وفي رواية لأبي داود ((فصلى بنا ركعتين تطوعاً)) (١) .
وفي الصحيحين نحوه عن عتبان بن مالك الأنصاري ﵃ والله أعلم -.
السادس: أن هذه الصلاة صارت شعاراً ظاهراً حادثاً، ويمتنع إظهار شعار ظاهر في الدين.
وجوابه: أن حاصل ذلك يرجع إلى أنها عبادة لها أصل في الشريعة، ظهرت وكثرت الرغبات فيها، وهذا لا يوجب أن يعكر عليها باجتثاثها من أصلها، فإن ما اختص به علماء المسلمين في علم الفقه، وسائر علوم الدين من التأصيل، والتفصيل، والتفريغ، والتدقيق، والتصنيف، والتدريس، شعار ظاهر حدث في الدين لم يكن في صدر الإسلام، فلم لا نقول: إن ذلك مبتدع ينبغي اجتنابه، وشعار محدث يتعين اجتثاثه. - والله أعلم -.
وقد احتج المنازع بأشياء أخر لا تساوي الذكر، ومما يجاب به عنها أن يقال له: صل هذه الصلاة، وتجنب وجنب فيها ما زعمت أنه محذور كما بيناه فيما سبق، وهو معتمد منها بقوله: إن في ذلك اختصاص ليلة الجمعة بالقيام، وهو منهي عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه ليس بلازم من حال من يصلي صلاة الرغائب، أن يدع في باقي لياليه صلاة الليل، ومن لم يدع ذلك لم يكن مخصصاً ليلة الجمعة بالقيام، وهذا واضح -
стр. 247
والله أعلم-.
فقد وضح بما بيناه وأصلناه أن صلاة الرغائب غير ملتحقة بالبدع المنكرة!! وأن الحوادث ذوات وجوه مختلفة مشتبهة، فمن لم يميز كان بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظير!! - والله تعالى أعلم -.
فهذا بيان شاف، يتضاءل له - إن شاء الله تعالى - خلاف المخالف، ويتبدل به وصفه إذ لم يعاند، بوصف الموافق المؤلف، ولا يبقي له بعده إلا جعجعة لا طائل وراءها، وقعقعة وابهامات لا يغتر بها إلا شر ذمة فسدت أهواؤها، وما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله وحده لا شريك له ونعم الوكيل (١) . ا. هـ.
ثم فند العز بن عبد السلام رد ابن صلاح بقوله: ((حمداً لله الذي لا إله إلا هو، وصلاة على نبيه محمد وآله. فإني لما أنكرت صلاة الرغائب الموضوعة، وبينت مخالفتها للسنن المشروعة، من الجهات التي ذكرتها في تعليق ذلك، انتهض بعض الناس معارضاً لذلك، ساعياً في تحسينها وتقريرها، لإلحاقها بالبدع الحسنة من جهة كونها صلاة، وإنما أنكرتها لمجموع صفاتها وخصائصها، التي بعضها يقتضي التحريم، وبعضها يقتضي مخالفتها للسنن، فأخذ يشنع على أني منعت الناس من عبادة، وأنا لم أنكر ذلك لكونها عبادة، وإنما أنكرتها لصفاتها، ناهياً عما نهى عنه رسول الله ﷺ ومقتدياً بما نهى عنه رسول الله ﷺ من الصلوات في الأوقات المكروهات، فإنه لم ينه عن ذلك لمجرد كونها صلاة، وخشوعاً، وذكراً، وتلاوة؟ وإنما نهى عنها لأمر تختص به، وقد صح عن رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم بن الحجاج ((أنه نهى عن اختصاص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي)) (٢) . وقد شرط واضح هذه البدعة فيها، أن توقع في الليلة التي نهى رسول الله ﷺ عن اختصاصها بالقيام)) .
فويل لمن جعل ما نهى عنه رسول الله ﷺ قرابة إلى الله تعالى. ثم قال: اعتادها الناس في ليلة شريفة لا شك في تفضيلها. فجعل اعتياد من لا علم له حجة في فعل
стр. 248
بدعة منهي عنها، وإنما يفعلها عوام الناس، ومن لم يرسخ قدمه في علم الشريعة، ثم أخطأ في القطع بتفضيلها، فإنه أراد بكونها ليلة جمعة واقعة في رجب، فمتى ثبت تفضيل هذه الليلة على سواها؟ وإن أراد مجرد كونها ليلة جمعة فقد أخطأ بإيهامه أنها مقيدة برجب!! وأخطأ أيضاً في تعبيره عن المبالغة في نصرة الدين وإماتة البدع، بلفظ السرف والغلو.
وأما المثل الذي ذكره في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّ﴾ إلى قوله تعالى ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١) . فذلك تحريف لكتاب الله تعالى، ووضع له في غير مواضعه، فإن الآية نزلت في إنكار أبي جهل على رسول الله ﷺ الصلاة المأمور بها، وإنكار صلاة الرغائب إنكار لصلاة نهى رسول الله ﷺ عنها، فإذن يكون رسول الله ﷺ على مقتضى قوله - قد نهى عبداً إذا صلى فيما نحن فيه، وفي نهيه عن الصلوات في الأوقات المكروهات.
وكذلك حرف في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ.......﴾ (٢) الآية، لأن الناهي عن هذه الصلاة ونظائرها هو الرسول الله ﷺ ، فيكون على تأويله قد أمرنا الله أن لا نطيع رسوله ﷺ فيما نهى عنه من الصلوات.
وذكر أنه استخار الله تعالى في ذلك، وقد ظهر أنه لم يخر له، لأنه لو خار له لأفهمه الحق وألهمه الصواب.
ثم اعترف أنها بدعة موضوعة، فنحتج عليه إذاً بقول رسول الله ﷺ : ((وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) .
وقد استثنين البدع الحسنة من ذلك، وهي كل بدعة لا تخالف السنن، بل توافقها، فيبقى ما عداها على عموم قول ﷺ : ((وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة
стр. 249
ضلالة)) . وليست صلاة الرغائب في معنى ما استثنى حتى تلحق بها قياساً. وأما استدلاله بقوله ﷺ قال: ((الصلاة نور)) (١) . وبقوله ﷺ قال: ((واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة)) (٢) . فلا يصح، لأن ذلك مخصوص بالإجماع بكل صلاة لم يتوجه إليها نهي، وأما ما نهى عنه الشرع فليس
بنور، بل هو ظلمة، وليس بخير الأعمال إذ لا خير في مخالفة الرسول ﷺ ولا نور في معصية ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٣) . ((ورب حامل فقه ليس بفقيه)) (٤) .
وأما استلالاً بما أخرجه الترمذي تعليقاً من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بني الله له بيتاً في الجنة)) (٥) .
فإن كان عالماً بأن المعلق لا حجة فيه فكيف يستدل بما لا حجة فيه، وإن ظن أن مثله حجة، فمذهبه الذي ينتمي إليه ويعتمد عليه لا يقتضي ذلك، مع أن هذا الحديث قد
стр. 250
أسنده ابن ماجه في سننه، وفي إسناده يعقوب بن الوليد المديني وهو كذاب وضاع على ما ذكره أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث. فوا عجباً لمن يترك ما صح عن رسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث الذي لا وزن له.
وأما إدراجه صلاة الرغائب في هذا الحديث فلا يستقيم، لأن هذا الحديث- لو صح-لم تندرج فيه هذه الصلاة، فإنه خرج مخرج الترغيب، والترغيب مقيد بعشرين ركعة فلا يتحقق فيما دونها.
وأما ما ذكره من إحداث الصلوات التي توقع على أوصاف خاصة، فجوابه أن الأوصاف ضربان:
أحدهما: ما يقتضي الكراهة كصفة صلاة الرغائب، فتلك بدعة مكروهة (١) .
الثاني: مالا يقتضي الكراهة فيكون من البدع الحسنة، والمثال الذي ذكرناه مندرج في هذا الضرب.
وأما قوله في هذا المثال: لو وضع لهذه الصلاة حديثاً لأنكرناه ولم ننكر الصلاة، فكذلك الأمر في صلاة الرغائب من غير فرق.
فجوابه: أن الفرق من وجوه:
أحدها: أن صلاة الرغائب بخصوصياتها توهم العامة أنها سنة من سنن رسول الله ﷺ كما هو الواقع، بخلاف الصلاة في المثال المذكور.
الثاني: أن تعاطي صلاة الرغائب يوقع العامة في أن يكذبوا على رسول الله ﷺ وينسبوه إلى أنه سنها بخصوصياتها، فيكون متعاطيها منتسباً إلى الكذب على رسول الله ﷺ بخلاف الصلاة التي مثل بها.
стр. 251
الثالث: أن تعاطي صلاة الرغائب مما يغري الواضعين بالوضع، لنفاق كذبهم وعمومه، بخلاف ما مثل به.
الرابع: أن تعاطيها بخصوصها يتضمن سنن كثيرة بخلاف ما مثل به.
الخامس: أن صلاة الرغائب في حق من يعتقد أنها سنة راتبة يجب تخريج صحتها على الخلاف، فيمن وصف الصلاة في نيته بصفة فاختلفت، ولا خلاف في صحة الصلاة في المثال المضروب. ثم قد ناهض حكمه بأنها من البدع الحسنة بقوله: إن الصفة الزائدة إذا كانت منكرة يردها شيء من أصول الشريعة، فهي من البدع المذمومة، والحوادث المردودة، وتعاطي صلاة الرغائب كذب على رسول الله ﷺ بلسان الحال، وتسبب إلى الكذب عليه، وإغراء للواضعين بالوضع، وكل ذلك مما ترده أصول الشريعة. وأما نسبته المنكر لصلاة الرغائب إلى أنه أنكر تكرار السور، فلم ينكر تكرار السور، وإنما أنكر شغل القلب عن الخشوع بعدها.
وأما قوله: فليس ذلك من المكروه المنكر، فقد ورد نحو ذلك.
فجوابه: أنه إن أراد بما ورد تسبيحات الركوع والسجود، وتكبيرات العيد فالفرق من وجهين:
أحدهما: أن ذلك عدد قليل يتأتى تعاطيه مع ملاحظة الخشوع.
والثاني: أن ذلك العدد مما ثبتت شرعيته في الصلاة، فإن كان الخشوع لا يتأتى معه وجب تقديمه على الخشوع، فقدمنا أحد مأموري الشرع على الآخر بخلاف العد في صلاة الرغائب فإنه طويل غير مشروع، فإذا تعاطاه المصلى كان تاركاً للخشوع المشروع بأمر غير مشروع.
وأما ما ورد في بعض الأحاديث من تكرار سورة الإخلاص، فإن لم يصح هذا الحديث فلا حجة فيه (١) ، وإن صح فإن دل على الجواز فنحن لا ننكر الجواز، وإن دل
стр. 252
على الاستحباب فإن لم يتأتى معه الخشوع، كان الشرع مقدماً له على الخشوع، وإن تأتى معه الخشوع صار كتسبيحات الركوع.
وإذ لم يدل على الاستحباب كان مكروهاً، لما فيه من تفويت مقصود الصلاة، وإعراض القلب عن الله تعالى، مع أن مجرد التكرار لا يشعر بالتعديد فكم من مكرر غير معدد فإن كان قد عبر عن التعديد بالتكرير فسوء عبارة تنبيء عن المقصود.
وأما تأويله كراهة بعض أئمة الحديث لذلك بأنه محمول على ترك الأولى، فمخالفة للظاهر بغير دليل، فإن الكراهة ظاهرة في المنهي الذي لا إثم في فعله بغلبة الاستعمال، فحملها على ترك الأولى تأويل بغير دليل.
وأما قوله في السجدتين عند من يرى كراهتها: أن سبيله أن يتركهما فحسب. فهذا لا يستقيم، لأن الإنكار إنما وقع على صلاة الرغائب بخصائصها وتوابعها، ولواحقها، ولا يلزم من إنكار المركب بعض أجزائه (١) .
وأما حرص هذا المسكين على إبقائها، أو إبقاء بدلها فذلك حرص منه على مخالفة الرسول ﷺ فيها، أو في بدلها، إذا نهى ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، كأنه يقول: إن لم يأت بصلاة الرغائب المكروهة من وجوه، فليأت بمكروه آخر، يقوم مقامها، حتى لا يخلو من مخالفة الرسول الله ﷺ ؟! .
وأما نسبته المنكر إلى أنه أنكر تقييدها بعدد خاص!! فهذا افتراء وتقول.
وأما نقله عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا عدّ الآيات، فنحن لا ننكر الجواز، ولا يصلح استشهاده بصلاة التسبيح إذ لم تثبت عن الرسول الله ﷺ ، فلا تسقط الخشوع الذي ثبت في الشرع أنه من سنن الصلاة، بما لم يثبت من ملاحظة العدد.
وأما قوله: يجوز الاقتداء في نوافل الصلوات.
فنحن ما منعنا الجواز، وإنما قلنا السنة فيها الانفراد، إلا ما استثني مع أنه ﷺ فعل ذلك، ولم يجعله شعاراً متكرراً
стр. 253
وأما استشهاده باقتداء ابن عباس ﵄ برسول الله ﷺ في صلاة الليل فلا يصح، لأن التهجد كان واجباً على الرسول الله ﷺ ، عند الشافعي ﵀ فلم يقع الاقتداء في نفل، وأما ما روي أنه قام يصلي متطوعاً، فذاك ظن من الراوي.
[قلت: بل هو يقين، جزم به راويه وهو ابن عباس- ﵄-وساقه كما ساق سائر الحديث، جازماً به (١) .
ويجاب عن ذلك: بأن فعل الصلوات فرضاً كانت أو نفلاً، فذا أو جماعة موقوف على بيان صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه، قال-﵇ ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢) ، والتجميع في النوافل جائز عند العلماء من غير مدوامة على ذلك لأن النبي ﷺ أم في النافلة في بيته وبيت غيره ولم يفعل ذلك في المساجد ولا في المواضع المشهورة، إلا ما ورد عنه في صلاة التراويح، فلا يتعدى ما شرعه ﵊ إلا بدليل. ولم يثبت في صلاة الرغائب دليل حتى يقاس على النوافل المشروعة، وإذا بطلت في نفسها فكيف تقاس على ما هو مشروع؟!] .
وأما حديث أنس وعتبان بن مالك-﵄ فالفرق بينها وبين صلاة الرغائب أن الاقتداء في صلاة الرغائب، يوهم العامة أنها سنة، وشعار في الدين، بخلاف ما وقع في حديث أنس وعتبان ﵄ فإنه نادر فلا يوهم العامة أنه من السنة، بل يوهم الجواز وذلك متفق عليه.
وأما نسبته المنكر إلى أنه قال: إن هذه الصلاة صارت شعاراً ظاهراً حادثاً في الدين، فهذا تقول منه وافتراء.
وأما تشبيهه هذه الصلاة بما أحدثه الفقهاء في تدوين أصول الفقه، وفروعه والكلام على مآخذه، ودقائقه، وحقائقه.
стр. 254
فلا يصح، لأنا قد بينا أن الصلاة الرغائب منهي عنها من الوجوه المذكورة، فكيف يقاس ما صح النهي عنه في السنة، على ما وقع الإجماع على الأمر به؟! .
وأما قوله: وقد احتج المنازغ بأشياء أخر لا تساوي الذكر، فالعجز عن الجواب عنها أوجب ذلك، وإنما إيهام للعامة أنه ترك الجواب مع القدرة عليه، وإما لشذوذ ذلك عن فهمه.
وكم من عائب قولا صحيحاً وآفته من الفهم السقيم (١)
وأما جوابه على ذلك بأن يقال لمنكر هذه الصلاة: صلها واجتنب ما فيها مما زعمت أنه محذور، فلا يصح، لأن الإنكار إنما وقع على صلاة الرغائب بخصائصها، ولو تركت خصائصها لخرجت عن أن تكون صلاة الرغائب المنكرة.
وأما ما ذكره على الحديث الصحيح في النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، وقوله، إن ذلك لا يطرد في حق من يقومها، ويقوم غيرها. فلا يصح لأنه سوغ صلاة الرغائب على الإطلاق لمن خصص، ولمن لم يخصص، ونحن نقول: وقعت كراهتها من وجوه، إذا فقد بعضها استقل الباقي بالنهي والكراهة.
وأما قوله: إن الحوادث ذوات وجوه مشتبهة فمن لم يميز كان بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظيره.
فهذه شهادة منه على نفسه بعدم التمييز.
وأما تفاصحة بذكر الجعجعة والقعقعة، فلا يخفى ما فيه من التكلف والركاكة، ومن اتبع هواه أراده.
ثم إني ظفرت للمذكور بفتيين قد أجاب فيهما قبل ذلك بما يوافق، وإن كان قد أخطأ في أمور لا تتعلق بما نحن فيه.
صورة أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم. ما تقول السادة الفقهاء الأئمة-﵃ في الصلاة المدعوة بصلاة الرغائب، هل هي بدعة في الجماعات أم لا؟ وهل ورد فيها حديث صحيح أم لا؟ أفتونا مأجورين.
وجوابه: اللهم وفق وارحم. حديثها موضوع على رسول الله ﷺ وهي بدعة
стр. 255
حدثت بعد أربعمائة من الهجرة، ظهرت بالشام، وانتشرت في سائر البلاد، ولا بأس أن يصليها الإنسان، بناء على أن الإحياء فيما بين العشائين مستحب كل ليلة، ولا بأس بأن يصليها الإنسان مطلقاً. أما أن تتخذ الجماعة فيها سنة، وتتخذ هذه الصلاة من شعائر الدين الظاهرة فهذا من البدع المنكرة، ولكن ما أسرع الناس إلى البدع، والله أعلم وكتب ابن الصلاح. ا. هـ.
وقال ابن عبد السلام -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من موافقة الصواب، ولا ما فيه من الاختلال.
والصورة الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم. ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين-﵃ فيمن ينكر على من يصلي في ليلة الرغائب ونصف شعبان، ويقول: أن الزيت الذي يشغل فيها حرام وتفريط، ويقول: أن ذلك بدعة ومالهما فضل ولا ورد في الحديث عن النبي ﷺ فيهما فضل ولا شرف فهل هو على الصواب أو على الخطأ؟ أفتونا-رضي الله عنكم-.
وجوابه: اللهم وفق وارحم. أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع، وما حدثت إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليس لليلتها تفضيل على أشباهها من ليالي الجمع.
وأما ليلة النصف من شعبان فلها فضيلة، وإحياؤها بالعبادة مستحب، ولكن على الانفراد من غير جماعة، واتحاد الناس لها ولليلة الرغائب موسماً وشعاراً بدعة منكرة، وما يزيدونه فيهما عن الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه، فغير موافق للشريعة، والألفية التي تصلى في ليلة النصف لا أصل لها ولأشباهها.
ومن العجب حرص الناس على المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في المؤكدات الثانية عن رسول الله ﷺ والله المستعان وهو يعلم. كتب ابن الصلاح.
قال ابن عبد السلام: (فأظهر الله تعالى ما الرجل منطو عليه، ومصغ إليه) (١) .
стр. 256
نسأل الله أن يعصمنا من أمثال ذلك، وأن يعافيه مما ابتلاه به، فمثله فليرحم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين (١) . ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب لا جماعة ولا فراداى، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى أن تختص ليلة الجمعة بقيام، أو يوم الجمعة بصيام.
والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلاً) . ا. هـ (٢) .
وقال أيضاً: (صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين، لم يسنها رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ﵏
стр. 257
والثوري، والأوزاعي، والليث وغيرهم، والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث) (١) . ا. هـ.
وسئل عن صلاة الرغائب: هل هي مستحبة أم لا؟ فأجاب: (هذه الصلاة لم يصلها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا رغب فيها رسول الله ﷺ ولا أحد من السلف، ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها، والحديث المروي في ذلك عن النبي ﷺ كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة والله أعلم) (٢) . ا. هـ.
وسئل النووي ﵀ عن صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان هل لهما أصل؟ فأجاب: الحمد لله، هاتان الصلاتان لم يصلهما النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه ﵃ ولا أحد من الأئمة الأربعة المذكورين ﵏، ولا أشار أحد منهم بصلاتهما، ولم يفعلهما أحد ممن يقتدي به، ولم يصح عن النبي منها
стр. 258
شيء ولا عن أحد يقتدي به، وإنما أحدثت في الأعصار المتأخرة وصلاتهما من البدع المنكرات، والحوادث الباطلات، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة ضلالة)) (١) . وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد)) (٢) . وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٣) .
وينبغي لكل أحد أن يمتنع عن هذه الصلاة، ويحذر منها، وينفر عنها ويقبح فعلها، ويشيع النهي عنها، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) (٤) . وعلى العلماء التحذير منها، والإعراض عنها أكثر مما على غيرهم، لأنه يقتدى بهم.
ولا يغترن أحد بكونها شائعة يفعلها العوام وشبههم، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ وبما أمر به لا بما نهى عنه، وحذَّر منه...... أعاذنا الله من المبتدعات، وحمانا من ارتكاب المخالفات. -والله أعلم - (٥) ا. هـ.
وسئل النووي أيضاً عن صلاة الرغائب هل هي سنة أم بدعة؟.
فأجاب: ((هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها، وعلى ولي الأمر- وفقه الله تعالى- منع الناس من فعلها: فإنه، راع، وكل راع مسئول عن رعيته.
стр. 259
وقد صنف العلماء كتباً في إنكارها وذمها، وتسفيه فاعلها، ولا يغتر بكثرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكورة في قوت القلوب (١) وإحياء علوم الدين (٢) ونحوهما، فإنها بدعة باطلة، وقد صح أن النبي ﷺ قال: ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد)) ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في الفتوى السابقة..... وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى كتابه فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) . ولم يأمر باتباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلطات المخطئين (٤) - والله أعلم - ا. هـ.
وقال ابن قيم الجوزية (وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله ﷺ (٥) . ا. هـ.
فمما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الصلاة تكون في أول جمعة من رجب، والتي تسمى الرغائب، بدعة منكرة، لم يسنها رسول الله ﷺ ، ولا أحد من خلفائه، ولم يستحبها صحابته والتابعون، والأئمة المشهورون، مع أنهم أحرص الناس على الخير، وفضائل الأعمال، وهذا الحكم صدر عن جملة من العلماء المتفق على جلالة قدرهم وسعة علمهم، وكذلك الحديث الوارد فيها فإنه موضوع على رسول الله ﷺ باتفاق أئمة الحديث، فلم يبق لمدعي فضيلتها من حجة - والله أعلم -.
стр. 260
المبحث الخامس
بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج
الاحتفال بالإسراء والمعراج من الأمور البدعية، التي نسبها الجهال إلى الشرع، وجعلوا ذلك سنة تقام في كل سنة، وذلك في ليلة سبع وعشرين من رجب، وتفننوا في ذلك بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروباً كثيرة، كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها، وعلى المنارات، والإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة، وتلاوة قصة المعراج المنسوبة إلى ابن عباس، والتي كلها أباطيل وأضاليل، ولم يصح منها إلا أحرف قليلة، وكذلك قصة ابن السلطان الرجل المسرف الذي لا يصلي إلا في رجب، فلما مات ظهرت عليه علامات الصلاح، فسئل عنه رسول الله ﷺ فقال: ((إنه كان يجتهد ويدعو في رجب)) . وهذه قصة مكذوبة مفتراه، تحرم قراءتها وروايتها إلا للبيان (١) .
وكذلك ما يفرشونه من البسط والسجادات وغيرهما، ومنها أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما، كأن بيت الله تعالى بيتهم، والجامع إنما جعل للعبادة، لا للفراش والرقاد والأكل والشرب، وكذلك اجتماعهم في حلقات، كل حلقة لها كبير يقتدون به في الذكر والقراءة، وليت ذلك لو كان ذكراًَ أو قراءة، لكنهم يلعبون في دين الله تعالى، فالذاكر منهم في الغالب لا يقول ((لا إله إلا الله)) بل يقول: لا يلاه يلله. فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع جعلوها وصلاً، وإذا قالوا سبحان الله يمطونها ويرجعونها، حتى لا تكاد تفهم، والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس فيه، وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات، والترجيعات التي تشبه الغناء الذي اصطلحوا عليه على ما قد علم من أحوالهم الذميمة.
ثم في تلك الليلة من الأمر العظيم أن القارئ يبتدئ بقراءة القرآن والآخر ينشد الشعر، أو يريد أن ينشده، فيسكتون القارئ، أو يهمون بذلك، أو يتركون هذا في شعره، وهذا في قراءته، لأجل تشوف بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر.
стр. 261
فهذه الأحوال من اللعب في الدين، أن لو كان خارج المسجد منعت، فكيف بها في المسجد؟! .
ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك، بل ضموا إليه اجتماع النساء والرجال في الجامع، مختلطين بالليل، وخروج النساء من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي.
وعندما يحتاج بعضهم إلى قضاء الحاجة فإنه يفعل ذلك في مؤخر الجامع، وبعض النساء يستحين أن يخرجن لقضاء حاجتهن فيدور عليهن إنسان بوعاء فيبلن فيه، ويعطينه على ذلك شيئاً، ويخرجه من المسجد، ثم يعود كذلك مراراً، والبول في المسجد في وعاء حرام، مع ما فيه من القبح والشناعة. وبعضهم يخرج إلى السكك القريبة من المسجد فيفعلون ذلك فيها، ثم يأتي الناس إلى صلاة الصبح، فيمشون إلى الجامع فتصيب أقدامهم النجاسة أو نعالهم، ويدخلون بها المسجد فيلوثونه، ودخول النجاسة في المسجد فيها ما فيها من عظيم الإثم، وقد ورد في النخامة في المسجد أنها خطيئة، هذا وهي طاهرة باتفاق، فكيف بالنجاسة المجمع عليها.
إلى غير ذلك من الأمور العظيمة التي ترتكب باسم الدين، ودعوى تعظيم بعض الأمور التي يزعمون أن تعظيمها دليل محبة للرسول ﷺ (١) .
وهذه الاحتفالات في ليلة سبع وعشرين من رجب، والتي يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج باطلة من أساسها، لأنه لم يثبت أنه أسري بالنبي ﷺ في هذه الليلة بالذات.
قال ابن قيم الجوزية: (وأما السؤال الثاني، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل فأيهما المصيب؟ .
فأجابه: الحمد لله، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، فإن أراد أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ ونظائرها من كل عام، أفضل لأمة محمد ﷺ من ليلة القدر، بحيث يكون قيامها، والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر فهذا باطل، لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاطراد من دين الإسلام، هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها، فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على
стр. 262
عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر) (١) . ا. هـ.
فقد اختلف العلماء في تحديد الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ .
قال ابن حجر العسقلاني: (وقد اختلف في وقت المعراج فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ، إلا إن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام) .
وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا:
فقيل: قبل الهجرة بسنة. قال ابن سعد وغيره. وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه-فيكون في شهر ربيع الأول-.
وهو مردود، فإن في ذلك اختلافاً كثيراً، يزيد على عشرة أقوال منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر- فيكون في رجب-، وقيل بستة أشهر- فيكون
стр. 263
في رمضان- وحكي هذا الثاني أبو الربيع بن سالم، وحكي ابن حزم مقتضى الذي قبله، لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة، وقيل: بأحد عشر شهراً، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحة ابن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر وقيل: قبل الهجرة بسنة
стр. 264
وشهرين، حكماه ابن عبد البر.
وقيل: بسنة وثلاثة أشهر حكاه ابن فارس.
وقيل: بسنة وخمسة أشهر قاله السدي، وأخرجه من طريقة الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة.
وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهراً.
стр. 265
وعند ابن سعد عن ابن أبي سبرة أنه كان في رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً.
وقيل كان في رجب حكاه ابن عبد البر، وجزم به النووي في الروضة. وقيل قبل الهجرة بثلاث سنين حكاه ابن الأثير.
وحكي عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجحه عياض ومن تبعه) (١) . ا. هـ.
فما تقدم من أقوال العلماء، وما ذكروه في ليلة الإسراء والمعراج من الخلاف، مصداق قول شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-أنه لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول منقطعة مختلفة، ليس فيها ما
стр. 266
يقطع به (١) .
قال ابن رجب: (وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك، فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصح شيء من ذلك) (٢) . ا. هـ.
وقال أبو شامة: (وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب) (٣) . ا. هـ.
حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج:
أجمع السلف الصلح على أن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية من البدع المحدثة التي نهى عنها ﷺ ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) بقوله ﷺ ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) . بقوله ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) .
فالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بدعة محدثة لم يفعلها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم من السلف الصالح، وهم أحرص الناس على الخير والعمل الصالح.
قال ابن قيم الجوزية: ((قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يعرف عن أحد من المسلمين أن جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها، لاسيما على ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت)) .
وإن كان الإسراء من أعظم فضائله ﷺ ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان،
стр. 267
ولا ذلك المكان، بعبادة شرعية، بل غار حراء الذي ابتديء فيه بنزول الوحي، وكان يتحراه قبل النبوة، لم يقصده هو ولا أحد من الصحابة بعد النبوة مدة مقامه بمكة، ولا خصَّ اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها، ولا خص المكان الذي ابتديء فيه بالوحي ولا الزمان بشيء.
ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله.
وقد رأى عمر بن الخطاب ﵁ جماعة يتبادرون مكاناً يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض (١) . ا. هـ (٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها، والله أعلم (٣) . ا. هـ.
وقال ابن الحاج: ((ومن البدع التي أحدثوها فيه أعني في شهر رجب ليلة السابع والعشرين منه التي هي ليلة المعراج..... (٤) . ا. هـ.
ثم ذكر كثيراً من البدع التي أحدثوها في تلك الليلة من الاجتماع في المساجد، والاختلاط بين النساء والرجال، وزيادة وقود القناديل فيه، والخلط بين قراءة القرآن وقراءة الأشعار بألحان مختلفة، وذكر الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ضمن المواسم
стр. 268
التي نسبوها إلى الشرع وليست منه (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ-﵀ ((في رده على دعوة وجهت لرابطة العالم الإسلام لحضور أحد الاحتفالات بذكري الإسراء والمعراج، بعد أن سئل عن ذلك: هذا ليس بمشروع، لدلالة الكتاب والسنة والاستصحاب والعقل:
أما الكتاب:
فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (٢) . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) . والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد موته. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) قال تعالى: ﴿لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)
وأما السنة:
فالأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) . وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) .
الثاني: روى الترمذي وصححه، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه
стр. 269
عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) .
الثالث: روى الإمام أحمد والبزار عن غضيف أن النبي ﷺ قال: ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة)) (١) إلا أنه قال: ((ما من أمة
стр. 270
ابتدعت بعد نبيها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة)) (١) .
الرابع: روى ابن ماجه وابن أبي عاصم عن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبي الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)) (٢) . ورواه الطبراني إلا أنه قال: ((إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)) (٣) .
وأما الاستصحاب:
فهو هنا استصحاب العدم الأصلي.
وتقرير ذلك أن العبادات توقيفية، فلا يقال: هذه العبادة مشروعة إلا بدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ولا يقال: إن هذا جائز من باب المصلحة المرسلة، أو الاستحسان، أو القياس، أو الاجتهاد، لأن باب العقائد والعبادات والمقدرات كالمواريث والحدود لا مجال لذلك فيها.
стр. 271
وأما المعقول:
فتقريره أن يقال: لو كان هذا مشروعاً لكان أولى الناس بفعله محمد ﷺ .
هذا إذا كان التعظيم من أجل الإسراء والمعراج، وإن كان من أجل الرسول الله ﷺ وإحياء ذكره كما يفعل في مولده ﷺ فأولى الناس به أبو بكر- ﵁ ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ ثم من بعدهم الصحابة على قدر منازلهم عند الله، ثم التابعون ومن بعدهم من أئمة الدين، ولم يعرف عن أحد منهم شيء من ذلك فيسعنا ما وسعهم) (١) ا. هـ.
ثم ساق ﵀ كلام ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين حول بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، جاء فيه: (أن الاحتفال بهذه الليلة بدعة عظيمة في الدين، ومحدثات أحدثها إخوان الشياطين) (٢) .
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم في فتوى أخرى: (أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج أمر باطل، وشيء مبتدع، وهو تشبه باليهود والنصارى في تعظيم أيام لم يعظمها الشرع، وصاحب المقام الأسمى رسول الهدى محمد ﷺ هو الذي شرع الشرائع، وهو الذي وضع ما يحل وما يحرم ثم إن خلفاءه الراشدين، وأئمة الهدى من الصحابة والتابعين لم يعرف عن أحد منهم أنه احتفل بهذه الذكرى، ثم قال: المقصود أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بدعة، فلا يجوز ولا يجوز المشاركة
стр. 272
فيه) (١) ا. هـ
وأفتى-﵀: (بأن من نذر أن يذبح ذبيحة في اليوم السابع والعشرين من رجب من كل سنة فنذره لا ينعقد لاشتماله على معصية، وهي أن شهر رجب معظم عند أهل الجاهلية، وليلة السابع والعشرين منه يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، فجعلوها عيداً يجتمعون فيه، ويعملون أموراً بدعية، وقد نهى الرسول الله ﷺ عن الوفاء بالنذر في المكان الذي يفعل فيه أهل الجاهلية أعيادهم، أو يذبح فيه لغير الله فقال ﷺ للذي نذر أن ينحر إبلاً ببوانة (٢) : ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال ﷺ : أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم (٣)) ) (٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز-﵀: (وهذه الليلة التي
стр. 273
حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو الفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة ﵃ إلينا فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال في كتابه المبين من سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (١) ,وقال في سورة الشورى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) .
وثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة تنيبها للأمة على عظيم خطرها، وتنفيراً لهم من اقترافها (٣) . ا. هـ.
ثم أورد - رحمه الله تعالى - بعض الأحاديث الواردة في ذم البدع مثل قوله ﷺ ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) . قوله ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا
стр. 274
فهو رد)) . قوله ﷺ : ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) وقوله ﷺ : ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (١) .
فما ذكر من كلام العلماء وما استدلوا به من الآيات والأحاديث فيه الكفاية، ومقنع لمن يطلب الحق في إنكار هذه البدعة، هي بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء، وإنما هي زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، وأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ولا يخفى ما في ذلك من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول ﷺ المحذرة من البدع، ومما يؤسف له أن هذه البدعة قد فشت في كثير من الأمصار في العالم الإسلامي، حتى ظنها بعض الناس من الدين، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق، والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبيناً محمد وآله وصحبه أجمعين (٢) .
стр. 275
الفصل الخامس
شهر شعبان
المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه .
المبحث الثاني: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان.
المبحث الثالث: بدعة الصلاة الألفية.
стр. 276
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رايته أكثر صياماً منه في شعبان)) متفق عليه (١) .
عن أبي سلمة أن عائشة ﵂-حدثته قالت: ((لم يكن النبي ﷺ يصوم شهراً أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله)) ، وكان يقول: ((خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دوام عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة دوام عليها)) متفق عليه (٢) .
عن عمران بن حصين- ﵄ عن النبي ﷺ أنه سأله - أو سأل رجلاً وعمران يسمع -فقال: ((يا فلان أما صمت من سرر (٣) هذا الشهر؟)) . قال: أظنه يعني رمضان، قال الرجال: لا يا رسول الله. قال: ((فإذا أفطرت فصم يومين)) متفق عليه (٤) .
عن أبي سلمة قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: ((كان يكون علي
стр. 277
الصوم من رمضان، فما استطيع أن أقضيه إلا في شعبان)) متفق عليه (١) .
عن عبد الله بن أبي قيس أنه سمع عائشة تقول: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان)) (٢) .
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) (٣) .
стр. 278
عن أبي هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ قال: ((لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم)) متفق عليه (١) .
عن أم سلمة ﵂ قالت: ((ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان)) (٢)
عن أسامة بن زيد- ﵄ قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال ﷺ : ((ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) (٣) .
عن أنس-﵁ قال: سئل النبي ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: ((شعبان لتعظيم رمضان، قال فأي الصدقة أفضل؟ قال: الصدقة في رمضان)) (٤) .
عن عائشة ﵂ قالت فقدت رسول الله ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال ﷺ : ((أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟)) قلت: يا رسول الله
стр. 279
ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: ((إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب (١)) ) (٢) .
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن)) (٣) .
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذ كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له! ألا مسترزق فأرزقه! ألا مبتلى فأعافيه! ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر)) (٤)
وقد ورد في فضل شهر شعبان والصلاة فيه أحاديث حكم عليها الحفاظ بأنها
стр. 280
موضوعة منها:
قوله ﷺ : ((رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي.......)) .
وكذلك قوله ﷺ : ((يا علي من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و ((قل هو الله أحد)) عشر مرات. قال النبي ﷺ : يا علي ما من عبد يصلي هذه الصلوات إلا قضى له كل حاجة طلبها تلك الليلة.......)) الحديث (١) . وكذلك قوله ﷺ : ((من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة ((قل هو الله أحد)) ثلاثين مرة، لم يخرج حتى يرى مقعده من الجنة....)) (٢) - والله أعلم.
стр. 281
المبحث الثاني
بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان
روي عن عكرمة ﵀ أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) : أن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد (٢) .
قال ابن كثير-﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣) : يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٤) ، وكان ذلك في شهر رمضان كما قال ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥) .
وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته (٦) .
стр. 282
ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة (١) ، فإن نص القرآن في رمضان (٢) ا. هـ.
فللعلماء في قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قولان:
أحدهما: أنها ليلة القدر وهو قول الجمهور.
الثاني: أنها ليلة النصف من شعبان، قاله عكرمة.
والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن هذه الليلة المبارك هي ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان، لأن الله أجملها في قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وبينها في سورة البقرة بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وبقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٣) .
فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان لاشك أنها دعوى باطلة، لمخالفتها النص القرآني الصريح، ولاشك أن كل ما خالف الحق فهو باطل، والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنها من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها كما جزم به العربي وغير واحد من المحققين، فالعجب كل العجب من مسلم
стр. 283
يخالف نص القرآن الصريح بلا مستند من كتاب ولا سنة صحيحة (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (في معرض كلامه عن الأوقات الفاضلة التي قد يحدث فيها ما يعتقد أنه له فضيلة وتوابع ذلك، ما يصير منكراً ينهى عنه: ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة.
ومن العلماء من السلف من أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث إن الله يغفر لأكثر من عدد غنم كلب)) ، وقال لا فرق بينها وبين غيرها.
لكن الذي عليه أكثر أهل العلم، أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن (٢)
وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر) (٣) ا. هـ
وقال الحافظ ابن رجب: (وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان
стр. 284
ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادات، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قبله ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عبّاد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة (١) ، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا ذلك كله بدعة.
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان،
стр. 285
ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتمون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد: ليس ذلك ببدعة. نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى (١) . ا. هـ.
فالحاصل أن جمهور العلماء اتفقوا على كراهة الاجتماع في المساجد ليلة النصف من شعبان للصلاة والدعاء، فإحياء ليلة النصف من شعبان في المساجد على سبيل المداومة كل سنة، أو كل فترة بدعة محدثة في الدين.
وأما صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه في بيته، أو في جماعة خاصة فللعلماء فيه قولان:
الأول: أن ذلك بدعة وهو قول أكثر علماء الحجاز ومنهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقل عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم (٢) .
الثاني: أنه لا يكره صلاة الإنسان لنفسه في بيته، أو في جماعة خاصة، - في ليلة النصف من شعبان -.