← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فيأتي لرسول الله مقرا بفعله لينال العقاب الذي حدده الله تعالى، وقد يكون في العقاب إزهاق روحه، وذلك كما فعل ماعز والغامدية إذ جاء للرسول وأقرا بالزنا وهما محصنان فرجمهما عليه السلام١. إن هذا المجتمع الذي أسسه رسول الله ﷺ بالعقيدة الإسلامية كان صورة صادقة لتعليم الإسلام وتطبيقاته، فكل من فيه صدق إيمانه، وقويت عقيدته، وعبد نفسه للمعبود العظيم. إن الأمة الإسلامية التي أخرجت للناس قد بلغت الأوج، كانت تعمل لله، وتجاهد لله، وتسعى إلى غايتها المرموقة في حب وثقة، التفت حول نبيها التفاف التلامذة بالمعلم، والجند بالقائد، والأبناء بالوالد الحنون. وتساندت فيما بينها، بالأخوة المتبادلة المتناصرة، فهم نفس واحدة في أجسام متعددة، ولبنات مشدودة، في بناء منسق صلب. وأدارت علاقتها بالآخرين على العدل والبر، فليس يظلم في جوارهم بريء، أو يحرم من ألطافهم عان أو يؤاخذ أحدهم بذنب غيره، أو يعطي لواحد ما يستحقه غيره من ثواب. وبرغم ما وقع على المؤمنين من بغي قديم، فقد جعلت الإسلام يجب ما قبله، فمن تطهر من جاهليته، وتاب إلى ربه لا ينظر أحد إلى ماضيه، بل يصير في الجماعة المسلمة عضوًا كريمًا فيها، يملأ بصالح عمله كتابه الجديد. أما الذين بقوا يكفرون ويصدون، فلا بد من الإعداد لهم، حتى تخلص الأرض من كفرهم وصدهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ٢. كانت هذه الأمة تكدح لله، وتصل مساءها بصباحها في عبادته، وقد حزمت أمرها على واحد من اثنين، إما أن تحيا لله، وإما أن تموت فيه.

стр. 212

ولو ذهبت توازن بين المسلمين يومئذ وبين سائر أمم العالم لرأيت عناصر الغلب والامتياز تتجمع لديهم صاعدة، على حين تفور في كيان الأمم الأخرى زلازل عنيفة، فلا غرو إذا صاروا بعد سنوات معدودات دولة فتية تقضي لربها ولنفسها ما تشاء. وقد وضع ﷺ من سلوكه مبادئ للعلاقات بين الناس لتحقيق المصلحة للجميع، وتأكيد الأمن لكل فرد. إن التزام الأمة بتطبيق الإسلام تطبيقًا كاملا واعيًا أبرز كافة عناصر الخير في الإسلام، وحول المسلمين من جماعة همجية إلى أمة متماسكة تسير بالعدل، وتصون الحقوق، وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتوجد الأمن والسلام والسعادة، بصورة أصلية ثابتة، وهذا الحال للأمة المسلمة جعل غير المسلمين ينظرون بحب وإعجاب إليهم، ويتمنى أن يكون مثلهم، ولذلك سارع الناس إلى اعتناق الإسلام رغبة، واقتناعًا بعدما شاهدوا تطبيقًا عمليًا بآثاره ونتائجه. إن الجماعة المؤمنة التي صاحبت رسول الله ﷺ عاشت حياتها مجاهدة في سبيل الله فتحركه إلى سائر الآفاق ومعها المصحف والسيف, واستمرت على ذلك حتى تمكنت من صناعة أمة عظيمة تنشر العدل، وتحمي السلام، وتصون الحقوق، وتضمن الكرامة لكل الناس، وقد اعترف الجميع بما نشرته من خير وإصلاح للعاملين.

стр. 213

رابعًا: التفاعل التام بين المسلمين والإسلام لما تمت الهجرة إلى المدينة المنورة، صار للإسلام دولة تؤمن به، وتؤازره، وتدعو إليه وصدق المسلمون فيما عاهدوا الله عليه، فتحولت مظاهر الحياة، وكل الأنشطة وسائر المؤسسات إلى شريعة إسلامية تتحرك مع الناس وبهم في صورة عملية تعبر عن دين الله تعالى، وتؤكد التفاعل العظيم بين تعاليم الله وبين المؤمنين الصادقين. وكان المسجد هو أول المؤسسات الدينية التي أقامها المسلمون في المدينة، فلقد أسس الرسول ﷺ مسجد قباء وهو في الطريق إلى المدينة, ولما وصل إليها ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري أسس المسجد الحرام بالمدينة، واتخذه المسلمون دار عبادتهم،

стр. 214

وسياستهم، ففيه كان ينزل الوحي، وفيه يجتمع الأصحاب برسول الله ﷺ ، وعنده التقى الوفود برسول الله ﷺ ، ومنه تتحرك الوسائل، وينطلق الدعاة، وتجهز الجيوش. لقد أصبح المسجد هو بيت الإسلام في المدينة، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان يدوي في الآفاق خمس مرات في اليوم والليلة، ويتردد صداه في الأفق البعيد. ويعلم القاصي والداني أن أمة الإسلام عزيزة كريمة تعلن حقيقتها بصوت جهوري مكرر واضح المعالم بين معروف، فالله ربهم وهو الكبير المتعال، ومحمد هو رسولهم، والمبعوث بدين الله فيهم، وهو رائدهم إلى الفوز والفلاح، وإمامهم في الصلاة، وحياتهم هي الإسلام كله. يقول ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة، إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ حين قدمها أن يجعل لها بوقًا كبوق اليهود الذين يدعون به لصلاتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس ليضرب به للمسلمين للصلاة، فبينما هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه ﵁ أخو الحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف؛ مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسًا في يده فقلت له، يا عبد الله أتببيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: "إنها لرؤيا حق، إن شاء الله, فقم مع بلال فألقها

стр. 215

عليه، فليؤذن بها، فإنه أندى صوتًا منك". فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب، وهو في بيته فخرج على رسول الله ﷺ ، وهو يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد على ذلك" ١. لقد آخى النبي ﷺ بينهم فصارت الأخوة رباطًا يربط المسلم بأخيه، ويلزمه بواجبه نحوه، ويجعل العلاقة بينهما كلها حب، وبر، وتكريم، وعلت أخوة العقيدة على أخوة النسب والمصاهرة، وخلا المجتمع من أي صورة غير إسلامية في أي ناحية من نواحي الحياة وأصبح الكل يحافظ على دين الله تعالى بلا مخالفة، أو تردد، ويكتفي به كفاية يعيش بها، ويعمل لها حتى أن أهل الذمة أقروا بحق الله عليهم، واستسلموا لحكم رسول الله ﷺ وعاشوا بعهد الذمة آمنين في الدولة المسلمة، ولم يتمردوا على المسلمين إلا بعد أن لعب بهم الهوى، وأضلهم شيطانهم، وكان الله لهم بالمرصاد، فدل رسول الله ﷺ على خيبة أنفسهم، فكان أن طهر الرسول ﷺ المدينة منهم حتى صارت مدينة خالصة لله ورسوله وأخذت عناصر تنظيم المجتمع تتفاعل، وتؤدي دورها في إطار منهج الله تعالى: - فالإسلام هو المحرك للحياة، والأحياء. - والرسول هو رائد الخير، وقائد الناس. - والمسلمون هم الصورة العملية لدين الله تعالى. وبذلك قام المجتمع الإسلامي، وظهرت معالمه، واستحق أن ينزل في وصفه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. واطلع الله على قلوب وأعمال الجماعة المؤمنة فكان معهم بالنصر، والتأييد، ويسر لهم بقدرته أمر الحياة والمعاش وخصهم بما استحقوه من العون، والتوفيق، والسداد.

стр. 216

المبحث الثاني: تشريع الجهاد وحركة الدعوة مدخل ... المبحث الثاني: تشريح الجهاد وحركة الدعوة لم يرض القرشيون بما آل إليه شأن المسلمين، ولم يقبلوا أن يعيش المسلمون في مجتمع آمن مستقر. كان المظنون أن تهدأ ثائرة كفار مكة، وعباد الأوثان بعدما هاجر المسلمون إلى المدينة، وتركوا ديارهم وأموالهم عندهم، وابتعدوا عن مقابلتهم، وتخلصوا من مضايقاتهم وعدوانهم المتكرر على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين. كان المظنون ذلك لكن الواقع شهد بغير هذا لأن أهل مكة درسوا موقف المسلمين بعد الهجرة، وتصوروا أن تواجدهم في مجتمع خاص بهم سوف يؤدي إلى بروز الإسلام، ووصوله إلى الأماكن البعيدة لعلمهم أن الإسلام هو دين الحق، وأنه يتلاءم مع الإنسان السوي، ويرضي العقل السليم. ومن أجل هذا التصور وضعوا خطة حصار المسلمين، وحالوا القضاء عليهم في مستقرهم الجديد. علم كفار مكة ما كان من عبد الله بن أبي سلول من كراهيته للإسلام فكتبوا إليه ومن كان يعبد معهم الأوثان قائلين لهم: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم٢. فجمع ابن أبي أشياعه لقتال رسول الله ﷺ والمسلمين معه، فلقيهم رسول الله ﷺ وقال لهم: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم، وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا" ٢. كما عملوا على منع المسلمين من زيارة البيت الحرام بمكة، وقد حدث أن سعد بن معاذ دخل مكة معتمرًا، ونزل على أمية بن خلف، فقال لأمية: انظر لي ساعة

стр. 217

خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبًا من لقف النهار. فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، من معك؟ فقال: هذا سعد. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا. فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة١. وحاولوا العدوان على المسلمين في المدينة، ولذلك كان رسول الله ﷺ يبيت ساهرًا، واتخذ لنفسه حرسًا. ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: سهر رسول الله ﷺ حين مقدمه المدينة ليلة، فقال ﷺ : "ليت رجلا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة". تقول عائشة: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح. فقال ﷺ : "من هذا"؟. قال: سعد بن أبي وقاص. فقال له رسول الله ﷺ : "ما جاء بك"؟. فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ ، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ، ثم نام٢. ووجد الرسول ﷺ والمسلمون معه أنهم أمام عدو لا يريد السلام، ولا يفكر إلا في القضاء على الإسلام، ورأوا ضرورة التصدي لهذا الطاغوت الظالم الذي يعمل على إفساد الحياة، والقضاء على دين الله تعالى. وشاءت إرادة الله تعالى أن ينصر جنده، فكلفهم بالجهاد، وأذن لهم فيه. ودراستنا للجهاد هنا تتناول النقاط التالية:

стр. 218

أولا: تعريف الجهاد الجهاد في اللغة مشتق من الجهد وهو بذل الوسع، والطاقة، قولا وعملا، ويعرفه العلماء بأنه بذل الوسع والطاقة مع أعداء الله بالكلمة، والمال، والقتال، لتحقيق غايات عليا. والجهاد شامل لكل جهد يبذل لترقية الروح وتهذيب النفس ونشر الإسلام ومقاتلة الأعداء إلا أنه عند الإطلاق ينصرف إلى مقاتلة الأعداء ودعوتهم، وهو مرادنا في هذه الدراسة. وبعد تعريف صاحب الفتاوى الهندية للجهاد أو في تعريف الفقهاء وفيه يقول: إن الجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق، والقتال مع من امتنع، وتمرد عن القبول إما بالنفس، أو بالمال، أو بالكلمة، أو بغير ذلك١. وهذا التعريف الفقهي للجهاد يشتمل على الحقائق التالية: ١- اشتمل هذا التعريف على سائر العناصر التي تضمنتها أقوال الفقهاء، وهم يتحدثون عن حقيقة الجهاد، إذ فيه الدعوة إلى الدين الحق، والقتال الموجه ضد الممتنعين، والمتمردين، والطغاة الذين يصدون عن دين الله تعالى، ويقفون سدًا بين الحق والناس. ٢- قدم هذا التعريف الدعوة بالحسنى قبل القتال، وهو الترتيب الطبيعي لشريعة الإسلام في الجهاد، كما أن هذا الترتيب هو واقع ما فعله النبي ﷺ وأصحابه، حيث مكث ثلاثة عشر عامًا في مكة يدعو بالحجة، والبرهان، مع الصبر على ما وقع عليهم من الكفار وتحمل الأذى، ولم يلجأ النبي وأصحابه إلى القتال إلا بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية التي ينشرون بها دعوة الله، ويصونون حياتهم معها. ٣- قيد التعريف القتال بأنه ضد من امتنع عن القبول، وتمرد على الأدلة، صادًا عن سبيل الله ليخرج من الجهاد قتال المستأمن، والمعاهد، والذمي، لأن قتالهم لا يسمى جهادًا، ولا تقره شريعة الإسلام. ٤- ذكر التعريف وسائل الجهاد وأشار إلى أنها تكون بالمال، وبالنفس، دعوة أو قتالا، وبذلك فحصر الجهاد في القتال أمر غير مستساغ في دين الله تعالى. ٥- وصف التعريف الدعوة في الجهاد بأنها الدعوة إلى الدين الحق، فأغلق بذلك

стр. 219

الأبواب في وجه دعاة الهوى، الذين يلتصقون بالدين زورًا للكيد له، أو التكسب به، ومنع التعريف بهذا القيد وصف دعاة الوثنية، ودعاة الأديان المحرفة بالمجاهدين؛ لأن دعوة هؤلاء وأمثالهم، ليست إلى الدين الحق؛ لأن الدين الحق هو الإسلام يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢. ٦- يتفق هذا التعريف مع القرآن الكريم في تقييد الجهاد بأنه في سبيل الله، وسبيل الله هو دينه جاء في الفتوحات الإلهية "أن المراد بالسبيل دين الله؛ لأن السبيل في الأصل الطريق فتجوز به عن الدين لما كان طريقًا إلى الله بعلاقة المجاورة٣. يقول الرازي: سبيل الله أي طاعته وطلب رضوانه، وهذا لا يكون إلا باتباع دين الله وتطبيق تعاليمه٤. ومن الملاحظ أن لفظ "سبيل الله" الذي هو اتباع الدين، كما جاء في القرآن الكريم قيدًا للقتال لإعلاء دين الله، جاء أيضًا قيدًا للإنفاق لتقوية دين الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٥. وجاء قيدًا لأي عمل يؤدي إلى الهدف المذكور كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ٦ حيث جعلت الآية الهجرة من أجل الدين في سبيل الله.

стр. 220

وبهذا ندرك شمول الجهاد للدعوة، وللقتال بالنفس، والمال، واللسان، وتكثير السواد، وعمل الخير، وإعداد الناس بالعلم، وتقويتهم بالعمل والسلوك القويم، ما دام ذلك لإعزاز الدين، ولإعلاء كلمة الله، وهذا ما عناه جمهور الفقهاء عند تعريفهم للجهاد بمعناه الشامل. والحق مع هؤلاء الفقهاء لأن الجهاد الإسلامي يعني بذل الجهد لتبليغ الدعوة بالوسائل السليمة، وبلوغ الغاية المرجوة في ذلك، ولا يلجأ إلى القتال إلا عند حدوث مقتضاه كاعتداء على الدعوة، أو على الدعاة، أو على الوطن. إنه باختصار لنشر العقيدة الإسلامية، ولحمايتها من الفتنة، ولحماية دعاتها في ديارهم وبين سائر الناس. وإذا تبين الجهاد بهذا المعنى الشامل فإن من الخطأ فهم الجهاد على أنه اعتداء، أو إيذاء، أو قهر، أو جبر على الدخول في الإسلام. إن الجهاد في سبيل الله كما اتضح من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لا يصادر الحرية، بل هو صيانة لها. وليس الجهاد وسيلة لاندلاع نيران الحروب؛ لأنه في الواقع يضع النهايات السليمة للصراع ويريح البشرية من شرور الحروب. وليس الجهاد نهبًا للأموال، بل هو الوسيلة لحماية الإيمان، والإيمان هو العاصم الحافظ للمقدسات، والأعراض، والأموال. ليس الجهاد لقهر الناس وإخضاعهم مهما كانت الغاية؛ لأنه إفساح الطرق للدخول في دين الله، وهو الدين الذي ينشر لواء العزة، ويحمي الذمار، ويصون الكرامات، ويعتمد على الاختيار الحر، والاقتناع السليم والله تعالى يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.

стр. 221

إن الجهاد يتقرر في الإسلام حماية للحرية، وصيانة للفكر، ليحول بين الناس وبين من يصدهم عن اختيارهم للدين القويم. إن الأمر في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١ يحدد الوسائل المشروعة وهي تعني أن تكون الدعوة في الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والمعارك، وأن التاريخ ليسجل دائمًا أن العقائد لا تتحقق بالطغيان، إذ هي اعتقاد بحل في القلب وتتبوأ في الضمير، وتسكن في الباطن الأمين. ولم يدع الله أمر القلوب للكشف، والبروز، والظهور، حتى لا تكون هدفًا يدركه الطغاة، ويحركونه تبعًا لأهوائهم بضربات الأيدي، أو برشقات السيوف، أو بما شاكلها من أدوات الحديد والنار. إن القلب غيب عن الناس لا تدرك مشاعره إلا بالإحساس الروحي، أو المعنوي, ولا سبيل للسلاح إلى هذه المعاني حتى تفتح بالضرب، وتغلف بالضراب. وما دام شأن القلب هكذا، فإنه من الحال أن يوجه السيف إليه، أو يغير بقوة وإرهاب وذلك يؤكد سمو غايات الجهاد، وبعده عن أي عنت أو ظلم، أو عدوان. لقد أمضى النبي ﷺ في مكة ثلاثة عشر عامًا وهو يتلقى مع أصحابه كل يوم منذ أن جهر بالدعوة صنوفًا من العذاب تحملوها صابرين، وصمدوا لكل مكروه، فلم يفتنهم عن دينهم عذاب مهما طال، ولا إيذاء مهما عظم، بل اعتزوا بالله ورسوله، وكفوا حتى عن مقابلة الإساءه بمثلها. وعلى كل حال فإن الجهاد في سبيل الله لم يمتهن كرامة، ولم يبدأ بعدوان، ولم يلجأ المجاهدون في سبيل الله إلى أموال الوادعين لنهبها، وإن كانت ظروف القتال قد ألقت إليهم أموال العدو، ووضعت في أكفهم الغنائم فأحلها الله لهم. وهكذا كان الجهاد، وعلى هدي ذلك يجب أن يستمر٢.

стр. 222

ثانيا: مراحل تشريع الجهاد مدخل ... ثانيًا: مراحل تشريع الجهاد يتصور بعض المستشرقين، ومن يشايعهم من أعداء الإسلام أن الجهاد شرع لقهر الناس، وإجبارهم على الدخول في دين الله تعالى، وهذا افتراء مردود، لا دليل له، وكل الوقائع تشهد بكذبه. إن الجهاد في جملته يخضع للمبدأ العام الذي يتفق مع الفطرة، القائم على أساس مدافعة العدوان، والتصدي للظلم، وحماية حق الإنسان في الحرية والكرامة، وهو مبدأ ثابت يقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١. والعقوبة بكافة صورها في الإسلام نوع من مدافعة الجريمة على قدرها، وهو مبدأ حق وعدل؛ لأن الظلم لو ترك لعم الفساد، ولو تجرد الحق والعدل من قوة الحماية لأصبحت الشئون للطغاة، وساد في الناس البغي، والفساد. والمجتمعات على اختلافها تتمنى مدافعة الاعوجاج ليستقيم لها الأمر، وتصلح الحياة، والجهاد هو الذي يحول هذه الأماني إلى حقيقة يسعد بها الناس. ولا لوم مطلقًا على من يدفع ظلمًا ويرده، بل إن رد الظلم هو سر البقاء يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقد تمسك المؤمنون منذ البداية بحقهم في الانتصار، ورد الظلم والبغي مع المحافظة على العدل وصيانة حقوق الناس, يشير الله إلى هذا في القرآن المكي واصفًا المؤمنين فيقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ

стр. 223

بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ١. يقول الرازي: إن الانتصار يجب أن يكون بالمثل، فإن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والتساوي هو العدل، وبه قامت السماوات والأرض، ويقول: إنه لا يصح العفو إلا إذا كان سببًا لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته٢. والجهاد الإسلامي حق وعدل كله وذلك يتضح من المراحل التي مر بها تشريعه وهي:

стр. 224

المرحلة الأولى: مرحلة التحمل والصبر أمر الله تعالى المسلمين بالصبر والتحمل وكف الأيدي وهم في مكة قبل الهجرة لأنهم كانوا ضعفاء لا يمكنهم رد الإيذاء، ومواجهة العدوان. في هذه المرحلة كان الأمر بالصبر والتحمل، مع المحافظة على الدين، وعدم التسليم للطغاة، وإباحة الانتصار للنفس بصورة فردية، آمنة. والسلبية في هذه المرحلة ضرورة اقتضتها ظروف المسلمين، فهم في مكة قليلو العدد مستضعفون، يخافون أن يتخطفهم الناس، يقول ابن كثير: "إن المسلمين لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا منهم، فلو أمر المسلمون بقتالهم وهم أقل من العشر لشق عليهم"١. وتطبيقًا لتنفيذ فكرة المقاومة السلبية كانت الآيات تأمر في هذه المرحلة بالمصابرة والتحمل وعدم إطاعة الحاقدين. يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ ٢. ويقول تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣.

стр. 225

ومن المعلوم أن الأمر الموجه للرسول ﷺ هو أمر لأمته. وحتى يكون التحمل أمرًا مسلمًا به وسهلا عرف الله المؤمنين بأنه يدافع عنهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ ١. ويجب أن يكون واضحًا أن سلبية هذه المرحلة كانت في ترك المقاتلة، وتحمل الأذى منعًا لضرر أعلى، وما عدا ذلك فالإيجابية ثابتة موجودة، والجهاد بالكلمة تشريع مقرر، يقول الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ٢ وسورة الفرقان سورة مكية، وفي هذه الآية أمر بعدم طاعة الكفار وهم يعارضون القرآن الكريم، وفيها كذلك الجهاد بآيات القرآن لأن الضمير في "به" يعود عليه. فهذه آية مكية أمر الله فيها بالجهاد، ولذلك استمرت الدعوة في كافة صورها، ففي مجال إبلاغ الدعوة وتبيينها وشرح أهدافها لم يحدث أبدًا توقف، وفي مقابلة شبه القوم كانت الحجج المقنعة والمواجهة الفكرية، وأمام اتهامات المعاندين للرسول ﷺ وتشككهم في الوحي كان التصدي بالرد والحوار وإثبات ضلال المعاندين، وخطأهم، وكان الوحي خير نصير في المواجهة. ويجب أن يتضح كذلك أن هذه السلبية في المقاتلة لم تكن مبدأ، وإنما كانت ضرورة عاشها المسلمون، وعليهم أن يتذكروا حقوقهم خلالها، ويترقبوا لأنفسهم وينتظروا الوقت الذي يتمكنون فيه من استرجاعها، عساهم يأخذون حقهم الذي سوف ينتصر حتمًا. وكان النبي ﷺ في خلال هذه المرحلة يشير لأصحابه إلى الفرح، والمخرج حيث قال للمسلمين قبل الهجرة إلى الحبشة: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه" ٣.

стр. 226

المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال بدأ الإذن بالقتال بعد الهجرة مباشرة لتنتهي مرحلة المقاومة السلبية وذلك بنزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١. فالله حين أذن لهم في الذي كفهم عنه بين السبب في الإذن، وهو أنهم ظلموا خلال المرحلة المكية التي انتهت بإخراجهم، والاستيلاء على أموالهم، يقول الزمخشري: هم أصحاب رسول الله ﷺ كان يؤذيهم المشركون أذى شديدًا، فيأتون الرسول ﷺ ما بين مضروب، ومشجوج، يتظلمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أومر بقتال". حتى هاجر٢. وقد بدأت ملامح هذا الإذن خلال بيعة العقبة الثانية حيث بايع رسول الله ﷺ الأنصار على حمايته بما يحمون به أنفسهم وذراريهم وجرت خلال مفاوضات البيعة كلمات تشير إلى ضرورة الاستعداد للتصدي لعدوان من يعتدي على رسول الله وعلى دينه إذا قصدوا المدينة المنورة. ولما تمت الهجرة بدت القوة الإسلامية وأصبح المسلمون مستعدين لملاقاة أعدائهم وفي إطار هذا الوضع نزل الإذن للمهاجرين بالقتال لاسترداد بعض حقهم. وهكذا أذن الله لهم بالقتال بعد الهجرة، وبدأت مرحلة المواجهة الإيمانية، وهي المرحلة الثانية، وفيها نرى المهاجرين يتصرفون خلالها على أساس أنهم أصحاب حق مهان يجب أن يهاب، ومن حقهم أخذه بالظفر إن تمكنوا منه، ولذلك قاموا بعدد من السرايا والغزوات عقب الهجرة لإرهاب من ظلموهم، واستولوا على أموالهم، وحرموهم من ديارهم، وقد صحبهم رسول الله ﷺ في بعض هذه الحملات الصغيرة التي حدثت بعد الهجرة، وقبل غزوة بدر الكبرى. ولعل ما يؤكد ارتباط الإذن بالقتال بالمهاجرين وحدهم أن جميع المشتركين في هذه

стр. 227

السرايا كانوا من المهاجرين فقط، يؤكد ابن إسحاق أنهم جميعًا من المهاجرين فيذكر عقب حديثه عند كل سرية قوله: وليس من الأنصار معهم أحد، ويبين أن رسول الله ﷺ خرج مع أصحابه من المهاجرين في أربع غزوات قبل بدر١. وما ذكره بن إسحاق يؤكد أن سلبية المرحلة الأولى كانت ضرورة، فلما زال سببها أذن الله للمسلمين بالقتال؛ لاسترداد حقوقهم، في إطار المحافظة على حقوق الآخرين. وإنما كان الإذن لازمًا في بداية المرحلة الثانية ليكون المسلمون في حل من الدفاع القتالي، وحتى لا يتخيلوا أن أوامر المصابرة وحدها هي أوامر هذه المرحلة أيضًا. إن الإذن بالقتال لم ينسخ العفو والمصابرة حيث لا مناقضة بينهما؛ لأن الصبر طريق إعانة، والقتال يحتاج إليه، والعفو أسلوب دعوة، وتبليغ دين الله يقوم عليه. والإذن بالقتال غير الأمر به، ولذا لم يشعر المؤمنون بفرضية القتال بعد هذا الإذن فكان خروجهم في بدر اختياريًا، بعدما علموا أن من خرج للقتال أثيب، ومن تخلف لم يحاسبه رسول الله ﷺ وهذا ملاحظ في قلة عدد المسلمين الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ إلى بدر. ولما كان الخروج اختياريًا في "بدر" وكان الإذن خاصًا بالمهاجرين فقد اهتم النبي ﷺ بأخذ رأى الأنصار في ميدان المعركة قبيل الاشتباك؛ لأنهم عنصر لم يكلف بالقتال لأنه لم يفرض بعد، ولم يظلم كالمهاجرين وأيضًا فإنهم بايعوا رسول الله ﷺ على الدفاع عنه ضد من يهاجمه في المدينة، وهو الآن خارجها، وكان اشتراكهم مع المهاجرين، وخروجهم مع رسول الله ﷺ تبرعًا محضًا، ردءًا لرسول الله ﷺ ، ومساعدة للمهاجرين وحبًا للجهاد في سبيل الله تعالى. وكان القرشيون في بدر يعلمون أن المهاجرين وحدهم هم غرماؤهم، امتدادًا للحوادث القديمة، ولذلك حينما بدأت الحرب بالمبارزة خرج من المسلمين أنصار فأبى الكفار مقاتلتهم، وطلبوا أن يكون المبارزون من بني عمومتهم. وقد استمرت هذه المرحلة الثانية مدة عاش المسلمون خلالها فترة التمهيد للمرحلة الثالثة

стр. 228

ومن هذا التمهيد أن الله حثهم على الثبات في الحرب وأخبرهم بذلك ضمنيًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ ١ فلقد شبه لهم الفرار بصورة مؤلمة وكأن من يفر من القتال يسلم دبره إلى أعدائه الزاحفين. ومن هذا التمهيد أن الله تعالى أمرهم أمرًا صريحًا بالثبات حين المواجهة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢ كما أمرهم بضرورة إحكام الضرب والنزال وتقييد الأسرى وحبسهم حتى ينتهي اللقاء، وعلى المؤمنين أن يثقوا في نصر الله تعالى ومعونته ما داموا على الحق سائرين فقال الله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ٣. ومن هذا التمهيد قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٤ لأن الإعداد المسبق، وتجهيز شئون القتال يخوف الأعداء، ويدخل الرعب في قلوبهم، الأمر الذي يكفهم عن القتال. ومن التمهيد كذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ

стр. 229

ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١. وفي هذه الآية أمر الله المسلمين بالتحريض على القتال، والثبات أمام العدو، ولو كان الأعداء أكثر عددًا منهم؛ لأن الله يؤيد القلة المؤمنة الصابرة على عدوها الكافر، كما هو واضح من الآيات.

стр. 230

المرحلة الثالثة: مرحلة القتال المقيد احتاج المسلمون إلى الأمر بالقتال بعد الإذن به؛ لأن منهم من أسلم حديثًا ولم يقع إيذاء عليه، ومنهم من طبع على ضعف فطري، ومنهم من بينه وبين أهل مكة قرابة وصلة وهؤلاء لا يكفي معهم الإذن بالقتال، وإنما لا بد لهم من الأمر به ليشعروا بوجوبه، ويقيموه مخافة الإثم من ترك فرض. وهذه المرحلة لم تخرج هي الأخرى عن التزام الحق ومقاومة الباطل ورد العدوان كما يستفاد من آيات تشريعها. يقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢. ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وفي هذه الآيات أمر الله تعالى بالقتال المقيد وعرف بأنه موجه لقتال المعتدين الذين يقاتلون المسلمين وحدهم، مع الالتزام بعدم العدوان، وعلى المسلمين أن يعرفوا جيدًا أنه لا عدوان إلا على الظالمين. وقد بدأت هذه المرحلة الثالثة بعد بدر مباشرة حيث بدأت قريش تعمل للحرب

стр. 231

وأخذت تستعد للانتقام من هزيمتهم في بدر، جاء في أسباب النزول للنيسابوري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجعوا إلى مكة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، أصيب آباؤهم، وأبناؤهم، وإخوانهم في بدر فقابلوا أبا سفيان، ومن كان له في ذلكم العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا ففعلوا١ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ٢. وكان الله مع المؤمنين فوجههم بعد بدر مباشرة إلى وجوب الاستعداد للحرب ولزوم الثبات فيها، ثم كانت قمة المعية الإلهية أن وجه المسلمين إلى أن مرحلة الإذن المجرد قد انتهت، لتبدأ مرحلة أوسع منها هي مرحلة فرضية القتال فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣. والآية تؤكد خاصة المرحلة الثالثة، وهي الأمر بقتال من يقاتل المسلمين من أهل مكة، ومن ظاهرهم وقصر العدوان على من يعتدي.

стр. 232

المرحلة الرابعة: مرحلة الأمر بالقتال العام وأخيرًا كان تشريع المرحلة الرابعة حيث أمر الله المسلمين بالحرب العامة ضد كل المشركين أيا كان نوعهم، وجنسهم، ومكانهم، وزمانهم، فقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١ ودلالة الآية ظاهرة؛ لأن المشركين في مكة، وفي قبائل العرب، وفي البوادي أجمعوا أمرهم على محاربة المسلمين للقضاء عليهم، وأخذوا في الإعداد لتحقيق غاياتهم قبل غزوة الأحزاب، فكان أن نزل تشريع الجهاد العام للتصدي لكافة المشركين. ويقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢. والأمر واضح في قتال أعداء الله لأنهم بسبب كفرهم ونفاقهم تمكنت العداوة منهم فأصبحوا خطرًا يجب الخلاص منه بالجهاد. وقد أمر الله تعالى بالقتال العام لأعداء الله بعدما اتضح إصرار أحزاب الكفر على إطفاء نور الله في الأرض باذلين كل ما يمكنهم لتحقيق ذلك، ولهذا كان الأمر بالجهاد العام مناسبًا للوضع الموجود الذي يقول الله تعالى عنه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٣. ومع هذا التعميم في الحرب لا نسخ في أوامر المرحلة الثالثة لاندراجها في سعة هذا العموم من باب أولى. والحرب في المرحلة الرابعة لا تعارض مبدأ مقاومة الباطل، ورد العدوان؛ لأن الأمر فيه ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فقتالهم لكم هو المشبه به وهو السبب؛ لأن

стр. 233

الكاف زادت هنا عن مجرد التشبيه فتضمنت معنى المقابلة والعقوبة، وقتالكم يجب أن يشبهه، وذلك يستلزم أن وجه الشبه في قتالهم أوضح وأسبق. وأيضًا فإن المشركين هم الذين بدءوا في العام الخامس الهجري بالمقاتلة العامة ساعة أن تجمعوا في عدد هائل، ضم قريشًا وأحابيشها، ومن تبعها من بني كنانة وأهل تهامة. ومعهم غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، يعاونهم يهود بني قريظة. يقول ابن إسحاق في حديثه عن هذا التجمع: فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في مرة، وسعد بن رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه بني أشجع. وقد بلغ تجمع المشركين في الأحزاب عشرة آلاف، وكان أملهم القضاء على المسلمين أجمعين كما يوضحه قول حيي بن أخطب لكعب بن أسد القرظي: عاهدني القوم وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه١. فكان لزامًا أمام اتجاهات هذا التجمع الشامل أن يأمر الله المسلمين بالمقابلة العامة لتبدأ المرحلة الرابعة قبيل غزوة الأحزاب التي وقعت في الخامس من شوال في العام الخامس الهجري، ومن يومها والمسلمون مكلفون بقتال من قاتلهم من سائر الفئات المشركة ومن ظاهرهم من بقية الناس. وإذا نظرنا إلى وقائع الجهاد، وأعمال المجاهدين، والتزامهم بأخلاق الإسلام لظهر جليًا براءة الجهاد الإسلامي من أي اتهام يوجه إليه؛ لأن في كل صوره يحقق الحرية، ويضمن الكرامة، ويحفظ للإنسان حقوقه وكل ما هو ضروري له. كما سيتضح عند دراسة الغزوات.

стр. 234

المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر مدخل ... المبحث الثالث: السرايا والغزوات قبل بدر استقر المسلمون في المدينة، وأخذوا يحيون الإسلام المنزل عليهم قولا وعملا، وظهرت قوتهم في دولة للإسلام، واجتهدوا بقيادة رسول الله ﷺ في تبليغ الإسلام، والدعوة لدين الله تعالى. ولم يتوقف القرشيون عن محاولاتهم في صد الناس عن دين الله، وإعداد العدة للقضاء على المسلمين في المدينة، فأخذوا في تحريض أعراب البوادي، وتأليب قبائل العرب، وتهييج اليهود ليكونوا جميعًا معهم فيما يعملون له. وشعر المسلمون أن قريشًا تتعامل مع القبائل المحيطة بالمدينة، والتي تسكن الطريق إلى مكة، للتحرك في أمان ويسر، وتنتقل بقوافلها التجارية في طمأنينة واستقرار، وفي نفس الوقت تحرم المسلمين من الخروج من المدينة، ودعوة هؤلاء الناس. واستفادت قريش بما أشاعته كذبًا في أن محمدًا وأصحابه فروا من مكة خوفًا، وضعفًا، وبذلك تعاون الأعراب معها، وتصوروا الأمر كما زعم القرشيون. وأخذ القرشيون يتفاخرون بالاستيلاء على أموال المهاجرين، بلا رادع يردعهم أو أناس يخافون منهم، ويعلنون أن قوتهم غالبة، ودينهم صحيح. وهذه أمور تؤثر في نفوس العرب، وتدفعهم بعيدًا عن تصور الحق، أو البحث عنه ما دام الوضع كما سمعوا وتصوروا. ولم يغب هذا الأمر عن رسول الله ﷺ فرأى أن الحركة بالدعوة في هذه الظروف تحتاج إلى تصرف عملي، يصحح مفاهيم الناس، ويظهر القوة الإسلامية، ويبعد الأعراب والقبائل المحيطة بالمدينة عن أكاذيب قريش، ويبين لقريش أن حقوق المهاجرين لن تضيع، وأن قوة المدينة ثابتة بموقعها، وبرجالها المؤمنين، وبصدق ما تدعو إليه، وفوق ذلك بمعية الله لها. وصار من الضروري إظهار الإسلام بصفاته، ونقائه، وإنقاذه من غبش الطغاة، وأكاذيب المفترين.

стр. 235

وقد اقتضى هذا الوضع حتمية القيام بما عرف بـ"السرايا والغزوات". هي عبارة عن دوريات، أو مفارز مكونة من عدد من الرجال، ومعهم سلاحهم البسيط للقيام بعمليات الاستطلاع، والتعرف على الطرق، واكتشاف المسالك المؤدية إلى المدينة، وإلى مكة، والتعرف للقوافل المكية الذاهبة إلى الشام، أو إلى اليمن، وعقد المعاهدات مع من يقبل من العرب وسكان البوادي، وإبراز قوة المسلمين أمام مشركي العرب، ويهود المدينة، والأعراب، ليعلموا جميعًا أن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من الضعف الذي عاشوه في مكة, وأيضًا لإنذار أهل مكة ليفيقوا من غفلتهم، وليدعوا إيذاء المسلمين، ويتركوا العدوان عليهم، وينتهوا عن صد الناس عن دين الله تعالى، ويمتنعوا عن نشر الأكاذيب وتضليل الناس. والغزو: هو السير إلى القتال في عدد قليل أو أكثر، والغزوة المرة الواحدة، وجمعها غزوات١. والسرية: عدد مسلح من الرجال لا يقل عن خمسة ولا يزيد عن أربعمائة، يسبقون الجيش للحصول على معلومات، وأخبار، وسميت السرية بالسرية لتحركها خفية وسرًا، أما الغزوة فإنها تخرج ظاهرة غالبًا٢. يقول ابن الأثير: السرية من الجيش الطائفة يبلغ أقصاها أربعمائة من المقاتلين الأشداء وتخرج خفية وسرًا٣. وقد اصطلح علماء السيرة على أن الجماعة التي يقودها رسول الله ﷺ تسمى "غزوة" والجماعة التي يقودها أحد الصحابة تعرف بـ"السرية". وقد غزا النبي ﷺ غزوات عدة منها: غزوة الأبواء، ويقال لها "ودان"، ثم غزوة بواط، ثم غزوة سفوان، وهي بدر

стр. 236

الأولى، ثم غزوة العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بني سليم، ويقال لها: قرقرة الكدر، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة الفرع، ثم غزوة بني قينقاع، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة بدر الأخيرة، وهي غزوة بدر الموعد، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بني المصطلق وهي المريسيع، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وبني ثعلبة، ثم غزوة عمرة القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك وفي بعض ذلك تقديم وتأخير عند الرواة والمحدثين. والغزوات الكبار الأمهات ثمان هي: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والحديبية، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن، ففي بدر نزل قرآن كثير من سورة الأنفال وفي "أحد" نزل آخر آل عمران من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١ إلى قبيل آخرها بيسير. وفي قصة الخندق وقريظة نزل صدر سورة الأحزاب. وفي بني النضير نزلت سورة الحشر. وفي قصة الحديبية وخيبر نزلت سورة الفتح، وأشير فيها إلى الفتح وهو الحديبية. وفي فتح مكة نزلت سورة النصر. وذكرت تبوك في سورة براءة. وجرح رسول الله ﷺ في غزوة "أحد" فقط. وقاتلت معه الملائكة في بدر، وحنين، وأحد على خلاف في الثالثة. ونزلت الملائكة يوم الخندق، فزلزلوا المشركين، وهزموهم، ورمى ﷺ بالحصباء في وجوه المشركين فهربوا، وكان الفتح في غزوتين: بدر، وحنين. وقاتل المسلمون بالمنجنيق في غزوة واحدة وهي الطائف، وتحصن المجاهدون بالخندق في واحدة هي الأحزاب، وهو الخندق الذي أشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه٢.

стр. 237

أولا: أسباب وقوع السرايا والغزوات قبل بدر أذن الله تعالى للمسلمين بالقتال بعد الهجرة، وشرع لهم القيام بالسرايا والغزوات على نحو ما ذكرت، وكان ذلك من صميم حركة النبي ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى. وبيان ذلك أن أهل مكة نشطوا بعد الهجرة في صد الناس عن سبيل الله تعالى، واستغلوا وضعيتهم عند العرب في عداوتهم، وعدوانهم على الإسلام والمسلمين. وقد ألف العرب في كل الجزيرة تقدير أهل مكة، لأنهم حماة البيت وأصل العرب، وإلى بلدهم "أم القرى" يأتي الجميع حجاجًا ومعتمرين، وزوارًا، ومتاجرين ... الأمر الذي مكن لهم في قلوب العرب، ومكنهم في الوقت نفسه من الاتصال بهم، وكثرة مقابلتهم في الأسواق، والمناسبات، والأحداث ولقد رأينا مدى تقدير العرب لأهل مكة أثناء مجيء أبرهة بجيشه قبل الإسلام يريد هدم الكعبة حيث وقف العرب ضد حملة أبرهة، وتمنوا لها البوار والهزيمة. استغل أهل مكة هذا الوضع وأخذوا يشيعون بين الناس أن محمدًا ﷺ وصحبه فروا هاربين من مكة، وتركوا وراءهم كل شيء ليستمر ضعفهم، وهوانهم الذي كان معهم في مكة. إن المسلمين وهم في مكة كانوا عددًا قليلا ضعيفًا خائفًا من طغيان المكيين وظلمهم يقول الله تعالى واصفًا هذا الحال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.

стр. 238

ومن هنا تمكن أهل مكة من عقول الناس، واستمروا في إذاعة إفكهم، وبهتانهم وفي هذا صرف للناس عن استماع الدعوة، وعدم إقبالهم على رسول الله ﷺ . والله عليم بخلقه، حكيم في تشريعه وتعاليمه، رحيم بعباده، حافظ لدينه ورسوله، ولذا كان تشريع الجهاد، والإذن بالسرايا والغزوات، بعد الهجرة مباشرة لتصحيح بعض المفاهيم التي يجب أن تصحح، وإحاطة الناس بالحقيقة المجردة بعيدًا عن غوغائية أهل مكة، ورد البهتان الذي أذاعوه بين الناس. لقد أدى تشريع الجهاد إلى نفي كل ما قيل عن ضعف المسلمين وهوانهم، وبين أنهم بعد الهجرة صاروا قوة ترد الظلم، وتعيد الحق، وتحمي الدين، ولذلك أذن الله لهم بالقتال والحرب، وحقق بالجهاد ما عجز عنه الحوار الطيب، والجدال الحسن. ولنا أن نتصور الحال إذا استمر على ما كان فيه، وبقي القرشيون على عتوهم، وعدوانهم. إن الضعيف لا يتعامل مع الجبابرة، والعاجز لا يقدر على المواجهة!! والخائف لا يمكنه إمساك الرمح والسيف!! والمهين يضعف في مواقف العزة والكرامة!! والقوة الغاشمة لا تسمع إلا لأمثالها لأنه لا يفل الحديد إلا الحديد!! ولقد كان أقصى ما يتمناه أهل مكة أن يتقوقع المسلمون حول أنفسهم في المدينة ويتركوا دعوة غيرهم إلى الإسلام، ويستمروا مقيمين فيها كما فعل إخوانهم الذين هاجروا إلى الحبشة، ولو تحققت هذه الأمنية للقرشيين لسعدوا بها، وعاشوا في حياتهم الجاهلية آمنين. ولكن الله تعالى قضى لدينه أن ينتشر، وقضى للناس أن يسعدوا بالإسلام، ولذا كان ضروريًا أن يتحرك الإسلام وسط الناس بالأسلوب المناسب لهم، ويتعامل مع الواقع بما يكافئه, ولذا كانت السرايا والغزوات. ولم يقف أمر الإسلام عند التعاليم المجردة، وإنما باشرها المسلمون عمليًا خلال الغزوات والسرايا، فتحركوا بأعداد مسلحة لملاقاة القوافل المكية التي كانت تفر منهم، ولما رأى العرب التحرك السريع والمتكرر من السرايا الإسلامية سالموهم، ووادعوهم،

стр. 239

وبعدوا عن دعايات أهل مكة، وانتظروا تغيير الحال، وتبدل الوضع، ليقرروا ما يرونه حينئذ، وكان رسول الله ﷺ خير معلم، وأعظم مرب، وهو يقود الجماعة المسلمة بعد الهجرة، إذ رأيناه ﷺ يقود أكثر هذه السرايا، ويخرج لملاقاة القرشيين، ويعاهد العرب على السلم والإسلام، حتى لا يتصور أحد من أعدائه أنه سكن المدينة ورضي بالمكث فيها، معتمدًا على حركة أصحابه وحدهم. وحتى في السرايا التي لم يخرج فيها كان ﷺ يرسل عمه حمزة" أو أبناء عمومته ليكونوا في مقدمة الخارجين وبذلك كان ﷺ القدوة الحسنة، والسراج المنير للناس أجمعين إن المسلمين الذي خرجوا في السرايا والغزوات كانوا يؤدون مناسكهم، ويحافظون على شعائر دينهم، ويقيمون الصلاة، ويلتزمون بالعدل والخلق الكريم، مع البعد التام عن كل ما نهى الله عنه، وبذلك قدموا دعوة عملية، ظهر أثرها بعد غزوة بدر الكبرى، حيث دخل الناس في الإسلام وهم عارفون بنسكه وتكاليفه، التي رأوها تطبيقًا عمليًا أمامهم. ومن أثار هذه السرايا في الدعوة إلى الله تعالى فتح العقول لسماع الحق، وتخليصها من استبداد الطغاة، وتحقيق الحرية أمام الأعراب بعيدًا عن أي إكراه، لتكون عقيدتهم مرتبطة بالرشد الصادق، والبيان الأمين. كما أدت السرايا إلى تفرق العرب عن أهل مكة بعدما علموا أكاذيبهم، وفقدوا الثقة فيهم، وبذلك فشل المكيون في تكوين كتلة واسعة معادية لرسول الله ﷺ ، تشمل قبائل العرب في البوادي، وفي القبائل التي تقيم على جوانب الطريق بين مكة والمدينة ومعهم اليهود والمنافقون، وبذلك كان الجهاد. وكانت السرايا تحركا في خدمة الدعوة لدين الله تعالى.

стр. 240

ثانيًا: السرايا والغزوات قبل "بدر " وقد بلغ عدد السرايا والغزوات قبل بدر ثمان منها أربع غزوات، وأربع سرايا بيانها كالآتي: ١- سرية سيف البحر: كانت في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وقد أمر رسول الله ﷺ على هذه السرية عمه حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلا من المهاجرين، يعترض عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر١ من ناحية العيص٢، والتقوا بقافلة المشركين، فلما شعر بهم القرشيون دافعوا عن تجارتهم، واصطفوا للقتال، فمشى "مجي بن عمرة الجهني" وكان حليفًا للفريقين جميعًا، بين هؤلاء وهؤلاء، حتى حجز بينهم، فلم يقتتلوا. وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله ﷺ ، وكان أبيضًا، وحمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي٣. يقول ابن هشام: إن سرية حمزة هذه كانت في قوت واحد مع سرية عبيدة بن الحارث إلى رابغ، ولذلك اختلف المؤرخون في أيهما كان أولا. والحقيقة أنهما كانا معًا في وقت واحد. ٢- سرية رابغ: حدثت في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، حيث بعث رسول الله ﷺ عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبًا من المهاجرين، فلقي أبا سفيان وهو في مائتين عند بطن رابغ٤، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال، ولم تسل السيوف وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو والبهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين، خرجا مع الكفار، ليكون ذلك وسكيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف٥.

стр. 241

٣- سرية الخرار: كانت في شهر ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة، حيث بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في عشرين راكبًا، يعترضون عيرًا لقريش، وعهد إليه أن لا يجاوز "الخرار"١ فخرجوا مشاة، يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغوا الخرار بأرض الحجاز صبيحة خمس من ذي القعدة، فوجدوا العير قد مرت بالأمس وكان لواء سعد ﵁ أبيض، وحمله المقداد بن عمرو٢. ٤- غزوة ودان: حدثت في صفر من السنة الثانية على رأس اثني عشر شهرًا من الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ بنفسه، بعد أن استخلف على المدينة سعد بن عبادة، في سبعين رجلا من المهاجرين خاصة، يعترض عيرًا لقريش حتى بلغ "ودان"٣ فلم يلق كيدًا. وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه على أن لا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جميعًا، ولا يعينوا عليه عدوًا وكتب معهم كتابًا، وهاك نص المعاهدة: $"هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله، ما بل بحر صوفه، وإن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله، وذمة رسوله، ولهم النصر على من بر منهم واتقى". وهذه أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، غاب خلالها عن المدينة خمس عشرة ليلة وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٤. ٥- غزوة بواط: حدثت في شهر ربيع الأول في العام الهجري الثاني على رأس ثلاثة عشر شهرًا من

стр. 242

الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ في مائتين من أصحابه المهاجرين، يعترض عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ومعه مائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير تحمل تجارة المكيين إلى الشام، فبلغ ﷺ بواطًا١ من ناحية رضوى، ولم يلق كيدًا ولم يقع قتال فأقام فيها ﷺ مدة ثم رجع بعدها إلى المدينة. واستخلف ﷺ في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ ﵁، وكان اللواء أبيض وحمله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه٢. ٦- غزوة سفوان: حدثت في شهر ربيع الأول سنة في العام الثاني الهجري على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، حيث أغار "كرز بن جابر الفهري" في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين رجلا من أصحابه لمطاردته، حتى بلغ واديًا يقال له "سفوان"٣ من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزًا وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى لقربها من بدر. واستخلف في هذه الغزوة على المدينة "زيد بن حارثة" وكان اللواء أبيض، وحمله علي بن أبي طالب رضي الله عنه٤. ٧- غزوة ذي العشيرة ٥: حدثت في جمادى الأولى وجمادى الآخرة في العام الثاني الهجري على رأس ستة عشر شهرًا من الهجرة، حيث خرج رسول الله ﷺ في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحدًا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يتعقبونها، ليعترضوا عيرًا لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بخروجها من مكة، وفيها أموال كثيرة لقريش، فبلغ ﷺ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سببًا لغزوة بدر الكبرى.

стр. 243

وكان خروجه ﷺ في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائل جمادى الآخرة كما جاء في سيرة ابن إسحاق، ولعل هذا هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة١ لأن بعضهم يراها في جمادى الأولى، والبعض يراها في جمادى الآخرة. وفي هذه الغزوة عقد رسول الله ﷺ معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، وادعه رئيسهم مجدي بن عمرو الضمري، ورجع إلى المدينة بغير قتال٢. واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء في هذه الغزوة أبيض، وحامله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٣. وفي هذه الغزوة كنى رسول الله ﷺ عليًا بأبي تراب، وقصة ذلك أنه أرسله وعمار بن ياسر عيونًا على بني مدلج, فنظروا إليهم ساعة، ثم غشيهم النوم. يقول عمار: فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور، من النخل، وفي دقعاء من التراب قمنا، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله ﷺ يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها فيومئذ قال رسول الله ﷺ لعلي بن طالب: "ما لك يا أبا تراب". لما يرى عليه من التراب. وكان علي ﵁ إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلمها، ولم يقل لها شيئًا تكرهه إلا أنه يأخذ ترابًا فيضعه على رأسه، قال: فكان رسول الله ﷺ إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة، فيقول له: "ما لك يا أبا تراب"؟ ٤. ٨- سرية نخلة: وقعت في رجب في العام الثاني الهجري على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة حيث بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة٥ في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير.

стр. 244

وكان رسول الله ﷺ قد كتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فسار عبد الله، ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها عير قريش، وتعلم لنا من أخبارهم". فقال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبين لهم أنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه. وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان، ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان، والحكم وأفلت نوفل ثم قدموا بالعير، والأسيرين، إلى المدينة، وقد عزلوا من غنيمتهم الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، ويعد عمرو بن الحضرمي أول قتيل في الإسلام، وعثمان والحكم أول أسيرين في الإسلام. وقد أنكر رسول الله ﷺ ما فعلوه لأنهم اعتدوا في شهر حرام، وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، ومنع التصرف في العير والأسيرين ثم ردها لأصحابها١. إن توجه هذه السرايا كان لجهات متعددة ولقبائل مختلفة، ولأماكن تنوعت بين البداوة، والتقدم مما يؤكد دقة التخطيط ويقظة القيادة، والعمل الدءوب لخدمة الإسلام والمسلمين.

стр. 245

ثالثًا: السرايا وحركة الدعوة أدت السرايا والغزوات إلى تغيير كثير من المفاهيم التي سارت بين العرب قبلها، لقد تصور العرب أن المسلمين خرجوا من مكة فارين لا شأن لهم، وأن أمر الإسلام سيبقى حبيسًا في المدينة، وأن سلطان المكيين سيبقى عاليًا، ولذلك لم يدخل أحد من العرب في الإسلام بعدما صدقوا ما يشيعه أهل مكة عن الإسلام والمسلمين، وبخاصة أن المكيين يفاخرون بأمجادهم، ويظهرون قوتهم وسلطانهم. وقد أدت السرايا إلى تغيير كل هذه الأفكار لأنها تمت بطريقة سديدة، فقد تحركت السرايا إلى سائر القبائل المنتشرة في البوادي، وتعددت النواحي التي قصدتها حيث اتجهت كل واحدة منها لجهة ما، ولقوم معينين. كما أن كل واحدة منها قصدت في توجهها أهل هذه النواحي أولا مع محاولة الإمساك بأموال تجارة قريش التي تمر في هذه الناحية ثانيًا؛ لأنها في الحقيقة أموالهم، وذلك لإحداث تأثير مزدوج في نفوس القبائل، وعند أهل مكة. وهذا الأمر يمثل ما عرف حديثًا بالحرب الاقتصادية التي يقصد بها تحقيق النصر بلا قتال، كما تعرف بالحرب النفسية لإدخال الرعب والهزيمة في نفس الأعداء أيضًا. وحين نعلم أن السرايا والغزوات بدأت بعد الهجرة بسبعة أشهر، واستغرقت عشرة أشهر تقريبًا يظهر لنا ولكل عاقل مدى شجاعة المسلمين، ومدى استعدادهم للبذل من أجل نيل حقوقهم، ومدى طاعتهم لرسول الله ﷺ . إن هجرة الرسول ﷺ كانت في محرم من العام الأول للهجرة، ووقعت السرية الأولى في شهر رمضان من السنة الأولى، ووقعت السرية الأخيرة في شهر رجب من العام الثاني. حين نعلم ذلك -وهو حق- ندرك مدى حيوية المسلمين ومدى نشاطهم، وحركتهم التي أذهلت قبائل العرب في الجزيرة كلها، وأظهرت قوة المسلمين واستعدادهم لمواجهة أهل مكة ومن يشايعهم بعد أشهر قليلة من الهجرة، مما جعل أهل مكة لا يهنأون بما اغتصبوا من أموال وديار، فبدءوا يعيشون الواقع الجديد وبعدما كانت قوافلهم تسافر بعدد قليل من الرجال المسلحين.

стр. 246

وقد أفصحت هذا السرايا عن شجاعة المسلمين؛ لأنهم خرجوا بأعداد قليلة للتصدي للقوافل المكية، وهي في حراسة مئات من الرجال المسلحين. ولم يحدث قتال في هذا السرايا، ومع ذلك فقد قامت بدورها في الاستطلاع، والمعرفة، وإرهاب كفار مكة، وتحييد سكان البوادي والأعراب، واختيار المكان المناسب للنزال والحرب ... الأمر الذي جعل المسلمين يخرجون لبدر حيث وقع القتال بينهم وبين أهل مكة وحدهم، من غير أن يساعد المكيين أحد. وأيضًا فلقد أدت هذه السرايا إلى تفتح أذهان الناس، وتطلعهم لمعرفة شيء عن الله الذي يدعو محمد ﷺ إلى الإيمان به، بعدما كانوا عنه منصرفين، وقد أدى ذلك إلى دخول كثير من الناس في الإسلام عقب غزوة بدر، لسابق علمهم به. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بظفر صاحب المال المغصوب إن تمكن منه، وبخاصة إن كان المغتصب متمردًا على الشرع، والقانون، مستدلا بخروج المسلمين لأخذ أموالهم المغصوبة من القوافل حين يظفرون بها، وقد أباحها الله تعالى لهم. ويرى المعارضون للظفر أن هذا الخروج كان في إطار سلطة شرعية، وكان استثناء للرسول ﷺ وصحابته. ولقد اشترك في هذه السرايا المهاجرون وحدهم لأنهم أصحاب الحق، وعليهم وحدهم أن يعملوا لاسترداده، والظفر به، أما غيرهم فلا حق لهم، ولو قاموا به لعد عدوانًا منهم، الأمر الذي يأباه الله ورسوله ﷺ .

стр. 247

المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى مدخل ... المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى تعرف غزوة "بدر"١ بأنها الغزوة الكبرى في الإسلام مع أنها كانت قليلة العدد بالنسبة لمن اشترك فيها، وبالنسبة لآثارها المادية ومع ذلك فهي الغزوة الكبرى لنتائجها المعنوية، وتأثيرها في العرب، وفي العالم كله. وقعت غزوة "بدر" هذه في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة. لقد تصور العرب وغيرهم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على المواجهة، وأنهم خرجوا من مكة هربًا من قوة المكيين، وأن الإسلام سيبقى معزولا مع أصحابه في المدينة المنورة. ولم تغير السرايا والغزوات التي وقعت قبل غزوة بدر هذا التصور تمامًا لانتهائها جميعًا بلا قتال، واستمر الأمر على ذلك حتى وقعت الغزوة، وتغير كل شيء، تغيرت المفاهيم، وتغيرت التصورات، وانمحت كل الآمال التي صنعها الكفار افتراء وكذبًا، وبدأ عهد جديد للدعوة إلى الله تعالى ولهذا كانت بدر هي الغزوة الكبرى. وحين نتناول الغزوة بالدراسة أرى ضرورة دراسة ما يلي:

стр. 248

أولا: أسباب الغزوة ترك المسلمون مكة، وتركوا فيها أموالهم، وديارهم، ليحافظوا على دينهم، ويتحركوا به للناس في أمن واستقرار، ولم يرتض القرشيون ذلك، فاستولوا على الأموال واغتصبوا الدور، وحرموا المهاجرين من اصطحاب نسائهم، وذراريهم، ومنعوهم من دخول المسجد الحرام. وحاولوا قتل رسول الله ﷺ وتعقبوه أثناء هجرته، وأخذوا يؤلبون أعراب البوادي ضد رسول الله ﷺ حتى أن "كرز بن جابر الفهري" أغار على المدينة١ واستاق بعض إبلها استهانة بقوة المسلمين. وحاول القرشيون تأليب غير المسلمين من سكان المدينة فأخذ اليهود وعبدة الأصنام، والمنافقون يجاهرون بعداوتهم لرسول الله ﷺ . ووجد المسلمون أنفسهم أمام عداوة ظاهرة، وحرب موجهة إليهم من كل جانب، ورأوا أن قريشًا تعمل بلا كلل في تكثير أعداء الإسلام، وتوحيد أنشطتهم، وأعمالهم لمحاصرة المسلمين في المدينة، والقضاء عليهم. رأى المسلمون ذلك، فتيقنوا من ضرورة العمل لحماية دينهم، وموطنهم، وأنفسهم، وتأكدوا من أهمية التأهب، والاستعداد لمواجهة هذا الإجرام المتنامي من أعداء الله تعالى. إن للمسلمين حقوقًا تركوها في مكة، فعملوا للوصول إليها وأخذها ليفيق المكيون من غيهم، ويتعلموا أن الأمن لن يتحقق لهم إلا بأداء حقوق الآخرين، وليعرفوا أن المهاجرين ليسوا هملا لا حقوق لهم، وليسوا جماعة خائفة لا تقدر على المواجهة. وكان الله تعالى مع حق المسلمين العادل، فأمرهم بالاستعداد، والتهيؤ، للتصدي لأعدائهم، وأنزل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ

стр. 249

رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ ٢. والآيات واضحة الدلالة في أن إعداد القوة، والتهيئة للقتال، وقبول التضحية، يضمن الحقوق، ويمنع الحرب؛ لأن العدو المعتدي إذا رأى أمامه قوة تخيفه، وترهبه يمسك عن الظلم، ويخشى عاقبة عدوانه على غيره. وإعداد القوة يرهب عدو المسلمين الظاهر، وهم أهل مكة، ويرهب كذلك العدو المستتر وهم المنافقون، واليهود، ومن على شاكالتهم من الأعراب والرعاة. وكانت السرايا والغزوات قبل بدر جزءًا من هذا الاستعداد، والمواجهة، وقد اشترك في هذه السرايا المهاجرون وحدهم لأنهم أصحاب حق مسلوب يبحثون عنه، ولذلك قصدوا القوافل التجارية لأهل مكة الذاهبة إلى الشام، أو العائدة منها, وفي نفس الوقت لإظهار قوتهم وعزيمتهم، وشجاعتهم أمام أعدائهم. ونلاحظ حكمة التوجيه النبوي لأصحابه في هذه السرايا والغزوات، فلقد تم توجيهها إلى أماكن عديدة، وإلى قبائل مختلفة تقطن الطرق بين مكة والمدينة. كما نلاحظ أن السرايا كما قصدت القوافل المتجهة إلى الشام قصدت القوافل المتجهة إلى اليمن أيضًا في مكان وزمن لم يتوقعه القرشيون، ذلك أن سرية عبد الله بن جحش اتجهت إلى "نخلة" وهي مكان بين مكة والطائف في الطرق المتجهة إلى الجنوب وكان هدف هذه السرية هو المراقبة والاستطلاع. وقضى الله تعالى بنجاة كل قوافل قريش، وعدم وقوع إحداها في يد المهاجرين ولذلك بقي الأمر على ما كان عليه، واستمر الإذن بالقتال للمظلومين الذين أخرجوا

стр. 250

من ديارهم، وسلبت أموالهم. وفي غزوة العشيرة خرج عدد من المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ للتصدي لقافلة قرشية أثناء ذهابها إلى الشام، ولكنها أفلتت منهم، فأخذ المسلمون يترقبون رجوعها، وأرسل النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله، وسعد بن زيد، إلى شمال المدينة لاكتشاف القافلة حين رجوعها، فقبعا في "الحوراء"١ حتى مرت بهم راجعة، فأسرعا إلى المدينة، وأخبرا رسول الله ﷺ برجوعها٢. كانت القافلة مكونة من ألف بعير محملة بثروات ضخمة، وكان يحرسها أربعون قرشيًا بقيادة أبي سفيان بن حرب٣. إن الاستيلاء على هذه القافلة فرصة طيبة للمهاجرين، وضربة قاصمة لأهل مكة، وإعلان واضح يظهر قوة المسلمين، ويبين حرصهم على نيل حقوقهم، ومدى عزتهم وشجاعتهم. أخذت الأحداث تجري بقدر الله إلى حيث يشاء وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها" ٤. فخرج عدد قليل بأسلحة عادية ظنًا منهم أنها واحدة من السرايا السابقة، وبخاصة أن الرسول لم يأمر بقتال، ولم يكلفهم به، وكانت الحالة التي تصورها المسلمون أن الخروج خاص بالمهاجرين ليأخذوا أموال القافلة عوضًا عن أموالهم، والذين خرجوا من الأنصار خرجوا لمساعدة إخوانهم، نظرًا لضخامة القافلة، ومصاحبة لرسول الله ﷺ .
следующие страницы →