← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المبحث الثالث بدعة الفرح في يوم عاشوراء عند النواصب (١) تقدم في المبحث السابق، ذكر بدعة الحزن في يوم عاشوراء عند الرافضة، وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله - عن الذين عارضوا الرافضة، فجعلوا يوم عاشوراء موسم فرح، وهم النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيت النبي ﷺ ومن الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح (٢) . وكان أول ظهورهم على زمن النبي ﷺ ، وذلك لما أبو سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة (٣) ، فقسمها بين الأربعة:

стр. 107

الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، أحد بني كلاب. فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد (١) ويدعنا! . قال: ((إنَّما

стр. 108

أتألفهم)) ، فأقبل رجل غائر العينين (١) ، مشرف الوجنتين (٢) ، ناتئ (٣) الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد! ، فقال: ((من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟)) . فسأله رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد ﵁ فمنعه، فلما ولَّى قال: ((إن من ضئضئ هذا - أو في عقب هذا - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون (٤) من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (٥) . وفي رواية لمسلم: بينما نحن عن رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً، أتاه ذو

стр. 109

الخويصرة -وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل! قال رسول الله ﷺ : ((ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل)) فقال عمر بن الخطاب- ﵁: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ : ((دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٣) فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه (٤) فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر (٥) ، يخرجون على حين فرقة من الناس)) . قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب-﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل (٦) فالتمس فوجد فأتي به

стр. 110

حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت الكوفة (٢) بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسي، وكان رأسهم المختار بن عبيد الكذاب. وقوم من الناصبة المبغضين لعلي ﵁ وأولاده، منهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ثبت في

стр. 111

الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((سيكون في ثقيف كذاب ومبير)) (١) . فكان ذلك هو الكذاب وهذا الناصبي هو المبير (٢) ، فأحدث أولئك الحزن، وأحدث هؤلاء السرور وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين- ﵁ -وتلك بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل له، وكل بدعة ضلالة، ولم يستحب أحد من الأئمة الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا، ولا في شيء من استحباب ذلك حجَّة شرعية (٣) . ولا شك في أن النواصب، وكذلك الرافضة، مبتدعون في فعلهم هذا مخطئون، خارج عن السنة؛ لأن الرسول ﷺ قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٤) . ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئاً من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والترح، ولا شعائر السرور والفرح، ولكنه ﷺ لما قدم المدينة، وجد اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟)) . فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى ﵇ من الغرق فنحن نصومه. فقال: ((نحن أحق بموسى منكم)) . فصامه وأمر بصيامه (٥) . وكانت قريش أيضاً تعظمه في الجاهلية.

стр. 112

واليوم الذي أمر الناس بصيامه كان يوماً واحداً فإنه ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فلما كان في العام القابل، صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، ثم فرض شهر رمضان ذلك العام فنسخ صوم عاشوراء - أي وجوبه -. وقد تنازع العلماء: هل كان صوم ذلك اليوم واجباً، أو مستحباً؟ على قولين مشهورين، أصحهما: أنه كان واجباً، ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحباباً، ولم يأمر النبي ﷺ العامة بصيامه، بل كان يقول: ((هذا يوم عاشوراء، وأنا صائم فيه، فمن شاء صام)) متفق عليه (١) . وقال ﵊: ((صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وصوم يوم عرفة يكفر سنتين)) . ولما كان آخر عمره ﷺ وبلغه أن اليهود يتخذونه عيداً قال: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)) (٢) ؛ ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيداً. وكان من الصحابة والعلماء من لا يصومه، ولا يستحب صومه، بل يكره إفراده بالصوم، كما نقل ذلك عن طائفة من العلماء، ومن العلماء من يستحب صومه. والصحيح أنه يستحب لمن صامه، أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي ﷺ لقوله: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)) . فهذا الذي سنَّهُ رسول الله ﷺ ، وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة إما حبوب وإما غير حبوب، أو تجديد لباس، أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به. أو قصد الذبح، أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال، أو الاختضاب، أو الاغتسال، أو التصافح، أو التزاور، أو زيارة المساجد والمشاهد، ونحو ذلك. فهذه من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين المشهورين (٣) .

стр. 113

فيجب على الإنسان، طاعة الله ورسوله ﷺ ، واتباع دينه وسبيله، واقتفاء هداه ودليله. وعليه أن يشكر الله على ما عظمت به النعمة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١) . وقال ﷺ : ((إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (٢) . (٣) .

стр. 114

الفصل الثاني شهر صفر المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: بدعة التشاؤم به.

стр. 115

المبحث الأول بعض الآثار الواردة فيه عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: ((لا عدوى (١) ولاصفر (٢) ولا هامة (٣)) ) ، فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها يجربها؟ فقال: ((فمن أعدى الأول)) متفق عليه (٤) عن أبي هريرة ﵁-عن رسول الله ﷺ قال: ((لا عدوى ولا طيرة (٥) ولا هامة ولاصفر)) متفق عليه (٦) . وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى، ولا غول (٧) ،

стр. 116

ولا صفر)) (١) . عن ابن مسعود ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: ((لا يعدي شيء شيئاً)) ، فقال أعرابي: يا رسول الله! البعير أجرب الحشفة (٢) ندبنه (٣) فيجرب الإبل كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : ((فمن أجرب الأول؟ لا عدوى ولا صفر، خلق الله كل نفس فكتب حياتها ورزقها ومصائبها)) (٤) . عن ابن عباس- ﵄ قال: ((كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر (٥) ، وعفا الأثر (٦) ، وانسخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟. قال: ((حل كله)) (٧) .

стр. 117

قال أبو داود: قُرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد: أخبركم أشهب، قال سُئل مالك عن قوله: ((لا صفر)) قال: إن أهل الجاهلية كانوا يُحلُّون صفر، يُحلونه عاماً ويُحرمونه عاماً، فقال النبي ﷺ : ((لا صفر)) (١) . قال البخاري في صحيحه: باب ((لا صفر)) ، (وهو داء يأخذ البطن) (٢) .

стр. 118

المبحث الثاني بدعة التشاؤم بصفر ورد في الحديث قوله ﷺ ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولاصفر)) (١) . واختلف العلماء في قوله ((لا عدوى)) ، فهل المراد النهي أو النفي؟. قال ابن قيم الجوزية: (هذا يحتمل أن يكون نفياً، أو يكون نهياً، أي: لا تتطيروا، ولكن قوله في الحديث: ((لا عدوى ولاصفر ولا هامة)) يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك، وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه) ا. هـ (٢) . وقال ابن رجب: (اختلفوا في معنى قوله: ((لا عدوى)) ، وأظهر ما قيل في ذلك: أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية، من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها، من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على هذا قوله ﷺ : ((فمن أعدى الأول)) ، يشير إلى الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده) ا. هـ (٣) . قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا........﴾ (٤) . وأما قوله ﷺ : ((ولا صفر)) ، فاختلف في تفسيره: أولاً: قال كثير من المتقدمين: الصفر داء في البطن. يقال: أنه دود فيه كبار كالحيات، وهو أعدى من الجرب عند العرب، فنفى ذلك النبي ﷺ ، وممن قال بهذا من

стр. 119

العلماء: (ابن عيينة، والإمام أحمد، والإمام البخاري، والطبري) (١) . وقيل: المراد بالصفر: الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله، فردّ الشارع ذلك بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الأجل. وقد جاء هذا التفسير عن جابر وهو أحد رواة حديث: ((ولاصفر)) (٢) . ثانياً: وقالت طائفة: بل المراد بصفر هو شهر صفر. ثم اختلفوا في تفسيره على قولين: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء فكانوا يحلون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهذا قول الإمام مالك (٣)

стр. 120

أن المراد أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون أنه شهر مشئوم، فأبطل النبي ﷺ ذلك. ورجَّح هذا القول ابن رجب الحنبلي (١) . ويجوز أن يكون المراد هو الدواب التي في البطن، والتي هي أعدى من الجرب بزعمهم، وأن يكون المراد تأخير الحرم إلى صفر وهو ما يسمى بالنسيء، وأن الصفرين جميعاً باطلان لا أصل لهما، ولا تصريح على واحد منهما. وكذلك يجوز أن يكون المراد هو نفي التشاؤم بصفر؛ لأن التشاؤم صفر من الطيرة المنهي عنها؛ لقوله ﷺ : ((لا طيرة)) (٢) . لقوله ﷺ : ((طيرة شرك، طيرة شرك)) (٣) . ويكون قوله: ((ولا صفر)) من باب عطف الخاص على العام، وخصَّه بالذكر لاشتهاره. فالنفي- والله أعلم- يشمل جميع المعاني التي فسر العلماء بها قوله ﷺ ((لا صفر)) والتي ذكرتها؛ لأنها جميعاً باطلة لا أصل لها ولا تصريح على واحد منها. فكثير من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينهى عن السفر فيه، وقد قال بعض هؤلاء الجهال: ذكر بعض العارفين أنه ينزل في كل سنة ثلاثمائة وعشرون ألفاً من البليات، وكل ذلك في يوم الأربعاء الأخير من صفر، فيكون ذلك اليوم أصعب أيام السنة كلها، فمن صلى في ذلك اليوم أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وسورة الكوثر سبع عشرة مرة والإخلاص خمس عشرة مرة، والمعوذتين مرة، ويدعو بعد السلام بهذا الدعاء، حفظه الله بكرمه من جميع البليات التي تنزل في ذلك اليوم ولم تحم حوله بلية في تلك السنة، وهذا هو الدعاء:

стр. 121

((بعد البسملة....... اللهم يا شديد القوة، ويا شديد المحال، يا عزيز، يا من ذلت لعزتك جميع خلقك. اكنفني من شر خلقك، يا محسن يا مجمل يا متفضل، يا منعم يا متكرم، يا من لا إله إلا أنت، ارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم بسر الحسن وأخيه وجده وأبيه وأمه وبنيه (١) ، اكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات ويا دافع البليات، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين)) (٢) . وكذلك ما يفعله بعض الناس في اجتماعهم في آخر أربعاء من شهر صفر بين العشاءين في بعض المساجد، ويتحلقون إلى كاتب يرقم لهم على أوراق آيات السلام السبعة على الأنبياء؛ كقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (٣) . ثم يضعونها في الأواني، ويشربون من مائها، ويعتقدون أن سر كتابتها في هذا الوقت، ثم يتهادونها إلى البيوت. ونظير هذا تشاؤم بعض الناس في بعض الأقطار الإسلامية من عيادة المريض يوم الأربعاء وتطيرهم منه (٤) . ولا شك التشاؤم بصفر أو بيوم من أيامه هو من جنس الطيرة المنهي عنها (٥) : فقد قال ﷺ : ((لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولاصفر)) (٦) . وقال ﷺ ((لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل)) قالوا: وما الفأل؟ قال: ((كلمة طيبة)) (٧) .

стр. 122

وقال ﵊ ((طيرة شرك، طيرة شرك)) (١) . وقال ﷺ : ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك)) ، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: ((أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)) (٢) .......إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في النهي عن الطيرة. وتخصيص الشؤم بزمان دون زمان؛ كشهر صفر وغيره صحيح، لأن الزمان كله خلق الله تعالى، وفيه تقع أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشؤم عليه. فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى، واقتراف الذنوب، فإنها تسخط الله ، فإذا سخط على عبده، شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة. فالعاصي مشؤم على نفسه، وعلى غيره، فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصاً من لم ينكر عليه عمله، فالبُعد عنه متعين (٣) . أما قوله ﷺ : ((لا عدوى، ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: المرأة، والدار، والدابة)) (٤) . فقد اختلف العلماء فيه: فروي عن عائشة ﵂ أنها أنكرت هذا الحديث أن يكون من

стр. 123

كلام النبي ﷺ : إنما قال: ((كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة)) ، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) . (٢) وقال معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: (شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه في سبيل الله، وشؤم الدار جار السوء) ومنهم من قال: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا شؤم، وقد يكون اليمن في الدار والمرأة والفرس)) (٣) . والتحقيق: أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث ما ورد في النهي عن إيراد المريض على الصحيح (٤) ، والفرار من المجذوم (٥) ، ومن أرض الطاعون (٦) : أن هذه

стр. 124

الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه. والشؤم بهذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها، فسيكون شؤمها عليه، ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير، لم يكن مشؤومة عليه، ويدلُّ على ذلك حديث أنس ﵁: ((الطيرة على من تطير)) (١) . وقد يجعل الله تطير العبد، وتشاؤمه سبباً لحلول المكروه، كما يجعل الثقة به، والتوكُّل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به، وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى، والخوف من غيره، وعدم التوكل عليه والثقة به، فكان صاحبها غرضاً لسهام الشر والبلاء، فيتسرع نفوذها؛ لأنّه لم يتدرع بالتوحيد والتوكل، والنفس لابد أن تتطير، ولكن المؤمن القوي الإيمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله، فإن من توكل على الله وحده كفاه من غيره، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (٢) . (٣) . قال ابن الجوزية: (فإخباره ﷺ بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة، ليس فيه

стр. 125

إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه، قد يخلق منها أعياناً مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعياناً مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولداً مباركاً، يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولداً فكذلك الدار والمرأة والفرس. والله سبحانه خالق الخير والشر من قارنها، وحصول اليمن له والبركة، ويخلق بعض ذلك نحوساً يتنحس بها من قارنها، وكل ذلك بقضائه وقدره، كما خلق سائر الأسباب، وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، فكما خلق المسك (١) وغيره من حامل الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قارنها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سبباً لإيذاء من قارنها من الناس، والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر (٢) . ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله تعالى من خيرها، وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ (٣) ، وكذلك ينبغي لمن سكن داراً أن يفعل ذلك، وقد أمر ﷺ قوماً سكنوا داراً فقلَّ عددهم، وقلَّ مالهم أن يتركوها ذميمة (٤) . فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة، من دار أو زوجة أو دابة، منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه، لقوله ﷺ : ((إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له)) (٥) .

стр. 126

فالتطير والتشاؤم بوقت أو شخص أو دار أو غير ذلك، من الشرك كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الأحاديث السابق ذكرها. والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية التي انتشرت - وللأسف الشديد - بين كثير من جهال المسلمين، نتيجة جهلهم بالدين عموماً، وضعف عقيدة التوحيد فيهم خصوصاً، وسبب ذلك الجهل، ونقص التوحيد، وضعف الإيمان، هو عدم انتشار الوعي الصحيح فيهم، ومخالطة أهل البدع والضلال، وقلة من يرشدهم ويبين لهم الطريق المستقيم، وما يجب اعتقاده، وما لا يجوز اعتقاده، وما هو شرك أكبر يخرج المسلم عن الملة الإسلامية وما هو شرك أصغر، وما هو ذريعة إلى الشرك ينافي كمال التوحيد، ويوصل الفاعل في النهاية إلى الشرك الأكبر، الذي لا يغفر الله لصاحبه إن مات ولم يتب، ويكون مخلداً في النار، وتحبط جميع أعماله الصالحة، كما قال تعالى: ﴿..... إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) . وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٢) . (٣) . ومع ذلك لا زال كثير من الناس يتشاءمون من شهر صفر، ومن السفر فيه، فلا يقيمون فيه مناسبة ولا فرحاً، فإذا جاء في نهاية الشهر، احتفلوا في الأربعاء الأخير، احتفالاً كبيراً، فأقاموا الولائم والأطعمة المخصوصة والحلوى، خارج القرى والمدن، وجعلوا يمشون على الأعشاب للشفاء من الأمراض (٤) . وهذا لا شك أنه من الجهل الموقع في الشرك - والعياذ بالله - ومن البدع الشركية، ويتوقف بالدرجة الأولى على سلامة العقيدة. فهذه الأمور لا تصدر إلا ممن يشوب اعتقاده بعض الأمور الشركية، التي يجر بعضها بعضاً كالتوسلات الشركية، والتبرك بالمخلوقين، والاستغاثة بهم. أما من أنعم الله عليه بسلامة العقيدة، وصحتها، فإنه دائماً متوكِّل على الله، معتمدٌ عليه، موقنٌ بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن

стр. 127

التشاؤم والطيرة، واعتقاد النفع أو الضر في غير الله، ونحو ذلك كله من الشرك الذي هو من أشد الظلم، قال تعالى: ﴿........ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) . والتشاؤم مما ينافي تحقيق التوحيد، وتحقيق التوحيد منه ما يكون واجباً، ومنه ما يكون مندوباً. فالواجب: تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه. فلا يكون العبد محققاً التوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه ويسلم من البدع والمعاصي (٢) . والمندوب: تحقيق المقربين (٣) ، وهو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفاً، وإنابة وتوكلاً، ودعاءً وإخلاصاً وإجلالاً وهيبة، وتعظيماً وعبادةً، فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرَّم الله، ولا كراهة لما أمر الله، وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله (٤) . قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد - باب من حقق التوحيد

стр. 128

دخل الجنة بغير حساب (١) ، وذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((عرضت على الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، النبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل! هؤلاء أمتي؟ قال: لا ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير قال: هؤلاء أمتك قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب. قلت: ولِم؟ قال: كانوا لا يكتوون (٢) ، ولا يسترقون (٣) ، ولا يتطيِّرون (٤) ، وعلى ربهم يتوكلون........)) الحديث (٥) . فذكر الرسول ﷺ من صفات الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، الذين لا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، والتوكل على الله هو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال. فخلاصة الكلام أن التشاؤم بصفر وغيره من الأزمنة ونحو ذلك، من البدع الشركية، التي يجب تركها والابتعاد عنها، لما ورد في ذلك من الترغيب والترهيب. والله أعلم.

стр. 129

الفصل الثالث شهر ربيع الأول (١) بدعة الاحتفال بالمولد النبوي: ويشمل على ستة مباحث: المبحث الأول: أول من أحدث هذه البدعة . المبحث الثاني: حالة المجتمع في ذلك العصر. المبحث الثالث: بعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها. المبحث الرابع: طريقة إحياء المولد. المبحث الخامس: حقيقة محبته ﷺ . المبحث السادس: موقف أهل السنة من هذه البدعة.

стр. 130

المبحث الأول أول من أحدث هذه البدعة مضت القرون المفضلة الأولى، والثاني والثالث، ولم تسجل لنا كتب التاريخ أن أحداً من الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم ومن جاء بعدهم- مع شدة محبتهم للنبي ﷺ ، كونهم أعلم الناس بالسنة، وأحرص الناس على متبعة شرعه ﷺ احتفل بمولد النبي ﷺ . وأول من أحدث هذه البدعة هم بني عبيد القداح (١) الذين يسمون أنفسهم بالفاطميين، وينتسبون إلى ولد علي أبي طالب- ﵁، وهم في الحقيقة من المؤسسين لدعوة الباطنية، فجدهم هو ابن ديصان المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز (٢) وأحد مؤسسي مذهب الباطنية، وذلك بالعراق، ثم رحل إلى المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي

стр. 131

طالب، وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرافضة، ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن جعفر الصادق، فقبلوا ذلك منه، مع أن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق مات ولم يعقب ذرية (١) ، وممن تبعه: حمدان قرمط، وإليه تنسب القرامطة (٢) ، ثم لما تمادت بهم الأيام، ظهر المعروف منهم بسعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان القداح، فغيَّر اسمه

стр. 132

ونسبه وقال لأتباعه: أنا عبيد الله بن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق فظهرت فتنته بالمغرب (١) . قال البغدادي: (وأولاده اليوم مستولون على أعمال مصر) ا. هـ (٢) . وقال ابن خلِّكان: (وأهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب) ا. هـ (٣) . وفي سنة ٤٠٢هـ كتب جماعة من العلماء والقضاء، والأشراف والعدول والصالحين والفقهاء والمحدثين، محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين - العبيديين - وشهدوا أن الحاكم بمصر هو: منصور بن نزار الملقب بـ ((الحاكم)) -

стр. 133

حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار- ابن معد بن إسماعيل بن عبد الله بن سعيد- لا أسعده الله -، فإنَّهُ لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب- ﵁ ولا يعلمون أحداً من أهل بيوتات على بن أبي طالب-﵁ توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبه، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعاً في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب، منتشراً انتشاراً يمنع أن يدلس أمرهم على أحد، أو يذهب وهم إلى تصديقهم فيما ادَّعوه، وأن هذا الحاكم بمصر- هو وسلفه-كفار فساق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والوثنية معتقدون، قد عطَّلُوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسَبُّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادَّعُوا الربوبية، وكتب في سنة اثنتين وأربعمائة للهجرة، وقد كتب خطه في المحضر خلق كثير (١) ا. هـ.

стр. 134

وقد صنَّف القاضي الباقلاني كتاباً في الردِّ على هؤلاء وسماه: (كشف الأسرار وهتك الأستار) . بيَّن فيه فضائحهم وقبائحهم، وقال فيهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض (١) . وقد سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ عنهم، فأجاب: (بأنهم من أفسق الناس، ومن أكفر الناس، وأن من شهد لهم بالإيمان والتقوى، أو بصحة النسب، فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ......﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿.....إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة، وأئمتها، وجماهيرها، أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، فالشاهد لهم بالإيمان، شاهد لهم بما لا يعلمه؛ إذ ليس معه شيء يدلّ على إيمانهم، مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم. وكذلك النسب: قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم. وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم؛ كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه، فإنَّه ذكر ما كتبه علماء

стр. 135

المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم. وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين، حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه، فإنهم ذكروا بطلان نسبهم، وكذلك ابن الجوزية، وأبو شامة، وغيرهم من أهل العلم بذلك. حتى صنَّف العلماء في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني في كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك

стр. 136

أستارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بيَّن فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدَّ إلهية عليّ أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء، وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه (المعتمد) فصلاً طويلاً في شرح زندقتهم وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي- ﵀ في كتابه الذي سمَّاه (فضائل المستظهرية، وفضائح الباطنية) قال: (ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض) (١) . وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد، وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على عليِّ غيره، بل يفسِّقون من قاتله ولم يتب من قتاله. يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة، فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة

стр. 137

والجماعة؟!! ، والرافضة الإمامية، مع أنهم أجمل الخلق، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة - يعلمون أن مقالة هؤلاء الزنادقة المنافقين ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شرّ من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية على ﵁. وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف. وهؤلاء -بنو عبيد القدح-ما زالت علماء الأمة المأمونون علماً وديناً يقدحون في نسبهم ودينهم، لا يذمونهم بالرفض والتشيع، فإن لهم في هذا شركاء كثيرين، بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية، الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية، وأمثالهم من الكفار المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والذين أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة. فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان، فأقل ما في شهاداته أنه شاهد بلا علم، قاف ما ليس له به علم، وذلك حرام باتفاق الأمة، بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق، ومعاداة ما جاء به الرسول ﷺ : دليل على بطلان نسبهم الفاطمي، فإن من يكون من أقارب النبي ﷺ القائمين بالخلافة في أمته، لا تكون معاداته لدينه كمعادة هؤلاء، فلم يعرف في بني هاشم، ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام، فضلاً عن أن يكون معادياً كمعاداة هؤلاء، بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم آدم، الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف دينه هذه المعاداة؟!. ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطناً وظاهراً معادين

стр. 138

لهؤلاء، إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله، أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله، وهذا مما يدل على كفرهم، وكذبهم في نسبهم. ا. هـ (١) . فأوّل من قال بهذه البدعة الاحتفال بالمولد النبوي - هم الباطنية الذين أرادوا أن يُغيِّروا على الناس دينهم، وأن يجعلوا فيه ما ليس منه؛ لإبعادهم عمَّا هو من دينهم، فإشغال الناس بالبدع طريق سهل لإماتة السنة والبُعْد عن شريعة الله السمحة، وسنته ﷺ المطهرة. وكان دخول العبيديين مصر سنة ٣٦٢هـ، في الخامس من رمضان (٢) ، وكان ذلك بداية حكمهم لها. وقيل: يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة ٣٦٢هـ (٣) ، فبدعة الاحتفال بالموالد عموماً، ومولد النبي ﷺ خصوصاً، إنَّما ظهرت في عهد العبيديين، ولم يسبقهم أحدٌ إلى ذلك. قال المقريزي: (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعياداً ومواسم تتسع بها أحوال الرعية، وتكثر نعمهم. وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي: موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ ، ومولد

стр. 139

علي بن أبي طالب ﵁ ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد فاطمة الزهراء ﵍، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات) . ا. هـ (١) . ثم تكلم عن كل موسم، ومراسم الاحتفال فيه. فهذه شهادة ظاهرة واضحة من المقريزي- وهو من المثبتين انتسابهم إلى ولد علي بن أبي طالب-﵁ ومن المدافعين عنهم - أن العبيديين هم سبب البلاء على المسلمين، وهم الذين فتحوا باب الاحتفالات البدعية على مصراعيه، حتى أنهم كانوا يحتفلوا بأعياد المجوس والمسيحيين كالنوروز، والغطاس، والميلاد، وخميس العدس، وهذا من الأدلة على بعدهم عن الإسلام، ومحاربتهم له، وإن لم يجهروا بذلك ويظهروه. ودليل أيضاً على أن إحياءهم للموالد الستة المذكورة-ومنها المولد النبوي-، ليس محبة له ﷺ وآله كما يزعمون، وكما يظهرون للعامة والسذَّج من الناس، وإنما قصدهم بذلك نشر خصائص مذهبهم الإسماعيلي الباطني، وعقائدهم الفاسدة بين الناس، وإبعادهم عن الدين الصحيح، والعقيدة السليمة بابتداعهم هذه الاحتفالات، وأمر الناس بإحيائها، وتشجيعهم على ذلك، وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك.

стр. 140

فخلاصة ما سبق أن أول من احتفل بالمولد النبوي هم بنو عبيد القداح (الفاطميون) ، ويدلُّ على ذلك: ما ذكره المقريزي في خططه - وسبق وذكرته - وما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (١) . وقد رجع هذا وأخذ به جماعة من العلماء المتأخرين (٢) وصرَّحُوا به. وأمَّا ما ذكره أبو شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) : من ثنائه على الاحتفال بالمولد النبوي، وأنه من أحسن ما ابتدع في زمانه (٣) ، وأن أول من احتفل بذلك بالموصل (٤) ، والشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين،

стр. 141

وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل (١) : فلا يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو صاحب إربل؛ لأمرين: أحدهما: أن أبا شامة ﵀ قيَّد هذه الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل) (٢) . فكلامه يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل هو صاحب إربل اقتداءً بالشيخ عمر بن محمد الملا، وليس فيه دلالة على أن أول من احتفل بالمولد النبوي على الإطلاق هو صاحب إربل. ولكن السيوطي-﵀ أطلق ذلك في كتابه (حُسن المقصد في عمل المولد) - الذي ضمنه كتابه الحاوي- فقال: (وأوَّلُ من أحدث فعل ذلك- الاحتفال بالمولد النبوي- صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن

стр. 142

بكتكين، أحد الملوك الأمجاد) . ا. هـ (١) . وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (وهذه البدعة- الاحتفال بالمولد- أول من أحدثها أبو سعيد كوكبوري في القرن السادس الهجري) . ا. هـ (٢) .

стр. 143

وقال الشيخ حمود التويجري: (إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع) . ا. هـ (١) . فإذا عرفنا ذلك، فلا شكَّ أن العبيديين هم أول من احتفل بالمولد النبوي، حسب ما ورد في كتب التاريخ والسير؛ لأنَّ العبيديين دخلوا مصر وأسسوا ملكهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، واستمرت دولتهم القرن الخامس، ونصف القرن السادس الهجري. فقد دخل المعز معد بن إسماعيل القاهرة في سنة ٣٦٢هـ (٢) في رمضان، وكان

стр. 144

ذلك بداية حكمهم في مصر (١) . وقيل: في سنة ٣٦٣هـ (٢) . وكان آخر خليفة فيهم هو العاضد، توفي سنة ٥٦٧هـ (٣) . وأما مظفر الدين صاحب إربل، فلولادته كانت في سنة ٥٤٩هـ. وتوفي سنة ٦٣٠هـ (٤) . فهذا دليلٌ قاطعٌ على العبيديين سبقوا صاحب إربل - الملك المظفر - بالاحتفال بالمولد النبوي. فصاحب إربل ليس أول من احتفل بالمولد النبوي، وإنما سبقه إلى ذلك العبيديون بحوالي قرنين من الزمان، وهذا لا يمنع أن يكون صاحب إربل هو أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل؛ لأنَّ احتفالات العبيديين كانت في دولتهم - وهي في مصر كما ذُكِرَ في كتب التاريخ -، والله أعلم.

стр. 145

المبحث الثاني حالة المجتمع في ذلك العصر كانت سياسة العبيديين موجهة إلى غاية واحد، هي العمل بكل جدِّ وإخلاص لحمل الناس على اعتناق مذهبهم، وجعله سائداُ في كافة أنحاء الديار المصرية، وغيرها من البلاد التي كانوا يحكمونها، والمجاورة لهم. فقد كان عبد العزيز يعطف على النصارى واليهود، كما كان أبوه - المعز معد أبو تميم - قبله، ولكن العزيز كان أكثر عطفاً على النصارى، لِما كان بينه وبينهم من صلة النسب (١) . ورفع العزيز عيسى بن نسطورس إلى كرسي الوزارة، كما عيَّن منشأ
следующие страницы →