← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فقال رسول الله ﷺ : "هل أمر الله القيامة أن تقوم"؟. قال جبريل: لا، ولكن أمر إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك. فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن تكون جبال تهامة زمردًا، وياقوتًا، وذهبًا، وفضة، فإن شئت نبيًا ملكًا وإن شئت نبيًا عبدًا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع. فقال ﷺ : "بل نبيًا عبدًا ... ثلاثًا" ١. وكان ﷺ إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: "الحمد لله حمدًا كثيرًا، طيبًا، مباركًا، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا ". وكان ﷺ يقول إذا فرغ من طعامه: "اللهم لك الحمد، أطعمت وسقيت، وأشبعت ورويت، فلك الحمد" ٢. وكان ﷺ يقول: "الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد الله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين". وربما قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه" ٣. ويقول ﷺ : "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها" ٤. ولم يعب ﷺ طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه٥.

стр. 177

ثانيًا: شرابه ﷺ لم يكن من عادة النبي ﷺ الشرب على الطعام، وكان يشرب العسل الممزوج بالماء، تقول عائشة ﵂: كان أحب شراب النبي ﷺ الحلو البارد١, وكان الصحابة يأتون بالماء لرسول الله ﷺ من بئر عرس مرة، ومن السقيا مرة. وكان ﷺ يشرب اللبن ويقول: "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" ٢. وكان رسول الله ﷺ يتنفس في الإناء ثلاثًا، ويقول: "إنه أبرأ، وأروى، وأمرأ" ٢. وكان النبي ﷺ يشرب واقفًا، وقاعدًا، يقول ميسرة: رأيت عليًا يشرب قائمًا، فقلت له: أتشرب قائمًا؟ فقال: إن شربت قائمًا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا، وإن شربت قاعدًا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قاعدًا٤. هذا وقد روى مسلم بسنده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائمًا٥ وقد تصور البعض من هذا النهي حرمة الشرب قائمًا، وهذا تصور مردود؛ لأن النبي ﷺ شرب قائمًا، وقاعدًا، وهذا يدل على الجواز؛ لأنه فعله لبيان الجواز، وأقصى ما يفيده النهي أنه خلاف الأولى.

стр. 178

ثالثًا: نومه ﷺ كان ﷺ ينام، إذا دعته الحاجة إلى النوم، ينام على شقه الأيمن، ذاكرًا الله حتى تغلبه عيناه، وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خده أحيانًا. وكان ﷺ ينام بعينه ولا ينام قلبه١.

стр. 179

ومن تدبر صفة نومه ويقظته ﷺ وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن، فإنه كان ينام على الفراش تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة، وكان له بساط ينام عليه بعد أن يثنيه ثنيتين، وكانت وسادته جلدًا حشوها ليف، وإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ النصف الثاني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ . فيحمد الله تعالى ويكبره، ويدعوه، ويستاك، ثم يقوم إلى وضوءه، ثم يقف للصلاة بين يدي ربه خاشعًا، راهبًا، متدبرًا. وقد حدد الله أوقات النوم في اليوم والليلة التي يجب فيها الاستئذان إذ قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١. وكان من هدي النبي ﷺ النوم وقت القيلولة٢. - عن أنس ﵁ قال: إن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعًا٣ فيقيل عندها على ذلك النطع٤. - وعن أنس قال: قال ﷺ : "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل" ٥. ورسول الله ﷺ بذلك يخبرنا بأن هذا وقت لا تهدأ فيه الشياطين، بل تزداد ثورة في وقت الظهيرة، لأنها خلقت من نار السموم، فمن المستحب أن ننام، ونريح جسدنا في وقت القيلولة، حتى نستعد لقيام الليل، وكان هذا دأبه، وعمله، ﷺ حتى

стр. 180

لقي ربه، وكان ﷺ ينام غالبًا على قفاه. - يقول الشافعي ﵁: النوم على أربعة أنحاء: نوم على القفا، وهو نوم الأنبياء ﵈، يتفكرون في خلق السماوات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد. ونوم على الشمال وهو نوم الملوك ليهضم طعامهم. ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين. وقد نهى النبي ﷺ أن ينام الرجل على وجهه، فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: مر النبي ﷺ برجل مضطجع على بطنه، فقال: "هذه ضجعة لا يحبها الله " ١. - وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة٢. ورؤي النبي ﷺ مستلقيًا على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى٣. وفي ذلك إباحة الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى للراحة، ولكن هذه ليست نومة النبي ﷺ المستديمة ولكنه ﷺ نام بها، ويمكن فعلها في أوقات الراحة، وفي غيرها لمن أراد بعدما أباحها ﷺ . وكان رسول الله ﷺ يدعو ربه قبل نومه. - عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت" ٤. قال النووي في زاد المعاد:

стр. 181

معنى وضع رأسه على كفه، أي: وضع راحته مع أصابعه اليمنى تحت شقه الأيمن من وجهه، فالكف للراحة مع الأصابع، وسميت به لأنها تكف الأذى عن البدن وتريح صاحبها لوضعها تحت خده الأيمن. - عن أبي ذر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضطجعه من الليل قال: "اللهم باسمك أموت وأحيا". فإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ١. وكان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه يقول: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك, وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت" ٢. - عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ . وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ . ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه، ووجهه، وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات٣. - عن جبلة بن حارثة أن النبي ﷺ قال: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك" ٤. - عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "باسمك اللهم

стр. 182

أموت وأحيا"، وإذا قام من نومه، قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" ١. - عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، منزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر٢. وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق, والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك" ٣.

стр. 183

رابعًا: سماحته ﷺ كان رسول الله ﷺ يتجاوب مع جلسائه، ويتساهل معهم، ويشاركهم الحال والقال، فإذا تحدثوا بأمر شاركهم في حديثهم ما لم يكن إثمًا. فعن خارجة بن زيد ﵁ أن نفرًا دخلوا على أبيه زيد بن ثابت ﵁ فقالوا: حدثنا ببعض حديث النبي ﷺ . فقال: وما أحدثكم؟ كنت جاره ﷺ فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّفآتيه، فأكتب الوحي، فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، كل هذا أحدثكم عنه ﷺ . وروى الإمام أحمد عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه يذكرون عنده الشعر وأشياء من أمورهم في الجاهلية فيضحكون، وربما تبسم معهم١. وروى مسلم عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة ﵁: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ فقال جابر: نعم كثيرًا! كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون، ويبتسم صلى الله عليه وسلم٢. يقول عبد الله بن زيد: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم٣. ويقول عبد الله بن الحارث: ما كان ضحك رسول الله إلا تبسمًا٤. وكان ﷺ يمزح مع أصحابه، لإدخال السرور عليهم، ليباسطهم، وليهتدوا بهديه، ويتخلقوا بخلقه، فلو أنه ﷺ ترك الطلاقة مع أصحابه، والمباسطة معهم، ولزم العبوس، والانقباض، لألزم الصحابة أنفسهم بذلك، وكذلك التابعون من بعدهم، فمزح ﷺ ليمزحوا، ولكنه ﷺ بين لهم أنه لا يقول في مزاحه إلا حقا، فلا يأتي بباطل ولا بعبث أو بلعب. وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا -أي ليلاطفنا ويمازحنا- حتى يقول لأخ لي: "يا أبا عمير ما فعل النغير"٥. يروي الإمام أحمد بسنده عن أنس ﵁ أن رجلً من أهل البادية كان اسمه

стр. 184

زاهرًا، وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى البادية إثابة على هداياه، وكان النبي ﷺ يحبه، ويداعبه، ويقول: "إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضروه". وكان زاهر رجلا دميما، فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وهو لا يبصره. فقال زاهر: من هذا؟ أرسلني!! فالتفت زاهر فعرف أنه النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه. فجعل النبي ﷺ يقول: "من يشتري هذا العبد"؟. فقال: يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدًا. فقال النبي ﷺ : "لكنك عند الله لست بكاسد أنت عند الله غال" ١. ومن جملة ما ورد في مزاحه ﷺ ، ما ورد عن أنس ﵁: أن رجلا أتى النبي ﷺ يستحمله -أي يطلب منه دابة- فقال له ﷺ : "إني حاملك على ولد الناقة". فقال: يا رسول الله ﷺ ما أصنع بولد الناقة؟ فقال ﷺ : "وهل يلد الإبل إلا النوق"؟ ٢. وجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله ﷺ احملني على بعير. فقال ﷺ : "احملها على ابن بعير". فقالت: ما أصنع به؟ وما يحملني يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "وهل يجيء بعير إلا ابن بعير". وروى ابن بكار عن زيد بن أسلم أن امرأة يقال لها أم أيمن الحبشية، جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي يدعوك. فقال: "من هو؟ أهو الذي بعينيه بياض". فقالت: ما بعينيه بياض.

стр. 185

فقال ﷺ : "بلى بعينيه بياض". فقالت: لا والله. فقال ﷺ : "ما من أحد إلا بعينيه بياض". يريد البياض المحيط بالحدقة. ومن ذلك ممازحته للمرأة العجوز التي جاءته ترغب في الجنة، يروي الترمذي بسنده عن الحسن البصري ﵁ قال: أتت عجوز النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال ﷺ : "يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز". فولت وهي تبكي. فقال ﷺ : "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز" ١. والله تعالى يقول ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ٢. وكان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يبتسم في وجوه أصحابه حين يلقاهم، وفي حديثه إليهم، تلطفًا بهم، ومؤانسة لهم. يقول جرير بن عبد الله ﵁: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم٣. وروى الترمذي وغيره عن هند بن أبي هالة في حديثه يصف النبي ﷺ قال فيه: جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام، والمعنى أنه ﷺ كان يضحك ضحكًا حسنًا، كاشفًا عن سن مثل حب الغمام -وهو البرد- في البياض والصفاء والبريق٤. وعن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسمًا وكان ﷺ يضحك أحيانًا حتى تبدو نواجذه٥.

стр. 186

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا، رجل يخرج منها زحفًا، فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم. فيقال له: تمن. قال: فيتمنى، فيقال له: فإن لك ما تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا. فيقول: أتسخر بي وأنت الملك"، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه" ١. وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، يؤتي برجل فيقول: سلوا عن صغار ذنوبه واخبئوا كبارها، فيقال له: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا". يقول أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه٢. وأخرج الإمام أحمد عن أم سلمة ﵂، أن أبا بكر ﵁ خرج إلى بصرى ومعه النعيمان وسويبط بن حرملة ﵄ وكلاهما بدري، وكان سويبط على الزاد، فقال له النعيمان: أطعمني. فقال سويبط: حتى يجيء أبو بكر. وكان النعيمان ضحاكًا، مزاحًا، فذهب إلى أناس جلبوا ظهرًا -أي إبلا- فقال لهم النعيمان: أتبتاعون -أي تشترون- مني غلامًا -أي عبدًا- عربيًا فتيًا، فارهًا؟

стр. 187

قالوا: نعم. قال: إنه ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك، فدعوني لا تفسدوه علي. فقالوا: بل نبتاعه، فابتاعوه بعشر قلائص -أي نوق شابة- فأقبل ليسوقها وقال لهم: دونكم هو هذا. فقال سويبط: هو -أي النعيمان- كاذب، أنا رجل حر. فقالوا قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحابه إليهم، فردوا القلائص وأخذوه، ثم أخبروا النبي ﷺ بذلك فضحك هو وأصحابه حولا أي كلما تذكروا هذه الفعلة١. ومن ذلك ضحكه ﷺ من الأمر العجيب يبلغه. روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: جاءت سلمى امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ تستأذن رسول الله ﷺ على أبي رافع وقالت: إنه ليضربني. فقال ﷺ : "ما لك وما لها"؟. قال: تؤذيني يا رسول الله. قال: "بما آذيتيه يا سلمى"؟. قالت: ما آذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع إن رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم ريح أن يتوضأ, فقام يضربني, فجعل رسول الله ﷺ يضحك ويقول: "يا أبا رافع لم تأمرك إلا بخير" ٢. وسئل ابن عمر ﵁: هل كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون؟ فقال: نعم وإن الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال. وقد صنع خلق رسول الله ﷺ مع أصحابه ترابطًا معهم تميز بالحب والتقدير.

стр. 188

والتعظيم، وكانوا رضوان الله عليهم كالفراش يتجمع حول النور تعلقًا وعشقًا. إن هذا الحب من أصحاب رسول الله ﷺ نابع من قوة إيمانهم، وصدق يقينهم الذي أودع في قلوبهم توقير صاحب الرسالة التي أخرجتهم من الظلمات إلى النور, فأقروا بما له ﷺ من فضل عليهم. يؤكد هذا الحب كريم خلقه ﷺ وعظمته، فقد استطاع ﷺ بالحب أن يجمع القلوب من حوله، وإن يملأها بالصدق, ولو كان بغير هذا الخلق لانفضوا من حوله يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١. لقد رأينا كثيرًا من الرؤساء والملوك تنهال عليهم الأسنة، وتنالهم الأقلام ويتعرضون لحملات ضاربة من النقد والتجريح، والاتهام والإشاعات، بمجرد بعدهم عن سلطانهم وانتقال القوة إلى غيرهم وذلك لأنهم لم يعملوا بالإقناع والحب ولم ينشروا بين الناس قيم العدل والتسامح والتكريم، وإنما اغتروا بالقوة والجاه، وأهملوا حقوق الناس، ولجئوا إلى البطش والإرهاب، فلما ذهبوا ذهب كل شيء معهم. أما محمد ﷺ فقد ملأ الدنيا بالخير، وأقنع العقول بالحق، وفاض خلقه على الناس فتعلموا بالسماحة، والرضى، والحب، والكرم ودخلوا في الإسلام راضين وسعداء، ويكفي ما في قلوب الملايين من أتباعه ﷺ من حب صادق، وإخلاص كبير.

стр. 189

المبحث العاشر: قيامه ﷺ بمهام الرسالة بجانب أعمال الرسول ﷺ مع أهله وأولاده وأصحابه، نراه ﷺ يعيش حياته كلها لدين الله تعالى، متوكلا على الله في كل أعماله. فلقد عاش ﷺ ، قائدًا للجماعة، ومبلغًا للرسالة، ومجاهدًا في سبيل الله تعالى، ومصدر الفتوى والتعليم للأمة كلها، ولا غرابة في هذا فلقد أدى ﷺ بذلك الأمانة وبلغ الرسالة، وجاهد في الله حق الجهاد، واستمر على ذلك حتى تمت النعمة، وكمل الدين، وأصبح الإسلام دين العالمين. لقد كان ﷺ حركة دائمة في كل حياته بعد الهجرة كما كان قبلها، ولقد أنجز في وقت قصير ما كان يحتاج لمدة طويلة، فهيأ للمهاجرين معيشتهم، وربط المسلمين جميعًا برباط الحب، والمودة، والتآلف. ونظم الحياة الاجتماعية لمواطني المدينة مسلمين وغير مسلمين، وحدد لكل طائفة ما لها وما عليها، واستسلم الجميع لحكم الله تعالى، وارتضوا أن يكون الرسول ﷺ هو الحاكم فيهم. أقام النبي ﷺ المسجد النبوي ليجتمع المسلمون فيه للعبادة، ولأداء كافة الأنشطة التي لا بد منها للحركة بالدعوة إلى الله تعالى، من تعليم وتنظيم، وإعداد ... إلخ. وأخذ الوحي ينزل عليه بكافة التشريعات الدينية، ويوضح أمامه الأخلاق النبيلة وأصبح المسلمون بما تمتعوا به قوة وضاءة في أفق الحياة، تعمل الخير وتنشره بين الناس، وتواصل الدعوة إلى دين الله تعالى. وتتابع نزول القرآن الكريم تبعًا للأحداث والوقائع والمناسبات, وتربية لأمة أراد الله لها أن تكون خير ما أخرج للناس. وكان ﷺ يتابع الناس بالتوجيه والإرشاد، ويبين لهم الوحي، ويوجههم به حتى كمل الدين، وتم نزول القرآن وتعاظمت السنة خلال المرحلة المدنية. وكان من الواضح أن الإسلام أخذ يزداد أتباعه كل يوم، وصارت حقيقته بادية

стр. 190

أما غير المسلمين ... الأمر الذي أدى إلى زيادة حقد القرشيين على المسلمين في المدينة. ولم يكن عجبًا أن يبدأ العدوان القرشي على المسلمين بعد نجاح الهجرة، الأمر الذي أدى إلى بدء الجهاد القتالي ضد أعداء الإسلام واستمرت الحركة بالدعوة حتى تم الإسلام، وكمل الدين، ونزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١. لم تكن مدة الرسالة المدنية طويلة لكنها رغم قصرها امتلأت بالحوادث العديدة، والمواقف الشاقة، والمواجهات المتنوعة، حتى أن العقل يندهش حين ينظر في المرحلة المدنية، ويرى ما حدث فيها. لقد استمرت المرحلة المدنية عشر سنوات بدأت بالهجرة وانتهت بوفاة رسول الله ﷺ وخلالها عاش المسلمون بالإسلام, وتحركوا به في العالمين. لقد قام رسول الله ﷺ خلال هذه السنوات العشر بكل ما كلف به على خير وجه أراده الله تعالى. تلقى القرآن الكريم من جبريل ﵇ ونقله كما تلقاه إلى أصحابه الذين اهتموا به حفظًا وفهمًا واتباعًا. وبين لهم بسنته ﷺ القرآن الكريم حتى صار الإسلام معلومًا، مفصلا، كاملا، شاملا. وربى رسول الله ﷺ الأمة على منهج الله تعالى، وبطريقة تتلاءم مع الواقع، وتلتقي مع الخصائص البشرية للإنسان. وحول ﷺ معايب الجاهلية إلى محاسن دينية بعد أن تسامى بها، وهذب حركتها وطهر غايتها، وضبط حركتها ووجهتها بتعاليم الله حتى صارت عونًا للمحتاج، وانتصارًا للعدل، والحرية، والكرامة. وعرف الناس حقوقهم وواجباتهم، فقاموا بما عليهم، ونالوا ما لهم حتى ظهرت أمة الإسلام بحضارتها تباهي الدنيا بحقيقتها الرائعة التي حافظت على حقوق الفقراء والضعفاء

стр. 191

قبل الأغنياء والأقوياء وأنصفت أصحاب الحقوق من المعتدين، وحررت مسارات الحياة من أي غلو، أو عدوان، أو إهمال، أو تفريط. إن أمة الإسلام التي رباها رسول الله ﷺ هي النموذج الأسوة فقد بلغت الأوج وتميزت بكرم الخلق، وحسن المعاملة ونبل الهدف, مع التخلص التام من عنصرية الجاهلية، وعدوانية الظلم والضلال، والبعد المطلق عن الأنانية، والأثرة، والكبرياء والتعالي. لقد حققت أمة الإسلام في مدة وجيزة ما يعجز عن تحقيقه الآخرون في مئات السنين. لقد أوجدت على أرض الواقع العدل العام، وأسست قوة الخير والسلام، وحققت عمليًا التوازن الدقيق بين المسئولية والجزاء، والتناغم الجميل بين الحقوق والواجبات، كل ذلك وغيره بتعاليم الله تعالى التي قدمت الإسلام هدية لإسعاد العالمين. لقد شهد الواقع بما قام به رسول الله ﷺ حيث دخل الناس في الإسلام، وزالت دولة الفرس والروم، ولم يتمكن أحد من الأعداء أن يتهم محمدا ﷺ بأنه ظلم إنسانًا، أو ضيع حقوقًا، أو هان ضعيفًا، أو فرط في إصلاح. لقد حرك ﷺ أناسًا نائمين، ووضع في قلوبهم سر الحركة والنشاط، حتى صنع منهم الأمة الإسلامية العظيمة التي تصون حقوق رعاياها، وتحسن تعاملها مع غيرها. والمسلمون اليوم عليهم أن يعودوا للسيرة الذاتية لرسول الله ﷺ ليتشبهوا بها، ويقتدوا بمسلكها لأن هذا الاقتداء واجب شرعًا، وبخاصة أن رسول الله ﷺ مع أنه صناعة ربانية فقد نشأ وتربى، وعاش كسائر البشر. رأيناه ﷺ يتيمًا، فقيرًا، عالة ... وشاهدناه يتاجر ويعمل للناس راعيًا. ووقفنا على حياته ﷺ مع زوجاته وأبنائه، وإخوانه, وعلمنا كيف نومه وأكله وشربه, كل ذلك عشناه معه وتأكدنا من صدق روايته مما يؤكد أن الاتباع والاقتداء أمر سهل ممكن لمن أراد أن يكون إنسانًا كاملا يعمل للدنيا وللآخرة معًا, يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.

стр. 192

الفصل الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة في المدينة المنورة مدخل ... الفصل الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة في المدينة المنورة تمهيد: تمت الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بأمر الله تعالى، وبذلك بدأت مرحلة جديدة مع الدعوة إلى الله تعالى، تتميز بخصائصها، ومفاهيمها، وأهميتها وتختلف عن المرحلة المكية بصورة كلية، وصار الأمر فيها مهيأ لانطلاقة الإسلام إلى العالم كله، بصورة عملية دائمة. ولم يعد الصراع بين مجتمع واسع وبين أفراد قلائل فيه، كما كان الحال في مكة وإنما تحول إلى صراع بين مجتمع ومجتمع آخر يعادله، ويتفوق عليه بالإيمان الحق، وتتبع الصراط المستقيم. وقد وصلت الدعوة الإسلامية نظريًا إلى العالم كله، خلال المرحلة المكية ومعها وصلت أخبار ما بين رسول الله ﷺ وبين كفار مكة من عداوة وصراع، وهذا جعل الناس ينتظرون ما تسفر عنه الأحداث بعد الهجرة، وما ينتهي إليه الصراع بين أهل مكة وأهل المدينة. وأخذ أبناء الجزيرة على الخصوص ينتظرون نتيجة هذا الصراع، ليتخذوا قرارهم بعد أن تهدأ العاصفة، ويستقر البركان. وأراد الله تعالى أن ينتصر دينه بمفهوم البشر وسننهم، ليشعر المؤمنون بمسئوليتهم تجاه الإسلام، ويقوم المسلمون بالواجب المنوط بهم في مجال الدعوة إلى الله تعالى، وليعلم سائر الناس أن الإسلام قوي بما فيه من تعاليم، وإرشاد، وأن الإيمان أساسه الاقتناع والرضى، وأن الاستفادة بالإسلام تحتاج إلى الاستقامة والطاعة والانقياد والتسليم وخلوص العبودية لله رب العالمين. وكان رسول الله ﷺ والمسلمون معه خير أمة أخرجت للناس في الفهم والتطبيق والصدق والإخلاص فاستقاموا على الطريقة الحقة، وجاهدوا في الله حق الجهاد، وجعلوا كل أمانيهم إرضاء الله ورسوله، ولم يبالوا بأي أذى ينالهم، أو بأي ضرر ينزل بهم ما داموا على المنهج القويم الذي ارتضاه الله للناس. لقد تمتعت هذه الجماعة بالإسلام في المدينة، وحولت الفكرة المجردة إلى عمل واقعي، وجعلت المبادئ حركة ناصعة تخاطب العقل، وتتراءى للعين، ويلمسها

стр. 193

بوضوح كل من شاهد صحابيًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلقد تحولوا رضوان الله عليهم إلى عباد ربانيين، يعيشون لله حياتهم كلها. لقد تمكن المسلمون خلال العهد المدني بقيادة رسول الله ﷺ من إسكات صوت الباطل، وقهر قوته، وإيصال الدعوة إلى العالم كله، بعدما أزاحوا رموز الفساد وطواغيت الدنيا، وجابوا العالم كله دعاة يحملون رسالة الله، ويجاهدون في سبيله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وينشرون الخير بين الناس أجمعين. وفي هذا الفصل سنعيش مع رسول الله ﷺ ، وهو يتحرك بدعوة الله، بصور عديدة، وأنواع كثيرة، ومعه كان أصحابه ﵃. وسيأتي هذا الفصل مكونًا من المباحث التالية: المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي. المبحث الثاني: تشريع الجهاد وحركة الدعوة. المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر. المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى. المبحث الخامس: أحداث ما بين "بدر" و"أحد". المبحث السادس: غزوة أحد. المبحث السابع: أحداث ما بين "أحد" و"الأحزاب". المبحث الثامن: غزوة الأحزاب. المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية.

стр. 194

المبحث العاشر: غزوة الحديبية. المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة. المبحث الثاني عشر: فتح مكة. المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب. المبحث الرابع عشر: السرايا والغزوات في الميزان. المبحث الخامس عشر: وجاء نصر الله تعالى. المبحث السادس عشر: انتقال الرسول ﷺ إلى الله تعالى. والله الموفق.

стр. 195

المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي مدخل ... المبحث الأول: بناء المجتمع الإسلامي استقر المهاجرون في المدينة المنورة، ودخل أغلب الأوس والخزرج في الإسلام، وتحولت المدينة كلها إلى مجتمع متكامل، خال من الصراع، بعيد عن الضلال والضياع واستسلم الجميع لحكم الله تعالى، وأنزلوا رسول الله ﷺ بينهم بما يليق به، فحكموه في كل ما عن لهم، وأخذوا برأيه في سائر ما وجههم إليه, وبذلك ظهر المجتمع الإسلامي بخصائصه، ومزاياه التي بعث الرسول ﷺ لإيجادها في واقع الحياة، ولقد قدم هذا المجتمع صورة فريدة في دنيا الناس، لم تسبق، ولم تلحق، لقد صنع من الضعفاء قوة، ومن الفقر غنى، ومن التشرذم والضياع رجالا عرفوا الحقيقة، وتمسكوا بها، فعاش الحق لهم وسار بهم، وصاروا أمثولة رائعة، ومثالا تجريبيًا لمن يريد حياة الكرامة والعزة والرقي. ومسلمو اليوم أحوج الناس إلى معرفة هذا المجتمع العظيم ليتأسوا به فهم خلوفه، وهو سلفهم ... وكل ما هم فيه من هوان وضياع يجب أن يعيدهم إلى ماضيهم الخالد عساهم أن يتذكروا، وعساهم أن ينتفعوا. إن عوامل صناعة المجتمع المدني بعد الهجرة ليست أمورًا فوق الطاقة، ولكنها أمور تحتاج إلى الصدق معها، ولا بد فيها من إيمان يستلزم العمل بها، وإلى معرفة واضحة لمجموعة من الأشياء التي لا بد منها في الحياة الإسلامية وهي: - معرفة الله تعالى معرفة تؤكد حقه على العبيد، وحق العبيد عليه ليقوم الناس بما عليهم، وينالوا ما لهم. - تقرير مقام رسول الله ﷺ في الناس، ومعرفة دور ما تركه من وحي في النشاط، والخلق، والسلوك؛ لأن رسول الله ﷺ لم يستقبل الوحي ليبقى فكرة مجردة، وإنما حولها بالإيمان إلى طاقة عملية، وحركة شاملة في أعمال الناس وأخلاقهم، وصبغ ﷺ بما أنزل عليه كل الحياة في المدينة المنورة، لتتأسى به كل المجتمعات بعد ذلك. - ضرورة التزام الإنسان بتعاليم الإسلام، وبخاصة الإنسان المسلم ... حتى لا يتحول الإسلام إلى فكرة للتثقيف المجرد، وليبق الدين كما كان في مجتمع المدينة، قواعد للسلوك، وضوابط للعمل، ومنهجًا يسير الأحياء، وينظم الحياة في كافة جوانبها، وحتى نستفيد بمجتمع المدينة المسلم نحاول الوقوف على ملامحه الرئيسية التي بها كان مجتمعًا إسلاميًا، وصار أسوة للناس أجمعين. وأهم العناصر التي ظهرت في هذا المجتمع ما يلي:

стр. 196

أولا: دين كامل استمر الرسول ﷺ يدعو الناس في مكة ثلاثة عشر عامًا، مكتفيًا خلالها بالدعوة إلى العقيدة؛ لأنها أساس البناء الإسلامي، والركيزة الكبرى لإقامة المجتمع المسلم. إن التنشئة الصحيحة تعتمد على العقيدة لاتصالها بالجانب الباطني في الإنسان ومن المعلوم أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات بهذا الجانب الهام، إذ به يتم التصور ويكون التصديق, وأي عمل خارجي ظاهر يحتاج إلى قرار باطني والإنسان الحر يعمل بما يؤمن به، ويتفق ظاهره مع باطنه دائمًا والمنافقون والضعفاء والمرضى والأرقاء هم الذين يفعلون عكس ما ينطقون، ويبطنون غير ما يظهرون وهذا حال يأباه دين الله تعالى. إن الإنسان يقوده عقله، وهو الذي يسهل أمام صاحبه الصعب بعد اقتناعه ورضاه، وكثيرًا ما رأيناه من يقدم على إفناء الجسد وهو به راض سعيد، بصدور القرار من باطن مؤمن بفعل صاحبه. لقد مكث رسول الله ﷺ يربي المسلمين بالعقيدة حتى صفت نفوسهم، وسكن الإيمان قلوبهم، وصاروا عبيدًا للمعبود، واستسلموا لربهم الخالق العظيم، وحينئذ أتتهم الشريعة جزءًا جزءًا حسب أحوالهم، وحاجاتهم فأسرعوا إلى التطبيق، والالتزام العملي الدقيق. لم يحدث مرة أن ترددوا في تنفيذ أمر أمروا به أو توقفوا عن ترك عمل أمروا بتركه ولو كان العمل هو حاجتهم، وكل نشاطهم. والإيمان بالعقيدة هو الذي كون الجماعة الإسلامية الأولى في مكة قبل الهجرة.

стр. 197

ولم يكن عجبًا أن دار القرآن المكي كله حول بيان حقيقة العقيدة، وتوضيح أركانها، والاستدلال عليها بمختلف الأدلة لأنه بذلك صنع الأمة، وحقق في عالم الناس المجتمع الإسلامي العظيم. فلما تمت الهجرة بدأت التشريعات تنزل، وأخذت التكاليف الإلهية تظهر، والمسلمون يسارعون إلى الطاعة والتنفيذ، ولذلك لم يكرر القرآن الكريم توجيهاته كثيرًا في أمر شرعي واحد ولم يدلل على حقيقتها، ولم يبرهن على أحقيتها، بل كان يكتفي غالبًا بمجرد الأمر أو النهي. وكان الصحابة ﵃ يترقبون الأمر ليتحول سريعًا إلى العمل، وإذا تضمن التوجيه نهيًا يظهر أثره قولا، ويختفي المنهي عنه حالا، وقد شملت التوجيهات الشرعية كافة الجوانب العملية في حياة الأفراد وسائر الناس. وكانت مسارعة المسلمين للتلقى سببًا لتوجههم نحو رسول الله ﷺ يأخذون قوله وعمله، ويسألونه عما لا يعرفون، ويسمعون منه ما يريده ﷺ وما ينزل عليه. لقد تعلم الصحابة العقيدة، وآمنوا بها وهم في مكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. فلما تمت الهجرة بدأ الوحي يوضح الإحكام الشرعية لأفعال الناس واستمر ذلك حتى تمت الشريعة، فتم الإسلام بذلك وكمل الدين، ونزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١. إن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الأحكام الشرعية المحددة المعروفة، وهي المتصلة بالعبادات المشروعة كالصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وأحكام هذه العبادات مفصلة بأدلتها الشرعية وكذلك أحكام النكاح، والميراث، والفرق بين الزوجين، إلى غير ذلك مما ورد مفصلا في شريعة الإسلام. ومن المعلوم أن الصلاة شرعت في ليلة الإسراء والمعراج على نحو ما سبق ذكره. وكان ذلك قبل الهجرة، ولم يتمكن المسلمون من إقامتها في جماعة، وكانوا يؤدونها

стр. 198

في البيت الحرام، والكعبة محاطة بالأصنام والأوثان، فلما كانت الهجرة تأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام يقول الله تعالى فيه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١, وقد صلى الرسول ﷺ والمسلمون معه في هذا المسجد جماعة، وأقاموا به أول جمعة في الإسلام. وبالنسبة للزكاة فقد شرعت بعد الهجرة بخمسة أشهر في إطار المواخاة التي نظمها رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار٢. وبالنسبة للصوم فقد شرع بعد الهجرة بثمانية أشهر بعد تحويل القبلة بشهر واحد، ومع تشريع الصوم شرعت زكاة الفطر، كما شرع الحج لما تيسر أداؤه بعد الحديبية، واستمرت أحكام هذه العبادات تنزل تباعًا، فكلما جد أمر نزل حكمه، وعندما يحتاج المسلمون لحكم جاء الوحي به. القسم الثاني: الأحكام الشرعية للعبادات غير المحددة وهي تشمل سائر أنشطة الإنسان في الحياة؛ لأن لكل جزئية حياتية حكم شرعي يضبطها. وأنشطة الإنسان ليست ثابتة، ولكنها متغيرة متجددة، وللإيمان دخل فيها, فحياة الإنسان ومعايشه في تطور دائم، ولذلك قضت حكمة الله تعالى أن تنزل أحكام هذه العبادات في صورة مبادئ كلية، وقواعد عامة، حتى يتمكن العلماء من أخذ أحكام الحوادث الجديدة من القواعد والمبادئ وفق أصول علمية، وتبعًا لضوابط إسلامية لا بد منها في أي حكم مستنبط. وفي إطار أحكام هذا القسم لا يمكن تصور مسألة ما بلا حكم شرعي إسلامي، وبذلك كان صلاح الإسلام لكل زمان ومكان. لقد تم الإسلام في المدينة بعد الهجرة بعناصره جميعًا، وبرزت الأحكام الشرعية بجانب أحكام العقيدة، وتكامل حسنهما معًا بالأخلاق الإسلامية الكريمة.

стр. 199

وقد تميز الإسلام بمزايا عديدة، من أهمها ما يلي: ١- مراعاة الفطرة البشرية: الفطرة هي الطبيعة الأولى التي خلق الله الإنسان عليها، والجبلة الحقيقية التي يتكون منها، والإسلام يراعي هذه الفطرة، وينميها، ويمكنها من مسارها الصحيح، وذلك ملحوظ في دوران كافة الأحكام الشرعية في إطار الطاقة البشرية، فلا يأمر الإسلام بمستحيل فعله، ولا ينهى عن فعل مستحيل تركه، بل كل ما جاءت به الشريعة يمكن عمله وتنفيذه، كما أن الاستقامة عليه تريح النفس، وترضيها. إن الفطرة تجد راحتها حينما تصدق في طاعة دين الله تعالى، وتتلاءم معها وتسعد بها، وتتشوق للعمل الإسلامي إن تركته، وتبحث عنه إن بعد عنها. إن الإسلام يعرف طريقه إلى النفس البشرية، يعرف مداخلها ومخارجها، فيسلك إليها على استقامة، ويعرف حاجاتها ومطالبها فيلبيها، ويعرف طاقاتها فيطلقها للعمل والبناء، وينمي الجوانب الإيجابية في النفس البشرية كالميل نحو الخير، وحب الأمن، وغلبة العدو، ويحارب الجوانب السلبية كسوء الخلق، والاندفاع نحو الشهوات المحرمة. إن الإسلام نظام كامل للإنسان الذي يعيش على سطح هذه الأرض، يضع في اعتباره فطرته، وخصائصه النفسية، والعادية، والعقلية. إن تعاليم الإسلام تلتقي مع الفطرة السوية، وتحقق لها سائر رغباتها، وتوجد معها الأمن والسعادة، وذلك لما فيها من حلول لكافة حاجات الإنسان، على وجه كامل تام. ٣- الشمول: ونعني بالشمول في الإسلام أنه يشرع للإنسان في كل حالاته، وفي مختلف قضاياه، يشرع له صغيرًا وكبيرًا، ذكرًا وأنثى، حيًا وميتًا، قويًا وضعيفًا، مريضًا وصحيحًا غنيًا وفقيرًا، حاكمًا ومحكومًا. ويشرع له وهو فرد واحد، أو وهو في جماعة، بل ويشرع لعلاقة الجماعة مع غيرها وللأمة مع سواها. إن الإنسان أينما كان يجد في شرع الله طلبه، ويعرف طريقه، وهو نوع من الإعجاز يشهد بربانية الشريعة، وإتيانها من عند الله تعالى.

стр. 200

ومن روعة هذا الشمول الاستمرارية، فهو دائم إلى يوم القيامة بلا خلل ولا نقص أبدًا لقد عاش المسلمون في عصر النبي ﷺ مع شريعة الله، واستقاموا على توجيهاتها بدقة، فوجدوا فيها حلا لكل قضاياهم، وتقدمًا في حياتهم فسعدوا، وعاشوا في بركات الله تنزل عليهم من فوقهم، وتأتيهم رغدًا من كل مكان. يقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٢. وقد تحقق للمسلمين ما وعدتهم به الآيات، فبعدوا بفضل الله تعالى عن الانحراف العقلي، والشقاء في الحياة، وأحاطتهم بركات الله من كل ناحية، وعاشوا آمنين سعداء.

стр. 201

ثانيًا: قيادة أمينة رائدة أخذ رسول الله ﷺ في قيادة المجتمع الإسلامي في المدينة بمنهج الله تعالى، بعدما صار أكثر من فيها مسلمين. وأخذ رسول الله ﷺ يغذي أرواحهم بالقرآن المنزل عليه، ويقوي إيمانهم بالتقوى، ويعبدهم لله رب العالمين. وقد تجلت عظمة القيادة في شخصية رسول الله ﷺ فهو ﵊ كان يبلغهم كل ما ينزل عليه من ربه بمجرد نزوله، ويحضهم على الاهتمام بالقرآن الكريم ويقول لهم ﷺ : "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" ١. إن إقبال القلوب على القرآن الكريم يجعلها تعيش نوره، وتسعد بطاعته، وتعتز بهدى الله، ورضاه، لقد بلغ الرسول ﷺ كل ما نزل استجابة لأمر الله تعالى له في قوله

стр. 202

سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١. وكان ﷺ يقول للناس ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٢. لم يكتم ﷺ أمرًا كلف بتبليغه، ولم يتقول على الله كلمة واحدة. وكانت أمانته بارزة لكل من عاشره فهو الأمين مع نفسه، ومع الناس، ومع الله. وكان ﷺ شديد الحرص على إسعاد الناس بالإسلام، وكثيرًا ما كان يتألم لانصراف البعض عن الإيمان، والتصديق. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣. ويقول سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ٤. وكان الله تعالى يخفف عن الرسول حزنه وألمه لما كان يراه من بعد فريق عن الإيمان فيقول سبحانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ٥. كان ﷺ شديد الحب لأصحابه وأتباعه، وكثيرًا ما حذر من أي أذى يلحق بهم. يقول ﷺ : "الله الله في أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه" ٦. ويقول ﷺ : "لا تسبوا أصحابي" ٧.

стр. 203

وكان ﷺ يزكي أهل التزكية منهم، ويصفه بما هو فيه، ويعلي قدره بين الناس. يقول ﷺ عن أبي بكر الصديق: "إن أمنّ الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" ١. ويقول ﷺ : "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه بها، ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر، وما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر، إلا أبا بكر". ويقول ﷺ عن عمر بن الخطاب: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" ٢. ومن أقواله ﷺ : "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر. وأشدهم في أمر الله تعالى عمر. وأشدهم حياء عثمان. وأقضاهم علي. وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وأفرضهم زيد بن حارثة. وأقرؤهم أبي بن كعب. ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. وما أظلت الخضراء -يعني السماء، وإظلالها تغطيتها لما تحتها- ولا أقلت الغبراء -يعني الأرض، وإقلالها حملها لما فوقها- أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى ﵇ في ورعه" ٣. وكان ﷺ شديد الحرص على أصحابه، رحيمًا بهم، عطوفًا عليهم، يتمنى أن لا يصيبهم أذى، فلم يأخذهم بظنه، ولم يسرع بعقوبة، أملا في مخرج لهم.

стр. 204

يروي مسلم بسنده أن ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني فرده. فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله! إني قد زنيت فرده الثانية. فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: "أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا"؟. فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني, وإنه ردها فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا فوالله إني لحبلى. قال لها: "إما لا فاذهبي حتى تلدي". فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال لها: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه". فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز, فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي الله ﷺ سبه إياها, فقال: "مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت" ١. وكان ﷺ لا يسمح بالشفاعة في الحدود أبدًا بعد ثبوتها، والتأكد من وقوعها ولذلك لما أهم قريشا شأن المخزومية التي سرقت، وكلمه أسامة بن زيد ﵁ -كطلبهم- قال له ﷺ : "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة"؟. ثم قام فاختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف, تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها" ٢.

стр. 205

وكان نبينا ﷺ يحب مع هذا درء الحدود عن المسلمين ما استطاعوا، ومن أقواله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة" ١. وكان ﷺ يلتزم بفعل كل ما يأمر به، ويترك كل ما ينهى عنه، ويتحرك في مقدمة الجيش حين الغزو، ويقول لأصحابه ما قاله الله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٢. عاش ﷺ بين أصحابه يربيهم بالقرآن ويدعوهم إلى الله تعالى، وقد هداه الله إلى مفاتيح القلوب بالحسنى ففتحها، واستمر يغذي نفوسهم بعظمة الإسلام، ونور الوحي حتى خرج حظ الشيطان من نفوسهم، وصاروا رجالا يعملون لله، ويوجهون الدنيا لسعادة الآخرة. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه ﷺ في نفوس المسلمين أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريبًا في كل شيء: كان غريبًا في سرعته، وكان غريبًا في سعته وشموله، وكان غريبًا في وضوحه وقربه إلى الفهم, فلم يكن غامضًا، ولم يكن مدهشًا، ولم يكن شاذًا ككثير من الحوادث الخارقة للعادة، ولم يكن لغزًا من الألغاز يصعب إدراكه، والوقوف على أسراره وإنما كان انقلابًا قائمًا على فهم واع، وقناعة كاملة، وحب صادق متجذر في الوجدان، والضمير. إنه حب لرسولهم الذي جاءهم من الله بدين الله يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٣. إنه ﷺ لم يدعهم لملك شخصي، أو مجد قومي، أو دنيا زائلة وإنما هداهم الله إلى الصراط المستقيم وعرفهم بطرق الخير، ووضعهم أمام حجة الله خالصة نقية، فكان منهم ما استحقه صلى الله عليه وسلم٤.

стр. 206

ثالثًا: مؤمنون صادقون صدق مجتمع المدينة في إيمانه بالله، وقدم أفراده صورة صحيحة عن الإسلام، وبدءوا يتلقون تعاليم الله تعالى التي جاء بها الوحي تلقيًا صحيحًا. فلقد كانوا يهتمون بالقرآن الكريم والسنة النبوية حفظًا وفهمًا، ويحيطون بكل ما ينزل، ويعلمون ما يحمله من توجيه وأحكام، وإن غاب عنهم معنى سألوا عنه رسول الله ﷺ . وكانوا يتلقون ما يأتيهم من الوحي بالعمل والتطبيق والتنفيذ، وبذلك كانوا صورة عملية للوحي المنزل، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه بكل دقة وإخلاص. وكان عملهم وفق تعاليم الله مصاحبًا للحب والرضى؛ لأنهم بهذا العمل يعيشون مع الشرع المحكم، ومع الله العزيز، ومع الحق المطلق الذي أنزله العليم الخبير. وكان من إخلاصهم مع تعاليم الله أنهم طرحوا ما عداه فلم يأخذوا من مواريث فارس أو الروم، وإن تلاقى في بعض جزئياته مع تعاليم الله. إن ما جاء من عند الله يكفيهم، وهم به سعداء، فلم يتركونه وهو الكامل إلى غيره وهو الناقص؟!! ولم يتركونه, وقد التزموا بإسلامهم وعليهم أن يتمسكوا به؟! ولم يتركونه، والترك يمثل خللا في إيمانهم، ونقصًا في تدينهم؟! ولم يتركونه, وقد ثبت فضله، وتأكدت نتائجه؟! إن تلقي هذه الجماعة المؤمنة للوحي المنزل كان قائمًا على معرفتهم بحقيقته، وإيمانهم بالواجب معه، وفهمهم لضرورة وضعه في المقام الذي هو جدير به.

стр. 207

إن الوحي هو كلام الله الذي نزل للناس ليكون دستور الحركة، وقانون الحياة، وهو يصور علامة فارقة بين حياة الجاهلية والحياة الإسلامية. ولقد تلقى الصحابة الوحي بعقولهم، وأعمالهم، وسلوكهم، وأحوالهم، وصاروا به صناعة جديدة. لم يتلفتوا معه إلى غيره مما صنعه البشر، ولو أتاهم من ممالك الأرض المشهورة -فارس والروم- لأنهم لا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولم يخلطا الوحي بغيره لأنهم لو فعلوها لكانوا ظالمين لأنفسهم ولدينهم لأنهم حينئذ يساوون تعاليم البشر بتعاليم الله تعالى. إنهم كانوا مع الله صادقين، وكانوا يعلمون أن أهل الباطل يعملون على إضلالهم، وإبعادهم عن الحق، في جرأة على الخير، واستهتار بالحقيقة، واستدلال قبيح يعتمد على البهتان والسوء. إن منطق أعداء الله واضح في قيامه على الإفك، وبعده عن مسلمات العقل وبداهة الحكمة، إنها جرأة تقلب الأمور، وتجعل الحقائق أباطيل، بلا أدنى إحساس بالخجل والأسف مثل قوله تعالى عن قوم لوط إذا قال بعضهم لبعض: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ١ فلقد جعلوا الطهارة والعفة تهمة يعاقب فاعلها بالطرد والنفي. ومثل فرعون، وهامان، وقارون، إذ قالوا: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ٢. ومثل قول فرعون إذا قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ٣ ومثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ

стр. 208

دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ١ حيث نرى الآيات تبرز كلمات فرعون وهو يثبت أنه الإله، وأنه واضع الطريقة المثالية، وأن موسى ﵇ داعية فساد, وأنه يعمل على صرف الناس عن دينهم الصحيح؟! علمت الجماعة المؤمنة في المدينة المنورة كل هذا، وفهمت الإسلام حق الفهم ولذلك اقتصرت على الأخذ من وحي الله، وتركت ما عداه وإن تزين وتزخرف. ولقد قدموا من أعمالهم وأخلاقهم المثاليات العوالي التي نتمنى أن نراها في دنيا المسلمين اليوم، ومن هذه الروائع: - بايع بعض أصحابه ﷺ أن لا يسأل الناس، فكان السوط يسقط من أحدهم، فينزل عن دابته فيأخذه ولا يقول لأحد: ناولنيه. وكان من شدة حبهم وطاعتهم له ﷺ أنه ﷺ نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه ﷺ ، وأصبحت المدينة لهؤلاء الثلاثة غريبة، عجيبة، كأنها مدينة الأموات ليس بها من يكلمهم، أو يجيبهم، كأنها لا تعرفهم، وكأنهم في خصومة مع الجميع، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت. يقول كعب بن مالك، ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفس الأرض، فما هي الأرض التي أعرف. ولقد مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟! فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيني وتوليت حتى تسورت الجدار. وكان من صدق طاعة كعب بن مالك وهو في المحنة أن رسول الله ﷺ

стр. 209

يأتيه ويقول له: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فيسأله: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فيقول له الصحابي: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. فيقول كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر وكان من حبه ﵁ للرسول ﷺ وإيثاره على كل أحد في الدنيا، أن ملك غسان يخطب وده، ويستلحقه بنفسه، "وتلك محنة عظيمة" ولكنه يرفض ذلك. ويقول كعب: بينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام لبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها١. ومن دقتهم ﵃ في طاعة شرع الله تعالى، ومسارعتهم في الامتثال أنه لما نزلت آية تحريم الخمر حرموها على أنفسهم للحظتها، يقول بريدة: بينما نحن قعود على مجلس شراب وعندنا باطية -إناء خمر- لنا ونحن نشرب الخمر حلالا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢. يقول بريدة: فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم، وبعض القوم شربته في يده، شرب بعضًا، وبقي بعض في الإناء، فألقوا بالآنية، ورموا ما في باطيتهم وقالوا: انتهينا

стр. 210

ربنا, انتهينا ربنا! ١. يقول أنس بن مالك: إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانًا وفلانًا إذ جاء رجل فقال وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك. قال: حرمت الخمر. قالوا: أحرق هذه القلال يا أنس. فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل٢. وعن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ٣, فقال الناس ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم الصحابة في المغرب خلط في قراءته فأنزل الله فيه آية أغلظ منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٤, وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٥ فقالوا: انتهينا ربنا. ووصل الصدق في التسليم والخضوع إلى أن الواحد منهم كانت تتشابه لحظة ضعف

стр. 211

فيأتي لرسول الله مقرا بفعله لينال العقاب الذي حدده الله تعالى، وقد يكون في العقاب إزهاق روحه، وذلك كما فعل ماعز والغامدية إذ جاء للرسول وأقرا بالزنا وهما محصنان فرجمهما عليه السلام١. إن هذا المجتمع الذي أسسه رسول الله ﷺ بالعقيدة الإسلامية كان صورة صادقة لتعليم الإسلام وتطبيقاته، فكل من فيه صدق إيمانه، وقويت عقيدته، وعبد نفسه للمعبود العظيم. إن الأمة الإسلامية التي أخرجت للناس قد بلغت الأوج، كانت تعمل لله، وتجاهد لله، وتسعى إلى غايتها المرموقة في حب وثقة، التفت حول نبيها التفاف التلامذة بالمعلم، والجند بالقائد، والأبناء بالوالد الحنون. وتساندت فيما بينها، بالأخوة المتبادلة المتناصرة، فهم نفس واحدة في أجسام متعددة، ولبنات مشدودة، في بناء منسق صلب. وأدارت علاقتها بالآخرين على العدل والبر، فليس يظلم في جوارهم بريء، أو يحرم من ألطافهم عان أو يؤاخذ أحدهم بذنب غيره، أو يعطي لواحد ما يستحقه غيره من ثواب. وبرغم ما وقع على المؤمنين من بغي قديم، فقد جعلت الإسلام يجب ما قبله، فمن تطهر من جاهليته، وتاب إلى ربه لا ينظر أحد إلى ماضيه، بل يصير في الجماعة المسلمة عضوًا كريمًا فيها، يملأ بصالح عمله كتابه الجديد. أما الذين بقوا يكفرون ويصدون، فلا بد من الإعداد لهم، حتى تخلص الأرض من كفرهم وصدهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ٢. كانت هذه الأمة تكدح لله، وتصل مساءها بصباحها في عبادته، وقد حزمت أمرها على واحد من اثنين، إما أن تحيا لله، وإما أن تموت فيه.

стр. 212

ولو ذهبت توازن بين المسلمين يومئذ وبين سائر أمم العالم لرأيت عناصر الغلب والامتياز تتجمع لديهم صاعدة، على حين تفور في كيان الأمم الأخرى زلازل عنيفة، فلا غرو إذا صاروا بعد سنوات معدودات دولة فتية تقضي لربها ولنفسها ما تشاء. وقد وضع ﷺ من سلوكه مبادئ للعلاقات بين الناس لتحقيق المصلحة للجميع، وتأكيد الأمن لكل فرد. إن التزام الأمة بتطبيق الإسلام تطبيقًا كاملا واعيًا أبرز كافة عناصر الخير في الإسلام، وحول المسلمين من جماعة همجية إلى أمة متماسكة تسير بالعدل، وتصون الحقوق، وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتوجد الأمن والسلام والسعادة، بصورة أصلية ثابتة، وهذا الحال للأمة المسلمة جعل غير المسلمين ينظرون بحب وإعجاب إليهم، ويتمنى أن يكون مثلهم، ولذلك سارع الناس إلى اعتناق الإسلام رغبة، واقتناعًا بعدما شاهدوا تطبيقًا عمليًا بآثاره ونتائجه. إن الجماعة المؤمنة التي صاحبت رسول الله ﷺ عاشت حياتها مجاهدة في سبيل الله فتحركه إلى سائر الآفاق ومعها المصحف والسيف, واستمرت على ذلك حتى تمكنت من صناعة أمة عظيمة تنشر العدل، وتحمي السلام، وتصون الحقوق، وتضمن الكرامة لكل الناس، وقد اعترف الجميع بما نشرته من خير وإصلاح للعاملين.

стр. 213

رابعًا: التفاعل التام بين المسلمين والإسلام لما تمت الهجرة إلى المدينة المنورة، صار للإسلام دولة تؤمن به، وتؤازره، وتدعو إليه وصدق المسلمون فيما عاهدوا الله عليه، فتحولت مظاهر الحياة، وكل الأنشطة وسائر المؤسسات إلى شريعة إسلامية تتحرك مع الناس وبهم في صورة عملية تعبر عن دين الله تعالى، وتؤكد التفاعل العظيم بين تعاليم الله وبين المؤمنين الصادقين. وكان المسجد هو أول المؤسسات الدينية التي أقامها المسلمون في المدينة، فلقد أسس الرسول ﷺ مسجد قباء وهو في الطريق إلى المدينة, ولما وصل إليها ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري أسس المسجد الحرام بالمدينة، واتخذه المسلمون دار عبادتهم،

стр. 214

وسياستهم، ففيه كان ينزل الوحي، وفيه يجتمع الأصحاب برسول الله ﷺ ، وعنده التقى الوفود برسول الله ﷺ ، ومنه تتحرك الوسائل، وينطلق الدعاة، وتجهز الجيوش. لقد أصبح المسجد هو بيت الإسلام في المدينة، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان يدوي في الآفاق خمس مرات في اليوم والليلة، ويتردد صداه في الأفق البعيد. ويعلم القاصي والداني أن أمة الإسلام عزيزة كريمة تعلن حقيقتها بصوت جهوري مكرر واضح المعالم بين معروف، فالله ربهم وهو الكبير المتعال، ومحمد هو رسولهم، والمبعوث بدين الله فيهم، وهو رائدهم إلى الفوز والفلاح، وإمامهم في الصلاة، وحياتهم هي الإسلام كله. يقول ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة، إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ حين قدمها أن يجعل لها بوقًا كبوق اليهود الذين يدعون به لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ﵁ أخو الحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف؛ مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسًا في يده فقلت له، يا عبد الله أتببيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: "إنها لرؤيا حق، إن شاء الله, فقم مع بلال فألقها

стр. 215

عليه، فليؤذن بها، فإنه أندى صوتًا منك". فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب، وهو في بيته فخرج على رسول الله ﷺ ، وهو يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد على ذلك" ١. لقد آخى النبي ﷺ بينهم فصارت الأخوة رباطًا يربط المسلم بأخيه، ويلزمه بواجبه نحوه، ويجعل العلاقة بينهما كلها حب، وبر، وتكريم، وعلت أخوة العقيدة على أخوة النسب والمصاهرة، وخلا المجتمع من أي صورة غير إسلامية في أي ناحية من نواحي الحياة وأصبح الكل يحافظ على دين الله تعالى بلا مخالفة، أو تردد، ويكتفي به كفاية يعيش بها، ويعمل لها حتى أن أهل الذمة أقروا بحق الله عليهم، واستسلموا لحكم رسول الله ﷺ وعاشوا بعهد الذمة آمنين في الدولة المسلمة، ولم يتمردوا على المسلمين إلا بعد أن لعب بهم الهوى، وأضلهم شيطانهم، وكان الله لهم بالمرصاد، فدل رسول الله ﷺ على خيبة أنفسهم، فكان أن طهر الرسول ﷺ المدينة منهم حتى صارت مدينة خالصة لله ورسوله وأخذت عناصر تنظيم المجتمع تتفاعل، وتؤدي دورها في إطار منهج الله تعالى: - فالإسلام هو المحرك للحياة، والأحياء. - والرسول هو رائد الخير، وقائد الناس. - والمسلمون هم الصورة العملية لدين الله تعالى. وبذلك قام المجتمع الإسلامي، وظهرت معالمه، واستحق أن ينزل في وصفه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. واطلع الله على قلوب وأعمال الجماعة المؤمنة فكان معهم بالنصر، والتأييد، ويسر لهم بقدرته أمر الحياة والمعاش وخصهم بما استحقوه من العون، والتوفيق، والسداد.
следующие страницы →