← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقد اخترع بعض المبتدعة دعاء لليلتي أول يوم من السنة وآخرها، وصار العامة في بعض البلدان الإسلامية يرددونه مع أئمتهم في بعض المساجد، وهذا الدعاء لم يُؤثر عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين، ولم يرو في مسند من المسانيد (١) . وهذا نصه: اللهم ما عملته في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه، ونسيته ولم تنسه، وحلمت عليَّ في الرزق بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة بعد جراءتي على معصيتك، اللهم إني استغفرك منه فاغفر لي، وما عملته فيها من عمل ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك يا كريم، يا ذا الجلال والإكرام أن تقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ويقولون: فإن الشيطان يقول: قد تعبنا معه سائر السنة، فأفسد عملنا في واحدة، ويحثوا التراب على وجهه. ويسبق هذا الدعاء صلاة عشر ركعات، يقرأ في كل ركعة الفاتحة، ثم آية الكرسي عشر مرات، والإخلاص عشر مرات (٢) . ولا يخفى على طالب العلم أن الدعاء عبادة، والعبادات توقيفية، وهذا الدعاء لم يرد عن النبي ﷺ ، ولم يُذكر عن أحد من الصحابة ﵃ كما تقدَّم. ومما أحدث أيضاً في يومي آخر السنة وأولها صيامهما، واستند المبتدعة إلى حديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من الحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعل الله له كفارة خمسين سنة) (٣)

стр. 387

البحث السادس الاحتفال برأس القرن الهجري ومما أُحدث في القرون الأخيرة: الاحتفال برأس القرن الهجري، وذلك كما حدث في بداية القرن الخامس عشر الهجري، فقد احتفلت بعض البلاد الإسلامية بهذه المناسبة، وأقيمت المحافل الخطابية، وتبادل بعضهم التهاني بهذه المناسبة، وطبعت بعض الكتب مصدرة بعبارة (بمناسبة الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري) ، وليس الاعتراض على طبع الكتب، فنشر الكتب من تبليغ العلم، لاسيما إذا كانت سلفية، أو ذات منهج سلفي، ولكن الاعتراض على جعل بداية القرن موسماً من المواسم التي يحتفل الناس بها، فالاحتفال برأس القرن الهجري أمر محدث مبتدع، والنبي ﷺ قد نهى عن الإحداث في الدين. فالاحتفال برأس القرن الهجري منهي عنه من وجهين: الوجه الأول: النهي عن الاحتفال به قياساً على الاحتفال برأس السنة؛ وسبق أن عرفنا أن عيد رأس السنة من أعياد اليهود، وقلدهم فيه النصارى ثم المسلمون، والتشبه بالكفار قد نهى عنه الله في كتابه العزيز، والرسول ﷺ في سنته المطهرة (١) . وما دام الأصل منهي عنه، فكذلك يكون الفرع، فيكون الاحتفال برأس القرن الهجري من الأمور المنهي عنها؛ لأنَّ الاحتفال به فيه مشابهة لأهل الكتاب. الوجه الثاني: النهي عنه لكونه أمراً محدثاً مبتدعاً؛ لأنَّهُ لم يؤثر عن السلف الصالح من التابعين وتابعيهم، وعلماء الأمة المشهورين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ولا من جاء بعدهم، أنه احتفل برأس القرن الهجري، ولم يرد في كتب التاريخ -حسب اطلاعي المحدود- أن أحداً من العلماء أو الحكام احتفل برأس قرن من القرون، ولو كان خيراً لسبقنا إليه من هو أحرص منا على الخير وهم السلف الصالح - رحمة الله عليهم-.

стр. 388

وقد وردت النصوص بالنهي عن الأمور المحدثة المبتدعة، ومنها: قوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١) . وقوله ﵊: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢) ، أي: مردود عليه. فلا يشك طالب الحق المنصف، أن هذا الاحتفال داخل في الاحتفالات البدعية المنهي عنها؛ لكونها محدثة في الدين ((وكل محدثة بدعة)) (٣) ، ولمشابهة أهل الكتاب في احتفالاتهم وأعيادهم ((ومن تشبه بقوم فهو منهم)) (٤) . - والله أعلم-.

стр. 389

المبحث السابع الاحتفال بذكرى بعض العلماء ومن الأمور المحدثة التي ظهرت في بعض المجتمعات الإسلامية، الاحتفال بذكرى بعض الموتى، وخاصة العلماء، وهذا الاحتفال يكون في التاريخ الموافق لتاريخ وفاة المحتفل بذكراه، وربما كان هذا الاحتفال بعد موته بسنة أو أكثر. وهذا الاحتفال يختلف من شخص لآخر: فإن كان من عامة الناس، أو ممن ينتسبون إلى العلم وإن كانوا جهَّالاً، فبعد مرور أربعين يوماً على وفاته، يحتفل أهله بذكرى وفاته، ويسمونها (الأربعين) ، فيجمعون الناس في مخيمات خاصة، أو بيت المتوفى ويحضرون من يقرأ القرآن، ويعدون وليمة كوليمة العرس، ويزينون المكان بالأنوار الساطعة، وبالفرش الوثيرة، وينفقون النفقات الباهظة، وغرضهم من ذلك كله المباهاة والرياء، ولا شك في حرمة ذلك، لما فيه من إضاعة مال الميت لغير غرض صحيح، ولا يفيد الميت بشيء، ويعود بالخسارة على أهله. هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر، فما بالك إذا كان فيهم قاصر!!!. وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريق الربا- نعوذ بالله من سخطه- (١) . قال ابن الجوزي ﵀: (وكان من هديه ﷺ ، تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا عند غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) ١.هـ (٢) . وقال علي محفوظ ﵀: (فما يعمله الناس اليوم من اتخاذ الأطعمة

стр. 390

للمعزين، والنفقات التي تنفق في ليالي المآتم، وما يتبعها مثل ليالي الجمع والأربعين، كله من البدع المذمومة، المخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ والسلف الصالح من بعده) ا. هـ (١) فهذا الاحتفال أمر محدث مبتدع، لم يُؤثر عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ﵃، ولا عن السلف الصالح ﵏. والسنة في ذلك: أن يُصنع الطعام لأهل الميت ويرسل إليهم، لا أن يصنعونه هم ويدعون الناس إليه، وقد قال ﵊ لما جاءه نعي جعفر بن أبي طالب ﵁: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم)) (٢) . وقال جرير بن عبد الله البجلي: (كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة

стр. 391

الطعام من النياحة) ا. هـ (١) . أما إذا كان المحتفل بذكراه من العلماء، ففي اليوم الذي يوافق تاريخ وفاته، بعد مرور سنة أو سنين معينة، يعمل له احتفال خاص، ويعهد إلى مجموعة من الباحثين كتابة بعض البحوث في سيرته وشخصيته، ومنهجه في التأليف، وكل ما يتعلق به، ثم تلقى في هذا الاحتفال، وتطبع كتبه، أو المهم والمشهور منها، وتوزع أو تُنشر في الأسواق إحياء لذكراه بزعمهم، وبياناً لجهوده في سبيل نشر العلم والتأليف ونحو ذلك. وإذا كان من الملوك أو السلاطين أو الرؤساء، فيحتفل بهذه المناسبة، ويتكلم كبار المحتفلين عن مآثره وجهوده في الحكم، وربما صدر بعض الكتب عنه بهذه المناسبة. ومن الناس من يذهب إلى قبره، ويضع عليه الورود، ويقرأ على روحه الفاتحة، وكل هذه بدع ما أنزل الله بها من سلطان. وليس في نشر كتب العالم، والكتابة في سيرته، ومنهجه في التأليف وطباعة كتبه، بأس، بل هذا مطلوب إن كان يستحق ذلك، ولكن لا يخصص ذلك بزمن معين، ولا يكون مصحوباً باحتفالات ومهرجانات خطابية ونحو ذلك، وكذلك الملوك والحكَّام. فالاحتفال بذكرى بعض الموتى كالعلماء والحكام، وبعض العامة ونحوهم، أمر محدثٌ مبتدع، وكفى بهذا ذماً له. فإنه لا أحد أوسع علماً منه ﷺ ، ولا أفضل طريقة في الدعوة إلى الدين، ولا أشرف مقاماً، ولا أعظم منزلة منه- ﵊ فهو أفضل الخلق على الإطلاق، ومع ذلك لم يحتفل الصحابة -رضوان الله عليهم- بذكراه- مع أنه لا يمكن أن يحب مخلوق مخلوقاً كمحبة الصحابة - رضوان الله عليهم - للرسول ﷺ ولا التابعين، ولا تابعيهم، ولا السلف الصالح -رحمة الله عليهم- ولو كان في ذلك خيراً

стр. 392

لسبقونا إليه. فتقدير العلماء لا يكون بالاحتفال بذكراهم، بل يكون بالحرص على الاستفادة مما كتبوا وألفوا، عن طريق النشر والقراءة، والتعليق والشروح، ونحو ذلك. هذا إذا كانوا يستحقون ذلك، بسيرهم على المنهج السلفي الصحيح، والبُعد عن منهج الفرق الضالة، أو التأثر بالغرب ونحوهم. والعلماء من السلف الصالح ومن جاء بعدهم، قد حفظت ذكراهم ورواياتهم، وما أظهروه للناس من العلم، فالعالم يموت ويفارق الدنيا، ويبقى علمه يتناقله الناس جيلاً بعد جيل. وبسبب ما استفاد الناس من علمهم، صاروا يترحمون عليهم، ويَدْعُونَ لهم بالأجر والمثوبة، وهذا أعظم إظهار لذكراهم. أما الاحتفال بذكراهم، والتبرك بزواياهم وآثارهم، والطواف بقبورهم، فكل ذلك من البدع، التي قد يصل بعضها إلى درجة الإشراك بالله -نعوذ بالله من ذلك -. ولو أن هؤلاء العلماء - الذين يُحتفل بذكراهم ويُتبرك بزواياهم - أحياء لأنكروا على من يفعل هذه الأمور. ولكن بعض الناس قد أغواه هواه والشيطان، والداعون إلى البدع لدنيا يصيبونها، أو منصب يترأسون الناس به، فانزلق في متاهات البدع التي لا خلاص منها، إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ والوقوف عليهما، وعلى ما أجمع عليه علماء الأمة، وترك ما أحدث من البدع، التي هي شر في ذاتها، وتؤدي إلى شرٍّ أعظم، وبَلِيَّةٍ أكبر. فنسأل الله لنا ولهم الهداية إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يباعد بيننا وبين طريق المغضوب عليهم وطريق الضَّالين، إنه على كل شيء قدير.

стр. 393

المبحث الثامن مشروعية مخالفة أهل الكتاب لا يخفى على كل مسلم أن التشبه بأهل الكتاب حرام، - سواء في عاداتهم أو أعيادهم أو أخلاقهم أو غير ذلك-؛ لأنَّ التشبه بهم يدل على نوع مودة ومحبة وموالاة، وإن لم يجاهر المتشبه بذلك، وإن لم يورث نوع مودة ومحبة، فهو على الأقل مظنة المودة فيكون محرماً من هذا الوجه سداً للذريعة، وحسماً لعادة حب الكافرين والولاء لهم، فضلاً عن كونه محرماً من وجوه أخرى، بالنصوص الواردة وغيرها. وكلما كانت المشابهة أكثر، كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. بعكس المتمسكين بهدي الإسلام، والبعيدين عن مشابهة الأمم الأخرى، فهم أكثر نفرة وأقل مودة لغير المسلمين. والتشبه بأهل الكتاب لا يقتصر على المودة الظاهرة بين المسلم والكافر، بل قد يصل إلى الأمور الاعتقادية والفكرية الباطنية، وهذا أخطر من سابقه؛ لأن المسلم الذي يقلِّد الكفار في الظاهر، يقوده ذلك إلى التأثر باعتقاداتهم الباطنية، وذلك عن طريق الاستدراج الخفي شيئاً فشيئاً. فأكثر من تعلموا في ديار الغرب، أو عاشوا بعض الوقت عندهم، تجدهم يعشقون حياتهم الغربية، ويحاولون بقدر الإمكان تقليدهم في كثير من الأمور لشدة إعجابهم بهم، فيأتون من عندهم وقد حملوا أفكاراً واعتقادات غريبة عن الإسلام، بل بعضها ربما ينافي العقيدة الإسلامية الصحيحة - هدانا الله وإياهم -. ومن الأمور التي تساهل بها بعض المسلمين، وسارعوا إلى التشبه بالأمم الأخرى فيها: الأعياد والاحتفالات البدعية -التي هي موضوع كتابنا- فأحدثوا من البدع في هذا المجال الشيء الكثير، مما حدا بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن يؤلف كتاباً كاملاً في النهي عن مشابهة أهل الكتاب، وخاصة في أعيادهم، سمَّاه (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) . فقال ﵀ بعد حمد الله والثناء عليه بما

стр. 394

هو أهله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ : (وبعد: فإني كنت قد نهيت إمَّا مبتدئاً أو مجيباً عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك من الأثر القديم، والدلالة الشرعية، وبينت بعض حكمة الشرع في مجانبة الكفار -من الكتابيين والأميين- وما جاءت به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والأعاجم.... ثم بلغني بأُخرة (١) أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده، لمخالفة عادة قد نشأوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها، فاقتضاني (٢) بعض الأصحاب أن أعلِّق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى أصل هذه المسألة، لكثرة فائدتها، وعموم المنفعة بها، ولما قد عمَّ كثيراً من الناس من الابتلاء بذلك، حتى صاروا في نوع جاهلية، فكتبت ما حضرني الساعة، مع أنه لو استوفى ما في ذلك من الدلائل، وكلام العلماء، واسْتقْريتُ الآثار في ذلك، لوجد فيه أكثر مما كتبته) ا. هـ (٣) . ويعتبر كتاب شيخ الإسلام ﵀ هذا، من أحسن ما أُلف في هذا الباب، فقد ذكر فيه تحريم مشابهة الكفار بالأدلة: من الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار. فذكر من الآيات القرآنية ما ينيف على ثلاثين آية، وقرر بعد كل آية وجه دلالتها على ذلك، ثم ذكر من الأحاديث النبوية الدَّالة على تحريم مشابهة أهل الكتاب ما يقارب مائة حديث، وأعقب كل حديث بذكر وجه دلالته على ذلك، ثم ذكر الإجماع على التحريم، ثم ذكر الآثار، ثم ذكر من الاعتبار ما في بعضه الكفاية. فما أجلّ هذا الكتاب وأكبر فائدته (٤) . وسأذكر- إن شاء الله- بعضاً من هذه الآيات، والأحاديث، وكذلك الإجماع، وبعض الأدلة من الآثار والاعتبار الدَّالَّة على تحريم مشابهة أهل الكتاب على النحو التالي:

стр. 395

[الأدلة على تحريم مشابهة أهل الكتاب] أولاً: الأدلة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ*إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) وجه الدلالة من الآيات: أخبر الله في هذه الآيات أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغياً من بعضهم على بعض، ثم جعل الرسول ﷺ على شريعة شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته. وأهواؤهم: ما يهوونه، وما كان عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، وموافقتهم فيه، اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم وموافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه (٢) . قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ*وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ (٣) . وجه الدلالة من الآيات: أن الضمير في أهوائهم يعود -والله أعلم- إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئاً من القرآن: من يهودي ونصراني وغيرهما، وقد قال جلَّ وعلا: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع

стр. 396

أهوائهم بما هو دون ذلك (١) . وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٢) . وجه الدلالة من الآيات: أن الله- سبحان وتعالى- قال في الخبر ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وقال في النهي ﴿هْوَاءَهُمْ﴾ ؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقاً والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه (٣) . وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤) . وجه الدلالة من الآيات: قال غير واحد من السلف (٥) : معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة: إذ الحجَّة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل. ﴿إِلَّا

стр. 397

الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا فيوشك أن يعودوا إلى ديننا. فبين الله أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُبع في شيء من أمره، كان له من الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة (١) . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) وجه الدلالة من الآية: أن المراد بالذين تفرَّقوا هم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولذلك نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، مع أن قوله: لا تكن مثل فلان. قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دلّ على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع، ودلَّ على أنه كلما بَعُدَ الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا، كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة (٣) . وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٤) . وجه الدلالة من الآيات: أن متابعتهم في هديهم، هي من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه،

стр. 398

وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (واعلم أن كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة، وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثير، مثل قوله تعالى؛ لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات (٢) : ﴿ ... فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤) . وأمثال ذلك، ومنه ما يدلُّ على مقصودنا ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود. ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا، فجميع الآيات دالَّة على ذلك، وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنَّما يدلُّ عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدلُّ على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة، كان هو المقصود هنا) ا. هـ (٥) . ثانياً: الأدلة من السنة: قوله ﷺ : ((إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)) (٦) وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول ﷺ أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمراً مقصوداً للشارع؛ لأنَّه إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط، فهو لأجل ما فيه من المخالفة. فالمخالفة إما علّة مفردة - أي أن المخالفة هي وحدها تكون علَّة للنهي- أو علة

стр. 399

أخرى، أو بعض علة، وعلى هذه التقديرات تكون مأموراً بها مطلوبة من الشارع (١) . قوله ﷺ : ((خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى)) (٢) وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول ﷺ أمر بمخالفة المشركين مطلقاً، ثم قال ((أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى)) . وهذه الجملة بدلاً من الأولى، فإن الإبدال يقع في الجمل، كما يقع في المفردات، كقوله تعالى: ﴿َسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (٣) . فهذا الذبح والاستحياء هو سوم العذاب، فكذلك هنا: هذا هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا، لكن الأمر بها أولاً بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وإن عنيت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص، وفي رواية لمسلم: ((جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس)) (٤) . (٥) . قوله ﷺ : ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) (٦) وجه الدلالة من الحديث: (كالحديث السابق) . قوله ﷺ : ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)) (٧) .

стр. 400

وجه الدلالة من الحديث: أن الفصل بين عبادة المسلمين وعبادة أهل الكتاب: أمر مقصود للشارع، وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عن- أنَّ النبي ﷺ : ((لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون)) (١) . وهذا نص في ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى. وإذا كانت مخالفتهم سبباً لظهور الدين، فإنَّما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة (٢) . قوله ﷺ : ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (٣) . وجه الدلالة من الحديث: أنه قد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً، أو

стр. 401

معصية، أو شعاراً لها، كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه، بعلة كونه تشبهاً، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير قد فعله أيضاً، ولم يأخذ أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبه نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وهذا الحديث أقل أحوال أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) ا. هـ (٢) . ثالثاً: الأدلة من الإجماع: أن عمر بن الخطاب ﵁، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمَّة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم: قلنسوة (٣) أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيِّنا حيثما كنَّا، وأن نشد الزنانير (٤) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليباً ولا كتباً في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين (٥)

стр. 402

فهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مُجْمَعٌ عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم وسائر الأئمة. والقصد من هذه الشروط: ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، ل بالتميز في عامة الهدي، وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهراً، وترك التشبه بهم. والمقصود من هذا التييز ليُعرفوا (١) . ما رواه قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ على امرأة من أحمس (٢) ، يقال لها: زينب، فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ . قالوا: حجَّت مصمته. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ . قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ . قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ . قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك الناس (٣) .

стр. 403

فأخبر أبو بكر ﵁ أن الصمت المطلق لا يحل، وعقَّب ذلك بقوله: ((هذا من عمل الجاهلية)) ، قاصداً بذلك عيب هذا العمل وذمّه. وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علَّة، فدلَّ على أن كونه من عمل الجاهلية وصف يوجب النهي عنه، والمنع منه. ومعنى قوله: ((من عمل الجاهلية)) ، أي: ما انفراد به أهل الجاهلية ولم يشرع في الإسلام، فيدخل في هذا كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١) . والمكاء: الصفير ونحوه، والتصدية: التصفيق (٢) . فما تقدم من الآيات والأحاديث والآثار: يدلُّ على وجوب مخالفة أهل الكتاب عموماً، وعدم التشبه بهم في جميع الأمور. أما ما يتعلق بالنهي عن مشابهتهم في أعيادهم واحتفالاتهم، فقد وردت فيه آيات وأحاديث وآثار ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وسأذكر بعضها فيما يلي: أولاً: من الكتاب: ما تأوَّله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ (٣) . قال أبو العالية،

стр. 404

وطاوس، وابن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: (هو أعياد المشركين) (١) . وفي رواية عن ابن عباس ﵄: أنه أعياد المشركين. وقال عكرمة ﵀: (لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور) (٢) . وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار، ليس مخالفاً لقول بعضهم: إنه الشرك، أو صنم كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا (٣) ، وقول بعضهم: إنه الغناء؛ لأنَّ عادة السلف في تفسيرهم هكذا، يذكر الرجل نوعاً من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس. وقال قوم: إن المراد: شهادة الزور هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: لا يشهدون بالزور، والعرب تقول: (شهدت كذا: إذا حضرته) . كقول ابن عباس ﵄: ((شهدت العيد مع

стр. 405

رسول الله ﷺ ) (١) . ووجه تفسير التابعين المذكورين: أن الزور هو المحسن المموه حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله ﷺ : ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) (٢) ؛ لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده. فالشاهد بالزور يظهر كلاماًُ يخالف الباطن، ولهذا فسَّره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة أو الشهود، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة. وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهود، وهي باطل؛ إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة: فعاقبتها إلى ألم فصارت زوراً، وحضورها شهوداً. وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور، برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهود؟! ثم مجرد هذه الآية، فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم، وذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم، وغيرها من الزور، ويقضي الندب إلى ترك حضورها، وقد يفيد كراهة حضورها لتسمية الله لها زوراً، فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر، ودلالتها على تحريم فعلها أوجه (٣) . ثانياً: من السنة: ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ((ما هذان اليومان؟)) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية،

стр. 406

فقال ﷺ : ((إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر)) (١) . وجه الدلالة من الحديث: أن العيدين الجاهلين لم يقرهما رسول الله ﷺ ، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: ((إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين)) ، والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤) . وقوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (٥) . ومنه الحديث في المقبور: ((فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به خيراً منه مقعداً في الجنة)) (٦) . فقوله ﷺ : ((إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما)) يقتضي ترك الجمع بينهما لاسيما وقوله ((خيراً منهما)) يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية. وأيضاً فقوله لهم: ((إن الله قد أبدلكم)) لما سألهم عن اليومين فأجابوا: بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليلٌ على أنه نهاهم عنهما اعتياضاً بيومي الإسلام؛ إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسباً؛ إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية. وفي قول أنس ﵁: ((ولهم يومان يلعبون فيهما)) ، وقول النبي ﷺ : ((إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منها: يوم الأضحى ويوم الفطر)) دليل على أن أنساً ﵁ فهم من

стр. 407

قول النبي ﷺ : ((أبدلكم بهما)) تعويضاً باليومين المبدلين. وأيضاً فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما، ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا بقوا على العادة؛ إذ العادات لا تتغير إلا بمغير يزيلها ولاسيما طباع النساء والصبيان، ونفوس كثير من الناس متشوقة إلى اليوم الذي يتخذونه عيداً للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس من عاداتهم في أعيادهم، لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتاً، وكل ما منع منه النبي ﷺ منعاً قوياً كان محرماً؛ إذا لا يعنى بالمحرم إلا هذا. وهذا أمر بيِّن لا شُبهة فيه، فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما - إن رخص فيه - كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب. والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإنَّ الأئمة قد حذَّروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام (١) أنفس المؤمنين عموماً، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى؛ إذا الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي (٢) . ما رواه ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتي النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ :

стр. 408

((هل كان فيه وثن (١) من أوثان الجاهلية يعبد؟)) قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعياده؟ قال: لا، قال رسول ﷺ : ((أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم)) (٢) . وجه الدلالة من الحديث: أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعماً: إما إبلاً وإما غنماً - على رواية أخرى (٣) - بمكان سماه - بوانة- فسأله النبي ﷺ : ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟)) قال: ((فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟)) . قال: لا. قال: ((أوفِ بنذرك)) ، ثم قال: ((لا وفاء لنذر في معصية الله)) . وهذا يدلُّ على أن الذبح بمكان عيدهم، ومحل أوثانهم معصية لله، من وجوهٍ: أحدها: أن قوله: ((فأوف بنذرك)) (٤) تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدلُّ على أن الوصف هو سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود النذر خالياً من هذين الوصفين، فيكون الوصفان ما نعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به. الثاني: أنه عقّب ذلك بقوله: ((لا وفاء لنذر في معصية الله)) . ولولا اندراج الصورة المسئول عنها في اللفظ العام، لم يكن في الكلام ارتباط، والمنذور في نفسه -وإن لم يكن معصية- لكن لما سأله النبي ﷺ عن الصورتين قال له: ((فأوف بنذرك)) . يعني: حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح هناك فكان جوابه ﷺ فيه أمر بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهي عن وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبيَّن ما لا وفاء فيه. واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلا بدَّ أن يكون السبب مندرجاً فيه. الثالث: أنه لو كان الذبح في مواضع العيد جائز لسوغ النبي ﷺ للناذر الوفاء، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به (٥) . بل لأوجب الوفاء به، إذا كان الذبح بالمكان المنذور واجباً، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهياً عنه، فكيف بالموافقة

стр. 409

في نفس العيد، بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟ فإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يذبح في مكان، كان الكفار يعملون فيه عيداً، وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيداً، بل يذبح فيه فقط، فقد ظهر أن ذلك سداً للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سبباً لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيداً، مع أن ذلك العيد إنما كان- والله أعلم - سوقاً يتبايعون فيها، ويلعبون كما قالت الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم، ولهذا فرق ﷺ بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد، وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان. وفعل أعياد الكتابيين وغيرهم التي تتخذ ديناً وعبادة أعظم تحريماً من عيد يتخذ لهواً ولعباً؛ لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرَّمه. ولهذا كان الشرك أعظم إثماً من الزنا، ولهذا كان جهاد أهل الكتاب أفضل من جهاد الوثنيين. وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان، خشية أن يتدنس المسلم بشيء من أمر الكفار - الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب -، فالخشية من تدنسه بأوضار (١) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد، كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم. ويضاف إلى ما تقدم أيضاً: أن هذا الحديث وغيره، قد دلَّ على أنه كان للناس في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه بمبعث رسول الله ﷺ محى الله ذلك عنه فلم يبق شيء من ذلك، ومعلوم أنه لولا نهيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد؛ لأن المقتضى لها قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يُصنع في الأعياد، وخصوصاً أعياد الباطل، من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة طبيعة ثانية وإذا كان المقتضي قائماً قوياً، فلولا المانع القوي لما درست تلك الأعياد. وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين ﷺ كان يمنع أمته منعاً قوياً عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها وطمسها بكل سبيل، وليس في إقرار أهل الكتاب على

стр. 410

دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته، لما هم عليه في سائر أعمالهم، من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ ﷺ في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزاً ومانعاً عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم (١) . ما روته عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر ﵁ وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٢) ، قال: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر ﵁: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) (٣) وفي رواية: ((يا أبا بكر! إن لكل قوم عيداً وإن عيدنا هذا اليوم)) (٤) . وفي رواية: ((دعهما يا أبي بكر، فإنها أيام عيد)) . وتلك الأيام أيام منى (٥) .

стр. 411

وجه الدلالة من الحديث: أحدها: قوله: ((إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) . فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (٢) ، أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم، وكذلك لا ندعهم يشركوننا في عيدنا. الثاني: قوله: ((وهذا عيدنا)) فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: ((وإن عيدنا هذا اليوم)) فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصراً في جنس ذلك، كما في قوله: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) (٣) . وليس غرض ﷺ الحصر في عين ذلك العيد، أو عين ذلك اليوم، بل الإشارة إلى جنس المشروع، كما تقول الفقهاء: باب صلاة العيد، ويندرج فيه صلاة العيدين، كما يُقال: لا يجوز صوم يوم العيد. وكذا قوله: ((وإن هذا اليوم)) ، أي: جنس هذا اليوم، كما يقول القائل لما يعاينه من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقول لمخرج الناس إلى الصحراء، وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك: هذا عيد المسلمين ... ونحو ذلك. ومن هذا الباب: قوله: ((يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)) (٤) .

стр. 412

فإنه دليل مفارقتنا لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنَّه يجتمع فيها العيدان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير، فلما كملت فيه صفات التعبيد: حصر الحكم فيه لكماله، أو لأنه عدّ أياماً، وليس لنا عيد هو أيام، إلا هذه الخمسة. الثالث: أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللاً بأن لكل قوم عيداً، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد مسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص فيه في أعياد المسلمين؛ إذ لو ما فعل في عيدنا من ذلك اللعب يسوغ مثله في أعياد الكفار أيضاً لما قال: ((فإن لكل قوم عيداً، وإن هذا عيدنا)) ؛ لأن تعقيب الحكم بالوصف بحرف الفاء دليل على أنه علة، فيكون علة الرخصة: أن كل أمة مختصة بعيد، وهذا عيدنا، وهذه العلة مختصة بالمسلمين، فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه (١) . أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وكان اليهود بالمدينة (٢) كثيراً في حياة رسول الله ﷺ ، وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد، طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيراً، فإنه مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران (٣) وغيرها، والفرس بالبحرين (٤) . ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضاً أن المقتضي لما يفعل في العيد: من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة ونحو ذلك، قائم في النفوس كلها، إذا لم يوجد مانع، خصوصاً في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس.

стр. 413

ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقيناً أن المسلمين على عهده ﷺ ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، بل ذلك اليوم عند رسول الله ﷺ وسائر المسلمين يوم من الأيام، لا يخصونه بشيء أصلاً، إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه كصومه ونحو ذلك. فلولا أن المسلمين كان دينهم الذي تلقوه عن نبيهم ﷺ منع من ذلك وكف عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك؛ لأن المقتضى إلى ذلك قائم، كما تدلُّ عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، فلا شك أن المسلمين تلقُّوا عن نبيهم ﷺ المنع عن مشاركتهم في أعيادهم (١) . ما رواه أبو هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتينا من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً، والنصارى بعد غداً)) (٢) . وفي لفظ: ((بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له)) (٣) وعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ :

стр. 414

((أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقتضي لهم)) . وفي رواية: ((المقضي بينهم - قبل الخلائق)) (١) . وقد سمى النبي ﷺ الجمعة عيداً في غير موضع ونهى عن إفراد بالصوم لما فيه من معنى العيد. وجه الاستدلال من الحديث: أنه ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص، وهذا الكلام يقتضي الاقتسام، فإذا قيل: هذه ثلاثة أبواب: هذا لي، وهذا لزيد وهذا لعمرو. أوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصاً بما جعل له، ولا يشركه فيه غيره. فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت، أو عيد يوم الأحد، خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحولي , إذا لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يُعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تُعرف إلا بالحساب الرومي أو القبطي أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك (٢) . ثالثاً: و من الإجماع: ما تقدم التنبيه عليه، من أن اليهود والنصارى والمجوس، ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السابقين من المسلمين، من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة، كراهة ونهياً عن ذلك، وإلا لوقع ذلك كثيراً، والمانع هو الدين، فعُلِم أن الدين دين الإسلام هو المانع من الموافقة، وهو المطلوب. أنه قد تقدَّم في شروط عمر ﵁ التي اتفقت عليها الصحابة، وسائر الفقهاء بعدهم، أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام،

стр. 415

وسُمُّوا الشعانين (١) والباعوث (٢) فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أوليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهراً لها؟ . وذلك: أنَّا إنَّما منعناهم من إظهارها لما فيه من الفساد؛ إما لأنها معصية، أو شعار معصية، وعلى التقديرين: فالمسلم ممنوع من المعصية ومن شعارها، ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجرئة الكافر على إظهارها لقوة قلبه بالمسلم إذا فعلها، فكيف وفيها من الشر الشيء الكثير! (٣) رابعاً: من الآثار: قول عمر ﵁: ((لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة (٤) تنزل عليهم)) (٥) . قول عمر ﵁: ((اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)) (٦) . قول عبد الله بن عمر- ﵄: ((من بنى ببلاد الأعاجم وصنع

стр. 416

نيروزهم (١) ومهرجانهم (٢) ، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حُشِر معهم يوم القيامة)) (٣) . عن محمد بن سيرين قال: أُتي على ﵁ بهدية النيروز. فقال: ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم النيروز. قال: فاصنعوا كل يوم فيروزاً. قال أسامة: كره أن يقول: نيروز (٤) . وقال البيهقي: وفي هذا الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصاً به (٥) .

стр. 417

فمما تقدم من الآثار نري أن عمر ﵁ نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم؟! أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم؟. أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟. أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟ . وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك؟ ثم قال: ((اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)) . أليس نهياً عن لقائهم والاجتماع بهم فيه؟ فكيف بمن عمل عيدهم؟ وأما عبد الله بن عمر ﵄ فصرح أنه: من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حُشر معهم. وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن مؤثراً في استحقاق العقوبة، لم يجز جعله جزاءاً من المقتضي، إذا المباح لا يُعاقب عليه، وليس الذم على بعض ذلك مشروطاً ببعض، لأن أبعاض ما ذكره يقتضي الذم منفرداً، وإنما ذكر - والله أعلم - من بني ببلادهم، لأنهم على عهد عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام، وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم، وإنَّما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم. وأما علي ﵁، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟ (١) . ومن الاعتبار: وجوه عدة ، منها: * الوجه الأول: أن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، التي قال الله فيها:

стр. 418

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (١) . كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه، موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شرائعه، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. وأما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية، وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: ((إن لكل قوم عيداً وإن هذا عيدنا)) . وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار (٢) ونحوه من علاماتهم؛ لأن تلك علامة وضعية ليست من الدين، وإنما الغرض بها مجرد التمييز بين المسلم والكافر، وأما العيد وتوابعه، فإنه من الدين الملعون أهله، فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. فعيد الكفار شريعة من شرائع الكفر، أو شعيرة من شعائره، فحرمت موافقتهم فيه كسائر شعائر الكفر وشرائعه (٣) . * الوجه الثاني: أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنَّه إما محدث مبتدع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله- ولا حسن فيه- أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس. هذا إذا كان المفعول مما يتدين به، وأما ما يتبع ذلك من التوسع في العادات من الطعام واللباس، واللعب والراحة، فهو تابع لذلك العيد الديني، كما أن ذلك تابع له في دين الله: الإسلام. فيكون بمنزلة أن يتخذ بعض المسلمين عيداً مبتدعاً يخرج فيه إلى الصحراء، ويفعل فيه من العبادات والعادات من جنس المشروع في يومي الفطر والنحر، أو مثل أن ينصب بنية يطاف بها وتحج، ويصنع لمن يفعل ذلك طعاماً ونحو ذلك. فلو فعل المسلم ذلك، لكان غير عادته ذلك اليوم، كما يغير أهل البدعة عادتهم

стр. 419

في الأمور العادية أو بعضها، بصنعة طعام وزينة لباس، وتوسيع في نفقة ونحو ذلك، من غير أن يتعبد بتلك العادة المحدثة، ألم يكن هذا من أقبح النكرات؟ فكذلك موافقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين أشدّ. وأهل الكتاب يقرون على دينهم المبتدع والمنسوخ مستسرين به، والمسلم لا يقر على مبتدع ولا منسوخ، لا سراً ولا علانية، وأما مشابهة الكفار فكمشابهة أهل البدع وأشدّ (١) . * الوجه الثالث: أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك، أدي إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله، حتى يصير عادة للناس بل عيداً، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يُزاد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر، كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، فيما يفعلونه في أواخر صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات وكسوة الأولاد، وغير ذلك، مما يصير به مثل عيد المسلمين، بل البلاد المصاقبة (٢) للنصارى التي قلَّ عِلْمُ أهلها وإيمانهم، قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله. فالمشابهة تفضي إلى كفر، أو معصية غالباً، أو تقضي إليهما في الجملة، وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان محرماً، فالمشابهة محرمة، والمقدمة الثانية لا ريب فيها، فإن استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها دالٌّ على أن ما أفضى إلى الكفر غالباً حرِّم، وما أفضى إليه وجه خفي حرم، وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعوا إليه حرم. والمقدمة الأولى قد شهد بها الواقع شهادة لا تخفى على بصير ولا أعمى مع أن الإفضاء أمر طبيعي، قد اعتبره الشارع في عامة الذرائع التي سدَّها، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب ((إقامة الدليل على إبطال التحليل)) (٣) . (٤) .

стр. 420

* الوجه الرابع: أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج، ولهذا جاءت بها كل شريعة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) . وقال جل وعلا: ﴿كُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٢) . ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين ﷺ من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٣) . ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية، فإنه لا عيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان وهو عيد النحر، ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله ﷺ بعامة المسلمين، وقد نفى الله تعالى الكفر وأهله. ومن شأن الجسد إذا كان جائعاً فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم (٤) ، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له، الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلَّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمَّته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولذا تجد من أكثر سماع القصائد لطلب صلاح قلبه، تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه. ولهذا عظَّمت الشريعة النكير على من أحديث البدع، وكرهتها؛ لأنَّ البدع لو خرج الرجل منها كفافاً لا عليه ولا له، لكان الأمر خفيفاً، بل لابد أن يوجب له فساداً، منه نقص منفعة الشريعة في حقه؛ إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض منه.

стр. 421

ولهذا قال ﷺ في العيدين الجاهليين: ((إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيراً منهما)) (١) . فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة، مانعاً من الاغتذاء، أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال الصالحة النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر، كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر، وبهذا يتبين بعض ضرر البدع (٢) . * الوجه الخامس: أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم، بما هم عليه من الباطل، خصوصاً إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار، فرأوا المسلمين قد صاروا فرعاً لهم في خصائص دينهم، فإنَّ ذلك يوجب قوة قلوبهم، وانشراح صدورهم، وربما أطعمهم ذلك في انتهاز الفرص، واستذلال الضعفاء، وهذا أيضاً أمر محسوس، لا يستريب فيه عاقل. فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا موجب، مع شرع الصغار في حقهم؟ . * الوجه السادس: أن فيما يفعلونه في عيدهم: ما هو كفر، وما هو حرام، وما هو مباح، لو تجرد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين هذا وهذا يظهر غالباً، وقد يخفى على كثير من العامة، فالمشابهة فيما لم يظهر تحريم للعالم، يوقع العامي في أن يشابههم فيما حرام، وهذا هو الواقع والفرق بين هذا الوجه، ووجه الذريعة -الوجه الثالث- أنا هناك قلنا: الموافقة في القليل تدعو إلى الموافقة في الكثير، وهنا جنس الموافقة يلبس على العامة دينهم، حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر، فذاك بيان للاقتضاء من جهة تقاضي الطباع بإرادتها، وهذا من جهة جهل القلوب باعتقاداتها. * الوجه السابع: أن الله تعالى جبل بني آدم -بل سائر المخلوقات- على التفاعل بين الشيئين

стр. 422

المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط، فالمشابهة والمشاركة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدرج الخفي. ويظهر هذا في اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، فهم أقل كفراً من غيرهم، والمسلمون الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدى الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً، وإن بعد المكان والزمان، فمشابهتهم في أعيادهم -ولو بالقليل- هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنَّة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، وأدير التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسَّر أو يتعذر زواله بعد حصوله، لو تفطن له، وكل ما كان سبباً إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه، كما دلَّت عليه الأصول المقررة (١) . * الوجه الثامن: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضاً مالا يألفون غيرهم، وكذلك الملوك والرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والولاء لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ . فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ

стр. 423

فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ (١) . قال تعالى فيما يذل به أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُو *وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢) . فبين أن الإيمان بالله والنبي وما أُنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم. قال : ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ..........﴾ (٣) . فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك (٤) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه) ا. هـ (٥) . فمما تقدم يتبين لنا أن مشابهة الكفار على وجه العموم، أو الخصوص -في أعيادهم- حرام ومناف للإيمان، ويدل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، التي تقدم ذكرها. فحذار أخي المسلم مشابهة أهل الكتاب وغيرهم، في العادات والتقاليد والعبادات، ظاهراً وباطناً؛ لأنَّهُ من تشبه بقوم فهو منهم.

стр. 424

وعليك أيضاً: النصح والإرشاد بالتي هي أحسن لمن رأيته يقلدهم ويتشبه بهم، لعلك تكون سبباً في أن يترك مشابهتهم فينالك من الله الأجر والمثوبة، لاسيما وأن أغلب المقلدين لهم ليس عن اعتقاد، وإنما هو مجرد تقليد أعمى، يفعله عوام الناس وجهَّالهم. فالواجب على الإنسان المسلم أن يبدأ بنفسه ومن تحت يده، فيترك كل ما فيه مشابهة للكفار وغيرهم، ويوجه وينصح غيره ممن ابتلاه الله بتقليدهم فإن تقليدهم ومشابهتهم من المنكر الذي يجب تغييره، على حسب طاقة الإنسان وقدرته، فإما أن يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وواجب الحكام والعلماء وطلاب العلم أكبر من واجب غيرهم، في إنكار هذا المنكر وغيره؛ لقدرتهم على ذلك، فالحكام بسلطانهم، والعلماء بعلمهم. فإذا اجتمع السلطان والعلم كان الجهد أكبر، والفائدة أكثر في قمع البدعة وإظهار السنَّة. والشواهد على ذلك من التاريخ كثيرة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 425

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الذي علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده وأشكره على توفيقه وإعانته على إتمام هذا الكتاب، وأسأله المزيد من فضله وإنعامه، وأُصلي وأُسلم على خير الخلق نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه أهم النتائج التي خرجت بها من خلال كتابي في موضوع ((البدع الحولية)) : أن البدعة: هي كل ما خالف السنة، فليس في البدع محمود، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أن من البدع ما يكون كفراً، ومنها ما هو مختلف فيه: هل هو كفر أم لا؟ ومنها ما هو معصية، ومنها ما هو مكروه. أن من أسباب انتشار البدع وشيوعها بين الناس: سكوت العلماء عن إنكار هذه البدع، وقول بعض الجهال في الدين بغير علم، واتباع الهوى، والجهل بالسنة. أن ما تفعله الرافضة في اليوم العاشر من شهر محرم من الحزن والنياحة: بدعة محرمة، ومن أمور الجاهلية المنهي عنها. أن الفرح يوم عاشوراء، والتوسيع على الأهل في النفقة وغيرها، والاكتحال والاختضاب: بدعة محرمة، ومن مقابلة الباطل بالباطل. أنه يُستحب صيام يوم عاشوراء، وأن يُصام معه اليوم التاسع. أن التشاؤم بشهر صفر: بدعة محرمة، بل هو من الطيرة الشركية. أن الاحتفال بالمولد النبوي: بدعة محرمة، ليس لها أي مستند أو أصل شرعي، وكذلك جميع الموالد. أن أول من ابتدع الاحتفال بالمولد النبوي هم العبيديون -الذين يُسَّمون بالفاطميين- وذلك في أواخر القرن الرابع الهجري، والذي هم من أكفر الناس وأفسقهم، وانتسابهم إلى آل البيت كذب ومحض افتراء، بل أصلهم من المجوس أو اليهود، وهم من مؤسسي دعوة الباطنية.
следующие страницы →