← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

واحدة، بل هي من جملة سور القرآن، فيستحب فيها ما يستحب في سائر السور، والأفضل لمن استفتح سورة في الصلاة وغيرها أن لا يقطعها بل يتمها إلى آخرها، وهذه كانت عادة السلف (١) . وورد غي الحديث أن النبي ﷺ قرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب (٢) ، وإن كان فرقها في الركعتين. وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جابر ﵁ أنه قال: ((أقبل رجل بناضحين -وقد جنح الليل- فوافق معاذاً يصلي، فترك ناضحه وأقبل على معاذ، فقرأ بسورة البقرة -أو النساء- فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذاً نال منه، فأتى النبي ﷺ فشكا إليه معاذ فقال النبي ﷺ : ((يا معاذ، أفتّان أنت- أو أفاتن أنت- أو أفاتن- ثلاث مرات، فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)) (٣) . فكون قراءة سورة الأنعام كلها في ركعة واحدة في صلاة التراويح بدعة، ليس من جهة قرائتها كلها، بل من وجوه أخرى: الأول: تخصيص ذلك بسورة الأنعام دون غيرها من السور، فيوهم ذلك أن هذا هو السنة فيها دون غيرها، والأمر بخلاف ذلك. الثاني: تخصيص ذلك بصلاة التراويح دون غيرها من الصلاة، وبالركعة الأخيرة منها دون ما قبلها من الركعات. الثالث: ما فيه من التطويل على المأمومين، ولاسيما من يجهل أن ذلك من عادتهم، فينشب في تلك الركعة، فيقلق ويضجر ويتسخط بالعبادة. الرابع: ما فيه من مخالفة السنة من تقليل القراءة في الركعة الثانية عن الأولى، فقد ثبت في الصحيحين ((أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة

стр. 317

الكتاب وسورتين يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحياناً..... وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية)) (١) . وقد عكس صاحب هذه البدعة الأمر، فإنه يقرأ في الركعة الأولى نحو آيتين من آخر سورة المائدة، ويقرأ في الثانية سورة الأنعام كلها، بل يقرأ في تسع عشرة ركعة نحو نصف حزب المائدة، ويقرأ في الركعة الموفية عشرين بنحو حزب ونصف حزب، وفي هذا ما فيه من البدعة ومخالفة الشريعة (٢) . وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمة الله- عما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام في رمضان في ركعة واحدة ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا؟ . فأجاب - رحمة الله - (نعم بدعة، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك، وإنما عمدة من يفعله ما نقل عن مجاهد وغيره من أن سورة الأنعام نزلت جملة مشيعة بسبعين ألف ملك فاقرأوها جملة لأنها نزلت جملة، وهذا استدلال ضعيف، وفي قرائتها جملة من الوجوه المكروهة أمور منها: أن فاعل ذلك يطول الركعة الثانية من الصلاة على الأولى تطويلاً فاحشاً والسنة تطويل الأولى على الثانية كما صح عن النبي ﷺ ومنها: تطويل آخر قيام الليل على أوله. وهو بخلاف السنة، فإنه كان يطول أوائل ما كان يصليه من الركعات على أواخرها، والله أعلم) (٣) . ا. هـ. ثانياً: بدعة صلاة التراويح بعد المغرب: وهذه البدعة من فعل الرافضة، لأنهم يكرهون صلاة التراويح، ويزعمون أنها بدعة (٤) أحدثها عمر بن-﵁، ومعروف موقفهم من عمر بن الخطاب -

стр. 318

رضي الله عنه- فيدخل في ذلك ما يزعمون أنه أحدثه. فإذا صلوها قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح (١) . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن من يصلي التراويح بعد المغرب: هل هو سنة أم بدعة؟ وذكروا أن الإمام الشافعي ﵀ صلاها بعد المغرب، وتممها بعد العشاء الآخرة؟ . فأجاب -رحمة الله- (الحمد لله رب العالمين. السنة في التراويح أن تصلى بعد العشاء الآخر، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة. والنقل المذكور عن الشافعي-رحمة الله- باطل، فما كان الأئمة يصلونها إلا بعد العشاء على عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه الراشدين، وعلى ذلك أئمة المسلمين، لا يعرف عن أحد أنه تعمد صلاتها قبل العشاء، فإن هذه تسمى قيام رمضان، كما قال النبي ﷺ : ((إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢) . وقيام الليل في رمضان وغيره إنما يكون بعد العشاء، وقد جاء مصرحاً به في السنن ((أنه لما صلى بهم قيام رمضان صلى بعد العشاء)) (٣) . وكان النبي ﷺ قيامه بالليل هو وتره، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يصليها طوالاً، فلما كان ذلك

стр. 319

يشق على الناس قام بهم أُبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضاً عن طول القيام، وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة فيكون قيامها أخف، ويوتر بعدها بثلاث، وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعة يوتر بعدها، وقيامهم المعروف عنهم بعد العشاء الآخر..... فمن صلاه قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة، والله أعلم) ا. هـ (١) . ثالثاً: بدعة صلاة القدر: وصفتها: أنهم يصلون بعد التراويح ركعتين في الجماعة، ثم في آخر الليل يصلون تمام مائة ركعة، وتكون هذه الصلاة في الليلة التي يظنون ظناً جازماً ليلة القدر، ولذلك سميت بهذا الاسم. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن حكمها، وهل المصيب من فعلها أو تركها؟ وهل هي مستحبة عن أحد من الأئمة أو مكروهة، وهل ينبغي فعلها والأمر بها أو تركها والنهي عنها؟ . فأجاب ﵀ (الحمد لله، بل المصيب هذا الممتنع من فعلها والذي تركها، فإن هذه الصلاة لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، بل هي بدعة مكروهة باتفاق الأئمة، ولا فعل هذه الصلاة لا رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا يستحبها أحد من أئمة المسلمين، والذي ينبغي أن تترك وينهى عنه) ا. هـ (٢) . رابعاً: بدعة القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة: قال أبو شامة: (وابتدع بعضهم أيضاً جمع آيات السجدات، يقرأ بها في ليلة ختم القرآن وصلاة التراويح، ويسبح بالمأمومين في جميعها) (٣) . وقال ابن الحاج: (وينبغي له -الإمام- أن يتجنب ما أحدثه بعضهم من البدع

стр. 320

عند الختم، وهو أنهم يقومون بسجدات القرآن كلها فيسجدونها متوالية في ركعة واحدة أو ركعات. فلا يفعل ذلك في نفسه وينهى عنه غيره، إذاً أنه من البدع التي أحدثت بعد السلف. وبعضهم يبدل مكان السجدات قراءة التهليل على التوالي، فكل آية فيها ذكر (لا إله إلا الله) أو (لا إله إلا هو) قرأها إلى آخر الختمة، وذلك من البدع أيضاً) (١) . ا. هـ. وقال ابن النحاس: (ومنها -البدع والمنكرات- القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة أو ركعات، أو الآيات المشتملة على التهليل من أول القرآن إلى آخره، وهذا كله بدعة أحدثت، فينبغي أن تُغير وتُرد، لقوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٢) ا. هـ. (٣) خامساً: بدعة سرد آيات الدعاء: ومن البدع التي أحدثت في رمضان بدعة سرد جميع ما في القرآن من آيات الدعاء، وذلك في آخر ركعة من التراويح، بعد قراءة سورة الناس فيطول الركعة الثانية على الأولى، مثل تطويل بقراءة سورة الأنعام. وكذلك الذين يجمعون آيات يخصونها بالقراءة ويسمونها آيات الحرس ولا أصل لشيء من ذلك، فليعلم الجميع أن ذلك بدعة، وليس شيء منها من الشريعة، بل هو مما يوهم أنه من الشرع وليس منه (٤) . سادساً: بدعة الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح: ومما أحدث في هذا الشهر الفضيل: الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح، ورفع المصلين أصواتهم بذلك، وفعل ذلك بصوت واحد، فذلك كله من البدع. وكذلك قول المؤذن بعد ذكرهم المحدث هذا: الصلاة يرحمكم الله. فهذا أمر محدث أيضاً، لم يرو أن النبي ﷺ فعله ولا أقره. وكذلك الصحابة والتابعون والسلف الصالح، فالإحداث في الدين ممنوع، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- ولم يفعلوا شيئاً من هذا، فليسعنا ما وسعهم،

стр. 321

فالخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع (١) . سابعاً: بعض بدع ليلة ختم القرآن: ومما أحدث في هذا الشهر العظيم: رفع الصوت بالدعاء بعد ختم القرآن، ويكون هذا الدعاء جماعياً، أو كل يدعو لنفسه، ولكن بصوت عال، مخالفين بذلك قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ (٢) . وهذا الشهر العظيم موضع خشوع وتضرع وابتهال، ورجوع إلى بالتوبة النصوح الصادقة مما قارفه من الذنوب، والسهو والغفلات والتقصير في الطاعة فينبغي أن يبذل الإنسان جهده، كل على قدر حاله، ويدعو الله بالأدعية الصحيحة المأثورة عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين والسلف الصالح، والتي تخلو تماماً من دعاء غير الله أو التوسل به. وسرية الدعاء أحرى للإخلاص فيه، بعيداً عن الرياء والسمعة، فعندما رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء قال لهم النبي ﷺ : ((يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم. فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه، وتعالى جده)) (٣) . وفي رواية لمسلم: ((والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم)) (٤) . ومن البدع التي أحدثت في ليلة ختم القرآن: اجتماع المؤذنين تلك الليلة فيكبرون جماعة في حال كونهم في الصلاة، لغير ضرورة داعية إلى السمع الواحد، فضلاً عن جماعة، بل بعضهم يسمعون ولا يصلون، وهذا فيه ما فيه من القبح والمخالفة لسنة السلف الصالح ﵀ عليهم-. أنه إذا خرج القارئ من الموضع الذي صلى فيه، أتوه ببغلة أو فرس ليركبها، ثم تختلف أحوالهم في صفة ذهابه إلى بيته، فمنهم من يقرأ القرآن بين يديه، كما يفعلونه أمام جنائزهم من عاداتهم الذميمة، والمؤذنون يكبرون بين يديه كتكبير العيد.

стр. 322

قال ابن الحاج: (قال القاضي أبو الوليد بن رشد -رحمه الله تعالى-: كره مالك قراءة القرآن في الأسواق والطرق لوجوه ثلاثة: أحدها: تنزيه القرآن وتعظيمه من أن يقرأه وهو ماش في الطرق والأسواق، لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات. الثاني: أنه إذا قرأ القرآن على هذه الأحوال لم يتدبره حق التدبر. الثالث: لما يخشي أن يدخله ذلك فيما يفسد نيته) ا. هـ (١) . سير الفقراء الذاكرين بين يدي القارئ، إلى أن يصل إلى بيته، ومنهم من يعوض ذلك بالأغاني، وهو أشدُّ هذه الأمور وإن كانت كلها ممنوعة. ضرب الطبل والأبواق والدف أو الطار أمام القارئ أثنا سيره إلى بيته. وربما جمع بعضهم الأمور السابقة كلها أو أكثرها، ويكون في ذلك من اللهو واللعب ما هو ضد المطلوب في هذه الليلة، من الاعتكاف على الخير، وترك الشر والمباهاة والفخر ونحو ذلك. عمل بعض أنواع الأطعمة والحلاوات لهذه المناسبة. زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن الحد المشروع، ولما في ذلك من إضاعة المال، والسرف والخيلاء. استعمال الشمع للوقود في أوان من ذهب أو فضة، ولا يخفى تحريم استعمالهما لعدم الضرورة إليهما

стр. 323

تعليق ختمه عند الموضع الذي يختمون فيه، فمنهم من يتخذها من الشقق (١) الحرير الملونة، ومنهم من يتخذها من غيرها، لكنها ملونة أيضاً، ويعلقون فيها القناديل، وما في ذلك من السرف والخيلاء وإضاعة المال والرياء والسمعة واستعمال الحرير. ومنم من يستعير القناديل من مسجد آخر وهي وقف عليه، فلا يجوز إخراجها منه، ولا استعمالها في غيره. أن هذا الاجتماع يفضي إلى اجتماع أهل الريب والشك والفسوق، وممن لا يرضى حاله، حتى جرّ ذلك إلى اختلاط النساء بالرجال في موضع واحد ولا يخفى ما في ذلك من الضرر العظيم. كثرة اللغط في المسجد ورفع الأصوات فيه والقيل والقال، إذ أنه يكون الإمام في الصلاة، وكثير من الناس يتحدثون ويخوضون في أشياء ينزه المسجد عن بعضها. اعتقاد بعض العلماء أن هذا الاجتماع بما فيه من البدع، إظهار لشعائر الإسلام، ولا يخفى ما يجلب هذا الأمر من الضرر العظيم، وتكثير سواد أهل البدع، ويكون حضور هؤلاء العلماء حجة إن كانوا قدوة للقوم، بأن ذلك جائز غير مكروه، فيقولون: لو كان بدعة لم يحضره العالم فلان، ولم يرض به. فإنا لله وإنا إليه راجعون. والإثم في هذا من فعله أو أمر به أو استحسنه أو رضي به أو أعان عليه بشيء أو قدر على تغييره فلم يفعل. إحضار الكيزان وغيرها من أواني الماء في المسجد حين الختم، فإذا ختم القارئ شربوا ذلك الماء، ويرجعون به إلى بيوتهم فيسقونه لأهليهم ومن شاءوا على سبيل التبرك، وهذه بدعة لم تنقل عن أحد من السلف-رحمة الله عليهم-. تواعدهم للختم، فيقولون: فلان يختم في ليلة كذا وفلان يختم في ليلة كذا، ويعرض ذلك بعضهم على بعض، ويكون ذلك بينهم بالنوبة - أي بالتناوب-، حتى صار ذلك كأنه ولائم تعمل، وشعائر تظهر، فلا يزالون كذلك غالباً من انتصاف شهر رمضان إلى آخر الشهر، وهذا أمر محدث لم يؤثر على السلف الصالح -رحمة الله عليهم - (٢) . فهذه بعض المنكرات والبدع التي أحدثت في ليلة الختم، ولما كانت مخالفة لسنة

стр. 324

النبي ﷺ ، وخلفائه، وما عليه السلف الصالح زينها الشيطان وأتباعه في نفوسهم، وسول لهم الإصرار على فعلها، وجعل ذلك من شعائر الدين، ولو فرضنا جدلاً أن هذه الأمور المحدثة مطلوبة شرعاً لأدعى هؤلاء المبتدعة المشقة في فعلها، وعجزهم عنها، ولتهاونوا بها، ولكن صدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) . - والله أعلم -. ثامناً: بدعة التسحير: التسحير من الأمور المحدثة التي لم تكن على عهده ﷺ ولم يأمر به، وليس من فعل الصحابة أو التابعين أو السلف الصالح -رحمة الله عليهم أجمعين- ولأجل أنه أمر محدث اختلفت فيه عوائد الناس، ولو كان مشروعاً ما اختلفت فيه عوائدهم. ففي الديار المصرية يقول المؤذنون بالجامع: تسحروا كلوا واشربوا أو ما أشبه ذلك، ويقرؤن قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) الآية. ويكررون ذلك مراراً عديدة، ثم يسقون على زعمهم ويقرؤن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ (٣) . والقرآن العزيز ينبغي أن ينزه عن موضع بدعة، أو على موضع بدعة، ثم ينشدون في أثناء ذلك القصائد، ويسحرون أيضاً بالطبلة يطوف بها بعضهم على البيوت، ويضربون عليها، هذا الذي مضت عليه عادتهم، وكل ذلك من البدع (٤) . وأما أهل الإسكندرية (٥) ، وأهل اليمن (٦) ، وبعض أهل المغرب (٧) ، فيسحرون

стр. 325

بدق الأبواب على أصابع البيوت، وينادون عليهم: قوموا كلوا، وهذا نوع آخر من البدع نحو ما تقدم. وأما أهل الشام (١) فإنهم يسحرون بدق الطار والغناء والرقص واللهو واللعب، وهذا شنيع جداً، وهو أن يكون شهر رمضان الذي جعله الشارع ﷺ للصلاة والصيام، والتلاوة والقيام، قابلوه بضد الإكرام والاحترام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما بعض أهل المغرب فإنهم يفعلون قريباًَ من فعل أهل الشام، وهو أنه إذا كان وقت السحور عندهم، ويضربون بالنفير (٢) على المنار، ويكررونه سبع مرات، ثم بعده يضربون بالأبواق (٣) سبعاً أو خمساً، فإذا قطعوا حرم الأكل إذ ذاك عندهم. والعجيب أنهم يضربون بالنفير والأبواق في الأفراح التي تكون عندهم، ويمشون بذلك في الطرقات، فإذا مروا على باب مسجد سكتوا وأسكتوا، ويخاطب بعضهم بعضاً بقولهم: احترموا بيت الله تعالى فيكفون حتى يجوزوه، فيرجعوا إلى ما كانوا عليه، ثم إذا دخل شهر رمضان، الذي هو شهر الصيام والقيام، والتوبة والرجوع إلى الله تعالى من كل رذيلة، يأخذون فيه النفير والأبواق، ويصعدون بها على المنار في هذا الشهر الكريم، ويقابلونه بضد ما تقدم ذكره. وهذا يدل على أن فعل التسحير بدعة بلا شك ولا ريب، إذ أنها لو كانت مأثورة لكانت على شكل معلوم لا يختلف حالها، في بلد دون آخر كما تقدم. فيتعين على من قدر من المسلمين عموماً التغيير عليهم، وعلى المؤذن والإمام خصوصاً، كل منهم يغير ما في إقليمه إن قدر على ذلك بشرطه، فإن لم يستطع ففي

стр. 326

بلده، فإن لم يستطع ففي مسجده. ومسألة التسحير هذه لم تدع ضرورة إلى فعلها وإذ أن الرسول ﷺ قد شرع الأذان الأول للصبح دالاً على جواز الأكل والشرب والثاني دالاً على تحريمها، فلم يبق أن يكون ما يعمل زيادة عليهما إلا بدعة؛ لأن المؤذنين إذا أذنوا مرتين انضبطت الأوقات وعلمت (١) . تاسعاً: البدع المتعلقة برؤية هلال رمضان: ومن المحدثات في شهر رمضان، ما تفعله العامة في بعض البلدان الإسلامية، من رفع الأيدي إلى الهلال عند رؤيته يستقبلونه بالدعاء قائلين: (هل هلالك، جل جلالك، شهر مبارك) . نحو ذلك، مما يعرفه له أصل في الشرع، بل كان من عمل الجاهلية وضلالاتهم. والذي ورد عن النبي ﷺ أنه رأى الهلال قال: ((اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلام والإسلام، ربي وربك الله)) (٢) . فما يفعله بعض الناس عند رؤية الهلال من الإتيان بهذا الدعاء، والاستقبال ورفع الأيدي، ومسح وجوههم بدعة مكروهة لم تعهد في زمن رسول الله ﷺ ولا أصحابه-رضوان الله عليهم- ولا السلف الصالح-رحمة الله عليهم (٣) . ومن ذلك أيضاً ما تفعله العوام، وأرباب الطرق (٤) من الطواف في أول ليلة من رمضان في العواصم وبعض القرى -المسمى بالرؤية- فإنه لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا أصحابه ولا أحد من السلف الصالح، مع اشتماله على قراءة الأوراد والأذكار، والصلوات مع اللغط والتشويش بضرب الطبول، واستعمال آلات الملاهي، وزعقات النساء والأحداث وغير ذلك، مما هو مشاهد في بعض البلدان والأقطار الإسلامية (٥) . عاشراً: بدعة حفيظة رمضان: ومن البدع المنكرة التي أحدثت في هذا الشهر الكريم، كتب الأوراق التي يسمونها

стр. 327

(حفائظ) في آخر جمعة من رمضان، ويسمون هذه الجمعة بالجمعة اليتيمة، فيكتبون هذه الأوراق حال الخطبة، ومما يكتب فيها قولهم (لا آلاء إلا آلاؤك سميع محيط علمك كعسهلون (١) وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) . ويعتقد هؤلاء الجهال المبتدعة أنها تحفظ من الحرق والغرق والسرقة والآفات. فلا شك في بدعية هذا الأمر، لما في ذلك من الإعراض عن استماع الخطبة بل والتشويش على الخطيب وسامعيه، وذلك ممنوع شرعاً كما لا يخفى، ولا خير في ذلك ولا بركة، فإنما يتقبل الله من المتقين لا من المبتدعين. وقد يكتب فيها كلمات أعجمية قد تكون دالة على مالا يصح، أو فيها كفر بالله، ولم ينقل هذا عن أحد من أهل العلم، وذلك- والله أعلم- من بدع الدجالين (٢) التي زينهوها للعامة البسطاء الجهال، ولذلك لا تقع إلا في القرى المتأخرة، والبلدان التي تكثر فيها البدع، فيجب النهي عنها، والتحذير منها، مثلها في ذلك مثل جميع البدع التي تشغل الناس عما أوجبه الله عليهم من الفروض والواجبات (٣) . أحد عشر: بدعة قرع النحاس آخر الشهر: ومن البدع المحدثة في شهر رمضان بدعة القرع على النحاس (٤) ونحوه آخر يوم من رمضان، عند غروب الشمس، يأمر الناس بذلك أولادهم، ويعلمونهم كلمات يقولونها حالة القرع، تختلف باختلاف البلدان، ويزعمون أن ذلك يطرد الشياطين التي هاجت في هذا الوقت، لخروجها من السجن، وخلاصها من السلاسل التي كانت مقيدة بها في شهر الصوم، قاتل الله الجهل كيف يؤدي بالناس إلى هذه المهازل (٥) اثنا عشر: بدعة وداع رمضان: ومن البدع المحدثة في شهر رمضان المبارك: أنه إذا بقي من رمضان خمس ليال، أو ثلاث ليال يجتمع المؤذنون، والمتطوعون من أصحابهم، فإذا فرغ الإمام من سلام

стр. 328

وتر رمضان، تركوا التسبيح المأثور، وأخذوا يتناوبون مقاطيع منظومة في التأسف على انسلاخ رمضان، فمتى فرغ أحدهم من نشيد مقطوعة بصوته الجهوري، أخذ رفقاؤه بمقطوعة دورية، باذلين قصارى جهدهم في الصيحة والصراخ بضجيج يصم الآذان، ويسمع الصم، ويساعدهم على ذلك جمهور المصلين. ولعلم الناس بأن تلك الليالي هي ليالي الوداع، ترى الناس في أطراف المساجد، وعلى سدده (١) وأبوابه، وداخل صحنه، النساء والرجال والشباب والولدان، بحالة تقشعر لقبحها الأبدان، وقد اشتملت هذه البدعة على عدة منكرات منها. رفع الأصوات بالمسجد، وهو مكروه كراهة شديدة. التغني والتطرب في بيوت الله، التي لم تشيد إلا للذكر والعبادة. كون هذه البدعة مجبلة للنساء والأولاد والرعاع، الذين لا يحضرون إلا بعد انقضاء الصلاة للتفرج والسماع. اختلاط النساء بالرجال. هتك حرمة المسجد، لاتساخه وتبذله بهؤلاء المتفرجين، وكثرة الضوضاء والصياح من أطرافه، إلى غير ذلك، مما لو رآه السلف الصالح لضربوا على أيدي مبتدعيه - وهذا هو الواجب على كل قادر على ذلك - وقاوموا بكل قواهم من أحدث فيه، نسأل الله تعالى العون على تغيير هذا الحال بمنه وكرمه. ومن الأمور المحدثة المتعلقة بوداع رمضان، ما يفعله بعض الخطباء في آخر جمعة من رمضان، من ندب فراقه كل عام، والحزن على مضيه، وقوله: لا أوحش الله منك يا شهر كذا وكذا. ويكرر هذه الوحشيات مسجعات مرات عديدة، ومن ذلك قوله: لا أوحش الله منك يا شهر المصابيح، لا أوحش الله منك يا شهر المفاتيح. فتأمل هدنا الله وإياك لما آلت إليه الخطب، لاسيما خطبة آخر هذا الشهر الجليل، الناس فيه بحاجة ماسة إلى آداب يتعلمونها لما يستقبلهم من صدقة الفطر، ومواساة الفقراء، والاستمرار على ما ينتجه الصوم من الأمور الفاضلة، والآثار الحميدة، وتجنب البدع وغير ذلك مما يقتضيه المقام (٢) .

стр. 329

ثلاثة عشر: بدعة الاحتفال بذكرى غزوة بدر (١) : ومما أحدث في هذا الشهر المبارك الاحتفال بذكرى غزوة بدر، وذلك أنه إذا كامن ليلة السابع عشر من شهر رمضان اجتمع الناس في المساجد وأغلبهم من العامة، وفيهم من يدعي العلم، فيبدأون احتفالهم بقراءة آيات من الكتاب الحكيم، ثم ذكر قصة بدر وما يتعلق بها من الحوادث، وذكر بطولات الصحابة-رضوان الله عليهم- والغلو فيها، وانشاء بعض القصائد المتعلقة بهذه المناسبة. وفي بعض البلدان الإسلامية تحتفل الدولة رسمياً بهذه المناسبة فيحضر الاحتفال أحد المسئولين فيها. ولا يخفى ما يصاحب هذه الاحتفالات من الأمور المنكرة كالاجتماع في المساجد لغير ما عبادة شرعية، أو ذكر مشروع، وما يصاحب هذه الاجتماعات من اللغط والتشويش ونحو ذلك من الأمور التي تصان بيوت الله عنها، وكذلك دخول بعض الكفار إلى المسجد كالمختصين منهم في مجال مكبرات الصوت، أو الإضاءة، أو الصحافة والإعلام، وكذلك دخول المصورين للمسجد لتصوير هذه المناسبة، بالإضافة إلى اعتبار هذا الاجتماع سنة تقام في مثل هذا اليوم، أو هذه الليلة في كل عام. فتخصيص هذه الليلة -ليلة السابع عشر من رمضان- بالاجتماع والذكر وإلقاء القصائد، وجعلها موسماً شرعياً، ليس له مستند من الكتاب ولا من السنة، ولم يؤثر عن الصحابة-رضوان الله عليهم- أو التابعين أو السلف الصالح ﵏، أنهم احتفلوا بهذه المناسبة في هذه الليلة أو في غيرها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وللنبي ﷺ -خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر، وحنين (٢) ، والخندق (٣)

стр. 330

، وفتح مكة (١) ، ووقت هجرته، ودخوله للمدينة (٢) ، وخطب متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً، وإنما يفعل مثل هذا النصارى، الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعياداً، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله أتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه. ا. هـ (٣) . والاشتغال بهذه الأمور وأمثالها من الأمور المحدثة، سبب في ابتعاد الناس عما شرعه الله ورسوله ﷺ لهم من إحياء ليالي رمضان بالصلاة والذكر. ومن أعظم البلاء على المسلمين ترك المشروع وفعل الأمر المحدث المبتدع - والله أعلم -.

стр. 331

الفصل السابع شهر شوال المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: بدعة التشاؤم من الزواج فيه المبحث الثالث: بدعة عيد الأبرار.

стр. 332

المبحث الأول بعض الآثار الواردة فيه عن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فذلك صيام الدهر)) (١) . عن عائشة ﵂-قالت: ((كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء، فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأي الأخبية فقال: ما هذا؟ فأخبر. فقال النبي ﷺ : البر ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال)) متفق عليه. (٢)

стр. 333

عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيامه السنة)) (١) . عن عائشة ﵂ قالت: ((تزوجني النبي ﷺ في شوال، وأدخلت عليه في شوال، فأي نسائه كانت أحظى عنده مني)) (٢) . فكانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال. عن عبد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال: سألت - أو سُئِل- النبي ﷺ عن صيام الدهر، فقال: ((إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه، وكل أربعاء

стр. 334

وخميس، فإذاً أنت قد صمت الدهر)) (١) . عن محمد بن إبراهيم: أن أسامة بن زيد ﵁ كان يصوم أشهر الحرم، فقال له رسول ﷺ : ((صم شوالاً. فترك أشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوالاً حتى مات (٢) . عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال

стр. 335

شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ((هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم)) . متفق عليه (١) . عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر..)) الحديث. متفق عليه (٢) . عن أبي هريرة ﵁ ((أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر)) (٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: ((إن الله ﵎ قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم النحر)) (٤) . عن ابن عمر- ﵄-أنه كان يقول: ((من اعتمر في أشهر الحج:

стр. 336

في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة ... )) الخ قوله (١) . قال ابن عباس ﵄: ((وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال، وذو القعدة , وذو الحجة ... )) . ا. هـ (٢) . وقد ورد في ليلة عيد الفطر ويومه أحاديث موضوعة، منها: حديث: (أن من صلى ليلة الفطر مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشرة مرات......الخ) (٣) . وحديث: (من صلى يوم الفطر بعدما يصلي عيده أربع ركعات، يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب ... فكأنما قرأ كل كتاب نزله الله على أنبيائه.....) (٤) . وحديث: (من السنة اثنتا عشرة ركعة بعد عيد الفطر، وست ركعات بعد عيد الأضحى) (٥) . وحديث: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر) (٦) . وحديث: (من صام صبيحة يوم الفطر فكأنما صام الدهر) (٧) ، والله أعلم.

стр. 337

المبحث الثاني بدعة التشاؤم من الزواج فيه قال ابن منظور: (وشوال: من أسماء الشهور معروف، اسم الشهر الذي يلي رمضان، وهو أول أشهر الحج) . قيل: سمي بتشويل لبن الإبل، وهو توليه وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحر وانقطاع الرطب.....وكانت العرب تطير من عقد المناكح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها كما تمتنع طروقة الجمل إذا لقحت وشالت بذنبها، فأبطل النبي ﷺ طيرتهم، وقالت عائشة-﵂: ((تزوجني النبي ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كانت أحظى عنده مني)) (١) . ا. هـ. (٢) فالسبب الذي جعل العرب في الجاهلية يتشاءمون من الزواج في شهر شوال: هو اعتقادهم أن المرأة تمتنع من زوجها كامتناع الناقة التي شولت بذنبها بعد اللقاح من الجمل. قال ابن كثير-﵀ (وفي دخوله ﷺ بها - بعائشة- ﵂ في شوال ردّ لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء) ا. هـ (٣) . فالتشاؤم من الزواج في شهر شوال أمر باطل؛ لأن التشاؤم عموماً من الطيرة التي نهى النبي ﷺ عنها بقوله: ((لا عدوى ولا طيرة)) (٤) . وقال ﵇: ((طيرة شرك)) (٥) .

стр. 338

فمثله مثل التشاؤم بشهر صفر. وقد تقدم الكلام عن ذلك. قال النووي ﵀ في شرحه لحديث عائشة ﵂: (فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلُّوا بهذا الحديث. وقصدت عائشة بهذا الكلام ردُّ ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم، من كراهة التزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.......) (١) . ا. هـ.

стр. 339

المبحث الثالث بدعة عيد الأبرار ومن الأمور المحدثة المبتدعة في شهر شوال: بدعة عيد الأبرار، وهو اليوم الثامن من شوال. فبعد أن يتم الناس صوم شهر رمضان، ويفطروا اليوم الأول من شهر شوال-وهو يوم عيد الفطر- يبدأون في صيام الستة أيام الأول من شهر شوال، وفي اليوم الثمن يجعلونه عيداً يسمونه عيد الأبرار. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار: فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها. والله أعلم) ا. هـ (١) . وقال أيضاً: (وأما ثامن شوال: فليس عيداً لا للأبرار ولا للفجار، ولا يجوز لأحد أن يعتقده عيداً، ولا يحدث فيه شيئاً من شعائر الأعياد) ا. هـ (٢) . ويكون الاحتفال بهذا العيد في أحد المساجد المشهور فيختلط النساء بالرجال، ويتصافحون ويتلفظون عند المصافحة بالألفاظ الجاهلية، ثم يذهبون بعد ذلك إلى صنع بعض الأطعمة الخاصة بهذه المناسبة (٣) .

стр. 340

الفصل الثامن شهر ذي الحجة المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه . المبحث الثاني: بدعة التعريف. المبحث الثالث: بدعة عيد غدير خم.

стр. 341

المبحث الأول بعض الآثار الواردة فيه عن أبي بكرة - رضي الله عن النبي ﷺ قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان....)) الحديث. متفق عليه (١) . عن أبي بكرة -رضي الله-عن النبي ﷺ قال: ((شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة)) متفق عليه (٢) . عن عمر بن الخطاب ﵁: ((أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابهم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (٣) . قال عمر ﵁ قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة، يوم جمعة)) متفق عليه (٤) . عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) ، فقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ . فقال رسول ﷺ : ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)) (٥)

стр. 342

عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر..)) الحديث. متفق عليه (١) . عن أبي هريرة ﵁ ((أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر)) . متفق عليه (٢) . مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ((هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم)) . متفق عليه (٣) . عن أم الفضل بنت الحارث: ((أنَّ ناساً تماروا (٤) عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه

стр. 343

بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه)) متفق عليه (١) عن ميمونة- ﵂: ((أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلاب (٢) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون)) متفق عليه (٣) . عن عائشة-﵂ قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط)) (٤) عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شهره وبشره شيئاً)) (٥) .

стр. 344

عن أبي قتادة ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ .... ثم قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله)) (١) . عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة. فيقول: أراد هؤلاء؟)) (٢) . عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب)) (٣) .

стр. 345

عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: ((إن الله ﵎ قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم النحر)) (١) . عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص ﵁ فوجده يأكل. قال: فدعاني. قال: فقلت: إني صائم. فقال: ((هذه الأيام التي نهانا رسول الله ﷺ عن صيامهن، وأمرن بفطرهن)) . قال مالك: (هي أيام التشريق) (٢)

стр. 346

عن أبي نجيح قال: سُئِل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة فقال: ((حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه)) (١) . عن عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ قال: ((إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر، ثم يوم القر (٢)) (٣)

стр. 347

عن عبد الله بن عمر- ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجّ، فقال: ((أي يوم هذا؟)) . فقالوا: يوم النحر، قال: ((هذا يوم الحج الأكبر)) (١) . عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((أمرت بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة ... )) الحديث (٢) . عن أبي هريرة ﵁ ((أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمره

стр. 348

النبي ﷺ عليها قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)) (١) . وفي رواية لأبي داود: ((ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج)) (٢) . عن ابن عباس- ﵄ قال: ((كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفراً، ويقولون: إذا برأ الدبر (٣) ، وعفا الأثر (٤) ، وانسخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟ قال: ((حل كله)) متفق عليه (٥) . عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: ((من اعتمر في أشهر الحج: في شوال، أو ذي القعدة، أو في ذي الحجة ... )) الأثر (٦) . قال ابن عباس- ﵄: ((وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال،

стр. 349

وذو القعدة , وذو الحجة..)) الأثر (١) . عن ابن عباس ﵄ ﴿وَالْفَجْرِ﴾ (٢) قال: فجر النهار، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٣)) ) قال: عشر الأضحى (٤) . عن جابر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر)) (٥) . وقد ورد في فضل بعض الأعمال في شهر ذي الحجة بعض الأحاديث الموضوعة، نذكر منها: حديث: (من صام العشر فله بكل يوم صوم شهر، وله بصوم يوم التروية سنة، وله بصوم يوم عرفة سنتان) (٦) وحديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من المحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح للسنة المستقبلة بصوم، جعله الله كفارة خمسين سنة) (٧) . وحديث: (من صلى يوم عرفة بين الظهر والعصر أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد خمسين مرة، كتب الله له ألف ألف حسنة....الخ) (٨) . وحديث: (من صلى يوم عرفة ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ثلاث مرات ... إلا قال الله : أشهدكم أني قد غفرت له) (٩) . وحديث: (من صلى ليلة النحر ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب

стр. 350

خمس عشرة مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة....جعل الله اسمه في أصحاب الجنة....الخ) (١) وحديث: (إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج، فإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار.... الخ) (٢) ... إلى غير ذلك من الأحاديث الباطلة التي لا تصح عن النبي ﷺ والله أعلم-.

стр. 351

المبحث الثاني بدعة التعريف المراد بالتعريف: هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة، في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء (١) . وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس ﵄، وذلك في مسجد البصرة (٢) . وقيل إن أول من عرف بالكوفة (٣) مصعب بن الزبير (٤) . قال ابن كثير ﵀ في ترجمة ابن عباس ﵄: (وهو أول من عرف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل

стр. 352

البصرة حوله، فيفسر شيئاً من القرآن، ويذكر الناس، من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب) ا. هـ (١) . حكم التعريف: اختلف العلماء في حكم التعرف في المساجد يوم عرفة: ١- قال ابن وهب: (سألت مالكاً عن الجلوس يوم عرفة، يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالاً يدعون الله تعالى للناس إلى الشمس فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه) ا. هـ (٢) . قال ابن وهب - أيضاً -: (وسمعت مالكاً يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء، فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنَّما مفاتيح هذه الأشياء من البدع) ا. هـ (٣) . وقال مالك - أيضاً -: (وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزل أحب إليَّ، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد) ا. هـ (٤) .

стр. 353

وروى ابن وضاح عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ ، يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيها الناس إن الذي إن الذي أنتم عليه بدعة، وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع) ا. هـ (١) .

стр. 354

وروى أيضاً عن ابن عون قال: (شهدت إبراهيم النخعي سُئلَ عن اجتماع الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: محدث) ا. هـ (١) . وروى أيضاً عن سفيان قال: (ليست عرفة إلا بمكة، ليس في هذه الأمصار عرفة) ا. هـ (٢) . وقال الحارث بن مسكين: (كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب) ا. هـ (٣) . قال الطرطوشي: فاعلموا- رحمكم الله - أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها ولا منعوا من خلا بنفسه

стр. 355

فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنَّة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه. وقد كنت ببيت المقدس، فإذا كان يوم عرفة حشر أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد، مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم بالدعاء، كأنه موطن عرفة، وكنت أسمع سماعاً فاشياً منهم أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات، فإنها تعدل حجَّة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام) ا. هـ (١) . وروى البيهقي عن شعبة قال: سألت الحكم وحماداً عن اجتماع
следующие страницы →