وفي رواية البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه, فبدأ بي رسول الله ﷺ ، فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تسعجلي حتى تستأمري أبويك"، وقد علم أن أبوي، لم يكونا يأمراني بفراقه ثم تلا عليّ الآيات.
فقلت له: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة١.
لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي ﷺ وحياته الخاصة، وأن تتحقق في أدق صوره، وأوضحها في هذا البيت الذي كان وسيبقى منارة للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق، فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة, فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
ونحب أن نقف أمام هذا الحادث نتدبر بعض العبر٢:
١- إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح للقيم، ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة، ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة، وكل لجلجة، بين قيم الدنيا وقيم الآخرة، بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء، ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله؛ لأن الخلوص يجب أن يكون له وحده دوه سواه.
٢- يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله ﷺ والذين عاشوا معه واتصلوا به، وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان، وحياة ناس من البشر، لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم، وسماتهم الإنسانية مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها، ومع هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه، فالمشاعر
стр. 142
الإنسانية، والعواطف البشرية، لم تمت في تلك النفوس، ولكنها ارتفعت وصفت من الأوشاب, ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان.
وكثيرًا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي ﷺ ، ولصحابته رضوان الله عليهم صورة نجردهم فيها من كل المشاعر، والعواطف البشرية حاسبين أننا نرفعهم بهذا، وننزههم عما نعده نحن نقصًا وضعفًا.
وهذا الخطأ يقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم، وتبقى شخوصهم في حسنا في رقي عال بين تلك الهالات، أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس، ولا تتماسك في الأيدي! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقًا آخر غيرنا ملائكة، أو خلقًا مثلهم، مجردين من مشاعر البشر، وعواطفهم على كل حال.
ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها تبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر, يأسًا من إمكان التشبه بهم، أو الاقتداء العلمي بهم في الحياة؛ لأن صورتهم تختلف في أذهاننا عن الواقع الموجود.
ونفقد بذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن، ولكنهم ارتقوا بها، وطهروها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
٣- اختار الله تعالى رسله من البشر لا من الملائكة، ولا من أي خلق آخر غير البشر، كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة، وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم وإن صفت، ورقت، وارتفعت، يحبونهم حب الإنسان للإنسان، ويطمعون في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير، ويتعلمون منهم تعلم التلميذ من أستاذه، وبذلك يكونون أتباعًا مخلصين.
٤- وفي هذه الحادثة نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي ﷺ في
стр. 143
المتاع، كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي ﷺ ونسائه ﵅، وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر ﵁ وعمر ﵁ أن يضربا عائشة، وحفصة على هذه المراجعة، فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية تصفى وترفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت!
ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه، فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختيارًا لا إكراه فيه، ولا كبت، ولا ضغط، فيفرح رسول الله ﷺ بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
٥- ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة، في قلب رسول الله ﷺ وهو يحب عائشة حبًا ظاهرًا، ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له، ولها، ولأهل بيته، فيبدأ بها في التخيير، ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد، فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها، وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت.
وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي ﷺ لا تخطئ عائشة ﵂ في إدراكها، فتسر بها وتحفل بتسجيلها في حديثها، ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي ﷺ إنسانًا يحب زوجه الصغير، ويحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه، وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريها ربه له، ولأهل بيته.
كذلك تبدو عائشة ﵂ إنسانة، يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها، فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى، فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء، ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن!
وما في هذا المطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام!
وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسول الله ﷺ وهو يقول لها:
стр. 144
"إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا, لا تسألني واحدة منهن عما اخترتِ إلا أخبرتها".
فهو لا يود أن يحجب عن إحدى نسائه ما قد يعينها على الخير، ولا يمتحنها امتحان التعمية والتعسير، بل يقدم العون لكل من تريد العون، كي ترتفع على نفسها وتتخلص من جواذب الأرض، ومغريات المتاع.
ومن هذه الأوامر نزل الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ ١.
وهذه الآيات تحمل نساء النبي ﷺ مسئولية الريادة، والقيادة، وهي مسئولية ضخمة، عليهن العمل لها، والقيام بلوازمها، فإن أخطأت خطأ ضوعفت العقوبة، وإن استقامت، وأطاعت، يضاعف لها الأجر كذلك، وعليهن أن يطعن الله ورسوله فيما يوجه إليهن، وإلى المسلمات من تشريع.
ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال، أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين، الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويغري مرضى القلوب، ويهيج رغائبهم.
ونهاهن من قبل عن النبرة اللينة، واللهجة الخاضعة، وأمرهن مع هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة، غير منكرة، فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث، فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن، ولا إيماء، ولا هذر، ولا هزل، ولا دعابة، ولا مزاح، حتى لا يكون مدخلا إلى شيء آخر وراءه من قريب، أو من بعيد.
وأمرهن الله أيضًا بالمكث في البيت لا يخرجن إلا لضرورة.
كما نهاهن عن تبرج الجاهلية إذا خرجن.
стр. 145
وأمرهن بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله ليعشن في طهارة دائمة، وعفة نقية تتلاءم مع بيت النبوة يقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
إن بيت النبوة هو موطن نزول الوحي، وعلى أمهات المؤمنين أن يعرفن ذلك، ويتأهلن له، وليذكرن ما ينزل الوحي به في بيوتهن من قرآن، أو من سنة، ليأخذ من يأتي بعدهم منهن.
ثالثًا: لقد جاء الإسلام بنظم كاملة تحتاج إليها النسوة في حياتهن العامة، والخاصة، ولا بد لهذه النظم أن تعرف، وتهضم، لتنتقل إلى الأجيال القادمة واضحة بينة، ولقد قامت أمهات المؤمنين بتبليغ الإسلام بصورة حسنة، وبخاصة لأخواتهن المؤمنات، وإذا تأملنا في مرويات أمهات المؤمنين، والفتاوى التي نقلنها إلى غيرهن، لعلمنا ضرورة تعدد زوجات النبي ﷺ لتيمكن من تحمل هذه المسئولية التي كلفوا بها في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٢.
لقد كان الصحابة، والتابعون يقصدون أمهات المؤمنين لأخذ حديث، أو تصحيح آية، أو معرفة حكم شرعي عرفنه من رسول الله ﷺ , وكان البعض يقصد أزواج النبي ﷺ لمعرفتهن أحواله ﷺ وعبادته، ومعيشته كهؤلاء النفر الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها.
فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فإنني أصلي الليل أبدًا.
стр. 146
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء تلك سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
يروي الترمذي بسنده قول أبي موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا٢.
رابعًا: كان زواج النبي ﷺ المتعدد حلا لا بد منه في بعض الحالات.
فأم سلمة المخزومية: بنت سيد بن مخزوم، المهاجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وقد استشهد زوجها، وليس لها أحد، بعدما أصرت على ترك قومها، وهاجرت إلى رسول الله ﷺ وكانت شديدة التقدير، والتعلق بزوجها أبي سلمة فلما مات خطبها أبو بكر، وطلبها عمر فرفضت لأنها لم تجدهما خيرًا من أبي سلمة.
فهل تبقي وحدها أرملة؟ وهي التي تحملت من أجل الإسلام ما تحملت.
إنه ليس هناك حل أبر، وأكرم من ضم رسول الله ﷺ لها إلى نسائه، وقد رضيت به عوضًا.
ورملة بنت أبي سفيان: زعيم قريش أسلمت، وهجرت أباها وقومها، وهاجرت إلى الحبشة، مع زوجها، ثم تنصر زوجها، وارتد عن الإسلام، ومات كافرًا، وثبتت هي على إسلامها، وظلت مقيمة في الحبشة.
أهذه تترك؟ ولمن؟
هل تترك لتعود لقومها مع كفرهم؟
أتترك للعزلة والشماتة؟
стр. 147
أليست مكافأتها في مكانتها أن تكون زوجة رسول الله ﷺ ؟! وتعيش مكرمة عزيزة أما من أمهات المؤمنين؟!
وكم سيكون لهذا أثره في نفس أبيها!! الذي لم يسلم بعد.
وزينب بنت جحش التي زوجها رسول الله ﷺ من متبناه ومولاه زيد، ولم تستقم حياتهما فافترقا، وأراد الله أن يهدم قاعدة التبني عند العرب، التي لا تقوم على أساس معقول، فهدمها بشكل جذري، يوم أن أمر رسول الله ﷺ أن يتزوج زينب مطلقة متبناه زيد.
وجويرية بنت الحارث: بنت سيد قومها، وقومها من أعز بيوت العرب شرفًا، ومنزلة، وقد أسر رجالهم، وسبي نساؤهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ قال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ففرجوا عنهم، وأعتقوا كل من له علاقة بها.
وصفية بنت حيي: كان أبوها ملك اليهود تقريبًا، وزوجها كذلك من خير ساداتهم، وقد هلك أبوها وأخوها وزوجها، وكان من سنته ﷺ الرحمة بعزيز قوم ذل، فضمها إلى نسائه رحمة بها، بدل أن تكون لرجل عادي من الصحابة، لا يتكافأ معها منزلة، ونسبًا، فأعتقها النبي ﷺ ، وتزوجها، واستل ما بفؤادها من حقد كان يمكن أن يعذبها مدى الحياة.
خامسًا: على المسلمين جميعًا أن يتعلموا من معاملة رسول الله ﷺ لزوجاته حسن العشرة، ولين المعاملة، والمحافظة على دين الله تعالى في السر والعلن، وأن يلتمسوا صورة التعامل مع زوجات رسول الله ﷺ ، ليكون منهجًا متبعًا على طول الزمن، ومع امتداد العمران، واختلاف الثقافات والحضارات.
стр. 148
المبحث السابع: حسن عشرة النبي ﷺ لزوجاته رضوان الله عليهم
عامل الرسول ﷺ نساءه معاملة كريمة، قائمة على حسن العشرة، ومكارم الأخلاق، ورفعة السلوك، وفي هذا المبحث أورد أهم جوانب هذه المعاملة.
أولا: كان رسول الله ﷺ يتحدث عن زوجاته، ويعلي شأنهن، ويقدر لهن منزلتهن.
يقول ﷺ عن خديجة بنت خويلد: "خير نسائها مريم بنت عمران, خير نسائها خديجة " ١.
ويقول لعائشة ﵂: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه"٢.
ويقول ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
ويقول ﷺ عن زينب: "إنها أطولكن يدًا". لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق٤.
ويقول لزينب: "المزوج الله والشاهد جبريل" ٥.
وليس ذلك بغريب على رسول الله ﷺ فلقد أعلى الله شأنهن جميعًا، وجعلهن أمهات للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ٦.
стр. 149
فزوجات النبي ﷺ أمهات للمؤمنين جميعًا، على طول الزمن، لهن ما للأمهات من الرعاية، والتقدير، وحسن المعاشرة، وعدم الزواج بهن بعد رسول الله ﷺ ، وملازمة الأدب وحسن الخلق في التعامل معهن.
كما نبه المسلمين على ضرورة التمسك بآداب الدخول في البيوت حين التعامل مع زوجات النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ١.
والآيات تنظم علاقة المسلمين ببيوت النبي ﷺ ، وبنسائه أمهات المؤمنين في حياته، وبعد وفاته كذلك، ويواجه حالة كانت واقعة وهي أن بعض المسلمين كانوا إذا دعوا إلى طعام عند رسول الله ﷺ يستأنسون الحديث فيجلسون بعد الطعام، فأمر الله تعالى بالانتشار بعد الطعام منعًا لإيذاء رسول الله ﷺ .
ثانيًا: كان رسول الله ﷺ يعدل بين زوجاته، ويسوي بينهن كما أمر الله تعالى، وفي إطار وسعه ﷺ ، ولم يفرق الرسول ﷺ في حسن معاملته، بين زوجاته أبدا، برغم تفاوتهن في جوانب عديدة، في الجمال، وفي السن، وما كان يبعده عن العدل شيء ما، فجعل لكل واحدة منهن ليلة، وإذا زار واحدة في غير ليلتها زارهن جميعًا، ومع مراعاته للعدل الدقيق، كان يستغفر الله في ميله القلبي لبعضهن ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك".
وكان ﷺ يقرع بينهن إذا أراد السفر، فأيتهن خرجت القرعة عليها اصطحبها.
стр. 150
تقول أم سلمة: لما تزوجني رسول الله ﷺ أقام عندي ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك هوان على أهلك، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" ١.
ثالثًا: كان ﷺ يقدر لزوجاته حقوقهن الأساسية، ويصونها لهن، لم يتزوج واحدة إلا برضاها، وكان يشاورهن، ويناقشهن ويصبر عليهن.
وقد رأينا موقفه ﷺ من النسوة اللاتي رفضن الزواج منه.
وكان ﷺ يستشير زوجاته في المواقف الصعبة وينزل على رأيهن.
في يوم الحديبية أمر المسلمين بأن يحلقوا، وينحروا، بعد الصلح ليتحللوا فبقوا واجمين، فدخل على زوجه أم سلمة، وهو متأثر يقول: "هلك المسلمون أمرتهم بالحلق فلم يحلقوا، وأمرتهم بالذبح فلم يذبحوا! ".
فقالت: يا رسول الله اخرج ولا تكلم أحدًا منهم، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج ﷺ فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك.
فلما رأى المسلمون ما صنع النبي ﷺ انزاح عنهم الذهول، فقاموا عجلين، ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر٢.
وهكذا كان رسول الله ﷺ يشاور زوجاته، ويأخذ برأيهن في الأمور العامة والخاصة، وكن ﵅ نعم الشريكات لزوجهن رسول الله ﷺ وبذلك نعمن بالحياة مع رسول الله ﷺ رغم ما كان في حياتهن من تقشف.
رابعًا: كان النبي ﷺ يحرص أن يكون جميلا، أنيقًا, نظيفًا، في صورته الجسدية، وفي سلوكه العملي، وفي سائر معاملاته معهن.
كان ﷺ ضاحكًا بسامًا٣.
стр. 151
وكان أفكه الناس مع نسائه١.
وكان ﷺ يقول: "اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم، وتنظفوا" ٢.
ويقول ﷺ : "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها، حتى تقضي حاجتها" ٣.
ويقول ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" ٤.
إن رسول الله ﷺ لم يستنكف داخل بيته أن يقوم بحاجته، وأن يخدم نفسه، بل كان يقوم أحيانًا بحاجة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويقول ﷺ : "خدمتك زوجتك صدقة".
خامسًا: كان ﷺ يترفق معهن في الحديث، ويداعبهن، ويلاعبهن، فقد لاعب عائشة ﵂ فسبقها فلما غضبت لاعبها وتراخى لها فسبقته، وقالت: هذه بتلك٥, وهو ﷺ القائل لعائشة: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى". فقالت له: ومن أين تعرف ذلك؟
قال ﷺ : "أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت عليّ عضبى قلت: لا ورب إبراهيم".
قالت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك٦.
سادسًا: وكان ﷺ يعرف ما جبلوا عليه كسائر النسوة، من غيره وتنافس وحب الاستئثار بالرجل، ولذلك لم يندهش لبعض تصرفاتهن، فيرفق بهن، ويصبر عليهن.
حدث مرة أن ذبح ﷺ شاة وقال: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة".
стр. 152
فغارت عائشة وقالت: خديجة خديجة.
فما زاد ﷺ إلا أن قال لها: "إني رزقت حبها" ١.
وقالت عائشة ﵂ لفاطمة بنت رسول الله: إن رسول الله لم يرزق بكرًا غيري: فبكت فاطمة، وذهبت تشكو لأبيها ﷺ .
فقال لها: "قولي لها إن أمي تزوجت أبي وكان بكرًا، ولم يتزوج عليها" ٢.
وكان ﷺ يعمل على إرضاء زوجاته، وتهدئة خواطرهن بالمعروف يقول أنس بن مالك: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك"؟.
قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي.
فقال لها النبي ﷺ : "إنك لابنة نبي، وإن عمك نبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك". ثم قال لحفصة: "اتقي الله يا حفصة" ٣.
وكان يقابل بعض تصرفاتهن بالصمت لينتهوا منه، ويعلموا ما في تصرفهن من حق أو خطأ في رفق وهدوء، بعيدًا عن الانفعال والغضب.
يروي الإمام مسلم بسنده عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: أرسل أزواج رسول الله ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى أبيها ﷺ فاستأذنت عليه، وهو مضجع معي في مرطي، فأذن لها.
فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة.
فقال لها رسول الله ﷺ : "أي بنية ألستِ تحبين ما أحب"؟.
فقالت: بلى.
قال: "فأحبي هذه".
стр. 153
فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ وأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ .
فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى أبيك ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا.
فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش ﵂، زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ﷺ .
تقول عائشة: لم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به، وتتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفينة.
فاستأذنت زينب على رسول الله ﷺ وهو مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، فأذن لها رسول الله ﷺ .
فقالت يا رسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة, فلم يتكلم رسول الله ﷺ .
تقول عائشة: ثم إن زينب وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله ﷺ ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، فلن تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر، فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها.
فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر" ١.
وهو يدل على رفق رسول الله ﷺ بزوجاته، وصبره عليهن، فبرغم أنهم تجمعن، وأرسلن إليه يطلبن العدل، وفي هذا تحامل منهن على رسول الله ﷺ رغم ذلك كان ﷺ يبتسم، ويصمت، ويترك لهن تقدير الموقف، ولم يأخذ واحدة منهن بالظنة أو يصدق ما يشاع عن إحداهن من سوء، فلقد أشاع المنافقون الإفك حول عائشة ﵂، واتهموها زورًا بما ليس فيها ومع ذلك لم يتغير رسول الله ﷺ ولم يغاضب عائشة، وإنما بقي
стр. 154
صامتًا صابرًا، مع شدة ألم الإفك في نفسه، وذلك أكبر برهان على حسن معاملة رسول الله ﷺ لزوجاته، وأخذه لهن بالرفق والأناة.
إن سلامة العرض، والمحافظة على الشرف والفضيلة من السمات التي يحافظ عليها العرب، ويدافعون عنها بكل غال لديهم، ومع ذلك الوضع الخطير يحافظ رسول الله ﷺ على هدوئه، ويترفق بعائشة ﵂، ويستمر ذلك الحال شهرًا كاملا، ولا يتعرض لها بنقد أو تأنيب أو مقاطعة أو بنظرة عاتبة.
تروي السيدة عائشة ﵂ حادثة الإفك كما عايشتها فتقول: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، فلما دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حتى آذنوا بالرحيل فمشيت، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.
وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبلن الطعام ولم يغشهن اللحم، إنما كن يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفتقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة،
стр. 155
ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك.
وكان يريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله فيسلم، ثم يقول: "كيف تيكم"، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بشيء.
ثم خرجت، حين نقهت، فخرجت مع أم مِسطح فلما فرغنا من شأننا عدنا إلى بيتي، وعنده عثرت أم مِسطح في مرطها فقالت: تعس مِسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرًا؟
فقالت: أي هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟
قلت: وما قال؟
فأخبرتني، بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: "كيف تيكم".
فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ وأريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟
قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! أوقد تحدث الناس بهذا؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله.
стр. 156
فأما أسامة، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، وقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا.
وأما عليّ فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ بريرة وقال لها: "أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك"؟.
قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط، أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله.
فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل، قد بلغني عنه، أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا، ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي".
فبكيت يومي ذلك كله، لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا يرفأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي.
فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا، لا يوحى إليه في شأني بشيء.
فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب تاب الله عليه".
فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ عني فيما قال.
فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .
فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ ، فيما قال.
стр. 157
قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .
فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيرًا: إني والله، لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني برئية لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني, فوالله لا أجد لي ولكم مثلا، إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثم تحولت، واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأعلم أن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى, لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه.
فسري عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكانت أول كلمه تكلم بها أن قال: "يا عائشة أما الله فقد برأك".
فقالت لي أمي: قومي إليه.
فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل١.
وفي قصة الإفك نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
стр. 158
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
والآيات واضحة الدلالة على براءة السيدة عائشة ﵂، وتعيين الأفاكين في عدد قليل، هم العصبة، وتوجيه المسلمين إلى المنهج القويم، الذي يجب اتباعه في مثل هذه الحالات، مع ملاحظة أن إبطال الإفك كان في كلمة واحدة أطلقت على كل ما جرى مسمى "الإفك"، وبقية الآيات دروس تربوية وإيمانية لمجتمع يجب أن يدوم على خيريته وعظمته التي صنعها الإسلام، ويجب أن تستمر به.
وأهم هذه الدروس ما يلي الدرس الأول:
إن رسول الله ﷺ عاش شهرًا قبل نزول الآيات بالبراءة، والإشاعة الكاذبة تملأ الدنيا، والهمس يدور بين أهل المدينة جميعًا، وأخذ ﷺ يبحث عن الحقيقة التي ترد هذا الزيف المتكاثر فاستبين آراء أصحابه، وسأل أسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، كما سأل بريرة مولاته.
وقد أجابه كل من سأله إجابة تؤكد علو مقام السيدة عائشة وطهارتها، ولم يزد أحد عن ذلك إلا عليًا ﵁ فإنه حاول أن يسري عن رسول الله ﷺ ، ويبعده عن الحزن، فنصحه بالزواج، فالنساء كثير, حتى لا يتأثر بما يشاع مع تقديره لمقام عائشة ﵂.
стр. 159
الدرس الثاني:
إن حادثة الإفك قدر إلهي أراده الله تعالى لتحقيق الخير للمسلمين، به يعرفون عدوهم، ويعلمون المنافقين من بينهم، ولتبقى البراءة آيات قرآنية تعلي مكانة أم المؤمنين عائشة على الزمن كله.
فإذا علم أن هذا الإفك أشيع بين الناس بعد غزوة الأحزاب، لظهر أنه كان جزءًا من مؤامرة شاملة خطط لها أعداء الإسلام وروجها المنافقون من أجل تقويض المجتمع الإسلامي، وتشويه صورة القيادة المحمدية.
ومن هنا كان إثبات براءة السيدة عائشة ﵂، وظهور طهارة بيت النبوة في قرآن يتلى، ويبقى ثابتًا على طول الزمن من المبادئ الهامة التي لا بد منها لصيانة المجتمع من الشائعات، وبخاصة تلك التي تتصل بالريادة المؤمنة التي يتأسى بها سائر الناس ولتبق القيادة المسلمة في كل آن مثالا عاليًا للطهارة، والخلق الكريم.
الدرس الثالث:
في إطار الآيات التي تتحدث عن الإفك جاءت توجيهات تحدد أهمية تعاون المجتمع في رد البهتان والزيف، حتى لا يروجه البعض وهو لا يدري.
فلا يصح في المجتمع المسلم أن ينتشر الإفك فيه وبخاصة ما يتعلق بالعرض والشرف، والواجب على كل من يسمع إفكًا أن لا يكرره، وعليه أن يستعيذ بالله منه، ولا يشيعه، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
ولا يجوز في المجتمع المسلم أن يسمع أحد أفراده عن إخوانه أمرًا، ويصدقه بلا برهان يثبته، أو دليل يؤكده.
ولا يصح لمسلم أن يضع نفسه فوق إخوانه، أو يتميز عنهم، وواجب على المسلم أن يقيس الأمر على نفسه وعلى أهله، وأن يضع نفسه مكان من دار الإفك
стр. 160
حولهم، فإن استبعد على نفسه ما يسمعه فمن الأولى أن يستبعده على غيره، وبخاصة من هم أفضل منه في الكرم، والخلق.
يروي المؤرخون أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقوله الناس في عائشة؟
قال: بلى وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟
قالت: لا والله ما كنت لأفعله.
قال: فعائشة والله خير منك١.
الدرس الرابع:
إن كرامة المجتمع المسلم يجب أن تصان من دعايات السور ولذلك نزلت الآيات لعظة المسلمين حتى لا يقعوا في مثل هذا الأمر مرة أخرى، ولا يكونوا فريسة تويجهات الشيطان من الإنس أو الجن التي تحاول جر المجتمع الإسلامي إلى الهاوية، وعلى المسلمين في مثل هذه المواقف أن لا يتعجلوا في الحكم، وأن لا يتحدثوا إلا بعد معرفة الحقيقة الصادقة، حتى لا يؤذوا أنفسهم، وغيرهم بجهالة ويصبحوا نادمين.
إن من تسرع في الإفك، وخاض فيه بلا بينة أخطأ كثيرًا ويكفي لظهور خطأ هؤلاء أن نعلم أن صفوان بن المعطل كان حصورًا لا يأتي النساء٢ ومع ذلك قيل ما قيل فيه!!
الدرس الخامس:
الله عليم بعباده محيط بأخبارهم وأحوالهم، ولذلك أنزل عقوبته على هؤلاء الأفاكين على قدر مساهمتهم في الإفك، وعذاب الله الأليم نازل بهم في الدنيا والآخرة.
وأيضًا: فإن رحمة الله تلحق بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة فيقبل توبة المسيء، ويغفر لمن استغفر، ويزكي عباده الصالحين.
والدرس الهام والأخير:
هو بروز خلق رسول الله ﷺ الحليم، الرءوف، الرحيم، بالمؤمنين جميعًا،
стр. 161
وبخاصة بأمهات المؤمنين.
فبرغم ما كان فيه من عناء يزلزل الجبال في أيام حادثة الإفك كان يسأل عن عائشة ﵂، ويطمئن عليها، ويقول لها: "كيف تيكم"؟.
وستر عنها حديث الناس حتى لا تؤذى، ولم يرض بإثارتها، ومناقشتها، وكان يذكرها بالتوبة، والاستغفار إن كان وقع منها شيء ويستمر الرسول ﷺ هكذا شهرًا كاملا حتى تنزل عليه آيات البراءة، فيخبر عائشة ﵂، وهو ﷺ أسعد منها بها.
ويتحول جو الصمت، والحزن، في بيت النبوة إلى سرور، وفرح، وتنقلب المدينة كلها حديثًا عن طهارة أم المؤمنين عائشة وبراءتها مما أثير حولها.
تقول أم رومان لعائشة: قومي اشكري رسول الله.
فترد عائشة ﵂: إنما أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سماوات١ وتستمر البراءة قرآنًا يحفظ في الصدور، ويتلى على الألسنة، شاهدًا على طهارة هذا البيت العظيم.
هذا..
وقد وقعت حادثة الإفك أثناء الرجوع من غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة.
стр. 162
المبحث الثامن: أبناء النبي ﷺ
وهب الله لنبيه ﷺ عددًا من الأبناء والبنات كلهم من خديجة ﵂ ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.
وقد مات أبناء النبي ﷺ في حياته، ما عدا فاطمة ﵂ فإنها توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر على الصحيح، وأبناؤه ﷺ هم على ترتيب ميلادهم:
الأول: القاسم ﵁
وهو أول أبنائه مولدًا، وبه كان يكنى رسول الله ﷺ على عادة العرب، وقد ولد القاسم، ومات بمكة قبل البعثة، وعاش سبعة عشر شهرًا فقط.
الثانية: زينب ﵂
وهي المولد الثاني لرسول الله ﷺ ، وأكبر بناته، ولدت قبل النبوة في مكة، وتزوجت ابن خالتها أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس فهو ابن أخت خديجة ﵂، وأمه هالة بنت خويلد، وكانت خديجة تحبه لما كان يتميز به، فهو من رجال مكة المعدودين، مالا وأمانة وتجارة، وقد رغبت خديجة ﵂ في تزويجه زينب، فسألت رسول الله ﷺ أن يزوجها له وكان رسول الله ﷺ لا يخالف طلبًا لخديجة وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي فزوجه، وكانت خديجة تعد أبا العاص بمنزلة ولدها، فلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوته آمنت به خديجة وبناته، فصدقته وشهدن أن ما جاء به الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه.
وكان رسول الله ﷺ قد زوج عتبة، وعتيبة ابنا أبي لهب رقية وأم كلثوم فلما بادى قريشًا بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا للأزواج: إنكم قد فرغتم محمد من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن، فأطاعهم أبناء أبي لهب، فلما مشوا إلى أبي العاص وقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت، قال لهم: لا والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وكان رسول الله ﷺ يثني عليه في مصاهرته خيرًا.
стр. 163
وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم، وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع، لبقائه على شركه، فقال رسول الله لزينب إنه لا يحل لك فأقامت معه على إسلامها، وهو على شركه حتى هاجر رسول الله ﷺ وتركها معه، وكانت قد رزقت منه بولد سمته عليًا، وبنتًا أسمتها أمامة.
وقد تأخر إسلام زوجها العاص، ووقع أسيرًا في يد المسلمين يوم بدر؛ لأنه كان في صف الكفار يومها، وفدت زينب زوجها بقلادة ذهبية، أهدتها لها أمها خديجة ﵂، يوم زواجها, فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة تذكر خديجة وابنته زينب ﵂، فرق قلبه ودمعت عيناه، فعفا عن أبي العاص، ومن عليه بالحرية، وأرسله إلى مكة، ومعه قلادة خديجة ﵂، واشترط عليه أن يسمح لزينب بالهجرة على أن يلحق بها إذا أسلم.
يقول ابن إسحاق: كان في الأسرى يوم بدر أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله ﷺ وزوج ابنته زينب، وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة، وهو ابن أخت خديجة، وكانت تعده بمنزلة ولدها، فسألت خديجة رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب وذلك قبل الإسلام، وكان رسول الله لا يخالفها فلما أكرم الله نبيه ﷺ بالنبوة، وآمنت به خديجة ﵂ ودخلت بناته في الإسلام وصدقنه وشهدن أن ما جاء به هو الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه، فمشت قريش إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت.
فقال: لا -هاء الله- إذا لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش فكان رسول الله ﷺ يثني على صهره خيرًا.
وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ وبين أبي العاص بن الربيع إلا أن رسول الله ﷺ لم يفرق بينهما بالطلاق، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وهي مقيمة معه بمكة، فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع، فأصيب في الأسارى يوم بدر، فلما بعث أهل مكة في فداء الأسرى، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص، وبعثت فيه
стр. 164
بقلادة لها كانت أمها خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص حين تزوجها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا".
قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ ، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
قال: وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه العهد مشافهة، ووعده أبو العاص سرًا أن يخلي سبيل زينب إليه كما شرط عليه في إطلاقه فلما خرج أبو العاص إلى مكة، وخلى سبيله بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار وقال لهما: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحبانها فتأتياني بها". فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو نحوه فلما قدم أبو العاص مكة أمر زينب باللحوق بأبيها، فخرجت جهرة فتحدث بذلك رجال من قريش وكبر عليهم أن تخرج زينب علانية فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى، فروعها بالرمح وهي في هودجها، وكانت حاملا فلما ريعت طرحت ذا بطنها، وبرك حموها "أخو زوجها" كنانة، ونثر كنانته، ثم قال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمًا، وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك على ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثأر، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرًا، وألحقها بأبيها، ففعل، فأقامت ليالي، حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولما أسلم أبو العاص وهاجر إلى رسول الله ﷺ في المدينة رد زينب إليه بنكاحها الأول
стр. 165
وكان إسلام أبي العاص وهجرته ﵁ سنة ست، يروى ابن سعد ذلك فيقول: خرج أبو العاص بن الربيع في عير إلى الشام فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب فلقوا العير بناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة فأخذوها وما فيها من الأثقال وأسروا ناسًا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع، فلم يعد أن جاء المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله ﷺ بسحر وهي امرأته فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فقال رسول الله ﷺ : "أيها الناس هل سمعتم ما سمعت"؟.
قالوا: نعم.
قال: "فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم, المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجارت".
فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه ففعل، وأمرها أن لا يقربها فإنها لا تحل له ما دام مشركا، ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم أسلم ورجع إلى النبي ﷺ مسلمًا مهاجرًا في المحرم سنة سبع من الهجرة فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بذلك النكاح الأول١.
وقد ظلت زينب ﵂ وجعة بسبب سقطها حتى لقيت ربها سنة ثمان من الهجرة، وقد صلى عليها عمر بن الخطاب ﵁، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها٢.
الثالثة: رقية ﵂
هي الثالثة في ترتيب أولاد النبي ﷺ ، خطبها ابن عمها "عتبة بن أبي لهب" إلا أنه تخلى عنها، ولم يدخل بها، وطلقها بعد بعثة رسول الله ﷺ ، نزولا على رغبة أبيه أبي لهب، وأمه أم جميل، فتزوجها عثمان بن عفان ﵁، وولدت له ولدًا أسموه "عبد الله" مات صغيرًا.
стр. 166
وهاجرت ﵂ مع زوجها عثمان ﵁ إلى الحبشة الهجرة الأولى، وعادت معه إلى مكة ثم هاجرت إلى المدينة المنورة بعد هجرة رسول الله إليها ومرضت بعد الهجرة واستمرت مريضة حتى وافاها أجلها، عند رجوع المسلمين من غزوة بدر في رمضان سنة اثنين من الهجرة، وبسبب ذلك لم يشترك عثمان ﵁ في بدر، وبقي مع زوجته رقية يمرضها، ويرعاها بأمر رسول الله ﷺ ، وقد ضرب رسول الله ﷺ له سهمه، وأجره.
وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة بعد "بدر" كان عثمان ﵁، راجعًا من البقيع بعد أن واراها مثواها الأخير رضي الله عنها١.
الرابع: أم كلثوم ﵂
خطبها ابن عمها "عتيبة بن أبي لهب" إلا أنه تخلى عنها، وتركها بعد مبعث النبي ﷺ إرضاء لأبيه وأمه، هاجرت إلى المدينة مع أختها فاطمة ﵂، وعاشت مع أبيها في بيته، وبعد وفاة رقية تزوجها عثمان بن عفان ﵁ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة ولذلك عرف عثمان بن عفان بـ"ذي النورين" ولم تنجب منه، واستمرت في كنفه حتى ماتت ﵂ سنة تسع من الهجرة، ودفنت بالبقيع٢.
الخامسة: فاطمة ﵂
هي أصغر بناته ﷺ ، وكان لها دور بارز في الهجرة النبوية، تزوجها علي بن أبي طالب بأمر من الله تعالى، وولدت له: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم، وزينب، وهي من النساء الكاملات اللاتي أحبهم رسول الله ﷺ .
وكانت خديجة ﵂ إذا ولدت ولدًا دفعته إلى من يرضعه، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها، فحظيت بعناية أبيها وأمها منذ صغرها٣.
أمر الله رسول الله ﷺ أن يزوج ابنته فاطمة ﵂ ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁, ولذلك توقف ﷺ عن تزويجها لغيره من كبار الصحابة، بعدما ذكروها لأنفسهم، يقول أنس بن مالك ﵁: إن عمر بن الخطاب ﵁، أتى أبا بكر ﵁ فقال:
стр. 167
يا أبا بكر ما يمنعك أن تتزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ ؟
قال أبو بكر ﵁: لا يزوجني.
قال عمر: إذا لم يزوجك، فمن يزوج، وإنك من أكرم الناس عليه، وأقدمهم في الإسلام. فانطلق أبو بكر ﵁ إلى بيت عائشة ﵂.
فقال: يا عائشة إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نفس، وإقبالا عليك، فاذكري له أني ذكرت فاطمة، فلعل الله أن ييسرها لي.
فجاء رسول الله ﷺ ، فرأت عائشة منه طيب نفس وإقبالا، فقالت: يا رسول الله إن أبا بكر ذكر فاطمة، وأمرني أن أذكرها.
قال ﷺ : حتى ينزل القضاء.
فرجع إليها أبو بكر فقالت: يا أبتاه، وددت أني لم أذكر الذي ذكرت.
فلقي أبو بكر عمر فذكر أبو بكر لعمر ما أخبرته عائشة.
فانطلق عمر إلى حفصة، فقال: يا حفصة إذا رأيت من رسول الله ﷺ إقبالا -يعني عليك- فاذكريني له واذكري فاطمة لعل الله أن ييسرها لي.
فلقي رسول الله ﷺ حفصة، فرأت طيب نفس ورأت منه إقبالا، فذكرت له فاطمة ﵂.
فقال ﷺ : حتى ينزل القضاء.
فانطلق عمر ﵁ إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ما يمنعك من فاطمة؟
فقال علي ﵁: أخشى أن لا يزوجني.
قال عمر ﵁: فإن لم يزوجك فمن يزوج وأنت أقرب خلق الله إليه؟
فانطلق علي إلى رسول الله ﷺ مباشرة ولم يكن له مثل عائشة، ولا مثل حفصة، فلقي رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أتزوج فاطمة.
قال ﷺ : "فافعل".
قال علي: ما عندي إلا درعي الخطمية.
قال ﷺ : "فاجمع ما قدرت عليه وأتني به"، فأتى علي باثنتي عشرة أوقية، أربع مئة وثمانين درهمًا فأتى بها رسول الله ﷺ فزوجه فاطمة ﵂، فقبض ثلاث قبضات
стр. 168
فدفعها إلى أم أيمن وقال لها: "اجعلي منها قبضة في الطيب". أحسبه قال: "والباقي فيما يصلح المرأة من المتاع"، فلما فرغت أم أيمن من الجهاز، وأدخلتهم بيتًا قال ﷺ : "يا علي لا تحدثن إلى أهلك شيئًا حتى آتيك". فأتاهم رسول الله ﷺ فإذا فاطمة متقنعة، وعلي قاعد، وأم أيمن في البيت، فقال: "يا أم أيمن ائتيني بقدح من ماء".
فأتته بقعب فيه ماء، فشرب منه، ثم مج فيه، ثم ناوله فاطمة، فشربت، وأخذ منه فضرب جبينها، وبين كتفيها وصدرها.
ثم دفعه إلى علي فقال: "يا علي اشرب". ثم أخذ منه فضرب به جبينه وبين كتفيه ثم قال: "أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرم تطهيرًا". فخرج رسول الله ﷺ وأم أيمن وقال: "يا علي أهلك" ١.
وكان لفاطمة منزلة خاصة عند أبيها ﷺ .
يروي الترمذي بسنده عن بريدة أنه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي٢ يقول إبراهيم بن سعيد يقصد من أهل بيته.
وعن عائشة ﵂: وكانت فاطمة ﵂ إذا دخلت على رسول الله ﷺ قام إليها، فقبلها، وأجلسها في مجلسه وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت له فقبلته، وأجلسته في مجلسها٣.
ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فأتت فاطمة أباها، غاضبة تقول له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل٤.
فجمع رسول الله ﷺ الناس ثم خطبهم. وقال: "إن فاطمة مني، وأني أتخوف أن تفتن في دينها"، ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، هو زوج زينب، فأثنى عليه في
стр. 169
مصاهرته إياه١ وقال عنه: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحلل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدًا" ٢.
وقال ﷺ : "إن فاطمة بنت محمد مضغة مني، وإنما أكره أن يفتنوها" ٣.
وقال ﷺ : "ابنتي مضغة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها" ٤.
فترك علي ﵁ ما شرع فيه٥.
وقد بشرها رسول الله ﷺ أنها سيدة نساء العالمين، كما جاء في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيها مشية رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "مرحبًا يا بنتي". ثم أجلسها عن يمينه، ثم أسر إليها حديثًا، فبكت، ثم أسر إليها حديثًا، فضحكت.
تقول عائشة: ما رأيت كاليوم أقرب فرحًا من حزن؟ فسألتها عما قال ﷺ ؟
فقالت: ما كانت لأفشي على رسول الله ﷺ سره.
تقول عائشة: فلما قبض ﷺ سألتها.
فأخبرتني أنه ﷺ قال: "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك"، فبكيت لذلك.
ثم إنه ﷺ سارني فقال: "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين"؟. فضحكت لذلك٦.
стр. 170
وعن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر، فلما كان في الركعة الرابعة أقبل الحسن والحسين، حتى ركبا على ظهر رسول الله ﷺ ، فلما سلم وضعهما بين يديه وأقبل الحسن فحمل رسول الله الحسن على عاتقه الأيمن والحسين على عاتقه الأيسر ثم قال: "أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدًا وجدة؟
ألا أخبركم بخير الناس عمًا وعمة؟
ألا أخبركم بخير الناس خالا وخالة؟
ألا أخبركم بخير الناس أبًا وأمًا؟
هما الحسن والحسين، جدهما رسول الله ﷺ ، وجدتهما خديجة بنت خويلد، وأمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأبوهما علي بن أبي طالب ﵁، وخالهما القاسم بن رسول الله ﷺ وخالاتهما زينب، ورقية، وأم كلثوم، بنات رسول الله ﷺ .
جدهما في الجنة، وأبوهما في الجنة، وأمهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالاتهما في الجنة، وهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة" ١.
وقد عاشت فاطمة ﵁ في كنف زوجها علي بن أبي طالب ﵁ حتى لقيت ربها بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر، ودفنت بالبقيع.
السادس: عبد الله ﵁
ولد عبد الله في مكة بعد البعثة، وهو أول أبنائه الذكور الذين ولدوا بعد ظهور الإسلام، سماه النبي ﷺ باسم أبيه عبد الله، وكناه بالطاهر، والطيب، والمطهر، والمطيب، وقد سمي، وكني بذلك لأنه ولد بعد النبوة.
ونظرًا لكثرة أسماء عبد الله، وجدنا من يقول: إن هذه الأسماء لأولاد آخرين لرسول الله ﷺ من خديجة ﵂، حتى تصور أحدهم أن خديجة ﵂ ولدت مرتين توأمًا ففي المرة الأولى ولدت الطيب، والمطيب، وفي المرة الثانية ولدت الطاهر، والمطهر٢.
стр. 171
إلا أن هذه أقوال غير مشهورة، ولم يجمع عليها، والمجمع عليه أنه ﷺ أنجب عبد الله بعد البعثة وقد مات صغيرًا في مكة بعد أخيه القاسم بوقت قصير، ودفن بالحجون.
السابع: إبراهيم ﵁
ولد إبراهيم بالمدينة في شهر ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة, وهو الوحيد من غير خديجة، فأمه مارية القبطية، وأخواله مصريون.
وقد عق عنه النبي ﷺ في يوم سبوعه، وتوفي وعمره ستة عشر شهرًا في ربيع١ الأول سنة عشر، ودفن بالبقيع بعد أن صلى عليه رسول الله ﷺ .
وقد سر النبي ﷺ بولادة إبراهيم، وسماه باسم جده إبراهيم ﵇، ودفعه إلى ظئر ترضعه، وحزن لموته كذلك٢. يروي الإمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم". ثم دفعه إلى أم سيف، امرأة قين يقال له أبو سيف، فانطلق يأتيه، واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف، أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول.
يقول أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" ٣.
وقد حدث أن انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
فخطب النبي ﷺ وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته" ٤.
وقد ظهر حب رسول الله ﷺ لأولاده، وحسن رعايته لهم، ولذلك أنزل
стр. 172
خديجة ﵂ منزلة، تليق بها، حيث رزقه الله منها الولد.
وحينما غارت عائشة ﵂ من كثرة ذكر النبي لخديجة ﵂ وقالت: هل كانت إلا امرأة عجوزًا رزقك الله خير منها قال لها: "ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ولم أرزق من أحد سواها" ١.
وكان ﷺ يحب الأطفال عمومًا، ويحسن إليهم ويرق لهم.
وقد رأينا ما كان منه ﷺ مع أولاده جميعًا، وكان يحبهن، ويحب أبناءهن كحبه لهن.
يروي مسلم أن الناس كانوا إذا رأوا أول الثمر، جاءوا به إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا". ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر٢.
стр. 173
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ في المدينة
أولا: أكله
...
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ في المدينة
النبي ﷺ هو قدوة المسلمين على الزمن كله، وطريق الناس لتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة، وكافة أنشطته تشريع متبع إلا ما بين أنه خاص به ﷺ .
ولذلك كانت الحاجة إلى تحديد ملامح حياته الشخصية ﷺ إبرازًا لسيرته ﵁ وتحديدًا لمعالم الصورة الإسلامية التي يتمناها كل مخلص، تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.
ومن صور حياته الشخصية نذكر ما يلي:
أولا: أكله ﷺ
كان ﷺ يبدأ طعامه بالتسمية، ويأكل بيمينه، ويأكل مما يليه، وكان يعلم ذلك من يأكل معه، فعن عمر بن أبي سلمة ﵁ أنه قال: كنت غلامًا في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي ﷺ : "يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، فما زالت تلك طعمتي بعد٢.
وكان ﷺ يقول: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال, وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ٣.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام أجاب فإذا انتهى من الطعام قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة الأطهار وذكركم الله فيمن عنده" ٤.
стр. 174
وعند أبي داود أن النبي ﷺ أكل عند سعد بن عبادة ثم قال: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" ١.
وكان ﷺ لا يحبس نفسه على نوع واحد من الأغذية، وكان لا يجمع بين حارين، ولا باردين، ولا سهلين، ولا قابضين، ولا غليظين، ولم يأكل طعامًا قط في حال شدة حرارته، ولا شيئًا من الأطعمة العفنة٢.
ولم يكن ﷺ يملأ بطنه بالطعام، وينصح أصحابه بذلك، ويقول لهم ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" ٣.
وكان ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض٤.
يقول أنس بن مالك: ما أكل نبي الله ﷺ على خوان، ولا سكرجة، ولا خبز مرقق، فقلت لقتادة: فعلام كانوا يأكلون؟
قال: على السفر؟ ٥.
وكان ﷺ يأكل التمر وترًا، وكان لا يجمع بين التمر والنوى في طبق واحد، ولا يجمع النوى في كفه، بل يسقط النوى على ظهر كفه ثم يلقيها، وأحيانًا كان يرفع النوى، بأصبعيه ثم يلقيها٦.
وكان ﷺ يحب أكل التمر بعد غليه بالسمن، وخلطه باللبن، وهو المعروف بـ"الحيس"، وكان هو الطعام الذي صنعه يوم بنى بـ"صفية بنت حيي".
وكان ﷺ يحب الزبد بالتمر٧.
стр. 175
وكان ﵁ يأكل البطيخ بالرطب، ويأكل القثاء بالرطب كذلك١.
وكان ﷺ يحب الحلواء والعسل٢.
وكان ﷺ يأكل زيت الزيتون، ويحث عليه، ويقول: كلوا الزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة.
وكان يأكل الدجاج، ويحب الدباء٣ وهو القرع ويسمى اليقطين، وكان ﷺ يحب الثريد، ويفضله على سائر الطعام، كما يفهم من ثنائه على أم المؤمنين عائشة يقول ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٤.
والثريد خبز مبلل بمرق، وعليه اللحم، وهو الذي يعرف بـ"الفتة".
وكان ﷺ يكتفي بالطعام القليل، ولم يكن همه الأكل والشبع.
وكان ﷺ يبيت الليالي المتتابعة خاويًا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم الشعير.
عن عروة عن عائشة أنها كانت تقول: والله يابن أخي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قلت يا خالة: فما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان، التمر، والماء. إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح، فكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم، فيسقيناه٥.
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل ﵇ على الصفا.
فقال رسول الله ﷺ : "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفه من دقيق، ولا كف من سويق". فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته
стр. 176
فقال رسول الله ﷺ : "هل أمر الله القيامة أن تقوم"؟.
قال جبريل: لا، ولكن أمر إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن تكون جبال تهامة زمردًا، وياقوتًا، وذهبًا، وفضة، فإن شئت نبيًا ملكًا وإن شئت نبيًا عبدًا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال ﷺ : "بل نبيًا عبدًا ... ثلاثًا" ١.
وكان ﷺ إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: "الحمد لله حمدًا كثيرًا، طيبًا، مباركًا، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا ".
وكان ﷺ يقول إذا فرغ من طعامه: "اللهم لك الحمد، أطعمت وسقيت، وأشبعت ورويت، فلك الحمد" ٢.
وكان ﷺ يقول: "الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد الله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين".
وربما قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه" ٣.
ويقول ﷺ : "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها" ٤.
ولم يعب ﷺ طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه٥.
стр. 177
ثانيًا: شرابه ﷺ
لم يكن من عادة النبي ﷺ الشرب على الطعام، وكان يشرب العسل الممزوج بالماء، تقول عائشة ﵂: كان أحب شراب النبي ﷺ الحلو البارد١, وكان الصحابة يأتون بالماء لرسول الله ﷺ من بئر عرس مرة، ومن السقيا مرة.
وكان ﷺ يشرب اللبن ويقول: "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" ٢.
وكان رسول الله ﷺ يتنفس في الإناء ثلاثًا، ويقول: "إنه أبرأ، وأروى، وأمرأ" ٢.
وكان النبي ﷺ يشرب واقفًا، وقاعدًا، يقول ميسرة: رأيت عليًا يشرب قائمًا، فقلت له: أتشرب قائمًا؟
فقال: إن شربت قائمًا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا، وإن شربت قاعدًا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قاعدًا٤.
هذا وقد روى مسلم بسنده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائمًا٥ وقد تصور البعض من هذا النهي حرمة الشرب قائمًا، وهذا تصور مردود؛ لأن النبي ﷺ شرب قائمًا، وقاعدًا، وهذا يدل على الجواز؛ لأنه فعله لبيان الجواز، وأقصى ما يفيده النهي أنه خلاف الأولى.
стр. 178
ثالثًا: نومه ﷺ
كان ﷺ ينام، إذا دعته الحاجة إلى النوم، ينام على شقه الأيمن، ذاكرًا الله حتى تغلبه عيناه، وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خده أحيانًا.
وكان ﷺ ينام بعينه ولا ينام قلبه١.
стр. 179
ومن تدبر صفة نومه ويقظته ﷺ وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن، فإنه كان ينام على الفراش تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة، وكان له بساط ينام عليه بعد أن يثنيه ثنيتين، وكانت وسادته جلدًا حشوها ليف، وإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ النصف الثاني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ .
فيحمد الله تعالى ويكبره، ويدعوه، ويستاك، ثم يقوم إلى وضوءه، ثم يقف للصلاة بين يدي ربه خاشعًا، راهبًا، متدبرًا.
وقد حدد الله أوقات النوم في اليوم والليلة التي يجب فيها الاستئذان إذ قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
وكان من هدي النبي ﷺ النوم وقت القيلولة٢.
- عن أنس ﵁ قال: إن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعًا٣ فيقيل عندها على ذلك النطع٤.
- وعن أنس قال: قال ﷺ : "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل" ٥.
ورسول الله ﷺ بذلك يخبرنا بأن هذا وقت لا تهدأ فيه الشياطين، بل تزداد ثورة في وقت الظهيرة، لأنها خلقت من نار السموم، فمن المستحب أن ننام، ونريح جسدنا في وقت القيلولة، حتى نستعد لقيام الليل، وكان هذا دأبه، وعمله، ﷺ حتى
стр. 180
لقي ربه، وكان ﷺ ينام غالبًا على قفاه.
- يقول الشافعي ﵁: النوم على أربعة أنحاء:
نوم على القفا، وهو نوم الأنبياء ﵈، يتفكرون في خلق السماوات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد.
ونوم على الشمال وهو نوم الملوك ليهضم طعامهم.
ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين.
وقد نهى النبي ﷺ أن ينام الرجل على وجهه، فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: مر النبي ﷺ برجل مضطجع على بطنه، فقال: "هذه ضجعة لا يحبها الله " ١.
- وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة٢.
ورؤي النبي ﷺ مستلقيًا على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى٣.
وفي ذلك إباحة الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى للراحة، ولكن هذه ليست نومة النبي ﷺ المستديمة ولكنه ﷺ نام بها، ويمكن فعلها في أوقات الراحة، وفي غيرها لمن أراد بعدما أباحها ﷺ .
وكان رسول الله ﷺ يدعو ربه قبل نومه.
- عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت" ٤.
قال النووي في زاد المعاد: