← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد أفصحت هذا السرايا عن شجاعة المسلمين؛ لأنهم خرجوا بأعداد قليلة للتصدي للقوافل المكية، وهي في حراسة مئات من الرجال المسلحين. ولم يحدث قتال في هذا السرايا، ومع ذلك فقد قامت بدورها في الاستطلاع، والمعرفة، وإرهاب كفار مكة، وتحييد سكان البوادي والأعراب، واختيار المكان المناسب للنزال والحرب ... الأمر الذي جعل المسلمين يخرجون لبدر حيث وقع القتال بينهم وبين أهل مكة وحدهم، من غير أن يساعد المكيين أحد. وأيضًا فلقد أدت هذه السرايا إلى تفتح أذهان الناس، وتطلعهم لمعرفة شيء عن الله الذي يدعو محمد ﷺ إلى الإيمان به، بعدما كانوا عنه منصرفين، وقد أدى ذلك إلى دخول كثير من الناس في الإسلام عقب غزوة بدر، لسابق علمهم به. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بظفر صاحب المال المغصوب إن تمكن منه، وبخاصة إن كان المغتصب متمردًا على الشرع، والقانون، مستدلا بخروج المسلمين لأخذ أموالهم المغصوبة من القوافل حين يظفرون بها، وقد أباحها الله تعالى لهم. ويرى المعارضون للظفر أن هذا الخروج كان في إطار سلطة شرعية، وكان استثناء للرسول ﷺ وصحابته. ولقد اشترك في هذه السرايا المهاجرون وحدهم لأنهم أصحاب الحق، وعليهم وحدهم أن يعملوا لاسترداده، والظفر به، أما غيرهم فلا حق لهم، ولو قاموا به لعد عدوانًا منهم، الأمر الذي يأباه الله ورسوله ﷺ .

стр. 247

المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى مدخل ... المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى تعرف غزوة "بدر"١ بأنها الغزوة الكبرى في الإسلام مع أنها كانت قليلة العدد بالنسبة لمن اشترك فيها، وبالنسبة لآثارها المادية ومع ذلك فهي الغزوة الكبرى لنتائجها المعنوية، وتأثيرها في العرب، وفي العالم كله. وقعت غزوة "بدر" هذه في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة. لقد تصور العرب وغيرهم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على المواجهة، وأنهم خرجوا من مكة هربًا من قوة المكيين، وأن الإسلام سيبقى معزولا مع أصحابه في المدينة المنورة. ولم تغير السرايا والغزوات التي وقعت قبل غزوة بدر هذا التصور تمامًا لانتهائها جميعًا بلا قتال، واستمر الأمر على ذلك حتى وقعت الغزوة، وتغير كل شيء، تغيرت المفاهيم، وتغيرت التصورات، وانمحت كل الآمال التي صنعها الكفار افتراء وكذبًا، وبدأ عهد جديد للدعوة إلى الله تعالى ولهذا كانت بدر هي الغزوة الكبرى. وحين نتناول الغزوة بالدراسة أرى ضرورة دراسة ما يلي:

стр. 248

أولا: أسباب الغزوة ترك المسلمون مكة، وتركوا فيها أموالهم، وديارهم، ليحافظوا على دينهم، ويتحركوا به للناس في أمن واستقرار، ولم يرتض القرشيون ذلك، فاستولوا على الأموال واغتصبوا الدور، وحرموا المهاجرين من اصطحاب نسائهم، وذراريهم، ومنعوهم من دخول المسجد الحرام. وحاولوا قتل رسول الله ﷺ وتعقبوه أثناء هجرته، وأخذوا يؤلبون أعراب البوادي ضد رسول الله ﷺ حتى أن "كرز بن جابر الفهري" أغار على المدينة١ واستاق بعض إبلها استهانة بقوة المسلمين. وحاول القرشيون تأليب غير المسلمين من سكان المدينة فأخذ اليهود وعبدة الأصنام، والمنافقون يجاهرون بعداوتهم لرسول الله ﷺ . ووجد المسلمون أنفسهم أمام عداوة ظاهرة، وحرب موجهة إليهم من كل جانب، ورأوا أن قريشًا تعمل بلا كلل في تكثير أعداء الإسلام، وتوحيد أنشطتهم، وأعمالهم لمحاصرة المسلمين في المدينة، والقضاء عليهم. رأى المسلمون ذلك، فتيقنوا من ضرورة العمل لحماية دينهم، وموطنهم، وأنفسهم، وتأكدوا من أهمية التأهب، والاستعداد لمواجهة هذا الإجرام المتنامي من أعداء الله تعالى. إن للمسلمين حقوقًا تركوها في مكة، فعملوا للوصول إليها وأخذها ليفيق المكيون من غيهم، ويتعلموا أن الأمن لن يتحقق لهم إلا بأداء حقوق الآخرين، وليعرفوا أن المهاجرين ليسوا هملا لا حقوق لهم، وليسوا جماعة خائفة لا تقدر على المواجهة. وكان الله تعالى مع حق المسلمين العادل، فأمرهم بالاستعداد، والتهيؤ، للتصدي لأعدائهم، وأنزل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ

стр. 249

رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ ٢. والآيات واضحة الدلالة في أن إعداد القوة، والتهيئة للقتال، وقبول التضحية، يضمن الحقوق، ويمنع الحرب؛ لأن العدو المعتدي إذا رأى أمامه قوة تخيفه، وترهبه يمسك عن الظلم، ويخشى عاقبة عدوانه على غيره. وإعداد القوة يرهب عدو المسلمين الظاهر، وهم أهل مكة، ويرهب كذلك العدو المستتر وهم المنافقون، واليهود، ومن على شاكالتهم من الأعراب والرعاة. وكانت السرايا والغزوات قبل بدر جزءًا من هذا الاستعداد، والمواجهة، وقد اشترك في هذه السرايا المهاجرون وحدهم لأنهم أصحاب حق مسلوب يبحثون عنه، ولذلك قصدوا القوافل التجارية لأهل مكة الذاهبة إلى الشام، أو العائدة منها, وفي نفس الوقت لإظهار قوتهم وعزيمتهم، وشجاعتهم أمام أعدائهم. ونلاحظ حكمة التوجيه النبوي لأصحابه في هذه السرايا والغزوات، فلقد تم توجيهها إلى أماكن عديدة، وإلى قبائل مختلفة تقطن الطرق بين مكة والمدينة. كما نلاحظ أن السرايا كما قصدت القوافل المتجهة إلى الشام قصدت القوافل المتجهة إلى اليمن أيضًا في مكان وزمن لم يتوقعه القرشيون، ذلك أن سرية عبد الله بن جحش اتجهت إلى "نخلة" وهي مكان بين مكة والطائف في الطرق المتجهة إلى الجنوب وكان هدف هذه السرية هو المراقبة والاستطلاع. وقضى الله تعالى بنجاة كل قوافل قريش، وعدم وقوع إحداها في يد المهاجرين ولذلك بقي الأمر على ما كان عليه، واستمر الإذن بالقتال للمظلومين الذين أخرجوا

стр. 250

من ديارهم، وسلبت أموالهم. وفي غزوة العشيرة خرج عدد من المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ للتصدي لقافلة قرشية أثناء ذهابها إلى الشام، ولكنها أفلتت منهم، فأخذ المسلمون يترقبون رجوعها، وأرسل النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله، وسعد بن زيد، إلى شمال المدينة لاكتشاف القافلة حين رجوعها، فقبعا في "الحوراء"١ حتى مرت بهم راجعة، فأسرعا إلى المدينة، وأخبرا رسول الله ﷺ برجوعها٢. كانت القافلة مكونة من ألف بعير محملة بثروات ضخمة، وكان يحرسها أربعون قرشيًا بقيادة أبي سفيان بن حرب٣. إن الاستيلاء على هذه القافلة فرصة طيبة للمهاجرين، وضربة قاصمة لأهل مكة، وإعلان واضح يظهر قوة المسلمين، ويبين حرصهم على نيل حقوقهم، ومدى عزتهم وشجاعتهم. أخذت الأحداث تجري بقدر الله إلى حيث يشاء وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها" ٤. فخرج عدد قليل بأسلحة عادية ظنًا منهم أنها واحدة من السرايا السابقة، وبخاصة أن الرسول لم يأمر بقتال، ولم يكلفهم به، وكانت الحالة التي تصورها المسلمون أن الخروج خاص بالمهاجرين ليأخذوا أموال القافلة عوضًا عن أموالهم، والذين خرجوا من الأنصار خرجوا لمساعدة إخوانهم، نظرًا لضخامة القافلة، ومصاحبة لرسول الله ﷺ .

стр. 251

ثانيا: مواقف الفريقين قبل المعركة مدخل ... ثانيًا: مواقف الفريقين قبل المعركة فهم القرشيون غاية المسلمين من محاولة التعرض لقوافلهم التجارية، فأخذوا حذرهم للإفلات والهرب، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، يؤكد ذلك ما أشار أبو جهل به لأبي سفيان قبل رحيله من مكة قائلا له: "يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل بيثرب وأرسل طلائعه وإنما يريد أن ينال منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو أن تقاربوه١, وكانت آخر محاولات المسلمين خروجهم للاستيلاء على قافلة أبي سفيان بعد أن جاء خبر رجوعها من الشام وهي التي فرت منهم حين ذهابها إلى الشام، وأراد الله تعالى أن تقع غزوة "بدر" هذه المرة حيث نشب القتال، وكان ما كان من أحداث، وأحكام ويمكن توضيح موقف كل من المسلمين والقرشيين قبيل المعركة فيما يلي:

стр. 252

أ- موقف المسلمين: بعدما علم رسول الله ﷺ بعودة القافلة من الشام، وفيها ألف بعير محملة بتجارات قبائل مكة، تحت حراسة ثلاثين أو أربعين رجلا، أخبر رسول الله وأصحابه، وندبهم للخروج وهو يقول لهم: "هذه عير قريش فاخرجوا لعل الله أن ينفلكموها". انتدب الرسول أصحابه للخروج ولم يأمرهم، وترك الأمر لاختيارهم فخف بعضهم، وقعد الأكثرون، ظنًا منهم أنها واحدة من الغزوات السابقة التي أفلتت فيها القوافل، وتمكنت من الهرب، وعادوا بعدها إلى المدينة المنورة. ورأوا كذلك أن العدد الذي خرج مع رسول الله ﷺ كاف في أداء المهمة، ولم يتأهب الذين خرجوا للحرب التي فيها صناديد مكة، فلم يصطحبوا معهم كامل أسلحتهم وخيلهم١. وقد استعمل النبي ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ولما بلغ "الروحاء"٢ رد أبا لبابة إلى المدينة وولاه أمرها٣. وقد بلغت قوات المسلمين ثلاثمائة وخمسة عشر رجلا، معهم فرسان، وسبعون

стр. 253

بعيرًا، فأخذ الرجال يتعاقبون على الإبل "كل ثلاثة على جمل"١, وكان النبي ﷺ يتعاقب معهم٢ وساروا للقاء القافلة قرب "بدر" التي تبعد عن المدينة بمائة ميل تقريبًا في الجهة الجنوبية، في الطريق الذاهب إلى مكة. وكان خروج النبي ﷺ من المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من مهاجره، وضرب النبي ﷺ عسكره في بئر أبي عنبة٣ وهي على ميل جنوب المدينة، فعرض أصحابه ورد الصغار منهم، وبعدها واصل السير نحو بدر٤. وعندما اقترب الركب الإسلامي من "الذفراء" وهي قرية قريبة من "بدر" أرسل المسلمون عيونهم لمعرفة أخبار القافلة فجاءهم الخبر بما لم يتوقعوه. جاءهم الخبر بأن أبا سفيان بن حرب اكتشف خروج المسلمين لملاقاة القافلة، فغير طريقه إلى الساحل، تاركًا بدرًا إلى يساره، وأسرع في سيره حتى بعدت القافلة عن المسلمين، وفي نفس الوقت أرسل أبو سفيان لأهل مكة يستنجد بهم لإنقاذ تجارتهم من محاولة استيلاء المسلمين عليها. وصل المسلمون إلى "بدر" وعسكروا فيها يومين ليستريحوا من وعثاء السفر، وليرى الأعراب وغيرهم من تواجدهم في بدر مدى شجاعتهم وقوتهم، ويعرفوا استعدادهم للقتال من أجل حماية الحقوق، وصيانة المبادئ والخلق الكريم. ولما استقر رسول الله ﷺ وجنده في "بدر" علم أن أهل مكة خرجوا لملاقاة المسلمين في تحد سافر، واستعداد تام للقضاء على المسلمين والإسلام. وبرغم علم القرشيين أن القافلة التجارية نجت إلا أنهم أصروا على الحرب آملين تلقين المسلمين درسًا يمنعهم من التصدي لقوافلهم بعد ذلك، وحتى يعلم أهل الجزيرة قوة أهل مكة وشدتهم في الحرب واللقاء، وكان رأس الداعين إلى ضرورة محاربة المسلمين أبو جهل لعنه الله.

стр. 254

وجد رسول الله ﷺ نفسه والمسلمين معه أنهم أمام حرب فرضت عليهم بلا استعداد لها، ورأوا أن القتال أصبح ضرورة، وبخاصة أن الله تعالى وعدهم إحدى الطائفتين العير أو النفير، وما دامت العير قد فرت، فإن النفير أصبح قدر الله فيهم. نظر الرسول ﷺ إلى الموقف العام وتأمل في موقف أصحابه الذين خرجوا معه من المهاجرين والأنصار، ورأى أن المهاجرين أصحاب حق، ولذلك أذن الله لهم بالقتال ... ورأى ﷺ أن الأنصار لم يبايعوه يوم العقبة على القتال خارج المدينة، وإنما بايعوه على حمايته داخل المدينة وها هو القتال قد أتى وهم خارجها. رأى النبي ﷺ ذلك فبدأ يستشير أصحابه، ويأخذ رأيهم، فأدى أبو بكر وعمر برأيهما، ثم قام المقداد بن عمر بن الأسود فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه١. وسكت الناس بعد مقالة المقداد فقال رسول الله ﷺ : "أشيروا عليّ أيها الناس"، وكان ﷺ يريد بكلمته هذه الأنصار. فلما أحس الأنصار أن الرسول يريد سماع رأيهم، قام سعد بن معاذ وقال: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "أجل". قال سعد: لقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا، على السمع، والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا: إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله٢.

стр. 255

وبعد أن اطمأن رسول الله ﷺ إلى رأي الأنصار أخذ في التأهب للقتال الذي أصرت عليه قريش، واستعد جميع من معه ﷺ من المهاجرين والأنصار على قدر استطاعتهم لهذا اللقاء الذي فرض عليهم، وكان أملهم أن لا يقع قتال. وقدر الله أن يتم اللقاء، وتقع هذه الحرب لتكون فارقة بين الحق والباطل، وقد سبق أن وعدهم بتحقيق أحد أمرين: الغنيمة بعد القتال، أو الظفر بما تحمله القافلة من مال ومتاع وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ ١ فلما نجت القافلة وسقط الخيار الأول لم يبق إلا القتال الذي وعدوا بالنصر فيه والغنيمة منه. وقد رحب الجميع بالقتال، وساروا مع رسول الله ﷺ نحو بدر، وأخذوا يستعدون للقاء. ومن أهم أعمال الاستعداد للقتال في المعسكر الإسلامي ما يلي: ١- معرفة مكان القرشيين: بدأ النبي ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁ في البحث عن المكان الذي نزل فيه جيش قريش وأخذا يتجولان في منطقة "بدر" فإذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله ﷺ عن مكان جيش قريش، وعن مكان محمد وأصحابه "وإنما سأله عن مكان المسلمين حتى لا يعرف من هما". قال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ : "إذا أخبرتنا أخبرناك". قال: أو ذاك بذلك؟ قال ﷺ : "نعم". قال الشيخ: فإنه قد بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن

стр. 256

كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش المدينة- وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش مكة. ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ : "نحن من ماء". ثم انصرفا عنه. وبقي الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟ أم ماذا؟ ١. وبذلك علم النبي ﷺ مكان جيش قريش فنظم جيشه، وأخذ يعده للقاء. ٢- معرفة قوة العدو: كلف النبي ﷺ أربعة من قادة المهاجرين على رأس نفر من أصحابه، لتحري عدد العدو، ومدى قوتهم، والأربعة هم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وبسبس بن عمرو ﵃، فذهبوا إلى ماء بدر، فوجدوا سقاة قريش عنده فلما اقتربوا منهم حاولوا الفرار، فقبض الصحابة على ثلاثة هم: أبو يسار غلام أبي العاص بن سعيد، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، وجاءوا بهم إلى الرسول ﷺ وهو في الصلاة، فاستخبرهم القوم فقالوا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم قولهم، ورجوا أن يكونوا لأبي سفيان، فضربوهم ضربًا موجعًا، حتى اضطر الغلمان أن يقولوا: نحن لأبي سفيان، فتركوهم. ولما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة قال لهم كالعاتب: "إذا صدقوكم ضربتموهم وإذا كذبوكم تركتموهم، صدقوا والله إنهم لقريش". ثم خاطبهم قائلا: "أخبروني عن قريش". قالوا: هم وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهم رسول الله ﷺ : "كم القوم"؟. الوا: كثير. قال ﷺ : "ما عدتهم"؟.

стр. 257

قالوا: لا ندري. قال ﷺ : "كم ينحرون كل يوم"؟. قالوا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. قال ﷺ : "القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف". ثم قال لهم ﷺ : "فمن فيهم من أشراف قريش"؟. قالوا: عتبة، وشيبة، ابنا ربيعة، وأبو البحتري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف في رجال سمياهم. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" ١. ٣- النزول في مكان حيوي: تحرك النبي بجيشه نحو بدر، ونزل ليلا عند أدنى مياه في بدر مما يلي جهة المدينة، وهنا قال الحباب بن المنذر لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أرأيت هذه المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال ﷺ : "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنزله ونغور -أي نخرب ما وراءه من القلب- ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ : "لقد أشرت بالرأي". فنهض رسول الله ﷺ بالجيش، حتى وصل عند أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض، وغرروا ما عداها من القلب٢. ٤- تحديد المهام القتالية: جهز الرسول ﷺ جيش المسلمين للقتال وصف الصفوف، وعقد الألوية، وحدد لكل لواء شعاره.

стр. 258

يقول ابن سعد: وعقد رسول الله ﷺ يومئذ الألوية، وكان لواء رسول الله ﷺ يومئذ الأعظم، ولواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين، يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله، ويقال: بل كان شعار المسلمين جميعًا يومئذ: يا منصور أمت، ومن الممكن أن يكون هناك شعار خاص لكل فريق، وشعار واحد لهم جميعًا. وبنى لرسول الله ﷺ عريشًا، وقام سعد بن معاذ على بابه يحرسه، ونزل النبي ﷺ إلى الصفوف، فلما رأى القرشيين يتجهون إلى وادي بدر قال: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها، وفخرها، تحاربك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة" ١. أي أمتهم. ولما قرب اللقاء وقف النبي ﷺ وخطب في أصحابه وقال لهم بعد حمد الله والثناء عليه: "أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم عنه، فإن الله عظيم شأنه، يأمر بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله، على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم، وينجي به من الغم، وتدركون النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذركم، ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ انظروا الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وأعزكم به بعد ذلة، فاستمسكوا به يرضى به ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرًا تستوجبون الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم نستعين بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا، وعليه توكلنا، وإليه المصير، يغفر الله لي وللمسلمين"٢.

стр. 259

وقد بلغ عدد الذين خرجوا مع رسول الله ثلاثمائة وخمسة عشر رجلا، أغلبهم من الأنصار مع أنهم كانوا يعلمون أن الإذن بالقتال لم يكن لهم١. وجملة من خرج من المهاجرين أربع وثمانون صحابيًا، ومن الأوس واحد وستون ومن الخزرج مائة وسبعون. ٥- الجيش الإسلامي في رعاية الله: أرض وادي بدر رملية ناعمة، تؤذي من يسير عليها، ويتحرك فوقها، وقد شعر المسلمون بالتعب لطول السفر، وعدم النوم، وسيطر عليهم قلق الانتظار والترقب. وهنا تحوطهم رعاية الله تعالى فينزل عليهم المطر، وتتلبد الأرض، ويسهل عليهم السير ويغشاهم نعاس ألقاه الله عليهم لتهدأ خواطرهم، ويذهب تعبهم وذلك من فضل الله عليهم يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ ٢. وقد احتلم عدد من الصحابة فلما أصبحوا وجدوا الماء فاغتسلوا وتطهروا، وبذلك دخلوا المعركة أطهارًا، ناجين من رجس الشيطان، ثابتي الأقدام، مطمئني القلوب. ومكث الرسول ﷺ هذه الليلة في صلواته، ودعائه ليصبح على يوم اللقاء والمعركة وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة حيث كان نصر الله تعالى. وفي صباح يوم الجمعة تراءى الجمعان فقال رسول الله ﷺ : "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك، وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة" ٣. وعدل رسول الله ﷺ صفوف المسلمين، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، قد كان في يده قدح يعدل به، وكان "سواد بن غزية" خارجًا عن الصف فدفع النبي ﷺ

стр. 260

القدح في بطنه ليتساوى مع الصف, فاشتكى سواد وجع القدح إلى رسول الله ﷺ . فقال له ﷺ : "استقد مني". وهنا اعتنق سواد النبي ﷺ وقبل بطنه. فقال ﷺ : "ما حملك على هذا يا سواد"؟. قال سواد: يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير١. ولما أتم ﷺ تعديل الصفوف، أصدر أوامره إلى جيشه، بأن لا يبدءوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب فقال: "إذا أكثبوكم، يعني كثروكم فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم"٢, ثم رجع إلى العريش ومعه أبو بكر، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش. وبعد أن سوى ﷺ الصفوف، وتهيأ الجميع للقتال أرسل إلى القرشيين عمر بن الخطاب ﵁ في فرصة أخيرة يقول لهم: "ارجعوا فإنه إن يل هذا الأمر مني غيركم أحب إليّ من أن تلوه مني، وأن آليه من غيركم أحب إليّ من أن آليه منكم". فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصحًا فاقبلوه، فوالله لا تنتصرون عليه بعدما عرض من النصح، فأبوا النصيحة، وأصروا على القتال٣. وهكذا يبدو الخلق الإسلامي من توجيهات رسول الله ﷺ بعدم البدء في القتال، وعدم استعمال سلاح إلا إذا استعمله الأعداء أولا، فإن كان الرمي بالنبال يكون الرد بالنبال، وإن سلوا السيوف فلا مانع من الرد بها، وفي إرسال عمر لهم بيان تام لرغبة المسلمين في السلام الكريم الذي لا يضيع الحقوق.

стр. 261

ب- موقف القرشيين: أرسلت قريش عيرها إلى الشام، في قافلة ضخمة، بقيادة أبي سفيان بن حرب، وكانت القافلة مكونة من ألف بعير، فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي، ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في هذه العير، فأدركهم رجل من جذام بـ"الزرقاء"١ من ناحية "معان"٢ -وهم منحدرون إلى مكة- فأخبر أبا سفيان أن محمدًا ﷺ كان قد عرض لغيرهم في بدأتهم، وأنه تركه مقيمًا ينتظر رجعتهم، وقد حالف أهل الطريق، ووادعهم، فخرجوا خائفين الرصد، وبعثوا "ضمضم بن عمرو" حين فصلوا من الشام، وأمره أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية أن يخبر قريشًا أن محمدًا قد عرض لغيرهم، وأمره أن يجدع بعيره إذا دخل مكة، ويحول رحله، ويشق قميصه من قبله ودبره، ويصيح: الغوث الغوث. فلم يرع أهل مكة إلا وضمضم يقول: يا معشر قريش! يا آل لؤي بن غالب اللطيمة اللطيمة! قد عرض لها محمد في أصحابه، الغوث الغوث! والله ما أرى أن تدركوها، وقد جدع أذني بعيره، وشق قميصه، وحول رحله، فلم تملك قريش من أمرها شيئًا حتى نفروا على الصعب والذلول، وتجهزوا للحرب في ثلاثة أيام، وأعان قويهم ضعيفهم، وقام سهيل بن عمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن أبي سفيان، يحضون الناس على الخروج. فقال سهيل: يا آل غالب، أتاركون أنتم محمدًا والصباة من أهل يثرب يأخذون عيراتكم وأموالكم؟ من أراد مالا فهذا مالي، ومن أراد قوة فهذه قوتي، فمدحه أمية بن أبي، وأيده في تهييج أهل مكة. ومشى نوفل بن معاوية الديلمي إلى أهل القوة من قريش، فكلمهم في بذل النفقة والحملان، لمن خرج، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت

стр. 262

وأخذ من حويطب بن عبد العزى مائتي دينار، وثلاثمائة دينار لتقوية السلاح، والظهر. وحمل طعيمة بن عدي على عشرين بعيرًا، وقواهم، وخلفهم في أهله بمعونة ومال, ولم يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثًا، فلما مشوا إلى أبي لهب أبى أن يخرج، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان مدينًا له بأربعة آلاف درهم. قال أبو لهب للعاص: اخرج، وديني لك فخرج عنه وتحمل أبو لهب ما وعد به. واستقسم أمية بن خلف، وعتبة، وشيبة، عند هبل بالآمر بالخروج والناهي عنه فخرج القدح الناهي، وأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل واستقسم زمعة بن الأسود فخرج الناهي أيضًا، وكذلك خرج لعمير بن وهب، وخرج حكيم بن حزام وهو كاره لمسيره، بعدما خرج له القدح الناهي مثل غيره، فلما نزلوا مر الظهران نحر أبو جهل جزرًا وزعها عليهم، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها وأخذ عداس يخذل شيبة، وعتبة بن ربيعة، والعاصي بن منبه بن الحجاج، وأبا أمية بن خلف فأتاه عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل فعنفاه. فقال: ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي، فابتاعوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فخرج بها مع الجيش، أملا في أن يفر بها حين الهزيمة التي يتوقعها، وأقبل القرشيون في تجمل عظيم، وحنق زائد، على رسول الله ﷺ وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم وتجرؤهم على قوافلهم ورجالهم١. وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت رؤيا قبل مجيء ضمضم بثلاث ليال، رأت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يالغدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله قام به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ بمثلها، ثم قام به على رأس جبل أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فرماها فتفتتت ودخلت كل بيوت مكة ... وعاشت الرؤيا في مكة وخاف منها الكثير غير أبي جهل فإنه سخر منها٢.

стр. 263

فكان عمرو بن العاص يحدث فيقول: لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس، فلقد كان ذلك عبرة، ولكن الله لم يرد أن نسلم يومئذ فأخر إسلامنا إلى ما أراد. ولم يدخل دارًا ولا بيتًا من دور بني هاشم ولا بني زهرة من تلك الصخرة شيء١. تمكن أبو سفيان من الإفلات بالقافلة؛ لأنه علم بخروج المسلمين للاستيلاء عليها فلما اقترب من بدر أخذ طريق الساحل، بعد أن علم بوصول المسلمين إليها، ذلك أنه كان يسير على الطريق الرئيسي حذرًا متيقظًا، وقد ضاعف حركاته الاستكشافية. ولما اقترب من بدر تقدم عيره، حتى لقي "مجدي بن عمرو" وسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدًا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا أبو سفيان بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها القرشيون عند وصولهم إلى الجحفة٢. وخرج الجيش القرشي، بعدته، وعتاده، وقد بلغ عدده تسعمائة وخمسين رجلا، بقيادة عدد من صناديد مكة، وكان معهم مائتا فرس، وعدد كبير من الإبل لركوبهم، وحمل أمتعتهم ومئونة طعامهم، وليتاجروا فيها، وفي أحمالها، بعد تحقيق النصر الذي تصوروه مؤكدًا. وقبل أن يتحرك جيش الشرك أخذ القرشيون لأنفسهم الأمان من "كنانة" بعدما قال لهم مالك بن جعشم المدلجي، وهو من أشراف كنانة: "أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه".

стр. 264

وقد كره أهل الرأي أن يخرجوا للقتال بعد نجاة القافلة، ومشى بعضهم لبعض في ذلك إلا أن دعاة الحرب، وعلى رأسهم أبو جهل "عمرو بن هشام" جعلوا يحرضون على الخروج، ويحضون على القتال، حتى تمكنوا من غايتهم، ولم يخالفهم إلا بنو زهرة وبنو عدي ونفر من بني هاشم. أما بنو زهرة فقد قال لهم الأخنس بن شريك حليفهم: يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم أن تخرجوا في غير منفعة، لا كما يقول هؤلاء فرجعوا، وكانوا نحو المائة، ويقال ثلاثمائة، فما شهدها زهري إلا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري، وقتلا كافرين ببدر. واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا. وأما بنو عدي بن كعب فقد خرجوا مع الجيش حتى وصلوا إلى ثنية "لفت"١ وهي مكان بين مكة والمدينة، فعدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فقابلهم أبو جهل فقال لهم: يا بني عدي كيف رجعتم؟ لا في العير ولا في النفير؟ قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع، فرجعنا. وأما بنو هاشم: فإنهم لما أزمعوا التخلف قال لهم أبو جهل: لا تفارقنا هذه العصابة منكم حتى نرجع. ولم يترك أبو جهل شخصًا من مكة، كارهًا للخروج، أو مسلمًا يعلمون إسلامه ولا أحدًا من بني هاشم إلا وأشخصوه معهم بما بذلوه من جهد وحيلة، وكان على رأس من أخذوهم معهم: العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وأبو العاص بن الربيع. وقد حاول أبو سفيان صرف قريش عن الخروج، فأرسل إليهم رسالة حملها قيس بن امرئ القيس، وجاء فيها: "إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها لله فارجعوا"٢.

стр. 265

فلما علم أبو جهل بالرسالة قال: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم ثلاثًا فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها. وواصل جيش قريش مسيرته نحو بدر حتى وصل إلى العدوة القصوى فبات عندها. وقد قام القرشيون بعدد من العمليات عند بدر استعدادًا للقتال، إلا أن الله تعالى أخزاهم، وجعل تخطيطهم وسعيهم وبالا عليهم، يتضح ذلك من أعمالهم التالية: ١- اختيار المكان: اختار القرشيون لأنفسهم مكانًا حيويًا نزلوا فيه عند العدوة القصوى في بطن الوادي حيث قربه من الماء، وأرضه صخرية لا تسيح فيه الأقدام، بينما نزل المسلمون في أرض رملية، بعيدًا عن الماء وذلك يمنعهم من الحركة، ويوقع بهم الظمأ. اشتد الأمر بالمسلمين وأصابهم التعب والظمأ، بينما كان الماء وفيرًا لدى القرشيين، والأرض تحت أقدامهم صلبة وأراد الله تعالى بقدرته وحكمته أن يبدل الأمر ويغير الحال فأنزل في ليلة المعركة مطرًا كثيرًا ألحق الأذى بالكفار، ومنعهم من التقدم، وشق عليهم أن يتحركوا فوق الصخر المبلل بالماء أما المسلمون فقد تطهروا، وتصلب الرمل تحت أقدامهم وسهل المشي، وثبتت الأقدام، وملئوا أسقيتهم وشربوا، وسقوا إبلهم. وهكذا تحولت مزية المكان الذي اختاره القرشيون إلى سوأة ألمت بهم. ٢- محاولة تخريب معسكر المسلمين: نظر القرشيون إلى معسكر المسلمين فوجدوا أن المسلمين قد بنوا حوضًا وملئوه ماء وخربوا ما عداه فأرسلوا نفرًا منهم لهدم الحوض، وإسالة مائه فحاول المسلمون طردهم، ومنعهم من الاقتراب، فقال ﷺ : "دعوهم يشربون، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل سوى حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان إذا اجتهد في اليمين فيما بعد يقول: لا والذي نجاني من يوم بدر وهكذا ضلت محاولة القرشيين في تخريب حوض المسلمين". ٣- معرفة عدد المسلمين: اطمأنت قريش لمنزلتها في بدر فبعثت "عمير بن وهب الجمحي" للتعرف على مدى

стр. 266

قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول المعسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين، أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا فرجع إليهم، فقال: ما وجدت شيئًا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة، ولا ملجأ، إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم وأنى لهؤلاء القوم لهم أن يفكروا ويتدبروا، ودعاة الحرب فيهم تنذر وتحرض وتحول بينهم وبين التعقل والفهم السليم!! ٤- مقاومة معارضي القتال: قامت معارضة ضد أبي جهل -المصمم على المعركة- تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل دية حليفك عمرو بن الحضرمي -المقتول في سرية النخلة. فقال عتبة: قد فعلت، أنت ضامن عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عقله، وديته وما أصيب من ماله. ثم قال عتبة لحكيم بن حزام: فائت ابن الحنظلية "أبا جهل" فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره. ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبًا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تقتلوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون.

стр. 267

وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل -وهو يهيئ درعًا له- فقال له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني بكذا وكذا. فقال أبو جهل: انتفخ والله سرحه حين رأى محمدًا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال: ولكنه رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه "وهو أبو حذيفة بن عتبة، كان قد أسلم قديمًا، وهاجر" فتخوفكم عليه. ولما بلغ عتبة قول أبي جهل "انتفخ والله سحره"، قال عتبة: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ ١. وتعجل أبو جهل الحرب مخافة أن تقوى هذه المعارضة، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي -أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد الله بن جحش- فقال: هذا حليفك "أي عتبة" يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك، فقام عامر، فكشف عن استه، وصرخ: واعمراه واعمراه فحمي القوم، واشتد أمرهم وانفعلوا لثأرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر٢. وبذلك أفسد أبو جهل على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، وتغلب الطيش على الحكمة، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى.

стр. 268

ثالثًا: أحداث المعركة التقى الجمعان وجهًا لوجه، وفي صباح يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني من هجرة النبي ﷺ بدأ القتال وكان الجو حارًا. وكانت بدايته عدوانًا قرشيًا ضد المسلمين، فلقد جاء الأسود بن عبد الأسد المخزومي، ودنا من حوض ماء المسلمين وقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض، فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وحمزة يتبعه فضربه في الحوض، فقتله١. وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين، فثبتوا على حقهم، ولم يزولوا، وشد عليهم عامر بن الحضرمي، ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع بن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقلته عامر بن الحضرمي، ومهجع هو أول شهيد قتل من المهاجرين٢. وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال قتله حبان بن عرقة ويقال عمير بن الحمام قتله خالد بن الأعلم العقيلي٣. دنا الجيشان بعضهم من بعض، وخرج عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتيان من الأنصار وهم، معوذ، وعوف ابنا عفراء، ثالثهم عبد الله بن رواحة، فاستحيا رسول الله ﷺ ، وكره أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين من الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة بين بني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم، وقال لهم خيرًا. ثم نادى منادى المشركين: يا محمد أخرج إلينا الأكفاء من قومنا. فقال ﷺ : يا بني هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث نبيكم به، إذا جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله. فقام علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فمشوا إليهم، وكان علي ﵁ معلمًا بصوفة بيضاء. فقال عتبة لابنه: قم يا وليد، فقام فقتله علي. ثم قام عتبة فقتله حمزة. ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة فضربه شيبة ضربة فقطع ساقة، فكر حمزة وعلي فقتلا

стр. 269

شيبة واحتملا عبيدة إلى الصف فنزلت فيهما هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ ١"٢. واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعلم، فأحنه الغداة اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك فانصره اليوم٣ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. وبذلك حكم أبو جهل على نفسه. وأخذ أبو جهل يصيح في قومه ويقول: لنا العزى ولا عزى لكم. فنادى منادي رسول الله ﷺ : الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار٥. وتصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يذمر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٦ فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة، فضرب صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر٧. وأقبل أبو جهل يحض المشركين على القتال بكلام كثير، ويهون عليهم ما شاهدوه

стр. 270

من صورة سراقة بن مالك وقال لهم: يا معشر الناس لا يهمنكم خذلان سراقة فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة، وشيبة، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقيد محمدًا وأصحابه، ونربطهم بالحبال، ولا ألفين رجلا منكم قتل رجلا واحدًا منهم فقط، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم١. اتسع نطاق المعركة، وأجهد المسلمون أعداءهم، والنبي في العريش يدعو على أعداء الله، ويحرض المسلمين على القتال، يقول لهم ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة". تعلق أمل المسلمون في معونة الله وبذلوا للنصر كل طاقتهم، وأخذوا في الاستعانة والدعاء حتى أتاهم المدد الإلهي العظيم، وعنه يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٢. وهكذا جاءت الملائكة في صورة متتابعة استجابة لاستغاثة المجاهدين في بدر. يقول ابن إسحاق: خفق النبي ﷺ خفقة في العريش فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ثنايا النقع٣. وأخذ ﷺ ينادي ربه ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض فما زال ﷺ يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر ﵁ يقول له: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك٤. يقول ﷺ : "إن الملائكة قد سومت فسوموا، فأعلموا بالصوف في مغازهم وقلانسهم"، وكان أربعة يعملون في الزحوف، فكان حمزة معلمًا بريشة نعامة، وعلي معلمًا بصوفة بيضاء، والزبير معلمًا بعصابة صفراء، وأبو دجانة معلمًا بعصابة حمراء٥.

стр. 271

يقول سهيل بن عمرو: ولقد رأيت يوم بدر رجالا بيضًا، على خيل بلق، بين السماء والأرض، معلمين، يقتلون، ويأسرون١. ويقول أبو أسيد الساعدي، "بعد أن ذهب بصره": لو كنت معكم الآن ببدر "ومعي بصري" لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى٢. وكان ابن عباس يحدث أن أبا رهم الغفاري قال: أقبلت أنا وابن عم لي يوم بدر حتى أصعدنا في جبل "ونحن مشركان" ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننتهب مع من ينتهب "فبينا نحن في الجبل" إذ رأيت سحابة دنت منا، فسمعت فيها حمحمة الخيل وقعقعة الحديد، وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت، وأتبعت البصر حيث تذهب السحابة، فجاءت إلى النبي ﷺ وأصحابه، ثم رجعت وليس فيها شيء مما كنت أسمع٣. يقول رسول الله ﷺ : "ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدخر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رؤي يوم بدر". قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال ﷺ : "أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة". وقال ﷺ يومئذ: "هذا جبريل يسوق الريح كأنه دحية الكلبى، إني نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" ٤. وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النبي ﷺ أحدهما وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم يليهما ثالث من خلفه، ثم رابعهما رابع أمامه٥.

стр. 272

وعن صهيب ﵁: ما أدرى كم يد مقطوع، أو ضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر قد رأيتها١. وعن أبي بردة بن نيار ﵁ قال: جئت يوم بدر بثلاثة رءوس فوضعتهن بين يدي رسول الله فقلت: يا رسول الله، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا أبيض، طويلا، ضربه، فتدهده أمامه فأخذت رأسه. فقال ﷺ : "ذاك فلان من الملائكة". وعن ابن عباس: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس تثبيتًا للمسلمين فيقول: إني قد دنوت منهم فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيء، وذلك قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٢. وعن حكيم بن حزام: لقد رأيتنا يوم بدر، وقد وقع بوادي خلص بجاد من السماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا، فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد الله به محمدًا ﷺ فما كانت إلا الهزيمة لحقت بجيش الكفر، وما كان النمل إلا الملائكة٣. وعن ابن عباس ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ بعنان فرسه وعليه أداة الحرب" ٤. وعن ابن عباس ﵁ قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه فإذا به يسمع ضربة السوط، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فينظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا وقد خطم أنفه، وشق وجهه، من ضربة السوط ويخضر ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة" ٥.

стр. 273

وروى البيهقي عن السائب بن أبي حبيش ﵁ وكان مع المشركين في بدر أنه كان يقول: والله ما أسرني أحد من الناس. فيقال له: فمن؟ فيقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها، فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباطًا١. وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطًا، فنادى في العسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: "يابن أبي حبيش من أسرك"؟. فقلت: لا أعرفه، وكرهت أن أخبره بالذي رأيت. وهنا قال ﷺ : "أسرك ملك من الملائكة" ٢. وروى ابن سعد وأبو الشيخ بن عطية بن قيس قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من قتال بدر جاء جبريل على فرس أنثى أحمر، عليه درعه، ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك وأمرني ألا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال ﷺ : "نعم، رضيت". فانصرف٣. روى أبو يعلى عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في غزوة بدر إذ تبسم في صلاته، فلما قضى صلاته قلنا يا رسول الله: رأيناك تبسمت، قال: "مر بي ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إليّ فتبسمت إليه" ٤. وروى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ ". قلنا: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها. قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة٥. وروى ابن سعد عن عكرمة قال: كنا يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من

стр. 274

ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربه١. ونهى رسول الله يومئذ عن قتل بني هاشم، فقال: "من لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله" ٢. ونهى عن قتل العباس بن عبد المطلب. ونادى مناديه: من أسر أم حكيم بنت حزام فليخل سبيلها فإن رسول الله قد أملها وكان قد أسرها رجل من الأنصار، وكتفها بذؤابتها فلما سمع المنادى خلى سبيلها. ونهى ﷺ أيضًا عن قتل أبي البختري فقتله أبو داود المازني، ويقال قتله المجذر بن زياد, ونهى عن قتل الحارث بن عامر بن نوفل فقتله خبيب بن يساف ولا يعرفه. ونهى عن قتل زمعة بن الأسود فقتله ثابت بن الجذع ولا يعرفه٣. ولما التحم القتال كان رسول الله ﷺ رافعًا يديه يسأل الله النصر، وما وعده، وأمر ﷺ فأخذ من الحصا كفًا فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه، اللهم أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم" ٤, فانهزم أعداء الله لا يلوون على شيء، وألقوا دروعهم، والمسلمون يقتلون، ويأسرون، وما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعيناه، وما يدري أين يتوجه والملائكة يقتلونهم وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٥. وجمح بعقبة بن أبي معيط فرسه، فأخذه عبد الله بن سلمه العجلاني، فأمر النبي ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح فضرب عنقه صبرًا، وصدق الله رسوله ﷺ في قوله لعقبة: "إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرًا". وبينا عبد الرحمن بن عوف ﵁ يجمع أدرعًا، بعد أن ولى الناس، إذا هو بأمية

стр. 275

ابن خلف، وابنه علي، فأخذ يسوقهما أمامه فأبصره بلال فنادى: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجا! فأقبلوا حتى طرح أمية على ظهره، وقطع الحباب بن المنذر أرنبة أنفه، وضربه خبيب بن يساف حتى قتله١. وقتل عمار بن ياسر ﵁ علي بن أمية بن خلف. وقتل الزبير بن العوام ﵁ عبيدة بن سعيد بن العاص. وقتل أبو دجانة ﵁ عاصم بن أبي عوف بن ضبيرة السهمي. وقتل علي ﵁ عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، وحرملة بن عمرو وهو يراهما أبا جهل. وقتل حمزة ﵁ أبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، وهو يراه أبا جهل. وكان أبو جهل في مثل الحرجة "هي الشجر الملتف" والمشركون يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فصمد معاذ بن الجموح إلى أبي جهل فضربه ضربة، وطرح رجله من الساق، فأقبل عليه عكرمة بن أبي جهل فضربه على عاتقه فطرح يده من العاتق، وبقيت الجلدة، فوضع معاذ عليها رجله، وتمطى بها عليها حتى قطعها، وضربه مع معاذ، معوذ وعوف ابنا عفراء فنفل رسول الله ﷺ معاذًا سيف أبي جهل ودرعه وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم والأموال، ويأخذون الأسرى، فرحين بنصر الله تعالى.

стр. 276

رابعًا: نتائج المعركة لم تغرب شمس يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني للهجرة إلا وقد تم النصر لجند الله في بدر، وتأكد المسلمون المجاهدون من نصر الله تعالى، بعدما رأوا الملائكة تنزل عليهم في صورة بشرية، معونة، وتثبيتًا، وأسفرت المعركة عن هزيمة ساحقة لكفار مكة، وانتصار كبير للمسلمين، وكان لهذا النصر صدى واسع في الجزيرة العربية كلها. وقد لقي سبعون من صناديد مكة مصرعهم في بدر، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيدة والعاص ابنا سعيد بن العاص، وعقبة بن أبي معيط, وغيرهم من القادة والزعماء كما أسر منهم سبعون آخرون١. وفر الباقون إلى مكة تاركين وراءهم الأموال وكثيرًا من الإبل، والخيل التي كانت في صحبتهم. وقد حفر المسلمون قليبًا، دفنوا فيه قتلى المشركين، بعدما أمرهم ﷺ بإلقائهم فيه دفعة واحدة. ذلك أن رسول الله ﷺ كان إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه، مؤمنًا كان أو كافرًا، احترامًا لإنسانيته، وإلقاء القتلى في القليب من هذا الباب، إلا أنه ﷺ كره أن يشق على أصحابه بكثرة جيف الكفار أن يأمر بدفنهم، واحدًا، واحدًا، فرأى أن دحرجتهم إلى القليب جملة أيسر عليهم وعلى المسلمين فأمر به، وبخاصة أن نتن الجيف قد انتشرت لبقائها في العراء مدة ليست قليلة. وقد أمر النبي ﷺ بإلقاء القتلى جميعًا في القليب بأجسادهم، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل جسده وتقطع، فأهالوا عليه التراب حيث هو، ووقف الرسول على القليب ثم قال: "يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني

стр. 277

قد وجدت ما وعدني ربي حقًا؟ بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس". قال المسلمون: يا رسول الله تنادي قومًا قد ماتوا؟ قال ﷺ : "قد علموا أن ما وعدهم ربهم حق" ١. وقال السدي عن مقسم عن ابن عباس: وقف رسول الله ﷺ على قتلى بدر فقال: "جزاكم الله عني من عصابة شرًا فقد خونتموني أمينًا، وكذبتموني صادقًا"، ثم التفت إلى أبي جهل فقال: "هذا أعتى على الله من فرعون، إن فرعون لما أيقن بالهلكة وحد الله، وإن هذا لما أيقن بالهلكة دعا باللات والعزى". وأما الأسرى والجرحى فقد اهتم بهم رسول الله ﷺ وأخذهم إلى المدينة، وفرق الأسرى على أصحابه لإعالتهم، ورعايتهم وقال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرًا". وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى. يقول أخو مصعب: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم، وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها. وقد استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا وهم ﵃: ١- عبيدة بن الحارث ﵁. ٢- عمير بن أبي وقاص ﵁. ٣- عمير بن الحمام من بني سلمة ﵁. ٤- سعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف من الأوس ﵁. ٥- ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة ﵁. ٦- مبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف ﵁.

стр. 278

٧- عاقل بن البكير الليثي ﵁. ٨- مهجع مولى عمر حليف بني عدي ﵁. ٩- صفوان بن بيضاء الفهري ﵁. ١٠- بيضاء الفهري ﵁. ١١- يزيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج ﵁. ١٢- رافع بن المعلى ﵁. ١٣- حارثة بن سراقة وهو ابن عمة أنس بن مالك خرج نظارًا، وهو غلام، فأصابة سهم فقتله ﵁. ١٤- عوف، ومعوذ ابنا العفراء وكان سنهما أربع عشرة سنة١ ﵄ وهؤلاء الشهداء منهم ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. وقد أحاط الله شهداء المسلمين بالخير، وميزهم بالفضل، وأحاطهم بالنعيم. يروي البخاري عن رفاعة ابن رافع الزرقي ﵁، وكان من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال ﷺ : "من أفضل المسلمين"، أو كلمة نحوها. قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة٢. وروى أبو داود وابن ماجه والطبراني بسند جيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اطلع الله تعالى على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٣. وروى مسلم والترمذي عن جابر ﵁ أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا إليه فقال: يا رسول الله ﷺ ليدخلن حاطب النار، فقال: "كذبت لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرًا والحديبية" ٤. وفي الصحيح عن علي ﵁ في قصة كتاب حاطب وأن عمر بن الخطاب قال: يا رسول

стр. 279

الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "أليس من أهل بدر؟ ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال فقد وجبت لكم الجنة" ١. وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: أصيب حارثة بن زيد ببدر فجاءت أمه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى فترى ما أصنع؟ فقال ﷺ : "ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس" ٢. وإنما استحق أهل بدر كل هذا الفضل؛ لأنهم قدموا أنفسهم لنصر دين الله تعالى، فجعل الله ذنوبهم بعد ذلك تقع مغفورة، كما أنهم لصفاء أرواحهم، وصدق إيمانهم لا يقع الذنب منهم إلا خطأ، وبصورة نادرة. والمغفرة المذكورة تتعلق بأحكام الآخرة، وبحقوق الله تعالى، أما أحكام الدنيا وحقوق الناس فلا بد من استيفائها، وأدائها لأصحابهما بعدما حدثت. ومن مواقف المسلمين في بدر ما حدث من عمير بن الحمام الأنصاري فلقد روى الإمام أحمد في مسنده أنه ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ فقال ﷺ : "نعم". فقال عمير: بخ بخ. فقال ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟. قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال ﷺ : "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قرته، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم رمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.

стр. 280

خامسًا: قريش والهزيمة تقهقرت فلول جيش مكة، وولوا الأدبار في الظلام وأسرعوا فارين إلى مكة، وشربوا من الكأس التي أذاقوه لغيرهم كثيرًا. وقد أخذ المتخلفون في مكة يتحسسون أخبار المعركة، وكان أول خبر أتاهم من "الحيسمان بن إياس الخزاعي" الذي وصل إلى مكة. فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البحتري بن هشام. فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر، والله إن يعقل هذا لقد طار قلبه، فسلوه عني. فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك قاعد في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. يروي ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير، متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، "كبته الله تعالى وأخزاه" ووجدنا في أنفسنا قوة، وعزة، وكنت أعمل الأقداح في حجرة زمزم، فوالله إني جالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فطان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. فقال أبو لهب: هلم إلي يابن أخي فعندك لعمري الخبر. فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس، فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا،

стр. 281

ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئًا ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، وثاورته فاحتملني، وضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت، استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته١, وكانت نهاية أبي لهب على نحو يعادل جريمته لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشائم بها ويرون أنها تعدي أشد العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثة أيام، لا يقترب أحد من جثته، ولا يحاول أحد دفنه، فلما خاف بنوه السبة في تركهم له دفعوه بعصا في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى تغطت جثته٢. يروي بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ناحت قريش على قتلاها بمكة شهرًا، وجز النساء شعورهن، وما أن يؤتى براحلة الرجل منهم، أو بفرسه، إلا وتوقف بين أظهر النساء، ويسترنها بالستور حولها، وينحن حولها، ويخرجن إلى الأزقة صائحين ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشمتوا فيكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، حتى لا يتعالى عليكم محمد وأصحابه في الفداء. وشعر القرشيون بعد هزيمتهم في بدر بهوان شديد عملوا على التخلص منه، فلما عادوا إلى مكة وجدوا أن أبا سفيان أوقف عير القافلة والأموال التي عاد بها من الشام في دار الندوة، ولم يحركها، ولم يوزعها على أصحابها، فاتفق كبراؤهم على أن يجهزوا بها جيشًا كثيفًا لقتال محمد ﷺ والأخذ بثأر هزيمتهم في بدر، فباعوا الإبل التي بلغت ألف بعير، وضموها إلى الأموال التي بلغت خمسين ألف دينار، بعد أن أخذوا أرباحهم، وقدرها خمسون ألفًا أخرى، وكان الدينار يربح مثله٣.

стр. 282

كما قاموا بتشكيل مجموعة من رجالهم، لتدور على العرب في البوادي، وتؤلبهم على رسول الله ﷺ وتحضهم على قتال المسلمين في المدينة، وقد تكونت هذه المجموعة من عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعري، وأبي غرة عمرو بن عبد الله الجمحي، وقد استمع العرب لهؤلاء ونفروا مع قريش في غزو أحد١. وبذلك أشعلت قريش نار الحرب في الجزيرة كلها، وأخذت تعد عدتها لحرب شاملة وكان من الضروري أن يكلف المسلمون بقتال من يعتدي عليهم، وهنا كان فرض الجهاد مقيدًا بقتال المعتدي، وهو المرحلة الثانية في تشريع الجهاد.

стр. 283

سادسا: المسلمون في إطار انتصار بدر الاختلاف في توزيع الغنائم ... سادسًا: المسلمون في إطار انتصار بدر تحقق النصر للمسلمين في بدر، وقد استشهد منهم أربعة عشر شهيدًا، وغنموا ما كان مع القرشيين من عتاد، وأموال، وقد أقام النبي ﷺ والمسلمون بعد المعركة في بدر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذوا في الرجوع إلى المدينة بعد أن انتهوا من دفن الشهداء ووضع قتلى المشركين في القليب. وقد عاش المسلمون بعد النصر الحقائق التالية: ١- الاختلاف في توزيع الغنائم: عندما أتم النبي ﷺ تسوية الصفوف قال للمجاهدين: "من قتل قتيلا فله سلبه، من أسر أسيرًا فهو له"، فلما انهزم المشركون تفرق المجاهدون إلى أعمال متعددة فمنهم من وقف عند خيمة النبي ﷺ يحرسه، ومنهم من أغار على الأعداء ليهزمهم، ويقتلهم، ومنهم من اتجه للأسر والغنيمة. وقد غنم المسلمون مائة وخمسين بعيرًا، وعشرة أفراس، وأداما كثيرًا حمله القرشيون معهم للتجارة بعد النصر الذي أملوا فيه. وقد اختلف المسلمون في الغنائم؛ لأن الذين كانوا حول النبي ﷺ لم يأخذوا شيئًا، وقالوا: ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر، ولا جبنا عن لقاء العدو، ولكن

стр. 284

خفنا على رسول الله ﷺ من أن يميل عليه خيل المشركين، ورجالهم، وقد أقام عند رسول الله ﷺ وجوه المهاجرين والأنصار ولم يغنم أحد منهم شيئًا ومتى أعطى الشباب لا يبقى للشيوخ شيء، وبخاصة أن الغنيمة قليلة، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وهكذا لم يترك الله أمر الغنائم لعقولهم واجتهادهم، وإنما جعلها لحكم الله ورسوله جاء في تفسير ابن كثير عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون، ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض. قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو، وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به٢ فأمر رسول الله ﷺ برد الغنائم حتى يقضي الله فيها، فرد أصحابه ﷺ الغنائم التي جمعوها من أعدائهم، أما ما أخذ بغير قتال فقسمه ﷺ بينهم. وجمعت الغنائم، واستعمل عليها رسول الله ﷺ عبد الله بن كعب بن عمرو المازني وسار بها حتى وصل إلى "سير" وهناك قسمها على المجاهدين، وقيل بل استعمل عليها خباب بن الأرت، وكان فيها إبل، ومتاع، وأنطاع، وثياب٣. وأنزل الله تعالى قوله في شأن الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا

стр. 285

أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١. وقد جعل النبي ﷺ الغنيمة أسهمًا، بعد أن أخذ الخمس منها، فأعطى للراجل سهمًا، وللفارس سهمين، وضرب لثمانية من الصحابة ﵁، تخلفوا عن الغزوة لعذر ألم بهم وهم: من المهاجرين: ١- عثمان بن عفان، خلفه رسول الله ﷺ على ابنته رقية، ليعودها في مرضها، وقد ماتت يوم قدوم زيد بن حارثة بنبأ النصر، وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة كانوا عائدين من دفنها في البقيع. ٢- طلحة بن عبيد الله ﵁. ٣- وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، بعثه رسول الله ﷺ مع طلحة بن عبيد الله يتحسسان العير تلقاء "الحوراء" فلم يلحقا بالجيش. ومن الأنصار: ٤- أبو لبابة بن عبد الله ﵁، خلفه على المدينة. ٥- عاصم بن عدي ﵁، خلفه رسول الله ﷺ على قباء، وأهل العالية. ٦- الحارث بن حاطب ﵁، أمره ﷺ بأمر في بني عمرو بن عوف. ٧- خوات بن جبير ﵁، كسر بالروحاء. ٨- الحارث بن الصمة ﵁، كسر بالروحاء٢. وضرب النبي ﷺ كذلك لمن استشهد ببدر، وسلم غنائمهم لأبنائهم، واصطفى النبي ﷺ لنفسه من الغنيمة جمل أبي جهل، فجعل يغزو ﷺ عليه حتى ساقه هديًا في الحديبية.
следующие страницы →