← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وضرب أبو زعنة أبا بردة ضربتين وما يشعر. والتقت أسياف المسلمين على اليمان حسيل بن جابر وهم لا يعرفونه حين اختلطوا، وحذيفة يقول أبي، أبي حتى قتل، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فزادته مقالته هذه عند رسول الله خيرًا، وأمر رسول الله ﷺ بديته أن تخرج، فتصدق حذيفة بن اليمان بديته على المسلمين، ويقال: إن الذي أصابه عتبة بن مسعود، وأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة!! فأقبلوا إليه جماعة واحدة: لبيك داعي الله! فيضرب يومئذ جبار بن صخر في رأسه وما يدري١. ولم ينقذهم من هذا الاضطراب إلا ظهور صيحتهم التي تميز المسلم من المشرك فأظهروا الشعار بينهم، فجعلوا يصيحون: أمت أمت! فكف بعضهم عن بعض. وأصاب الوهن المسلمين، وتصوروا أن دولتهم قد زالت، وأن كيانهم تهدم، وبخاصة بعدما سمعوا صيحة إبليس المؤذنة بقتل رسول الله ﷺ . لقد زعزعت صيحة إبليس المعسكر الإسلامي كله، وفي نفس الوقت قوت عزيمة المشركين لشعورهم بقرب تحقيق أمانيهم، ولم يدم ذلك الحال طويلا، فلقد جاء الخبر بسلامة رسول الله ﷺ ونجاته. وكان أول من بشرهم بسلامة رسول الله ﷺ كعب بن مالك، فجعل يصيح ورسول الله ﷺ يشير إليه بإصبعه على فيه أن "اسكت". ودعا بلأمة كعب فلبسها، ونزع لأمته فلبسها كعب، وقاتل كعب حتى جرح سبعة عشر جرحًا لشدة قتاله. وأخذ أبو سفيان في البحث عن حقيقة خبر مقتل رسول الله ﷺ لتهدأ نفسه، ويتيقن من تحقيق هدف المشركين الأول، فأخذ يسأل من يقابله، ويقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدًا؟ فقال ابن قمئة: أنا قتلته. قال أبو سفيان: نسورك كما تفعل الأعاجم بأبطالها. وأخذ أبو سفيان يطوف بأبي عامر في أرض المعركة عساه يرى محمدًا ويتأكد من قتله؟

стр. 352

ولما تصفح أبو سفيان القتلى قال: ما نرى مصرع محمد؟ كذب ابن قميئة. ولقي أبو سفيان خالد بن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟ قال خالد: رأيته قبل قليل في نفر من أصحابه، مصعدين في الجبل. قال أبو سفيان: هذا حق، كذب ابن قمئة، زعم أنه قتله١. وهنا تغير الأمر ثانية وانكسرت شوكة الحماس القرشي وفترت حدتهم، وثبتت فئة مع رسول الله ﷺ ، وأخذ المسلمون يفيئون إلى رسول الله ﷺ فتماسكت قوتهم، وتمكنوا من الصمود حتى انتهت المعركة.

стр. 353

المرحلة الثالثة للقتال الصمود الإسلامي: أدت مخالفة الرماة للأوامر التي تلقوها من رسول الله ﷺ إلى انكسار الجيش الإسلامي وتفكك صفوفه، وفرار المسلمين إلى الجبل في كل جوانبه. ولما انكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ لم يبق منهم معه ﷺ إلا نفر يسير، ولم يبق للمسلمين لواء قائم ولا فئة ثابتة، وأخذت خيل المشركين تجوسهم مقبلة ومدبرة، في جنبات الوادي، وتجمع المشركون، يلتقون ولا يتفرقون، ما يرون أحدًا من الناس يردهم بعدما فر المسلمون، وصعدوا إلى الجبل، وقد استشهد من المسلمين من أكرمه الله تعالى بالشهادة ولولا ثبات النبي ﷺ وشجاعته لكانت النكسة الماحقة، ولوقعت الهزيمة التي لا انتصار بعدها. روى البيهقي عن المقداد بن عمرو ﵁ قال: أوجع المشركون والله فينا قتلا ذريعًا، ونالوا من رسول الله ﷺ ما نالوا، ألا والذي بعثه بالحق ما زال رسول الله ﷺ شبرًا واحدًا، وإنه لفي وجه العدو، ويفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق عنه مرة، فربما رأيته قائمًا يرمي عن قوسه ويرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله ﷺ في عصابة ثبتت معه١. وقال محمد بن عمر: ثبت رسول الله ﷺ مكانه، ما يزول قدمًا واحدًا بل وقف في

стр. 354

وجه العدو، وما يزال يرمي عن قوسه، حتى تقطع وتره، وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرًا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له. فقال عكاشة ﵁: يا رسول الله لا يبلغ الوتر. فقال ﷺ : "مده فيبلغ". قال عكاشة ﵁: فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ، وطويت منه لبتين أو ثلاثًا على سية القوس١. ثم أخذ رسول الله ﷺ قوسه، فما زال يرمي به، وأبو طلحة يستره متترسًا عنه، حتى تحطمت القوس وصارت شظايا، وفنيت نبله، فأخذ القوس قتادة بن النعمان فلم تزل عنده، ورمى رسول الله ﷺ بالحجارة وكان أقرب الناس إلى العدو. وثبت معه ﷺ خمسة عشر رجلًا، ثمانية من المهاجرين هم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، وسبعة من الأنصار هم: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف, وسعد بن معاذ، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة ﵁ ويقال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع! ٢. وصان الله رسوله من كيد أعدائه في هذه المحنة القاسية فشتت رميهم، وأفسد سهامهم وأرسل ملائكته لحفظ رسول ﷺ . وروى الطبراني عن ابن عباس: أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ ، وجعل رسول الله ﷺ لما انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون عليه، يدعوهم في أخراهم ويقول: "إليّ يا فلان، أنا رسول الله"، فما يعرج عليه أحد، هذا والنبل يأتيه ﷺ من كل ناحية، والله تعالى يصرف ذلك عنه٣. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين

стр. 355

يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرفه الله عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه ولم يره فعاتبه صفوان بن أمية في ذلك، فقال له: والله ما رأيته، أحلف بالله أنه منا ممنوع أما والله لقد خرجنا فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إليه١. وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا، وتعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ ، وعرفوا المشركين بذلك، وهم: عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قمئة، وأبي بن خلف، وزاد بعضهم عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي. قال ابن سعد: قال أبو النمر الكناني وهو جد شريك بن عبد الله بن أبي نمر: شهدت أحدًا مع المشركين، ورميت يومئذ بخمس رميات، فأصبت منها بأسهم، وإني لأنظر إلى رسول الله صلى الله علي وسلم، وإن أصحابه لمحدقون به، وإن النبل لتمر عن يمينه، وعن شماله، وتقصر بين يديه، وتخرج من ورائه، ثم هداني الله للإسلام٢. وروى عبد الرزاق عن الزهري قال: ضرب وجه رسول الله ﷺ يوم "أحد" سبعين ضربة بالسيف، وقاه الله شرها كلها. وبايعه يومئذ على الموت ثمانية: ثلاثة من المهاجرين وهم: علي، والزبير، وطلحة وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحارث بن الصمة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد٣. وروى أبو يعلى بسند حسن، عن علي ﵁ قال: لما انجلى الناس عن رسول الله ﷺ يوم "أحد" نظرت في القتلى، فلم أر رسول الله ﷺ فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى أن الله تعالى غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه ﷺ ، فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا

стр. 356

برسول الله ﷺ بينهم أي يقاتلهم صلى الله عليه وسلم١. وتكاثر المشركون على رسول الله ﷺ ، وأرادوا قتله، رمى عتبة بن أبي وقاص -لعنه الله- رسول الله ﷺ بأربعة أحجار فكسر حجر منها رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى٢. وشجه عبد الله بن شهاب الزهري في وجهه، وسال الدم من الشجة حتى أخضل الدم لحيته الشريفة٣. ورماه عبد الله بن قَمِئة -بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة- فشج وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته وعلاه بالسيف، وكان عليه درعان، فوقع ﷺ في حفرة أمامه على جنبه، وهي من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأغمي عليه ﷺ ، فأخذه علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة حتى استوى قائمًا فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قمئة شيئًا إلا وهن الضربة بثقل السيف، ومكث ﷺ يجد وهن الضربة على عاتقه شهرًا أو أكثر من شهر، ورمته جماعة كثيرة بالحجارة حتى وقع لشقه٤. لقد دبت روح الإيمان في نفوس المسلمين ودفعتهم إلى قوة المجابهة، وطلب الشهادة في سبيل الله صادقين، مخلصين عندما رأوا الأعداء يقصدون رسول الله ﷺ . وقد أدى ثبات رسول الله ﷺ أمام هاتيك الضربات الموجعة، وهذا الحصار المحكم وتلك الرميات المتتابعة، أدى إلى عودة الروح إلى قلوب المؤمنين، فاندفعوا لحماية دينهم الذي تحملوا مسئوليته مع رسول الله ﷺ ولم يرتضوا لأنفسهم الحياة الذليلة المهينة وبخاصة أن استشهادهم في سبيل الله يحقق لهم الحياة عند الله فرحين مستبشرين. ذلك أن فريقًا من الصحابة حينما سمعوا صائحًا يقول: قتل محمد طار صوابهم، وانهارت عزيمتهم، فمر بهم أنس بن النضر، وقال لهم: ما تنظرون؟

стр. 357

قالوا: قتل رسول الله ﷺ . قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واها لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته بعد نهاية المعركة ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم١. ونادى ثابت بن الدحداح أنس بن النضر، وهو يتشحط في دمه فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا قد قتل؟! فقال أنس: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم٢. وبمثل هذا الاستبسال والفداء عادت إلى جنود المسلمين روحهم المعنوية، ورجع إليهم رشدهم وصوابهم، وأخذوا سلاحهم، وانطلقوا يهاجمون تيارات المشركين، الذين يحاولون الوصول إلى رسول الله بعدما بلغهم أن خبر مقتل النبي ﷺ كذب مختلق. ولما تأكد المسلمون من حياة رسول الله ﷺ ازدادوا قوة، وتمكنوا من الإفلات من التطويق وتجمعوا حول رسول الله ﷺ بعد أن باشروا القتال المرير، وجالدوا بضراوة بالغة، وثبتوا ثبوت الجبال الرواسي، ولم يتمكن المشركون من زحزحتهم، وإبعادهم عن رسول الله ﷺ . أبدى المسلمون بعد تجمعهم حول رسول الله ﷺ شجاعة نادرة، وأصروا على الصمود، حتى الموت، ولم يرضوا لأنفسهم الذل والهوان، ولم يقبلوا أن يؤتى الإسلام من قبلهم، وجاهدوا مخلصين، وفدوا رسول الله ﷺ بأرواحهم، ومن هؤلاء: ١- سعد بن أبي وقاص: قد نثل له رسول الله ﷺ كنانته، وقال: "ارم فداك أبي وأمي". ولم يجمع النبي ﷺ أبويه فداء لأحد في يوم أحد لغير سعد رضي الله عنه٣. ٢- طلحة بن عبيد الله: يروي النسائي بسنده عن جابر بن عبد الله يقول: أدرك

стр. 358

المشركون رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "من للقوم"؟. فقال طلحة: أنا. فلما قتل الأنصار كلهم، تقدم طلحة فقاتلهم كقتال الأحد عشر، حتى ضربت يده وقطعت أصابعه، فقال: حس. فقال النبي ﷺ لو قلت: "بسم الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون". وقد جرح طلحة يوم "أحد" تسعًا وثلاثين جرحًا، أو خمسًا وثلاثين، وشلت إصبعه السبابة والتي تليها١. وروى الترمذي أن النبي ﷺ قال فيه يومئذ: "من نظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" ٢. وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم "أحد" قال: هذا يوم طلحة. وكان ﷺ يقول إذا رأى طلحة ﵁: "هذا سلفي في الدنيا وسلفي في الآخرة" ٣. يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت ... لك الجنان وبوأت المها العينا يقول أبو بكر الصديق: لما كان يوم "أحد" انصرف الناس كلهم عن النبي ﷺ فكنت أول من فاء إلى النبي ﷺ فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه، ويحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة فداك أبي وأمي، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي ﷺ ، فإذا طلحة بين يديه صريعًا، فقال النبي ﷺ : "دونكم أخاكم فقد أوجب". وقد رمى النبي ﷺ في جبهته ووجنته، حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته فذهبت لأنزعهما عن النبي ﷺ فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر ألا تركتني. فأخذ بفيه، فجعل ينضضه كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استل السهم بفيه

стр. 359

فندرت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فأخذ بفيه، فجعل ينضضه حتى استله فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله ﷺ : "دونكم أخاكم، فقد أوجب". يقول أبو بكر: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع وثلاثون بين ضربة وطعنة ورمية. وهذا أيضًا يدل على مدى كفاءة طلحة ذلك اليوم وتفانيه في الكفاح والنضال١. ٣- ومن المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ وصدوا أعداءه عنه أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهيل بن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، وقتادة بن النعمان، وعمر بن الخطاب، وحاطب بن أبي بلتعة، وسهل بن حنيف، وأبو طلحة. ٤- كان أبو طلحة ﵁ يسور نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، ويرفع صدره ليقيه من سهام العدو، يقول أنس: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفه له، وكان رجلا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين، أو ثلاثًا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول: "انثرها لأبي طلحة". ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة، بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. يقول أنس: كان أبو طلحة يتترس مع النبي ﷺ بترس، وكان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى تشرف النبي ﷺ فينظر إلى موقع نبله. ٥- حاطب بن أبي بلتعة ﵁ تعقب حاطب ﵁ عتبة بن أبي وقاص الذي كسر الرباعية الشريفة لرسول الله ﷺ فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه، وكان سعد بن أبي وقاص ﵁ شديد الحرص على قتل أخيه عتبة هذا إلا أنه لم يظفر به، بل ظفر به حاطب. ٦- وكان سهل بن حنيف ﵁ أحد الرماة الأبطال، بايع رسول الله ﷺ على الموت،

стр. 360

ثم قام بدور فعال في رد المشركين. ٧- وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، بعضها في رجله فعرج. ٨- وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته ﷺ حتى أنقاه، فقال: "مجه". فقال: والله لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل. فقال النبي ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، فقتل شهيدًا. ٩- وكانت أم عمارة "نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف" وقد شهدت أحدًا هي وزوجها وابنها، ومعها شن تسقي به الجرحى، فقاتلت وأبلت بلاء حسنًا يومئذ، وهي حاجزة ثوبها على وسطها، حتى جرحت اثني عشر جرحًا، بين طعنة برمح، أو ضربة بسيف: وذلك أنها كانت بين يدي رسول الله ﷺ هي وابناها عبد الله وحبيب ابنا زيد بن عاصم، وزوجها غزية بن عمرو، يذبون عنه. فلما انهزم المسلمون أخذت أم عمارة تباشر القتال، وتذب عن رسول الله ﷺ بالسيف، وترمى بالقوس، ولما أقبل ابن قمئة -لعنه الله- يريد النبي ﷺ كانت فيمن اعترض له، فضربها على عاتقها ضربة صار لها فيما بعد ذلك غور أجوف، وضربته هي ضربات فقال رسول الله ﷺ : "لمقام نسيبه بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان". وقال ﷺ : "ما التفت يمينًا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني". وقال ﷺ لابنها عبد الله بن زيد: "بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك -يعني زوج أمه- خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل بيت". قالت أم عمارة: "ادع الله أن نرافقك في الجنة". قال ﷺ : "اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ". قالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا١.

стр. 361

١٠- وقاتل مصعب بن عمير بضراوة بالغة، يدافع عن النبي ﷺ هجوم ابن قمئة وأصحابه، وكان اللواء بيده، فضربوا على يده اليمنى حتى قطعت، فأخذ اللواء بيده اليسرى، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسرى، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل، وكان الذي قتله هو ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله ﷺ -لشبهه به- فانصرف ابن قمئة إلى المشركين وصاح: إن محمدًا قد قتل١. ١١- وخرج محمد بن مسلمة يطلب من النساء ماء، وكن قد جئن أربع عشرة امرأة مسلمة منهن فاطمة وأم سليم بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين وحمنة بنت جحش ومنهن أم أيمن ﵅، وكن يسقين العطشي، ويداوين الجرحي، ويناولن الطعام، ويحملن على ظهورهن ما يحتاج إليه المقاتلون من طعام، وشراب، وسلاح. خرج إليهم محمد بن مسلمة فلم يجد عندهم ماء، وكان رسول الله ﷺ قد عطش عطشًا شديدًا، فذهب محمد إلى قناة بها ماء حتى استقى وأتى بماء عذب، فشرب رسول الله ﷺ ودعا له بخير، وجعل الدم لا ينقطع. فلما رأت فاطمة الدم لا يرفأ، وهي تغسله وعلي يصب الماء عليها بالمجن، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم، ويقال: إن فاطمة ﵂ داوته بصوفه محترقة، وكان ﷺ بعد ذلك يداوي الجرح في وجهه بعظم بال حتى يذهب أثره، ومكث يجد وهن ضربة ابن قمئة على عاتقه شهرًا أو أكثر من شهر٢. ١٢- وكان شماس بن عثمان بن الشريد المخزومي لا يرمي رسول الله ﷺ ببصره يمينًا وشمالا إلا رآه في ذلك الوجه يذب بسيفه، حتى غشي رسول الله ﷺ فترس بنفسه دونه حتى قتل ﵀، فذلك قول النبي ﷺ : "ما وجدت لشماس شبهًا إلا الجنة" ٣. ١٣- ولقي رشيد الفارسي مولى بني معاوية رجلا من المشركين قد ضرب سعدًا مولى حاطب، فضربه على عاتقه فقتله، فاعترض له أخوه فقتله أيضًا فقال رسول الله ﷺ : "أحسنت يا أبا عبد الله وكناه يومئذ ولا ولد له" ٤.

стр. 362

١٤- وقال مخيريق من أحبار يهود لقومه: يا معشر يهود! والله إنكم لتعلمون أن محمدًا لنبي، وأن نصره عليكم لحق! ثم أخذ سلاحه، وحضر أحدًا مع النبي ﷺ فقتل؛ وقال حين خرج: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد الله، فهي عامة صدقات رسول الله ﷺ وقال فيه ﷺ : "مخيريق خير يهود". في ذلك الظرف الدقيق، والساعة الحرجة، أنزل الله نصره على رسول الله ﷺ وأرسل ملائكته لحمايته والدفاع عنه، وتخذيل المشركين وصرفهم من أن ينالوه ﷺ بسوء، وقد كان هدفهم الأول قتل رسول الله ﷺ ففي الصحيحين عند سعد قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم "أحد"، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل٢. وقد نزلت الملائكة يوم أحد، إلا أنها لم تقاتل لعدم صبر المؤمنين، الذي جعله الله تعالى شرطًا لاشتراك الملائكة في القتال، وقيل: بل نزلوا فرادى دفاعًا عن رسول الله ﷺ . ومنّ الله على المجاهدين، الذين أحاطوا برسول الله ﷺ وتكاتفوا في الدفاع والصمود منّ عليهم بنعاس، فناموا وذهب ما بهم من حزن وتعب. يقول طلحة بن عبيد الله: غشينا النعاس حتى كان جحف القوم تتناطح. ويقول الزبير بن العوام: غشينا النعاس فما منا رجل إلا وذقنه في صدره من النوم فأسمع متعب بن قشير يقول، وإني لكالحالم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٣. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٤. يقول أبو اليسر: لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر رجلا من قومي إلى جنب رسول الله ﷺ وقد أصابنا النعاس أمنة منه، ما منهم رجل إلا يغط غطيطًا حتى إن الحجف لتتناطح لقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور يسقط من يده وما يشعر به، وأخذه بعدما تثلم وإن

стр. 363

المشركين لتحتنا١. ويقول أبو طلحة: ألقي علينا النعاس، فكنت أنعس حتى سقط سيفي من يدي، وكان النعاس لم يصب أهل النفاق والشك يومئذ، فكل منافق يتكلم بما في نفسه، وإنما أصاب النعاس أهل اليقين والإيمان٢. وقعت هذه الأحداث كلها بسرعة هائلة، في لحظات خاطفة، وأدرك المصطفون الأخيار من صحابته ﷺ الذين كانوا في مقدمة المسلمين عند بدء القتال خطورة الموقف، وضرورة الصمود، والتصدي لأعداء الله، وأعداء رسوله، وزاد حماسهم لما سمعوا صوته ﷺ فأسرعوا إليه، لئلا يصل إليه شيء يكرهونه، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول الله ﷺ ما لقي من الجراحات، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح، فلما وصلوا أقاموا حوله سياجًا من أجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو ورد هجماتهم. وانتهت الجولة الثالثة بتكافؤ الفريقين، بعدما أصابهما التعب والإرهاق، فلقد عاشوا اليوم كله بين الكر والفر، وكثرت الجراحات، وتكسرت الرماح وقل النبل، وعقرت الخيل، ورأت قريش ضرورة الانسحاب والرجوع إلى مكة قبل أن يتغير الأمر. سئل عمرو بن العاص عن كيفية افتراق المشركين والمسلمين يوم أحد وكان وقتها في معسكر المشركين, فقال: لما كررنا عليهم أصبنا من أصبنا منهم، وتفرقوا في كل وجه وفاءت لهم فئة بعد، فتشاورت قريش فقالوا: لنا الغلبة، فلو انصرفنا فإنه بلغنا أن ابن أبي انصرف بثلث الناس وقد تخلف ناس من الأوس والخزرج، ولا نأمن أن يكروا علينا، وفينا جراح، وخلينا عامتها قد عقرت منه النبل فمضوا٣. وبدأ القرشيون في الانسحاب، والرجوع إلى مكة، وأقبل أبو سفيان يفاخر بانتصار المشركين، وسار حتى أشرف على المسلمين، وهم في عرض الجبل، فأخذ يصيح بأعلى صوته: اعل هبل, أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم ببدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال

стр. 364

وحنظلة بحنظلة. فقال عمر ﵁: ألا أجيبه يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "بلى فأجبه". فقال أبو سفيان: اعل هبل! فقال عمر ﵁: الله أعلى وأجل! قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت فعلا، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وهذا عمر. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال. فقال عمر: لا سواء! قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا! لنا العزى ولا عزى لكم. فقال عمر: الله مولانا، ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت يابن الخطاب علينا، قم إليّ يابن الخطاب أكلمك فقام عمر فقال أبو سفيان: أنشدتك بدينك هل قتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. قال أبو سفيان: أنت أصدق عندي من ابن قمئة. ثم قال أبو سفيان ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم عنتًا ومثلا، ألا إن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا، أما إذا كان ذاك فلم نكرهه, ثم نادى: ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول. فقال رسول الله ﷺ : "قل نعم! ". فقال عمر ﵁: نعم. وانصرف أبو سفيان إلى أصحابه، وأخذوا في الرحيل١.

стр. 365

فأشفق رسول الله ﷺ والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري والنساء، فبعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص لينظر وقال له: "إن ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل، وجنبوا الإبل فهي الغارة". ثم قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لئن ساروا إليها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم". فذهب سعد يسعى إلى العقيق، فإذا هم قد ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل بعدما تشاوروا حول نهب المدينة، فأشار عليهم صفوان بن أمية ألا يفعلوا، فإنهم لا يدرون ما يغشاهم، فعاد فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم١. وقدم أبو سفيان مكة فلم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال: قد أنعمت ونصرتني وشفيت نفسي من محمد وأصحابه، وحلق رأسه. وكان أول من قدم مكة بخبر أحد، وانصراف المشركين عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فكره أن يأتيهم هزيمة أهلهم، فقدم الطائف وأخبر أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا. ثم قدم وحشي مكة فأخبرهم بمصاب المسلمين، ووقف على الثنية التي تشرف على الحجون فنادى: يا معشر قريش! أبشروا، قد قتلنا أصحاب محمد مقتلة لم يقتل مثلها في زحف قط، وجرحنا محمدًا فأثبتناه بالجراح، وقتل حمزة، فسروا بذلك. وبعد انتهاء القتال أخذ المسلمون يتفقدون قتلاهم، ليقفوا على مدى مصابهم يقول زيد بن ثابت ﵁: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي: "إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك"؟. فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته، وهو بآخر رمق، وفيه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: "أخبرني كيف تجدك"؟. فقال سعد: وعلى رسول الله السلام، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص عدوكم إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته فجاء زيد إلى رسول الله ﷺ وأخبره خبره٢.

стр. 366

يقول ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ -فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطلب وجعل يقول: "ما فعل عمي"؟. ويكرر ذلك، فخرج الحارث بن الصمة يلتمسه فأبطأ، فخرج علي فوجد حمزة ببطن الوادي مقتولا، فأخبر النبي ﷺ فخرج يمشي حتى وقف عليه فوجده قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به، فجدع أنفه، وأذناه، فنظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ونظر وقد مثل به. فقال ﷺ : "أحتسبك عند الله رحمة الله عليك يا عمي، فإنك كنت كما علمتك فعولا للخير، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدي عليك، وتكون سبة من بعدي لتركتك، حتى تحشر في بطون السباع، وحواصل الطير" ١. ثم قال ﷺ لمن حوله: "أبشروا جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع، حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله ﷺ ". وقال ﷺ : "لئن أظهرني الله تعالى على قريش في موطن من المواطن لأمثلن ثلاثين رجلا منهم" ٢. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ ، وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن ظفرنا الله تعالى بهم يومًا من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب, وفي توعده ﷺ وتوعد أصحابه لكفار مكة مخالفة للعقوبة الشرعية المقررة، ولذلك نزل جبريل والنبي ﷺ واقف عند أحد بعد مقالته بخواتيم سورة النحل وفيها يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٣. فكفر النبي ﷺ عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر، وفعل أصحابه مثل ما فعل٤ يقول ابن إسحاق أيضًا: وأقبلت صفية بنت عبد المطلب ﵂ لتنظر إلى حمزة وكان أخاها لأمها وأبيها، فكره رسول الله ﷺ أن تراه، فقال ﷺ : "المرأة. المرأة".

стр. 367

فقال الزبير بن العوام: فتوسمت أنها أمي صفية. فقال ﷺ له: "القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها". فخرج الزبير يسعى فأدركها، قبل أن تنتهي إلى القتلى، فردها فلكمت صدره، وكانت امراة جلدة وقالت: إليك عني لا أرض لك١. فقال الزبير لها: يا أمه إن رسول الله يأمرك أن ترجعي. قالت: ولِمَ؟ وقد بلغني أنه قد مثل بأخي, وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك فلأصبرن، وأحتسبن إن شاء الله. فجاء الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره. فقال ﷺ : "خل سبيلها". فأتته فنظرت إليه، واسترجعت، واستغفرت له٢. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار عن الزبير والطبراني بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس: أن صفية ﵂ أتت بثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما. يقول ابن عباس ﵁: فجئنا بالثوبين لنلفه فيهما، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، فعل به مثل ما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له. فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفنا كلا منهما في الثوب الذي صار٣. وأراد أبو قتادة الأنصاري ﵁ أن ينال من قريش، لما رأى من غم رسول الله ﷺ في قتل حمزة وما مثل به، ورسول الله ﷺ يشير إليه أن اجلس وكان قائمًا، ثم قال ﷺ له: "يا أبا قتادة، إن قريشًا أهل أمانة من بغاهم العواثر أكبه الله تعالى لفيه، وعسى

стр. 368

إن طالت بك حياة أن تحقر عملك مع أعمالهم، وفعالك مع فعالهم، ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى" ١. فقال أبو قتادة: يا رسول الله، ما غضبت إلا لله ، ولرسوله ﷺ ، حين نالوا من حمزة ما نالوا. فقال رسول الله ﷺ : "صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم". ووجد المسلمون في الجرحى الأصيرم -عمرو بن ثابت- وبه رمق يسير، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه، فقالوا: إن هذا الأصيرم ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أحربًا على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل ربغة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت إلى رسول الله ﷺ ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما ترون، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: "هو من أهل الجنة" ٢. ووجدوا في الجرحى قزمان, وكان قد قاتل قتال الأبطال، قتل وحده سبعة، أو ثمانية من المشركين, وجدوه قد أثخنته الجراح، فاحتملوه إلى دار بني ظفر، وبشره المسلمون, فقال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به الجراح نحر نفسه، وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر له: "إنه من أهل النار" ٣.

стр. 369

رابعًا: نتائج المعركة اختلفت نتيجة معركة "أحد" عن نتيجة معركة "بدر" فقد استشهد من المسلمين عدد كبير ما بين السبعين إلى خمسة وسبعين شهيدًا، ولحقت الجراح بسائر أفراد الجيش الإسلامي، ولم يقتل من المشركين إلا أربعة وعشرون رجلا، ولم يؤسر منهم أحد مع قلة الجرحى منهم. يروي الإمام أحمد والشيخان والنسائي عن البراء بن عازب ﵁ قال: أصاب المشركون منا يوم أحد سبعين١. وروى ابن حبان والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب ﵁ قال: أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة يقول الحافظ: وكان الخامس سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة، والسادس ثقف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس٢. ونقل الحافظ محب الدين الطبري عن الإمام مالك ﵀ أن شهداء "أحد" خمسة وسبعون من الأنصار، أو أحد وسبعون. وعن الإمام الشافعي ﵀ أنهم اثنان وسبعون شهيدًا٣. وقد دفن الشهداء بملابسهم التي كانوا يلبسونها، بلا غسل ما عدا حمزة وأبا حنظلة فقد غسلتهم الملائكة. وأما الصلاة عليهم فقد روى ابن إسحاق عن من لا يتهم عن مقسم عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بعمه حمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى ووضعهم بجوار حمزة وصلى عليهم واحدًا بعد واحد، فصلى عليه وهو مع كل منهم ثنتين وسبعين صلاة٤.

стр. 370

ولم يأخذ بهذا الحديث فقهاء الحجاز ولا الأوزاعي، وذكروا أن النبي ﷺ لم يصل على أحد من الشهداء، واستدلوا على رأيهم بوجوه: الوجه الأول: ضعف إسناد هذا الحديث؛ لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا يتهم، يعني: الحسين بن عمارة -فيما ذكروا- ولا خلاف في ضعف الحسين بن عمارة عند أهل الحديث، وأكثرهم لا يرونه شيئًا، وإن كان الذي عناه ابن إسحاق في قوله: حدثني من لا أتهم غير الحسين، فهو مجهول، والجهل يضعف الحديث، وكل الروايات الواردة في هذا الموضوع تعتمد على رواية ابن إسحاق وبذلك تكون كل الروايات ضعيفة. الوجه الثاني: حديث الصلاة على شهداء أحد لم يصحبه العمل بما دل عليه، لأن الثابت أن رسول الله ﷺ لم يصل على شهيد في شيء من مغازيه كلها ولم ترد رواية في هذا الشأن إلا هذه الرواية التي رواها ابن إسحاق في شهداء أحد. وكذلك لم يثبت ولم يرو أن الخليفتين أبا بكر وعمر ﵄ صليا على شهداء أبدًا وحكمة عدم الصلاة على الشهداء والله أعلم، تحقيق حياة الشهداء، ومعاملتهم معاملة الأحياء تصديقًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ فالتعامل معهم على اعتبار هذه الحياة التي ذكرتها الآية. والقائلون بأن رسول الله ﷺ لم يصل على الشهداء يؤولون ما رواه الشيخان من أنه ﷺ صلى على قتلى أحد، ويذكرون أن ذلك كان بعد ثماني سنوات حيث صلى عليهم ﷺ كالمودع للأحياء والأموات، فيكون المراد بالصلاة حينئذ الدعاء، وكان النبي ﷺ يدعو للموتى عمومًا بلا تكبير، ولا نية٢. يروي البخاري بسنده عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى "أحد" بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: "إني بين

стр. 371

أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض, وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها" ١. يؤيد ذلك ما رواه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، في ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن"؟. فإذا أشير له إلى أحد، قدمه في اللحد وقال ﷺ : "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا٢. الوجه الثالث: إن المسلمين حملوا قتلاهم إلى المدينة، ودفنوهم بالبقيع، ولم يتمكنوا من إعادتهم إلى "أحد" ولو كان النبي ﷺ صلى عليهم لدفنهم عقب الصلاة كما رغب. ومما يذكر هنا أن الناس، أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة، ودفنوهم بالبقيع، فلما أمر الرسول ﷺ بردهم إلى أحد لم يتمكنوا من ذلك، ولم يردوا إلا رجلا واحدًا أدركه المنادي قبل أن يدفن، وهو شماس بن عثمان المخزومي ﵁، الذي حمل إلى المدينة وبه رمق فأدخل على عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ . فقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ : ابن عمي يدخل على غيري! فقال رسول الله ﷺ : احملوه إلى أم سلمة، فحمل إليها فمات عندها. فأمر رسول الله ﷺ برده إلى "أحد"، فرد إليها، ودفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها بلا غسل ولا صلاة، وكان قد مكث يومًا وليلة في المدينة ولكنه لم يذق شيئًا, وما ذهب إليه فقهاء الحجاز أقرب للفضل لأن ترك الصلاة عليهم إقرار باستمرار حياتهم، وفي ترك الغسل محافظة على أسر عبادة قاموا بها لأن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يثغب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك فكيف نزيل عنه هذا الطيب، ونحرمه من أثر العبادة المشرق. ولما فرغ رسول الله ﷺ من دفن الشهداء جمع أصحابه، وقال لهم: "تعالوا نثني على الله". وصفهم صفين، وجعل النساء خلفهم، ثم دعا ﷺ فقال:

стр. 372

"اللهم لك الحمد كله, اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت! اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، وعافيتك، ورزقك! اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول! اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، والغناء يوم الفاقة. اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعت منا! اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين! اللهم عذب الكفرة الذين يكذبون رسولك، ويصدون عن سبيلك! اللهم أنزل عليهم رجسك وعذابك! اللهم اقتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق! آمين" ١. وبعدها أخذ رسول الله ﷺ سيره إلى المدينة في جو من الألم والأسف. وامتلأت بيوت الأنصار والمهاجرين بالحزن على قتلاهم، فلما رجع الرسول ﷺ إلى المدينة سالمًا وجد الجميع العزاء في سلامته ﷺ فواساهم رسول الله ﷺ ، وبشرهم بأن ذويهم في الجنة وأنهم سيشفعون لهم، فرضوا بما قدر لهم، وصبروا على ما أصابهم، وهو أليم شديد. لقد قتل من بني عبد الأشهل اثنا عشر رجلا، وجاءت أم سعد بن معاذ فعزاها رسول الله ﷺ في ابنها عمرو بن معاذ، وقال لها: "يا أم سعد أبشري، وبشري أهليهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعًا، وقد شفعوا في أهليهم". قالت: رضينا برسول الله ﷺ ، ومن يبكي عليهم بعد هذا. ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا. قال ﷺ : "اللهم أذهب حزن قلوبهم، وأجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على

стр. 373

من خلفوا"١. ثم قال ﷺ لأبي عمرو سعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية، وليس منهم مجروح، إلا يأتي يوم القيامة وجرحه كأغرز ما كان، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فمن كان مجروحًا، فليقر في داره، وليداري جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني"، وكان في بني عبد الأشهل وحدهم ثلاثون جريحًا يوم "أحد". فنادى فيهم سعد: عزمة من رسول الله ألا يتبعه جريح من بني عبد الأشهل. فتخلف الجرحى، وباتوا يوقدون النيران، ويداوون الجراح، ومضى سعد مع رسول الله ﷺ حتى جاء بيته، فما نزل ﷺ عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، حتى دخل بيته، فلما أذن بلال ﵁ بصلاة المغرب خرج ﷺ على مثل تلك الحال، يتوكأ على السعدين فصلى، ثم عاد إلى بيته. وأراد رسول الله ﷺ أن يسري على بني عبد الأشهل، ونساؤهم يبكون على قتلاهم فقال لهم: "أما حمزة فلا بواكي له" ٢ عسى أن يكون ذلك قدوة للنسوة فيدعن النواح والعويل، إلا أن سعد بن معاذ ﵁ مضى إلى نسائه فساقهن، حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله ﷺ ، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النيران، يتكمدون بها من الجراح، وأذن بلال ﵁ حين غاب الشفق فلم يخرج ﷺ فجلس بلال عند بابه ﷺ حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصلاة يا رسول الله، فهب ﷺ من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل. وسمع ﷺ البكاء فقال: "ما هذا"؟. فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة. فقال ﷺ : "رضي الله عنكن، وعن أولادكن". وأمر أن ترد النسوة إلى منازلهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن، وصلى رسول الله ﷺ العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف

стр. 374

له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه، يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه، فرقًا من قريش أن تكر. وبادر الصحابة ﵁ فأحضروا نساءهم ليبكين حمزة ﵁ فجاء معاذ بن جبل ﵁ بنساء بني سلمة: وجاء عبد الله بن رواحة ﵁ بنساء بلحارث بن الخزرج ولم يرض بذلك رسول الله ﷺ فقال ﷺ لهم: "ما أردت هذا". ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي١. وكان لنجاة رسول الله ﷺ أثر كبير في تسلية أهل الشهداء؛ لأنهم رضوان الله عليهم رأوا في نجاة رسولهم خير عوض عما فقدوه. مر ﷺ بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها بأحد، فلما نعوا لها أقاربها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله٢. ومن ابتلاءات يوم "أحد"، وتغلب روح الإيمان على المصائب ما حدث من حمنة بنت جحش زوجة مصعب بن عمير ﵂ فإنها أصيبت بعدد من أهلها، وأقبلت على رسول الله ﷺ فقال لها: "يا حمنة احتسبي". قالت: من يا رسول الله؟ قال: "خالك حمزة". قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه هنيئًا له الشهادة. ثم قال لها: "احتسبي". قالت: من يا رسول الله؟ قال: "أخوك". قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه هنيئًا له الشهادة.

стр. 375

ثم قال لها: "احتسبي". قالت: من يا رسول الله؟ قال: "مصعب بن عمير". قالت: واحزناه!! وفي رواية أنها قالت: واعقراه. فقال ﷺ : "إن للزوج من المرأة مكانًا ما هو لأحد". ثم قال لها: "لم قلت هذا". قالت: يا رسول الله ذكرت يتم بنيه فراعني١. فدعا رسول الله ﷺ لولده أن يحسن الله عليهم الخلف، فتزوجت طلحة فولدت له محمد بن طلحة، وكان أوصل الناس لولدها٢. وقد قتل من المشركين في أحد أربعة وعشرون قتيلا، وأسر منهم رجل واحد هو أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب من بني جمح وكان أسره في اليوم الثاني للمعركة والمسلمون في طريقهم إلى حمراء الأسد. وفي الوقت الذي عاد فيه المسلمون إلى المدينة يداوون جرحاهم، ويعزي بعضهم بعضًا في القتلى والجرحى, نرى الكفار وقد عادوا منتصرين، وقتلاهم، أقل عددًا من قتلى المسلمين، وقد أخذوهم معهم إلى مكة حتى لا يحفر لهم قليب آخر. لقد عاد المكيون من "أحد" منتصرين، وقد تصوروه نصرًا دائمًا يحقق لهم ما يبغون لكن الأيام أثبتت أنهم لم يحققوا شيئًا من الأهداف التي حاربوا لتحقيقها؛ لأن روج الإيمان في قلوب المسلمين لم تهن، ولم تضعف؛ ولذلك بادر المسلمون باتخاذ عدد من الأعمال بعد أحد أجهضت كل أحلام أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والأعراب وأهل مكة كما سيتضح من أحداث ما بعد "أحد".

стр. 376

خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في "أحد " استمر عون الله تعالى رسوله ﷺ والمسلمين معه خلال معركة "أحد" وظهرت آيات بينات، خارقة للعادة، تبرز هذه المعونة، وتؤكدها للناس وقد سبق إيرادها في سياق ذكر أحداث غزوة أحد، وإني هنا أشير إلى أهم هذه الآيات للتذكير بشأنها، والاعتبار بها ومن أهمها: ١- إمداد المسلمين بالملائكة: يروي البخاري بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم "أحد" ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد١. وروى أحمد بسنده عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم "أحد" رجلين عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل يقاتلان عنه كأشد القتال٢. وروى الطبراني وابن منده أنه ﷺ سأل الحارث بن الصمة عن مكان عبد الرحمن بن عرف فقال: هو بجنب الجبل. فقال ﷺ : "إن الملائكة تقاتل معه". قال الحارث: فذهبت إليه فوجدت بين يديه سبعة فقلت له: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟ فقال: أما هذا وهذا فأنا قتلتهما، وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره. فقلت: صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم٣. وروى ابن سعد أن مصعبًا لما قتل أخذ اللواء ملك في صورته، فجعل ﷺ يقول: "تقدم يا مصعب". فالتفت الملك إليه وقال: لست بمصعب فعرف ﷺ أنه ملك أيده الله به٤.

стр. 377

وروى ابن إسحاق أن سعد بن أبي وقاص قال: كنت أرمي السهم يومئذ، فرده على رجل أبيض، حسن الوجه، ما كنت أعرفه فظننت أنه ملك١. وهناك من ذهب إلى أن الملائكة لم تقاتل يوم "أحد" عن المسلمين. ولا تعارض بين هؤلاء الذين قالوا بأن الملائكة لم تقاتل، وهؤلاء الذين قالوا: إن الملائكة قاتلت حول النبي ﷺ ومع عبد الرحمن بن عوف ﵁ لأن من قال بالمدد بالملائكي، واشتراك الملائكة في القتال يريد نزول أفراد قلائل منهم، للدفاع عن رسول الله ﷺ أو عن أحد من الصحابة ومن ينفي المدد يقصد نزول الآلاف للقتال كما حدث في "بدر" وهذا لم يحدث لأن المسلمين لم يصبروا، ولم يتقوا الله على النحو الذي وجب عليهم. ٢- مد عكاشة بقية وتر قوسه ﷺ بعدما انقطع: وذلك أنه ما زال ﷺ يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره، وبقيت في يده منه قطعة صغيرة تكون شبرًا في سية القوس فأخذ القوس عكاشة بن محصن ﵁ ليوتره له فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر. فقال ﷺ : "مده فيبلغ". قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحق، لمددته حتى بلغ، وطويت منه لفتين، أو ثلاثًا على سية القوس٢. ٣- رد عين قتادة ﵁: عن قتادة ﵁ قال: كنت أتقي السهام بوجهي دون وجه النبي ﷺ فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي، وسالت على خدي، فأخذتها بيدي، وسعيت بها إلى رسول الله ﷺ فلما رآها ﷺ في كفي دمعت عيناه، فقال ﷺ : "اللهم في عين قتادة كما وقيت وجه نبيك فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا". وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وصارت لا تعرف ولا يدري أيتهما التي سالت على خده٣.

стр. 378

٤- شفاء نحر أبي رهم ببصاقة النبي ﷺ : رمي أبو رهم الغفاري بسهم فوقع في نحره، فبصق ﷺ فبرئ١. ٥- انقلاب العرجون سيفًا في يد عبد الله بن جحش ﵁: انقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا فعاد في يده سيفًا فقاتل به، وكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع لبغاء التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دينار، وهذا السيف غير سيف عكاشة يوم "بدر" فسيف عكاشة أصله جذر من حطب، والجذر أصل الشجرة، وسيف عبد الله بن جحش أصله عرجون نخلة٢. ٦- غسل الملائكة لحنظلة ﵁: التقى حنظلة وأبو سفيان فعلاه حنظلة، فجاء شداد بن أوس وضرب حنظلة فقتله. فقال ﷺ : "إن حنظلة لتغسله الملائكة بماء المزن، في صحاف الفضة، بين السماء والأرض". فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان ابتنى بها تلك الليلة، وكانت عروسًا عنده، فرأت في المنام تلك الليلة كأن بابًا من السماء قد فتح فدخله ثم أغلق دونه فعلمت أنه ميت من غده، فدعت رجالا حين أصبحت من قومها، فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، فلما سألوها عن حالته وقت خروجه. قالت: خرج وهو جنب، حين سمع الهاتفة. فقال ﷺ : "لذلك غسلته الملائكة" ٣. وذكر السهيلي نقلا عن الواقدي وغيره أنه ﵁ التمس في القتلى فوجدوه يقطر رأسه ماء، وليس بقربه ماء، تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم٤. ٧- إلقاء النعاس على المؤمنين: وألقى الله النعاس على المؤمنين حين اشتد عليهم الخوف مع أن الخائف لا ينام عادة فعن الزبير بن العوام ﵁ قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ يوم "أحد" حين اشتد علينا

стр. 379

الخوف وأرسل علينا النوم فما منا أحد إلا ذقنه في صدره١. وروى البخاري عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم "أحد"، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا يسقط وآخذه ويسقط وآخذه. وروى البيهقي أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم "أحد" فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. أما الطائفة الأخرى وهم المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبهم، وأخذلهم للحق فلم يأتهم النعاس، وبقوا يفكرون في الهزيمة والخسران. والآيات كثيرة وقد ذكرت بعضها للدلالة على العون الإلهي الذي أمد الله به رسول الله ﷺ والمؤمنين معه وفي أثناء الحديث عن الغزوة أشرت إلى كثير منها.

стр. 380

سادسًا: أحد في رحاب القرآن الكريم أنزل الله في شأن غزوة "أحد" آيات عدة من سورة آل عمران، بلغت تسعًا وخمسين آية وهي الآيات من رقم "١٢١" إلى رقم "١٧٩". وبالنظر في هذا نرى أن الآيات من "١٢٩" إلى "١٣٦" تتناول موضوع نهي المسلمين عن القيام ببعض الأعمال المحرمة التي يقوم بها اليهود، وهو أكل الربا، والتعامل مع فاعليه والآيات من رقم "١٦٢" إلى الآية رقم "١٦٤" توجه المسلمين إلى ضرورة اتباع رضوان الله واتباع النبي ﷺ لما في ذلك من خير في الدنيا والآخرة. وهذه الآيات التي جاءت في ثنايا آيات غزوة "أحد" تتصل بالغزوة بوجه ما فهي تتحدث عن سلوكيات اليهود السيئة التي لا يجوز للمسلمين فعلها وتوجههم إلى طريق الفوز والفلاح حتى يتم لهم النصر، ويأتيهم عون الله تعالى. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: اعلم أن وضع هذه الآيات الواردة في الترغيب والترهيب، والإنذار، والتبشير في سياق الآيات الواردة في قصة "أحد" هو من سنة القرآن في مزج فنون الكلام، وضروب الحكم، والأحكام، بعضها ببعض، على أن هذه السنة لا تنافي

стр. 381

أن يكون لكل آية لمجموع آيات اتصال بالآيات السابقة بوجه وجيه تتقبله البلاغة بقبول حسن. تبدأ الآيات بالحديث عن مقدمات الغزوة فيقول تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١. والحديث في الآيات واضح في أن المواجهة كانت صباحًا، برغم أن المسلمين خرجوا من المدينة بعد صلاة الجمعة، والمراد بالقتال الذي بوأ رسول الله ﷺ المؤمنين مقاعد لهم فيه قتال يوم "أحد" يقول الطبري: والآية تعني يوم "أحد" لأن الله يقول في الآية التي بعدها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ ولا خلاف بين أهل التأويل، أنه عنى بالطائفتين بني سلمة وبني حارثة٢، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله ﷺ أن الذي ذكره الله من أمرها في هذه الآيات إنما كان يوم "أحد" دون "يوم الأحزاب"٣. وإنما ذكرهم بنصر يوم "بدر" ليعلموا أن الله تعالى ينصر الفئة القليلة الصابرة التقية ليسيروا على منهجها حتى يتحقق لهم النصر، وعليهم ألا يغتروا بكثرتهم، وأن يداوموا الصبر والتقوى، والتوكل على الله تعالى. ويقول : ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ

стр. 382

يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١. والآيات تشير إلى قول النبي ﷺ للمؤمنين أن الله كاف في نصرهم، وأن مدد الملائكة موجود بشرط الصبر والتقوى، وعلى المؤمنين أن يعلموا أن الأمر كله بيد الله تعالى وتتحدث الآيات بعد ذلك عن علو مقام المؤمنين، وتستقل مقام غيرهم فيقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٢. والإشارة واضحة في أن الإيمان يعلو بصاحبه، ويرضيه، ويبعده عن اليأس، والقنوط وعلى المسلمين الذين أصيبوا يوم "أحد" أن يدركوا أن الآلام قد أصابت عدوهم أيضًا، وأن الأيام دول، والنصر لا يدوم لفريق، والرضا بما يقضي الله به ضرورة لازمة. وعلى المؤمنين أن يعرفوا أن المصائب ابتلاء للمؤمن، ليظهر على حقيقته، وليسعد المؤمنون بالشهادة التي يرفعهم الله بها. إن جنة الله غالية ولا بد لها من البذل، والتضحية، والصدق، والوفاء. وعلى من يرجوها من المؤمنين أن يعمل لها، وأن يصدق فيما كان يتمناه، وليرض بما كتب الله له من بلاء في نفسه، أو ماله، أو ولده. وتتحدث الآيات عن قمة الابتلاء يوم "أحد" بعدما انهزم المسلمون وأوذي رسول الله ﷺ وأصاب المسلمين ما أصابهم بعدما أشيع أن رسول الله ﷺ قد قتل فيقول تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ

стр. 383

عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ حيث أسقط في أيدي المسلمين حينما أشيع أن رسول الله ﷺ قد قتل في المعركة، فبين الله لهم أن الموت قدر محتم على كل نفس، أما الرسالة فهي باقية والإيمان بالله حقيقة ثابتة يحاسب كل إنسان على ما كلفه الله به، وعلى المؤمن أن يكون قويًا، يتحمل المسئولية، ويجاهد في سبيل الله تعالى صابرًا محتسبًا، وأن يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء، والرجاء، والاستغفار وطلب النصر ليأتيه الله بثواب الدنيا، وثواب الآخرة والله على كل شيء قدير. ثم يوجه الله المؤمنين بعد ذلك إلى ما يرفع معنوياتهم، ويعلي من شأنهم فيقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ، وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. والآيات توجه المؤمنين إلى عدم اتباع الكافرين لأنهم يعملون لخذلان المسلمين،

стр. 384

وإضعافهم، وعليهم أن يلجئوا إلى الله مولاهم، وناصرهم, والله كفيل بإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وإنزال العقوبات الماحقة بهم في الدنيا وفي الآخرة ثم ذكر الله المؤمنين بما أصيبوا به من فزع، وهلع، وفرار، وترك لرسول الله وهو يناديهم, وعليهم أن يندموا على ما حدث منهم، ويعودوا إلى ما يجب أن يقوموا به ثم بين الله مننه على المجاهدين، إذ أصابهم النعاس، فأمنت نفوسهم، وهدأت أصواتهم فيقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١. وفي الآيات بيان لما أنزل الله عليهم من نعاس أصاب المؤمنين دون غيرهم من المنافقين الذين أخذوا يشككون المؤمنين في إيمانهم، وهم يظنون بالله ظنًا سيئًا، فرد الله عليهم بأن الأمر كله لله، وأن الموت حق مقدر يأتي لصاحبه عند حلول أجله، أيًا كان مكانه وزمانه، وقد أخفى الله الأجل عن الناس ليبتليهم، ويختبرهم, كما ابتلى المسلمين يوم "أحد". وتبين الآيات ما كان من المنافقين، وتفصل في صفاتهم، وحيلتهم في توهين المسلمين.

стр. 385

وبث الذعر في قلوبهم وبخاصة حينما انسحبوا من ميدان المعركة وعلى رأسهم عبد الله بن أبي متعللين بعدم وجود قتال زاعمين أنهم لو تأكدوا من تحقق القتال لبقوا، وهذا كذب يقولونه بألسنتهم وليس منه في قلوبهم شيء يقول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ، الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١. وقد كشف الله المنافقين، وعرف بهم وربطهم بمقالتهم فهم الذين قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهم الذين قالوا: لو أطاعونا ما قتلوا. إن الأمر كله بيد الله، والمنافقون لا يعلمون الغيب وإن كان في مقدورهم منع القتل فليدرءوا الموت عن أنفسهم إن كانوا صادقين. وأخيرًا تتحدث الآيات عن الشهداء فيقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. ومنزلة الشهداء عند الله عالية، فهم أحياء عنده ، يجري عليهم الرزق ويعيشون في بشر وسرور، ولا ينالهم خوف ولا حزن، ويدومون في الخير، والنعيم المقيم. يقول الشيخ محمد الغزالي معلقًا على حديث القرآن الكريم عن غزوة "أحد": ترفق القرآن الكريم وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في "أحد" على عكس ما نزل في "بدر" من آيات، ولا غرو فحساب المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر، في المرة الأولى قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا

стр. 386

كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. أما في "أحد" فقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. حسب المخطئين ما أصابهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل الذي حل بهم درس يذكر المخطئ بسوء ما وقع فيه. وقد اتجهت الآيات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع، وتطهير المؤمنين، حتى لا يتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفل قواهم، وينقلب إلى حسرة تشل إنتاجهم ونشاطهم فقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣. ثم مضى الوحي يعلم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، ويذكرهم بما نسوا من ذلك، فبين أن المؤمن مهما عظمت بالله صلته فلا ينبغي له أن يغتر، أو يحسب الدنيا قد دانت له، أو يظن أن قوانينها الثابتة أصبحت طوع يديه. كلا كلا. فالحذر البالغ، والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له، وأن شيئًا منها لن يكون عليه، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفضل الذريع يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٤. ويقول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٥.

стр. 387

وفي هذه الآيات توضيح لمعالم طريق الدعوة، فطريق الدعوة مليء بالأشواك والصعاب، والأعداء متربصون، والأيام دول، والجنة مهرها غال ثمين، وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثمن التافه أو يتصورون تحقق الأمل بلا عمل، أو يحلمون بالنتيجة بلا سبق مقدماتها وهم لذلك يضحون بأنفسهم لقاء ما ينشدون ويبذلون أقصى ما يمكنهم لتحقيق المراد المنشود. إن الاستعداد أيام الأمن يجب أن يستمر أيام الروع، بل هو في أيام الفزع أشد، وعلى المسلم أن يداوم على مجاهدة نفسه، والالتزام المستمر بما وجب عليه. إن الإنسان -في عافيته- قد يتصور الأمور سهلة مبسطة، وقد يؤدي به ذلك إلى المجازفة، والخداع، وعدم تقدير الأمور على وجهها الصحيح، وليس كذلك المسلم. فليحذر المؤمن هذا الموقف، وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنوا الموت قبل "أحد" ثم حادوا عنه لما جاءهم؛ لأن ذلك ضعف في الوعد، وخذلان في الإقدام. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ١. ثم عاتب الله من سقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، حينما أشيع أن الرسول ﷺ قد مات؛ لأن العقائد اتباع مبادئ لا اتباع أشخاص، والمسلم عند الله خاضع له وحده. ولو افترض أن الرسول ﷺ قتل وهو ينافح عن دين الله، فحق على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه، الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا ويضيعوا ما بايعوا الله عليه، وهم يعلمون أن الموت حق على الجميع. إن عمل محمد ﷺ في أصحابه ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة من فكر الإنسان وضميره، وينيرها بنور الله تعالى، فإذا أدى رسالته ومضى، فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته التي خرج منها. لقد جمع محمد ﷺ الناس حوله على أنه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به،

стр. 388

عرفوه إمامًا لهم في الحق، وصلة لهم بالله، وهو أول المؤمنين، وأول الصابرين. فإذا مات عبد الله ظلت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت باقية ثاقبة، كما بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١. وقد استطرد النظم الكريم يبصر المؤمنين بمواطن العبرة فيما نالهم، ويعلمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المآزق، وكيف يستفيدون من هذه الكبوة العارضة بعد أن عزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق. ولئن أفادت وقعة "بدر" خذلان الكافرين فإن وقعة "أحد" أفادت فضح المافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحت الأجسام بالعلل. ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة، درس عميق تعلم منه المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها، وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في حرب أو سلام. إن الحياة تحتاج من المسلمين أن يعيشوا أمة متكاملة تعرف طريقها، وتحدد غاياتها وتلتزم بكل ما جاءها من عند الله تعالى, وعليهم أن يبذلوا كل جهدهم كما أمروا ولا يستسلموا لأحلام النصر, أو خطرات اليأس, وليتقنوا دائمًا أن الدنيا هي دار السعي والعمل والصبر والتحمل, وأن الآخرة هي دار الخير والسلام ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.

стр. 389

سابعًا: أحد وحركة الدعوة حين ننظر إلى معركة "أحد" نرى تقلب أحداثها، وتبدل أحوالها في كل أطرافها فلقد عاش كل فريق الغلبة والانكسار، مرة بعد أخرى، إلا أن محصلة الخسائر في المسلمين كانت أكبر منها في معسكر المشركين، وهذا ما جعل بعض المؤرخين يرى أن المسلمين قد انهزموا في أحد، باعتبار عدد القتلى، وكثرة الجرحى، ورجوع المشركين بقتلاهم دون أن يؤسر منهم أحد، رغم أن القتال كان بجوار المدينة بعيدًا عن موطنهم مكة. والأمر بمقياس ذاك الزمان يشير إلى هزيمة المسلمين؛ لأن المعارك كانت عبارة عن تشابك بالأيدي، وتلاحم بالسيوف، ومواجهة مباشرة بالدروع والنبال، وكانت الحرب تستمر يومًا وبعض يوم، كما حدث في "بدر" وفي "أحد" وفي غيرهما من السرايا والغزوات وبعدها يقف القتال، ويعود كل فريق لموطنه، والنصر حينئذ يكون لمن ألحق بخصمه خسائر أكبر. وبهذا المقياس يظهر انتصار القرشيين كما فهمه معاصرو "أحد" ولذلك أتى أبو سفيان حين قدم مكة هبل وقال له: قد أنعمت علي ونصرتني، وشفيت نفسي من محمد، وأصحابه، وحلق رأسه, وما فعل أبو سفيان ذلك إلا لشعوره بانتصار المكيين على المسلمين. وبسبب هذا الفهم أخذ الأعداء يجاهرون بعداوتهم لرسول الله ﷺ وللإسلام، وجرءوا على معاداة المسلمين، وكثر التواصل بينهم شماتة بالمسلمين، وفرحًا بهزيمتهم وأملا في استمرار الإحساس بالنصر. لكن بعض العلماء ينظر لأحداث "أحد" من ناحية أخرى، ويرى أنها كانت صقلا للمسلمين، وتقوية لإيمانهم، وتجلية لما يجب أن يلتزموا به في إطار حركة الدعوة وهم يعملون للإسلام، ويسلم هؤلاء العلماء بانتصار القرشيين ظاهرًا، ويرونه انتصارًا مؤقتًا لا يلبث أن يزول، وأن خسائر المسلمين جزء من الإعداد والتدريب، ويقولون: إن انكسار المسلمين يوم "أحد" كان عامل قوة لهم أدت بهم إلى انتصارات لاحقة، بعدما استفادوا من دروس "أحد" وتمكنوا بالانتصارات اللاحقة من نشر الإسلام، وإيصال الدعوة

стр. 390

إلى العالم كله، وعملوا على إبراز ما في دينهم من قوة ذاتية معنوية، بجوار استعدادهم لبذل أموالهم وأرواحهم لخدمة دين الله تعالى، وهؤلاء المتفائلون يبنون نظرتهم تلك على معطيات واقعية أهمها ما يلي: ١- بروز بطولة النبي ﷺ وشجاعته وثباته في وجه أعدائه وإصراره على مقاتلتهم وحده مع أن الصحابة فروا عنه وتركوه، وتلك مسألة لا بد من وضوحها لبيان ما قام به رسول الله ﷺ وتحمله في سبيل دين الله تعالى. وتظهر شجاعة النبي ﷺ من ثباته وحيدًا أمام جيش قريش، وحرصه على قتل ابن الأشرف، بعدما أصيب وبقي وحده، وكان ﷺ في حالة يفر فيها الأبطال المغاوير، وكان أبي بن خلف يتصور نفسه قادرًا على قتل رسول الله ﷺ بعدما جاءه فوجده جريحًا ووحيدًا. فلقد أقبل أبي بن خلف يركض بفرسه حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ اعترض له ناس من المسلمين ليقتلوه، فقال ﷺ : "استأخروا عنه". وقام ﷺ وحربته في يده فرماه بها بين سابغة البيضة والدرع فطعنه ﷺ في هذا الموضع فوقع عن قوسه، وكسر ضلعًا من أضلاعه، فاحتملوه فمات لما ولوا قافلين بالطريق وتحقق بذل ما أنبأ به ﷺ قبل "أحد". وقصة ذلك النبأ أن أبي بن خلف قدم المدينة في فداء ابنه حين أسر يوم "بدر"، فقال: يا محمد إن عندي فرسًا أعلفها كمية كبيرة من ذرة كل يوم حتى أقتلك عليها. فقال رسول الله ﷺ : "بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله". وكان ﷺ في القتال لا يلتفت وراءه وكان يقول لأصحابه: "كأني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه فآذنوني"، فإذا بأبي يركض على فرسه، وقد رأى رسول الله ﷺ فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا محمد لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله! ما كنت صانعًا حين يغشاك فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا. فأبى ﷺ ودنا أبي فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ويقال من الزبير بن
следующие страницы →