← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أي صفة، فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار) (١) ا. هـ. وقال السندوبي في وصف الاحتفال بالمولد النبوي في القاهرة (٢) سنة ١٢٥٠هـ- في هذا العهد كان العالم الإنجليزي (ادوارد وليم لين) يزور القاهرة فشاهد الاحتفال بالمولد النبوي -، فوصفه وصفاً شيقاً...... ((قال- وليم لين- ((في أول ربيع الأول والشهر الثالث من شهور السنة الهجرية، يبدأ الاستعداد للاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وأكبر ساحات هذا الاحتفال شأناً: الجزء الجنوبي الغربي المعروف ببركة الأزبكية، وفي هذه الساحة أقيمت صيوانات (٣) كثيرة للدراويش (٤) ، وفيها يجتمعون كل ليلة للقيام بحلقات الذكر ما دام الاحتفال بالمولد، وبين هذه الصيوانات ينصب صاري (٥) يثبت بالحبال ويعلق فيه من القناديل اثنا عشر أو

стр. 177

أكثر، وحول هذا الصاري تقوم حلقة الذكر، وهي تتكون عادة من نحو خمسين أو ستين درويشاً. وفي اليوم الثاني من الشهر ينتهون من إقامة معالم الاحتفال ومعداته - في العادة - ثم يشرعون في اليوم التالي في مظاهر الاحتفال ليلاً ونهاراً إلى الليلة الثانية عشرة من الشهر، وهي ليلة المولد الكبرى.... ففي النهار يتسلى الناس في الساحة الكبرى بالاستماع إلى الشعراء، والتفرج على الحواة (١) ونحوه. أما الغواني فقد أكرهتهن الحكومة من عهد قريب على التوبة وترك مهنتهن من رقص ونحوه، فلا أثر لهن في احتفال هذه السنة، وكن في الموالد السابقة من أكثر العالمين في الاحتفال اجتذاباً للمتفرجين!!!..... أما في الليل فتضاء الشوارع المحيطة بساحة المولد، بقناديل كثيرة، تعلق غالباً في فوانيس من الخشب، ومن دكاكين المأكولات، ونصبات الحلوى ما يبيت مفتوحاً طوال الليل، وكذلك القهاري التي قد يكون في بعضها، وفي غيرها من الأماكن: شعراء ومحدثون، ينصت إليهم كل من أراد من المارة. أما في الليلتين الأخيرتين فيكون المولد أكثر زحاماً وأسباب التفرج والمسليات أعظم منها في الليالي السابقة (٢) . ثم وصف المؤلف الإنجليزي - ادوارد وليم لين - مجلساً كاملاً من مجالس الذكر التي تعمل في الموالد وغيرها فقال: وفي ليلة المولد الكبرى ذهبت إلى الساحة الرئيسة، فرأيت ذكراً قوامه ستين درويشاً، حول صاري، وكان ضوء كافياً لإنارة الساحة، وكان الدرويش حول الصاري من طوائف مختلفة وكانوا يقولون: [يا الله] ثم يرفعون رؤوسهم، ويصفقون جميعاً بأيديهم أمام وجوههم، وكان داخل حلقة الذكر خلق كثير قد جلسوا على الأرض، ولبث الذكيرة يذكرون على هذا النحو مقدار نصف ساعة، ثم انقسموا جماعات، كل جماعة من خمسة أو ستة، ولكنهم بقوا

стр. 178

يكونون حلقة واسعة، ثم أمسك أفراد كل جماعة بعضهم ببعض كل منهم، ما عدا الأول قد وضع ذراعه اليمنى على ظهر من يليه يساراً، ويده على الكتف اليسرى - كتف من يليه - ثم اتجهوا إلى النظارة-المتفرجين-خارج الحلقة، وأخذوا يذكرون (الله) بصوت أجش عميق، وهم في هذه الحالة يتقدمون إلى الأمام خطوة، ثم إلى الوراء خطوة، مع تحرك كل منهم قليلاً إلى اليسار فكانت الحلقة كلها تدور ولكن ببطء شديد، وكان كل منهم يمد يده اليمنى نحو النظارة خارج الحلقة مشيراً بالتحية، وهؤلاء أو أغلبهم كانوا يردون السلام على الذكيرة، وأحياناً كان بعضهم يقبل اليد الممتدة إليه إذا قابلت وجهه متى كانوا قريبين منهم.......، ومن الوائد المتبعة عندهم أن يسكت من في الصواوين من الذكيرة، متى كان الذكر حول الصاري)) (١) ا. هـ. وقال السندوبي - أيضاً - في كتابه ((تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي)) : ((ومن الليالي الغر التي لا أنساها ما حييت، ليلة الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١٣٦٤هـ الموافق ٢٤فبراير سنة ١٩٤٥م (٢) والتي تُعدُّ بحق مثالاً لما يجب أن يكون عليه الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في كل عام: فقد شهدت في ساحة المولد (٣) معالم الزينة التي تأخذ بالألباب، ومظاهر الاحتفال التي بدت في شكل فخم، ونظام جليل هناك، وفي هذا الميدان المترامي الأطراف، أُقيم السرادق (٤) الملكي البديع، وقد تجلَّى في زخارفه وماس (٥) في أستاره ومطارفه (٦) ، وفرش بالطنافس (٧) الثمينة،

стр. 179

وصفت في رحابه الأرائك (١) المحلاة بالذهب، وانتثرت في جنباته النمارق (٢) الموصوفة، واسترسلت في ساحته الكلل (٣) الحريرية، ورفعت على سواريه الأعلام الملكية، وعلقت في مداخله المصابيح الباهرة الأنوار، وفي سماواته الثريات الآخذة بالأبصار....، كما فُرشت أرض الميدان بالرمل الأصفر والأحمر، ووقف على أبوابه رجال الحرس الملكي في ملابسهم المزركشة ... ووفد على هذه السرادق وزراء الدولة، وشيخ الأزهر، وطوائف العلماء!!، ووكلاء الوزارات، وكبار الموظفين، وكبراء الأمة، وأعيان الناس، من ذوي المراتب والألقاب، وجميع هؤلاء قد وقف في جلال ووقار، انتظاراً لتشريف حضرة الملك المعظم، أو من ينتدب للإنابة عنه في حضور الاحتفال. وقبيل الظهر بساعة بينما هذا الجمع الحاشد في الانتظار.... وصل الركب الملكي الفخم، وقد أقبل جلالته بوجهه المشرق على هذه الجموع، مشيراً بيده الكريمة إشارة التحية والسلام، واستقبله بعد ذلك كبار الشخصيات الموجودة في السرادق.....، وعندما وصلت المركبة الملكية قبالة السرادق الملكي العظيم، سمعت طلقات المدافع تدوي تحية الملك، وتعالت أصوات قوات الجيش هاتفة بحياته، ثم أخذت الموسيقى تصدح بأنغامها الشجية بالسلام الملكي......، وبعد الانتهاء من عرض الجيش تقدمت بين يدي الملك مشايخ الطرق الصوفية برجالها ومريديها، حاملين لأعلامهم وشاراتهم، وكل شيخ يمر بين يديه يقف هنيهة لقراءة الفاتحة، وتلاوة بعض الأدعية المأثورة بطريقتهم المعروفة في القراءة والدعاء، ثم يهتفون جميعاً بحياة الفاروق ثلاثاً.

стр. 180

ولما انتهى مرور أصحاب الطرق، عاد الملك إلى السرادق الملكي، حيث قدمت صنوف الحلوى، وأنواع المرطبات، فتناول منها جميع الحاضرين وبعد فترة قصيرة بارح جلالته السرادق الملكي قاصداً تشريف سرادق السادة البكرية (١) ، وما إن أشرف عليه حتى نهض شيخ مشايخ الطرق الصوفية (٢) ، وحوله جماعة من كبار المشايخ لاستقبال جلالته بما يليق بمقامه الكريم، ثم ألقيت قصة المولد الشريف، وما إن وصل القارئ إلى ذكر مولده ﷺ حتى نهض الملك واقفاً إجلالاً وإعظاماً لهذه الذكرى الكريمة وبوقوفه وقف الجمع الحاشد في كمال الخشوع والإكرام، وعند الانتهاء من إلقاء القصة والدعاء للملك، بدأ القرَّاء في تلاوة ما يتيسر من القرآن الكريم، بترتيل حسن، وتنغيم مطرب جميل!!! وجميع القراء من مشهوري المجودين، ومذكوري الملحنين!!، وأصحاب الأصوات الشجية، والأنغام العذبة الندية، ثم تقدم الخدم والفراشون بصواني الحلوى، وأكواب المرطبات إلى بين يدي الملك ليتناول منها ما يشاء، كما أديرت بعد ذلك على سائر الحاضرين فتناول كل أحد منهم ما لذَّ وطاب، وفي أثناء إلقاء القصة الشريفة لم تنقطع المدافع عن دويها المطلق بنظام محكم، وترتيب بديع، كما أخذ المذيع بالراديو في ترديد القصة من أبواقه لإسماع الجمهور، وبعد ذلك نهض الملك وقرأ الفاتحة، وشاركه في قراءتها جميع الحاضرين)) (٣) ا. هـ. وقال السندوبي - أيضاً - في معرض كلامه عن المولد سنة ١٣٦٦هـ: ((وفي صبيحة يوم اثنا عشر من ربيع الأول عطلت أعمال الحكومة في وزاراتها ودواوينها ومصالحها، كما عطلت الأعمال في الدوائر المالية والتجارية احتفالاً بذكرى المولد النبوي الشريف على جاري العادة)) (٤) ا. هـ.

стр. 181

فما تقدم من النصوص التي وصفت طريقه إحياء المولد النبوي في عصور مختلفة، يؤكد لنا أن هذه الاحتفالات ليست إلا تلبية لشهوات ورغبات النفوس المريضة من الناس، ومراسم هذه الاحتفالات من الأكل والشرب وإنشاد القصائد، واختلاط النساء بالرجال، وأعمال اللهو وما يؤول على القائمين على هذه الاحتفالات من الأموال، والعطايا والهدايا، خير شاهد على ما ذكرت. فليس القصد كما يدعُون تعظيم النبي ﷺ والفرح بذكرى مولده، وإحياء ذكره، وإثبات محبتهم له ﷺ بتلك الاحتفالات المبتدعة. وكون هذه الاحتفالات أمر محدث مبتدع فهذا كاف في ذمِّها، والتحذير منها، لاسيما وأن من ابتدعها إنما ابتدعها بسوء نية، كما تقدم بيان ذلك (١) . وربَّما شذَّ عن هذه القاعدة أناس فعلوا ذلك عن حسن نية ولكن حسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فمن قبلنا من الملل كانوا يبتدعون قي دينهم أموراً بقصد التعظيم وحسن النية، حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا، وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبراً بشبراً وذراعاً بذراع، لضاع أصل ديننا، لاسيما وأن هذه الاحتفالات لا تخلو من الشرك الأكبر وهو التوسل بالرسول ﷺ والاستغاثة به، ودعاؤه، واللجوء إليه، ومن المعلوم أن الشرك الأكبر مُخْرِجٌ من الملة. ولكن الله تكفل بحفظ هذا الدين، وجعل السلف الصالح من تبع نهجهم وآثارهم سبب هذا الدين. ومحبة الرسول ﷺ الحقيقة والصادقة هي طاعته فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وتعظيمه يكون بالصلاة عليه، والالتزام بسنته، والعمل بها، والذبِّ عنها، كما سنوضح ذلك في المبحث التالي - إن شاء الله - والله أعلم.

стр. 182

المبحث الخامس حقيقة محبته ﷺ اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي ﷺ وكثرت عباراتهم في ذلك وليست تراجع في الحقيقة إلى اختلاف مقال، ولكنها اختلاف أحوال: فقال سفيان: (المحبة اتباع الرسول ﷺ كأنه التفت إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) . وقال بعضهم: محبة الرسول ﷺ اعتقاد نصرته، والذب عن سنته، والانقياد لها، وهيبة مخالفته. وقال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب. وقال آخر: إيثار المحبوب. وقال بعضهم: المحبة: مواطأة القلب لمراد الرب، يحب ما أحب ويكره ما كره. وقال آخر: المحبة: ميل القلب إلى موافق له (٢) . وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها. وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه، كحب الصور الجميلة، والأصوات الحسنة، والأطعمة والأشربة اللذيذة وأشباهها، مما كل طبع مائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف، والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ

стр. 183

التعصب بقوم، والتشيع من أمة في آخرين، ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان، وهتك الحرم، واخترام (١) النفوس. أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له، وإنعامه عليه، وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها. فإذا تقرر هذا: نظرت هذه الأسباب كلها في حقه ﷺ فعلمت أنه ﷺ جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة: أما جمال الصورة، والظاهر، وكمال الأخلاق، والباطن فهو أعلى الناس فيها قدراً، وأكملهم محاسن وفضلاً (٢) . وأما إحسانه وإنعامه على أمته، فقد ذكره الله في كتابه العزيز في مواطن عدَّة، والتي وصفه الله- بأمور، منها: رأفته بأمته، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من النار، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً ويتلوا عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم. فأي إحسان أجل قدراً، وأعظم خطراً، من إحسانه إلى جميع المؤمنين؟ وأي إفضال أعم منفعة، وأكثر فائدة من إنعامه - بعد الله على كافة المسلمين؛ إذ كان ذريعتهم (٣) إلى الهداية، ومنقذهم من العماية (٤) ، وداعيهم إلى الفلاح، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم، فقد استبان لك أنه ﷺ مستوجب للمحبة الحقيقية شرعاً؛ لما ورد في ذلك من النصوص، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٥) .

стр. 184

وقوله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) (١) . وقوله ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ... )) الحديث (٢) وقوله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ لما قال له عمر: يا رسول الله! ، لأنت أحبّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ : ((لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)) . فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليَّ من نفسي. فقال النبي ﷺ : ((الآن يا عمر)) (٣) . وكذلك هو مستوجب للمحبة الحقيقية عادة وجبلة بما ذكرناه آنفاً لإفاضته الإحسان، وعمومه الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفاً، أو استنقذه من هلكة أو مضرة- مدة التأذي قليل منقطع - فمن كان سبباً لمنحه ما لا يبيد من النعيم، وسبباً لوقايته مما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب (٤) . وقال ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما ﵀ عليهم -: (المحبة

стр. 185

ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة (١) واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع ﷺ أصناف المحبة في محبته، قال ابن بطال ﵀: ومعنى الحديث (٢) أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي ﷺ آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به ﷺ استنقذنا من النار، وهدينا من الضلال (٣) . فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه، ومن علامات حبه ﷺ : الاقتداء به ﷺ ، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) . إيثار ما شرعه ﵊، وحض عليه، على هوى نفسه، وموافقة شهواته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... ﴾ (٥) . كثرة الذكر له ﷺ فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٦) . ومن علامات محبته ﷺ : محبة من أحب النبي- عليه والسلام- من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم، فمن أحب شيئاً

стр. 186

أحب من يحبه. قال ﷺ : ((الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً (١) بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه)) (٢) . وقال ﷺ : ((آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار)) (٣) . وقال ﵊: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)) (٤) . ومن علامات محبته ﷺ : بُغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه، ومجانبة من خالف سنته، وابتداع في دينه، واستثقاله كل أمر يخالف شريعته، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٥) . ومنها: أن يحب القرآن الذي أُنزل عليه ﷺ ويحب سنته ويقف عند خدودها، قال سهل بن عبد الله: (علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي ﷺ ، وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة،

стр. 187

وعلامة حب الآخرة بُغض الدنيا، وعلامة بُغض الدنيا ألاَّ يدَّخر منها إلا زاداً وبلغة إلى الآخرة) (١) . وإذا استعرضنا هذه العلامات، وجدنا أن الذين ابتدعوا الاحتفال بالمولد النبوي، لم تظهر عليهم أي علامة من هذه العلامات، ولم يتَّصفوا بإحداها، بل كانوا يتصفون بضدها. فلم يقتدوا به ﷺ في القول والفعل، ولم يمتثلوا أمره بلزوم السنة، ونهيه عن الإحداث في الدين، بل اطرحوا سنته جانباً، وقدموا ما تهوى أنفسهم وما يشتهونه على ما أمر الله رسوله ﷺ ، واشتغلوا بالمعاصي والملذات عن ذكره ﷺ ، وسبُّوا صحابته وأنصاره- بل كفَّرُوهم -، وجاهروا بذلك، وقرَّبُوا أعداء الله ورسوله، وأظهروا لهم المودة، وولوهم أمور المسلمين (٢) ، فهل يبقى أدنى شك في كذبهم فيما يزعمون من أن إقامتهم للمولد النبوي لأجل محبتهم له ﷺ ، وتعظيم ذكراه؟؟!!؛لأن المحبة الصادقة لرسول الله ﷺ إنما تكون بطاعته فيما أمر، والابتعاد عمَّا نهى عنه والانقياد للشرع الذي جاء به، فلا يعبد الله إلا بما شرع، وكذلك الإكثار من الصلاة والسلام عليه، والتمسك بسنته، والعمل بها، والاقتداء به ﷺ في أقواله وأفعاله، وتقديم قوله على كل قول، فإنَّهُ لا أحد من الأمة معصوم من الخطأ إلا رسول الله ﷺ . فيجب أن يؤخذ قوله كله ولا يُردّ منه شيء، وأمور الدين إنَّما العمدة فيها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا مكان للاعتماد على الهوى والاستحسان من غير دليل شرعي. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٣) ، والله أعلم

стр. 188

المبحث السادس موقف أهل السنة من هذه البدعة اتفق العلماء من السلف الصالح-﵏ على أن الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من المواسم غير الشرعية، أمر محدث مبتدع في الدين، ولم يؤثر ذلك عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابة، ولا عن التابعين وتابعيهم، ولا علماء الأمة المشهورين؛ كالأئمة الأربعة ونحوهم. وسنذكر فيما يلي بعض أقوال السلف الصالح في هذا الشأن، ملحقين بها أقوال بعض المتأخرين من علماء الأمة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول، التي يقال إنها المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها، والله أعلم) (١) ا. هـ. وقال - أيضاً - في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) : ((فصل. ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات سواء بلغت الكراهة التحريم، أو لم تبلغه؛ وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها؛ لسببين: أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار. والثاني: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر، وإن لم يكن فيها مشابهة لأهل الكتاب؛ لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات، فيدخل فيما رواه مسلم

стр. 189

في صحيحه عن جابر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذ خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين - ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى - ويقول: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (١) وفي رواية للنسائي: ((وكل بدعة ضلالة في النار)) (٢) وفيما رواه مسلم - أيضاً - في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٣) . وفي لفظ في الصحيحين: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٤) . وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنه من يعش منكم فسير اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٥) .

стр. 190

وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضاً. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ... ﴾ (١) . فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو بفعله، من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذ شريكاً لله، شرع من الدين ما لم يأذن به الله (٢) ......... إلى أن قال-والكلام في ذم البدع لما كان مقرراً في غير هذا الموضوع لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم: فصل: قد تقدم أن العيد يكون اسماً لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع، وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياً: أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض أعياد المكان والأفعال: أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة الإسلامية أصلاُ، ولم يكن له ذكر في السلف ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، مثل: أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب (٣) . النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه: كثامن عشر ذي الحجة (٤) الذي خطب النبي ﷺ فيه بغدير خم (٥) مراجعة من حجة الوداع..... وكذلك ما يحدثه بعض الناس: إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى-﵇، وإما محبة للنبي ﷺ ، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد (٦) لا على البدع - من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيداً مع

стр. 191

اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع فيه لو كان خيراً، ولو كان خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حرَّاصاً على أمثال هذه البدع-مع ما لهم فيها من حُسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم بهما المثوبة (١) - تجدهم فاترين في أمر الرسول ﷺ عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تُشرع، ويصحبها من الرياء والكِبْر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها)) (٢) ا. هـ.

стр. 192

وقال الشاطبي في ((الاعتصام)) بعد أن عرف البدعة بأنها: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه: (وقوله في الحد: [تضاهي الشرعية] ، يعني: أنها: أنها تشابه الطريقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة، منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يستظلّ والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصاد من المأكل والملبس على صنف من غير علَّة. ومنها: التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً، وما أشبه ذلك...... إلخ) (١) ا. هـ. وقال ابن الحاج في ((المدخل)) : (فصل في المولد: ومن جملة ما أحدثوه من البدع، مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات، وأظهر الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة. فمن ذلك: استعمالهم المغاني، ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر (٢) والشبابة (٣) وغيرهم ذلك، مما جعلوه آلة السماع......، فانظر - رحمنا الله وإياك - إلى مخالفة السنة المطهرة ما أشنعها وأقبحها، وكيف تجر إلى المحرمات، ألا ترى أنهم لما خالفوا السنة المطرة، وفعلوا المولد، لم يقتصروا على فعله، بل زادوا عليه ما تقدم ذكره من الأباطيل المتعددة، فالسعيد السعيد من شدَّ يده على امتثال الكتاب والسنة

стр. 193

والطريق الموصلة إلى ذلك، وهي اتباع السلف الماضين - رضوان الله عليهم أجمعين -؛ لأنهم أعلم بالسنة منَّا، إذ هم أعرف بالمقال، وأفقه بالحال.......) ا. هـ (١) . وقال الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي المشهور بالفاكهاني - بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهل له، والصلاة والسلام على نبيا محمد عبد الله ورسوله وآله وصحبه أجمعين: (أما بعد، فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة وحدث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبيناً، والإيضاح عنه معيناً، فقلت وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في الكتاب ولا سنة، ولا ينقل (٢) عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون (٣) ، وشهوة نفس اعتنى بها الأكَّالُون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، مباحاً، أو مكروهاً، أو محرماً، وليس بواجب إجماعاً، ولا مندوباً؛ لأنَّ حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحاً؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو

стр. 194

حراماً وحينئذٍ يكون الكلام فيه في فصلين والتفرقة بين حالين: * أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئاً من الآثام، وهذا الذي وصنفاه بأنه بدعة مكروهة وشناعة؛ إذا لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذي هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سُرُج الأزمنة، وزين الأمكنة. * والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذ بالسيف. لاسيما إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء، مع البطون الملأى، بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخالف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهنَّ رافعات أصواتهم بالتهنيك (١) والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٢) . وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ ... )) (٣) . هذا مع أن الشهر الذي ولِدَ فيه ﷺ وهو ربيع الأول- هو بعينه الشهر الذي تُوفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول ومن الله تعالى نرجو حُسن القبول) ا. هـ (٤) .

стр. 195

وقال محمد عبد السلام خضر الشقيري في كتابه ((السنن والمبتدعات)) : (في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه: لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر ولا عبادة ولا نفقة ولا صدقة، ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجمع والأعياد التي رسمها لنا الشارع - صلوات الله وتسليماته عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين -، ففي هذا الشهر ولِد ﷺ ، وفيه تُوفي، فلماذا يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته؟! فاتخاذ مولده موسماً، والاحتفال به بدعة منكرة، وضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضوان الله عليهم -، وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم، والأئمة وأتباعهم؟ لا شك أن ما أحدثه المتصوفون الأكَّالون البطَّالُون أصحاب البدع، وتبع الناس بعضهم بعضاً فيه إلا من عصمه الله، ووفقه لفهم حقائق الإسلام، ثم أي فائدة تعود، وأي ثواب في هذه الأمور الباهظة، التي تعلق بها هذه التعاليق، وتنصب بها هذه السرادقات، وتضرب بها الصواريخ؟ وأي رضا لله في اجتماع الرقاصين والرقاصات والطبالين والزمَّارين، واللصوص والنشالين، والحاوي والقرادتي (١) ، وأي خير في اجتماع ذوي العمائم الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء، أهل الإلحاد في أسماء الله، والشخير والنخير والصفير بالغابة، والدقّ بالبازات والكاسات، والشهيق والنعيق [بأح أح يا ابن المرة، أم أم، أن أن، سابينها يا رسول الله، يا صاحب الفرح المدا آد يا عم يا عم اللّع اللْع] (٢) كالقرود، ما فائدة هذا كله؟! فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا،

стр. 196

وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوروبا، فيفهمون أن محمداً ﷺ حاشاه حاشاه - كان كذلك هو وأصحابه، فإنا للهِ وإنا إليه راجعون. ثم هو خراب ودمار، فوق ما فيه الناس من فقر وجوع وجهل وأمراض، فلماذا لا ننفق هذه الأموال الطائلة في تأسيس مصانع يعمل فيها الألوف من العاطلين؟ أو لماذا لا ننفق هذه النفقات الباهظة في إيجاد آلات حربية نقاوم بها أعداء الإسلام والأوطان؟ وكيف سكت العلماء على هذا البلاء والشر، بل وأقروه؟ ولماذا سكتت الحكومة الإسلامية على هذه المخازي وهذه النفقات التي ترفع البلاد إلى أعلى عليين؟ فإما أن يزيلوا هذا المنكر وإما وصمتهم بالجهالة) ا. هـ (١) . وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواب على سؤال عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وهل فعله أحد من أصحابه أو التابعين وغيرهم من السلف الصالح: (لا شك أن الاحتفال بمولد النبي ﷺ من البدع المحدثة في الدين، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي، وصار للتضليل والإضلال، والوهم والإيهام مجال عميت فيه البصائر، وقوي فيه سلطان التقليد الأعمى، وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه علان، فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يذكر لدى أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا لدى التابعين، وتابعيهم، وقد قال ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٢) . وقال ﵇ أيضاً-: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٣) . وفي رواية: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٤) . وإذا كان مقصدهم من الاحتفال بالمولد النبوي تعظيم رسول الله ﷺ ، وإحياء

стр. 197

ذكره، فلا شك أن تعزيره (١) وتوقيره يحصل بغير هذه الموالد المنكرة، وما يصاحبها من مفاسد وفواحش ومنكرات، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٢) . فذكره مرفوع في الأذان والإقامة، والخطب والصلوات، وفي التشهد والصلاة عليه في الدعاء وعند ذكره، فلقد صح عنه ﷺ أنه قال: ((البخيل من ذُكرت عنده فلم يصل علي)) (٣) . وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألاَّ يُعبد الله إلا بما شرع. فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط، ولو كان هذه الاحتفالات خيراً نحضاً، أو راجحاً لكان السلف الصالح ﵃ أحق بها منا، فإنهم كانوا أشدّ منا محبة وتعظيماً لرسول الله ﷺ ، وهم على الخير أحرص، ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم: من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف والتخاذل والوهن، راحوا يعظمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية، دون ترسم مسالكهم المستقيمة؛ لأن تعظيمهم هذا لا مشقة على فيه النفس الضعيفة، ولا شك أن التعظيم الحقيقي هو طاعة المعظم، والنصح له، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره، ويعتز بها دينه، إن كان رسولاً، وملكه إن كان ملكاً. وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي ﷺ ، ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، إلا أن تعظيمهم رسول الله ﷺ وخلفاءه الراشدين، لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة، ممن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الاهتداء والاقتداء، وسلكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف، ولا ريب أن الرسول ﷺ أحقّ الخلق بكل تعظيم يناسبهم، إلاَّ أنه ليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص، أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به، كما أنه ليس من تعظيمه- ﵊ أن نصرف له شيئاً مما لا

стр. 198

يصلح لغير الله من أنواع التعظيم والعبادة........ والخلاصة: أن الاحتفال بالمولد من البدع المنكرة، وقد كتبنا فيها رسالة مستقلَّة فيها مزيد تفصيل ... والله ولي التوفيق) ا. هـ (١) . فمن خلال هذه الشواهد من آثار السلف الصالح، ومن على نهجهم، يتبين لنا أنهم اتفقوا على أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة، لم تؤثر على الرسول ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه- رضوان الله عليهم -، ولا عن التابعين وتابعيهم ومن تبعهم من الأئمة الأعلام من سلفنا الصالح- رحمة الله عليهم. والبدعة مهما عمل الناس بها، ومهما مرَّت عليها الأزمنة والعصور، ومهما عمل بها أو رضي بها من يدَّعي العلم، لا يمكن أن تكون في يوم من الأيام سنَّة يؤجر على فعلها. والذين يحتفلون بهذه الموالد قد آثروا أقوال علماء الغواية والجهالة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن استشهدوا بهما فهم يؤولون معانيهما على ما يوافق شهواتهم وهوى أنفسهم، ويدلُّ على ذلك تعصبهم لأقوال مشايخهم الذي ضلُّوا وأضلُّوا، ولو كانوا يبحثون عن الحق، لسألوا أهل العلم واستفسروا منهم، وفحصوا الأدلة والبراهين، وإذا اتضح لهم الطريق المستقيم اتبعوه، ولكن المكابرة سلاح الجاهل يطعن به نفسه. وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ* وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ* أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ

стр. 199

يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١) . والقائل : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً *وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً *أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً* فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٢) . والقائل - أيضاً -في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (٣) . وهل قام الذين يحتفلون بالموالد بكل تعاليم الإسلام كبيرها وصغيرها من الأركان والفروض والواجبات والسنن، حتى يبحثوا عن بدعة حسنة- كما يزعمون- رغبة في زيادة الأجر والثواب من الله؟! الله أكبر!!!. نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق إلى صراطه المستقيم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.

стр. 200

الفصل الرابع شهر رجب المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه . المبحث الثاني: ويحتوي علي مطلبين. المطلب الأول: تعظيم الكفار لشهر رجب. المطلب الثاني: عتيرة رجب. المبحث الثالث: بدعة تخصيصه بالصيام أو القيام وحكم العمرة فيه والزيارة الرجبية. المبحث الرابع: بدعة صلاة الرغائب. المبحث الخامس: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج.

стр. 201

المبحث الأول بعض الآثار الواردة فيه عن أبي بكرة - رضي الله عن النبي ﷺ قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان....)) الحديث. متفق عليه (١) . عن مجاهد قال: ((دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر- ﵄-جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة. ثم قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعاً، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه. قال: وسمعنا استنان (٢) عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة: يا أماه يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع مرات إحداهن في رجب. قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط (٣)) ) . عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا فرع ولا عتيرة)) . والفرع أول النتاج، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب (٤) .

стр. 202

عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: ((ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) (١) . عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله ﷺ ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: ((ومن أنت)) ؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: ((فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة)) ؟.... قال ﷺ : ((صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك)) وقال بأصبعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها (٢) .

стр. 203

عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب؟ ونحن يومئذ في رجب، فقال: سمعت ابن عباس ﵄-يقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم (١) . عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ اعتمر أربعاً إحداهن في رجب (٢) . عن أبي المليح قال: نبيشة: نادي رجل رسول الله ﷺ : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: ((اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا الله وأطعموا)) (٣) .

стр. 204

عن يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو الباهلي قال: سمعت أبي يذكر أنه سمع جده الحارث بن عمرو لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع...... فقال رجل من الناس: يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: ((من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع، وفي الغنم أضحيتها)) وقبض أصابعه إلا واحدة (١) . عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفاً مع النبي ﷺ بعرفات فسمعته يقول: ((يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية)) (٢) .

стр. 205

عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي قال: قال يا رسول الله إنا كنا نذبح ذبائح في الجاهلية في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا. فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس به)) (١) . عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة.....وسئل عن العتيرة فقال: ((العتيرة حق)) (٢) . عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب (٣) . عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا دخل رجب قال: ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبارك لنا في رمضان)) . وكان يقول: ((ليلة الجمعة غراء ويومها

стр. 206

أزهر)) (١) . قال ابن حجر: لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه من غيره (٢) ا. هـ. ثم ذكر بعد ذلك مجموعة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة نذكر بعضها بشكل موجز: فمن الضعيف: * حديث: ((إن في الجنة نهراً يقال له رجب ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر)) (٣) .

стр. 207

* وحديث: ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)) (١) . * وحديث: ((أن رسول الله ﷺ لم يصم بعد رمضان إلا رجباً وشعبان)) (٢) . ومن الأحاديث الموضوعة: * حديث: ((رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي)) (٣) . * وحديث: ((فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الأذكار.....)) (٤) . * وحديث: ((رجب شهر الله الأصم، من صام من رجب يوماً إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر)) (٥) * وحديث: ((من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب من النار ... )) (٦) * وحديث: ((من صلى المغرب في أول ليلة من رجب ثم صلى بعدها عشرين ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ ......قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على

стр. 208

الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب)) (١) * وحديث: ((من صام من رجب وصلى فيه أربع ركعات.... لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له)) (٢) . * وحديث صلاة الرغائب: ((رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي ... ولكن لا تغفلوا عن أول ليلة جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك مقرب في جميع السموات والأرض، إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، فيطلع الله عليهم اطلاعة فيقول: ملائكتي سلوني ما شئتم، فيقولون: يا ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوم رجب، فيقول الله : قد فعلت ذلك. ثم قال ﷺ : وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة، ثنتي عشرة ركعة .......)) (٣) الخ. * وحديث: ((من صلى ليلة النصف من رجب أربع عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشرين مرة......)) (٤) الخ. * وحديث: ((إن شهر رجب شهر عظيم، من صام منه يوماً كتب الله له صوم ألف سنة..........)) (٥) الخ. فما تقدم جزء يسير من الأحاديث الموضوعة في فضل شهر رجب والقصد الإشارة والتنبيه على عدم خصوصية شهر رجب بصوم أو صلاة ونحو ذلك من العبارات، وما ذكر فيه الكفاية، وما لم يذكر فليراجع في الكتب التي ذكرت فيها الأحاديث الموضوعة، والله الهادي إلى سواء السبيل............- والله أعلم -.

стр. 209

المبحث الثاني المطلب الأول: تعظيم الكفار لشهر رجب . ... رجب في اللغة مأخوذ من رجبَ الرجلَ رجَبا، وَرَجَبَه يرجُبُه رَجْباً ورُجُوباً، ورجَّبه وَتَرجَّبه وأَرجْبَهَ كلهُّ: هابه وعظمه، فهو مَرْجُوبٌ. ورجب: شهر سموه بذلك لتعظيمهم إياه في الجاهلية عن القتال فيه، ولا يستحلِّون القتال فيه، والترجيب التعظيم، والراجب المعظم لسيده (١) . وذكر بعض العلماء أن لشهر رجب أربعة عشر اسماً: شهر الله، ورجب، رجب مضر، منّصل الأسنة، الأصم منفس، مطهر، مقيم، هرم، مقشقش، مبريء، فرد، الأصب، مُعلّى، وزاد بعضهم: رجم، منصل الآل وهي الحربة، منزع الأسنة (٢) . وقد فسر بعض العلماء بعض هذه الأسماء بما يلي: رجب: لأنه كانُ يرجَّب في الجاهلية أي يُعظم. الأصم: لأنهم كانوا يتركون القتال فيه، فلا يسمع فيه قعقعة السلاح، ولا يسمع فيه صوت استغاثة. الأصب: لأن كفار مكة كانت تقول: إن الرحمة تصب فيه صباً. رجم: بالميم لأن الشياطين ترجم فيه: أي تطرد. الهرم: لأن حرمته قديمة من زمن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. المقيم: لأن حرمته ثابتة لم تنسخ، فهو أحد الأشهر الأربعة الحرم. الُمعلّى: لأنه رفيع عندهم فيما بين الشهور. منصل الأسنة: ذكره البخاري عن أبي رجاء العطاردي.

стр. 210

منصل الآل: أي الحرب. المبريء: لأنه كان عندهم في الجاهلية من لا يستحل القتال فيه بريء من الظلم والنفاق. المقشقش: لأن به كان يتميز في الجاهلية المتمسك بدينه، من المقاتل فيه المستحل له. شهر العتيرة: لأنهم كانوا يذبحون فيه العتيرة، وهي المسماة الرجبية نسبه إلى رجب (١) . رجب مضر: إضافة إلى مضر (٢) لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال إن ربيعة كانوا يجمعون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان، ما ذكر في المحرم وصفر، فيحلون رجباً ويحرمون شعباً (٣) . وقال ﷺ : ((ورجب مضر الذي بين جماد وشعبان)) (٤) . فقيده بهذا التقييد مبالغة في إيضاحه، وإزالة اللبس عنه قالوا: وقد كان بين مضر وبين ربيعة، اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجباً هذا الشهر المعروف الآن، وهو الذي بين جمادي

стр. 211

وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا إضافة النبي ﷺ إلى مضر، وقيل لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم (١) . فكل هذه الأسماء التي أطلقت على شهر رجب، تدل على تعظيم الكفار لهذا الشهر، وربما كان تعظيم مضر لشهر رجب أكثر من تعظيم غيرهم له، فلذلك أضيف إليهم. وكان أهل الجاهلية يتحرون الدعاء فيه على الظالم وكان يستجاب لهم، ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعوة وغيره. وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: إن الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وإن الله جعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر (٢) . وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن خرشه بن الحر قال: رأيت عمر بن الخطاب-﵁

стр. 212

يضرب أكف الناس في رجب، حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية (١) . المطلب الثاني: عتيرة رجب . فسر العلماء عتيرة رجب بعد تفسيرات، منها: قال أبو عبيدة: (وأما العتيرة فإنها الرجبية، وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب، يتقرب بها أهل الجاهلية.... وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا طلب أمراً نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر) (٢) . وذكر ابن منظور: (أن الرجل كان يقول في الجاهلية: إن بلغت إبلي مائة عترت عنها عتيرة، فإذا بلغت مائة ضنّ بالغنم فصاد ظبياً فذبحه) (٣) . وقال أبو داود: (والعتيرة في العشر الأول من رجب) (٤) . وقال الخطابي: (العتيرة: تفسيرها في الحديث أنها شاة تذبح في رجب، وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين) .

стр. 213

وأما العتيرة التي كانت تعترها الجاهلية فهي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام فيصب دمها على رأسها. والعتر: بمعنى الذبح) (١) . والصحيح - إن شاء الله تعالى - أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر، وجعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالأضحية في الأضحى، وكان منهم من ينذرها، كما قد ينذر الأضحية، بدليل قول النبي ﷺ ((على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة)) (٢) . وهذا الذي قاله النبي ﷺ في بدء الإسلام تقريراً لما كان في الجاهلية، وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر ثم نسخ بعد، ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة، فإن الإنسان لو نذر ذبح شاة في أي وقت لزمه الوفاء بنذره (٣) . حكم العتيرة: اختلف العلماء في حكم العتيرة على أقوال: القول الأول: أن العتيرة مستحبة، والدليل على ذلك ما تقدم من الأحاديث الدالة على الأمر بها، وأنها حق. وأما قوله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة)) . أي لا عتيرة واجبة قوله ﷺ : ((إذبحوا لله في أي وقت كان)) (٤) . أي إذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان، لا أنها في رجب دون غيره من الشهور (٥) . وهذا قول الشافعي ﵀.

стр. 214

قال النووي: وقد نص الشافعي ﵀ في سنن حرملة أنها إن تيسرت كل شهر كان حسناً، فالصبح الذي نص عليه الشافعي ﵀ واقتضته الأحاديث أنهما - الفرع والعتيرة - لا يكرهان بل يستحبان هذا مذهبنا (١) . ا. هـ. القول الثاني: أنها لا تستحب، وهل تكره؟ : فيه وجهان: الوجه الأول: تكره العتيرة لقوله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة)) الوجه الثاني: لا تكره للأحاديث السابقة (٢) بالترخص فيها. وأجابوا عن قوله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة)) . بثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد نفي الوجوب - كجواب الشافعي ﵀ السابق. الثاني: أن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم. الثالث: أن المراد أنها ليست كالأضحية في الاستحباب أو ثواب إراقة الدم. وقد نسب النووي هذا القول: إلى ابن كج والدارمي من الشافعية.

стр. 215

القول الثالث: أنها لا تسن. والدليل على ذلك قوله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة)) . الذي رواه أبو هريرة ﵁ وهذا الحديث متأخر على الأمر بها فيكون ناسخاً. ودليل تأخره أمران: أنه من رواية أبي هريرة وهو متأخر الإسلام، فإن إسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة. أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. ولو قدرنا تقدم النهي عن الأمر بهما، لكانت نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر. إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها ولا كراهته (١) . ذكر هذا القول ابن قدامة في الشرح الكبير وقال: هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئاً (٢) .
следующие страницы →