← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئًا ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، وثاورته فاحتملني، وضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت، استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته١, وكانت نهاية أبي لهب على نحو يعادل جريمته لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشائم بها ويرون أنها تعدي أشد العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثة أيام، لا يقترب أحد من جثته، ولا يحاول أحد دفنه، فلما خاف بنوه السبة في تركهم له دفعوه بعصا في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى تغطت جثته٢. يروي بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ناحت قريش على قتلاها بمكة شهرًا، وجز النساء شعورهن، وما أن يؤتى براحلة الرجل منهم، أو بفرسه، إلا وتوقف بين أظهر النساء، ويسترنها بالستور حولها، وينحن حولها، ويخرجن إلى الأزقة صائحين ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشمتوا فيكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، حتى لا يتعالى عليكم محمد وأصحابه في الفداء. وشعر القرشيون بعد هزيمتهم في بدر بهوان شديد عملوا على التخلص منه، فلما عادوا إلى مكة وجدوا أن أبا سفيان أوقف عير القافلة والأموال التي عاد بها من الشام في دار الندوة، ولم يحركها، ولم يوزعها على أصحابها، فاتفق كبراؤهم على أن يجهزوا بها جيشًا كثيفًا لقتال محمد ﷺ والأخذ بثأر هزيمتهم في بدر، فباعوا الإبل التي بلغت ألف بعير، وضموها إلى الأموال التي بلغت خمسين ألف دينار، بعد أن أخذوا أرباحهم، وقدرها خمسون ألفًا أخرى، وكان الدينار يربح مثله٣.

стр. 282

كما قاموا بتشكيل مجموعة من رجالهم، لتدور على العرب في البوادي، وتؤلبهم على رسول الله ﷺ وتحضهم على قتال المسلمين في المدينة، وقد تكونت هذه المجموعة من عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعري، وأبي غرة عمرو بن عبد الله الجمحي، وقد استمع العرب لهؤلاء ونفروا مع قريش في غزو أحد١. وبذلك أشعلت قريش نار الحرب في الجزيرة كلها، وأخذت تعد عدتها لحرب شاملة وكان من الضروري أن يكلف المسلمون بقتال من يعتدي عليهم، وهنا كان فرض الجهاد مقيدًا بقتال المعتدي، وهو المرحلة الثانية في تشريع الجهاد.

стр. 283

سادسا: المسلمون في إطار انتصار بدر الاختلاف في توزيع الغنائم ... سادسًا: المسلمون في إطار انتصار بدر تحقق النصر للمسلمين في بدر، وقد استشهد منهم أربعة عشر شهيدًا، وغنموا ما كان مع القرشيين من عتاد، وأموال، وقد أقام النبي ﷺ والمسلمون بعد المعركة في بدر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذوا في الرجوع إلى المدينة بعد أن انتهوا من دفن الشهداء ووضع قتلى المشركين في القليب. وقد عاش المسلمون بعد النصر الحقائق التالية: ١- الاختلاف في توزيع الغنائم: عندما أتم النبي ﷺ تسوية الصفوف قال للمجاهدين: "من قتل قتيلا فله سلبه، من أسر أسيرًا فهو له"، فلما انهزم المشركون تفرق المجاهدون إلى أعمال متعددة فمنهم من وقف عند خيمة النبي ﷺ يحرسه، ومنهم من أغار على الأعداء ليهزمهم، ويقتلهم، ومنهم من اتجه للأسر والغنيمة. وقد غنم المسلمون مائة وخمسين بعيرًا، وعشرة أفراس، وأداما كثيرًا حمله القرشيون معهم للتجارة بعد النصر الذي أملوا فيه. وقد اختلف المسلمون في الغنائم؛ لأن الذين كانوا حول النبي ﷺ لم يأخذوا شيئًا، وقالوا: ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر، ولا جبنا عن لقاء العدو، ولكن

стр. 284

خفنا على رسول الله ﷺ من أن يميل عليه خيل المشركين، ورجالهم، وقد أقام عند رسول الله ﷺ وجوه المهاجرين والأنصار ولم يغنم أحد منهم شيئًا ومتى أعطى الشباب لا يبقى للشيوخ شيء، وبخاصة أن الغنيمة قليلة، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وهكذا لم يترك الله أمر الغنائم لعقولهم واجتهادهم، وإنما جعلها لحكم الله ورسوله جاء في تفسير ابن كثير عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون، ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض. قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو، وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به٢ فأمر رسول الله ﷺ برد الغنائم حتى يقضي الله فيها، فرد أصحابه ﷺ الغنائم التي جمعوها من أعدائهم، أما ما أخذ بغير قتال فقسمه ﷺ بينهم. وجمعت الغنائم، واستعمل عليها رسول الله ﷺ عبد الله بن كعب بن عمرو المازني وسار بها حتى وصل إلى "سير" وهناك قسمها على المجاهدين، وقيل بل استعمل عليها خباب بن الأرت، وكان فيها إبل، ومتاع، وأنطاع، وثياب٣. وأنزل الله تعالى قوله في شأن الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا

стр. 285

أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١. وقد جعل النبي ﷺ الغنيمة أسهمًا، بعد أن أخذ الخمس منها، فأعطى للراجل سهمًا، وللفارس سهمين، وضرب لثمانية من الصحابة ﵁، تخلفوا عن الغزوة لعذر ألم بهم وهم: من المهاجرين: ١- عثمان بن عفان، خلفه رسول الله ﷺ على ابنته رقية، ليعودها في مرضها، وقد ماتت يوم قدوم زيد بن حارثة بنبأ النصر، وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة كانوا عائدين من دفنها في البقيع. ٢- طلحة بن عبيد الله ﵁. ٣- وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، بعثه رسول الله ﷺ مع طلحة بن عبيد الله يتحسسان العير تلقاء "الحوراء" فلم يلحقا بالجيش. ومن الأنصار: ٤- أبو لبابة بن عبد الله ﵁، خلفه على المدينة. ٥- عاصم بن عدي ﵁، خلفه رسول الله ﷺ على قباء، وأهل العالية. ٦- الحارث بن حاطب ﵁، أمره ﷺ بأمر في بني عمرو بن عوف. ٧- خوات بن جبير ﵁، كسر بالروحاء. ٨- الحارث بن الصمة ﵁، كسر بالروحاء٢. وضرب النبي ﷺ كذلك لمن استشهد ببدر، وسلم غنائمهم لأبنائهم، واصطفى النبي ﷺ لنفسه من الغنيمة جمل أبي جهل، فجعل يغزو ﷺ عليه حتى ساقه هديًا في الحديبية.

стр. 286

الاختلاف في مصير الأسرى ... ٢- الاختلاف في مصر الأسرى: لما وصل رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة اهتم بأمر الأسرى، فبدأ يأخذ رأي أصحابه في كيفية التعامل معهم، يروي أبو الحسن النيسابوري بسنده إلى عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ لما جيء إليه بالأسرى يوم بدر، جمع أصحابه وقال لهم: "ما تقولون في هؤلاء الأسرى"؟. فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله قومك وأصلك، استبقهم، واستأن بهم، لعل الله يتوب عليهم. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارًا. فقال العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله ﷺ ولم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله. ثم خرج عليهم ﷺ فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ " ١. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. ومثلك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٣. ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ٤". ثم قال رسول الله ﷺ : "أنتم اليوم عالة! أنتم اليوم عالة! فلا ينقلبن منهم

стр. 287

أحد إلا بفداء أو ضرب عنق"؟. وهكذا أخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، وأخذ منهم الفداء، فلما كان الغد جاء عمر إلى رسول الله ﷺ وأبي بكر، فوجدهما في حزن وألم، لما نزل في شأن الأسرى من عتاب لرسول الله ﷺ . يقول عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" ١ شجرة قريبة وعندها أنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. والكتاب الذي سبق من الله هو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٣. ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسارى، ولذلك لم يعذبوا، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، وكان على المجاهدين أن يجهزوا على أعدائهم في ميدان المعركة، جزاء وفاقًا لما جاءوا من أجله. وكان علي ﵁ يقول: أتى جبريل إلى النبي ﷺ بعد انتهاء القتال يوم بدر فخيره في الأسرى، بين أن تضرب أعناقهم، أويؤخذ منهم الفداء، أو يستشهد منهم في قابل عدتهم واستقر الرأي على رأي الصديق مع العتاب، والعفو، فأخذ ﷺ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم، إلى ثلاثة آلاف درهم، إلى ألف درهم، وكان بعض الأسرى يكتبون فجعل رسول الله ﷺ فداء من يكتب تعليم عشرة من غلمان المدينة القراءة

стр. 288

والكتابة، فإذا حذقوها فهو فداء لهم، وممن تعلم في بدر زيد بن حارثة ﵁. ومنّ رسول الله ﷺ على عدد من الأسارى، فأطلقهم بغير فداء منهم: المطلب بن حنطب، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجمحي. ومنّ على ختنه أبي العاص بشرط أن يخلي سبيل زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بقلادة لها كانت عند خديجة ﵂، أهدتها لها حين أدخلتها به على أبي العاص فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوا واشترط رسول الله ﷺ على أبي العاص أن يخلي سبيل زينب، فخلاها، فهاجرت إلى أبيها في المدينة بعد ذلك، وقد بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثه، ورجلا من الأنصار وقال لهما: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها فخرجا حتى رجعا بها". وكان في الأسرى سهيل بن عمرو، وكان خطيبًا مصقعًا، قال عمر: يا رسول الله، أنزل ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسان، فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، بيد أن رسول الله ﷺ رفض هذا الطلب، احترازًا عن المثلة، وعن بطش الله يوم القيامة. ومن أحداث الأسرى ما روي أنه بعد أسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، قيل لأبي سفيان: ألا تفدي عمرو!. فقال أبو سفيان: حنظلة قتل، وافتدى عمروا! فأصاب بمالي وولدي؟ لا أفعل ولكن أنتظر حتى أصيب منهم رجلا فأفديه، فأصاب سعد بن النعمان بن زيد بن أكال أحد بني عمرو بن عوف، جاء معتمرًا مع المنذر بن عمرو، فلما قضيا عمرتهما طلبهما أبو سفيان، فأدرك سعدًا فأسره، وفاته المنذر، ففي ذلك يقول ضرار بن الخطاب: تداركت سعدًا عنوة فأسرته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا وهنا تمكن أبو سفيان من بغيته وتبادل مع المسلمين في الأسر، فأفدى ابنه عمرو بسعد بن النعمان.

стр. 289

٣- الابتهاج بنصر الله تعالى: أشاع اليهود والمنافقون في المدينة أكاذيب وتحدثوا عن هزيمة المسلمين، ولذلك عجل رسول الله ﷺ برد هذا الافتراء، وإخبار أهل المدينة بانتصار المسلمين في بدر، فأرسل رسولين هما عبد الله بن رواحه بشيرًا لأهل العالية، وزيد بن حارثة بشيرًا لأهل السافلة فنادى عبد الله: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ ، وقتل المشركين وأسرهم، ثم أتبع دور الأنصار فبشرهم. وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله ﷺ القصواء يبشر أهل المدينة، فلم يصدق المنافقون ذلك، وشنعوا، وقدم شقران بالأسرى وهم سبعون رجلا، وتلقى الناس رسول الله ﷺ بالروحاء يهنئونه بفتح الله، فقدم المدينة ﷺ مؤيدًا، مظفرًا، منصورًا قد أعلى الله كلمته، ومكن له وأعز نصره، ودخلها من ثنية الوداع في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان، فتلقاه الولائد بالدفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع فأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا وشعر بالخزي، وأسلم حينئذ بشر كثير من أهل المدينة، ومن ثم دخل عبد الله بن أبي سلول وجماعته من المنافقين في دين الإسلام تقية. وقد عم السرور، والفرح قلوب المسلمين جميعًا، وشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم من نصر، حتى أن النجاشي ملك الحبشة لما جاءه خبر انتصار رسول الله ﷺ وهو في الحبشة أرسل إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت قديم عليه ثياب رثه، جالس على التراب فأخذ يبشرهم بالنصر، ويهنئهم بالفوز والفلاح. يقول جعفر ﵁: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه ﷺ ، وأهلك عدوه, وأسر فلان، وفلان، وقتل فلان، وفلان، التقوا بواد يقال له "بدر" كثير الأراك كأني أنظر إليه، كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمرة إبله. فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاط؟ قال له النجاشي: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله لي نصر نبيه ﷺ أحدثت له هذا التواضع١.

стр. 290

٤- تشريع زكاة وعيد الفطر: كان من تمام نصر الله للمسلمين في شهر رمضان أن فرض الله عليهم زكاة الفطر يتعاطونها فيما بينهم جميعًا، غنيهم وفقيرهم، من يملك، ومن لا يملك فقام ﷺ فيهم قبل نهاية رمضان بيومين، وعلمهم زكاة الفطر، وعرفهم بتشريع صلاة العيد في نهاية رمضان وخرج ﷺ إلى المصلى صباح يوم عيد الفطر فصلى بالناس أول صلاة في يوم العيد. فلما كان شهر ذي الحجة من نفس العام ضحى ﷺ وصلى عيد الأضحى وأخذ ﷺ يضحي كل عام بكبشين حتى لقي ربه. وهكذا عاش المسلمون في المدينة فرحة النصر، وفرحة الصوم، وفرحة العيد في ترابط وائتلاف وفي تمييز ورفعة.

стр. 291

سابعا: بدر في رحاب القرآن الكريم حديث ما قبل المعركة ... سابعًا: بدر في رحاب القرآن الكريم وجه القرآن الكريم المسلمين نحو الجهاد، وأذن لهم فيه قبل بدر، وصاحبهم في مسيرتهم تعليمًا، وتوجيهًا قبل المعركة، وأثناءها، وبعد الانتهاء منها، ليستمروا في معية الله تعالى عبادًا طائعين مستسلمين وقد أنزل الله سورة الأنفال تتحدث عن غزوة بدر، وتشمل أحداثها، ولذلك سماها ابن عباس بسورة "بدر"١وقال عنها تلك سورة بدر وقد كان حديث السورة شاملا لكل أحداث بدر، أذكر منها ما يلي: ١- حديث ما قبل المعركة: أخذ القرآن الكريم يوجه المسلمين إلى أهمية الاستعداد للمعركة وتهيئة أنفسهم بالعتاد والتدريب فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا

стр. 292

تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١؛ لأن الإعداد الجاد يحقق العزة، ويرهب الأعداء، وأمر المسلمين أن يجنحوا للسلم إذا رغبه أعداء الله فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. ووجه القرآن الكريم المسلمين إلى جوانب الضعف فيهم، وبين لهم عوامل التغلب عليها فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣. فهم ضعفاء، يحتاجون إلى تقوية أنفسهم، وإيمانهم، وذلك يكون بالصبر، والتوكل على الله والثقة في نصره . ووجه القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية معرفة ما في ذواتهم من نقص ليعملوا على إتمامه، وإكماله، وذلك في قوله سبحانه: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٤. وحذر القرآن الكريم المسلمين من الفرار أمام الأعداء، فقال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ٥.

стр. 293

٢- حديث القرآن الكريم عن المعركة: بين الله نصره للمسلمين، بمختلف صوره، فلقد أرسل لهم الملائكة يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وأنزل المطر، ورزقهم النعاس ليستريحوا، ويطمئنوا، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ ٢. وكان تأييد الله للمسلمين في القتال، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ ٣. وملأ الله قلوب المؤمنين بالثقة، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٤.

стр. 294

٣- حديث ما بعد المعركة: عاش القرآن الكريم مع المسلمين في قضية الغنيمة والأسرى ووضح حكم الله فيها فقال تعالى تعليقًا على اختلافهم في توزيع الغنائم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وقال تعالى في شأن الأسرى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.

стр. 295

٤- توجيهات قرآنية تربوية: تحدثت سورة الأنفال عن غزوة بدر، وعن مواقف كل أطرافها، وقدمت وصفًا متكاملا لأهم أحداثها. ويلاحظ أن الأحاديث لم تذكر في السورة متتابعة وفق ترتيب وقوعها؛ لأن القرآن الكريم لا يقصد إيراد قصة، أو مجرد سرد الأخبار, وإنما يقصد التربية والتوجيه، وإبراز القضايا التي يحتاجها المسلمون، وهذا القصد لا يحتاج إلى ترتيب الأحداث وإنما يعتمد على التركيز على الحدث، وإبراز مناط التأثير فيه. لقد بدأت السورة تعرض مواقف المجاهدين من الأنفال، ومجيئهم لرسول الله ﷺ ليحكم بينهم بعدما اختلفوا وهو موقف حدث بعد انتهاء المعركة، فكان أن نزلت

стр. 296

الآيات بأن الحكم في الغنائم لله ورسوله، وعلى المسلمين أن يحافظوا على تقوى الله تعالى، ويصلحوا ذات بينهم، ويستمروا على طاعة الله ورسوله فيما يقضيان به، ويحافظوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويقبلوا على آيات الله تذكيرًا وعبرة. وهكذا لم تكتف السورة بعرض أحداث بدر، وإنما جعلت أحداثها منطلقًا للتذكير، والتوجيه، والتربية، وأن الأمر كله لله يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١. وجهت السورة المسلمين إلى أن الأمر كله لله، يقع بقدرته حسب ما يريد ، وعرفهم أنهم خرجوا للعير، خائفين من الحرب لكن الله أراد لهم غير ذلك لتحقيق غايات عليا، يقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٢. وعرفت السورة المسلمين بضرورة الدعاء والاستغاثة لتحقيق النصر الذي هو بيد الله تعالى يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ

стр. 297

السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١. وتتتابع التوجيهات الإلهية لعباده المؤمنين ليكونوا مجتمع الصفوة والنصر، فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢. - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ٣. - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٤. - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٥. - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٦.

стр. 298

- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. وعاشوا الحياة الإسلامية متميزة، بصورة، ومعنى، بعيدة عن أي لبس، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان شعيرة خاصة بالمسلمين، وأصبحت الكعبة قبلتهم، وهم يتصلون بالله وبذلك التميز سقطت دعاوى أهل الكتاب. لقد كان رسول الله ﷺ يتجه في صلاته إلى بيت المقدس بعد الهجرة، واستمر على ذلك ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا، وكان يجب أن يتجه إلى الكعبة، بيت الله تعالى يقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٤. فاستجاب الله لرسوله ﷺ ، وحقق له ما كان يتمنى ويرضى قبيل بدر. وفي البخاري أنه ﷺ صلى على بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأن أول صلاة صلاها متجهًا إلى الكعبة في مكة كانت

стр. 299

صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد١ وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت وقد تساءل بعض الصحابة عن الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، وكان صلاتهم إلى بيت المقدس فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وبتحويل القبلة، وتوجه المسلمين إلى بيت الله بمكة، تمت المفاصلة التامة بين المسلمين واليهود، وتميز المسلمون بقبلتهم، فأخذ اليهود في إثارة الشبه والحقد على رسول الله ﷺ ودينه, يصور القرآن الكريم ذلك فيقول : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣. وبدأ المسلمون يتجهون في صلواتهم إلى مكة المكرمة، فتحركت شجوبهم وتيقنوا بمدى ارتباط الإسلام بمكة، وبالمكيين. يقول ﷺ : "إن اليهود لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين". وجاء انتصار بدر لتبدأ مرحلة جديدة، اتضحت خلالها خفايا القلوب، وتوجيهات سائر الطوائف، وشعر الجميع أن المواجهة الحاسمة قريبة، بعد أن اتضحت الحقائق، وبانت السبل، وأخذ كل طريقه نحو ما يأمله، ويرجوه. وهكذا جاء انتصار بدر قمة النصر، وقمة الوضوح، وقمة المفاضلة بين الحق والباطل، ولذلك سماه الله تعالى يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.

стр. 300

المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد مدخل ... المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد انتصر المسلمون في "بدر" انتصارًا باهرًا، تحدث به أبناء الجزيرة العربية جميعًا، مما جعلهم يخططون لمستقبلهم إزاء هذه القوة الإسلامية التي ظهرت في المدينة المنورة. وأهم هذه القوى التي تأثرت بانتصار بدر، وسارعت إلى اتخاذ مواقف تتناسب مع هذا الوضع الجديد هي: ١- القرشيون في مكة: وهم الذين تحملوا مذلة الهزيمة، وفقدوا قادتهم، وأئمتهم في بدر، وأجبروا على فداء أسراهم، وقد أخذوا يستعدون للثأر بعد "بدر" مباشرة وحاولوا إيذاء المسلمين، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ فاحتفظوا بمال القافلة التي كانت سببًا في حرب "بدر" ليشتروا به السلاح، ويعدوا العدة، وكونوا جماعات منهم تقوم بتحريض المشركين على ضرورة الثأر لهزيمتهم، وتطهير الطريق التجاري إلى الشام، حتى لا تنقطع تجارتهم التي هي حياتهم. ٢- اليهود في المدينة: وهم القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة، وحولها لأنهم رأوا أن انتصار المسلمين في بدر جعلهم يزدادون قوة، ويؤكدون سيطرتهم على سائر شئون المدينة، وازدياد نفوذهم الاقتصادي، وبخاصة بعدما شاهدوا المسلمين ينشجون في السعي والعمل ويعيشون كافة حاجات الحياة، ويحرمون الربا، ويمنعون الاستغلال، ويحققون التعاون التام بينهم. الأمر الذي أضعف قوتهم، وأفقدهم صور الكيد التي كانوا يعيشون بها بين المسلمين وغيرهم، وشعروا أن الأحداث تتحرك في غير ما يأملون. ٣- المنافقون: وهؤلاء أفراد الأوس والخزرج ومن غيرهم كانوا يسكنون المدينة، ولم يدخلوا في الإسلام، وبقوا على الشرك، إلا أن هؤلاء الأفراد بعد انتصار المسلمين في "بدر" دخلوا في الإسلام تقية، وهم يبطنون العداوة، ويتعاونون مع أعداء الإسلام سرًا ليتحقق ما يتمنون.

стр. 301

٤- أعراب البوادي: وهم الأعراب الذين يسكنون حول المدينة، وعلى الطرق التجارية بين مكة والمدينة وهؤلاء الأعراب كانوا يعيشون على السلب والنهب والقنص والإغارة، وفرض الإتاوات على المارة فلما ظهرت قوة المسلمين في بدر رأوا دولة قوية سوف تحكم في كل الخارجين على النظام والعدل، ولذلك وجدوا أنفسهم في مواجهة عدائية مع المسلمين في المدينة المنورة. وأخذت هذه القوى على اختلاف مقاصدها تعمل لإضعاف المسلمين وإسقاط ما تحقق لهم بنصر بدر، بكل ما أمكنهم من مؤامرات حفية، وتحرشات ظاهرة، وعقد تحالفات من أجل تكوين قوة واحدة في مواجهة المسلمين في المدينة. واستمر عون الله تعالى للحق وأهله، فأمد المسلمين بالرشاد والهدى، وأضل أعداءهم، وأخزاهم في كل ما خططوا له، وعملوا من أجله وفي هذا المبحث سأورد "بإذن الله تعالى" أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر، وأحد وكيف تعامل معها رسول الله ﷺ وذلك فيما يلي:-

стр. 302

أولا: محاولة قتل النبي ﷺ عمرو بن وهب الجمحي من تجار مكة، وقادتها المعدودين، وكان شديد الأذى لرسول الله ﷺ قبل الهجرة، اشترك مع ابنه وهب مع المشركين في بدر، ووقع ابنه وهب في الأسر فشعر بالذل لأسر ابنه، وقتل أصحابه. جلس عمير مع صاحبه صفوان بن أمية في حجر إسماعيل، وتذاكرا بدرًا، فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم خير. فرد عليه عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس له قضاء عندي، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة، ابني أسير عندهم. فقال له صفوان: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما عاشوا، لا يسعني شيء، وأعجز عنهم.

стр. 303

فقال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك. قال صفوان: أفعل. ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، وسم، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ﵁ -وهو في نفر من المسلمين يتحدثون بما أكرمهم الله به يوم بدر- فقال عمر: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر. ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوحشًا سيفه قال ﷺ : فأدخله علي. فلما أقبل عمير لببه عمر بحمالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار، ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه. قال ﷺ أرسله يا عمر أدن يا عمير، فدنا وقال: أنعموا صباحًا. فقال النبي ﷺ : "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام، تحية أهل الجنة". ثم قال ﷺ : "ما جاء بك يا عمير"؟. قال عمير: جئت لهذا الأسير الذي في أيديك فأحسنوا فيه. قال ﷺ : "فما بال السيف في عنقك"؟. قال عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟ قال ﷺ : "اصدقني ما الذي جئت له"؟. قال عمير: ما جئت إلا لذلك. قال ﷺ : "بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت لولا دين علي، وعيال عندي، لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل صفوان بدينك، وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك". قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق

стр. 304

ثم تشهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ : "فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره"، ففعلوا ثم قال عمير: يا رسول الله إني كنت جاهدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم! وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. فأذن له رسول الله ﷺ ، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأسلم على يديه أناس كثير، وسبحان مقلب القلوب، ومغير الأحوال، وبيده الأمر كله١.

стр. 305

ثانيًا: غزوة بني سليم ١ بلغ رسول الله ﷺ أن جمعًا من "بني سليم، وغطفان" يوجد عند ماء يقال له "قرقرة الكدر"٢ ويقع في وسط الطريق بين مكة والشام جهة نجد، وأن هذا الجمع يريد مهاجمة المسلمين في المدينة، فبادر رسول الله ﷺ بالخروج إليهم قبل أن يستفحل أمرهم. وكان خروج رسول الله ﷺ إلى بني سليم في مائتين من أصحابه في أوائل شوال عقب "بدر" بسبعة أيام فقط وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه٣. وقد فر بنو سليم عندما علموا بخروج المسلمين إليهم، وتركوا خلفهم خمسمائة بعير، غنمها المسلمون، وقسمها رسول الله ﷺ على المشتركين وفق حكم الله تعالى ووجد الرسول ﷺ في الديار غلامًا اسمه "يسار" فسأله ﷺ عن الناس فقال يسار: لا علم لي بهم، فأخذه النبي ﷺ وأعتقه حينما رآه يصلي. وقد خلف الرسول ﷺ على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل عبد الله بن أم مكتوم، وأقام الرسول ﷺ في ديار بني سليم ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة عشر يومًا٤.

стр. 306

ثالثًا: غزوة السويق امتلأ قلب أبي سفيان حقدًا، وغيظًا بسبب هزيمة قريش في بدر، ونذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدًا، ويثأر لهزيمة المكيين، فجمع رجالا، وخرج في مائتي راكب وفاء لنذره، وشفاء لمرض نفسه، وسار برجاله حتى نزل عند قناة قرب جبل "نيب" قريبًا من المدينة، وعسكر في هذا المكان حتى جاء الليل، ودخل المدينة مستخفيًا تحت جنح الظلام، فأتى حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبى. ثم أتى إلى سلام بن مشكم "سيد بني النضير" وصاحب كنزهم آنذاك، فاستأذن عليه فأذن له، وقراه وسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس. ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها: "العريض"١ فقطعوا أشجارًا، وأحرقوا أسوارًا من النخل، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفًا له معه في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة. وبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فجمع أصحابه، وسارع لمطاردة أبي سفيان ومن معه ولكن رجال أبي سفيان فروا سراعًا، وطرحوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم وتمويناتهم على الطريق يتخففون به منه وتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله ﷺ إلى "قرقرة الكدر" ثم انصرف راجعًا، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذا الخروج بغزوة السويق نسبة إلى الغنائم التي طرحها أبو سفيان ورجاله، وقد وقعت الغزوة في ذي الحجة بعد بدر بشهرين، واستعمل الرسول ﷺ خلالها على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه٢.

стр. 307

رابعًا: غزوة غطفان كانت غطفان تسكن ناحية نجد، حول ماء يعرف بـ"ذي أمر" "بفتح الهمزة والميم" وقد غزاها النبي ﷺ من شهر المحرم في العام الثالث الهجري، وسبب هذه الغزوة أن بطنين من غطفان، وهما بطنا ثعلبة ومحارب، تجمعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة بقيادة "دعثور بن الحارث المحاربي" الذي تميز في قومه بالشجاعة، وحب الإغارة علم النبي ﷺ ما يعد له "دعثور" بواسطة عيونه، فندب المسلمين، وخرج معهم إلى بطني ثعلبة ومحارب في أربعمائة وخمسين مقاتلا، ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁. فوجئ دعثور وجنوده بمقدم رسول الله ﷺ ففروا في رءوس الجبال ووصل المسلمون إلى مكان الماء، وعسكروا به، وأخذوا يبحثون عن دعثور ورجاله، فأصابوا رجلا منهم يقال له "جبار بن ثعلبة" فجاءوا به إلى رسول الله ﷺ ، فلما دعاه إلى الإسلام أسلم فضمه الرسول ﷺ إلى بلال وجعله دليلا للمسلمين في أرض غطفان. ويقال أن السماء أمطرت فابتل ثوب رسول الله ﷺ فنزل ﷺ تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف، واضطجع بمرأى من المشركين، واشتغل المسلمون في شئونهم، وأعمالهم، فبعث المشركون "دعثور بن الحارث" ومعه سيف متقلد به، فبادر "دعثور" وأقبل نحو رسول الله ﷺ بسلاحه، حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف مشهورًا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله". ودفع جبريل ﵇ في صدر "دعثور" فوقع السيف من يده. فأخذ رسول الله ﷺ السيف، وقال له: "يا دعثور من يمنعك مني"؟. فقال دعثور: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،

стр. 308

والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه. ثم أتى "دعثور" قومه فقالوا: ما لك؟ ويلك!! فقال لهم: نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعًا، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام وأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١. وقد تكررت هذه الحادثة في غزوة "ذات الرقاع" وكان الذي حمل السيف فيها "غوري بن الحارث" وقد بقي على شركه، وعاهد النبي ﷺ على عدم مقاتلته أبدًا. وقد أقام الرسول ﷺ وجيش المسلمين في غطفان قريبًا من شهر ليعلم الناس قوة المسلمين، وشجاعتهم، وحسن أخلاقهم، وبخاصة أنهم أنسحبوا من غطفان بلا عدوان على إنسان، أو مال، أو بغير ذلك من صور الظلم والعدوان٢.

стр. 309

خامسًا: غزوة بحرا ن ١ وتسمى غزوة بني سليم نسبة إلى جماعة من بني سليم كانت تقطن ناحية الفرع "بضم الفاء والراء" وهي قرية قرب المدينة في طريق الذاهب إلى مكة على بعد عشرين ميلا تقريبًا وسببها أن رسول الله ﷺ بلغه أن بها جمعًا يريد مهاجمة المدينة، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول من العام الثالث الهجري، في ثلاثمائة مقاتل, فلما وصل إلى مكانهم وجدهم قد تفرقوا في واديهم فأقام بينهم عشرة أيام، عاد بعدها إلى المدينة وكان قد ولى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه٢.

стр. 310

سادسًا: سرية زيد بن حارثة توقفت تجارة قريش إلى الشام بعد "بدر" وتملك القرشيون الخوف على تجارتهم فلما جاء الصيف، وحان موعد خروج القوافل اختارت قريش "صفوان بن أمية" لقيادة قافلتها إلى الشام فقال لهم: إن محمدًا وصحبه عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء. فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل، وخذ طريق العراق، وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها, وكانت قريش تجهل هذه الطرق كل الجهل، فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فرات بن حيان -من بني بكر بن وائل- دليلا له، يكون رائده في هذه الرحلة. وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديد، إلا أن أنباء هذه القافلة، وخطة سيرها طارت إلى المدينة، وذلك أن سليط بن النعمان، وكان قد أسلم، اجتمع في مجلس شرب، وذلك قبل تحريم الخمر، مع نعيم بن مسعود الأشجعي ولم يكن أسلم إذ ذاك، فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير، وخطة سيرها، فأسرع سليط إلى النبي ﷺ وروى له القصة. جهز رسول الله ﷺ لوقته حملة قوامها مائة راكب بقيادة زيد بن حارثة الكلبي فأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتة، وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له قردة -بالفتح فالسكون- فاستولى عليها كلها، ولم يكن مع صفوان ورجاله من يحرس القافلة فلاذ بالفرار دون أي مقاومة. وأسر المسلمون دليل القافلة، فرات بن حيان ورجلين غيره، وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني، والفضة، كانت تحملها القافلة، قدرت قيمتها بمائة ألف، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 311

هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس، ثم جاء فرات بن حيان إلى رسول الله ﷺ وأسلم على يديه. وقد مثلت هذه الغزوة مأساة شديدة، ونكبة كبيرة أصابت القرشيين بعد بدر، اشتد لها قلقهم وزادتهم همًا وحزنًا، ولم يبق أمامهم إلا طريقين: إما أن تمتنع عن غطرستها وكبريائها، وتأخذ طريق الموادعة والمصالحة مع المسلمين، أو تقوم بحرب شاملة تعيد لها مجدها التليد، وعزها القديم، وتقضي على قوات المسلمين، بحيث لا يبقى لهم سيطرة على هذا ولا ذاك، وقد اختارت مكة الطريق الثانية، فأخذت تعد العدة، وتضاعف الأعمال التي بدأتها بعد بدر وازداد إصرارها على المطالبة بالثأر، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة، وتصميم على الغزو فكان ذلك وما سبق من أحداث مقدمات واضحة لمعركة أحد. وقد كان لسرية زيد أثرها الكبير على القرشيين، فقد فقدوا كثيرًا من أموالهم، وشعروا بأن المسلمين قد أحكموا حصارهم، ولذلك نشطوا في إعداد العدة لمهاجمة المسلمين، وحصارهم في المدينة، وتلقينهم درسًا يعوضهم عن كل ما فقدوه في "بدر" وفيما بعدها. وكانت سرية زيد بن حارثة ﵁ في جمادى الآخرة من العام الثالث الهجري١.

стр. 312

سابعًا: غزوة بني قينقاع بنو قينقاع بطن من يهود المدينة، وهم قوم عبد الله بن سلام، عاهدهم رسول الله ﷺ بعد تمام الهجرة مع سائر اليهود وحدد لهم الحقوق التي لهم، والواجبات التي يلتزمون بها، في إطار واضح أساسه "لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين". لكن اليهود وبخاصة يهود بني قينقاع هالهم توحد الأوس والخزرج في إطار الإسلام فازدادوا حقدًا وحاولوا الإيقاع بينهم ليعودوا لجاهليتهم، وتئول السيادة لهم مرة أخرى، يروي ابن إسحاق أن شاس بن قيس، وكان شيخًا "يهوديًا" عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مر على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم،

стр. 313

وصلاح ذات بينهم بالإسلام وعلى الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم حياة إذا اجتمع ملؤهم واتحدوا، وتماسكوا، فأمر فتى شابًا يهوديًا كان معه، وقال له: اعمد إليهم، فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث، وما كان قبله، وانشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار. ففعل الغلام، وتأثر القوم، وعاودتهم ذكريات الماضي عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهم لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة، السلاح، السلاح، فخرجوا إليها "وكادت أن تنشب الحرب". فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم"؟. فعرف القوم أنها نزعة شيطان، وكيد من عدوهم، فكبوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس١. وكان بنو قينقاع من أشد اليهود عداوة لله ورسوله، وكانوا يسكنون وسط المدينة ويشتغلون بصناعة الذهب والحديد، فلما انتصر المسلمون في "بدر" بدءوا يظهرون حقدهم، ويثيرون المشاحنات مع المسلمين، فذهب إليهم ﷺ في سوقهم وقال لهم: "يا معشر يهود، أسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله ﷺ ، يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة فأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا". قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تعالى

стр. 314

قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١. ولم ينته بنو قينقاع بعد هذا اللقاء، فأخذوا يتحرشون بالمسلمين في جرأة، واستهتار، حتى أنهم أخذوا في التعدي على نساء المسلمين. يروي ابن هشام أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها -وهي غافلة- فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله -وكان يهوديًا- فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وأنزل الله قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٢. فقال ﷺ : "إنما أخاف من بني قينقاع"، فسار إليهم رسول الله ﷺ لهذه الآية، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان اللواء أبيض اللون. قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ قد حدثت، ولذلك لم تكن هناك راية للمسلمين، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر فتحصنوا في حصنهم فحاصرهم أشد الحصار، فأقاموا على ذلك خمس عشرة ليلة، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، على أن لرسول الله ﷺ أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي بن سلول، فجعلهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله تعالى ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله

стр. 315

أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الرجال. فقام إلى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ . فقال ابن أبي: يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ من خلفه، وكان يقال لها ذات الفضول. فقال له رسول الله ﷺ : "ويحك أرسلني". وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال: "ويحك أرسلني". قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال ﷺ : "خلوهم لعنهم الله". ولعنه معهم، وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة، فخرجوا بعد ثلاث، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، وقيل: محمد بن مسلمة، فلحقوا "بأذرعات"١ فما كان أقل بقائهم بها٢. ووجد المسلمون في منازلهم سلاحًا كثيرًا، وآلة للصياغة، فأخذ رسول الله ﷺ صفية والخمس، وقسم أربعة أخماسه على أصحابه، فكان أول خمس وزع بعد "بدر" وكان الذي قبض أموالهم محمد بن مسلمة، وأنزل الله تعالى في شأن عبد الله بن أبي، وفي شأن عبادة بن الصامت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٣ أي عبد الله بن أبي وقوله: إني أخشى الدوائر، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ أما المؤمنون الصادقون فهم أولياء المؤمنين، يفضلون ولاية الله ورسوله على أي ولاية سواها، وفي ذلك

стр. 316

نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ١, وذلك لتولي عبادة بن الصامت الله تعالى، ورسوله والذين آمنوا وتبرؤه من بني قينقاع، وحلفهم، وولايتهم, يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .

стр. 317

ثامنًا: قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط رجع المسلمون بالأسرى حتى وصلوا إلى "الصفراء"١ قرب المدينة، فاستراحوا بها، فأمر رسول الله ﷺ بقتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط من بين الأسرى، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من جنايات ضد رسول الله ﷺ والمسلمين والإسلام، يقول ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث فقتله علي بن أبي طالب ﵁ ثم خرج حتى كان بعرق الظبية فأمر ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط، فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال ﷺ : "النار" وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت: قال يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟ فرد عليه عاصم وقال: على عداوتك الله ورسوله. وقال للرسول ﷺ : أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال ﷺ : "نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي، وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي" ٢. كان هذان الرجلان من شر عباد الله، وأكثرهم كفرًا، وعنادًا، وبغيًا، وحسدًا وهجاء للإسلام، وأهله، وأقواهم عداوة لرسول الله ﷺ لعنهما الله "وقد وقع".

стр. 318

تاسعًا: قتل كعب بن الأشرف انتصر المسلمون في بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، يبشران بالنصر، ويوضحان مدى توفيق الله تعالى، فذكروا رءوس القرشيين الذين وضعوا في القليب، فلما سمع كعب بن الأشرف بنبأ انهزام قريش، وقتل رءوسهم قال: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يذكرهم هذان الرجلان؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها١. فلما أيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. ثم انبعث كعب عدو الله يهجو رسول الله والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرض عليهم ولم يكتف بموقفه العدائي في المدينة فركب إلى قريش في مكة واستعداهم على رسول الله ﷺ . فقال له أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي ديننا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق؟ فقال كعب لأبي سفيان: أنتم أهدى منهم سبيلا، وأفضل. فقال رسول الله ﷺ : "ما لنا بابن الأشرف، فقد استعلن بعداوتنا، وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتلانا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قرأ على المسلمين ما أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢ " ٣.

стр. 319

يروي البخاري في الصحيح عن جابر بن عبد الله قصة كعب بن الأشرف وفيها يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله"؟. فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال ﷺ : "نعم". قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال ﷺ : "قل". فأتاه محمد بن مسلمة ومعه أبو نائلة وقال له: إن هذا الرجل يعني محمدًا قد سألنا الصدقة، وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك. قال كعب: وأيضًا لتملنه. قال: فإنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين١. فقال كعب: نعم، ارهنوني. فقالوا: أي شيء تريد؟ قال كعب: ارهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال كعب: فارهنوني أبناءكم. قالوا: نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال له: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة -يعني السلاح- فواعداه أن يأتياه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم. فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ قال كعب: إنما هو محمد بن مسلمة، وأخي ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لأجاب. فدخل محمد بن مسلمة برجال معه هم: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس،

стр. 320

وعبادة بن بشر وقال لهم: إذا ما جاء فإني قائم بشعره "أي آخذه" فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح ريح الطيب فقال لهم: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، عندي أعطر من نساء العرب، وأكمل العرب. فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم. فشمه ثم أشم أصحابه. فلما استمكن منه قال: دونكم، فاقتلوه، فلما قتلوه ساروا إلى النبي ﷺ ، وحينما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام ﵇ تلك الليلة يصلي فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه فلما انتهوا إليه قال: "أفلحت الوجوه". قالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله١ ويقال إن الذي قام على شعره أبو نائلة ﵁.
следующие страницы →