← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ١, وذلك لتولي عبادة بن الصامت الله تعالى، ورسوله والذين آمنوا وتبرؤه من بني قينقاع، وحلفهم، وولايتهم, يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .

стр. 317

ثامنًا: قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط رجع المسلمون بالأسرى حتى وصلوا إلى "الصفراء"١ قرب المدينة، فاستراحوا بها، فأمر رسول الله ﷺ بقتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط من بين الأسرى، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من جنايات ضد رسول الله ﷺ والمسلمين والإسلام، يقول ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث فقتله علي بن أبي طالب ﵁ ثم خرج حتى كان بعرق الظبية فأمر ﷺ بقتل عقبة بن أبي معيط، فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال ﷺ : "النار" وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت: قال يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟ فرد عليه عاصم وقال: على عداوتك الله ورسوله. وقال للرسول ﷺ : أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال ﷺ : "نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي، وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي" ٢. كان هذان الرجلان من شر عباد الله، وأكثرهم كفرًا، وعنادًا، وبغيًا، وحسدًا وهجاء للإسلام، وأهله، وأقواهم عداوة لرسول الله ﷺ لعنهما الله "وقد وقع".

стр. 318

تاسعًا: قتل كعب بن الأشرف انتصر المسلمون في بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، يبشران بالنصر، ويوضحان مدى توفيق الله تعالى، فذكروا رءوس القرشيين الذين وضعوا في القليب، فلما سمع كعب بن الأشرف بنبأ انهزام قريش، وقتل رءوسهم قال: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يذكرهم هذان الرجلان؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها١. فلما أيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. ثم انبعث كعب عدو الله يهجو رسول الله والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرض عليهم ولم يكتف بموقفه العدائي في المدينة فركب إلى قريش في مكة واستعداهم على رسول الله ﷺ . فقال له أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي ديننا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق؟ فقال كعب لأبي سفيان: أنتم أهدى منهم سبيلا، وأفضل. فقال رسول الله ﷺ : "ما لنا بابن الأشرف، فقد استعلن بعداوتنا، وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتلانا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قرأ على المسلمين ما أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢ " ٣.

стр. 319

يروي البخاري في الصحيح عن جابر بن عبد الله قصة كعب بن الأشرف وفيها يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله"؟. فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال ﷺ : "نعم". قال: فأذن لي أن أقول شيئًا. قال ﷺ : "قل". فأتاه محمد بن مسلمة ومعه أبو نائلة وقال له: إن هذا الرجل يعني محمدًا قد سألنا الصدقة، وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك. قال كعب: وأيضًا لتملنه. قال: فإنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين١. فقال كعب: نعم، ارهنوني. فقالوا: أي شيء تريد؟ قال كعب: ارهنوني نساءكم. قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال كعب: فارهنوني أبناءكم. قالوا: نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال له: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة -يعني السلاح- فواعداه أن يأتياه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم. فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ قال كعب: إنما هو محمد بن مسلمة، وأخي ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لأجاب. فدخل محمد بن مسلمة برجال معه هم: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس،

стр. 320

وعبادة بن بشر وقال لهم: إذا ما جاء فإني قائم بشعره "أي آخذه" فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح ريح الطيب فقال لهم: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، عندي أعطر من نساء العرب، وأكمل العرب. فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم. فشمه ثم أشم أصحابه. فلما استمكن منه قال: دونكم، فاقتلوه، فلما قتلوه ساروا إلى النبي ﷺ ، وحينما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام ﵇ تلك الليلة يصلي فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه فلما انتهوا إليه قال: "أفلحت الوجوه". قالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله١ ويقال إن الذي قام على شعره أبو نائلة ﵁.

стр. 321

عاشرًا: أهم أحداث المجتمع الإسلامي وقعت أحداث عديدة، عاشها المجتمع الإسلامي في المدة ما بين بدر وأحد ومن أهمها: ١- زيدت صلاة الحضر ركعتين، وكانت قبل ذلك كصلاة السفر ركعتان. ٢- شرع صوم رمضان. ٣- شرعت زكاة الفطر في نهاية شهر رمضان. ٤- شرع عيد الفطر بصلاته في آخر شهر رمضان وشرع عيد الأضحى كذلك. ٥- بنى النبي ﷺ بعائشة في شهر شوال من السنة الأولى، وكان قد عقد عليها في مكة قبل الهجرة بثلاث سنوات. ٦- تزوج علي بن أبي طالب ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ودخل بها في ذي الحجة من السنة الأولى ﵂.

стр. 322

٧- تزوج عثمان بن عفان ﵁ أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في جمادى الآخرة من السنة الثالثة بعد موت رقية ﵂ ودفنها بالبقيع أثناء غزوة بدر. ٨- تزوج رسول الله ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﷺ في شهر شعبان من السنة الثالثة. ٩- وفي شهر رمضان من السنة الثالثة تزوج رسول الله ﷺ زينب أم المساكين وكان ذلك قبل "أحد" بشهر واحد. ١٠- في منتصف رمضان من السنة الثالثة ولد الحسين بن علي ﵁. ١١- ولد عبد الله بن الزبير في شوال من السنة الثانية، وهو أول مولود للمهاجرين كما ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، وهو أول مولود للأنصار، وكان لهذين المولودين فرح بين المسلمين؛ لأن اليهود أشاعوا أنهم سحروا المسلمين، حتى لا تكون لهم ذرية. ١٢- وفيها شرعت عقوبة الجنايات، وحدد رسول الله ﷺ المعاقل، والديات، وكتب كتابا بها، وعلمه للمسلمين وبدأ تطبيق أحكام الجنايات كما شرعها الله تعالى. تلك أهم أحداث المجتمع الإسلامي التي حدثت بين بدر وأحد١.

стр. 323

حادي عشر: حركة الدعوة بين بدر وأحد تحركت سائر القوى بعد انتصار بدر، وشعر أعداء الإسلام أن الدائرة آتية عليهم لا محالة، فنشطوا في عدوانهم عساهم يحققون لأنفسهم شيئًا من المهابة والقوة. وأدرك رسول الله ﷺ كل ما يحيط به، وبالمسلمين، فأرسل عيونه إلى كل الجهات التي يوجد فيها أعداء الله، ليحيط بكيدهم عند بدء ظهروه. وقد رأينا جدوى هذه العيون، حيث كان رسول الله ﷺ ومعه بعض أصحابه يفاجئون الأعداء وهم في مرحلة التجميع، والإعداد لمهاجمة المسلمين، الأمر الذي جعلهم يتفرقون، ويفرون في الجبال والوديان.

стр. 324

وكان من أهداف القرشيين ضم كافة الأعراب إلى صفهم وتحويل كافة اليهود ليتحركوا معهم بعد بدر، لكنهم لم يحققوا كل ما يأملون بسبب ما قام به الرسول ﷺ من غزوات بعد بدر. وكان الرسول ﷺ خلال هذه المدة يهتم بنشر الدعوة، وتعليم أصحابه ما ينزل عليه من وحي الله تعالى، ومن أهم ما عرفهم به، وعاشه معهم صوم رمضان، والفرحة بعيد الفطر، وصلاة السفر والحضر، وما يتصل بكل ذلك من أحكام، كما شرع للمسلمين في هذه المدة أحكام المعاقل والديات حيث دعت الحاجة لمعرفة حكم الله تعالى فيها. وكان ﷺ يدعو من يلقاه إلى الإسلام ويهتم بتعليم من يدخل الإسلام، ويكله إلى بعض إخوانه ليفقهه في الدين. وبرغم قصر المدة بين بدر وأحد فإنها امتلأت بالنشاط والحيوية، والعمل لخدمة الدعوة، وتطبيق شرع الله في الحياة الشخصية، والاجتماعية. لقد كان حرص رسول الله ﷺ واضحًا في إبراز قوة المسلمين، وإدخال الهيبة والخوف في قلوب الأعداء، ولذلك كان ﷺ يذهب بنفسه قائدًا للمسلمين، ويقيم مدة في ديار القوم، إعلانًا لقوة المسلمين، وإظهارًا لشريعة الله تعالى، وتبليغًا للدين بطريقة عملية لقد تعلم المسلمون خلال هذه الغزوات القصر أثناء السفر، واستفادوا ضرورة الطاعة لله ورسوله وعلموا أحكام الفيء كما تعلموا أحكام الغنيمة من قبل، وتعامل رسول الله ﷺ مع يهود بني قينقاع بما يستحقون فقاتلهم، وأجلاهم إلى "أذرعات" وأمر بقتل كعب بن الأشرف لظهور عداوته، وإصراره على إيذاء المسلمين، ومهاجمة الإسلام، والعدوان على الأعراض، والأموال. ومع كل هذه الأحداث باشر الرسول ﷺ والمسلمون معه حياتهم، ومعاشهم بصورة طبيعية فدخل رسول الله ﷺ بعائشة ﵂، وتزوج حفصة بنت عمر ﵂ كما تزوج ﷺ زينب أم المساكين خلال هذه المدة مما يدل على أن الزواج كان لغايات سامية تخدم الدعوة، وتنشر القيم والأخلاق.

стр. 325

كما زوج ابنتيه فاطمة وأم كلثوم لعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ﵃، وبذلك قرب إليه أربعة من مستشاريه الكبار، وهم: أبو بكر والد عائشة، وعمر والد حفصة، وعثمان زوج أم كلثوم، ورقية من قبلها، وعلي بن أبي طالب زوج فاطمة ﵃ أجمعين. ولقد ساهمت هذه الغزوات في تعريف المسلمين بأعدائهم وأماكن تواجدهم، وطريقتهم في الكر والفر، كما أكدت لهم أن الأعداء لم يهدءوا بعد بدر، وإنما أخذوا في العمل للتغلب على القوة الإسلامية بكل ما أمكنهم من حيلة وعمل, ولذلك لم يتمكن الأعداء من نيل غرة في المسلمين، يفاجئوهم خلالها بالعدوان وبخاصة أن القضاء على الإسلام والمسلمين في المدينة أصبح هدفًا أساسيًا لسائر الأعداء، الأمر الذي جمع بينهم، وجعلهم يأتون إلى المدينة محاربين حيث كانت غزوة أحد.

стр. 326

المبحث السادس: غزوة أحد مدخل ... المبحث السادس: غزوة أحد وقعت غزوة "أحد"١ في شهر شوال من السنة الثالثة: بعد هجرة النبي ﷺ بواحد وثلاثين شهرًا، وبعد غزوة "بدر" بثلاثة عشر شهرًا، وقد استخلف النبي ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ﵁، ونسبة الغزوة إلى "أحد" نسبة للمكان الذي حدثت فيه، وهي من الغزوات المليئة بالدروس، والعبر، التي لا بد منها لحركة الحياة السليمة، وكان عدوان قريش على المسلمين في المدينة سببًا لفرض الجهاد لمقاتلة المعتدي، وصده عن العدوان، وهي المرحلة الثالثة في تشريع الجهاد. وقد وقعت غزوة "أحد" في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة بالإجماع إلا أنهم اختلفوا في يومها فذكر البعض أنها كانت في اليوم السابع، والبعض ذكر أنها كانت في اليوم الحادي عشر وآخرون ذكروا أنها كانت في اليوم الخامس عشر. والإحاطة بالغزوة تحتاج إلى دراسة الموضوعات التالية:

стр. 327

أولا: أسباب الغزوة عاد أهل مكة إلى موطنهم من غزوة "بدر" بعدما رأوا ذل الهزيمة وعار الانكسار وعز عليهم أن يحدث ذلك لهم من جماعة خرجت فارة من بينهم منذ أقل من عام، فأخذوا يعدون العدة للثأر، وهزيمة المسلمين. كما أنهم رأوا أن المسلمين أخذوا يسدون منافذ كل طرقهم إلى الشام، المارة في الحجاز، أو في نجد، وهذا بوار لهم، ولتجارتهم التي هي أهم أسباب حياتهم, وتصوروا أن استمرار هذا الحال يمثل موتًا بطيئًا لمكة كلها. وقف صفوان بن أمية في قريش بعد بدر، وقال لهم: إن محمدًا وأصحابه قد غوروا علينا متجرنا فما ندري كيف نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسكن؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فلم يكن لها من بقاء وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء. قال له الأسود بن المطلب: تنكب طريق الساحل، وخذ طريق العراق، فخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي أعظم تجارتهم، واستأجروا رجلا من بني بكر بن وائل، يقال له فرات بن حيان، يدلهم على ذلك الطريق الجديد الذي دلهم عليه الأسود. وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، فلقيهم، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم١. وبهذا فقدت قريش طريق العراق كما فقدوا من قبله طريق الساحل. وأدرك القرشيون من غزوة رسول الله ﷺ لغطفان وسليم حينما هموا بمهاجمة المدينة وفرارهم حين علموا بسيره ﷺ إليهم أن قوة المسلمين لا يستهان بها، وأن طرقهم التجارية إلى الشام أصبحت غير مأمونة، وأن القبائل المتحالفة معهم أصبحت غير قادرة.

стр. 328

على حمايتهم وبدأت تشك في قوتهم وصمودهم. ورأى المكيون كذلك أن الوثنيين، وأعراب البوادي، واليهود يشاركونهم في كراهية الإسلام، والعداوة لرسول الله ﷺ فاتصلوا بهم، وتصوروا أن اتحادهم في الهدف سبب رئيسي لتوحيد صفوفهم أمام المسلمين، الأمر الذي يؤدي إلى قهر المسلمين، والقضاء عليهم وعلى دعوتهم, ولذلك نشطوا في الإعداد للحرب، وأسرعوا في مهاجمة المسلمين، وجمعوا ما أمكنهم من العتاد والعدة وتحركوا لحرب المسلمين فكانت وقعة "أحد".

стр. 329

ثانيا: موقف أطراف معركة أحد قبل القتال موقف المشركين ... ثانيًا: موقف أطراف معركة أحد قبل القتال علم رسول الله ﷺ بنوايا القرشيين، فأخذ يعد للأمر عدته، واجتهد القرشيون في تحقيق غاياتهم في محاربة المسلمين، والقضاء عليهم، وعلى دينهم، وتأمين حركتهم التجارية، وتأديب أي خارج عليهم، وانطلقوا بجمعهم إلى المدينة، فوقعت الوقعة المعروفة في "أحد" وكان لكل فريق موقفه، وخطته، ولذلك لزم معرفة موقف كل طرف قبل المعركة. ١- موقف المشركين: اتخذ القرشيون صورًا عملية عديدة بعد هزيمة "بدر" مباشرة، واستمرت جهودهم على نشاطها حتى وقعت المعركة، فلقد نشطوا في جمع الأموال، وتكثير الجنود والتأثير على القبائل، وخططوا لتحركهم بدقة عالية، لكن الله غالب على أمره ومن أهم مواقفهم ما يلي: أ- الإعداد المالي: بدأ القرشيون يعدون للحرب عقب "بدر" مباشرة، وبدءوا في جمع أموال يستعدون بها، فلما رجعوا إلى مكة من "بدر" وجدوا العير التي عاد بها أبو سفيان

стр. 330

موقوفة عند دار الندوة، لم توزع لأصحابها بعد، فمشى إلى أبي سفيان مجموعة من أشراف مكة هم: الأسود بن المطلب بن أسد، وجبير بن مطعم، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزى، وحجير بن أبي إهاب، فقالوا: يا أبا سفيان، انظر هذه العير التي قدمت بها فاحتبسها، فقد عرفت أنها أموال أهل مكة، ولطيمة قريش، وهم طيبوا الأنفس، يجهزون هذه العير جيشًا كثيفًا إلى محمد، وأنت ترى من قتل من آبائنا وأبنائنا وعشائرنا وأهلنا. قال أبو سفيان: وهل طابت أنفس قريش بذلك؟ قالوا نعم. قال: فأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فأنا والله الموتور الثائر قد قتل ابني حنظلة وأشراف قومي ببدر فلم تزل العير موقوفة حتى تجهزوا، واقترب موعد الخروج إلى أحد. قالوا: يا أبا سفيان، بع العير ثم اعزل أرباحها، وكانت العير ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارًا، وكان متجرهم من الشام غزة لا يعدونها إلى غيرها، وكان أبو سفيان قد حبس عير بني زهرة لأنهم رجعوا من طريق بدر ولم يقاتلوا، وسلم ما كان لمخرمة بن نوفل، ولبني أبيه، وبني عبد مناف بن زهرة، فأبى مخرمة أن يقبل عيره حتى يسلم إلى بني زهرة جميعًا. وتكلم الأخنس فقال: ما لعير بني زهرة من بين عيرات قريش؟ قال أبو سفيان: لأنهم رجعوا عن قريش. قال الأخنس: أنت أرسلت إلى قريش أن ارجعوا فقد أحرزنا العير، لا تخرجوا في غير شيء، فرجعنا، فأخذت زهرة عيرها، وأخذ أقوام من أهل مكة كل ما كان لهم في العير١. وهكذا اجتمعت قريش على حرب رسول الله ﷺ ، ودفعوا أموالهم للإعداد

стр. 331

وجلب العدد، وأخذوا يحرضون غيرهم معهم، فوافقهم الأحباش وهم أقوام من غير العرب، وقبائل كندة، وأهل تهامة، وغيرهم. ب- التعبئة العامة للمشركين: نشط المكيون في جمع أكبر عدد لقتال المسلمين، فأخذوا يمرون على القبائل ويدورون على سائر المجتمعات العربية، مستفيدين في ذلك بشعرائهم ومشاهيرهم، وخطبائهم فاجتمعوا على أن يبعثوا أربعة من قريش لهذه المهمة، فبعثوا عمرو بن العاص وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعرى، وأبا عزة الجمحي. وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي من الشعراء المشهورين, المعروفين عند الناس، وكان رسول الله ﷺ قد منّ عليه يوم "بدر" وأطلق سراحه بلا فداء لأنه كان فقيرًا ذا عيال وحاجة، فلما عرضوا عليه أن يشترك معهم في التحريض على قتال المسلمين، عرفهم بأنه مدين لرسول الله ﷺ حين منّ عليه، وأطلق سراحه يوم "بدر"، بلا فداء بسبب عوزه وبنيه، ورفض أن يشترك معهم. فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فأخرج معنا فقال له أبو عزة: إن محمدًا ﷺ قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه. قال صفوان: فأعنا بنفسك، فلك الله إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، وما زال به حتى وافق على الخروج معهم. فخرج أبو عزة في تهامة يحرضهم ويهيجهم بشعره وخطبه. وخرج مسافح بن عبد مناف بن وهب إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ . ودعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًا يقال له: وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق.

стр. 332

وقصد المكيون كل من أصيب ببدر في ماله وأهله، ودفعوهم إلى المشاركة بالمال أو بالنفس، أو بالتحريض لقتال المسلمين، ورحبوا بكل قادم غريب ليكون معهم في حربهم ضد المسلمين. ولحق أبو عامر الفاسق بالمكيين وخرج إليهم في خمسة عشر رجلا من الأوس، وتابع قريشًا وسار معها، وهو يعدها أن قومه يؤازرونهم. واسم أبي عامر هذا: عبد عمرو بن صيفي الراهب، وكان رأس الأوس في الجاهلية وكان مترهبًا، فلما جاء الإسلام خذل، فلم يدخل فيه، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة فدعا عليه ﷺ فخرج من المدينة إلى مكة ولم يرجع إليها إلا مع جيش المكيين يوم أحد. وقد اجتمع العرب على ما دعتهم إليه قريش، غير أنهم رفضوا الخروج بالنسوة، وقالوا: إننا نخشى أن تكون الدائرة علينا، ونعيش العار والفضيحة١. ج- اصطحاب قريش للنسوة: خرجت قريش بحدها، وجدها، وحديدها، وأحابيشها، ومن تابعها من بني كنانة، وأهل تهامة، ثم أمر أبو سفيان باصطحاب عدد من النسوة ليباشرن عملية التحريض، ويقمن بشحن المقاتلين، ومنعهم من الفرار حرصًا على الكرامة وحماية للعرض، فلما وجه أبو سفيان قومه لذلك خرج كبارهم بالظعن معهم التماس الحفيظة والحماسة، وبذل أقصى الجهد لحماية العرض والشرف، وقد بلغ عدد الخارجات خمس عشرة امرأة كلهن من قريش بعد أن رفض الأعراب والأحابيش خروج النساء. وقد خرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس بهند بنت عتبة زوجته. وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة. وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة. وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وهي أم عبد الله بن صفوان بن أمية.

стр. 333

وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن عمرو وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية وهي أم بني طلحة مسافع، والجلاس، وكلاب وقد قتلوا يومئذ مع أبيهم. وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير. وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت: ويها أبا دسمة اشف واستشف، وكان وحشي يكنى بأبي دسمة١. وكان لهؤلاء النسوة دور بارز خلال المعركة، فكن ينشدن الشعر، ويحمسن الرجال، ويخوفونهم من عار الهزيمة وذل الانكسار، الأمر الذي ظهر أثره في سير القتال يوم "أحد". د- التحرك نحو المدينة: تابع جيش مكة سيره على الطرق الغربية الرئيسية المعتادة، ولما وصل إلى "الأبواء"٢. اقترحت هند بنت عتبة -زوج أبي سفيان- أن ينبش القرشيون قبر أم رسول الله ﷺ آمنة ﵂، بيد أن قادة الجيش رفضوا هذا الطلب، وحذروا من العواقب الوخيمة التي تلحقهم لو فتحوا هذا الباب، فلعل الدارة تكون عليهم؛ ولأنه عمل يجلب الخزي والعار لفاعله٣. واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة فاستراح عند مدينة تسمى "الصمغة" وأطلق الإبل والخيل ترعى، وبعدها تابع الجيش مسيرته، فسلك وادي العقيق، ثم انحرف منه إلى ذات اليمين، حتى نزل قريبًا من جبل "أحد" في مكان يقال له عينين٤، في بطن السبخة، ومن قناة على شفير الوادي، الذي يقع شمالي المدينة، فعسكر هناك يوم الجمعة

стр. 334

السادس من شهر شوال سنة ثلاث من الهجرة١. هـ- التعبئة النفسية: أدى اصطحاب النسوة إلى بعث روح الحماس في جيش قريش، فقد كن يولولن ويذكرن بقتلى "بدر" ويدرن على المقاتلين محرضات حتى لا يضعفون. وقد أخذ أبو سفيان يحرض رجاله كذلك على الثبات والقتال بوسائل ماكرة، فقال لأصحاب اللواء من بني عبد الدار: يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك الذي أراده أبو سفيان. وشاركت هند زوجها أبا سفيان في هذه المهمة مع باقي النسوة، فإنه لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، ويحرضنهم على القتال، فقالت هند فيما تقول: ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار ضربًا بكل بتار وتقول: إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق و الحرب المعنوية: قبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين فأرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول لهم: خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم، ولكن أين هذه المحاولة أمام إيمان الأنصار الراسخ، ولذا رد عليه الأنصار ردًا عنيفًا، وأسمعوه ما يكره.

стр. 335

واقتربت ساعة الصفر، وتدانت الفئتان، فقامت قريش بمحاولة أخرى لنفس الغرض، فقد خرج إليهم عميل خائن يسمى أبو عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يسمى الراهب، فسماه رسول الله ﷺ الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله ﷺ بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ﷺ ، ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه, ومالوا معه، فكان أول من خرج إلى المسلمين في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى قومه وتعرف عليهم، وقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر وقاتلهم قتالا شديدًا ورماهم بالحجارة. وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل الإيمان مما جعلهم يزدادون خوفًا من المسلمين، ويمتلئون هيبة من لقائهم١. ز- عدة الجيش المكي وتنظيمه: تجمع مشركو مكة، والأحباش، وأعراب البوادي، وبنو ثقيف لحرب رسول الله ﷺ وحصار المدينة حتى بلغ عددهم ألفين وتسعمائة مقاتل، منهم سبعمائة دارع، والباقون رماة وكان مع الجيش مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير بالإضافة إلى ما كان معهم من نساء. سار الجيش المكي حتى قرب من المدينة وعند "أحد" نظم القرشيون جيشهم للقتال فاصطفوا صفًا واحدًا، وأمنوا الميمنة، والميسرة، فجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وحمل اللواء طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار، وولوا قيادة الخيل لـ"صفوان بن أمية" وجعلوا قيادة الرماة لـ"عبد الله بن أبي ربيعة"٢. وتولى القيادة العامة أبو سفيان بن حرب لهلاك أكابرهم في "بدر".

стр. 336

٢- موقف المسلمين: تأهبت قريش لقتال المسلمين، وأخذت عدتها لتثأر لهزيمتها في "بدر" وسارت نحو المدينة في قوات ضخمة، وأسلحة عديدة، دفعت المحبين لرسول الله ﷺ أن يرسلوا له بخبر وسارت الأمور على نحو يحتم ضرورة القتال والمواجهة كما يتضح من النقاط التالية: أ- العلم بموقف العدو: أول من أرسل إلى رسول الله ﷺ يخبره بما عزم عليه القرشيون العباس عم النبي ﷺ حيث كتب كتابًا إلى رسول الله ﷺ مع رجل من بني غفار، يخبره بذلك، فقدم عليه الرجل وهو في قباء، فقرأه عليه أبي بن كعب، فطلب النبي ﷺ من أبي أن يكتم الخبر. وقال له: "لا تطلع عليه أحدًا". ونزل رسول الله ﷺ على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس. فقال: "والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير" ١. وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر وقد فارقوا قريشًا من ذي طوى، فأخبر النبي ﷺ بخبر أهل مكة وانصرفوا٢. وبعث رسول الله ﷺ أنسًا ومؤنسًا ابني فضالة ليلة الخميس عينين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي ﷺ فأخبراه بما رأوا٣. وبعث رسول الله ﷺ الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم، وعاد وقد حرز عددهم وما معهم، فقال ﷺ : "لا تذكروا من شأنهم حرفًا، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول، وبك أصول" ٤. وطلب رسول الله ﷺ من أصحابه الاستعداد لملاقاة الكفار، بعدما أشار إليهم وعرفهم.

стр. 337

وباتت وجوه الأوس والخزرج ليلة الجمعة لست مضين من شوال، عليهم السلاح في المسجد، بباب النبي ﷺ ، خوفًا من بيات المشركين، وحرست المدينة حتى أصبحوا. ب- رؤيا رسول الله ﷺ : رأى رسول الله ﷺ رؤيا، فلما أصبح يوم الجمعة، واجتمع الناس خطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس، إني رأيت في منامي رؤيا رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم، من عند ظبته -أي انكسر وتتلم من عند طرفه- ورأيت بقرًا تذبح، ورأيت كأني مردف كبشًا". فقال الناس يا رسول الله، فما أولتها؟ قال ﷺ : "أما الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، أو قتل رجل من أهل بيتي وأما البقر المذبح فقتلى في أصحابي وأما أني مردف كبشًا فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله، ويراد به طلحة بن أبي طلحة"، وقد حدث١. ج- المشاورة في خطة المواجهة: جمع رسول الله ﷺ أهل الرأي من الصحابة ليشتركوا معه في وضع خطة للجهاد، والمقاومة، فقال ﷺ : "أشيروا عليّ أيها الناس". فتكلم الصحابة، واختلفوا في الرأي، حيث رأى أغلبهم الخروج لملاقاة الكفار خارج المدينة ورأى القليل غير ذلك. وكان رأي رسول الله ﷺ ألا يخرج من المدينة، ووافقه عبد الله بن أبي، والأكابر من الصحابة مهاجرهم، وأنصارهم. وقال ﷺ : "امكثوا في المدينة، واجعلوا النساء والذراري في الآطام فإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة، فنحن أعلم بها منهم، ونرميهم من فوق الصياصي والآطام، وكان هذا هو الرأي وبخاصة أن الصحابة قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية حتى صارت كالحصن".

стр. 338

وقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرًا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو: اخرج بنا إلى عدونا. وقال حمزة، وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة، في طائفة من الأنصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم، جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا. وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعامًا، حتى أجالدهم بسيفي خارجًا من المدينة. وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وإياس بن أوس بن عتيك ورأوا الخروج للقتال. فلما رأى ﷺ ذلك، وأشار الكثيرون بالخروج من المدينة، ولم ينزل وحي محدد في هذا الأمر صلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، ففرح الناس بالخروج من المدينة لقتال عدوهم، وكره ﷺ ذلك المخرج إلا أنه وافقهم ونزل على رأيهم ما دام لم ينزل فيه وحي من الله تعالى١. صلى رسول الله ﷺ الجمعة بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، ففرح الناس بالخروج من المدينة لقتال عدوهم، وكره ﷺ ذلك المخرج إلا أنه وافقهم ونزل على رأيهم ما دام لم ينزل فيه وحي من الله تعالى١. صلى رسول الله ﷺ العصر بالناس وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ورفعوا النساء في الآطام، ودخل ﷺ بيته، ومعه أبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄ فعمماه ولبساه، واصطف الناس له ما بين حجرته إلى منبره، فجاء سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير فقالا للناس: قلتم لرسول الله ﷺ ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء فردوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم فيه له هوى أو رأي فأطيعوه. فبينا هم على ذلك إذ خرج رسول الله ﷺ قد لبس لأمته ولبس الدرع فأظهرها، وحزم وسطها، بمنطقه من حمائل سيف، واعتم وتقلد السيف. فقال الذين يلحون: يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك. فقال ﷺ : "قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله

стр. 339

فلكم النصر ما صبرتم١. د- رد الغلمان: عسكر الجيش الإسلامي بالشيخين، وفيها طلب النبي ﷺ رؤية صغار من خرج مع الجيش للجهاد، فعرضوا جميعًا عليه ﷺ وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد بن ثابت، والنعمان بن بشير، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن حبتة الأنصاري، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج، فردهم، ثم أجاز رافع بن خديج لأنه رام، فقال سمرة بن جندب لزوج أمه مري بن سنان: أجاز رسول الله ﷺ رافع بن خديج وردني وأنا أصرعه، فأعلم بذلك رسول الله ﷺ فقال: تصارعا، فصرع سمرة رافعًا فأجازه٢. هـ- تنظيم الحراسة الليلية: لما فرغ العرض، وغربت الشمس، أذن بلال بالمغرب فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ثم أذن بالعشاء فصلى بهم، واستعمل على الحرس محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، وقال ﷺ حين صلى العشاء: "من يحفظنا الليلة"؟. فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "من أنت"؟. قال: ذكوان بن عبد قيس. قال ﷺ : "اجلس". ثم قال ﷺ : "من رجل يحفظنا هذه الليلة"؟. فقام رجل فقال: أنا. فقال رسول الله ﷺ : "من أنت"؟. قال: أنا أبو سبع. قال ﷺ : "اجلس"، ثم قال ﷺ : "من رجل يحفظنا الليلة"؟.

стр. 340

فقام رجل فقال: أنا. فقال ﷺ : "من أنت"؟. قال: ابن عبد القيس. قال ﷺ : "اجلس"، ومكث رسول الله ﷺ ساعة. ثم قال: "قوموا ثلاثتكم". فقام ذكوان بن عبد قيس. فقال رسول الله ﷺ : "أين صاحباك"؟. فقال ذكوان بن عبد قيس: أنا الذي كنت أجبتك الليلة. قال ﷺ : "فاذهب، حفظك الله". فقام ذكوان بن عبد قيس فلبس درعه، وأخذ درقته، فكان يطيف بالعسكر ليلته ويقال بل كان يحرس رسول الله ﷺ ولم يفارقه، وبذلك نام المسلمون ليلتهم آمنين استعدادًا للقاء عدو الله وعدوهم١. و تنظيم الجيش الإسلامي في أحد: نام ﷺ حتى إذا كان السحر قال: أين الأدلاء؟ فلما جاءوا إليه قال لهم ﷺ : "من رجل يدلنا على طريق يخرجنا على القوم من كثب"؟. فقام أبو حثمة الحارثي فقال: أنا يا رسول الله. فخرج ﷺ فركب فرسه، فسلك به في حرة بني حارثة، فذب فرس أبي بردة بن نيار بذنبه فأصاب كلاب سيفه فسل سيفه، فقال رسول الله ﷺ : "يا صاحب السيف، شم سيفك، فإني إخال السيوف ستسل فيكثر سلها" ٢. دعا رسول الله ﷺ بثلاثة أرماح لعقد ثلاثة ألوية، فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى حباب بن المنذر بن الجموح، ويقال إلى سعد بن عبادة

стр. 341

ودفع لواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه١. ثم ركب فرسه، وتقلد القوس، وأخذ قناة بيده، والمسلمون عليهم السلاح فيهم مائة دارع. وخرج سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ ﵁ أمامه يعدوان والناس عن يمينه، وشماله حتى انتهى إلى رأس الثنية، عند مكان يقال له الشيخان، نسبة إلى شيخ وشيخة عمياوان كانا يجلسان في الجاهلية فوقه يتناجيان. وهناك رأى ﷺ كتيبة خشناء لها جلبة وضجيج فقال ﷺ : "ما هذه"؟. فقالوا: هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول من اليهود. فقال ﷺ : "لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك وردهم" ٢. ومضى فعسكر بالشيخين قريبًا من أحد، ولبس درعه الأول، وبعد استراحة الجيش أخذ سيره إلى أحد. وفي الطريق عند "الحائط" رجع عبد الله بن أبي ومن معه من أهل النفاق، وهم ثلاثمائة رجل وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان، ومن لا رأي له، ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ارجعوا أيها الناس، فرجعوا. فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام "وكان خزرجيًا كابن أبي". فقال رضي الله عليه: أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم، ونبيكم بعدما حضر عدوهم. قالوا: لو نعلم قتالا ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما أبوا قال: أبعدكم الله، فسيغني الله عنكم نبيه. ولما راآ بنو سلمة من الأوس، وبنو حارث بن الخزرج عبد الله بن أبي قد خذل، هموا بالانصراف، وكانوا جناحين من المعسكر، ثم عصمهما الله، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣.

стр. 342

فعن جابر ﵁: نزلت هذه الآية فينا ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة، وقد عصمهما الله فثبتا ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ . وقالت طائفة من الأوس لرسول الله ﷺ لما رجع ابن أبي: يا رسول الله ألا تستعين بحلفائنا من يهود بني قريظة، وذلك لأن بني قريظة من حلفاء سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس؟! فقال ﷺ : "لا حاجة لنا فيهم". وتحرك الجيش الإسلامي إلى أحد، فبلغها عند صلاة الفجر يوم الخامس عشر من شوال، وهو "يوم المعركة" فأذن بلال وأقام، وصلى ﷺ بأصحابه الصبح صفوفًا. وهكذا أراد الله تعالى للمسلمين أن يكونوا وحدهم حماة دينهم، ليعيشوا المسئولية كاملة، ولينتفعوا بما في الجهاد من خير في الدنيا والآخرة، ولذا تطهر الصف الإسلامي من المنافقين وغيرهم، ورفض رسول الله ﷺ أن يستعين بغير المسلمين. ونزل رسول الله ﷺ الشعب من "أحد" ونظم جيشه في عدوة الوادي إلى الجبل، وجعل ظهره وعسكره إلى "أحد"، ولبس درعه الثانية فوق الأولى، ومغفرًا فوقها، وبيضة فوق المغفر، ثم قال: "لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال". وقد سخرت قريش الظهر والكراع، في زروع كانت بالصمغة، من قناة المسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أترعى زروع بني قبيلة، ولما نضارب١. وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال، وسبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، وهو معلم يومئذ بثياب بيضاء، وكان الرماة خمسين رجلا، فقال لهم ﷺ : "انضحوا عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبتوا مكانكم لا نؤتين من قبلكم". ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخي بني عبد الدار. وكان المسلمون سبعمائة مقاتل فيهم مائة دارع، وفرسان أحدهما لرسول الله ﷺ والآخر لأبي بردة بن نيار.

стр. 343

وصف رسول الله ﷺ أصحابه، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو الغنوي. ثم قام ﷺ فخطب الناس فقال: "يا أيها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، ثم إنكم بمنزل أجر وذخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطن نفسه له على الصبر واليقين، والجد، والنشاط، فإن جهاد العدو شديد كريه قليل من يصبر عليه إلا من عزم الله له رشده، فإن الله مع من أطاعه، وإن الشيطان مع من عصاه، فافتتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به فإني حريص على رشدكم، وإن الاختلاف، والتنازع، والتثبيط، من أمر العجز، والضعف، وهو مما لا يحب الله، ولا يعطي عليه النصر، ولا الظفر. يا أيها الناس حدد -تأكد- في صدري أن من كان على حرام فرق الله بينه وبينه ورغب له عنه غفر الله له ذنبه، ومن صلى عليّ صلاة صلى الله عليه وملائكته عشرًا، ومن أحسن من مسلم أو كافر وقع أجره على الله في عاجل دنياه أو آجل آخرته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا صبيًا، أو امرأة، أو مريضًا أو عبدًا مملوكًا، ومن استغنى عنها استغنى الله عنه، والله غني حميد. ما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه. وإنه نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله ربكم، وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية ربكم، فإنه لا يقدر على ما عنده إلا بطاعته. إن الله تعالى قد بين لكم الحلال والحرام، غير أن بينهما شبهًا من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عصم الله، فمن تركها حفظ عرضه ودينه ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيها، وليس ملك إلا وله حمى ألا وإن حمى الله محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده، والسلام عليكم"١. وهكذا وجه رسول الله ﷺ وأصحابه إلى عوامل النصر، والغلبة، وأساسها إعداد العدة، والصبر، واللجوء إلى الله وحسن الطاعة والانقياد، وأداء الواجبات، وصدق التوكل، وإخلاص التقوى، وتقدير محارم الله تعالى، والإيمان التام بقدره .

стр. 344

ثالثا: أحداث المعركة مدخل ... ثالثًا: أحداث المعركة بدأت قريش بالهجوم حيث قام أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي مع مجموعة بلغ عددها خمسين مقاتلا بالهجوم على المسلمين، فنشبت الحرب بعدها. وكان أبو عامر قد ترك المدينة، ورحل إلى مكة بعد "بدر" واصطحب معه خمسة عشر رجلا من الأوس، وكون بهم قوات خاصة، بعدما انضم إليهم خمسة وثلاثون رجلا من عبيد أهل مكة. وكان أبو عامر يزعم لأهل مكة أنه إذا نادى الأوس جميعًا، وهم يحاربون في صف المسلمين يستجيبون له وينحازون لقريش. فلما بدأ القتال نادى قومه وقال: يا معشر الأوس أنا أبو عامر. فأجابه الأوس: لا مرحبًا بك، ولا أهلا، يا فاسق. فقال أبو عامر: لقد أصاب قومي بعدي شر١. وتراموا بالحجارة ساعة حتى ولى. وقد مرت المعركة بثلاث مراحل، كانت الأولى مرحلة انتصار كاسح للمسلمين وكانت الثانية خسارة للمسلمين، وكانت الثالثة مرحلة صمود المسلمين ومقاومتهم، وبيان هذه المراحل فيما يلي:

стр. 345

المرحلة الأولى للقتال انتصار المسلمين: اشتد وطيس المعركة، وكان أول البشائر فيها مقتل حامل لواء قريش طلحة بن أبي طلحة بعدما نادى بالمبارزة، فخرج إليه الزبير بن العوام ﵁ ووثب على جمله، وأمسك به وأنزله على الأرض، وذبحه بسيفه، فكبر المسلمون، وسر رسول الله ﷺ لمقتل طلحة الذي كان يعرف بـ"كبش الكتيبة" لشجاعته، وقوته١. واندلع القتال بعد مقتل طلحة في كل أرض المعركة، وشد المسلمون على لواء المشركين لأهميته في هزيمتهم، وقد تمكن المسلمون من حملة اللواء حتى أفنوهم جميعًا، لأنه بعد مقتل طلحة حمل اللواء، أخوه عثمان بن طلحة فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه حتى وصلت إلى سرته، فبانت رئته. ثم رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه ومات لحينه، وقيل: بل خرج أبو سعد يدعو إلى المبارزة، فتقدم إليه علي بن أبي طالب فاختلفا ضربتين فضربه علي فقتله. ثم رفع اللواء مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم فقتله. فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، فانقض عليه الزبير بن العوام وقاتله حتى قتله. ثم حمل اللواء أخوهما الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة، فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته، وقيل: بل رماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم فقضى عليه. ثم حمله من بني عبد الدار أرطأة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبي طالب، وقيل حمزة بن عبد المطلب. ثم حمله شريح بن قارظ فقتله قزمان، وكان منافقًا قاتل مع المسلمين حمية، لا عن الإسلام ثم حمله أبو زيد بن عبد مناف العبدري فقتله قزمان أيضًا. ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضًا. فتقدم غلام حبشي اسمه صواب فحمل اللواء، وأبدى من صنوف الشجاعة والثبات، ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله، فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه، لئلا يسقط حتى قتل وهو يقول: اللهم هل أعذرت،

стр. 346

يعني هل أعذرت؟ أمام سادته المكيين. وبعد أن قتل هذا الغلام -صواب- سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله فبقي ساقطًا١. وأخذ المسلمون يهتفون بشعار يوم أحد "أمت، أمت"، وينزلون بأعدائهم الضرب والقتل، ويشدون عليهم في كل ناحية، ويبرزون من ضروب الفداء والتضحية ما يعده المؤرخون أمثلة خالدة في إطار الجهاد، وحب الله ورسوله ومن هذه الأمثلة: ١- قتال أبي دجانة ﵁: أقبل أبو دجانة ﵁ معلمًا بعصابته الحمراء، آخذًا بسيف رسول الله ﷺ ، مقبلا على الجهاد والنصر، فقاتل حتى أمعن في المشركين، وكان لا يلتقي بمشرك إلا وقتله، وأخذ يهد صفوف المشركين هدًا ويفرقهم بددًا. يقول الزبير بن العوام ﵁: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، وقلت في نفسي: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه، فسألته إياه قبله، فآتاه إياه، وتركني، والله لأنظرن ما يصنع؟ فاتبعته فرأيته قد أخرج من جيبه عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه. فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، فلبسها وخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحًا إلا أجهز عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه أبو دجانة بدرقته، فعضه بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله. ثم أمعن أبو دجانة في هد الصفوف، حتى خلص إلى قائدة نسوة قريش وهو لا يدري بها.

стр. 347

قال أبو دجانة: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة، وكانت تلك المرأة هي هند بنت عتبة. يقول الزبير بن العوام: رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها، فقلت: الله ورسوله أعلم١. ٢- قتال حمزة بن عبد المطلب ﵁: وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث الأبطال، فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين في شجاعة منقطعة النظير، ففر من أمامه أبطال قريش، وتطايروا كما تتطاير الأوراق أمام الرياح العاتية، واستمر في اندفاعه ﵁ حتى صرعه وحشي، وهو مختبئ في مكنه، أملا في الحرية التي وعده بها سيده جبير بن مطعم، ولينال رضى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان. يروي البخاري بسنده قصة استشهاد حمزة كا رواها وحشي بعدما أسلم فيقول: إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم، إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر. فلما خرج الناس عام عينين خرجت مع الناس، إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا سباع يابن أم أنمار، مقطعة البظور أتحاد الله روسوله ﷺ ؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فوضعتها في ثنيته، حتى خرجت من بين وركيه، فكان ذاك العهد به. فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة، حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسولا، فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله ﷺ .

стр. 348

فلما رآني قال ﷺ : "أنت وحشي"؟. قلت: نعم. قال ﷺ : "أنت قتلت حمزة"؟. قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني"؟. قال: فخرجت١. وبهذه الطريقة استشهد حمزة ﵁ يوم "أحد"، وجاءت هند إلى جسده فمثلت به، وأخرجت كبده، ولاكته في فمها لغلها الدفين، وحقدها الكامن، ولكنها لم تتمكن من أكله، فلفظته، وقد حزن النبي ﷺ كثيرًا لموت حمزة ﵁ ولذلك أبعد وجهه عن رؤية وحشي رغم أن وحشيًا كان قد أسلم، وحسن إسلامه. وقد غسلت الملائكة حمزة بعدما احتلم في نومه، أثناء النعاس الذي رزقه الله للمؤمنين أثناء المعركة. ومن العجيب أن وحشيًا لم يشترك في القتال ولم يقتل غير حمزة يوم أحد لأنه لم يأت مع الجيش إلا لهذه الغاية، ولما أسلم اشترك في حرب الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ وقتل مسيلمة الكذاب وجاهد في الله حق الجهاد، ولله في خلقه شئون٢. ٣- تعدد البطولات: برغم هذه الخسارة الفادحة التي لحقت بالمسلمين بقتل أسد الله، وأسد رسوله ﷺ ظل المسلمون مسيطرين على الموقف كله، فقد قاتل يومئذ أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن جحش، وسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وأمثالهم ﵃ قتالا فل عزائم المشركين، وفتت أعضادهم، وفرق جمعهم، ودفعهم إلى ترك ميدان المعركة ففروا إلى قمم الجبل٣.

стр. 349

٤- بطولة حنظلة الغسيل: وكان من أبطال الجهاد يومئذ حنظلة الغسيل, وهو حنظلة بن أبي عامر، وأبو عامر هذا هو الذي سمي بالفاسق، كان حنظلة حديث عهد بالعرس، فلما سمع هواتف الحرب، وهو على امرأته، انخلع من أحضانها، وقام من فوره إلى الجهاد، فلما التقى بجيش المشركين في ساحة القتال، أخذ يشق الصفوف، حتى خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان بن حرب، وكاد يقضي عليه لولا أن أتاح الله له الشهادة، فقد شد على أبي سفيان، فلما استعلاه، وتمكن منه رآه شداد بن الأسود فضربه بالسيف حتى قتله، فغسلته الملائكة ولذلك سمي بحنظلة الغسيل١. ٥- جهاد الرماة: وكان للفصيلة التي عينها الرسول ﷺ على جبل الرماة يد بيضاء في إدارة دفة القتال لصالح الجيش الإسلامي، فقد هجم فرسان من جيش مكة بقيادة خالد بن الوليد، يساندهم أبو عامر الفاسق، ثلاث مرات على الرماة ليحطموا جناح الجيش الإسلامي الأيسر، ويتسربوا إلى ظهور المسلمين، فيحدثوا البلبلة والارتباك في صفوفهم، وينزلوا عليهم هزيمة ساحقة، ولكن هؤلاء الرماة رشقوهم بالنبل حتى فشلت هجماتهم٢. وهكذا ظهرت البطولات الإسلامية، وانهارت مقاومة المكيين فولوا الأدبار، وفروا هاربين فوق الجبل، وكادت أن تنتهي المعركة بهذا النصر الحاسم، لولا خطأ وقع فيه الرماة، أدى إلى تغير الوضع، وتحول النصر إلى هزيمة وانكسار، وهو ما حدث في المرحلة الثانية.

стр. 350

المرحلة الثانية للقتال هزيمة المسلمين: لما انهزم المشركون، وولوا الأدبار، أقبل المسلمون على الغنائم والأسلاب، وهنا جاء خطأ الرماة تركوا الجبل، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ الذي ذكره لهم وهو ينظم المعركة، وغرتهم الأسلاب والغنائم، وقال بعضهم لبعض: تقيمون ها هنا في غير شيء؟ قد هزم الله العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم! فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم!! فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال لكم: "احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا". فقال الآخرون: لم يرد رسول الله هذا، وانطلقوا، فلم يبق منهم مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون١. انتهز خالد بن الوليد فرصة ترك الرماة لمكانهم، وكان قريبًا منه على ميمنة خيل المشركين، فهجم على موضع الرماة، واحتله بفرسانه، وتمكن وجنوده من قتل قائد الرماة عبد الله بن جبير ﵁ وجرح من بقي معه، ولم يفطن المسلمون لهذه المباغتة, وصاح خالد في قريش ليعودوا إلى الميدان مرة أخرى، ويلتقوا وراء المسلمين، فعادت قوات قريش المهزومة للقيام بهجوم جديد، بينما خالد وفرسانه يحكمون قبضتهم على جبل الرماة، الموجود خلف المسلمين، وبذلك أصبح المسلمون محاطين من كافة جوانبهم، وتحرج موقفهم وصاروا عرضة للسهام تأتيهم من كل جانب، فانهارت مقاومتهم، وبخاصة أن صفوفهم لم تكن ثابتة في مواضعها، لتستطيع الصمود بعد تبعثر أفرادها لجمع الغنائم. تفككت صفوف المسلمين وقام إبليس بمهمته فنادى عند جبل عينين وظهر للناس في صورة جعال بن سراقة وصرخ في الناس إن محمدًا قد قتل، ثلاث صرخات دوت في الوادي٢. وبهذه الصورة تحول الموقف بسرعة كبيرة، وعاد المشركون من هزيمتهم إلى انتصار يتحقق، وبعدما كان المسلمون يعيشون فرحة الانتصار صاروا إلى هزيمة مؤلمة، وتخبط حالهم، واختلط توجههم، وتداخل المسلمون، وصاروا يقتتلون فيما بينهم، ويضرب بعضهم بعضًا ولا يشعرون بسبب ما هم فيه من العجلة، والدهشة، والمفاجأة. وجرح أسيد بن حضير جرحين، ضربه أحدهما أبو بردة بن نيار وهو لا يدري.

стр. 351

وضرب أبو زعنة أبا بردة ضربتين وما يشعر. والتقت أسياف المسلمين على اليمان حسيل بن جابر وهم لا يعرفونه حين اختلطوا، وحذيفة يقول أبي، أبي حتى قتل، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فزادته مقالته هذه عند رسول الله خيرًا، وأمر رسول الله ﷺ بديته أن تخرج، فتصدق حذيفة بن اليمان بديته على المسلمين، ويقال: إن الذي أصابه عتبة بن مسعود، وأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة!! فأقبلوا إليه جماعة واحدة: لبيك داعي الله! فيضرب يومئذ جبار بن صخر في رأسه وما يدري١. ولم ينقذهم من هذا الاضطراب إلا ظهور صيحتهم التي تميز المسلم من المشرك فأظهروا الشعار بينهم، فجعلوا يصيحون: أمت أمت! فكف بعضهم عن بعض. وأصاب الوهن المسلمين، وتصوروا أن دولتهم قد زالت، وأن كيانهم تهدم، وبخاصة بعدما سمعوا صيحة إبليس المؤذنة بقتل رسول الله ﷺ . لقد زعزعت صيحة إبليس المعسكر الإسلامي كله، وفي نفس الوقت قوت عزيمة المشركين لشعورهم بقرب تحقيق أمانيهم، ولم يدم ذلك الحال طويلا، فلقد جاء الخبر بسلامة رسول الله ﷺ ونجاته. وكان أول من بشرهم بسلامة رسول الله ﷺ كعب بن مالك، فجعل يصيح ورسول الله ﷺ يشير إليه بإصبعه على فيه أن "اسكت". ودعا بلأمة كعب فلبسها، ونزع لأمته فلبسها كعب، وقاتل كعب حتى جرح سبعة عشر جرحًا لشدة قتاله. وأخذ أبو سفيان في البحث عن حقيقة خبر مقتل رسول الله ﷺ لتهدأ نفسه، ويتيقن من تحقيق هدف المشركين الأول، فأخذ يسأل من يقابله، ويقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدًا؟ فقال ابن قمئة: أنا قتلته. قال أبو سفيان: نسورك كما تفعل الأعاجم بأبطالها. وأخذ أبو سفيان يطوف بأبي عامر في أرض المعركة عساه يرى محمدًا ويتأكد من قتله؟

стр. 352

ولما تصفح أبو سفيان القتلى قال: ما نرى مصرع محمد؟ كذب ابن قميئة. ولقي أبو سفيان خالد بن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟ قال خالد: رأيته قبل قليل في نفر من أصحابه، مصعدين في الجبل. قال أبو سفيان: هذا حق، كذب ابن قمئة، زعم أنه قتله١. وهنا تغير الأمر ثانية وانكسرت شوكة الحماس القرشي وفترت حدتهم، وثبتت فئة مع رسول الله ﷺ ، وأخذ المسلمون يفيئون إلى رسول الله ﷺ فتماسكت قوتهم، وتمكنوا من الصمود حتى انتهت المعركة.

стр. 353

المرحلة الثالثة للقتال الصمود الإسلامي: أدت مخالفة الرماة للأوامر التي تلقوها من رسول الله ﷺ إلى انكسار الجيش الإسلامي وتفكك صفوفه، وفرار المسلمين إلى الجبل في كل جوانبه. ولما انكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ لم يبق منهم معه ﷺ إلا نفر يسير، ولم يبق للمسلمين لواء قائم ولا فئة ثابتة، وأخذت خيل المشركين تجوسهم مقبلة ومدبرة، في جنبات الوادي، وتجمع المشركون، يلتقون ولا يتفرقون، ما يرون أحدًا من الناس يردهم بعدما فر المسلمون، وصعدوا إلى الجبل، وقد استشهد من المسلمين من أكرمه الله تعالى بالشهادة ولولا ثبات النبي ﷺ وشجاعته لكانت النكسة الماحقة، ولوقعت الهزيمة التي لا انتصار بعدها. روى البيهقي عن المقداد بن عمرو ﵁ قال: أوجع المشركون والله فينا قتلا ذريعًا، ونالوا من رسول الله ﷺ ما نالوا، ألا والذي بعثه بالحق ما زال رسول الله ﷺ شبرًا واحدًا، وإنه لفي وجه العدو، ويفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق عنه مرة، فربما رأيته قائمًا يرمي عن قوسه ويرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله ﷺ في عصابة ثبتت معه١. وقال محمد بن عمر: ثبت رسول الله ﷺ مكانه، ما يزول قدمًا واحدًا بل وقف في

стр. 354

وجه العدو، وما يزال يرمي عن قوسه، حتى تقطع وتره، وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرًا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له. فقال عكاشة ﵁: يا رسول الله لا يبلغ الوتر. فقال ﷺ : "مده فيبلغ". قال عكاشة ﵁: فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ، وطويت منه لبتين أو ثلاثًا على سية القوس١. ثم أخذ رسول الله ﷺ قوسه، فما زال يرمي به، وأبو طلحة يستره متترسًا عنه، حتى تحطمت القوس وصارت شظايا، وفنيت نبله، فأخذ القوس قتادة بن النعمان فلم تزل عنده، ورمى رسول الله ﷺ بالحجارة وكان أقرب الناس إلى العدو. وثبت معه ﷺ خمسة عشر رجلًا، ثمانية من المهاجرين هم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، وسبعة من الأنصار هم: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف, وسعد بن معاذ، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة ﵁ ويقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع! ٢. وصان الله رسوله من كيد أعدائه في هذه المحنة القاسية فشتت رميهم، وأفسد سهامهم وأرسل ملائكته لحفظ رسول ﷺ . وروى الطبراني عن ابن عباس: أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ ، وجعل رسول الله ﷺ لما انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون عليه، يدعوهم في أخراهم ويقول: "إليّ يا فلان، أنا رسول الله"، فما يعرج عليه أحد، هذا والنبل يأتيه ﷺ من كل ناحية، والله تعالى يصرف ذلك عنه٣. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين

стр. 355

يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرفه الله عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه ولم يره فعاتبه صفوان بن أمية في ذلك، فقال له: والله ما رأيته، أحلف بالله أنه منا ممنوع أما والله لقد خرجنا فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه١. وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا، وتعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ ، وعرفوا المشركين بذلك، وهم: عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قمئة، وأبي بن خلف، وزاد بعضهم عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي. قال ابن سعد: قال أبو النمر الكناني وهو جد شريك بن عبد الله بن أبي نمر: شهدت أحدًا مع المشركين، ورميت يومئذ بخمس رميات، فأصبت منها بأسهم، وإني لأنظر إلى رسول الله صلى الله علي وسلم، وإن أصحابه لمحدقون به، وإن النبل لتمر عن يمينه، وعن شماله، وتقصر بين يديه، وتخرج من ورائه، ثم هداني الله للإسلام٢. وروى عبد الرزاق عن الزهري قال: ضرب وجه رسول الله ﷺ يوم "أحد" سبعين ضربة بالسيف، وقاه الله شرها كلها. وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين وهم: علي، والزبير، وطلحة وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحارث بن الصمة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد٣. وروى أبو يعلى بسند حسن، عن علي ﵁ قال: لما انجلى الناس عن رسول الله ﷺ يوم "أحد" نظرت في القتلى، فلم أر رسول الله ﷺ فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى أن الله تعالى غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه ﷺ ، فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا
следующие страницы →