← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المبحث الثاني بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان روي عن عكرمة ﵀ أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) : أن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد (٢) . قال ابن كثير-﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣) : يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٤) ، وكان ذلك في شهر رمضان كما قال ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥) . وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته (٦) .

стр. 282

ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة (١) ، فإن نص القرآن في رمضان (٢) ا. هـ. فللعلماء في قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قولان: أحدهما: أنها ليلة القدر وهو قول الجمهور. الثاني: أنها ليلة النصف من شعبان، قاله عكرمة. والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن هذه الليلة المبارك هي ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان، لأن الله أجملها في قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وبينها في سورة البقرة بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وبقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٣) . فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان لاشك أنها دعوى باطلة، لمخالفتها النص القرآني الصريح، ولاشك أن كل ما خالف الحق فهو باطل، والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنها من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها كما جزم به العربي وغير واحد من المحققين، فالعجب كل العجب من مسلم

стр. 283

يخالف نص القرآن الصريح بلا مستند من كتاب ولا سنة صحيحة (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية (في معرض كلامه عن الأوقات الفاضلة التي قد يحدث فيها ما يعتقد أنه له فضيلة وتوابع ذلك، ما يصير منكراً ينهى عنه: ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء من السلف من أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث إن الله يغفر لأكثر من عدد غنم كلب)) ، وقال لا فرق بينها وبين غيرها. لكن الذي عليه أكثر أهل العلم، أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن (٢) وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر) (٣) ا. هـ وقال الحافظ ابن رجب: (وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان

стр. 284

ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادات، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قبله ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عبّاد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة (١) ، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا ذلك كله بدعة. واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين: أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان،

стр. 285

ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتمون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد: ليس ذلك ببدعة. نقله عنه حرب الكرماني في مسائله. والثاني: أنه قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى (١) . ا. هـ. فالحاصل أن جمهور العلماء اتفقوا على كراهة الاجتماع في المساجد ليلة النصف من شعبان للصلاة والدعاء، فإحياء ليلة النصف من شعبان في المساجد على سبيل المداومة كل سنة، أو كل فترة بدعة محدثة في الدين. وأما صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه في بيته، أو في جماعة خاصة فللعلماء فيه قولان: الأول: أن ذلك بدعة وهو قول أكثر علماء الحجاز ومنهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقل عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم (٢) . الثاني: أنه لا يكره صلاة الإنسان لنفسه في بيته، أو في جماعة خاصة، - في ليلة النصف من شعبان -.

стр. 286

وهو قول الأوزاعي، واختيار الحافظ ابن رجب، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. والذي يترجح عندي - والله أعلم - ما ذهب إليه أصحاب القول الأول - أن ذلك بدعة -. ويمكن الجواب عن قول أصحاب الثاني - القول بعدم الكراهة - بعدة وجوه منها: الوجه الأول: أنه ليس هناك دليل على فضل هذه الليلة، ولم يثبت- حسب اطلاعي المحدود- عن رسول الله ﷺ أنه أحياها، ولا عن أحد من أصحابه- رضوان الله عليهم -، ولا عن التابعين- رحمة الله عليهم- عدا من اشتهر عنهم تفضيلها وأحياؤها وهم الثلاثة الذين ذكرهم ابن رجب - ولو فعلوه لاستشهد بفعلهم من فضلها وأحياها، وإنما هو أمر محدث بعدهم، فهو أمر مبتدع، وليس له أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع. قال أبو شامة: (وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية - في كتاب ما جاء في شهر شعبان: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح) (١) . ا. هـ. وذكر ابن رجب (أن قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام) (٢) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وقد ورد في فضلها -ليلة النصف من شعبان- أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، وأما ما ورد في فضل الصلاة فيها فكله موضوع كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم) (٣) . ا. هـ.

стр. 287

الوجه الثاني: أن الحافظ ابن رجب وهو الذي نقل تفضيل بعض التابعين لهذه الليلة (١) وإحياءهم لها في المساجد ذكر أن مستندهم في ذلك ما بلغهم من آثار إسرائيلية، ومتى كانت الآثار الإسرائيلية مستنداً؟!. وذكر أيضاً أن الناس أخذوا عنهم فضلها وتعظيمها فمتى كان عمل التابعي حجة؟! . الوجه الثالث: أن العلماء المعاصرين للقائلين بفضل ليلة النصف من شعبان قد أنكروا عليهم ذلك، ولو كان للمفضلين دليل لاحتجوا به على المنكرين عليهم، ولكن لم ينقل عنهم ذلك، لاسيما وأن من المنكرين عليهم عطاء بن أبي رباح الذي كانت إليه الفتيا في زمانه (٢) . والذي قال فيه ابن عمر ﵄: تجمعون لي المسائل وفيكم ابن أبي رباح. الوجه الرابع: أن قوله ﷺ : ((إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن)) (٣) . ليس فيه دليل على تخصيص ليلة النصف من شعبان بفضل من دون الليالي الأخرى، لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)) (٤) . فاطلاعه على خلقه، وغفرانه لهم، ليس متوقف على ليلة معينة في السنة، أو ليالي معدودة. الوجه الخامس: أن من اختار القول بأنه لا يكره صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه، لم يدعم اختياره بالدليل، ولو كان هناك دليل لذكره، ومن أنكر ذلك استدل بعموم قوله ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) وعموم الأحاديث والآثار الدالة على

стр. 288

النهي عن البدع والتحذير منها. قال الشيخ ابن باز-﵀: (وأما ما اختاره الأوزاعي ﵀ من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف، لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعاً لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفرداً أو في جماعة، وسواء أسره أو أعلنه لعموم قوله ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) . وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها) (١) . ا. هـ. وقال أيضاً بعد أن ذكر جملة من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم حول ما ورد في ليلة النصف من شعبان: ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة ﵃، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) . وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) وما جاء في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تختصموا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن تكون في صوم يصومه أحدكم)) (٣) فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها، لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس (٤) بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ .

стр. 289

فلما حذّر النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من بين الليالي، دل ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص، ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها، نبه ﷺ على ذلك وحث الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه)) (١) فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي ﷺ الأمة ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ -وأرضاهم، وقد عرفت آنفاً من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في فضل ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة.... ا. هـ (٢) . - والله أعلم - وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبيناً محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 290

المبحث الثالث الصلاة الألفية المبتدعة في شعبان أول من أحدثها: أول من أحدث الصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان رجل يعرف بابن أبي الحمراء من أهل نابلس (١) ، قدم على بيت المقدس سنة ٤٤٨هـ وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة. ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة (٢) . صفتها: هذه الصلاة المبتدعة تسمى بالألفية لقراءة سورة الإخلاص فيها ألف مرة، لأنها مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص عشر مرات. وقد رويت صفة هذه الصلاة، والأجر المترتب على أدائها، من طرق عدة ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات ثم قال: (هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيهم ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعاً) (٣) . ا. هـ. وقال الغزالي في الإحياء: (وأما صلاة شعبان: فليلة الخامس عشر منه يصلى مائة ركعة، كل ركعتين بتسليمه، ويقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة ((قل هو الله أحد)) ) (٤) . ا. هـ.

стр. 291

حكمها: اتفق جمهور العلماء على أن الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان بدعة. فألفية النصف من شعبان لم يسنها رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين الأعلام كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي والليث وغيرهم - رحمة الله عليهم جميعاً - وكذلك فإن الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث (١) . وأعلم أخي المسلم أن مثل هذه الاحتفالات كالاحتفال بليلة النصف من شعبان، وليلة الإسراء والمعراج المزعومة، وليلة الرغائب، يكون فيها من الأمور المبتدعة والمحرمة الشيء الكثير، والتي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وقد فصل العلامة ابن الحاج هذه البدع والمحرمات في هذه الاحتفالات فنلخص من كلامه ما يأتي: تكلف النفقات الباهظة، وهو إسراف يعملونه باسم الدين وهو بريء منه. الحلاوات المحتوية على الصور المحرمة شرعاً. زيادة وقود القناديل وغيرها، وفي زيادة وقودها إضاعة المال، لاسيما إذا كان الزيت من الوقف فيكون ذلك جرحاً في حق الناظر، لاسيما إذا كان الواقف لا يذكره، وإن ذكره لم يعتبر شرعاً، وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال كما تقدم سبب لاجتماع من لا خير فيه، ومن حضر من أرباب المناصب الدينية عالماً بذلك فهو جرحة في حقه إلا أن يتوب، وأما إن حضر ليغير وهو قادر بشرط فيا حبذا. حضور النساء وما فيه من المفاسد.

стр. 292

إتيانهم الجامع واجتماعهم فيه، وذلك عبادة غير مشروعة. ما يفرشونه من البسط والسجادات وغيرها. أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما، كأن بيت الله تعالى بيتهم، والجامع إنما جعل للعبادة، لا للفراش والرقاد والأكل والشرب. ومن هذه البدع والمحرمات السقاؤون، وفي ذلك من المفاسد جملة منها: البيع والشراء لأنهم يأخذون الدراهم، وضرب الطاسات بما يشبه صوت النواقيس، ورفع الصوت في المسجد وتلويثه، وتخطي رقاب الناس، وكلها منكرات. اجتماعهم حلقات، كل حلقة لها كبير، يقتدون به في الذكر والقراءة وليت ذلك لو كان ذكراً أو قراءة، لكنهم يلعبون في دين الله تعالى فالذاكر منهم في الغالب لا يقول: (لا إله إلا الله) بل يقول: (لا يلاه يلله) فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع جعلوها وصلاً وإذا قالوا: (سبحان الله) يمططونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم، والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه، وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات والترجيعات التي تشبه الغناء والأصوات التي اصطلحوا عليها، على ما قد علم من أحوالهم الذميمة، وهذا منكر يحف به عدة منكرات. ومن الأمور العظيمة فيها أن القارئ يبتدئ بقراءة القرآن والآخر ينشد الشعر، أو يريد أن ينشده، فيسكتون القارئ أو يهمون بذلك، أو يتركون هذا في شعره وهذا في قراءته، لأجل تشوف بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر، فهذه الأحوال من اللعب في الدين أن لو كانت خارج المسجد منعت، فكيف بها في المسجد؟ . حضور الوالدان الصغار وما يتبع من لغطهم وتنجيسهم المسجد. خروج النساء في هذه الليلة-ليلة النصف من شعبان- إلى القبور-مع أن زيارة النساء للقبور محرمة شرعاً- ومع بعضهن الدف يضربن به، وبعضهن يغنين بحضرة الرجال ورؤيتهم لهن متجاهرين بذلك، لقلة حيائهن، وقلة من ينكر عليهن. اختلاط النساء بالرجال عند القبور، وقد رفع النساء جلبان الحياء والوقار عنهن، فهن كاشفات الوجوه والأطراف. أنهم أعظموا تلك المعاصي بفعلها عند القبور التي هي موضع الخشية والفزع والاعتبار، والحث على العمل الصالح، لهذا المصرع العظيم المهول أمره، فردوا ذلك للنقيض، وجعلوه موضع فرح ومعاصي كحال المستهزئين.

стр. 293

إهانة الأموات من المسلمين وأذيتهم بفعل المنكرات بجانب قبورهم. أن بعضهم يقيمون خشبة عند رأس الميتة أو الميت، ويكسون ذلك العمود من الثياب ما يليق به عندهم. فإن كان الميت عالماً أو صالحاً صاروا يشكون له ما نزل بهم ويتوسلون به، وإن كان من الأهل أو الأقارب صاروا يتحدثون معه ويذكرون له ما حدث لهم بعده، وإن كان عروساً أو عروسة كسوا كل واحد منهما ما كان يلبسه في حال فرحة، ويجلسون يتباكون ويبكون ويتأسفون. وكسوتهم لهذه الخشبة تشبه في الظاهر بالنصارى في كسوتهم لأصنامهم، والصور التي يعظمونها في مواسمهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم. أنهم اتصفوا بسبب ما ذكره بصفة النفاق، لأن الفارق صفته قصد المعصية وإظهارها في الصورة أنها طاعة. اللغو في المسجد وكثرة الكلام بالباطل وهو منكر شديد. جعل المسجد كأنه دار شرطة لمجيء الوالي والمقدمين والأعوان، وفرش البسط، ونصب الكرسي للوالي ليجلس عليه في مكان معلوم، وتوقد بين يديه المشاعل الكثيرة في صحن الجامع، ويقع منها بعض الرماد، وربما وقع الضرب بالعصا والبطح لمن يشتكي في الجامع، أو تأتيه - الوالي - الخصوم من خارج الجامع وهو فيه، هذا كله في ليلة النصف من شعبان، وإذا وقعت هذه الأشياء في الجامع فلابد من رفع الأصوات من الخصوم والجند وغيرهم، بل اللغط واقع لكثرة الخلق فيه، فكيف به إذا انضم إلى الشكاوي وأحكام الوالي؟! . اعتقادهم أن فعل هذه المنكرات والبدع المحرمات إقامة حرمة لتلك الليلة، ولبيت الله ، وأنهم أتوه ليعظموه، وبعضهم يرى أن ذلك من القرب وهذا أشد (١) . وسبق وذكرت أن هذه البدع والمنكرات تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالاحتفالات في الوقت الحاضر تكاد لا تخلو من كثير من هذه المنكرات وإن اختلف الشكل والهيئة. ويضاف إلى هذه البدع أيضا: الدعاء المعروف الذي يطلب فيه من الله تعالى أن يمحو من أم الكتاب شقاوة من كتبه شقياً...... الخ. ونصه ما يلي: اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، لا إله إلا أنت، ظهر

стр. 294

اللاجئين، وجار المستجيرين، وأمان الخائفين، اللهم أن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً، أو مطروداً أو مقتراً عليَّ في الرزق، فامح اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني، وطردي وإقتار رزقي، وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيداً مرزوقاً موفقاً للخيرات، فإنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل، على لسان نبيك المرسل: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) . إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المكرم، التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم أسألك أن تكشف عنا البلاء ما نعلم وما لا نعلم، وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم)) (٢) . وهذا الدعاء ليس له أصل صحيح في السنة، كما هو الحال في صلاة النصف من شعبان، فلم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، ولا عن السلف-رضوان الله عليهم أجمعين- أنهم اجتمعوا في المساجد من أجل هذا الدعاء في تلك الليلة، ولا تصح نسبة هذا الدعاء إلى بعض الصحابة. (٣) وربما شرطوا لقبول هذا الدعاء قراءة سورة (يس) ، وصلاة ركعتين قبله، يفعلون القراءة والصلاة والدعاء ثلاث مرات، يصلون المرة الأولى بنية طول العمر، والثانية بنية دفع البلايا، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس، واعتقدوا أن هذا العمل من الشعائر الدينية، ومن مزايا ليلة النصف من شعبان وما تختص به، حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات والسنن فتراهم يسارعون إلى المساجد قبيل الغروب من هذه الليلة، وفيهم تاركوا الصلاة، معتقدين أنه يجبر كل تقصير سابق عليه، وأنه يطيل العمر ويتشاءمون من فوته (٤) . فالاجتماع لقراءة هذا الدعاء بالطريقة المتبعة والمعروف عندهم، وجعل ذلك شعيره من شعائر الدين، من البدع التي تحدث في ليلة النصف من شعبان. صحيح أن الدعاء والتضرع إلى الله تعالى مطلوب في كل وقت ومكان، لكن لا على هذا الوجه المخترع، فلا يتقرب إلى الله بالبدع، وإنما يتقرب إليه تعالى بما شرع.

стр. 295

ومن البدع المنكرة في الاحتفالات بليلة النصف من شعبان كثيرة الوقيد فالمحدث لهذه البدعة راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودة وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة (١) ، فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان، حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التي أوقدوها (٢) . فزيادة الوقود فيه تشبه بعبدة النار في الظاهر - وإن لم يعتقدوا ذلك - لأنَّ عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها، ولا شك أن التشبه بأهل الأديان الباطلة منهي عنه (٣) . والله أعلم.

стр. 296

الفصل السادس شهر رمضان المبحث الأول: فضل هذا الشهر وما ورد فيه. المبحث الثاني: بعض البدع التي تقام في هذا الشهر. أولاً: قراءة سورة الأنعام. ثانياً: بدعة صلاة التراويح بعد المغرب. ثالثاً: بدعة صلاة القدر. رابعاً: بدعة القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة. خامساً: بدعة سرد آيات الدعاء. سادساً: بدعة الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح. سابعاً: بعض بدع ليلة ختم القرآن. ثامناً: بدعة التسحير. تاسعاً: البدع المتعلقة برؤية هلال رمضان. عاشراً: بدعة حفيظة رمضان. أحد عشر: بدعة قرع النحاس آخر الشهر. إثنا عشر: بدعة وداع رمضان. ثلاثة عشر: بدعة الاحتفال بذكرى غزوة بدر.

стр. 297

المبحث الأول فضل هذا الشهر وما ورد فيه يعتبر شهر رمضان من أعظم مواسم المسلمين، فهو شهر الصوم الذي هو الركن الرابع من أركان الإسلام، قد فضله الله بأن أنزل فيه كتابه الكريم، وجعل فيه ليلة خيراً من ألف شهر. وقد ورد في فضله وفضل العبادات فيه آثار كثيرة نذكر منها على النحو التالي: أولاً: وجوب صوم شهر رمضان: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)) (١) متفق عليه. عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ بارزاً يوماً للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان. في خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) الآية ثم أدبر فقال: ردوه فلم يروا شيئاً، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)) . متفق عليه (٣) .

стр. 298

عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن أعربياً جاء إليَّ رسول الله ﷺ ثائر الرأس: ((فقال: يا رسول، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئاً. فقال: أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً. فقال: أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام. فقال: والذي أكرمك بالحق، لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علىَّ شيئاً. فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق، أو دخل الجنة أن صدق)) (١) متفق عليه. حديث ابن عباس ﵄: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: ((من القوم -أو من الوفد؟ - قالوا: ربيعة قال: مرحباً بالقوم -أو الوفد- غير خزايا ولا ندامى. فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس......))

стр. 299

الحديث متفق عليه (١) . عن أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك! فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: ((صدق)) . قال فمن خلق السماء.... إلى أن قال - وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: ((صدق)) . قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) ...... قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي ﷺ : ((لئن صدق ليدخلن الجنة)) (٢) . عن عائشة-﵂ قريش (٣) كانت تصومه يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه، حتى فرض رمضان وقال رسول الله ﷺ : ((من شاء فليصمه، ومن شاء أفطره)) . متفق عليه (٤) . عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥) . كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها. متفق عليه (٦) . وفي رواية لمسلم أنه قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء

стр. 300

صام، ومن شاء فطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) . (٢) . ثانياً: فضل شهر رمضان: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة)) . وفي رواية قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)) (٣) . عن ابن عباس ﵄ قال: ((ما صام النبي ﷺ شهراً كاملاً قط غير رمضان، ويصوم حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم)) متفق عليه (٤) . عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رايته أكثر صياماً منه في شعبان)) متفق عليه (٥) . عن عبد الله بن شقيق قال: ((قلت لعائشة ﵂: هل كان النبي ﷺ

стр. 301

يصوم شهراً معلوماً سوى رمضان؟ قالت: ((والله إن صام شهراً معلوماً سوى رمضان، حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصيب منه)) (١) . وفي رواة قالت: ((وما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان)) (٢) . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن، إذا اجتنب الكبائر)) (٣) . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، والله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)) (٤) . عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((شهران لا ينقصان، شهر عيد: رمضان وذو الحجة)) متفق عليه (٥) . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاكم رمضان. شهر مبارك، فرض

стр. 302

الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم)) (١) . عن أبي هريرة ﵁ -عن النبي ﷺ قال: ((لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم)) متفق عليه (٢) . ثالثاً: فضل العبادات فيه: عن أبي هريرة- ﵁-عن النبي ﷺ قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه (٣) . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه (٤) . عن أبي هريرة ﵁ أن أعربياً أتي النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)) متفق عليه (٥) . عن أبي قتادة ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى عمر ﵁ غضبه، رضينا بالله رباً، وبالإسلام

стр. 303

ديناً، وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر ﵁-يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه....ثم قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله...... الحديث)) (١) . عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)) (٢) . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل)) (٣) . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ علىَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك أبواه فلم يدخلاه الجنة)) (٤) .

стр. 304

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها....الحديث)) (١) . عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل-﵇ يلقاه كل ليل في رمضان حتى ينسخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة)) متفق عليه (٢) . عن ابن عباس ﵄: ((لما رجع النبي ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية: ((ما منعك من الحج؟ قالت: أبو فلان تعني زوجها - كان له ناضحان (٣) حج على أحدهما والآخر يسقي أرضاً لنا. قال: فإن عمرة في رمضان تقضي (٤) حجة معي)) متفق عليه (٥) . عن معاذ بن جبل ﵁ قال: ((كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: ((لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك

стр. 305

به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت....الحديث)) (١) رابعاً: صلاة التراويح: عن عائشة أم المؤمنين-﵂ ((أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: ((قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان)) . متفق عليه (٢) . وفي رواية ((ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)) (٣) . عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂: كيف كان صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ((ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على أحد عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثاً. فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: ((يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي)) . متفق عليه (٤) .

стр. 306

عن عبد الرحمن بن عبد القادرّي أنه قال: ((خرجت مع عمر بن الخطاب-﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله)) (١) .

стр. 307

خامساً: العشر الأواخر: عن عائشة ﵂ قالت ((كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)) متفق عليه (١) . عن عائشة-﵂-قالت ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر، مالا يجتهد في غيره)) (٢) سادساً: الاعتكاف: عن أبي سلمة قال: انطلقت إلى أبي سعيد الخدري فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل نتحدث؟ فخرج. فقال: قلت: حدثني ما سمعت من النبي ﷺ في ليلة القدر؟ قال: ((اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. قام النبي ﷺ خطيباً صبيحة عشرين من رمضان فقال: ((من كان اعتكف مع النبي ﷺ فليرجع فإني أريت ليلة القدر، وإني نُسّتُها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء. وكان سقف المسجد جريد النخل، وما نرى في السماء شيئاً، فجاءت قزعة فأمرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ وأرنبته تصديق رؤياه)) متفق عليه (٣) . عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : ((أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر

стр. 308

الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده)) متفق عليه. (١) عن عبد الله بن عمر ﵁ قال ((أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان)) متفق عليه. (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال ((كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً)) . (٣) عن أبي كعب ﵁ ((أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوماً)) . (٤) سابعاً: ليلة القدر: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)) متفق عليه. (٥)

стр. 309

وفي رواية للبخاري ((كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)) . (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ((أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فُنسيتها. فالتمسوها في العشر الغوابر)) (٢) . عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقي)) (٣) . عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((هي في العشر الأواخر، في تسع يمضين، أو في سبع يبقين)) (٤) . عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ((خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى (٥) رجلان من المسلمين فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان

стр. 310

فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)) (١) . عن ابن عمر ﵄ قال ((أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)) متفق عليه. (٢) عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ قال: ((رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني صبيحتها أسجد في ماء طين)) ، فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه (٣) . عن عيينة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي

стр. 311

بكرة فقال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر، فإني سمعته يقول: ((التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث أو آخر ليلة)) . قال: وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة فإذا دخل العشر اجتهد (١) . عن زر بن حبيش قال: سألت أبي بن كعب ﵁ فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: ((من يقم الحول يصب ليلة القدر)) . فقال: ﵀ أراد أن لا يتكل الناس. أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟. قال: ((بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)) (٢) . عن أبي ذر ﵁ قال: ((صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئاً

стр. 312

من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، لو نفّلتنا قيام هذه الليلة، قال: فقال: ((إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة)) . قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت وما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر)) (١) . ثامناً: الإفطار فيه للمسافر: عن ابن عباس- ﵄ ((أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد (٢) أفطر، فأفطر الناس)) متفق عليه. (٣) عن أبي الدرداء ﵁ قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار،

стр. 313

حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة)) متفق عليه (١) . عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)) متفق عليه. (٢) وعلى كثرة ما ورد في فضل شهر رمضان من الأحاديث الصحيحة، إلا أن هناك بعض الأحاديث الموضوعة في فضل شهر رمضان، والتي تظهر فيها المبالغة جليه واضحة، وهذه الأحاديث الموضوعة كثيرة منها: حديث: ((لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا شهر رمضان)) (٣) . حديث: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نادي الجليل رضوان خازن الجنة فيقول: لبيك وسعديك....-وفيه أمره بفتح الجنة وأمر مالك بتغليق النار-)) (٤) . حديث:

стр. 314

((لو علم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها)) (١) . حديث: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه الصيام، وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه ... )) (٢) . حديث: ((إن لله تبارك وتعالي ليس بتارك أحداً من المسلمين صبيحة أول يوم من شهر رمضان إلا غفر له)) (٣) . حديث: ((إن الله ﵎ في كل ليلة من رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار)) (٤) . حديث: ((لو أذن الله لأهل السموات والأرض أن يتكلموا لبشروا صوام شهر رمضان بالجنة)) (٥) حديث: ((إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام، وإذا سلم رمضان سلمت السنة)) (٦) . وحديث: ((من أفطر يوماً من رمضان فليهد بدنه، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعاً من تمر للمساكين)) (٧) . حديث: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا عذر له، كان عليه أن يصوم ثلاثين يوماً ومن أفطر يومين كان عليه ستون ومن أفطر ثلاثاً كان عليه تسعون يوماً)) (٨) . حديث: ((رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي......)) الحديث (٩) وحديث: ((من صلى في آخر جمعة من رمضان الخمس الصلوات المفروضة في اليوم والليلة، قضت عنه ما أخل به من صلاة سنته)) (١٠) . إلى غير ذلك من الأحاديث الباطلة - والله أعلم -.

стр. 315

المبحث الثاني بعض البدع التي تقام في هذا الشهر شهر رمضان شهر مبارك، وفضائله كثيرة، وقد شرع فيه من الأعمال والقرب الشيء الكثير، ولكن المبتدعة المعارضين لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) أحدثوا بدعاً في هذا الشهر الفضيل، وأرادوا بها إشغال الناس عن القرب المشروعة، ولم يسعهم ما وسع رسول الله ﷺ وصحابته -رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم بإحسان من السلف الصالح- رحمة الله عليهم-، الذين كانوا أحرص الناس على الخير -فلا وسع الله عليهم في الدنيا ولا في الآخرة- فزادوا في الدين ما ليس منه، وشرعوا ما لم يأذن به الله، ومن هذه البدع: أولاً: قراءة سورة الأنعام: مما ابتدع في قيام رمضان في الجماعة، قراءة سورة الأنعام جميعها في ركعة واحدة، يخصونها بذلك في آخر ركعة من التراويح ليلة السابع أو قبلها. فعل ذلك ابتداعاً بعض أئمة المساجد الجهال مستشهداً بحديث لا أصل له عند أهل الحديث، ولا دليل فيه أيضاً، إنما يروى موقوفاً على علي وابن عباس، وذكره بعض المفسرين مرفوعاً إلى النبي ﷺ في فضل سورة الأنعام بإسناد مظلم عن أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((نزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد)) (٢) . فاغتر بذلك من سمعه من عوام المصلين. وعلى فرض صحة الحديث فليس فيه دلالة على استحباب قراءتها في ركعة

стр. 316

واحدة، بل هي من جملة سور القرآن، فيستحب فيها ما يستحب في سائر السور، والأفضل لمن استفتح سورة في الصلاة وغيرها أن لا يقطعها بل يتمها إلى آخرها، وهذه كانت عادة السلف (١) . وورد غي الحديث أن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب (٢) ، وإن كان فرقها في الركعتين. وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جابر ﵁ أنه قال: ((أقبل رجل بناضحين -وقد جنح الليل- فوافق معاذاً يصلي، فترك ناضحه وأقبل على معاذ، فقرأ بسورة البقرة -أو النساء- فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه، فأتى النبي ﷺ فشكا إليه معاذ فقال النبي ﷺ : ((يا معاذ، أفتّان أنت- أو أفاتن أنت- أو أفاتن- ثلاث مرات، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)) (٣) . فكون قراءة سورة الأنعام كلها في ركعة واحدة في صلاة التراويح بدعة، ليس من جهة قرائتها كلها، بل من وجوه أخرى: الأول: تخصيص ذلك بسورة الأنعام دون غيرها من السور، فيوهم ذلك أن هذا هو السنة فيها دون غيرها، والأمر بخلاف ذلك. الثاني: تخصيص ذلك بصلاة التراويح دون غيرها من الصلاة، وبالركعة الأخيرة منها دون ما قبلها من الركعات. الثالث: ما فيه من التطويل على المأمومين، ولاسيما من يجهل أن ذلك من عادتهم، فينشب في تلك الركعة، فيقلق ويضجر ويتسخط بالعبادة. الرابع: ما فيه من مخالفة السنة من تقليل القراءة في الركعة الثانية عن الأولى، فقد ثبت في الصحيحين ((أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة

стр. 317

الكتاب وسورتين يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحياناً..... وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية)) (١) . وقد عكس صاحب هذه البدعة الأمر، فإنه يقرأ في الركعة الأولى نحو آيتين من آخر سورة المائدة، ويقرأ في الثانية سورة الأنعام كلها، بل يقرأ في تسع عشرة ركعة نحو نصف حزب المائدة، ويقرأ في الركعة الموفية عشرين بنحو حزب ونصف حزب، وفي هذا ما فيه من البدعة ومخالفة الشريعة (٢) . وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمة الله- عما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا؟ . فأجاب - رحمة الله - (نعم بدعة، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك، وإنما عمدة من يفعله ما نقل عن مجاهد وغيره من أن سورة الأنعام نزلت جملة مشيعة بسبعين ألف ملك فاقرأوها جملة لأنها نزلت جملة، وهذا استدلال ضعيف، وفي قرائتها جملة من الوجوه المكروهة أمور منها: أن فاعل ذلك يطول الركعة الثانية من الصلاة على الأولى تطويلاً فاحشاً والسنة تطويل الأولى على الثانية كما صح عن النبي ﷺ ومنها: تطويل آخر قيام الليل على أوله. وهو بخلاف السنة، فإنه كان يطول أوائل ما كان يصليه من الركعات على أواخرها، والله أعلم) (٣) . ا. هـ. ثانياً: بدعة صلاة التراويح بعد المغرب: وهذه البدعة من فعل الرافضة، لأنهم يكرهون صلاة التراويح، ويزعمون أنها بدعة (٤) أحدثها عمر بن-﵁، ومعروف موقفهم من عمر بن الخطاب -

стр. 318

رضي الله عنه- فيدخل في ذلك ما يزعمون أنه أحدثه. فإذا صلوها قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح (١) . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن من يصلي التراويح بعد المغرب: هل هو سنة أم بدعة؟ وذكروا أن الإمام الشافعي ﵀ صلاها بعد المغرب، وتممها بعد العشاء الآخرة؟ . فأجاب -رحمة الله- (الحمد لله رب العالمين. السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخر، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة. والنقل المذكور عن الشافعي-رحمة الله- باطل، فما كان الأئمة يصلونها إلا بعد العشاء على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه الراشدين، وعلى ذلك أئمة المسلمين، لا يعرف عن أحد أنه تعمد صلاتها قبل العشاء، فإن هذه تسمى قيام رمضان، كما قال النبي ﷺ : ((إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢) . وقيام الليل في رمضان وغيره إنما يكون بعد العشاء، وقد جاء مصرحاً به في السنن ((أنه لما صلى بهم قيام رمضان صلى بعد العشاء)) (٣) . وكان النبي ﷺ قيامه بالليل هو وتره، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يصليها طوالاً، فلما كان ذلك

стр. 319

يشق على الناس قام بهم أُبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضاً عن طول القيام، وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة فيكون قيامها أخف، ويوتر بعدها بثلاث، وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها، وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخر..... فمن صلاه قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة، والله أعلم) ا. هـ (١) . ثالثاً: بدعة صلاة القدر: وصفتها: أنهم يصلون بعد التراويح ركعتين في الجماعة، ثم في آخر الليل يصلون تمام مائة ركعة، وتكون هذه الصلاة في الليلة التي يظنون ظناً جازماً ليلة القدر، ولذلك سميت بهذا الاسم. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن حكمها، وهل المصيب من فعلها أو تركها؟ وهل هي مستحبة عن أحد من الأئمة أو مكروهة، وهل ينبغي فعلها والأمر بها أو تركها والنهي عنها؟ . فأجاب ﵀ (الحمد لله، بل المصيب هذا الممتنع من فعلها والذي تركها، فإن هذه الصلاة لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، بل هي بدعة مكروهة باتفاق الأئمة، ولا فعل هذه الصلاة لا رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا يستحبها أحد من أئمة المسلمين، والذي ينبغي أن تترك وينهى عنه) ا. هـ (٢) . رابعاً: بدعة القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة: قال أبو شامة: (وابتدع بعضهم أيضاً جمع آيات السجدات، يقرأ بها في ليلة ختم القرآن وصلاة التراويح، ويسبح بالمأمومين في جميعها) (٣) . وقال ابن الحاج: (وينبغي له -الإمام- أن يتجنب ما أحدثه بعضهم من البدع

стр. 320

عند الختم، وهو أنهم يقومون بسجدات القرآن كلها فيسجدونها متوالية في ركعة واحدة أو ركعات. فلا يفعل ذلك في نفسه وينهى عنه غيره، إذاً أنه من البدع التي أحدثت بعد السلف. وبعضهم يبدل مكان السجدات قراءة التهليل على التوالي، فكل آية فيها ذكر (لا إله إلا الله) أو (لا إله إلا هو) قرأها إلى آخر الختمة، وذلك من البدع أيضاً) (١) . ا. هـ. وقال ابن النحاس: (ومنها -البدع والمنكرات- القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة أو ركعات، أو الآيات المشتملة على التهليل من أول القرآن إلى آخره، وهذا كله بدعة أحدثت، فينبغي أن تُغير وتُرد، لقوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٢) ا. هـ. (٣) خامساً: بدعة سرد آيات الدعاء: ومن البدع التي أحدثت في رمضان بدعة سرد جميع ما في القرآن من آيات الدعاء، وذلك في آخر ركعة من التراويح، بعد قراءة سورة الناس فيطول الركعة الثانية على الأولى، مثل تطويل بقراءة سورة الأنعام. وكذلك الذين يجمعون آيات يخصونها بالقراءة ويسمونها آيات الحرس ولا أصل لشيء من ذلك، فليعلم الجميع أن ذلك بدعة، وليس شيء منها من الشريعة، بل هو مما يوهم أنه من الشرع وليس منه (٤) . سادساً: بدعة الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح: ومما أحدث في هذا الشهر الفضيل: الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح، ورفع المصلين أصواتهم بذلك، وفعل ذلك بصوت واحد، فذلك كله من البدع. وكذلك قول المؤذن بعد ذكرهم المحدث هذا: الصلاة يرحمكم الله. فهذا أمر محدث أيضاً، لم يرو أن النبي ﷺ فعله ولا أقره. وكذلك الصحابة والتابعون والسلف الصالح، فالإحداث في الدين ممنوع، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- ولم يفعلوا شيئاً من هذا، فليسعنا ما وسعهم،
следующие страницы →