← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المبحث الثاني بدعة التعريف المراد بالتعريف: هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة، في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء (١) . وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس ﵄، وذلك في مسجد البصرة (٢) . وقيل إن أول من عرف بالكوفة (٣) مصعب بن الزبير (٤) . قال ابن كثير ﵀ في ترجمة ابن عباس ﵄: (وهو أول من عرف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل

стр. 352

البصرة حوله، فيفسر شيئاً من القرآن، ويذكر الناس، من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب) ا. هـ (١) . حكم التعريف: اختلف العلماء في حكم التعرف في المساجد يوم عرفة: ١- قال ابن وهب: (سألت مالكاً عن الجلوس يوم عرفة، يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالاً يدعون الله تعالى للناس إلى الشمس فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه) ا. هـ (٢) . قال ابن وهب - أيضاً -: (وسمعت مالكاً يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء، فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنَّما مفاتيح هذه الأشياء من البدع) ا. هـ (٣) . وقال مالك - أيضاً -: (وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزل أحب إليَّ، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد) ا. هـ (٤) .

стр. 353

وروى ابن وضاح عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ ، يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيها الناس إن الذي إن الذي أنتم عليه بدعة، وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع) ا. هـ (١) .

стр. 354

وروى أيضاً عن ابن عون قال: (شهدت إبراهيم النخعي سُئلَ عن اجتماع الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: محدث) ا. هـ (١) . وروى أيضاً عن سفيان قال: (ليست عرفة إلا بمكة، ليس في هذه الأمصار عرفة) ا. هـ (٢) . وقال الحارث بن مسكين: (كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب) ا. هـ (٣) . قال الطرطوشي: فاعلموا- رحمكم الله - أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها ولا منعوا من خلا بنفسه

стр. 355

فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنَّة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه. وقد كنت ببيت المقدس، فإذا كان يوم عرفة حشر أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد، مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم بالدعاء، كأنه موطن عرفة، وكنت أسمع سماعاً فاشياً منهم أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات، فإنها تعدل حجَّة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام) ا. هـ (١) . وروى البيهقي عن شعبة قال: سألت الحكم وحماداً عن اجتماع

стр. 356

الناس يوم عرف في المساجد فقالا: (هو محدث) (١) . وروى كذلك عن إبراهيم - النخعي - قال: (هو محدث) (٢) . ٢- وقال أبو شامة: فإن ابن عباس ﵄ حضرته نية فقعد فدعا، وكذلك الحسن من غير قصد الجمعية، ومضاهاة لأهل عرفة، وإيهام العوام أن هذا شعار من شعائر الدين المنكر، إنَّما هو ما اتَّصف بذلك -والله أعلم- أن تعريف ابن عباس قد صار على صورة أخرى غير مستنكر. ذكر ابن قتيبة في غريبه قال في حديث ابن عباس أن الحسن ذكره فقال: كان أول من عرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسَّرهما حرفاً حرفاً. قلت: - والقول لأبي شامة -: فتعريف ابن عباس ﵄ كان على هذا الوجه فسَّر للناس القرآن، فإنما اجتمعوا لاستماع العلم، وكان ذلك عشية عرفة، فقيل عرَّف ابن عباس بالبصرة، لاجتماع الناس له كاجتماعهم بالموقف. وعلى الجملة: (فأمر التعريف قريب إلا إذا جرَّ مفسدة، كما ذكره الطرطوشي في التعريف ببيت المقدس) ا. هـ (٣) .

стр. 357

قال ابن قدامة: (قال القاضي: ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار، يجتمعون في المساجد يوم عرفة. قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد. قال أحمد ﵀: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر الله، فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا) ا. هـ (١) . وقد تعقب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رواية الأثرم عن الإمام أحمد ﵏ بقوله: (وحينئذ الراجح هو عدم فعله؛ لأنَّ هذه عبادة اختصت بمكان وهو عرفة، ولا يلحق غيره به، فإلحاق مكان بمكان في عبادة، زيادة في الشرع، فالذي عليه العمل أنه بدعة) ا. هـ (٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ومن هذا - المتابعة في السنَّة -

стр. 358

وضع ابن عمر يده مقعد النبي ﷺ ، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما فعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي ﷺ شرعه لأمته، لم يمكن أن يُقال هذا سنَّة مستحبة، بل غايته أن يًُقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر علي فاعله؛ لأنَّه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي ﷺ لأمته. أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنَّما يقال فيما شرعه رسول الله ﷺ ؛ إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنَّة خلفاؤه الراشدون، فإنما سنُّوه بأمره، فهو من سننه....) ا. هـ (١) . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروعة بدعة: كالأذان في العيدين، والقنوت في الصلوات الخمس أو البردين منها، والتعريف المداوم عليه في الأمصار.... فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة والآثار والقياس) (٢) .

стр. 359

وقال -أيضاً-: (فصل: وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العلمي المحدث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجاً عن الشريعة، فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك كما يفعل في عرفات، فإن هذا النوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعياداً. وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإن هذا أيضاً ضلال بيِّن، فإن زيادة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره. ثم فيه أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا أفضى إلى ما لا يشك مسلم في إنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلاَّل من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك أو من قصد النسك هناك، وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة (١) ، كما يُطاف بالكعبة. فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء، أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى، منها: فعل ذلك في المسجد، فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد، فكيف بالمسجد الأقصى!!!. ومنها: اتخاذ الباطل ديناَ. ومنها: فعله في الموسم. فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر، فهذا هو التعريف في

стр. 360

الأمصار الذي اختلف العلماء فيه ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث من الصحابة، وطائفة من البصريين والمدنيين، ورخص فيه أحمد - وإن كان مع ذلك لا يستحبه-. هذا هو المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين، كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، ومالك..... وغيرهم. ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظاً ومعنى. ومن رخَّص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة، حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب ﵁، ولم ينكر عليه، وما يفعله في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار، لا يكون بدعة، لكن ما يُزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة، مكروه في هذا اليوم وغيره. والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه، وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها (١) : أنَّ في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها، كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر (٢) ، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكاناً معيناً لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حوِّل ذلك المسجد لتحوَّل حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه. وأيضاً، فإنَّ شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر. ألا ترى أن النبي ﷺ قال: ((لا تُشدًّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) (٣) . هذا مما لا أعلم فيه خلافاً.

стр. 361

فقد نهى النبي صلى اله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة، وإما مستحب كالاعتكاف فيه. وأيضاً، فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيداً، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية) ا. هـ (١) . فمما تقدَّم يتضح لي - والله أعلم - أن التعريف نوعان: الأول: اتفق العلماء على كراهته، وكونه بدعة وأمراً باطلاً، وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور، أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى، وتشبيه هذه الأماكن بعرفات؛ لأنَّ ذلك يعتبر حجاً مبتدعاً، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذاً للقبور أعياداً، حتى وصل بهم الأمر إلى أن زعموا أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات فإنها تعدل حجة ثم يجعلون ذلك ذريعة إلى إسقاط الحج إلى بيت الله الحرام، كما ذكر ذلك الطرطوشي في كتابه ((الحوادث والبدع)) (٢) . وهذا هو النوع الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه) ا. هـ (٣) . الثاني: ما اختلف العلماء فيه، وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر. فقال بعضهم: محدث وبدعة. وقال بعضهم: لا بأس به. والذي يترجح عندي - والله أعلم - أن قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر: بدعة. وأما من رخص فيه؛ مستنداً إلى فعل ابن عباس له، وغيره من الصحابة والتابعين، فيمكن الجواب عن ذلك من وجهين:

стр. 362

* الأول: أن فعل الصحابي لا يقوى على معارضة النصوص الصريحة، التي ورد فيها النهي عن الإحداث في الدين، وهي كثيرة، منها: قوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١) . وقوله- ﵊: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢) . وقوله ﷺ : ((وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة..)) (٣) ... إلى غير ذلك من النصوص الثابتة التي صرحت بالنهي عن الإحداث في الدين. * الثاني: أنه لم يكن قصد ابن عباس - والله أعلم - أن يجتمع الناس للدعاء والاستغفار، مضاهاة لأهل عرفة، وأن ذلك من شعائر الدين، كما بيَّن ذلك أبو شامة في كتابه ((الباعث)) (٤) . وإنَّما كان اجتماع الناس لسماع تفسيره للقرآن، لاسيما وهو أعلم أمة محمد ﷺ بالتأويل بعد نبيها ﵊، فلم يرد أنهم اجتمعوا للدعاء والاستغفار. وكذلك لم يرد -حسب اطلاعي المحدود- أن ابن عباس ﵄-كرر هذا الفعل مرة أخرى. فكيف بمن اتخذ ذلك سنَّة مشروعة، يفعلونها كل عام!!!. وقد أشرت آنفاً إلى ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي ورد فيه أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروع بدعة، ومثل لذلك بالتعريف المداوم عليه في الأمصار - والله أعلم -.

стр. 363

المبحث الثالث بدعة غدير خم ((١) . وعن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فنزلنا

стр. 364

بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح (١) لرسول الله ﷺ تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي ﵁ فقال: ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟)) . قالوا: بلى. قال: ((ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟)) . قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد علي فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)) . قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئاً يا ابن أبي طالب! أصبحت وأمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة)) (٢) . وروى الحاكم في المستدرك عن زيد بن أرقم ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى انتهينا إلى غدير خم، فأمر بروح (٣) فكسح في يوم ما أتى

стр. 365

علينا يوم كان أشد حراً منه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ((يا أيها الناس! إنه لم يبعث نبي قط إلا ما عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده: كتاب الله ) . ثم قام فأخذ بيد علي ﵁-فقال: ((يا أيها الناس! من أولى بكم من أنفسكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) (١) . المطلب الثاني: أول من أحدث هذه البدعة . أول من أحدث بدعة عيد غدير خم هو معز الدولة بن بويه، وذلك في سنة ٣٥٢هـ ببغداد (٢) . قال ابن كثير في حوادث سنة ٣٥٢هـ: (وفي عشر ذي الحجة منها أمر معز

стр. 366

الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الذبابات (١) والبوقات (٢) ، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء، وعند الشرط، فرحاً بعيد الغدير- غدير خم- فكان وقتاً عجيباً مشهوداً، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة) ا. هـ (٣) . وقال المقريزي: (اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً، ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة على بن بويه، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فاتخذه الشيعة (٤) من حينئذٍ عيداً) ا. هـ (٥) . ويعتبر عيد ((غدير خم)) من الأعياد والمواسم التي كان العبيديون - ناصري البدعة - يقيمونها ويرعونها، ويحافظون عليها، وذلك لإثبات تشيعهم ومحبتهم لآل البيت، الذي يدَّعُون الانتساب إليهم!! (٦) .

стр. 367

وأول ما أُقيم الاحتفال بهذا العيد المبتدع في مصر في الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٣٦٢هـ) (١) المطلب الثالث: حكم هذا العيد . لا شك في أن جعل الثامن عشر من ذي الحجة عيداً وموسماً من المواسم التي يحتفل الناس بها، ويفرحون بقدومها، ويخصُّونها بشيء من القرب كالإعتاق والذبح ونحو ذلك: بدعة باطلة، وأساسها الذي اعتمدت عليه أمرٌ باطل لا شك في بطلانه، وهو زعمهم أن النبي ﷺ في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة عشرة للهجرة، وهو قافلٌ ﵊ من حجة الوداع، أوصى بالخلافة لعلي بن أبي طالب ﵁ بمكان يسمى غدير خم. وهذا يدلُّ دلالة واضحة على أن المبتدعين لهذا العيد، والمعظمين له هم الشيعة، فهم يفضلونه على عيدي الفطر والأضحى، ويسمونه بالعيد الأكبر (٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في كلامه عن أنواع الأعياد الزمانية المبتدعة، والتي قد يدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال: (النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه، كثامن عشر ذي الحجة، الذي خطب النبي ﷺ فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصَّى فيها باتباع كتاب الله، ووصَّى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحة (٣)

стр. 368

عن زيد بن أرقم ﵁. فزاد بعض أهل الأهواء (١) في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطراب أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسَّقوا وكفَّرُوا إلا نفراً قليلاً. والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق، يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا اليوم عيداً محدث لا صل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم، من اتخذ ذلك اليوم عيداً، حتى يحدث فيه أعمالاً؛ إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع، وللنبي ﷺ خُطبٌ وعهودٌ ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر (٢) ، وحنين (٣) ، والخندق (٤) ، وفتح مكة (٥) ، ووقت هجرته، ودخوله المدينة (٦) ، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً. وإنَّما يفعل مثل هذا النصارى، الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعياداً، أو اليهود. وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه) ا. هـ (٧) . وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن اتخاذ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة عيداً. بدعة، لم يفعلها السلف، ولم يستحبوها، وأن ذلك موسم غير شرعي، وإنما هو من المواسم المبتدعة (٨) - والله أعلم -

стр. 369

الفصل التاسع مشابهة المسلمين للكفار في أعيادهم . المبحث الأول: الاحتفال بعيد ميلاد المسيح. المبحث الثاني: الاحتفال بالنيروز. المبحث الثالث: الاحتفال بأعياد الميلاد. المبحث الرابع: الاحتفالات والأعياد المحدثة. المبحث الخامس: الاحتفال برأس السنة الهجرية. البحث السادس: الاحتفال برأس القرن الهجري. المبحث السابع: الاحتفال بذكرى بعض العلماء. المبحث الثامن: مشروعية مخالفة أهل الكتاب.

стр. 370

تمهيد لا يخفى على كل مسلم أن الله بعث نبيه محمداً ﷺ إلى الخلق، على فترة من الرسل، وقد مقت (١) أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (٢) ماتوا- أو أكثرهم- قبيل مبعثه ﵇، والناس قسمين: كتابي معتصم بكتاب، وهذا الكتاب إما مبدَّل، وإما مبدع منسوخٌ، ودين دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك. وأمي من عربي أو عجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظنَّ أنه ينفعه: من نجم، أو وثن (٣) ، أو قبر، أو تمثال (٤) ، أو غير ذلك. والناس في جاهلية جهلاء، أعلمهم من عنده قليل من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، وقد اشتبه حقه بباطله، فيشتغل بعمل قليله مشروع وأكثره مبتدع. فهدى الله الناس بدعوته ﷺ وبما جاء به من البينات والهدى، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً، - ولأولي العلم منهم خصوصاً - من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما يفوق ما عند جميع الأمم علماً وعملاً. فكان دين الإسلام، الذي بُعث به ﵊ هو الصراط المستقيم، الذي أوجب الله عليهم أن يسألوه أن يهديهم إليه كل يوم في صلاتهم، ووصفه بأنه صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فالمغضوب عليهم هم اليهود، الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ

стр. 371

مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ... ﴾ (١) . وقال فيهم : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ....﴾ (٢) . وهم المنافقون الذين تولوا اليهود (٣) . باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدلُّ على ذلك. قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ... ﴾ (٤) ففي الآيات السابقة بيان بأن اليهود هم المغضوب عليهم. والضالين: هم النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ... ﴾ إلى قوله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٥) . وهذا خطاب للنصارى كما دلَّ عليه السياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة الحدّ، كما نهاهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ....﴾ الآية (٦) . واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه. فكفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملاً، أو لا قولاً ولا عملاً. وكفر النصارى من جهة علمهم بلا علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله مالا يعلمون. ولهذا كان السلف: سفيان بن عيينة وغيره يقولون: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. ومع أن الله قد حذَّرنا سبيلهم، فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسول الله ﷺ ، مما سبق في علمه، حيث قال فيما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً

стр. 372

وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضبِّ (١) تبعتموهم)) ، قلنا: يا رسول! اليهود والنصارى؟ . قال: ((فمن؟)) (٢) . ورواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع)) . فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟. فقال: ((ومن الناس إلا أولئك)) (٣) . فأخبر- عليه والسلام- أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم. وقد كان النبي ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخباراً عن جميع الأمة، بل قد تواتر عن ﷺ أنه قال: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)) (٤) . وأخبر -عليه والصلاة والسلام-: أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة (٥) .

стр. 373

فعلم بخبره الصدق القاطع الأكيد أن في أمته قوماً مستمسكون بهديه، الذي هو دين الإسلام محضاً، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود أو إلي شعبة من شُعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضاً بل قد يكون الانحراف كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع، ويزينه الشيطان، فلذلك أمر الله عباده بدوام دعاء الله بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها، ولا نصرانية أصلاً (١) . وقد ابتلى الله هذه الأمة بكثير من الأمور التي في فعلها تشبه بأهل الكتاب والأعاجم، وسأتكلم عما يتعلق بموضوع كتابي، وهو تشبه المسلمين بالكفار في أعيادهم واحتفالاتهم، وذلك على وجه الإيجاز:

стр. 374

المبحث الأول الاحتفال بعيد ميلاد المسيح جرت عادة النصارى على الاحتفال بعيد ميلاد المسيح. وهذا العيد يكون في اليوم الذي يزعمون أنه ولد فيه المسيح ابن مريم، وهو يوم ٢٤ كانون الأول (ديسمبر) آخر شهر في السنة الميلادية (١) . وسنتهم في ذلك كثرة الوقود، وتزيين الكنائس، وكذلك البيوت والشوارع والمتاجر، ويستعملون فيه الشموع الملونة، والزينات بأنواعها. ويحتفلون بهذا العيد شعبياً ورسمياً، ويعتبر إجازة رسمية في جميع الدولة التي تدين بالمسيحية، وكذلك في غيرها من البلدان، بل في بعض البلاد الإسلامية يعتبر يوم عيد ميلاد المسيح إجازة رسمية، ويحتفل الناس بهذه المناسبة. والاحتفال بعيد ميلاد المسيح أمر مُحدث مبتدع في المسيحية، فاتخاذ يوم ميلاد المسيح عيداً بدعة أحدثت بعد الحواريين (٢) ، فلم يعهد ذلك عن المسيح، ولا عن أحد من الحواريين (٣) . وقد ابتلى الله كثيراً من المسلمين في بعض البلدان الإسلامية بالاحتفال بهذه المناسبة. ولم يتوقف الاحتفال فيه على المسيحيين فقط، بل يشاركهم فيه بعض المسلمين، الذين دعاهم إلى ذلك الخضوع لشهوات النفس، والهوى، والشيطان؛ لما يحصل في هذه الاحتفالات من اختلاط النساء بالرجال، ونزع جلباب الحياء بالكلية، وشُرْب المسكرات، ورقص النساء مع الرجال، وما يحدث في هذه الاحتفالات من الأمور

стр. 375

التي في ذكرها خدش لكرامة المتحدث بها - عافانا الله وإياكم مما ابتلاهم به -. وكذلك حب التقليد الأعمى للنصارى، واعتبار ذلك من باب التطور والتقدم، وأن مشاركة المسيحيين في احتفالاتهم صورة من صور الحضارة، لذلك يبادرون إلى حضور هذه الاحتفالات، ويقدمون التهاني للنصارى بهذه المناسبة، مع أن النصارى لا يهنئونهم بعيدين الفطر والأضحى. وهذا كله بسبب ضعف الوازع الديني، وأنهم مسلمون بالاسم لا بالدين والعقيدة؛ لأن في فعلهم ذلك مخالفة لنهيه ﷺ عن التشبه بالكفار خصوصاً، ونهيه عن المعاصي التي تُرْتَكب في هذه الاحتفالات عموماً. وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (١) . ولاشك أن حضور هذه الاحتفالات، والإهداء للنصارى فيها، من أعظم صور المودة لأعداء الله ورسوله، فهذا مما يوجب نفي الإيمان عنهم كما ورد في هذه الآية. والنصوص في هذا الشأن كثيرة، وليس هذا مجال ذكرها. والله أعلم.

стр. 376

المبحث الثاني الاحتفال بالنيروز النيروز، أو النوروز: هو أول يوم من أيام السنة (١) عند الفرس المجوس. يكون في أول فصل الربيع من كل سنة. وهذا اليوم يوم عيد فارسي مجوسي من أعياد عَّباد النار. وهو من أعظم أعيادهم، يقال: إن أول من اتخذه جمشيد أحد ملوك الفرس الأُول، ويُقال فيه: جمشاد، ومعنى جم: القمر، وشاد الشعاع أو الضياء. وسبب اتخاذهم لهذا العيد: أن طهومرت لما هلك ملك بعده جمشاد فسمي اليوم الذي ملك فيه نوروز؛ أي اليوم الجديد. ومن الفرس من يزعم أن النيروز اليوم الذي خلق الله فيه النور، وأنه كان معظم القدر عند جمشاد. وبعضهم يزعم أنه أول الزمان الذي ابتدأ فيه الفلك بالدوران، ومدته عندهم ستة أيام، أولها اليوم الأول من شهر (أفريدون ماه) الذي هو أول شهور سنتهم، ويسمون اليوم السادس النوروز الكبير؛ لأن الأكاسرة (٢) كانوا يقضون في الأيام الخمسة حوائج الناس، ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع خواصهم. وكان من عادتهم فيه: أن يأتي الملك من الليل رجل جميل الوجه، قد أرصد لما يفعله، فيقف على الباب حتى يصبح، فإذا أصبح دخل على الملك من غير استئذان، فإذا رآه الملك يقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما أسمك؟ ولأي شيء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء والسلامة وردت، ومعي السنة الجديدة. ثم يجلس، ويدخل بعده رجل معه طبق من فضة، وفيه حنطة، وشعير، وجلبان (٣) ، وحمص، وسمسم،

стр. 377

وأرز - من كل واحد سبع سنابل، وتسع حبات - وقطعة سكر، ودينار ودرهم جديدان، فيضع بين يدي الملك، ثم تدخل عليه الهدايا، ثم يدخل عليه الناس حسب مراتبهم، وقربهم من الملك، ثم يقدم للملك رغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب، موضوع في سلة، فيأكل منه ويطعم من حضره، ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، من زمان جديد، يحتاج أن تجدد فيه ما أخلق من الزمان، وأحق الناس بالفضل والإحسان الرأس على سائر الأعضاء، ثم يخلع على وجوه دولته، ويصلهم، ويفرق فيهم ما حمل إليه من هدايا، ومن عادة عوام الفرس رفع النار في ليلته ورش الماء في صبيحته (١) . فأكثر ما يفعلونه في هذا العيد هو كثرة وقود النيران - لأنَّها معبودهم- وكثرة رش الماء، فيجتمع الناس في الشوارع والساحات، وقرب الأنهار والبحيرات، مختلطين رجالهم ونساؤهم، وترتفع أصواتهم، ويشربون الخمر ظاهراً بينهم في الطرقات، ويتراش الناس بالماء، وبالماء والخمر، ويستخفون بحرمات الناس الذين لا يشاركونهم هذا الاحتفال، فيرشُّونهم بالماء ممزوجاً بالأقذار ... إلى غير ذلك من أمور الفسق والفساد (٢) . وللأسف الشديد، ليس هذا متوقفاً على الأعاجم فقط، وإنَّما يشاركهم من يدَّعي الإسلام في بلادهم، وفي غيرها من البلاد، ولاسيما الملوك والرؤساء والوزراء والتجار والأعيان، ويظهرون من الابتهاج والسرور والاحتفالات، والزينات والتهاني ما يفوق الوصف، ويكون احتفالهم وفرحهم به وتعظيمهم له، أكثر من احتفالهم وفرحهم وتعظيمهم لعيدي الأضحى والفطر (٣) . ويتجلى اهتمام من يدعي الإسلام بالاحتفال بالنيروز في تقليده للأعاجم في جميع ما يعملونه من أكل المأكولات التي تعمل في هذه المناسبات خاصة كالهريسة (٤) وغيرها من مآكلهم في النيروز. وكذلك بل بعضهم بعضاً بالماء وإلقائه في الماء،

стр. 378

وخرجهم من البساتين، ورمي بعضهم بعضاً في بِركِها، وفي البحر وغيره، مع ما يتعدى ضرر ذلك إلى الغرباء والمساكين من الرجال والنساء، وأذاهم، ممن لا يشاركهم في هذه الاحتفالات (١) . فالاحتفال بالنيروز من أعياد الملحدين، وتقليدهم لا يجوز شرعاً، فلا يجوز للمسلم أن يحضر تلك الاحتفالات، ولا أن يهنئهم على هذا العيد، ومن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تُقْبل هديته، خصوصاً إذا كانت الهدية مما يُستعان بها على التشبه بهم (٢) . والاحتفال بالنيروز عند غير الأعاجم، ليس المقصود منه تعظيم النار التي هي معبود الفرس، ولا محبة لديانتهم، ولا حباً في تقليدهم، وإنَّما الذي دعاهم إلى ذلك الشيطان الذي استولى على نفوسهم وعقولهم، فزيَّن لهم ارتكاب المعاصي، وفعل ما النساء بالرجال، وشرب الخمور، وكثرة الهرج والمرج، وتساقط الأخلاق والآداب، والتصرفات الحيوانية، بل ربما كان عند الحيوانات من الغيرة على محارمها أكثر مما عندهم ﴿ ... إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (٣) . فجمعوا بين إثم تقليد الكفار المنهي عنه، وبين الإثم المترتب على فعل المحرمات. ومن عادة الذين اتخذوا إلههم هواهم الميل إلى التصرفات الخارجة عن حدود الدين، وحدود الشرف والفضيلة، كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فيحرصون على حضور الاجتماعات والاحتفالات، التي تتوفر فيها أنواع المعاصي؛ لكونها تلبي شهوات نفوسهم المريضة - والعياذ بالله - ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) . والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 379

المبحث الثالث الاحتفال بأعياد الميلاد ومن الأمور التي تشبَّه المسلمون فيها بالكفار، الاحتفال بأعياد الميلاد. فقد جرت عادة النصارى أن يحتفلوا بكل سنة تمر من حياتهم، وهو أمر محدث في شريعتهم. فيحتفل الوالدان بمرور سنة على ميلاد ابنهما، وفي السنة الثانية يحتفلون بمرور سنتين على ميلاده..... وهكذا. وكذلك الأب والأم يحتفلون بعيد ميلادهم على هذا النحو. وعادتهم في مثل هذا الاحتفال: إقامة الزينات الملونة في أنحاء البيت، ودعوة الأقارب والأصدقاء والجيران، فيصطحب كل منهم هدية لصاحب هذا العيد. ويحرص والدي الطفل أو الزوج - إذا كان العيد لزوجته والعكس - على إحضار هدية خاصة بهذه المناسبة، وعادة ما يكون هذا الاحتفال ليلاً. ومن ضمن استعداداتهم تجهيز الحلويات والمشروبات الخاصة بهذه المناسبة، وخاصة قطعة من الكعك الخاص (١) ، والتي تكون عادة بشكل دائري، وتختلف أحجامها ومقاساتها حسب الحالة الاجتماعية، وعمر المحتفل بميلاده، ويغرس في هذه الكعكة الخاصة عدد من الشموع تكون بعدد سني المحتفل بميلاده إن كان صغيراً، وبعدد العقود إذا كان كبيراً، فمثلاً: إذا كان عمره ثلاث سنوات وضعوا ثلاث شمعات، وإذا كان كبيراً وعمره خمسين سنة مثلاً وضعوا خمس شمعات، على أساس كل عقد من عمره له شمعة واحدة. وعادة تكون هذه الكعكة الخاصة موضوعة على مائدة تحيط بها الأنواع الأخرى من الحلويات والمشروبات، فتكون في وسط المائدة.

стр. 380

ثم يوقدون الشموع المغروسة في قطعة الكعك، ثم يجتمع المحتفلون حول المائدة، ويكون المحتفل بميلاده في وسطهم قابلاً للشموع ثم يطفئ هذه الشموع بنفخه إياها، ويشاركه الحاضرون. ومعنى أنه قضى من عمره قدر هذه الشموع. ويولي الناس الاحتفال بأعياد الميلاد اهتماماً يفوق الوصف، لحرصهم على تقليد الأعاجم، مع أن هذا من المشابهة المنهي عنها، وفعلهم هذا مصداق قوله ﷺ : ((لتتبعن سنن من كل قبلكم ... )) الحديث (١) ومن مظاهر هذا الاهتمام: الإعلان عن ذلك في الصحف والمجلات، الإسراف في صنع الزينات والمأكولات والمشروبات، وتباهي الناس في ذلك ومفاخرة بعضهم بعضاً في هذا المجال. أما الأمور التي سنَّها الرسول ﷺ والتي منها: العقيقة، وهي ما يذبح عن المولود ذكراً أو أنثى، فلا يولونها أي اهتمام، وإنَّما هي سنَّة من السنن التي كادت أن تندرس بسبب كثرة البدع، والإعراض عن السنن. وهي التي قال فيها ﷺ : ((مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى)) (٢) . وقال ﷺ : ((كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه)) (٣) . وقال أيضاً: ((عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)) (٤) . وقال أيضاً:

стр. 381

((عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثاً)) (١) ......... إلى غير ذلك من الأدلة التي تدلُّ على استحباب العق عن المولود (٢) . فهذه سنة المصطفى ﵊، قد تركها الكثير من الناس ولهم في فعلها الأجر العظيم، وتشبهوا بالكفار في الاحتفال بأعياد الميلاد، فقدموا ما يحصل به العقاب، على ما ينالوا به الثواب. والسبب في ذلك ضعف الإيمان، والجهل، والتقليد الأعمى، وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكاسل بعض العلماء، وطلاب العلم في محاربة هذه المحدثات البدعية، التي ليس من شأنها إلا القضاء على السنن لتحل محلها البدع، فيحصل للناس بذلك الفساد في دينهم وأخلاقهم، وليس بعد ذلك مصيبة. حمانا الله وإياكم من كل شرِّ، وأصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، إنه سميع مجيب. والله أعلم.

стр. 382

المبحث الرابع الاحتفالات والأعياد المحدثة من الأمور التي تشبه المسلمون فيها بالكفار في هذا الوقت، وضعهم بعض الأعياد والاحتفالات المحدثة، والتي تكون معرضة للمحو والتغيير في كل فترة، لأنها من وضع البشر، وليست تشريعاً من الله، وحسب ما تراه الدول وحكامها. فتتخذ بعض الحكومات يوماً معيناً تجعله عيداً بمناسبة ثورتها أو استقلالها، وبعد أن يتغير الحكم والحكومة بسبب ثورة أخرى يجعل العيد والاحتفال في تاريخ الثورة الجديدة، ويترك الاحتفال بالثورة الأولى، فهذه الأعياد حسب رغبة من يضعها، إن شاء استمرت، وإن شاء عطلت، وكفى بذلك مهزلة!!!. وأفقدوا الأعياد قيمتها عند الناس، بأن جعلوا لكل شيء عيداً - وما المانع إذا كان إحداث العيد متوقفاً على رغبة فئة من الناس-. وهذه الأعياد والاحتفالات تختلف من دولة لأخرى، فلكل بلد مجموعة من الأعياد تختص بها، منها ما يكون رسمياً فتعطل فيه الدوائر الحكومية والمدارس، ومنها ما يختص بفئة دون فئة كعيد الأم، وعيد العمال مثلاً، ومنها ما هو شكلي كعيد الشجرة،.......وهكذا. وبعض الدول تجعل لهذه المناسبات نشرة خاصة يعرفها الناس كلهم ويتمشون عليها. وأكثر البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر تجد لها على الأقل عشرة أعياد سنوية فأكثر، مع أن أعياد المسلمين كما هو معروف عيدان فقط: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويضاف إليهما عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة. فمن شرع الباقي؟!. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) . ومن الأمثلة على هذه الأعياد: عيد النصر (٢) ، عيد العلم، عيد الأم، عيد الثورة، عيد السلام، عيد الجلاء، عيد العمال، عيد الوحدة، عيد الأحزاب، عيد

стр. 383

الدستور.... إلى غير ذلك. والعيد الذي تكاد تتفق فيه كثير من البلدان في جميع أنحاء العالم هو العيد الوطني، أو عيد الاستقلال، أو عيد الجلوس، ونحو ذلك. ويقام في اليوم الذي يوافق بداية الحكم في كل دولة، أو بداية استقلال الدولة عن حكم المستعمرين. ولا شك أن اتخاذ مثل هذه الأعياد والاحتفالات بدعة في نفسه، ومحرم، وشرع دين لم يأذن به الله (١) .

стр. 384

المبحث الخامس الاحتفال برأس السنة الهجرية في بداية كل سنة هجرية تحتفل بعض الدول الإسلامية بعيد رأس السنة فتعطل الأعمال في اليوم السابق له، واليوم اللاحق له. وليس لاحتفالهم هذا أي مستند شرعي، وإنّما هو حب التقليد والمشابهة لليهود والنصارى في احتفالاتهم. وأول من احتفل برأس السنة الهجرية -حسب اطلاعي المحدود - هم ناصري البدعة حكام الدولة العبيدية -الفاطمية- في مصر. ذكر ذلك المقريزي في خططه ضمن الأيام التي كان العبيديون يتخذونها أعياداً ومواسماً. قال: (موسم رأس السنة: وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أول المحرم في كل عام؛ لأنها أول ليالي السنة وابتداء أوقاتها ... ) ا. هـ. ثم ذكر الرسوم المتبقية في هذا الموسم، وذكر بعده موسم أول العام وعنايتهم به (١) . وعيد رأس السنة من أعياد اليهود التي نطقت بها التوراة، ويسمونه رأس هيشا، أي عيد رأس الشهر، وهو أول يوم من تشرين، ينزل عندهم منزلة عيد الأضحى عند المسلمين، ويقولون: إن الله أمر إبراهيم بذبح إسحاق (٢) ابنه ﵉ فيه، وفداه بذبح عظيم (٣) .

стр. 385

فجاء النصارى فقلدوا اليهود، وصاروا يحتفلون بليلة رأس السنة الميلادية. ولهذا الاحتفال عندهم مراسم خاصة، وذلك أنه في تلك الليلة- ليلة أول يوم من العام الجديد- يجتمع المحتفلون ويسهرون على موائد الأكل والشرب المباحة والمحرمة، في أماكن عامة للأكل والشرب والرقص واللهو. فإذا جاءت الساعة الثانية عشرة- بالتوقيت الزوالي- وهو منتصف الليل، أُطفئت الأنوار، فيقبل كل شخص من بجانبه مدة تزيد عن خمس دقائق، وتكون الأماكن مرتبة بحيث يكون كل رجل بجانبه امرأة، سواء كان يعرفها أو لا يعرفها، ويعلم كل واحد منهما أن الآخر سيقبله في الوقت الذي تطفأ فيه الأنوار، وليس المقصود من إطفاء الأنوار الستر، بل يعبرون بذلك عن نهاية عام، وبداية عام جديد. فلذلك تجد كثيراً من شباب المسلمين وشيبهم يحرصون على حضور هذه الاحتفالات، سواء في بلادهم، أو في بلاد الغرب أو الشرق، لكن لا تفوتهم هذه المراسم، ويخسرون في سبيل ذلك المال الكثير، ويعتبرون ذلك فرصة يجب أن تُنتهز؛ لأنَّها - كما يزعمون - من ليالي العمر التي لا تُنسى!!!. ولم يتوقف الاحتفال بها على النصارى فقط، بل صارت كثير من البلدان الإسلامية، والتي ربما يوجد بها نسبة من النصارى ولو قليلة، يحتفل العامة فيها بعيد رأس السنة الميلادية. وسرى التقليد إلى أن احتفلوا أيضاً برأس السنة الهجرية، ولكن المراسم تختلف. ولا شك أن في هذا الاحتفال - الاحتفال برأس السنة الهجرية - أمر مُحدث مُبتدع، لم يُؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه-رضوان الله عليهم-، ولا عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم وأعلام الأمة وعلمائها من الأئمة الأربعة وغيرهم - رحمة الله عليهم -. ولكن حدث ذلك بعد القرون المفضلة، بعدما اختلط المسلمون بغيرهم من اليهود والنصارى، ودخل في الإسلام من يريد بذلك أن يفسد على المسلمين دينهم، فصاروا يحتفلون بأعياد اليهود والنصارى، وهذا مصداق قوله ﷺ ((لتتبعن سنن من كل قبلكم ... )) الحديث (١) .

стр. 386

وقد اخترع بعض المبتدعة دعاء لليلتي أول يوم من السنة وآخرها، وصار العامة في بعض البلدان الإسلامية يرددونه مع أئمتهم في بعض المساجد، وهذا الدعاء لم يُؤثر عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين، ولم يرو في مسند من المسانيد (١) . وهذا نصه: اللهم ما عملته في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه، ونسيته ولم تنسه، وحلمت عليَّ في الرزق بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة بعد جراءتي على معصيتك، اللهم إني استغفرك منه فاغفر لي، وما عملته فيها من عمل ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك يا كريم، يا ذا الجلال والإكرام أن تقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ويقولون: فإن الشيطان يقول: قد تعبنا معه سائر السنة، فأفسد عملنا في واحدة، ويحثوا التراب على وجهه. ويسبق هذا الدعاء صلاة عشر ركعات، يقرأ في كل ركعة الفاتحة، ثم آية الكرسي عشر مرات، والإخلاص عشر مرات (٢) . ولا يخفى على طالب العلم أن الدعاء عبادة، والعبادات توقيفية، وهذا الدعاء لم يرد عن النبي ﷺ ، ولم يُذكر عن أحد من الصحابة ﵃ كما تقدَّم. ومما أحدث أيضاً في يومي آخر السنة وأولها صيامهما، واستند المبتدعة إلى حديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من الحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعل الله له كفارة خمسين سنة) (٣)

стр. 387

البحث السادس الاحتفال برأس القرن الهجري ومما أُحدث في القرون الأخيرة: الاحتفال برأس القرن الهجري، وذلك كما حدث في بداية القرن الخامس عشر الهجري، فقد احتفلت بعض البلاد الإسلامية بهذه المناسبة، وأقيمت المحافل الخطابية، وتبادل بعضهم التهاني بهذه المناسبة، وطبعت بعض الكتب مصدرة بعبارة (بمناسبة الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري) ، وليس الاعتراض على طبع الكتب، فنشر الكتب من تبليغ العلم، لاسيما إذا كانت سلفية، أو ذات منهج سلفي، ولكن الاعتراض على جعل بداية القرن موسماً من المواسم التي يحتفل الناس بها، فالاحتفال برأس القرن الهجري أمر محدث مبتدع، والنبي ﷺ قد نهى عن الإحداث في الدين. فالاحتفال برأس القرن الهجري منهي عنه من وجهين: الوجه الأول: النهي عن الاحتفال به قياساً على الاحتفال برأس السنة؛ وسبق أن عرفنا أن عيد رأس السنة من أعياد اليهود، وقلدهم فيه النصارى ثم المسلمون، والتشبه بالكفار قد نهى عنه الله في كتابه العزيز، والرسول ﷺ في سنته المطهرة (١) . وما دام الأصل منهي عنه، فكذلك يكون الفرع، فيكون الاحتفال برأس القرن الهجري من الأمور المنهي عنها؛ لأنَّ الاحتفال به فيه مشابهة لأهل الكتاب. الوجه الثاني: النهي عنه لكونه أمراً محدثاً مبتدعاً؛ لأنَّهُ لم يؤثر عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم، وعلماء الأمة المشهورين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ولا من جاء بعدهم، أنه احتفل برأس القرن الهجري، ولم يرد في كتب التاريخ -حسب اطلاعي المحدود- أن أحداً من العلماء أو الحكام احتفل برأس قرن من القرون، ولو كان خيراً لسبقنا إليه من هو أحرص منا على الخير وهم السلف الصالح - رحمة الله عليهم-.

стр. 388

وقد وردت النصوص بالنهي عن الأمور المحدثة المبتدعة، ومنها: قوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١) . وقوله ﵊: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢) ، أي: مردود عليه. فلا يشك طالب الحق المنصف، أن هذا الاحتفال داخل في الاحتفالات البدعية المنهي عنها؛ لكونها محدثة في الدين ((وكل محدثة بدعة)) (٣) ، ولمشابهة أهل الكتاب في احتفالاتهم وأعيادهم ((ومن تشبه بقوم فهو منهم)) (٤) . - والله أعلم-.

стр. 389

المبحث السابع الاحتفال بذكرى بعض العلماء ومن الأمور المحدثة التي ظهرت في بعض المجتمعات الإسلامية، الاحتفال بذكرى بعض الموتى، وخاصة العلماء، وهذا الاحتفال يكون في التاريخ الموافق لتاريخ وفاة المحتفل بذكراه، وربما كان هذا الاحتفال بعد موته بسنة أو أكثر. وهذا الاحتفال يختلف من شخص لآخر: فإن كان من عامة الناس، أو ممن ينتسبون إلى العلم وإن كانوا جهَّالاً، فبعد مرور أربعين يوماً على وفاته، يحتفل أهله بذكرى وفاته، ويسمونها (الأربعين) ، فيجمعون الناس في مخيمات خاصة، أو بيت المتوفى ويحضرون من يقرأ القرآن، ويعدون وليمة كوليمة العرس، ويزينون المكان بالأنوار الساطعة، وبالفرش الوثيرة، وينفقون النفقات الباهظة، وغرضهم من ذلك كله المباهاة والرياء، ولا شك في حرمة ذلك، لما فيه من إضاعة مال الميت لغير غرض صحيح، ولا يفيد الميت بشيء، ويعود بالخسارة على أهله. هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر، فما بالك إذا كان فيهم قاصر!!!. وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريق الربا- نعوذ بالله من سخطه- (١) . قال ابن الجوزي ﵀: (وكان من هديه ﷺ ، تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا عند غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) ١.هـ (٢) . وقال علي محفوظ ﵀: (فما يعمله الناس اليوم من اتخاذ الأطعمة

стр. 390

للمعزين، والنفقات التي تنفق في ليالي المآتم، وما يتبعها مثل ليالي الجمع والأربعين، كله من البدع المذمومة، المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ والسلف الصالح من بعده) ا. هـ (١) فهذا الاحتفال أمر محدث مبتدع، لم يُؤثر عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، ولا عن السلف الصالح ﵏. والسنة في ذلك: أن يُصنع الطعام لأهل الميت ويرسل إليهم، لا أن يصنعونه هم ويدعون الناس إليه، وقد قال ﵊ لما جاءه نعي جعفر بن أبي طالب ﵁: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)) (٢) . وقال جرير بن عبد الله البجلي: (كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة
следующие страницы →