وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل (١) : فلا يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو صاحب إربل؛ لأمرين:
أحدهما: أن أبا شامة ﵀ قيَّد هذه الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل) (٢) . فكلامه يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل هو صاحب إربل اقتداءً بالشيخ عمر بن محمد الملا، وليس فيه دلالة على أن أول من احتفل بالمولد النبوي على الإطلاق هو صاحب إربل.
ولكن السيوطي-﵀ أطلق ذلك في كتابه (حُسن المقصد في عمل المولد) - الذي ضمنه كتابه الحاوي- فقال: (وأوَّلُ من أحدث فعل ذلك- الاحتفال بالمولد النبوي- صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن
стр. 142
بكتكين، أحد الملوك الأمجاد) . ا. هـ (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (وهذه البدعة- الاحتفال بالمولد- أول من أحدثها أبو سعيد كوكبوري في القرن السادس الهجري) . ا. هـ (٢) .
стр. 143
وقال الشيخ حمود التويجري: (إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع) . ا. هـ (١) .
فإذا عرفنا ذلك، فلا شكَّ أن العبيديين هم أول من احتفل بالمولد النبوي، حسب ما ورد في كتب التاريخ والسير؛ لأنَّ العبيديين دخلوا مصر وأسسوا ملكهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، واستمرت دولتهم القرن الخامس، ونصف القرن السادس الهجري.
فقد دخل المعز معد بن إسماعيل القاهرة في سنة ٣٦٢هـ (٢) في رمضان، وكان
стр. 144
ذلك بداية حكمهم في مصر (١) . وقيل: في سنة ٣٦٣هـ (٢) .
وكان آخر خليفة فيهم هو العاضد، توفي سنة ٥٦٧هـ (٣) .
وأما مظفر الدين صاحب إربل، فلولادته كانت في سنة ٥٤٩هـ. وتوفي سنة ٦٣٠هـ (٤) .
فهذا دليلٌ قاطعٌ على العبيديين سبقوا صاحب إربل - الملك المظفر - بالاحتفال بالمولد النبوي.
فصاحب إربل ليس أول من احتفل بالمولد النبوي، وإنما سبقه إلى ذلك العبيديون بحوالي قرنين من الزمان، وهذا لا يمنع أن يكون صاحب إربل هو أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل؛ لأنَّ احتفالات العبيديين كانت في دولتهم - وهي في مصر كما ذُكِرَ في كتب التاريخ -، والله أعلم.
стр. 145
المبحث الثاني
حالة المجتمع في ذلك العصر
كانت سياسة العبيديين موجهة إلى غاية واحد، هي العمل بكل جدِّ وإخلاص لحمل الناس على اعتناق مذهبهم، وجعله سائداُ في كافة أنحاء الديار المصرية، وغيرها من البلاد التي كانوا يحكمونها، والمجاورة لهم.
فقد كان عبد العزيز يعطف على النصارى واليهود، كما كان أبوه - المعز معد أبو تميم - قبله، ولكن العزيز كان أكثر عطفاً على النصارى، لِما كان بينه وبينهم من صلة النسب (١) .
ورفع العزيز عيسى بن نسطورس إلى كرسي الوزارة، كما عيَّن منشأ
стр. 146
اليهود، والياً على الشام، فأظهر ابن نسطورس ومنشأ محاباة جليَّة لبني ملتهم، فعينوهم في مناصب الدولة بعد أن أقصوا المسلمين عنها، فقدم المسلمون الاحتجاجات على تلك المحاباة التي أظهرها الخليفة لغير المسلمين وبلغ من حال هؤلاء الساخطين أن كتبت امرأة إلى العزيز: بالذي أعز اليهود بمنشأ، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك ألا كشفت ظلامتي (١) .
فأمر بالقبض على ابن نسطورس، وكتب إلى الشام بالقبض على منشأ وغيره من الموظفين اليهود، وأمر برد الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين، وعيَّن القضاة للإشراف على أعمالهم في جميع أنحاء الدولة، لكن الأمير ست الملك ابنة الخليفة شفعت لابن نسطورس فردّ العزيز الوزارة إليه ثانية، وشرط عليه استخدام المسلمين في الحكومة.
ولقد تقلد أهل الكتاب أرقى المناصب وأعلاها في عهد العزيز (٣٦٥-٣٧٦) ، وشغلوا في عهد المستنصر (٤٢٧-٤٨٧) ، ومن جاء بعده من الخلفاء، معظم المناصب المالية في الدولة، بل تقلَّدُوا الوزارة أيضاً.
стр. 147
ولم تقتصر هذه المعاملة على ما تقدم، فقد ولع بعض الخلفاء العبيديين: كالحافظ مثلاً (٥٢٤-٥٤٤هـ) بزيارة أديرة (١) النصارى، وكان الآمر (٤٩٥- ٥٢٤هـ) يعطي الرهبان (٢) في بعض الأديرة عشرة آلف درهم كلما خرج للصيد، بل قد ازدادت موارد الكنائس (٣) المصرية زيادة عظيمة في عهد العبيديين (٤) .
فقد كان العبيديون يعاملون النصارى معاملة تنطوي على العطف والرعاية والمحاباة، فإذا كان هذا موقفهم من اليهود والنصارى فما موقفهم من أهل السنة؟!
لقد عمل العبيديون على لعن الخلفاء الثلاثة- أبي بكر، وعمر، وعثمان
стр. 148
-﵃ أجمعين- وغيرهم من الصحابة؛ إذ عدّوهم أعداءً لعلي ﵁، وتفشت فضائل علي وأولاده من بهده على السكة (١) وعلى جدران المساجد، وكان الخطباء يلعنون الصحابة على كافة منابر مصر.
وقد ألزم العبيديون جميع الموظفين المصريين أن يعتنقوا المذهب العبيدي الباطني، كما حتم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق قوانين هذا المذهب.
بل إن الحصول على مناصب الدولة مشروط بالتحول إلى المذهب الشيعي، مما دفع بعض الذميين (٢) إلى اعتناق الإسلام، واتخاذ التشيع مذهباً لهم (٣) .
وكان من عدائهم للسنة وأهلها: أن أمر العزيز بقطع صلاة التراويح من جميع البلاد المصرية، وذلك سنة ٣٧٢هـ. وكذلك في سنة ٣٩٣هـ قبض على ثلاثة عشر رجلاً، وضربوا وشهروا على الجمال، وحبسوا ثلاثة أيام، من أجل أنهم صلُّوا صلاة الضحى.
وفي سنة ٣٨١هـ ضرب رجل بمصر، وطيف به المدينة من أجل أنه وجد عنده كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس ﵀.
وفي سنة ٣٩٥هـ في شهر صفر كتب على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق (٤) بمصر، من ظاهره وباطنه، ومن جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت، والحجر،
стр. 149
وعلى المقابر، سبّ السلف ولعنهم، ونقش ذلك، ولون بالأصباغ والذهب، وعمل ذلك على أبواب الدور، والقياسر (١) وأكره الناس على ذلك (٢) .
فكان لعن السنيين تفيض به ألسنة الناس من على المنابر في كافة أنحاء مصر طوال الحكم العبيدي تقريباً، حتى أن العاضد - آخر الخلفاء العبيديين - كان شديد التشيع، متغالياً في سبّ الصحابة- رضوان الله عليهم- وإذا رأى سنياً استحل دمه (٣) .
وأشد من ذلك كله أن الحاكم العبيدي قد ادَّعى الألوهية، فأمر الناس أن يقوموا على أقدامهم صفوفاً إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه، إعظاماً لذكره، واحتراماً لاسمه، وقد فُعِل ذلك في سائر ممالكه، حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجداً له، حتى أنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره، ويسجدون للحاكم، حتى أن قوماً من الجهال إذا رأوه يقولون له: يا واحدنا يا واحدنا، يا محيي يا مميت.
وأمر السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال، والمتاع، والحريم، فامتثلوا لأمره، وسبوا النساء، وفعلوا فيهن الفاحشة، والمنكرات، وأحرقوا ثلث مصر، ونهبوا نصفها (٤) .
فما تقدَّم يعطي فكرة موجزة عن حالة المجتمع في عهد العبيديين، الذي هم أول من ابتدع الاحتفال بالموالد، وسبق وذكرت أن احتفالاتهم تلك ليست نابعة من محبة للرسول ﷺ وآله؛ لأنَّ من بدر منه ما سبق ذكره آنفاً- وإن ادَّعى محبته- ﷺ ومحبة آله، فليس صادقاً ولا يعقل أن يصدر منه ذلك.
стр. 150
وإنما كان هدفهم الوحيد هو بلوغ أغراضهم السياسية، ونشر مذهبهم الإسماعيلي الباطني، واستمالة عامة الناس بإقامة الاحتفالات التي تتجلى فيها مظاهر الكرم، والهدايا النفسية من النقود، والجوائز للشعراء، وكتَّاب القصر، والعلماء، وكذلك الإحسان للفقراء، وإقامة الولائم. وكل هذه الأمور جديرة بأن تستميل كثيراً من الناس إلى اعتناق مذهبهم.
وبما أن نفقاتهم تلك على الاحتفالات والولائم كان القصد منها محاربة دين الله ورسوله، وإبعاد الناس عن العقيدة الصحيحة، والمنهج السليم، فقد ابتلاهم الله بالجوع ونقص الأموال والثمرات. فالبرغم من رخاء مصر، وعظم ثرائها، والأموال التي كانت تفيض بها خزائن العبيديين، والتي كانوا ينفقونها على ملذاتهم، وقصورهم، وبطانتهم الفاسدة، واحتفالاتهم وموالدهم البدعية، فقد حصل لأهل مصر من المجاعة ما تحدثت به كتب التاريخ، ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) فقال في حوادث سنة ٤٦٢هـ - وهي من سني خلافة المستنصر -:
(وفي ذي القعدة ورد من مصر والشام عدد كثير من رجال ونساء، هاربين من الجرف (١) والغلاء، وأخبروا أن مصر لم يبق بها كبير أحد من الجوع والموت، وأن الناس أكل بعضهم بعضاً، وظُهِرَ على رجل قد ذبح عدة من الصبيان والنساء وطبخ لحومهم وباعها، وحفر حفيرة دفن فيها رؤوسهم وأطرافهم، فقتل. وأكلت البهائم فلم يبق إلا ثلاثة أفراس لصاحب مصر - المستنصر -بعد ألوف من الكراع، وماتت الفيلة، وبيع الكلاب بخمسة دنانير، وأوقية (٢) زيت بقيراط (٣) ، واللوز والسكر بوزن الدراهم، والبضة بعشرة قراريط، والراوية من الماء بدينار لغسل الثياب، وخرج وزير صاحب مصر إلى السلطان، فنزل عن بغلته وما معه إلا غلام واحد لعدم ما يطعم
стр. 151
الغلمان، فدخل، وشُغِل الركابي (١) عن البلغة لضعف قوته فأخذها ثلاثة أنفس ومضوا بها فذبحوها وأكلوها، فأنهى ذلك إلى صاحب مصر فتقدم بقتلهم وصلبهم، فصُلِبُوا، فلما كان من الغد وجدت عظامهم مرمية تحت خشبهم وقد أكلهم الناس، وباع رجل داراً بمصر كان ابتاعها بتسعمائة ديناراً فاشترى بها دون الكارة (٢) من الدقيق) . ا. هـ (٣) .
فخلاصة الكلام: أن العبيديين لما دخلوا مصر وأرادوا نشر مذهبهم الباطني، متخذين التشيع ستاراً يحجب أنظار الناس عن حقيقة دعوتهم، استعملوا في سبيل ذلك شتى الوسائل: فأغروا العامة ورعاع الناس بالهدايا والولائم والاحتفالات كأداة من أدوات نشر مذهبهم، وبالمقابل استعملوا القتل والسجن والأذى لمن عارضهم من أهل السنة المدركين لحقيقة دعوتهم. فعامة الناس كانوا متطلعين إلى هذه الاحتفالات البدعية لحاجتهم لما يُنْفق فيها من الأموال، ولرغبتهم في ترويح أنفسهم، والاستجابة لهواها. والخوف من السلطان ومن يعلم بدعية هذه الاحتفالات وغيرها من المحدثات لا يستطيع الإنكار لما ينتظره من القمع والتعذيب.
فكان مناخاً مناسباً لانتشار البدع، وتعويد الناس عليها، وتعليقهم بها، لما يعلموا من وراء ذلك من الترغيب والترهيب من السلطان الظالم.
بالإضافة إلى أنهم كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم -والله أعلم- بأنهم أدعياء على النسب الشريف، فظنُّوا- وتحقق ظنهم - أن إقامة الموالد للنبي ﷺ وآله تثبت للناس صحة نسبهم وانتسابهم إلى آل البيت، فابتدعوا تلك الموالد وأنفقوا عليها الأموال الطائلة، والله أعلم.
стр. 152
المبحث الثالث
بعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها .
لما أحدثت بدعة الاحتفال بالمولد النبوي في عهد العبيديين، وفشت وانتشرت بين الناس لوجود الفراغ الروحي والبدني معاً، وترك المسلمون الجهاد وتأصلت هذه البدعة في النفوس، وأصبحت جزءاً من عقيدة كثير من أهل الجهل، لم يجد بعض أهل العلم كالسيوطي ﵀ بُدا من محاربة تبريرها بالبحث عن شبه يمكن أن يُستشهد بها على جواز بدعة المولد هذه، وذلك إرضاء للعامة والخاصة أيضاً من جهة، وتبريراً لرضى العلماء بها، وسكوتهم عن إنكارها لخوفهم من الحكام والعوام من جهة أخرى.
ومن هذه الشبه:
١- الشبهة الأولى:
قال اليسوطي- ﵀: (وقد استخرج له- أي المولد -إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر- العسقلاني- أصلاً من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً.... فقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر - العسقلاني - عن عمل المولد، فأجاب بما نصه:
(أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا. قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو: ما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجَّى موسى، فنحن نصومه شكراً لله تعالى (١) ، فُيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء
стр. 153
نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة- ﵇ في ذلك اليوم.
وعلى هذا، فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵇-في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قومٌ فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله ... ) . ا. هـ (١) .
الجواب عن هذه الشبهة: من وجوه:
الوجه الأول:
أن ابن حجر-﵀ صرح في بداية جوابه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح، من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذا لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون، وأئمة العلم والهدى من بعدهم.
الوجه الثاني:
أن تخريج ابن حجر في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحاً؛ إذا لو كان صحيحاً لم يعزب عن فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم.
كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلاً عليه؛ إذا لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح، فاستنباط ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي من حديث صوم يوم عاشوراء، مخالف لما أجمع عليه السلف، من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.
وقد بسط الشاطبي ﵀ الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه
стр. 154
الموافقات في أصول الأحكام (١) .
الوجه الثالث:
أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء، إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع (٢) .
الوجه الرابع:
أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي ﷺ ، ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده، واتخاذه عيداً، فإنَّ النبي ﷺ لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته لأنَّهُ ﷺ لا خير إلا وقد دلَّهم عليه، ورغَّبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه، وحذرهم منه.
قال ﷺ : ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٣) .
قال ﷺ : ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (٤) . (٥) .
٢- الشبهة الثانية:
قال السيوطي ﵀ بعد ذكره تخريج ابن حجر عمل المولد على صوم يوم عاشوراء: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو: ما أخرجه البيهقي
стр. 155
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة (١) . مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فُيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعاً لأمته، كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات (٢) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن هذا الحديث لم يثبت عند أهل العلم:
أ-فقد قال عبد الرزاق في مصنفه:
стр. 156
أنبأنا عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوة (١)
قال ابن قيم الجوزية بعد إيراده هذا الحديث وعزوه إلى عبد الرزاق في مصنفه قال عبد الرزاق: (إنَّما تركوا ابن محرر لهذا الحديث) (٢) .
ب- وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن هذا الحديث لا يثبت، ونسبه للبزار، وقال: قال البزار: تفرد به عبد الله - محرر - وهو ضعيف (٣) .
стр. 157
جـ - قال النووي في المجموع شرح المهذب: وأما الحديث الذي ذكره في عق النبي ﷺ عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده عن عبد الله بن محرر- بالحاء المهملة، والراء المكررة -، عن قتادة، عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة. وهذا حديث باطل، وعبد الله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه، وقال الحفاظ: متروك. والله أعلم (١) .
د- قال الذهبي في ميزان الاعتدال- بعد أن ذكر ترجمة عبد الله بن المحرر، وكلام الحفاظ فيه، وأنه متروك، وليس بثقة - ومن بلاياه - عبد الله بن المحرر - روى عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعدما بُعِث (٢) .
٣- الشبهة الثالثة:
قال السيوطي: ثم رأيت إمام القرَّاء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال
стр. 158
في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه:
(قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه-وأن ذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحة ليلة مولد النبي ﷺ به، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي ﷺ يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ﷺ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم) . ا. هـ (١) .
стр. 159
الرد على هذه الشبهة:
أن هذا الخبر رواه البخاري مرسلاً في باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) ، و ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) (٢) من صحيحة، بعد أن ذكر الحديث بسنده عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: ((أو تحبين
стр. 160
ذلك؟)) . فقلت: نعم، لست لك بِمُخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ : ((إن ذلك لا يحل لي)) . قلت: فإنا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: ((بنت أم سلمة؟)) . قلت: نعم. فقال: ((لو أنها لم تكن ربيبتي (١) في حجري ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن
стр. 161
على بناتكن ولا أخواتكنّ)) (١) .
قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة (٢) ، قال له: ماذا لقيت؟ قال: أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (٤) .
وأجيب عن هذا من وجوه منها:
أن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثهُ به - كما تقدم -.
وعلى تقدير أن يكون موصلاً، فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به (٥) .
أن ما ورد في مرسل عروة هذا من إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل
стр. 162
إرضاعها النبي ﷺ ، وما ذكره ابن الجزري من أنه أعتقها عندما بشرته بولادة النبي ﷺ (١) : يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل.
قال ابن سعد: (وأخبرنا محمد بن عمر - الواقدي - عن غير واحد من أهل العلم، وقالوا: وكان رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها،
стр. 163
وهي يومئذٍ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبي أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وكسوة، حتى جاءه خبرها أنها قد تُوفيت سنة سبع مرجعة من خيبر) (١) .
وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمة النبي ﷺ بعد أن ذكره إرضاع ثويبة للرسول ﷺ : (وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة) (٢) ا. هـ.
وقال ابن الجوزي: (وكانت ثويبة تدخل على رسول الله ﷺ بعدما تزوج خديجة فيكرمها رسول الله ﷺ وتكرمها خديجة، وهي يومئذٍ أمة، ثم أعتقها أبو لهب) (٣) ا. هـ.
أنه لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي ﷺ ولا أن ثويبة بشرته بولاته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي ﷺ وتقدم ذلك - فكل هذا لم يثبت، ومن ادّعى ثبوت شيء من ذلك، فعليه إقامة الدليل على ما ادَّعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً (٤) . ,
стр. 164
الشبهة الرابعة:
ومن الشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الذي جاء فيه: وسئل عن صوم الاثنين؟ . قال: ((ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت)) أو ((أنزل عليه فيه)) (١) . فقالوا: هذا دليل أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده، وكان يعبر عن هذا التعظيم بالصوم، وهذا في معنى الاحتفال به (٢) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن الرسول ﷺ لم يصم يوم ولادته، وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول - إن صح أنه كذلك -، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات، وبناء على هذا فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع، يعتبر استدراكاً على الشارع، وتصحيحاً لعلمه، وما أقبح هذا إن كان!!! - والعياذ بالله - (٣) .
أن الرسول ﷺ لم يخص يوم الاثنين بالصيام، بل كان يتحرى صيام الاثنين والخميس (٤) ، وقال ﷺ : ((تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) (٥) .
стр. 165
فالاستدلال بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية التكلف والبعد (١) .
إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﷺ فيه، فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ﷺ ربه به، وهو الصوم وعليه فلنصم كما صام، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك-الطعام والشراب- فتعارض الغرضان، فآثارون ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزلل عند أهل البصرة (٢) .
أن الرسول ﷺ لم يضف إلى الصيام احتفالاً كاحتفال أرباب الموالد، من تجمعات ومدائح وأنغام وطعام وشراب، أفلا يكفي الأمة ما كفى نبيها ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا. وإذن فلم الافتيات على الشارع، والتقدم بالزيادة عليه، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) .
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) ، وقال ﷺ : ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله)) (٥) .
وقال ﷺ : ((إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها)) (٦) .
стр. 166
٥- الشبهة الخامسة:
ومن الشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم: إن الفرح به ﷺ مطلوب بأمر القرآن، من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) . فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي ﷺ أعظم الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) . (٣) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، من قبيل حمل كلام الله تعالى على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه، في العمل به، وهذا أمرٌ لا يليق؛ لما بينه الشاطبي في كتابه (الأدلة الشرعية من الموافقات) وهو أن الوجه الذي يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه، لا يقبل ممن بعدهم دعوى دلالة النص عليه. قال: إذ لو كان دليلاً عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادقاً لمقتضى هذا المفهوم، ومعارضاً له، ولو كان ترك العمل (٤) ، فما عمل به المتأخرين من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنَّة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف ... وكثير ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلُّون بالكتاب والسنة يحملونها مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء، ولذلك أمثلة كثيرة:
منها: استدلال التناسخية (٥) على صحة ما زعموا بقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا
стр. 167
شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (١) .
واستدلال كل من اخترع بدعة، أو استحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح، بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله ﷺ : ككتب المصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكره الأصوليون في أصل المصالح المرسلة، فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم، ولا عملوا بها، فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلاً إجماعياً على أن هؤلاء في استدلالاهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة...... الخ (٢) .
أن كبار المفسرين قد فسَّرُوا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالرحمة في هذه الآية رسول الله ﷺ ، وإنما المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما، ما عنته الآية السابقة لهذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
стр. 168
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) .
قال ابن جرير في تفسيره: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ((قُلْ)) يا محمد لهؤلاء المكذبين بك، وبما أنزل إليك من عند ربك. ((بِفَضْلِ اللَّهِ)) أيها الناس الذي تفضل به عليكم وهو الإسلام، فبينه لكم، ودعاكم إليه. ((وَبِرَحْمَتِهِ)) التي رحمكم بها فأنزلها إليكم فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، فبصركم بها معالم دينكم وذلك القرآن ((فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)) يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وكنوزها) (٢) . ا. هـ.
وقال القرطبي ﵀ في ((الجامع لأحكام القرآن)) : قوله تعالي: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ . قال أبو سعيد الخدري وابن عباس ﵃: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. وعنهما أيضاً: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله.
وعن الحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة: فضل الله الإيمان،
стр. 169
ورحمته القرآن - على العكس من القول الأول) (١) ا. هـ.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير: (يقول الله تعالى ممتناً على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم، على رسوله الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، أي: زاجر عن الفواحش. ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدِّقين الموقنين بما فيه، كقوله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ (٢) ، قوله تعالى ﴿.. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ.....﴾ (٣) ، قوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤) ، أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق، فليفرحوا فإنَّهُ أولى ما يفرحون به) (٥) ا. هـ.
وقال ابن قيم الجوزية في تفسير يقوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ : (وقد دارت أقوال السلف، على أن فضل الله ورحمته: الإسلام والسنة) (٦) ا. هـ.
стр. 170
وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي: ( ... ولا يجوز إحداث تأويل في آية، أو في سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه، ولا بيَّنُوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه؟ .....) (١) ا. هـ.
والشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي كثيرة، وليس هذا مجال حصرها؛ لأن استقصاءها والإحاطة بها، تحتاج إلى مؤلف منفرد خاص بها، والقصد هنا هو الإشارة والتنبيه إلى بعض هذه الشبه، وقد ذكرت بشكل موجز ردود العلماء على هذه الشُّبه، وأنه ليس في أي واحدة منها دليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي. ولكن القائلين بهذه البدعة أرادوا إضفاء الصبغة الشرعية على هذا الأمر المبتدع، فاستشهدوا بهذه الأدلة، وفسَّرُوها بما يوافق هواهم، وعقيدتهم الفاسدة، فكانوا كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) - والله أعلم -.
стр. 171
المبحث الرابع
طريقة إحياء المولد
قال المقريزي في ((الخطط)) يصف جلوس الخليفة في الموالد الستة:
((فإذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، تقدَّم - الخليفة - بأن يعمل في دار الفطرة (١) : عشرون قناطراً من السكر اليابس حلواء يابسة من طرائفها، وتعبأ في ثلاثمائة صينية من النحاس، وهو مولد النبي ﷺ ، فتفرق تلك الصواني في أرباب الرسوم من أرباب الرتب، وكل صينية في قوارة (٢)
، من أول النهار إلى ظهره، فأول أرباب الرسوم قاضي القضاة، ثم داعي الدعاة، ويدخل في ذلك القراء بالحضرة والخطباء، والمتصدرون بالجوامع، وقومة المشاهد........
فإذا صلَّى الخليفة، ركب قاضي القضاة، والشهود بأجمعهم إلى الجامع الأزهر (٣) ، ومعهم أرباب تفرقة الصواني، فيجلسون مقدار قراءة الختمة الكريمة، ثم يستدعى قاضي القضاة ومن معه، وقد كنست الطريق، ورشت بالماء رشاً خفيفاً، وفرش تحت المنظرة (٤)
الرمل الأصفر، فيقربون من المنظرة ويترجلون قبل الوصل إليها
стр. 172
بخطوات، فيجتمعون تحت المنظرة دون الساعة الزمانية بسمت وتشوف لانتظار الخليفة، فتفتح إحدى الطاقات (١) ، فيظهر منها وجهه-الخليفة-وما عليه من المنديل وعلى رأسه عدة من الأستاذين (٢) المحنكين، وغيرهم من الخواص، ويفتح بعض الأستاذين طاقة ويخرج منها رأسه ويده اليمنى في كمه ويشير به قائلاً: أمير المؤمنين يرد عليكم السلام. فيسلم بقاضي القضاة أولاً بنعوته، وبصاحب الباب بعده كذلك، وبالجماعة الباقية جملة جملة من غير تعيين أحد، فيستفتح قراء الحضرة بالقراءة، ويكونون قياماً في الصدر، وجوههم للحاضرين، وظهورهم إلى حائط المنظرة، فيقدم خطيب الجامع الأنور (٣)
المعروف بجامع الحاكم، فيخطب كما يخطب فوق المنبر، إلى أن يصل إلى ذكر النبي ﷺ فيقول: وإن هذا يوم مولده إلى ما من الله به على ملَّة الإسلام من رسالته، ثم يختم كلامه بالدعاء للخليفة، ثم يؤخر، ويقدم خطيب الجامع الأزهر، فيخطب كذلك، ثم خطيب الجامع الأقمر (٤) فيخطب كذلك، والقراء في خلال خطابة الخطباء، يقرأون!!! .
فإذا انتهت خطابة، أخرج الأستاذ رأسه ويده في كمه من طاقته، وردّ على الجماعة السلام، ثم تغلق الطاقتان فتنفض الناس، ويجري أمر الموالد الخمسة الباقية على هذا النظام، إلى حين فراغها على عدتها من غير زيادة ولا نقص)) (٥) ا. هـ.
стр. 173
وقال ابن خلكان في وصف احتفال مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري صاحب إربل بالمولد النبوي:
((وأما احتفاله بمولد النبي ﷺ ، فإنَّ الوصف يقصر عن الإحاطة به، لكن نذكر طرفاً منه: وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده فيه، فكان في كل سنة يصل إليه من البلاد القريبة من إربل (١) خلق كثير من الفقهاء والصوفية (٢) والوعاظ والقراء والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب، كل قبة أربع أو خمس طبقات، ويعمل مقدار عشرين قبة أو أكثر، منها قبة له، والباقي للأمراء وأعيان دولته لكل واحد قبة، فإذا كان أول صفر زيَّنُوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المستجملة، وقعد في كل قبة جوق (٣) من المغاني، وجوق من أرباب الخيال، ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطباق في كل قبة حتى رتبُوا فيها جوقاً، وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم.....، فكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر، ويقف عليها قبة قبة إلى آخرها، ويسمع غناءهم، ويتفرج على خيالاتهم، وما يفعلونه في القباب، ويبيت في الخانقاه (٤) ، ويعمل السماع (٥)
стр. 174
، ويركب عقيب صلاة الصبح يتصيد، ثم يرجع إلى القلعة (١) قبل الظهر. هكذا يعمل كل يوم إلى ليلة المولد. وكان يعمله سنة في ثامن الشهر، والسنة في الثاني عشر؛ لأجل الاختلاف الذي فيه، فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً على الوصف، وزفها بجميع ما عنده من الطبول والمغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان، ثم يشرعون في نحرها، وينصبون القدور، ويطبخون الألوان المختلفة، فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه الشموع المشتعلة شيء كثير، وفي جملتها شمعتان أو أربع -أشك في ذلك- من الشموع الموكبية (٢) ، التي تحمل كل واحدة منها على بغل، ومن ورائها رجل يسندها، وهي مربوطة على ظهر البغل، حتى ينتهي إلى الخانقاه. فإذا كان صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية على يد كل واحد منهم بقجة (٣) ، وهم متتابعون، كل واحد وراء الآخر، فينزل من ذلك شيء كثير لا أتحقق عدده، ثم ينزل إلى الخانقاه، وتجتمع الأعيان والرؤساء، وطائفة كبيرة من بياض الناس، وينصب كرسي للوعَّاظ، وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك إلى الموضع الذي في غاية الاتساع، ويجتمع فيه الجند، ويعرضهم ذلك النهار، وهو تارة ينظر إلى عرض الجند وتارة إلى الناس والوعاظ، ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند
стр. 175
من عرضهم، فعند يقدم السماط في الميدان للصعاليك، ويكون سماطاً عاماً فيه من الطعام والخير شيء كثير لا يحد ولا يوصف، ويمد سماطاً ثانياً في
الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي، وفي مدة العرض، ووعظ الوعاظ يطلب واحداً واحداً من الأعيان والرؤساء، والوافدين لأجل هذا الموسم، من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء، ويخلع على كل واحد، ثم يعود إلى مكانه فإذا تكامل ذلك كله، حضروا السماط وحملوا منه لمن يقع التعيين على الحمل إلى داره، ولا يزالون على ذلك إلى العصر أو بعدها، ثم يبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات إلى بكرة...... هكذا يعمل في كل سنة، وقد لخصت صورة الحال، فإن الاستقصاء يطول، فإذا فرغوا من هذا الموسم، تجهز كل إنسان للعودة إلى بلده فيدفع لكل شخص شيئاً من النفقة)) (١) ا. هـ.
وقال ابن كثير في ترجمة المظفر كوكبوري: (قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد، كان يمد ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على
стр. 176
أي صفة، فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار) (١) ا. هـ.
وقال السندوبي في وصف الاحتفال بالمولد النبوي في القاهرة (٢) سنة ١٢٥٠هـ- في هذا العهد كان العالم الإنجليزي (ادوارد وليم لين) يزور القاهرة فشاهد الاحتفال بالمولد النبوي -، فوصفه وصفاً شيقاً......
((قال- وليم لين- ((في أول ربيع الأول والشهر الثالث من شهور السنة الهجرية، يبدأ الاستعداد للاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وأكبر ساحات هذا الاحتفال شأناً: الجزء الجنوبي الغربي المعروف ببركة الأزبكية، وفي هذه الساحة أقيمت صيوانات (٣) كثيرة للدراويش (٤) ، وفيها يجتمعون كل ليلة للقيام بحلقات الذكر ما دام الاحتفال بالمولد، وبين هذه الصيوانات ينصب صاري (٥) يثبت بالحبال ويعلق فيه من القناديل اثنا عشر أو
стр. 177
أكثر، وحول هذا الصاري تقوم حلقة الذكر، وهي تتكون عادة من نحو خمسين أو ستين درويشاً.
وفي اليوم الثاني من الشهر ينتهون من إقامة معالم الاحتفال ومعداته - في العادة - ثم يشرعون في اليوم التالي في مظاهر الاحتفال ليلاً ونهاراً إلى الليلة الثانية عشرة من الشهر، وهي ليلة المولد الكبرى.... ففي النهار يتسلى الناس في الساحة الكبرى بالاستماع إلى الشعراء، والتفرج على الحواة (١) ونحوه.
أما الغواني فقد أكرهتهن الحكومة من عهد قريب على التوبة وترك مهنتهن من رقص ونحوه، فلا أثر لهن في احتفال هذه السنة، وكن في الموالد السابقة من أكثر العالمين في الاحتفال اجتذاباً للمتفرجين!!!.....
أما في الليل فتضاء الشوارع المحيطة بساحة المولد، بقناديل كثيرة، تعلق غالباً في فوانيس من الخشب، ومن دكاكين المأكولات، ونصبات الحلوى ما يبيت مفتوحاً طوال الليل، وكذلك القهاري التي قد يكون في بعضها، وفي غيرها من الأماكن: شعراء ومحدثون، ينصت إليهم كل من أراد من المارة.
أما في الليلتين الأخيرتين فيكون المولد أكثر زحاماً وأسباب التفرج والمسليات أعظم منها في الليالي السابقة (٢) .
ثم وصف المؤلف الإنجليزي - ادوارد وليم لين - مجلساً كاملاً من مجالس الذكر التي تعمل في الموالد وغيرها فقال: وفي ليلة المولد الكبرى ذهبت إلى الساحة الرئيسة، فرأيت ذكراً قوامه ستين درويشاً، حول صاري، وكان ضوء كافياً لإنارة الساحة، وكان الدرويش حول الصاري من طوائف مختلفة وكانوا يقولون: [يا الله] ثم يرفعون رؤوسهم، ويصفقون جميعاً بأيديهم أمام وجوههم، وكان داخل حلقة الذكر خلق كثير قد جلسوا على الأرض، ولبث الذكيرة يذكرون على هذا النحو مقدار نصف ساعة، ثم انقسموا جماعات، كل جماعة من خمسة أو ستة، ولكنهم بقوا
стр. 178
يكونون حلقة واسعة، ثم أمسك أفراد كل جماعة بعضهم ببعض كل منهم، ما عدا الأول قد وضع ذراعه اليمنى على ظهر من يليه يساراً، ويده على الكتف اليسرى - كتف من يليه - ثم اتجهوا إلى النظارة-المتفرجين-خارج الحلقة، وأخذوا يذكرون (الله) بصوت أجش عميق، وهم في هذه الحالة يتقدمون إلى الأمام خطوة، ثم إلى الوراء خطوة، مع تحرك كل منهم قليلاً إلى اليسار فكانت الحلقة كلها تدور ولكن ببطء شديد، وكان كل منهم يمد يده اليمنى نحو النظارة خارج الحلقة مشيراً بالتحية، وهؤلاء أو أغلبهم كانوا يردون السلام على الذكيرة، وأحياناً كان بعضهم يقبل اليد الممتدة إليه إذا قابلت وجهه متى كانوا قريبين منهم.......، ومن الوائد المتبعة عندهم أن يسكت من في الصواوين من الذكيرة، متى كان الذكر حول الصاري)) (١) ا. هـ.
وقال السندوبي - أيضاً - في كتابه ((تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي)) :
((ومن الليالي الغر التي لا أنساها ما حييت، ليلة الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١٣٦٤هـ الموافق ٢٤فبراير سنة ١٩٤٥م (٢) والتي تُعدُّ بحق مثالاً لما يجب أن يكون عليه الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في كل عام: فقد شهدت في ساحة المولد (٣) معالم الزينة التي تأخذ بالألباب، ومظاهر الاحتفال التي بدت في شكل فخم، ونظام جليل هناك، وفي هذا الميدان المترامي الأطراف، أُقيم السرادق (٤) الملكي البديع، وقد تجلَّى في زخارفه وماس (٥) في أستاره ومطارفه (٦) ، وفرش بالطنافس (٧) الثمينة،
стр. 179
وصفت في رحابه الأرائك (١)
المحلاة بالذهب، وانتثرت في جنباته النمارق (٢) الموصوفة، واسترسلت في ساحته الكلل (٣) الحريرية، ورفعت على سواريه الأعلام الملكية، وعلقت في مداخله المصابيح الباهرة الأنوار، وفي سماواته الثريات الآخذة بالأبصار....، كما فُرشت أرض الميدان بالرمل الأصفر والأحمر، ووقف على أبوابه رجال الحرس الملكي في ملابسهم المزركشة ... ووفد على هذه السرادق وزراء الدولة، وشيخ الأزهر، وطوائف العلماء!!، ووكلاء الوزارات، وكبار الموظفين، وكبراء الأمة، وأعيان الناس، من ذوي المراتب والألقاب، وجميع هؤلاء قد وقف في جلال ووقار، انتظاراً لتشريف حضرة الملك المعظم، أو من ينتدب للإنابة عنه في حضور الاحتفال.
وقبيل الظهر بساعة بينما هذا الجمع الحاشد في الانتظار.... وصل الركب الملكي الفخم، وقد أقبل جلالته بوجهه المشرق على هذه الجموع، مشيراً بيده الكريمة إشارة التحية والسلام، واستقبله بعد ذلك كبار الشخصيات الموجودة في السرادق.....، وعندما وصلت المركبة الملكية قبالة السرادق الملكي العظيم، سمعت طلقات المدافع تدوي تحية الملك، وتعالت أصوات قوات الجيش هاتفة بحياته، ثم أخذت الموسيقى تصدح بأنغامها الشجية بالسلام الملكي......، وبعد الانتهاء من عرض الجيش تقدمت بين يدي الملك مشايخ الطرق الصوفية برجالها ومريديها، حاملين لأعلامهم وشاراتهم، وكل شيخ يمر بين يديه يقف هنيهة لقراءة الفاتحة، وتلاوة بعض الأدعية المأثورة بطريقتهم المعروفة في القراءة والدعاء، ثم يهتفون جميعاً بحياة الفاروق ثلاثاً.
стр. 180
ولما انتهى مرور أصحاب الطرق، عاد الملك إلى السرادق الملكي، حيث قدمت صنوف الحلوى، وأنواع المرطبات، فتناول منها جميع الحاضرين وبعد فترة قصيرة بارح جلالته السرادق الملكي قاصداً تشريف سرادق السادة البكرية (١) ، وما إن أشرف عليه حتى نهض شيخ مشايخ الطرق الصوفية (٢) ، وحوله جماعة من كبار المشايخ لاستقبال جلالته بما يليق بمقامه الكريم، ثم ألقيت قصة المولد الشريف، وما إن وصل القارئ إلى ذكر مولده ﷺ حتى نهض الملك واقفاً إجلالاً وإعظاماً لهذه الذكرى الكريمة وبوقوفه وقف الجمع الحاشد في كمال الخشوع والإكرام، وعند الانتهاء من إلقاء القصة والدعاء للملك، بدأ القرَّاء في تلاوة ما يتيسر من القرآن الكريم، بترتيل حسن، وتنغيم مطرب جميل!!! وجميع القراء من مشهوري المجودين، ومذكوري الملحنين!!، وأصحاب الأصوات الشجية، والأنغام العذبة الندية، ثم تقدم الخدم والفراشون بصواني الحلوى، وأكواب المرطبات إلى بين يدي الملك ليتناول منها ما يشاء، كما أديرت بعد ذلك على سائر الحاضرين فتناول كل أحد منهم ما لذَّ وطاب، وفي أثناء إلقاء القصة الشريفة لم تنقطع المدافع عن دويها المطلق بنظام محكم، وترتيب بديع، كما أخذ المذيع بالراديو في ترديد القصة من أبواقه لإسماع الجمهور، وبعد ذلك نهض الملك وقرأ الفاتحة، وشاركه في قراءتها جميع الحاضرين)) (٣) ا. هـ.
وقال السندوبي - أيضاً - في معرض كلامه عن المولد سنة ١٣٦٦هـ:
((وفي صبيحة يوم اثنا عشر من ربيع الأول عطلت أعمال الحكومة في وزاراتها ودواوينها ومصالحها، كما عطلت الأعمال في الدوائر المالية والتجارية احتفالاً بذكرى المولد النبوي الشريف على جاري العادة)) (٤) ا. هـ.