَمْكَنَ وَهُنَا مُمْكِنٌ فَيُقَالُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَمِائَةٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. نَعَمْ قَوْلُهُ: (وَلَوْ سدس الخ) مُسْتَقِيم. سائحاني. أَي بِأَن قَالَ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَكَذَا لَوْ سَبَّعَ زِيدَ قَبْلَهُ أَلْفٌ أَلْفٌ، وَمَا ذَكَرَهُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ زِيدَ عَشَرَةُ آلَافٍ فِيهِ أَنَّهُ يُضَمُّ الالف إل الْعَشَرَةِ آلَافٍ فَيُقَالُ أَحَدَ عَشَرَ، وَالْقِيَاسُ لُزُومُ مائَة ألف وَعشرَة آلَاف الخ. اهـ. لِأَنَّ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا أَقَلُّ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْأَقَلِّ فَلَا يَجِبُ الْأَكْثَرُ، وَيَلْزَمُ أَيْضًا اخْتِلَالُ الْمَسَائِلِ الَّتِي بَعْدَهُ كُلِّهَا فَيُقَالُ لَوْ خَمَّسَ زِيدَ مِائَةُ أَلْفٍ، وَلَوْ سَدَّسَ زِيدَ أَلْفُ أَلْفٍ، وَهَكَذَا بِخِلَافِهِ على مَا مر، فَتدبر. قَوْله: (وَهَكَذَا يعْتَبر نَظِيره أبدا) أَي كلما زَاد مَعْطُوفًا بِالْوَاو زيد عَلَيْهِ مَا جرت بِهِ الْعَادة إِلَى مَا لَا يتناهى كَمَا فِي الْبَحْر، وَفِيه: وَالْمُعْتَبر الْوَزْن الْمُعْتَاد فِي كل زمَان أَو مَكَان، والنيف مَجْهُول يرجع إِلَيْهِ فِيهِ والبضعة للثَّلَاثَة. اهـ. فَلَو قَالَ عشرَة ونيف فالبيان فِي النيف إِلَيْهِ، فَإِن فسره بِأَقَلّ من دِرْهَم جَازَ، لَان النيف مُطلق الزِّيَادَة، وَلَو قَالَ بضع وَعِشْرُونَ فَفِي الْبَدَائِع: الْبضْع فِي عرف اللُّغَة من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة فَيحمل على الاقل للتيقن. وَفِي الْبَزَّازِيَّة: اليضعة النّصْف. قَوْله: (لَان على للايجاب) قَالَ الاتقاني: أما قَوْله عَليّ فَإِنَّمَا كَانَ إِقْرَارا بِالدّينِ بسبيل الِاقْتِضَاء، وَإِن لم يذكر الدّين صَرِيحًا لَان كلمة عَليّ تسْتَعْمل فِي الايجاب، وَمحل الايجاب الذِّمَّة، وَالثَّابِت فِي الذِّمَّة الدّين لَا الْعين فَصَارَ إِقْرَاره بِالدّينِ مُقْتَضى قَوْله عَليّ، وَالثَّابِت اقْتِضَاء كَالثَّابِتِ نصا وَلَو نَص فَقَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم دين كَانَ مقرا بِالدّينِ لَا بِالْعينِ، فَكَذَلِك هُنَا اهـ. قَوْله: (وقبلي للضَّمَان غَالِبا) قَالَ الاتقاني: لَان. قَوْله: (قبلي) وَإِن كَانَ يسْتَعْمل فِي الايجابات والامانات يُقَال لفُلَان قبلي وَدِيعَة وقبلي أَمَانَة غلب اسْتِعْمَاله فِي الايجابات، وَالْمُطلق من الْكَلَام ينْصَرف إِلَى مَا هُوَ الْغَالِب فِي الِاسْتِعْمَال. اهـ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كل من تقبل بشئ مقاطعة وَكتب عَلَيْهِ بذلك كتابا فالكتاب الَّذِي يكْتب هُوَ القبالة بِالْفَتْح، وَالْعَمَل قبالة بِالْكَسْرِ لانه صناعَة اهـ. وَفِي بعض النّسخ: وَقبل عوض وقبلي. قَوْله: (وَصدق إِن وصل بِهِ هُوَ وَدِيعَة) أَي بِأَن يَقُول لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم وَدِيعَة فَلَا تكون على للالزام، وَكَذَا لَو قَالَ أردْت بِهِ الْوَدِيعَة مُتَّصِلا عَيْني. قَوْله:

стр. 800

(لانه يحْتَملهُ مجَازًا) وَذَلِكَ لَان لفظ عَليّ وقبلي ينشأن عَن الْوُجُوب، وَهُوَ مُتَحَقق فِي الْوَدِيعَة إِذْ حفظهَا وَاجِب، فَقَوله لَهُ عَليّ كَذَا: أَي يجب لَهُ عَليّ حفظ كَذَا، فَأطلق مَحل وجوب الْحِفْظ وَهُوَ المَال وَأَرَادَ الْحَال فِيهِ وَهُوَ وجوب حفظه، وَأما قبلي فقد تقدم أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الامانة ط. قَوْله: (لتقرره بِالسُّكُوتِ) فَلَا يجوز تَغْيِيره بعد ذَلِك كَسَائِر الْمُغيرَات من الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط. ط قَوْله: (عِنْدِي) أَي لَهُ عِنْدِي، وَكَذَا يُقَال فِي الْجَمِيع. قَوْله: (عملا بِالْعرْفِ) لَان الْكل إِقْرَار بِكَوْن الشئ فِي يَده وَذَا يكون أَمَانَة، لانه قد يكون مَضْمُونا وَقد يكون أَمَانَة وَهَذِه أقلهما. وَفِي كَفَالَة الْخَيْرِيَّة عَن التاترخانية لَفْظَة عِنْدِي للوديعة، لكنه بِقَرِينَة الدّين تكون كَفَالَة. وَفِي الزَّيْلَعِيّ: مُطلقَة يحْتَمل الْعرف، وَفِي الْعرف إِذا قرن بِالدّينِ يكون ضمانا، وَقد صرح بِضَمَان بِأَن عِنْد إِذا اسْتعْملت فِي الدّين يُرَاد بِهِ الْوُجُوب اهـ. أَقُول: وَكَأَنَّهُ فِي عرفهم إِقْرَار بالامانة، أما الْعرف الْيَوْم فِي عِنْدِي وَمَعِي الدّين، لَكِنْ ذَكَرُوا عِلَّةً أُخْرَى تُفِيدُ عَدَمَ اعْتِبَارِ عرفنَا اهـ. قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَحَلُّ الْعَيْنِ لَا الدَّيْنِ، إذْ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالْعَيْنُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً وَأَمَانَةً وَالْأَمَانَةُ أَدْنَى فَحُمِلَ عَلَيْهَا، وَالْعرْف يشْهد لَهُ أَيْضا. فَإِن قيل: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةُ دَيْنٍ أَوْ دَيْنُ وَدِيعَةٍ لَا تَثْبُتُ الْأَمَانَةُ مَعَ أَنَّهَا أَقَلُّهُمَا. أُجِيبَ: بِأَنَّ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ إذَا كَانَ لِلْأَمَانَةِ وَالْآخَرُ لِلدَّيْنِ فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي الْإِقْرَارِ يَتَرَجَّحُ الدَّيْنُ اهـ. أَي بِخِلَاف اللَّفْظ الْوَاحِد الْمُحْتَمل لمعنيين كَمَا هُنَا. تَأمل. قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: وَالظَّاهِر فِي كلمة عِنْدِي أَنَّهَا عِنْد الاطلاق للامانة، وَلذَا قَالَ فِي التاترخانية: إِنَّهَا بِقَرِينَة الدّين للكفالة، وَيُسْتَفَاد من هَذَا أَنَّهَا بِقَرِينَة الْغَصْب تكون لَهُ كَمَا لَو قَالَ غصبت مني كَذَا فَقَالَ عِنْدِي، فَتَأمل. وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَيْضا أَنه لَو سَأَلَ القَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى فَقَالَ عِنْدِي يكون إِقْرَارا بالمدعي، وَقد نَص عَلَيْهِ السُّبْكِيّ من أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة وَلَا تأباه قواعدنا، فَتَأمل اهـ. قَوْله: (فَهُوَ هبة لَا إِقْرَار) أَي لَان مَاله أَو مَا ملكه يمْتَنع أَن يكون لآخر فِي ذَلِك الْحَال فَلَا يَصح الاقرار، وَاللَّفْظ يحْتَمل الانشاء فَيحمل عَلَيْهِ وَيكون هبة. قَوْله: (كَانَ إِقْرَار بِالشّركَةِ) قَالَ الْحَمَوِيّ: لَو قَالَ لَهُ فِي مَالِي ألف دِرْهَم أَو فِي دراهمي هَذِه فَهُوَ إِقْرَار، ثمَّ إِن كَانَ مُمَيّزا فوديعة وَإِلَّا فشركة. اهـ. فَكَانَ عَلَيْهِ أَن يَقُول: أَو بالوديعة. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ) فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ إقْرَارًا لَا يحْتَاج إِلَى التَّسْلِيم، والاوضح أَن يَقُول: بِخِلَاف مَا لَو كَانَ إِقْرَارا كَمَا أَن الاوضح فَلَا بُد فِيهَا من التَّسْلِيم. قَوْله: (والاصل أَنه مَتى أضَاف المقربة الخ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ فِي كَمَا يعلم مِمَّا قبله. قَوْله: (كَانَ هبة) لَان إِضَافَته إِلَى نَفسه تُنَافِي حَمْلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ إخْبَارٌ لَا إنْشَاءٌ فَيُجْعَلُ إنْشَاءً، فَيَكُونُ هِبَةً فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْهِبَةِ مِنَحٌ. إذَا قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ وَأَوْصَيْت أَنَّ لِفُلَانِ فِي مَالِي أَلْفًا، فَالْأُولَى وَصِيَّةٌ وَالْأُخْرَى إقْرَارٌ، وَفِي الْأَصْلِ: إذَا قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ سُدُسُ دَارِي لِفُلَانٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ، وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ سُدُسٌ فِي دَارِي فَإِقْرَارٌ، لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ جَعَلَ لَهُ سُدُسَ دَارٍ جَمِيعهَا

стр. 801

مُضَافٌ إلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِقَصْدِ التَّمْلِيكِ، وَفِي الثَّانِي جَعَلَ دَارَ نَفْسِهِ ظَرْفًا للسدس الَّذِي سَمَّاهُ كَانَ لفُلَان، وَإِنَّمَا يكون دَارُهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ السُّدُسِ إذَا كَانَ السُّدُسُ مَمْلُوكًا لِفُلَانٍ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَكُونُ إقْرَارًا، أَمَّا لَوْ كَانَ إنْشَاءً لَا يَكُونُ ظَرْفًا، لِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا لَهُ فَلَا يَكُونُ الْبَعْضُ ظَرْفًا لِلْبَعْضِ. وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي فَهُوَ وَصِيَّةٌ اسْتِحْسَانًا إذَا كَانَ فِي ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ فِي مَالِي فَهُوَ إِقْرَار اهـ. من النِّهَايَة. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَهُوَ هِبَةٌ أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِنَحِ، وَسَيَأْتِي فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْهِبَةِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا: الدَّيْنُ الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ لِفُلَانٍ أَنَّهُ إقْرَارٌ، وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّارِح هُنَاكَ وأوضحه سَيِّدي الْوَالِد ثَمَّةَ، فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَرِدُ) أَيْ عَلَى مَنْطُوق الاصل الْمَذْكُور، فَإِن الاضافة مَوْجُودَة وَمَعَ ذَلِك جعل إِقْرَارا، لَكِن الاضافة فِي الظّرْف لَا المظروف وَهُوَ الْمقر بِهِ. قَوْله: (مَا فِي بَيْتِي) أَي فَإِنَّهُ إِقْرَار، وَكَذَا مَا فِي مَنْزِلِي، وَيَدْخُلُ فِيهِ الدَّوَابُّ الَّتِي يبعثها فِي النَّهَار وتأوي إلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَكَذَا الْعَبِيدُ كَذَلِكَ كَمَا فِي التاترخانية. قَوْله: (لانها إِضَافَة نِسْبَة) أَيْ فَإِنَّهُ أَضَافَ الظَّرْفَ لَا الْمَظْرُوفَ الْمُقَرَّ بِهِ كَمَا علمت: يَعْنِي أَن الاضافة هُنَا كلا إِضَافَة، لاحْتِمَال أَن الْبَيْت أَو الصندوق أَو الْكيس ملك غَيره، وَمر فِي الايمان أَن المُرَاد بِالْبَيْتِ مَا ينْسب إِلَيْهِ بِالسُّكْنَى سَوَاء كَانَ بِملك أَو إِجَارَة أَو إِعَارَة أَو غير ذَلِك، وَالْمقر بِهِ هُنَا مَا فِي الْبَيْت وَهُوَ غير مُضَاف أصلا، فَيكون قَوْله مَا فِي بَيْتِي إِقْرَارا لَا تَمْلِيكًا لعدم وجود إِضَافَة الْمقر بِهِ إِلَى ملكه، بل جعله مظروفا فِيمَا أضيف إِلَيْهِ نِسْبَة. قَوْله: (وَلَا الارض) عطف على مَا قبله. أَي وَلَا يرد على عكس الْقَاعِدَة قَوْله. قَوْله: (الارض) وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُضِفْهُ كَانَ إقْرَارًا، وَإِنَّمَا لَا وُرُود لَهَا على الاصل الْمُتَقَدّم إِذْ إِضَافَة فِيهَا إلَى مِلْكِهِ. نَعَمْ نَقَلَهَا فِي الْمِنَحِ عَنْ الْخَانِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا تَمْلِيكٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْمُنْتَقَى نَظِيرَتُهَا عَلَى أَنَّهَا إقْرَارٌ، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْقُنْيَةِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: إقْرَارُ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِعَيْنٍ مِنْ مَالِهِ تَمْلِيكٌ إنْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ فِي الْإِقْرَار وَإِن أطلق فإقرار، كَمَا فِي سدس دَارِي وَسُدُسُ هَذِهِ الدَّارِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْهَا مَا يُخَالِفُهُ ثُمَّ قَالَ: قُلْت بَعْضُ هَذِهِ الْفُرُوعِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَعَدَمِهَا، فَيُفِيدُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا، وَمَسْأَلَةُ الِابْنِ الصَّغِيرِ يَصِحُّ فِيهَا الْهِبَةُ بِدُونِ الْقَبْضِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي يَدِهِ قَبْضٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَلَوْ كَانَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّغِير شئ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّمْلِيكِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا لِافْتِقَارِهِ إلَى الْقَبْضِ مفرزا اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَهُنَا مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ: وَهِيَ مَا إِذا أقرّ لآخر إِلَى آخر مَا ذكر الشَّارِحُ مُخْتَصَرًا. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ اخْتَلَفَ النَّقْلُ فِي قَوْله الارض الَّتِي حددوها كَذَا لِطِفْلِي هَلْ هُوَ إقْرَارٌ أَوْ هِبَةٌ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا شئ مِمَّا يحْتَمل الْقِسْمَة، فتظهر حِينَئِذٍ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ، وَكَانَ مُرَادُ الشَّارِحِ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ آخِرًا يُفِيدُ التَّوْفِيقَ بِأَنْ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَمْلِيكٌ عَلَى مَا إذَا كَانَت مَعْلُومَة بَين النَّاس أَنَّهَا ملكه فَيكون فِيهَا الْإِضَافَةُ تَقْدِيرًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهَا إقْرَارٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ. قَوْله وَلَا الْأَرْضُ أَيْ وَلَا تَرِدُ مَسْأَلَةُ الْأَرْضِ

стр. 802

الَّتِي إلَخْ عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ فَإِنَّهَا هِبَةٌ: أَيْ لَوْ كَانَتْ مَعْلُومَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ لِلْإِضَافَةِ تَقْدِيرًا، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّسْلِيمِ كَمَا اقْتَضَاهُ الْأَصْلُ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ دفع الْوُرُود. تَأمل قَوْله: (وَإِن لم يقبضهُ) قَالَ فِي الْمنح وَمَسْأَلَةُ الِابْنِ الصَّغِيرِ يَصِحُّ فِيهَا الْهِبَةُ بِدُونِ الْقَبْض، لَان كَونه فِي يَده قبض لَهُ فَلَا فرق بَين الاظهار: أَي الاقرار وَالتَّمْلِيك، بِخِلَاف الاجنبي، فَإِنَّهُ يشْتَرط فِي التَّمْلِيك الْقَبْض دون الاقرار. اهـ. وَإِنَّمَا يتم فِي حق الصَّغِير بِدُونِ قبض، لَان هبة الاب لطفله تتمّ بقوله: وهبت لطفلي فلَان كَذَا، وَيقوم مقَام الايجاب وَالْقَبُول وَيَكْفِي فِي قبضهَا بَقَاؤُهَا فِي يَده، لَان الاب هُوَ ولي طِفْله فَيقوم إِيجَابه مقَام إِيجَابه عَن نَفسه، وقبوله لطفله لانه هُوَ الَّذِي يقبل لَهُ وبقاؤها فِي يَده قبض لطفله، إِلَّا إِذا كَانَ مَا وهبه مشَاعا يحْتَمل الْقِسْمَة فَلَا بُد من إفرازه وَقَبضه بعد الْقِسْمَة لعدم صِحَة هبة الْمشَاع. قَوْله: (إِلَّا أَن يكون مِمَّا يحْتَمل الْقِسْمَة) أَي وَقد ملكه بعضه. قَوْله: (مفرزا) فِي بعض النّسخ بعد هَذَا اللَّفْظ لفظ اهـ. وَفِي بَعْضهَا بَيَاض. قَوْله: (للاضافة تَقْديرا) عِلّة. قَوْله: (وَلَا الارض) أَي إِنَّمَا كَانَت تَمْلِيكًا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَإِن لم يُوجد فِيهَا إِضَافَة صَرِيحًا لَان فِيهَا إِضَافَة تقديرية كَأَنَّهُ قَالَ: أرضي الخ وَالدَّلِيل عَلَيْهَا أَن ملكه إِيَّاهَا مَعْلُوم للنَّاس. فَالْحَاصِل: أَن الاضافة إِلَى نَفسه الَّتِي تَقْتَضِي التَّمْلِيك، إِمَّا أَن تكون صَرِيحَة أَو تقديرية تعلم بالقرائن، كَأَن كَانَ مَشْهُورا بَين النَّاس أَنَّهَا ملكه، وَبِهَذَا يظْهر الْجَواب عَن مسَائِل جعلوها تَمْلِيكًا وَلَا إِضَافَة فِيهَا، فَلَا حَاجَة إِلَى مَا ادَّعَاهُ المُصَنّف من ثُبُوت الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة حَيْثُ قَالَ بعض هَذِه الْفُرُوع تَقْتَضِي التَّسْوِيَة: أَي فِي التَّمْلِيك بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَعَدَمِهَا، فَيُفِيدُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خلافًا اهـ. فَلْيتَأَمَّل ط. وَلَا تنس مَا قدمْنَاهُ من إِفَادَة التَّوْفِيق. قَوْله: (فَهَل يكون إِقْرَارا أَو تَمْلِيكًا) أَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْمُقَرَّ بِهِ أَوْ الْمَوْهُوبَ إلَى نَفْسِهِ كَانَ هِبَةً، وَإِلَّا يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْهِبَةَ فَيُعْمَلُ بِالْقَرَائِنِ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا عَنْ نَجْمِ الْأَئِمَّةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ إقْرَارٌ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَرُبَّمَا يُوَفَّقُ بَيْنَ كَلَامِهِمْ بِأَنَّ الْمِلْكَ إذَا كَانَ ظَاهِرًا لِلْمِلْكِ فَهُوَ تَمْلِيكٌ، وَإِلَّا فَهُوَ إقْرَارٌ إِن وجدت قرينَة، وتمليك أَو وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْ فَإِنَّا نَجِدُ فِي الْحَوَادِثِ مَا يَقْتَضِيهِ رَمْلِيٌّ. وَقَالَ السَّائِحَانِيُّ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ أَقْوَالَ الْمَذْهَبِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْأَصْلِ إلَخْ وَفِي الْمِنَحِ عَنْ السَّعْدِيِّ: أَنَّ إقْرَارَ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِعَيْنِ مَالِهِ تَمْلِيكٌ إنْ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ فَانْظُرْ لِقَوْلِهِ بِعَيْنِ مَالِهِ، وَلِقَوْلِهِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَهُوَ يُشِيرُ إلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يُعْهَدُ بَلْ الْعِبْرَةُ لِلَّفْظِ اهـ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ مَا فِي بَيْتِي وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ جَمِيعُ مَا يعرف بِي أَو جَمِيع مَا ينْسب إِلَيّ لفُلَان، قَالَ الاسكاف إِقْرَار. اهـ. فَإِنَّ مَا فِي بَيْتِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ يَكُونُ مَعْلُومًا لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَإِنَّ الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إقْرَارٌ، وَأَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ، وَبِهِ تَأَيَّدَ بَحْثُ السَّائِحَانِيِّ. وَلَعَلَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ بِالْهِبَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ فِيهَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْإِقْرَارِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لِطِفْلِهِ، وَلِذَا ذَكَرَهَا فِي الْمُنْتَقَى فِي جَانِبِ غَيْرِ الطِّفْلِ مُضَافَةً لِلْمُقِرِّ حَيْثُ قَالَ: إذَا قَالَ

стр. 803

أَرْضِي هَذِهِ وَذَكَرَ حُدُودَهَا لِفُلَانٍ أَوْ قَالَ الْأَرْضُ الَّتِي حُدُودُهَا كَذَا لِوَلَدِي فُلَانٍ وَهُوَ صَغِيرٌ كَانَ جَائِزًا وَيَكُونُ تَمْلِيكًا، فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أعلم. أَقُول: لَعَلَّه إِنَّمَا كَمَا كَذَلِك: أَي تَمْلِيكًا من حَيْثُ إِن الارض مَشْهُورَة إِنَّهَا ملك وَالِده، واستفادة الْملك إِنَّمَا تكون من جِهَته وَذَلِكَ بالتمليك مِنْهُ، بِخِلَاف الاقرار للاجنبي ولولده الْكَبِير حَيْثُ يُمكن أَن تكون ملكهمَا من غير جِهَة الْمقر. تَأمل. قَوْله: (فَقَالَ اتزنه) أَصله أَو تزنه قلبت الْوَاو تَاء وأدغمت فِي التَّاء، وَهُوَ أَمر مَعْنَاهُ: خُذ بِالْوَزْنِ الْوَاجِب لَك عَليّ. قَوْله: (وَنَحْو ذَلِك) كأحل بهَا غرماءك أَو من شِئْت مِنْهُم أَو أضمنها لَهُ أَو يحتال بهَا عَليّ أَو قضي فلَان عني. حموي. أَو خُذْهَا أَو تنَاولهَا أَو استوفها. منح أَو سأعطيكها أَو غَدا أعطيكها أَو سَوف أعطيكها، أَو قَالَ: لَيست الْيَوْم عِنْدِي أَو أجلني فِيهَا كَذَا أَو أَخّرهَا عني أَو نفسني فِيهَا أَو تبرأتني بهَا أَو أبرأتني فِيهَا، أَو قَالَ: وَالله لَا أقضيكها أَو لَا أزنها لَك الْيَوْم أَو لَا تأخذها مني الْيَوْم، أَو قَالَ: حَتَّى يدْخل عَليّ مَالِي أَو حَتَّى يقدم عَليّ غلامي أَو لم يحل بعد، أَو قَالَ: غَدا أَو لَيست بمهيأة أَو ميسرَة الْيَوْم، أَو قَالَ: مَا أَكثر مِمَّا تتقاضى بهَا. هندية عَن مُحِيط السَّرخسِيّ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ إقْرَارٌ لَهُ بِهَا) وَكَذَا لَا أقضيكها أَو وَالله لَا أعطيكها فإقرار. مقدسي. وَكَذَا غممتني بهَا، ولزمتني بهَا وأذيتني فِيهَا. ذكره الْعَيْنِيّ. وَفِي الْمَقْدِسِي أَيْضا قَالَ: أَعْطِنِي الْأَلْفَ الَّتِي لِي عَلَيْك فَقَالَ: اصبر أَو سَوف تأخذها لَا يكون إِقْرَارا، وَقَوْلُهُ أَتَزِنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إقْرَارٌ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَوْلُهُ عِنْدَ دَعْوَى الْمَالِ مَا قَبَضْتُ مِنْكَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَكُونُ إقْرَارًا، وَلَوْ قَالَ: بِأَيّ سَبَب دَفعه إِلَيّ قَالُوا يكون إِقْرَارا، وَفِيه نظر اهـ. قَدَّمَهُ إلَى الْحَاكِمِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَطَالَبَهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَا لَهُ عَلَيَّ الْيَوْم شئ وَهَذَا الْحَلِفُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا. وَقَالَ الْفَقِيهُ: لَا يلْتَفت إِلَى قَول من جعله إِقْرَارا سائحاني. وَفِي الْهِنْدِيَّة: رجل قَالَ اقضني الالف الَّتِي لي عَلَيْك فَقَالَ نعم فقد أقرّ بهَا وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ فَاقْعُدْ فاتزنها فانتقدها فاقبضها. وَفِي نوار هِشَام قَالَ: سَمِعت مُحَمَّدًا رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول فِي رجل قَالَ لآخر أَعْطِنِي ألف دِرْهَم فَقَالَ اتزنها قَالَ لَا يلْزمه شئ، لانه لم يقل أَعْطِنِي ألفي كَذَا فِي الْمُحِيط اهـ. قَوْله: (لرجوع الضَّمِير إِلَيْهَا فِي كل ذَلِك) فَكَانَ إِعَادَة فَكَأَنَّهُ قَالَ أَتَزِنُ الْأَلْفَ الَّتِي لَك عَلَيَّ وَنَحْوه. قَوْله: (فَكَانَ جَوَابا) لَا ردا وَلَا ابْتِدَاء فَيكون إِثْبَاتًا للاول. قَوْله: (وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ) ويستدل عَلَيْهِ بالقرائن. قَوْله: (أما لَو ادّعى الِاسْتِهْزَاء لم يصدق) أَفَادَ كَلَامه أَن مُجَرّد دَعْوَاهُ الِاسْتِهْزَاء لَا تعْتَبر، بل لَا بُد من الشَّهَادَة عَلَيْهِ، وَلَا تعْتَبر الْقَرِينَة كهز الرَّأْس مثلا، وَيدل لَهُ مَا سَيَأْتِي من أَنه إِذا ادّعى الْكَذِب بعد الاقرار لَا يقبل، وَيحلف الْمقر لَهُ عِنْد أبي يُوسُف. وَفِي الفتاوي الْخَيْرِيَّة: سُئِلَ عَن دَعْوَى النسْيَان بعد الاقرار، لَا تسمع دَعْوَاهُ النسْيَان كَمَا هُوَ ظَاهر الرِّوَايَة، وعَلى الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ: أَنَّ دَعْوَى الْهَزْلِ فِي الْإِقْرَارِ تَصِحُّ وَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى أَن الْمقر مَا كَانَ كَاذِبًا فِي إِقْرَاره اهـ. فَلَعَلَّ قَول الشَّارِح أما لَو ادّعى الِاسْتِهْزَاء لم يصدق جرى على ظَاهر الرِّوَايَة. نعم يرد عَلَيْهِ مَسْأَلَة الصُّلْح الْآتِيَة حَيْثُ قَالُوا: تسمع دَعْوَاهُ بِعَين بعد الابراء الْعَام، وَقَوله لَا حق لي عِنْده: أَي مِمَّا قَبضته فقد اكتفوا بِالْقَرِينَةِ، وَسَيَأْتِي فِي عبارَة الاشباه مَا يُفِيد اعْتِبَار

стр. 804

الْقَرِينَة، لَكِن فِيهَا عَن الْقنية فِي قَاعِدَة السُّؤَال معاد فِي الْجَواب، قَالَ لآخر لي عَلَيْك ألف فادفعه إِلَيّ فَقَالَ استهزاء نعم أَحْسَنت، فَهُوَ إِقْرَار عَلَيْهِ وَيُؤْخَذ بِهِ اهـ. وَقَالَ فِي الْهِنْدِيَّة: وَلَو قَالَ أَعْطِنِي الالف الَّتِي عَلَيْك فَقَالَ اصبر أَو قَالَ سَوف تأخذها لم يكن إِقْرَارا، لَان هَذَا قد يكون استهزاء واستخفافا بِهِ اهـ. معزيا للمحيط. وفيهَا عَن النَّوَازِل: إِذا قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ كيسه بِدُونِ قبضي كن: أَي خيط الْكيس واقبض لَا يكون إِقْرَارا، وَكَذَا قَوْله بكير: أَي أمسك لَا يكون إِقْرَارا، لَان هَذِه الالفاظ تصلح للابتداء، وَكَذَا إِذا قَالَ كنش كيسه بِدُونِ شئ لَا يكون إِقْرَارا، لَان هَذِه الالفاظ تذكر للاستهزاء. ثمَّ ذكر مسَائِل بِالْفَارِسِيَّةِ أَيْضا وَقَالَ: قد اخْتلف الْمَشَايِخ والاصح أَنه إِقْرَار، لَان هَذِه الالفاظ لَا تذكر على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء وَلَا تصح للابتداء فتجعل للْبِنَاء مربوطا. كَذَا فِي الْمُحِيط. اهـ. فَلْيتَأَمَّل. قَالَ الْخَيْر الرَّمْلِيّ: وَلَو اخْتَلَفْنَا فِي كَونه صدر على وَجه الِاسْتِهْزَاء أم لَا فَالْقَوْل لمنكر الِاسْتِهْزَاء بِيَمِينِهِ، وَالظَّاهِر أَنه على نفي الْعلم لَا على فعل الْغَيْر كَمَا سَيَأْتِي ذَلِك مفصلا فِي مسَائِل شَتَّى قبيل الصُّلْح إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (لعدم انْصِرَافه) الاولى فِي التَّعْلِيل أَن يُقَال: لانه يحْتَمل أَنه أَرَادَ مَا استقرضت من أحد سواك فضلا عَن استقراضي مِنْك، وَكَذَلِكَ فِيمَا بعْدهَا وَهُوَ الظَّاهِر فِي مثل هَذَا الْكَلَام، وَيحْتَمل مَا استقرضت من أحد سواك بل مِنْك فَلَا يكن إِقْرَارا مَعَ الشَّك. قَوْلُهُ: (إلَى الْمَذْكُورِ) أَيْ انْصِرَافًا مُتَعَيِّنًا، وَإِلَّا فَهُوَ مُحْتَمل. قَوْله: (والاصل أَن إلَخْ) كَالْأَلْفَاظِ الْمَارَّةِ، وَعِبَارَةُ الْكَافِي بَعْدَ هَذَا كَمَا فِي الْمنح: فَإِن ذكر ضمير صلح جَوَابا لابتداء وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا أَوْ يَصْلُحُ جَوَابًا وَابْتِدَاءً فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالشَّكِّ. قَوْله: (كل مَا يصلح جَوَابا) كَمَا لَو تقاضاه بِمِائَة دِرْهَم فَقَالَ أبرأتني فَإِنَّهُ يصلح جَوَابا، لَان الضَّمِير يعود إِلَى كَلَام الْمُدَّعِي، وَلَو كَانَ ابْتِدَاء بَقِي بِلَا مرجع. قَوْله: (وَمَا يصلح للابتداء) كتصدقت عَليّ ووهبت لي وَمَا استقرضت من أحد سواك وَنَحْوه. قَوْلُهُ: (لَا لِلْبِنَاءِ) أَيْ عَلَى كَلَامٍ سَابِقٍ بِأَن يكون جَوَابا عَنهُ. قَوْله: (أَو يصلح لَهما) كاتزن. قَوْله: (لِئَلَّا يلْزمه المَال بِالشَّكِّ) تَعْلِيل لما يصلح لَهما وَذَلِكَ كَقَوْلِه مَا استقرضت من أحد الخ كَمَا تقدم. وَالْحَاصِل: أَنه إِن ذكر الضَّمِير صلح جَوَابا للابتداء، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا أَوْ يَصْلُحُ جَوَابًا وَابْتِدَاءً فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالشَّكِّ لعدم التيقن بِكَوْن جَوَابا، وبالشك لَا يجب المَال. قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ التَّفْصِيلُ بَيْنَ ذِكْرِ الضَّمِيرِ وَعَدَمِهِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِمَّا نَقَلْنَاهُ قَبْلُ. قَوْلُهُ: (إِذا كَانَ الْجَواب مُسْتقِلّا) أَي بالمفهومية بِأَن يفهم معنى يحسن السُّكُوت عَلَيْهِ فيتأتى فِيهِ التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم. قَوْله: (فَلَو غير مُسْتَقل) بِأَن لَا يَتَأَتَّى فهمه إِلَّا بِالنّظرِ إِلَى مَا بني عَلَيْهِ. قَوْله: (كَانَ إِقْرَار مُطلقًا) ذكره بضمير بِأَن يَقُول نعم هُوَ عَليّ بعد قَوْله لي عَلَيْك ألف أَو لَا كَمَا مثل، وَحِينَئِذٍ فَلَا يظْهر مَا قَالَه، لَان نعم لَا تستقل بالفهومية فَإِنَّهَا حرف جَوَاب يقدر مَعهَا جملَة السُّؤَال فَتكون إِقْرَارا، وَلذَلِك لَا يَتَأَتَّى الاطلاق لَان فِيهِ التَّفْصِيل،

стр. 805

إِذْ لَا يُمكن أَن تكون ابْتِدَاء لَا بِنَاء وَلَا يصلح لَهما لانها وضعت للجواب. فَفِي لفظ الاطلاق هُنَا تسَامح، وَفِي الْحَمَوِيّ عَن الْمَقْدِسِي: لقَائِل أَن يَقُول: نعم جَوَاب فِي الْخَبَر لَا فِي الانشاء، وَهَذِه الامور إنْشَاء مَعَ أَنه قد يَقُوله ليستعيد الْكَلَام، فَكَأَنَّهُ يَقُول مَاذَا تَقول، وَيُمكن أَن يُقَال الْكَلَام الْمَذْكُور وَإِن كَانَ إنْشَاء لكنه مُتَضَمّن للْخَبَر، فَنعم جَوَاب لَهُ اهـ. قَوْله: (بِالْعَبدِ) أَي وَالثَّوْب. حموي. قَوْله: (وَالدَّابَّة) أَي والسرج كَمَا يفِيدهُ الْحَمَوِيّ. قَوْله: (فَهُوَ إِقْرَار لَهُ بهَا) لَان بلَى تقع جَوَابا لاستفهام دَاخل على نفي فتفيد إِبْطَاله. قَول: (وَإِن قَالَ نعم) لَان نعم تَصْدِيق للمستخبر بِنَفْي أَو إِيجَاب، فَقَوله بلَى بعد أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف إبِْطَال للنَّفْي، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَك عَليّ ألف فَكَانَ إِقْرَارا، بِخِلَاف نعم بعد النَّفْي كَأَنَّهُ قَالَ: نعم لَيْسَ لَك عَليّ ألف فَيكون جحُودًا قَوْله: (وَقيل نعم) أَي نعم يكون مقرا بقوله نعم بعد. قَوْله: (أَلَيْسَ الخ) . قَوْله: (لَان الاقرار يحمل على الْعرف) لَان الْمُتَكَلّم يتَكَلَّم بِمَا هُوَ الْمُتَعَارف عِنْده، والعوام لَا يدركون الْفرق بَين بلَى وَنعم، وَالْعُلَمَاء لَا يلاحظون ذَلِك فِي محاوراتهم فِيمَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ بَين النَّاس، وَإِنَّمَا يلاحظونه فِي مسَائِل الْعلم، وَلذَلِك كَانَ مسَائِل الاقرار وَالْوكَالَة والايمان مَبْنِيَّة على الْعرف. قَوْله: (وَالْفرق) الاوضح تَقْدِيمه على قَوْله وَقيل: نعم وَهَذَا على القَوْل بِالْفرقِ بَين بلَى وَنعم، وَهُوَ مَا مَشى عَلَيْهِ المُصَنّف، وَأما مَا نَقله الشَّارِح عَن الْجَوْهَرَة فَلَا فرق. قَوْله: (أَن بلَى الخ) ذكر فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ مُوجِبَ نَعَمْ تَصْدِيقُ مَا قَبْلَهَا مِنْ كَلَامٍ مَنْفِيٍّ أَوْ مُثْبَتٍ اسْتِفْهَامًا كَانَ أَوْ خَبَرًا، كَمَا إذَا قِيلَ لَك: قَامَ زَيْدٌ أَوْ أَقَامَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقُلْت نَعَمْ كَانَ تَصْدِيقًا لِمَا قَبْلَهُ وَتَحْقِيقًا لِمَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَمُوجِبُ بَلَى إيجَابُ مَا بَعْدَ النَّفْيِ اسْتِفْهَامًا كَانَ أَوْ خَبَرًا، فَإِذَا قِيلَ لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقُلْت بَلَى كَانَ مَعْنَاهُ قَدْ قَامَ، إلَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ الْعُرْفُ حَتَّى يُقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مقَام الآخر. ذكره فِي شرح الْمنَار لِابْنِ نجيم. قَوْله: (من النَّاطِق) احْتَرز بِهِ عَن الاخرس، فَإِن إِشَارَته قَائِمَة مقَام عِبَارَته فِي كل شئ من بيع وَإِجَارَة وَهبة وَرهن وَنِكَاح وَطَلَاق وعتاق وإبراء وَإِقْرَار وقصاص على الْمُعْتَمد فِيهِ إِلَّا الْحُدُود، وَلَو حد قذف وَالشَّهَادَة، وتعمل إِشَارَته وَلَو قَادِرًا على الْكِتَابَة على الْمُعْتَمد، وَلَا تعْمل إِشَارَته إِلَّا إِذا كَانَت معهودة، وَأما معتقل اللِّسَان فالفتوى على أَنه إِن دَامَت العقلة إِلَى وَقت الْمَوْت يجوز إِقْرَاره بالاشارة والاشهاد عَلَيْهِ، وَقد اقْتصر فِي الاشباه وَغَيرهَا على اسْتثِْنَاء الْحُدُود. وَزَاد فِي التَّهْذِيب: وَلَا تقبل شَهَادَته أَيْضا، وَأما يَمِينه فِي الدَّعَاوَى فقدمناه، وَظَاهر اقْتِصَار الْمَشَايِخ على اسْتثِْنَاء الْحُدُود فَقَط صِحَة إِسْلَامه بالاشارة، وَلم أره الْآن نقلا صَرِيحًا وَكِتَابَة الاخرس كإشارته. وَاخْتلفُوا فِي أَن عدم الْقُدْرَة على الْكِتَابَة شَرط للْعَمَل بالاشارة أَو لَا، وَالْمُعْتَمد لَا. قَالَ ابْن الْهمام: لَا يخفى أَن المُرَاد بالاشارة الَّتِي يَقع بهَا طَلَاقه الاشارة المقرونة بتصويت مِنْهُ، إِذْ الْعَادة مِنْهُ ذَلِك فَكَانَت بَيَانا لما أجمله الاخرس اهـ. وَلَو أَشَارَ الاخرس بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ جنب يَنْبَغِي أَن يحرم أخذا من قَوْلهم يجب على الاخرس تَحْرِيك لِسَانه، فَجعلُوا التحريك قِرَاءَة، وَلَو علق رجل الطَّلَاق بِمَشِيئَة أخرس فَأَشَارَ بِالْمَشِيئَةِ يَنْبَغِي الْوُقُوع لوُجُود الشَّرْط، وَلَو علق بِمَشِيئَة رجل نَاطِق فخرس فَأَشَارَ بِالْمَشِيئَةِ

стр. 806

يَنْبَغِي الْوُقُوع أَيْضا. نور الْعين عَن الاشباه. وَفِيه عَن الْهِدَايَة: أخرس قرئَ عَلَيْهِ كتاب وَصِيَّة فَقيل لَهُ نشْهد عَلَيْك بِمَا فِي هَذَا الْكتاب، فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ. أَي نعم أَو كتب، فَإِذا جَاءَ من ذَلِك مَا يعرف أَنه إِقْرَار فَهُوَ جَائِز، وَلَا يجوز ذَلِك فِي معتقل اللِّسَان، وَالْفرق أَن الاشارة إِنَّمَا تعْتَبر إِذا صَارَت مَعْلُومَة، وَذَلِكَ فِي الاخرس لَا فِي معتقل للسان، حَتَّى لَو امْتَدَّ الاعتقال وَصَارَت لَهُ إِشَارَة مَعْلُومَة قَالُوا هَذَا بِمَنْزِلَة الاخرس، وَلَو كَانَ الاخرس يكْتب كتابا أَو يومي إِيمَاء يعرف بِهِ جَازَ نِكَاحه وطلاقه وَبيعه وشراؤه ويقتص مِنْهُ وَلَا يحد، وَلَا يحد لَهُ، وَالْفرق أَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِبَيَانٍ فِيهِ شُبْهَةٌ. وَأما الْقصاص فَفِيهِ مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا فَجَازَ أَنْ يثبت مَعَ الشُّبْهَة كالمعاوضات اهـ. قَوْله: (بِخِلَاف إِفْتَاء) أَي لَو سَأَلَ مفتيا عَن حكم فَقَالَ: أهكذا الحكم؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَي نعم كَمَا نَقله فِي الْقنية عَن عَلَاء الدّين الزَّاهدِيّ، وَنقل عَن ظهير الدّين المرغيناني: أَنه لَا يعْتَبر، قَالَ: لَان الاشارة من النَّاطِق لَا تعْتَبر. وَفِي مجمع الفتاوي: تعْتَبر، وَمثله فِي تَنْقِيح المحبوبي وَنور الْعين وَغَيرهمَا، لَان جَوَاب الْمُفْتى بِهِ لَيْسَ بِحكم مُتَعَلق بِاللَّفْظِ، إِنَّمَا اللَّفْظ طَرِيق معرفَة الْجَواب عِنْد المستفتي، وَإِذا حصل هُنَا الْمَقْصُود استفتى المستفتي عَن اللَّفْظ كَمَا لَو حصل الْجَواب بِالْكِتَابَةِ، بِخِلَاف الشَّهَادَة وَالْوَصِيَّة فَإِنَّهُمَا يتعلقان بِاللَّفْظِ، والاشارة إِنَّمَا تقوم مقَام اللَّفْظ عِنْد الْعَجز. وَفِي شرح الشافية: أَن جَارِيَة أُرِيد إعْتَاقهَا فِي كَفَّارَة فجِئ بهَا إِلَى رَسُول الله (ص) فَسَأَلَهَا: أَيْن الله تَعَالَى؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ: أعْتقهَا فَإِنَّهَا مسلمة كَمَا فِي الْحَوَاشِي الحموية وَغَيرهَا. قَوْله: (وَنسب) بِأَن قيل لَهُ أَهَذا ابْنك؟ فَأَشَارَ بنعم ط. قَالَ أَبُو السُّعُود قَوْله: (وَنسب) أَي الاشارة من سيد الامة تنزل منزلَة صَرِيح الدَّعْوَى. قَوْله: (وَكفر) بِأَن قَالَ لَهُ قَائِل: أتعتقد هَذَا الْمُكَفّر؟ فَأَشَارَ بنعم. قَوْله: (وَإِشَارَة محرم لصيد) فَإِذا أَشَارَ لشخص يدله على طير فَقتله يجب جَزَاء على المشير. قَوْله: (وَالشَّيْخ بِرَأْسِهِ فِي رِوَايَة الحَدِيث) أَي لَو قيل لَهُ: أجزني بِرِوَايَة كَذَا عَنْك فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ كفى، أما لَو قَرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِت فَإِنَّهُ يرويهِ عَنهُ، وَلَا يحْتَاج إِلَى إِشَارَة، وَمَسْأَلَة الشَّيْخ مُلْحقَة بِمَسْأَلَة الافتاء. قَوْله: (وَالطَّلَاق) أَي وَإِشَارَة عدد الطَّلَاق المتلفظ بِهِ. قَوْله: (هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث) فالاشارة مبينَة لهَذَا الْمُبْهم، فَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَأَشَارَ بِثَلَاث لم يَقع إِلَّا وَاحِدَة. أشباه. قَالَ فِيهَا: وَلم أر الْآن حكم أَنْت هَكَذَا مُشِيرا بِأُصْبُعِهِ وَلم يقل طَالِق اهـ. وَالظَّاهِر عدم الْوُقُوع لانه لَيْسَ من صَرِيح الطَّلَاق وَلَا كنايته لانه لَيْسَ لفظ يحْتَملهُ وَغَيره ط. أَقُول: الْمَفْهُوم من عبارَة الشَّارِح المنقولة عَن الاشباه فِي قَوْله: وَالطَّلَاق فِي أَنْت طَالِق أَي وَبِخِلَاف الطَّلَاق الْكَائِن فِي أَنْت طَالِق هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث، فَإِن الاشارة بِالرَّأْسِ فِيهِ كالنطق. لَكِن تقدم فِي كتاب الطَّلَاق أَنه لَو قَالَ هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث يَقع ثَلَاث وَلَو لم يشر بِالرَّأْسِ، فَالظَّاهِر أَنه فِي هَذِه الصُّورَة لَا فَائِدَة فِي إِشَارَة الرَّأْس. وَقَالَ فِي الاشباه: وَيُزَاد أخذا من مَسْأَلَة الافتاء بِالرَّأْسِ وَإِشَارَة الشَّيْخ فِي رِوَايَة الحَدِيث. وأمان الْكَافِر أخذا من النّسَب لانه محتاط فِيهِ لحقن الدَّم، وَلذَا يثبت بِكِتَاب الامام كَمَا تقدم، أَو أخذا من الْكتاب وَالطَّلَاق إِذا كَانَ تَفْسِيرا لمبهم كَمَا لَو قَالَ: أَنْت طَالِق هَكَذَا وَأَشَارَ بِثَلَاث وَقعت، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ: أَنْت وَأَشَارَ بِثَلَاث لم يَقع أَلا وَاحِدَة كَمَا علم فِي

стр. 807

الطَّلَاق اهـ. من أَحْكَام الاشارة. نعم لَو قيل: مُخَالفَة هَذِه الْمَسْأَلَة لما قبلهَا فِي كَونهَا تعْتَبر فِيهَا الاشارة مُطلقًا كَانَ الْكَلَام منتظما كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب. أَقُول: وَعبارَة الْمنح فِي كتاب الطَّلَاق هَكَذَا: وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق وَأَشَارَ بأصابعه وَلم يقل هَكَذَا فَهِيَ وَاحِدَة لفقد التَّشْبِيه، لَان الْهَاء للتّنْبِيه وَالْكَاف للتشبيه اهـ. وَفِي الْبَحْر عَن الْمُحِيط: لَو قَالَت لزَوجهَا: طَلقنِي فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِثَلَاث أَصَابِع وَأَرَادَ بِهِ ثَلَاث تَطْلِيقَات لَا يَقع مَا لم يقل هَكَذَا، لانه لَو وَقع وَقع بالضمير وَالطَّلَاق لَا يَقع بالضمير اهـ. وَأَنت خَبِير بِأَن اعْتِرَاض الْمحشِي لَيْسَ فِي مَحَله، لانه إِذا أَتَى بقوله هَكَذَا اعْتبرت الاشارة، فَإِذا قيل لَهُ: أطلقت أمرأتك هَكَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِثَلَاث أَصَابِع فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ: أَي نعم فَإِنَّهُ يَقع الثَّلَاث كَمَا هُوَ ظَاهر. تَأمل. قَوْله: (إِشَارَة الاشباه) أَي كَذَا فِي أَحْكَام الاشارة من الاشباه فِي الْفَنّ الثَّالِث. قَوْله: (وَيُزَاد الْيَمين الخ) ظَاهره أَن جَمِيع الايمان يَحْنَث فِيهَا بالاشارة لَان الْمَذْكُور أَمْثِلَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ إِذا حلف ليضربن فَأَشَارَ بِالضَّرْبِ لَا يبرأ، أَو حلف لَا يضْرب فَأَشَارَ بِالضَّرْبِ لَا يَحْنَث إِذا كَانَ مثله مِمَّن يباشره. وَالَّذِي فِي الْمنح عَن إِيمَان الْبَزَّازِيَّة: إِذا حلف لَا يظْهر سر فلَان أَو لَا يفشى أَو لَا يعلم فلَانا بسر فلَان أَو حلف ليكتمن سره أَو ليخفينه أَو ليسترنه أَو حلف لَا يدل على فلَان فَأخْبر بِهِ بِالْكِتَابَةِ أَو برسالة أَو كَلَام أَو سَأَلَهُ أحد أَكَانَ سر فلَان كَذَا أَو أَكَانَ فلَان بمَكَان كَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَي نعم حنث فِي جَمِيع هَذِه الْوُجُوه، وَكَذَا إِذا حلف لَا يستخدم فلَانا فَأَشَارَ إِلَيْهِ بشئ من الْخدمَة حنث فِي يَمِينه خدمه فلَان أَو لَا يَخْدمه اهـ ط. أَقُول: وَإِنَّمَا حنث للْعُرْف إِذْ الايمان مبناها عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْعرف يكون بذلك مظْهرا سره ومفشيه ومعلما بِهِ كَمَا هُوَ مُقَرر فِي مَحَله، وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي خُرُوجهَا عَن الضَّابِط الْمَذْكُور، فَافْهَم. قَوْله: (وَأَشَارَ حنث) قَالَ فِي الاشباه: حلفه السراق أَن لَا يخبر بِأَسْمَائِهِمْ، فَالْحِيلَةُ أَن يعد عَلَيْهِ الاسماء فَمن لَيْسَ بسارق يَقُول لَا وَالسَّارِق يسكت عَن اسْمه فَيعلم الْوَالِي السَّارِق وَلَا يَحْنَث الْحَالِف اهـ. وَفِي مَسْأَلَتنَا: الْحِيلَة أَن يُقَال لَهُ: أَنا تذكر أمكنة وَأَشْيَاء من السِّرّ فَمَا لَيْسَ بمَكَان فلَان وَلَا سره فَقل: لَا، فَإِذا تكلمنا بسره أَو مَكَانَهُ فاسكت أَنْت، فَفعله وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على سره ومكانه لَا يَحْنَث. قَوْله: (إِلَّا فِي تسع) وَيدخل تَحت الْيَمين مِنْهَا ثَلَاث صور. يَنْبَغِي أَن يُزَاد على التسع تَعْدِيلُ الشَّاهِدِ مِنْ الْعَالِمِ بِالْإِشَارَةِ فَإِنَّهَا تَكْفِي كَمَا قدمْنَاهُ فِي الشَّهَادَات. فَقَالَ: اعْلَم أَن من الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة أَنه لَا ينْسب إِلَى سَاكِت قَول كَمَا فِي مسَائِل: مِنْهَا: رأى أَجْنَبِيّا يَبِيع مَاله وَلم يَنْهَهُ لَا يكون وَكيلا لسكون الْمَالِك. وَمِنْهَا: لَو رَأَى الْقَاضِي الصَّبِيَّ أَوْ الْمَعْتُوهَ أَوْ عَبْدَهُمَا يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت لَا يكون إِذْنا فِي التِّجَارَة. وَمِنْهَا: لَو رأى الْمُرْتَهن راهنه يَبِيع الرَّهْن فَسكت لَا يبطل الرَّهْن وَلَا يكون مَأْذُونا بِالْبيعِ وَزَاد فِي الاشباه. قَوْله: (فِي رِوَايَة) .

стр. 808

وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى غَيْرَهُ يُتْلِفُ مَالَهُ فَسَكَتَ لَا يكون إِذْنا بإتلافه. وَمِنْهَا: لَو رأى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَا يكون إِذْنا. وَمِنْهَا: لَو سكت على وطئ أمته لم يسْقط الْمهْر، وَكَذَا عَن قطع عضوه آخِذا من سُكُوته عِنْد إِتْلَاف مَاله. وَمِنْهَا: لَو رأى قنه أَو أمته يتَزَوَّج فَسكت وَلم يَنْهَهُ لَا يصير لَهُ آذنا فِي النِّكَاح. وَمِنْهَا: لَو زوجت غير كُفْء فَسكت الْوَلِيّ عَن مُطَالبَة التَّفْرِيق لَيْسَ بِرِضا وَإِن طَال ذَلِك، لَان فِي الْمَوَانِع كَثْرَة: إِي مَا لم تَلد مِنْهُ. وَمِنْهَا: سكُوت امْرَأَة الْعنين لَيْسَ بِرِضا وَإِن أَقَامَت مَعَه سِنِين. وَمِنْهَا: الاعارة لَا تثبت بسكوت. وَمِنْهَا: حلف لَا يسلم شُفْعَة فَلم يُسَلِّمهَا وَلَكِن سكت عَن خُصُومَة فِيهَا حَتَّى بطلت شفعته لَا يَحْنَث. وَمِنْهَا: حلف لَا يُؤَخر عَن فلَان حَقًا لَهُ عَلَيْهِ شهرا فَلم يُؤَخِّرهُ شهرا وَسكت عَن تقاضيه حَتَّى مضى الشَّهْر لَا يَحْنَث. وَمِنْهَا: لَو وهبت شَيْئا والموهوب لَهُ سَاكِت لَا يَصح مَا لم يقل قبلت، بِخِلَاف الصَّدَقَة كَمَا يَأْتِي. وَمِنْهَا: لَو أجر قنه أَو عرضه للْبيع أَو ساومه أَو زوجه فَسكت الْقِنّ لَا يكون إِقْرَارا برقه، بِخِلَاف مَا لَو بَاعه أَو رَهنه أَو دَفعه بِجِنَايَة فَسكت كَمَا سَيَأْتِي أَيْضا. وَمِنْهَا: أحد شَرِيكي عنان قَالَ لصَاحبه: إِنِّي اشْتريت هَذِه الامة لنَفْسي خَاصَّة فَسكت صَاحبه فشراها لَا تكون لَهُ مَا لم يقل صَاحبه نعم. كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ مُوَافقا للخلاصة وَغَيرهَا. وَزيد فِي مختارات النَّوَازِل: فَإِذا قَالَ نعم فَهِيَ لَهُ بِغَيْر شئ عِنْد أبي حنيفَة، إِذْ الاذن يتَضَمَّن هبة نصِيبه مِنْهُ، إِذْ الوطئ لَا يحل إِلَّا بِالْملكِ بِخِلَاف طَعَام وَكِسْوَة. يَقُول الحقير: وَفِي الاشباه: فَسكت صَاحبه لَا تكون لَهما، وَذكر هَذِه الْمَسْأَلَة فِيمَا يكون السُّكُوت فِيهِ كالنطق، كل ذَلِك سَهْو وَاضح لمُخَالفَته لما مر آنِفا من الْمُعْتَبرَات، وَاحْتِمَال كَون الْمَسْأَلَة خلافية فِيهَا رِوَايَتَانِ بعيد، إِذْ لَو كَانَت كَذَلِك لتعرض لَهُ أحد من أَصْحَاب الْمُعْتَبرَات الْمَنْقُول عَنْهَا. ثمَّ اعْلَم أَنه خرج عَن الْقَاعِدَة السَّابِقَة مسَائِل كَثِيرَة صَار السُّكُوت فِيهَا كالنطق: أَي يكون رضَا. فَمِنْهَا: سكُوت الْبكر عِنْد استئمار وَليهَا عَنْهَا قبل التَّزْوِيج وَبعده هَذَا لَو زَوجهَا الْوَلِيّ، فَلَو زوج الْجد مَعَ قيام الاب لَا يكون سكُوتهَا رضَا. وَمِنْهَا سكُوتهَا عِنْد قبض مهرهَا الْمهْر أَبوهَا أَو من زَوجهَا فَسَكَتَتْ يكون إِذْنا بِقَبْضِهِ، إِلَّا أَن تَقول لَا تقبضه فَحِينَئِذٍ لم يجز الْقَبْض عَلَيْهَا وَلَا يبرأ الزَّوْج. وَمِنْهَا: سكُوت الصبية إِذا بلغت بكرا يكون رضَا وَيبْطل خِيَار بُلُوغهَا لَا لَو بلغت ثَيِّبًا. وَمِنْهَا: بكر حَلَفت أَن لَا تزوج نَفسهَا فَزَوجهَا أَبوهَا فَسَكَتَتْ حنثت فِي يَمِينهَا كرضاها بِكَلَام، وَلَو حَلَفت بكر أَن لَا تَأذن فِي تَزْوِيجهَا فَزَوجهَا أَبوهَا فَسَكَتَتْ لَا تَحنث إِذْ لم تَأذن وَلزِمَ النِّكَاح بِالسُّكُوتِ.

стр. 809

وَمِنْهَا: تصدق على إِنْسَان فَسكت الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يثبت وَلَا يحْتَاج إِلَى قبُوله قولا، بِخِلَاف الْهِبَة وَمِنْهَا: قبض هبة وَصدقَة بِحَضْرَة الْمَالِك وَهُوَ سَاكِت كَانَ إِذْنا بِقَبْضِهِ. وَمِنْهَا: لَو أَبْرَأ مديونه فَسكت الْمَدْيُون يبرأ وَلَو رد يرْتَد برده. وَمِنْهَا: الاقرار يَصح وَلَو سكت الْمقر لَهُ ويرتد برده. وَمِنْهَا: لَو وَكله بشئ فَسكت الْوَكِيل وباشره صَحَّ ويرتد برده فَلَو وَكله بِبيع قنه فَلم يقبل وَلم يرد فَبَاعَهُ جَازَ وَيكون قبولا. وَمِنْهَا: لَو أوصى إِلَى رجل فَسَكَتَ فِي حَيَاتِهِ فَلَمَّا مَاتَ بَاعَ الْوَصِيُّ بَعْضَ التَّرِكَةِ أَوْ تَقَاضَى دَيْنَهُ فَهُوَ قَبُولٌ للوصاية. وَمِنْهَا: الامر بِالْيَدِ إِذا سكت الْمُفَوض إِلَيْهِ صَحَّ يرْتَد برده. وَمِنْهَا: الْوَقْف على رجل معِين صَحَّ وَلَو سكت الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَلَو رده، قيل يبطل، وَقيل لَا. وَمِنْهَا: تواضعا على تلجئة ثمَّ قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَجْعَلَهُ بَيْعًا صَحِيحًا، فَسكت الآخر ثمَّ تبَايعا صَحَّ البيع وَلَيْسَ للساكت إِبْطَاله بعد مَا سمع قَول صَاحبه. وَمِنْهَا: سُكُوتُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ حِينَ قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغَانِمين رضَا، كَمَا لَو أسر قن لمُسلم فَوَقع فِي الْغَنِيمَة وَقسم ومولاه الاول حَاضر فَسكت بَطل حَقه فِي دَعْوَى قنه. وَمِنْهَا: لَو كَانَ المُشْتَرِي مُخَيّرا فِي قن شراه فَرَأى الْقِنّ يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت بَطل خِيَاره، وَلَو كَانَ الْخِيَار للْبَائِع لَا يبطل خِيَاره. وَمِنْهَا: للْبَائِع حبس الْمَبِيع لثمنه، فَلَو قَبضه المُشْتَرِي وَرَآهُ البَائِع وَسكت كَانَ إِذْنا فِي قَبضه، الصَّحِيح وَالْفَاسِد فِيهِ سَوَاء فِي رِوَايَة، وَهُوَ رضَا بِقَبض فِي الْفَاسِد لَا فِي الصَّحِيح فِي رِوَايَة. وَمِنْهَا: علم الشَّفِيع بِالْبيعِ وَسكت يبطل شفعته. وَمِنْهَا: رأى غير القَاضِي قنه يَبِيع وَيَشْتَرِي وَسكت كَانَ مَأْذُونا فِي التِّجَارَة لَا فِي بيع ذَلِك الْعين. وَمِنْهَا: لَو حلف الْمولى لَا يَأْذَن لقنه فَرَآهُ يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت يَحْنَث فِي ظَاهر الرِّوَايَة، لَا فِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف. وَمِنْهَا: بَاعَ قن شَيْئا بِحَضْرَة مَوْلَاهُ ثمَّ ادَّعَاهُ الْمولى أَنه لَهُ فَلَو كَانَ مَأْذُونا يَصح دَعْوَى الْمولي وَلَو مَحْجُورا صَحَّ. قَالَ الاستروشني: فَإِن قيل ألم يصر مَأْذُونا بسكوت مَوْلَاهُ؟ قُلْنَا نعم، وَلَكِن أثر الاذن يظْهر فِي الْمُسْتَقْبل. وَمِنْهَا: بَاعَ قِنَا والق حَاضر علم بِهِ وَسكت، وَفِي بعض الرِّوَايَات فانقاد للْبيع وَالتَّسْلِيم ثمَّ قَالَ أَنا حر لَا يقبل قَوْله. كَذَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ مُوَافقا لما فِي فتاوي قاضيخان. وَفِي فَوَائِد العتابي: وَلَو سكت الْقِنّ وَهُوَ يعقل فَهُوَ إِقْرَار برقه، وَكَذَا لَو رَهنه أَو دَفعه بِجِنَايَة والقن سَاكِت، بِخِلَاف مَا لَو آجره أَو عرضه للْبيع أَو ساومه أَو زوجه فسكوته هُنَا لَيْسَ بِإِقْرَار برقه. يَقُول الحقير: قَوْله وَفِي بعض الرِّوَايَات الخ ظَاهره يشْعر بِضعْف اشْتِرَاط الانقياد أَو تَسَاوِي

стр. 810

الِاحْتِمَالَيْنِ، لَكِن الاظهر أَن الانقياد شَرط لما ذكر فِي مَحل آخر من فتاوي قاضيخان: رجل شرى أمة وَقَبضهَا فَبَاعَهَا من آخر وَالثَّانِي من ثَالِث فادعت حريتها فَردهَا الثَّالِث على الثَّانِي فقبلها ثمَّ أَرَادَ ردهَا على الاول فَلم يقبل لَهُ ذَلِك لَو ادَّعَت عتقا، إِذْ الْعتْق لَا يثبت بقولِهَا، وَلَو ادَّعَت حريَّة الاصل: فَلَو كَانَت حِين بِيعَتْ وسلمت انقادت لبيع وَتَسْلِيم فَكَذَلِك إِذْ الانقياد إِقْرَار بِالرّقِّ، وَإِن لم تنقد فَلَيْسَ للاول أَن لَا يقبل اهـ. وَمِنْهَا: حلف لَا ينزل فلَانا دَاره وَفُلَان نَازل فِيهَا فَسكت الْحَالِف حنث، لَا لَو قَالَ لَهُ: اخْرُج فَأبى أَن يخرج فَسكت. وَمِنْهَا: ولدت ولدا فهنأ النَّاس زَوجهَا فَسكت الزَّوْج لزمَه الْوَلَد وَلَيْسَ لَهُ نَفْيه كإقراره. وَمِنْهَا: أم ولد ولدت فَسكت مَوْلَاهَا حَتَّى مضى يَوْمَانِ لهَذَا الْوَلَد لَا يملك نَفْيه بعده. وَمِنْهَا: السّكُون قبل البيع عِنْد الاخبار بِالْعَيْبِ رضَا بِهِ، حَتَّى لَو قَالَ رجل: هَذَا الشئ معيب فَسَمعهُ وأقدم مَعَ ذَلِك على شِرَائِهِ فَهُوَ رضَا لَو الْمخبر عدلا لَا لَو فَاسِقًا عِنْد أبي حنيفَة، وَعِنْدَهُمَا هُوَ رضَا وَلَو فَاسِقًا. وَمِنْهَا: سكُوت بكر عِنْد إخبارها بتزويج الْوَلِيّ على خلاف مَا مر آنِفا. وَمِنْهَا: بَاعَ عقارا وَامْرَأَته أَو وَلَده أَو بعض أَقَاربه حَاضر فَسكت ثمَّ ادَّعَاهُ على المُشْتَرِي من كَانَ حَاضرا عِنْد البيع أفتى مَشَايِخ سَمَرْقَنْد أَنه لَا يسمع، وَجعل سُكُوته فِي هَذِه الْحَالة كإقرار دلَالَة قطعا للاطماع الْفَاسِدَة، وَأفْتى مَشَايِخ بُخَارى أَنه يَنْبَغِي أَن يسمع فَينْظر الْمُفْتِي فِي ذَلِك، فَلَو رأى أَنه لَا يسمع لاشتهار الْمُدَّعِي بحيلة وتلبيس وَأفْتى بِهِ كَانَ حسنا سدا لباب التزوير. وَمِنْهَا: الْحَاضِر عِنْد البيع لَو بعث البَائِع إِلَى المُشْتَرِي وتقاضاه الثّمن لَا يسمع دَعْوَاهُ الْملك لنَفسِهِ بعده لانه يصير مجيزا للْبيع بتقاضيه. وَمِنْهَا: رَآهُ يَبِيعُ عَرَضًا أَوْ دَارًا فَتَصَرَّفَ فِيهِ المُشْتَرِي زَمَانا وَهُوَ سَاكِت سقط دَعْوَاهُ. يَقُول الحقير: وَفِي الْفَتَاوَى الْوَلوالجِيَّة: رجل تصرف أَيْضا زَمَانا وَرَجُلٌ آخَرُ رَأَى الْأَرْضَ وَالتَّصَرُّفَ، وَلَمْ يَدَّعِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ لَا يسمع بعد ذَلِك دَعْوَى وَلَده فَيتْرك على يَد الْمُتَصَرف، لَان الْحَال شَاهد. وَمِنْهَا: لَو قَالَ الْوَكِيل بشرَاء شئ بِعَيْنِه لمُوكلِه إِنِّي أُرِيد شِرَاءَهُ لنَفْسي فَسكت مُوكله ثمَّ شراه يكون للْوَكِيل. يَقُول الحقير: وَجه الْفرق بَين هَذِه الْمَسْأَلَة وَبَين مَا مر نَحْو ورقة من مَسْأَلَة شَرِيكي الْعَنَان، وَهُوَ مَا ذكره صَاحب الْخُلَاصَة بعد ذكر هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ بقوله: وَالْفرق أَن الْوَكِيل يملك عزل نَفسه إِذا علم الْمُوكل رَضِي أَو سخط، بِخِلَاف أحد الشَّرِيكَيْنِ إِذْ لَا يملك فسخ الشّركَة إِلَّا بِرِضا صَاحبه. وَمِنْهَا: لي صبي عَاقل رأى الصَّبِي يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت يكون إِذْنا. وَمِنْهَا: سكُوت رجل رأى غَيره شقّ زقه حَتَّى سَالَ مَا فِيهِ يكون رضَا. وَمِنْهَا: سكُوت الْحَالِف بِأَن لَا يستخدم فلَانا: أَي مَمْلُوكه ثمَّ خدمه فلَان بِلَا أمره وَلم يَنْهَهُ حنث.
следующие страницы →