إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم.
فقالوا: أموالنا بيننا قطائع.
فقال ﷺ : "أو غير ذلك"؟
قالوا: وما ذاك يا رسول الله.
قال ﷺ : "هم قوم لا يعرفون العمل, فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر".
قالوا: نعم١.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها.
قال ﷺ : "أما لا فاصبروا حتى تلقوني, فإنه سيصيبكم بعدي أثرة" ٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله.
قال: "لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتهم الله لهم" ٣.
وقد سجلت السنة موقف أنصاري بلغ في الإيثار مبلغًا يستجلب تمام رضى الله ، لقد بات الرجل طاويًا وزوجته كذلك، وفوق ذلك نوما صبيانهما دون عشاء، وآثرا ضيف رسول الله ﷺ من المهاجرين بما كان عندهم من طعام.
والعظيم في الأمر أن الأنصاري يطلب هذا وتوافقه زوجته، والأم على أطفالها جد حانية، ولا تؤثر بطعامها عليهم أحدًا إلا أن صنيع الإيمان في قلوب الأنصار غير الطبائع إلى أسمى ما يتصوره عقل يفهم أو يخطر ببال مفكر أريب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
стр. 107
سبحان الله!!
والله لا يحدث هذا إلا بسبب صدق الإيمان.
ومحال أن يتم إلا لله .
عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء, فقال رسول الله ﷺ : "من يضيف هذا"؟
فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال لها: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ .
فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني.
فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، فهيأت الأم طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان بصوت يصدرونه، وباتا طاويين فلما أصبح غدا الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فقال له ﷺ : "ضحك الله الليلة -أو عجب- من فعالكما" ١.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ولم يكن المهاجرون أقل مروءة، وإخلاصًا، وحبًا من الأنصار، لأنهم بعدما استقروا، وعرفوا طرق العمل، وأتتهم الدنيا ردوا لإخوانهم الأنصار ما أخذوه منهم.
- عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، التي كانوا منحوهم إياها من ثمارهم٢.
- يقول أنس: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها الذي أخذته من أم أيمن وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانه من حائطه٣.
стр. 108
- قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه، أو بعضه، وكان النبي ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا نعطيكهن، قد أعطانيهن.
فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن اتركيه، ولك كذا وكذا".
وتقول: كلا والذي لا إله إلا هو.
فجعل ﷺ يقول كذا ثم كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله حتى رضيت١.
بل إن بعض المهاجرين ما قبل أن يكون عبثًا على أخيه الأنصاري، نعم هو لا يجيد الزراعة، ولكنه يمكن أن يعمل في التجارة، وفعلا ذهب إلى السوق وتاجر، وإذا كانت الأيام الأولى أيام تعلم، وتعليم، واستعداد، وجهاد، فإن في الوقت سعة بجانب ذلك للذهاب إلى السوق ليعمل في تجارة يتكسب من ورائها ولو قليلا بدلا من الاعتماد على أخيه مهما كان سخيًا غنيًا.
- قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجها!
فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟
قال: سوق بني قينقاع.
قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو.
فما لبث أن جاء عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة من زعفران فقال رسول الله ﷺ : "أتزوجت".
قال: نعم.
قال: "ومن"؟.
ال: امرأة من الأنصار.
قال: "كم سقت"؟.
стр. 109
قال: زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب.
فقال له النبي ﷺ : "أولم ولو بشاة" ١.
يتحدث الرسول ﷺ عن فضل الأنصار والمهاجرين فيما يرويه الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ثلة يدخلون الجنة لفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهو في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أي عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك. من هؤلاء الذين آثرتهم علينا"؟
فيقول الله: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب وهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ "٢.
- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، وذلك في مرض رسول الله ﷺ الأخير.
فقال: ما يبكيكم؟
قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا.
فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك.
فخرج النبي ﷺ وقد عصب رأسه بحاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشى -بطانتي- وعيبتي -خاصتي- وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم" ٣.
стр. 110
- وعن أنس قال: إن النبي ﷺ رأى صبيانًا ونساء مقبلين من عرس فقام النبي ﷺ منتصبًا لهم فقال: "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" ١.
لقد صهرت هذه الأخوة المسلمين في بوتقة واحدة، وربطتهم بحبل الله المتين، وخلصت نفوسهم من شهوات النفس، وأزاحت من حياتهم وساوس الهوى والشيطان، وشعر كل مسلم بأخوته للآخرين بلا فرق بين حر ومولى، أو غني وفقير، أو كبير وصغير، أو مهاجر وأنصاري وصار الجميع جنودًا لله تعالى، يضحون بكل ما يملكون في صدق وإخلاص.
لقد أقاموا بجهدهم وجهادهم دولة الإسلام الأولى، في سموها ورفعتها، وربانيتها، وأصبحوا مثالا يفتخر المسلمون بهم في كل مكان، وصدق قول الله فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢.
والآية تقدم صورة كريمة، رائعة لهذا الجيل المتفرد في حياة الأمة الإسلامية الذي اتصف وتميز بالحقائق التالية:
١- جعلوا حياتهم لله تعالى، فساروا بأمره واتبعوا منهجه، وكانوا بحق خير معية لرسول الله ﷺ وخير جند لله تعالى.
٢ عاشت آمالهم وأحلامهم وأعمالهم كلها بفضل الله ورضوانه محفوظة في الدنيا.
стр. 111
بالنصر والتوفيق، وفي الآخرة بالجنة والنعيم.
٣- كانوا عبادًا لله مخلصين، تراهم دائمًا راكعين ساجدين خاشعين، وتبرز في وجوههم سمة الخشوع والعبادة، وتنمحي من حياتهم علامات الاستعلاء والكبر.
٤- علاقتهم بالآخرين أساسها الإيمان، فهم مع المؤمنين رحماء، ومع الكفار أشداء، ولو كانوا آباءهم وإخوانهم.
٥- أكرم الله هذا الجيل العظيم بتنزيل مثله في التوراة والإنجيل، فجعلهم صورة وضيئة في التوراة، وصورهم في الإنجيل بالزرع النامي القوي الضخم المستقيم الذي يعجب زارعه، وهو رسول الله ﷺ .
ولك أن تتخيل أثر هذه الآية على أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم يتلقون هذا التكريم الإلهي الذي يوضح مقامهم عند الله وعند الناس، ويستمر مع الناس ما دامت تلاوة القرآن الكريم، وما دامت الحياة.
стр. 112
٢- وضع الميثاق العام لسكان المدينة:
لم يكتف النبي ﷺ بتحقيق الإخاء بين المسلمين، وإنما وضع ميثاقًا لكل سكان المدينة، يوضح ما لهم، وما عليهم، ويعرفهم بمصدر الحكم والتوجيه، ويجدد لهم وسائل التعامل داخل المدينة وخارجها، حتى عد بعضهم هذا الميثاق بأنه أول دستور إسلامي شرعه الله تعالى لحكم دولة الإسلام في المدينة.
ويلاحظ أن هذا الميثاق أعلنه رسول الله ﷺ بعدما أوحى الله تعالى إليه به، ولم يشاورا أحدًا من سكان المدينة فيه، فهو تشريع خالص من الله تعالى، ملزم لسكان المدينة جميعًا.
وقد روى ابن إسحاق نص هذه الميثاق، وعنه روى العلماء والمؤرخون، وسوف أورد هذا الميثاق مقسمًا على فقرات، ومع كل فقرة أضع رقمًا مسلسلا، تسهيلا للفهم وتحديدًا لمبادئ الميثاق وذلك فيما يلي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١- هذا كتاب محمد النبي رسول الله، وبين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعه، فلحق بهم وجاهد معهم.
٢- إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٣- المهاجرون من قريش على ربعتهم "حالهم"، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم "أسيرهم" بالعروف والقسط بين المؤمنين.
٤- وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٥- وبنو الحارث بن الخزرج على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالقسط والمعروف بين المؤمنين.
٦- وبنو ساعدة على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
стр. 113
٧- وبنو جشم على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٨- وبنو النجار على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٩- وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٠- وبنو النبيت على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١١- وبنو الأوس على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٢- وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا "مثقلا بدين" بينهم إلا أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
١٣- وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٤- وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم.
١٥- ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر مؤمن كافرًا على مؤمن.
١٦- وأن ذمة الله واحدة، يجبر عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
١٧- وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرًا عليهم.
١٨- وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
١٩- وأن كل غازية "غزاة" غزت معنا، يعقب بعضها بعضًا.
٢٠- وأن المؤمنين يبئ "يتعادل" بعضهم عن بعض، بما نال دماءهم في
стр. 114
سبيل الله.
٢١- وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
٢٢- وأن لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول "يحجز" دونه على مؤمن.
٢٣- وأنه من اعتبط "قتل" مؤمنًا قتلا عن بينة فإنه قود "قصاص" به، إلا أن يرضى ولى المقتول بالعفو، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا القيام عليه.
٢٤- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا "قاتلا" أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه عدل "فداء" ولا صرف "توبة".
٢٥- وأن أهل المدينة مهما اختلفوا في شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد.
٢٦- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٧- وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوتغ "يهلك" إلا نفسه وأهل بيته.
٢٨- وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بن عوف.
٢٩- وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
٣٠- وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
٣١- وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
٣٢- وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
٣٣- وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
٣٤- وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
٣٥- وأن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الإثم "الخبث".
٣٦- وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.
стр. 115
٣٧- وأن بطانة يهود "اليهود خارج المدينة" كأنفسهم.
٣٨- وأنه لا يخرج منهم أحد "خارج المدينة" إلا بإذن محمد.
٣٩- وأنه لا ينحجز "يمنع" على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا.
٤٠- وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.
٤١- وأنه لا يأثم امرؤ بخليفة، وأن النصر للمظلوم.
٤٢- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين م داموا محاربين.
٤٣- وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٤٤- وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤٥- وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٤٦- وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث "أمر منكر" أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٧- وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٨- وأن بينهم النصر من دهم يثرب.
٤٩- وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه "يشتركون فيه" فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
٥٠- على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قَبِلَهم.
٥١- وأن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
٥٢- وأنه لا يحول دون هذا الكتاب ظالم أو آثم، وأنه من خرج من المدينة
стр. 116
فهو آمن ومن قعد بالمدينة فهو آمن إلا من ظلم أو أثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله١.
وهذه الوثيقة تؤكد أن رسول الله ﷺ هو رئيس الدولة، وهو المرجع في التفسير والحكم والتنفيذ، وهو ﷺ المسئول عن تحقيق أمن المدينة وسلامة المقيمين فيها، وهو ﷺ المصدر الوحيد الذي يتلقى الوحي الإلهي، ويبلغه لهم وللناس أجمعين.
وهذه الوثيقة تبين أن مواطني الدولة الإسلامية هم المسلمون وغيرهم، وأن الجميع مسئولون عن ضمان الحقوق داخل المدينة، وعدم التعامل مع المجرمين، وترك التعاون مع المعتدين داخل المدينة أو خارجها، بحيث لا يخرج أحد من المدينة إلى مكة إلا بإذن رسول الله ﷺ ولا يأوى أحد إلا بإذنه ﷺ كذلك.
وتنظم الوثيقة العلاقة بين قبائل المدينة جميعًا، وفي إطار قبول الجميع لحكم الله ورسوله ﷺ الذي يضمن لكل دينه وكرامته وحريته.
وبوضع هذا الميثاق، وإحاطة جميع القبائل به يكون قد تم تحديد مسار الجميع، ومعرفة كل فرد في المدينة لما له، وما عليه، وبهذا الميثاق بدأت الملامح السياسية لدولة المدينة تترسخ، وتخضع لحكم تشريع واحد هو الإسلام، ويقودها إمام واحد هو رسول الله ﷺ والكل فيها مواطنون يتمتعون بحقوق المواطنة، وعليهم واجباتها.
وبذلك تم تنظيم المجتمع في المدينة، وأصبح الطريق مفتوحًا لنشر دعوة الله في كل مكان, وبكل الوسائل الممكنة، ولذلك بدأ رسول الله ﷺ جهاد الدعوة بالسرايا والغزوات، وهذا ما سيتضمنه مبحث حركة الرسول بالدعوة في المدينة الذي سيأتي بعد الانتهاء من سيرته ﷺ .
стр. 117
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة المنورة
أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن
...
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة المنورة
استقر رسول الله ﷺ في المدينة، وأحضر أبناءه، وزوجته سودة من مكة، وتمت هجرة المؤمنين جميعًا وصارت الأمة مهيأة لانطلاقة الإسلام الكبرى، وتعددت مهمات النبي ﷺ ، فهو في بيته مع زوجاته، وأبنائه، زوجًا، وأبًا، وموجهًا، ومع سائر الناس داعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا.
وقد وفى رسول الله ﷺ بكل ما كلف به، حتى صار الأسوة الكاملة في كل مجال يحتاج له الناس، وفي هذا المبحث سأتناول الجانب الأسري لرسول الله ﷺ فهو ألصق بسيرته ﷺ مع رد الافتراءات الموجهة ضد رسول الله ﷺ في تعدد زوجاته وذلك فيما يلي:
أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن
أجمع المؤرخون وعلماء السيرة أن رسول الله ﷺ تزوج إحدى عشرة امرأة، مات عن تسعة منهن، واختلفوا فيما فوق هذا العدد.
وسأورد تعريفًا موجزًا بأمهات المؤمنين المتفق على أنهن زوجات رسول الله ﷺ ثم أجمل أسماء المختلف فيهن زواجا أو خطبة أو غير ذلك فيما يلي:
الزوجة الأولى: خديجة بنت خويلد ﵂
هي خديجة بنت خويلد القرشية من بني أسد بن عبد العزى، تلتقي مع رسول الله في جده "قصي" تزوجها النبي ﷺ قبل الإسلام مع أنها تكبره بخمسة عشر عامًا١.
وكانت خديجة ﵂ خير معاشر لرسول الله ﷺ ، وكانت له نعم الزوجة يصور ذلك رسول الله ﷺ وهو يقول عنها: "ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس
стр. 118
ورزقني الله أولادها، وحرمني أولاد الناس" ١.
يقول ابن إسحاق: كانت وفاة خديجة، وأبي طالب، في عام واحد، وتوفيت وهي بنت خمس وستين سنة، ودفنت في الحجون، ونزل رسول الله ﷺ حفرتها، ولم تكن شرعت صلاة الجنازة بعد٢.
الزوجة الثانية: سودة بنت زمعة ﵂
تزوجها النبي ﷺ بعد موت خديجة ﵂، وكانت قبله زوجًا لابن عمها السكران بن عمرو، من السابقين إلى الإسلام الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية، جاء إلى مكة مع زوجته فتوفي بها ودفن بالحجون.
والحكمة في زواجه ﷺ منها صيانتها من الشرك؛ لأنها لو عادت لقومها واحتاجت لهم لأهانوها، وعذبوها، وفتنوها في دينها، ولذلك صانها النبي ﷺ بالزواج وكفلها.
توفيت سودة ﵂ في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ودفنت بالبقيع.
الزوجة الثالثة: عائشة بنت أبي بكر ﵂
عقد النبي ﷺ عليها في مكة قبل الهجرة وهي بنت ست سنوات، ودخل بها وهي بنت تسع سنوات، في شوال من السنة الأولى من الهجرة, وفي زواج النبي ﷺ من عائشة تكريم لأول أصحابه، وأعلاهم قدرًا، وأحبهم إلى قلبه ﷺ .
وكان لعائشة منزلة في قلب رسول الله ﷺ , يقول ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
تقول عائشة: كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟! أين أنا غدًا"؟ , استبطاء ليوم عائشة: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري٤.
ولم ينس الرسول ﷺ لأبي بكر سبقه للإسلام، ونصره لدين الله تعالى، وإعانته
стр. 119
للمستضعفين، ولذا صاهره وتزوج ابنته عائشة رضي الله عنها١ بأمر الله تعالى.
توفيت ﵂ سنة سبع وخمسين من الهجرة، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع وعمرها ثمان وستون سنة.
الزوجة الرابعة: حفصة بنت عمر ﵂
تزوج الرسول ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ في شهر شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة.
كانت حفصة زوجة لـ"خنيس بن حذاقة السهمي" الصحابي الجليل، الذي شهد بدرًا وأحدًا، وتوفي بالمدينة بعد أحد مباشرة بجرح أصابه فيها فلما انقضت عدتها فكر أبوها في تزويجها, يقول أبوها عمر ﵁: فلقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة، فقال: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر.
قال: سأنظر في أمري.
فلبثت ليالي ثم قال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان.
فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك؟
قلت: نعم.
قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها لقبلتها٢.
نعم إن رسول الله ﷺ تزوج السيدة عائشة في السنة الأولى من الهجرة، فكان هذا قرة عين لصاحبه أبي بكر، وخير مكافأة له في الدنيا على صدقه وإخلاصه.
стр. 120
فلما توفي زوج السيدة حفصة بنت عمر ﵂ رأى رسول الله ﷺ أن يساوي بين عمر وبين أبي بكر في تشريفهما بمصاهرته، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا، فتزوج حفصة في السنة الثالثة.
فما أجل سياسته ﷺ !!
وما عظم وفائه للأوفياء له.
ويقابل ذلك إكرامه لعثمان ﵁، ولعلي بن أبي طالب ﵁، بتزويجهما ببناته "رقية وأم كلثوم وفاطمة ﵅".
وهؤلاء الأربعة أعظم أصحابه في حياته، وخلفاؤه في أمته ونشر دعوته بعد وفاته ﷺ وهم أفضل الصحابة على الإطلاق١.
توفيت حفصة ﵂ سنة خمس وأربعين من الهجرة في خلافة معاوية وصلى عليها مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع وعمرها ثلاث وستون سنة.
الزوجة الخامسة: زينب بنت خزيمة ﵂
تزوج الرسول ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث ﵂، وهي المعروفة في الجاهلية بأم المساكين، وكانت قبله زوجة للصحابي "عبيدة بن الحارث" الذي استشهد يوم بدر، وكان دخوله ﷺ بها في رمضان من السنة الرابعة من الهجرة, وقد توفيت بعد زواجها من رسول الله ﷺ بثمانية أشهر ودفنت بالبقيع، ولم يمت من أزواجه ﷺ في حياته إلا هي وخديجة ﵄ وكان عمر زينب يوم وفاتها ثلاثين عامًا٢.
الزوجة السادسة: أم سلمة ﵂
تزوج النبي ﷺ أم سلمة وهي هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، تزوجت أولا ابن عمها "عبد الله بن عبد الأسد المخزومي" من السابقين إلى الإسلام، وهو ابن عمة رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاع، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد.
وكان زوجها يحبها قالت له مرة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهما من
стр. 121
أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك.
قال: أتعطيني؟
قالت: ما سألتك إلا لأعطيك.
قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: اللهم أرزق أم سلمة بعدي رجلا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها، فلما مات أبو سلمة قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة فلبثت ما لبثت فجاء رسول الله ﷺ فخطبني ثم تزوجني١.
وكانت أم سلمة وضيئة جميلة، تقول السيدة عائشة عنها: لما تزوجها النبي ﷺ حزنت حزنًا شديدًا لما ذكر لي من جمالها فذكرت ذلك لحفصة فقالت: ما هي كما يقال فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي، فذكرت ذلك لحفصة فقالت: نعم ولكني كنت غيرى٢.
وأبلت أم سلمة بلاء حسنًا في الهجرة، وعزاها النبي ﷺ في زوجها وقال لها: "سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك، ويخلفك خيرًا".
فقالت: ومن يكون خيرًا من أبي سلمة؟
فلم ير صلوات الله وسلامه عليه عزاء ولا كافلا لها ولأولادها ترضاه غيره صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله فخطبها.
ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام وذات غيرة٣.
فأجابها ﷺ بأنه أكبر منها سنا، وبأن الغيرة يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله, وكان زواجه ﷺ بها في شهر شوال من السنة الرابعة من الهجرة٤.
وتوفيت أم سلمة سنة ثلاث وستين من الهجرة في خلافة يزيد بن معاوية ﵁ وصلى عليها والي المدينة مروان بن الحكم، وهي آخر من مات من زوجات النبي ﷺ .
стр. 122
الزوجة السابعة: زينب بنت جحش ﵂
تزوجها النبي ﷺ بعد زواجه من أم سلمة، سنة ست من الهجرة، وكان اسمها "برة" فسماها النبي ﷺ بـ"زينب".
وقد أمر الله رسوله بتزوجها بعدما كان يخشى ﷺ قالة الناس؛ لأنه ﷺ هو الذي زوجها لمولاه زيد بن حارثة رغم معارضتها، وقد تعود الناس أن لا يتزوج السيد مطلقة مولاه، وحتى لا يتحدث الأفاكون عن طلاقها من زيد، وزواجها من رسول الله ﷺ لجمالها وحسنها.
تحكي زينب ﵂ قصتها فتقول:
خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ تستشيره.
فقال لها رسول الله ﷺ : "أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها"؟.
قالت: ومن هو يا رسول الله؟
قال: زيد بن حارثة.
فغضبت حمنة غضبًا شديدًا وقالت: يا رسول الله ﷺ تزوج بنت عمك مولاك؟ وجاءتني فأعلمتني فغضبت أشد من غضبها وقلت أشد من قولها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١.
فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني أستغفر الله، وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت يا رسول الله.
فزوجني زيدًا، وكنت أرنى عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فعاتبني رسول الله ﷺ ثم عدت، فأخذته بلساني، فشكاني إلى رسول الله ﷺ واستأذنه في فراقي.
فقال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله".
فقال يا رسول الله: أنا أطلقها.
стр. 123
تقول زينب: فطلقني.
فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله ﷺ قد دخل عليّ، وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: إنه أمر من السماء يا رسول الله ﷺ بلا خطبة ولا شهادة.
فقال ﷺ : " الله هو المزوج وجبريل هو الشاهد" ١.
وقد بين القرآن الكريم قصة زواج زينب فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ٢.
والمراد بالذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه مولى رسول الله ﷺ "زيد بن حارثة" ﵁، الذي زوجه النبي ﷺ من زينب، وكانت لذلك رافضة لما كانت تتمتع به من حسب، وجمال، ودين إلا أنها أطاعت رسول الله، وتزوجته.
وتمضي الأيام، ويفكر زيد في طلاق زينب لما رآه من استعلائها، ويأتي لرسول الله يستأذنه في ذلك، فينهاه لعلمه بأمر الله تعالى في هذا الشأن, إلا أن زيدًا طلق زينب، وأمر الله تعالى رسوله بالزواج من زينب.
والحكمة واضحة في الآية ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .
ذلك أن العرب كانوا يعدون الابن بالتبني مثل الابن الأصلي، في تحريم زوجته إذا دخل بها على والده، ولذلك زوج الله نبيه بزينب، قطعًا لهذه العادة التي لا سند لها في شرع الله تعالى.
وقد قطع النبي ﷺ بزواجه من زينب عادة جاهلية أخرى، وهي استعلاء السادة عن الزواج بزوجات مواليهم كبرًا وفسادًا.
стр. 124
كما بين للمؤمنين قضية عقدية هامة، وهي أنه لا خيار لمؤمن ولا مؤمنة بعد قضاء الله وحكمه كما تفيد الآيات.
وقد توفيت زينب سنة عشرين للهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وقد صلى عليها عمر ﵁ ودفنت بالبقيع١.
الزوجة الثامنة: جويرية بنت الحارث ﵂
كانت جويرية من سبايا بني المصطلق، جاءت للنبي ﷺ تستعين به في كتابتها، فأدى ﷺ عنها كتابتها وتزوجها بعد ذلك، وكان قومها جميعًا سبايا عند الصحابة، وبعد أن تزوجها رسول الله ﷺ قال الصحابة: أصهار رسول الله ﷺ يسترقون فأرسلوا ما بأيديهم من السبايا وأعتقوهم فصاروا جميعًا أحرارًا.
تقول عائشة: فلا نعلم امرأة كانت أكثر بركة على قومها من جويرية.
وقد توفيت جويرية بالمدينة سنة ست وخمسين من الهجرة وصلى عليها والي المدينة مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع وكان عمرها يوم وفاتها خمسًا وستين سنة٢.
الزواجة التاسعة: أم حبيبة ﵂
هي رملة بنت أبي سفيان من السابقات للإسلام، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، وهناك ارتد عبد الله عن الإسلام وتنصر وثبتت هي على الإسلام، فأرسل النبي ﷺ إلى النجاشي يخطبها له، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة دينار.
تقول أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان: فارقت عبد الله بن جحش فما شعرت إلا بجارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثياب النجاشي تأتيني وتقول: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إليّ أن أزوجكه.
قالت: بشرك الله بخير.
قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجلي وخواتيم
стр. 125
فضة سرورًا بما بشرتها، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب والمسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ﷺ أما بعد فإن رسول الله كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وقد أصدقتها أربع مائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم.
فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله رسول الله، ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال النجاشي: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا١.
وقد حضرت أم حبيبة ﵂ إلى زوجها رسول الله ﷺ سنة سبع من الهجرة في المدينة المنورة وتوفيت زمن أخيها معاوية سنة أربع وأربعين من الهجرة، ودفنت بالبقيع٢.
الزوجة العاشرة: صفية بنت حيي بن أخطب ﵂
تزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، سيد بني النضير، وكانت من أجمل نساء العالمين، ولم تبلغ سبع عشرة سنة.
وقد صارت له من سبي خيبر أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته، ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجة حرة بذلك.
قال أنس: لما جمع " ﷺ " بني خيبر جاءه دحية الكلبي فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي.
стр. 126
فقال ﷺ : "اذهب فخذ جارية فذهب وأخذ صفية بنت حيي".
فجاء رجل وقال: يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير، وإنها لا تصلح إلا لك نظرًا لما قد كانت فيه.
قال ﷺ : "ادعو دحية إليّ بها".
فجاء دحية بها، فلما جاءت نظر إليها ﷺ وقال لدحية الكلبي: "خذ جارية من السبي غيرها"، ثم أعتقها وتزوجها.
يقول الحجاج: إن رسول الله ﷺ خيرها بين أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته١.
ويقول ابن شهاب: كانت مما أفاء الله عليه ﷺ ، فحجبها وأولم عليها بتمر وسويق وقسم لها٢.
وعن ابن عمر قال: كان بعيني صفية خضرة، فقال لها النبي ﷺ : "ما هذه الخضرة بعينيك"؟
قالت: قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمرًا وقع في حجري، فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب؟ أتريدين ملك يثرب؟
قالت: وما كان أبغض إليّ من رسول الله ﷺ قتل أبي، وزوجي.
فما زال يعتذر إليّ ويقول: "يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" ٣.
وعن وحشي بن حرب: أن النبي ﷺ لما أفاء الله عليه صفية، قال لأصحابه: "ما تقولون في هذه الجارية"؟
قالوا نقول: إنك أولى الناس بها وأحقهم.
قال ﷺ : "فإني أعتقها وأستنكحها، وجعلت عتقها مهرها".
فقال رجل: يا رسول الله الوليمة.
стр. 127
قال ﷺ : "الوليمة حق، والثانية معروف، والثالثة، فخر وحرج" ١.
وعن صفية قالت: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وما من أحد أكره إليّ منه فقال: "إن قومك صنعوا كذا وكذا". فما قمت من مقعدي ومن الناس أحد أحب إليّ منه صلى الله عليه وسلم٢.
وفي رواية عن السيدة صفية ﵂ قالت: ما رأيت قط أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ ، لقد رأيته ركب بي من خيبر على عجز ناقته ليلا، فجعلت أنعس فيضرب رأسي مؤخرة الرحل، فيمس بيده ويقول: "يا هذه مهلا يا بنت حيي".
حتى إذا جاء الصهباء قال: "أما إني أعتذر إليك يا صفية مما صنعت بقومك إنهم قالوا لي كذا وكذا" ٣.
وكانت صفية حليمة، عاقلة، فاضلة، ماتت سنة خمسين في رمضان، وقيل سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية ودفنت بالبقيع.
الزوجة الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث ﵂
ثم تزوج ﷺ بعد صفية بنت حيي: ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوجه إياها العباس عمه، وكانت خالة ابن عباس ﵁.
وكانت في الجاهلية عند "مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي" ففارقها وخلف عليها "أبا رهم بن عبد العزى" فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة سبع بمكة في عمرة القضاء بعدما أحل.
وبنى بها بسرف حيث تزوج بها، وقد ماتت سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية، وقد بلغت ثمانين سنة، وهي آخر من تزوج صلى الله عليه وسلم٤.
وهي التي وهبت نفسها للنبي, يقول السهيلي: لما جاءها الخاطب، وكانت على بعير رمت بنفسها من على البعير، وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
стр. 128
أجمع المؤرخون، وكتَّاب السيرة على تزوج النبي ﷺ بأحدى عشرة امرأة، هن أمهات المؤمنين المذكورات:
ست منهن قرشيات وهن: خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة ﵅.
وأربع عربيات وهن: زينب بنت جحش من بني خزيمة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة من بني صعصعة، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق.
ومن غير العربيات، صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير.
وقد توفي ﷺ عن تسع لوفاة خديجة وزينب بنت خزيمة في حياته وكان يقسم لثمان، بعد أن تنازلت سودة عن ليلتها لعائشة ﵅، وأول أزواجه لحوقًا به زينب بنت جحش، وآخرهن وفاة أم سلمة ﵅ جميعًا.
وكان للنبي ﷺ سريتان اختلفت الروايات حول زواج الرسول بهما وهما:
الأولى: مارية بنت شمعون القبطية المصرية، أهداها له صاحب الإسكندرية واسمه جريج بن مينا، وكانت جميلة، بيضاء، أعجب بها الرسول ﷺ ، وأحبها وحظيت عنده، ولا سيما بعدما وضعت إبراهيم ولده.
ولما ولدت له إبراهيم غار نساء رسول الله ﷺ ، واشتدت عليهن الغيرة حين صارت بذلك أم ولد حرة فقال رسول الله ﷺ : "أعتقها ولدها".
وماتت في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع رحمها الله١.
الثانية: ريحانة بنت زيد القرظية نسبت لبني قريظة لتزوجها واحدًا منهم وليست منهم لأنها عربية وكانت في سبي بني قريظة، وقد سباها النبي ﷺ في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة عشر، وصلى عليها عمر بن الخطاب، ودفنها بالبقيع٢ وقيل بل أعتقها النبي ﷺ وفرض عليها الحجاب وتزوجها.
стр. 129
ثانيًا: الزوجات المختلف فيهن
اختلف المؤرخون، وعلماء السير في أخريات خطبهن النبي ﷺ أو تزوج بهن غير المتفق عليهن وهن:
الأولى: أم شريك الواهبة نفسها له ﷺ طلقها قبل أن يدخل بها، فلم تتزوج حتى ماتت.
الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة، تزوجها ﷺ فهلكت قبل أن تصل إليه.
الثالثة: عمرة بنت يزيد الكلابية، طلقها، وأمر أسامة بن زيد فمتعها ثلاثة أثواب.
الرابعة: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوجها فلما دعاها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: "عذت بمعاذ"، ثم سرحها إلى أهلها، وكانت تسمي نفسها الشقية.
الخامسة: مليكة بنت كعب، ومنهم من ينكر تزويجها.
السادسة: فاطمة بنت الضحاك، تزوجها ثم فارقها ﷺ ، وقيل: إن أباها قال إنها لم تصدع قط، فقال ﷺ : "لا حاجة لي بها".
السابعة: العالية بنت ظبيان بن عمرو، تزوجها ﷺ وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
الثامنة: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس الكندي، زوجه إياها أخوها في سنة عشر، ثم انصرف إلى حضرموت فحملها، فقبض ﷺ قبل قدومه عليه.
التاسعة: سنا بنت الصلت بن حبيب السلمية، تزوجها ﷺ ، وماتت قبل أن يدخل بها، وعند ابن إسحاق أنه ﷺ طلقها قبل أن يدخل بها.
العاشرة: شراف بنت خليفة أخت دحية الكلبي، تزوجها ﷺ فماتت قبل دخوله ﷺ بها.
الحادية عشرة: ليلى بنت الحطيم أخت قيس، تزوجها ﷺ ، وكانت غيورًا فاستقالته فأقالها، فأكلها الذئب.
الثانية عشرة: امرأة من بني غفار تزوجها ﷺ ، فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها بياضًا، فقال: "الحقي بأهلك"، ولم يأخذ مما آتاها شيئًا١.
стр. 130
ثالثًا: من خطبها أو وهبت نفسها ولم يتزوجها ﷺ
هناك بعض النسوة ذكر المؤرخون أن رسول الله ﷺ خطبهن، أو وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ولم يدخل بهن، وهن:
الأولى: امرأة من بني مرة بن عوف خطبها ﷺ إلى أبيها، فقال أبوها: إن بها برصًا -وهو كاذب- فرجع فوجد البرص بها.
الثانية: امرأة قرشية يقال لها سودة خطبها ﷺ وكانت مصبية، فقالت: أخاف أن يضجوا ويبكوا عند رأسك، فدعا لها وتركها.
الثالثة: صفية بنت بشامة، وكان أصابها في سبي، فخيرها بين نفسه الكريمة وبين زوجها، فاختارت زوجها.
الرابعة: أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أخت علي ﵁، خطبها ﷺ ، فقالت: إني مصبية واعتذرت إليه فعذرها.
الخامسة: ضباعة بنت عامر بن قرط، خطبها إلى ابنها سلمة بن هاشم فقال: حتى أستأمرها، فقيل للنبي ﷺ : إنها قد كبرت، فلما عاد ابنها -وقد أذنت له- سكت عنها ﷺ فلم ينكحها.
السادسة: أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عرضت عليه ﷺ فقال: هي ابنة أخي من الرضاعة١.
стр. 131
المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجاته ﷺ
يمكن تقسيم حياة النبي الأسرية إلى فترات أربع عاشها النبي ﷺ بدءًا بزواجه من خديجة ﵂ أولى زوجاته، وانتهاء بميمونة ﵂ آخر زوجاته حتى وفاته ﷺ وهي:
الفترة الأولى: بدأت حين تزوج النبي ﷺ السيدة خديجة ﵂ وعمره خمس وعشرون سنة، واستمرت حتى وفاة خديجة ﵂، وعمره ﷺ خمسون سنة، وهذه الفترة هي مرحلة شباب النبي ﷺ ومدتها خمس وعشرون سنة.
الفترة الثانية: بدأت بوفاة السيدة خديجة وعمره ﷺ خمسون سنة حيث تزوج ﷺ السيدة سودة بنت زمعة، وعاش معها أربع سنوات، انتهت بعد الهجرة بعام واحد، وكان عمره ﷺ أربعًا وخمسين سنة.
الفترة الثالثة: امتدت ست سنوات، منذ أن كان عمر النبي ﷺ أربعًا وخمسين سنة، إلى أن بلغ ستين سنة، وفيها تزوج النبي ﷺ عددًا من أمهات المؤمنين توفي عن تسعة منهن، وكانت ميمونة آخر من تزوجهن ﷺ .
الفترة الرابعة: وتمتد من بلوغ النبي ﷺ سن الستين إلى أن توفي ﷺ عندما بلغ ثلاثًا وستين سنة، وفي هذه الفترة لم يتزوج النبي ﷺ أحدًا حيث حرم الله تعالى عليه الزواج فيها، وأمره أن لا يستبدل بإحدى زوجاته غيرها.
وحين ندقق النظر في تعدد زوجات النبي ﷺ ، وبخاصة في المراحل العمرية المذكورة لرسول الله ﷺ نلحظ الآتي:
أولا: أن النبي ﷺ تزوج خديجة ﵂، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة وعاش معها حتى لقيت ربها وعمرها خمسة وستون عامًا وكان عمر النبي ﷺ وقتها خمسين عامًا.
ثانيًا: استمر رسول الله ﷺ مع زوجة واحدة حتى بلغ سنه أربعًا وخمسين سنة؛ لأنه تزوج سودة بنت زمعة الأرملة المسنة بعد وفاة خديجة، ولم يدخل بسواها إلا
стр. 132
بعد أربع سنوات من الدخول بسودة، وذلك بعد تمام الهجرة إلى المدينة المنورة.
ثالثًا: فترة التعدد كانت ستة أعوام، بعدما بلغ عمر رسول الله أربعًا وخمسين، ودخل في سن الكبر والشيخوخة، وهي الأعوام التي امتلأت بنزول القرآن، وبيان الأحكام الشرعية وبناء الدولة المسلمة، والحركة بالإسلام وسط الناس والقيام بالسرايا والغزوات، والاتصال بالعالم الخارجي، واستقبال الوفود من كل جهة، وإرسال الرسائل، وتبليغ الدعوة عمليا إلى العالم كله.
رابعًا: أن زوجات النبي ﷺ كن ثيبات، سبق لهن الزواج قبل رسول الله ﷺ إلا عائشة ﵂، فقد عقد عليها بأمر الله تعالى، وسنها ست سنوات، ولم يدخل بها النبي ﷺ إلا بعد الهجرة بسنة تقريبًا، وعمرها تسع سنوات ﵂.
خامسًا: لم يعترض أحد من اليهود، أو من المنافقين أو من كفار مكة على زواج النبي ﷺ مع أنهم كانوا يتربصون به الدوائر، ولو وجدوا في زواج الرسول ﷺ لعبًا، أو هوى، أو مطعنًا لأذاعوه، ونشروه في العالمين، لكنهم مع عداوتهم لرسول الله لم يتكلموا في زواجه ﷺ بل شهدوا له بالعفة والطهر.
وهذه الملاحظات: تؤكد لنا حقيقة واضحة، وهي أن رسول الله ﷺ لم يكن شهوانيًا أبدًا كما يدعي بعض أعداء الإسلام؛ لأنه لو كان شهوانيًا لاختار بكرًا، صغيرة وجميلة في زواجه الأول، ولتزوج معها غيرها وبخاصة أن المجتمع الجاهلي كان يعدد الزوجات بلا حد معين, وكان النبي ﷺ قبل الرسالة يملك الوقت الذي يمكنه من إشباع شهوته، بدل أن يضيعه في الخلاء والبعد عن الناس.
ولو كان النبي ﷺ شهوانيًا لأوثر عنه اتصاله بالغواني والبغايا، وكان لهن يومذاك دور معروفة، وكان المجتمع يقر هذا العمل لمن يريده.
لكنه ﷺ لم يكن كذلك وإنما عاش طاهرًا عفيفًا، لم يتهم بريبة، ولم يرم بخطيئة، وعاش صادقًا أمينًا.
وبعد موت خديجة ﵂ تزوج سودة ﵂ في مكة، وهي الأرملة العجوز، وعاش معها وحدها أربع سنوات، وهو رسول الله ﷺ ، ولو رغب في
стр. 133
أي فتاة عذراء وجميلة ومسلمة لسعدت به، ولرحب به قومها جميعًا، لكنه ﷺ تزوج سودة لتعلم الدنيا كلها أن الغاية لم تكن أبدًا إشباع شهوة، أو التمتع المجرد بالأنثى، أو الانغماس في الملذات الحسية.
يقول الأستاذ عباس العقاد: قال لنا بعض المستشرقين: إن تسع زوجات لمحمد لدليل على فرط الميول الجنسية.
قلنا له: إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر جنسيًا لأنه لم يتزوج قط، فلا ينبغي أن تصف محمدًا بأنه مفرط جنسيًا لأنه جمع بين تسع نساء.
ونحن قبل كل شيء، لا نرى ضيرًا على الرجل العظيم أن يتزوج ويتمتع لأن الفطرة لا عيب فيه.
فحب المرأة لا معابة فيه ما دام في إطاره المشروع، وفي حده المباح.
وإنما المعابة أن يطغى هذا الحب حتى يخرج عن حده، وحتى يشغل المرء عن غرضه، وحتى يكلفه شططًا في طلابه، فهو عند ذلك مسح للفطرة المستقيمة، يعاب كما يعاب الجور في جميع الطباع!!
فمن الذي يعلم حقيقة ما صنع النبي في حياته، ثم يقع في روعه أن المرأة شغلته عن عمل كبير، أو عن عمل صغير؟! لم يوجد هذا بعد!!
مَن مِن بناة التاريخ قد بنى في حياته، وبعد مماته، تاريخًا أعظم من تاريخ الدعوة المحمدية، والدولة الإسلامية؟!!
ومن ذا الذي يقول عن تراث محمد ﷺ : هذا عمل رجل مشغول بالنساء؟
عم شغلته المرأة؟
ومتى شغلته؟
وكيف شغلته؟
لم يتحدث أحد من المؤرخين أن محمدًا شغل بالمرأة عن رسالته، ومسئوليته.
ومن ذا الذي تفرغ لعمل ما فبلغ فيه شأو محمد في مسعاه؟ ولو كان تخصصه في جزئية صغيرة من تاريخ محمد ﷺ الشامل؟
стр. 134
إن عظمة محمد ﷺ قد أتاحت له أن يعطي الدعوة حقها، ويعطي المرأة حقها، فالعظمة حينئذ رجحان يذكر، وليست بنقص ينكر.
وهذا الاستيفاء السليم لكل واجباته ﷺ كمال في الرجولة، وفي الأداء، وفي السلوك.
ورسالة محمد إذن هي الرسالة التي يفهمها أناس خلقوا للحياة، ولم يخلقوا نابذين لها، ولا منبوذين منها.
وشريعته إذا هي الشريعة المطلوبة لعامة الناس في كافة العصور لما يتمتعون فيها من حلال مشروع.
وأعجب شيء أن يقال عن النبي ﷺ : إنه استسلم للذات الحس، وقد أوشك أن يطلق نساءه أو يخيرهن في الطلاق؛ لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة، وهو لا يستطيعها.
نساء محمد يشكون قلة النفقة والزينة، ولو شاء لأغدق عليهن النعمة، وأغرقهن في الحرير والذهب وأطايب الملذات.
أهذا فعل رجل يستسلم للذات حسه؟
أما كان يسيرًا عليه أن يفرض لنفسه ولأهله من الأنفال والغنائم ما يرضيهن، ولا يغضب المسلمين، وهم موقنون أن إرادة الرسول من إرادة الله؟
وماذا كلفه الاحتفاظ بالنساء، حتى يقال: إنه كان يفرط في ميله إلى النساء؟
هل كلفه أن يخالف ما يحمد من سننه؟!!
أو هل دفعه إلى نقض العظمة ويخالف ما يحمد من سيرته؟!!
وهل ألجأه أن يترخص فيما يرضاه أتباعه، ولا ينكرونه عليه؟!!
لم يكلفه شيئًا من ذلك، ولم يشغله عن جليل أعماله، وصغيرها، ولم نر فيه ﷺ رجلا تغلبه لذات الحس كما يزعم المشهرون، بل رأيناه رجلا يغلب تلك الملذات في طعامه، ومعيشته، وفي ميله إلى نسائه، فيحفظها بما يملك منها، ولا يأذن لها أن تسومه ضريبة مفروضة عليه، ولو كانت هذه الضريبة بسيطة قد ينالها أصغر المسلمين، ولا شك
стр. 135
في قدرة النبي عليها لو أراد.
ويزيد في غرابة اتهام النبي بالإفراط الجنسي أن الرجل الذي توهموه ذلك التوهم لم يكن مجهولا قبل زواجه.
ولا بعد زواجه، حتى تتخبط فيه الظنون ذلك التخبط الذريع.
فمحمد كان معروفًا بين الشباب قبل قيامه بالدعوة الدينية كأشهر ما يعرف فتى من قريش وأهل مكة.
كان معروفًا من صباه إلى كهولته فلم يعرف عنه أنه استسلم للذات الحس في ريعان صباه، ولم يسمع عنه أنه لها كما يلهو الفتيان، حين كانت الجاهلية تبيح ما لا يباح، بل عرف بالطهر والأمانة، واشتهر بالجد والرصانة، وقام بالدعوة بعدها، فلم يقل أحد من شانئيه والناعين عليه والمنقبين وراءه أهون الهنات.
لم يقل أحد: تعالوا يا قوم فانظروا هذا الفتى، الذي كان من شأنه مع النساء كيت، وكيت، يدعوكم اليوم إلى الطهارة، والعفة، ونبذ الشهوات.
كلا لم يقل أحد هذا قط من شانئيه، وهم عديد لا يحصى، ولو كان لقوله موضع لجرى على لسان ألف قائل١.
وهناك من يعترض على تعدد زوجات النبي ﷺ لمجرد التعدد في ذاته، ويرون ذلك غير لائق بعظماء الرجال.
والذين يقولون ذلك ضعيفو العقول بسطاء التفكير؛ لأنهم إن كانوا من الإباحيين الذين يعيشون بين الخليلات، والعاشقات، والصاحبات، فهؤلاء لا يصح الالتفات إليهم؛ لأن اعتراضهم لا مقياس له، ولا معقولية فيه، ولأن الزواج عندهم لا قيمة له وحديثهم هراء لا مصداقية فيه، ولا معنى له.
وإن كانوا أصحاب دين يقول بالتعدد، فهم قوم يحرمون على غيرهم ما أباحه دينهم، ولذلك فإهمالهم أمر عادي، واعتراضهم مردود عليهم، وعليهم أن يناقشوا أنفسهم ودينهم في إباحة التعدد.
стр. 136
وإن كانوا من أهل الكتاب "يهود أو نصارى", فإن الحقيقة يجب أن تتضح وهي أن العهد القديم يذكر أن عددًا من الأنبياء عددوا أزواجهم حيث لا عيب في الزواج والتعدد.
إن فرط الرجولة ليس عيبًا في الرجل، بل هو كمال وقوة إذا ظهر ضمن الإطار الذي حدده الله تعالى، وحافظ على حقوق سائر الأطراف، وكان عامل خير للمجتمع، وتقدمه١.
وإن كان العيب في التعدد تكثير النسل، والمساهمة في الانفجار السكاني -كما يقولون- فإن الله تعالى قدر لرسوله ﷺ أن يموت وليس له من الأبناء إلا فاطمة ﵂ فلقد توفاهم الله تعالى جميعًا في حياة النبي ﷺ ما عدا فاطمة ﵂.
وإن تصور البعض أن التعدد يضر بالمرأة، فهو معارض بما يحققه التعدد للمرأة من فوائد عديدة٢.
والخلاصة هي تأكيد حقيقة براءة النبي ﷺ من كل زيف أشاعه أعداؤه حول زواجه ﷺ .
стр. 137
المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي ﷺ
ينطوي زواج النبي ﷺ على حكم بليغة تعم زوجاته جميعًا، وتظهر مع كل واحدة منهن على حدة، مما يجعل ذلك التعدد ضرورة لا بد منها من عدة زوايا.
أولا: محمد رسول الله، وخاتم الرسل، والرسالة بصورة عامة اختيار إلهي محض، يختص بها الله بعض عباده، ويحيطهم بعنايته، ويصنعهم لنفسه، وذلك أمر يؤكد أن زواجه، وسائر حياته وحي من الله تعالى، وحينئذ يكون التسليم بتعدد زوجات النبي ﷺ مسألة إيمانية محضة.
فالرسول ﷺ تزوج بأمر الله تعالى له، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ١.
لقد أحل الله لرسوله أن يتزوج بما يشاء، وأن يملك بيمينه ما يشاء، وعلى الإنسان العاقل أن يسلم بفعل رسول الله في الزواج، لأنه قدر رباني، وأمر إلهي، ولن يضيع الله رسوله أبدًا، ولن يأمره بسوء أبدًا.
стр. 138
ففي الآيات يحل الله للنبي أنواع النساء المذكورات فيها، ولو كن فوق الأربع، مما هو محرم على غيره، وهذه الأنواع هي: الأزواج اللواتي أمهرهن، وما ملكت يمينه إطلاقًا من الفيء، وبنات أعمامه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، ممن هاجرن معه، دون غيرهن ممن لم يهاجرن إكرامًا للمهاجرات، وأيما امرأة وهبت نفسها للنبي بلا مهر، ولا ولي، إن أراد النبي نكاحها نكحها.
وقد جعل الله هذه الخصوصية للنبي ﷺ ، أما سائر المسلمين فهم خاضعون لما بينه الله، وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ذلك كي لا يكون على النبي حرج في استبقاء أزواجه، وفي الاستجابة للظروف الخاصة بشخصه.
ثم ترك الخيار له ﷺ في أن يضم إلى عصمته من شاء، ممن يعرضن أنفسهن عليه، أو يؤجل ذلك، ومن أرجأهن فله أن يعود إليهن حين يشاء، وله أن يباشر من نسائه من يريد، ويرجئ من يريد، ثم يعود يقول الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ١ فأوامر الله وتوجيهاته تراعي الظروف الخاصة المحيطة بشخص الرسول ﷺ ، والرغبات الموجهة إليه، والحرص على شرف الاتصال به، مما يعلمه الله ويدبره بعلمه وحلمه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ .
وعند وصول عمره ﷺ إلى الستين منعه ربه من الزواج، حيث نزل عليه قول الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ ٢.
والآية تحرم على رسول الله ﷺ صراحة أن يتزوج أحدًا غير نسائه اللواتي في
стр. 139
عصمته، لا من ناحية العدد، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن، ولم يعرف أن رسول الله قد زاد عليهن بعد هذا التحريم الذي تضمنته الآية.
إذن أمر زواج النبي ﷺ توجيه إلهي محض، وكان هذا كاف في الموضوع لأصحاب العقول السليمة لولا فلتات الهوى، وأمراض النفس، واعتراض قلوب وعقول لا تعطي الرسالة حقها، ولا تقدر للرسول ما يجب أن يكون له.
ثانيًا: يريد الله تعالى في تجمع هذا العدد من الزوجات المتنوع أصلا، وسنًا، وحضارة، أن يتعلم الناس وبخاصة النساء أن الإسلام يصنع وحدة خالصة من المؤمنين، لا تتأثر بالعوامل المادية، أو العنصرية أو الثقافية، فزوجات النبي ﷺ منهن العربية، والقرشية، واليهودية، والنصرانية، والمصرية، ومنهم من كان أبوها مهاجرًا، ومن كان أبوها كافرًا، ومنهن الجميلة، ومنهم الغنية، والفقيرة.
أراد الله تعالى أن يحيط هذا الجمع بتوجيهات نبيه ﷺ لتظهر من بينهن الأسوة والقدوة لسائر المؤمنات وبخاصة من ينلن الحظوة الدنيوية في بيت الخلافة والزعامة والرئاسة ... وحتى تتصور مسلمة ما أن علو المكانة يؤدي بها إلى الترفع والاستعلاء على الناس.
لهذا التجمع في بيت النبوة جاءت الأوامر الإلهية.
- يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
فلقد اختار النبي ﷺ لأهل بيته جميعًا عيشة الكفاف والتقشف، يمر الشهر والشهران لا يوقد في بيته ﷺ نار، استعلاء على متاع الدنيا، ورغبة خالصة فيما عند الله لكن نساء النبي ﷺ كن من البشر، ورغبن في المتعة الدنيوية، كما يتمتع البشر،
стр. 140
وبخاصة أن الله أفاء على رسوله بالسعة، والرخاء، وقد تمتع بها سائر الناس, فراجعن الرسول في شأن النفقة، فحزن الرسول لذلك، وتألم كثيرًا واحتجب عن أصحابه، ولم يؤذن لهم بالدخول لإعلان أسفه وغضبه.
يروي البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، فاستأذن فلم يؤذن له.
ثم أذن بعد ذلك لأبي بكر، وعمر ﵁ فدخلا، والنبي ﷺ جالس، وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت.
فقال عمر ﵁ لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها! فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه.
وقال ﷺ : "هن حولي يسألنني النفقة".
فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها.
وقام عمر إلى حفصة كذلك.
كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده؟
فنهاهما الرسول ﷺ .
فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده.
وأنزل الله آيتي الخيار المذكورتين، فبدأ ﷺ بعائشة ﵂، فقال: $"إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك".
قالت: وما هو؟
قال: فتلا عليها الآيات.
قالت عائشة ﵂: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، أسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال ﷺ : "إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها" ١.
стр. 141
وفي رواية البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه, فبدأ بي رسول الله ﷺ ، فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تسعجلي حتى تستأمري أبويك"، وقد علم أن أبوي، لم يكونا يأمراني بفراقه ثم تلا عليّ الآيات.
فقلت له: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة١.
لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي ﷺ وحياته الخاصة، وأن تتحقق في أدق صوره، وأوضحها في هذا البيت الذي كان وسيبقى منارة للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق، فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة, فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
ونحب أن نقف أمام هذا الحادث نتدبر بعض العبر٢:
١- إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح للقيم، ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة، ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة، وكل لجلجة، بين قيم الدنيا وقيم الآخرة، بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء، ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله؛ لأن الخلوص يجب أن يكون له وحده دوه سواه.
٢- يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله ﷺ والذين عاشوا معه واتصلوا به، وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان، وحياة ناس من البشر، لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم، وسماتهم الإنسانية مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها، ومع هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه، فالمشاعر
стр. 142
الإنسانية، والعواطف البشرية، لم تمت في تلك النفوس، ولكنها ارتفعت وصفت من الأوشاب, ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان.
وكثيرًا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي ﷺ ، ولصحابته رضوان الله عليهم صورة نجردهم فيها من كل المشاعر، والعواطف البشرية حاسبين أننا نرفعهم بهذا، وننزههم عما نعده نحن نقصًا وضعفًا.
وهذا الخطأ يقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم، وتبقى شخوصهم في حسنا في رقي عال بين تلك الهالات، أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس، ولا تتماسك في الأيدي! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقًا آخر غيرنا ملائكة، أو خلقًا مثلهم، مجردين من مشاعر البشر، وعواطفهم على كل حال.
ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها تبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر, يأسًا من إمكان التشبه بهم، أو الاقتداء العلمي بهم في الحياة؛ لأن صورتهم تختلف في أذهاننا عن الواقع الموجود.
ونفقد بذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن، ولكنهم ارتقوا بها، وطهروها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
٣- اختار الله تعالى رسله من البشر لا من الملائكة، ولا من أي خلق آخر غير البشر، كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة، وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم وإن صفت، ورقت، وارتفعت، يحبونهم حب الإنسان للإنسان، ويطمعون في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير، ويتعلمون منهم تعلم التلميذ من أستاذه، وبذلك يكونون أتباعًا مخلصين.
٤- وفي هذه الحادثة نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي ﷺ في
стр. 143
المتاع، كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي ﷺ ونسائه ﵅، وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر ﵁ وعمر ﵁ أن يضربا عائشة، وحفصة على هذه المراجعة، فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية تصفى وترفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت!
ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه، فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختيارًا لا إكراه فيه، ولا كبت، ولا ضغط، فيفرح رسول الله ﷺ بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
٥- ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة، في قلب رسول الله ﷺ وهو يحب عائشة حبًا ظاهرًا، ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له، ولها، ولأهل بيته، فيبدأ بها في التخيير، ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد، فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها، وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت.
وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي ﷺ لا تخطئ عائشة ﵂ في إدراكها، فتسر بها وتحفل بتسجيلها في حديثها، ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي ﷺ إنسانًا يحب زوجه الصغير، ويحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه، وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريها ربه له، ولأهل بيته.
كذلك تبدو عائشة ﵂ إنسانة، يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها، فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى، فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء، ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن!
وما في هذا المطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام!
وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسول الله ﷺ وهو يقول لها:
стр. 144
"إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا, لا تسألني واحدة منهن عما اخترتِ إلا أخبرتها".
فهو لا يود أن يحجب عن إحدى نسائه ما قد يعينها على الخير، ولا يمتحنها امتحان التعمية والتعسير، بل يقدم العون لكل من تريد العون، كي ترتفع على نفسها وتتخلص من جواذب الأرض، ومغريات المتاع.
ومن هذه الأوامر نزل الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ ١.
وهذه الآيات تحمل نساء النبي ﷺ مسئولية الريادة، والقيادة، وهي مسئولية ضخمة، عليهن العمل لها، والقيام بلوازمها، فإن أخطأت خطأ ضوعفت العقوبة، وإن استقامت، وأطاعت، يضاعف لها الأجر كذلك، وعليهن أن يطعن الله ورسوله فيما يوجه إليهن، وإلى المسلمات من تشريع.
ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال، أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين، الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويغري مرضى القلوب، ويهيج رغائبهم.
ونهاهن من قبل عن النبرة اللينة، واللهجة الخاضعة، وأمرهن مع هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة، غير منكرة، فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث، فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن، ولا إيماء، ولا هذر، ولا هزل، ولا دعابة، ولا مزاح، حتى لا يكون مدخلا إلى شيء آخر وراءه من قريب، أو من بعيد.
وأمرهن الله أيضًا بالمكث في البيت لا يخرجن إلا لضرورة.
كما نهاهن عن تبرج الجاهلية إذا خرجن.
стр. 145
وأمرهن بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله ليعشن في طهارة دائمة، وعفة نقية تتلاءم مع بيت النبوة يقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
إن بيت النبوة هو موطن نزول الوحي، وعلى أمهات المؤمنين أن يعرفن ذلك، ويتأهلن له، وليذكرن ما ينزل الوحي به في بيوتهن من قرآن، أو من سنة، ليأخذ من يأتي بعدهم منهن.
ثالثًا: لقد جاء الإسلام بنظم كاملة تحتاج إليها النسوة في حياتهن العامة، والخاصة، ولا بد لهذه النظم أن تعرف، وتهضم، لتنتقل إلى الأجيال القادمة واضحة بينة، ولقد قامت أمهات المؤمنين بتبليغ الإسلام بصورة حسنة، وبخاصة لأخواتهن المؤمنات، وإذا تأملنا في مرويات أمهات المؤمنين، والفتاوى التي نقلنها إلى غيرهن، لعلمنا ضرورة تعدد زوجات النبي ﷺ لتيمكن من تحمل هذه المسئولية التي كلفوا بها في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٢.
لقد كان الصحابة، والتابعون يقصدون أمهات المؤمنين لأخذ حديث، أو تصحيح آية، أو معرفة حكم شرعي عرفنه من رسول الله ﷺ , وكان البعض يقصد أزواج النبي ﷺ لمعرفتهن أحواله ﷺ وعبادته، ومعيشته كهؤلاء النفر الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها.
فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فإنني أصلي الليل أبدًا.