كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
أما في "أحد" فقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
حسب المخطئين ما أصابهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل الذي حل بهم درس يذكر المخطئ بسوء ما وقع فيه.
وقد اتجهت الآيات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع، وتطهير المؤمنين، حتى لا يتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفل قواهم، وينقلب إلى حسرة تشل إنتاجهم ونشاطهم فقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
ثم مضى الوحي يعلم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، ويذكرهم بما نسوا من ذلك، فبين أن المؤمن مهما عظمت بالله صلته فلا ينبغي له أن يغتر، أو يحسب الدنيا قد دانت له، أو يظن أن قوانينها الثابتة أصبحت طوع يديه.
كلا كلا. فالحذر البالغ، والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له، وأن شيئًا منها لن يكون عليه، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفضل الذريع يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٤.
ويقول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٥.
стр. 387
وفي هذه الآيات توضيح لمعالم طريق الدعوة، فطريق الدعوة مليء بالأشواك والصعاب، والأعداء متربصون، والأيام دول، والجنة مهرها غال ثمين، وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثمن التافه أو يتصورون تحقق الأمل بلا عمل، أو يحلمون بالنتيجة بلا سبق مقدماتها وهم لذلك يضحون بأنفسهم لقاء ما ينشدون ويبذلون أقصى ما يمكنهم لتحقيق المراد المنشود.
إن الاستعداد أيام الأمن يجب أن يستمر أيام الروع، بل هو في أيام الفزع أشد، وعلى المسلم أن يداوم على مجاهدة نفسه، والالتزام المستمر بما وجب عليه.
إن الإنسان -في عافيته- قد يتصور الأمور سهلة مبسطة، وقد يؤدي به ذلك إلى المجازفة، والخداع، وعدم تقدير الأمور على وجهها الصحيح، وليس كذلك المسلم.
فليحذر المؤمن هذا الموقف، وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنوا الموت قبل "أحد" ثم حادوا عنه لما جاءهم؛ لأن ذلك ضعف في الوعد، وخذلان في الإقدام.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ١.
ثم عاتب الله من سقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، حينما أشيع أن الرسول ﷺ قد مات؛ لأن العقائد اتباع مبادئ لا اتباع أشخاص، والمسلم عند الله خاضع له وحده.
ولو افترض أن الرسول ﷺ قتل وهو ينافح عن دين الله، فحق على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه، الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا ويضيعوا ما بايعوا الله عليه، وهم يعلمون أن الموت حق على الجميع.
إن عمل محمد ﷺ في أصحابه ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة من فكر الإنسان وضميره، وينيرها بنور الله تعالى، فإذا أدى رسالته ومضى، فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته التي خرج منها.
لقد جمع محمد ﷺ الناس حوله على أنه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به،
стр. 388
عرفوه إمامًا لهم في الحق، وصلة لهم بالله، وهو أول المؤمنين، وأول الصابرين.
فإذا مات عبد الله ظلت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت باقية ثاقبة، كما بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وقد استطرد النظم الكريم يبصر المؤمنين بمواطن العبرة فيما نالهم، ويعلمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المآزق، وكيف يستفيدون من هذه الكبوة العارضة بعد أن عزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق.
ولئن أفادت وقعة "بدر" خذلان الكافرين فإن وقعة "أحد" أفادت فضح المافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحت الأجسام بالعلل.
ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة، درس عميق تعلم منه المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها، وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في حرب أو سلام.
إن الحياة تحتاج من المسلمين أن يعيشوا أمة متكاملة تعرف طريقها، وتحدد غاياتها وتلتزم بكل ما جاءها من عند الله تعالى, وعليهم أن يبذلوا كل جهدهم كما أمروا ولا يستسلموا لأحلام النصر, أو خطرات اليأس, وليتقنوا دائمًا أن الدنيا هي دار السعي والعمل والصبر والتحمل, وأن الآخرة هي دار الخير والسلام ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
стр. 389
سابعًا: أحد وحركة الدعوة
حين ننظر إلى معركة "أحد" نرى تقلب أحداثها، وتبدل أحوالها في كل أطرافها فلقد عاش كل فريق الغلبة والانكسار، مرة بعد أخرى، إلا أن محصلة الخسائر في المسلمين كانت أكبر منها في معسكر المشركين، وهذا ما جعل بعض المؤرخين يرى أن المسلمين قد انهزموا في أحد، باعتبار عدد القتلى، وكثرة الجرحى، ورجوع المشركين بقتلاهم دون أن يؤسر منهم أحد، رغم أن القتال كان بجوار المدينة بعيدًا عن موطنهم مكة.
والأمر بمقياس ذاك الزمان يشير إلى هزيمة المسلمين؛ لأن المعارك كانت عبارة عن تشابك بالأيدي، وتلاحم بالسيوف، ومواجهة مباشرة بالدروع والنبال، وكانت الحرب تستمر يومًا وبعض يوم، كما حدث في "بدر" وفي "أحد" وفي غيرهما من السرايا والغزوات وبعدها يقف القتال، ويعود كل فريق لموطنه، والنصر حينئذ يكون لمن ألحق بخصمه خسائر أكبر.
وبهذا المقياس يظهر انتصار القرشيين كما فهمه معاصرو "أحد" ولذلك أتى أبو سفيان حين قدم مكة هبل وقال له: قد أنعمت علي ونصرتني، وشفيت نفسي من محمد، وأصحابه، وحلق رأسه, وما فعل أبو سفيان ذلك إلا لشعوره بانتصار المكيين على المسلمين.
وبسبب هذا الفهم أخذ الأعداء يجاهرون بعداوتهم لرسول الله ﷺ وللإسلام، وجرءوا على معاداة المسلمين، وكثر التواصل بينهم شماتة بالمسلمين، وفرحًا بهزيمتهم وأملا في استمرار الإحساس بالنصر.
لكن بعض العلماء ينظر لأحداث "أحد" من ناحية أخرى، ويرى أنها كانت صقلا للمسلمين، وتقوية لإيمانهم، وتجلية لما يجب أن يلتزموا به في إطار حركة الدعوة وهم يعملون للإسلام، ويسلم هؤلاء العلماء بانتصار القرشيين ظاهرًا، ويرونه انتصارًا مؤقتًا لا يلبث أن يزول، وأن خسائر المسلمين جزء من الإعداد والتدريب، ويقولون: إن انكسار المسلمين يوم "أحد" كان عامل قوة لهم أدت بهم إلى انتصارات لاحقة، بعدما استفادوا من دروس "أحد" وتمكنوا بالانتصارات اللاحقة من نشر الإسلام، وإيصال الدعوة
стр. 390
إلى العالم كله، وعملوا على إبراز ما في دينهم من قوة ذاتية معنوية، بجوار استعدادهم لبذل أموالهم وأرواحهم لخدمة دين الله تعالى، وهؤلاء المتفائلون يبنون نظرتهم تلك على معطيات واقعية أهمها ما يلي:
١- بروز بطولة النبي ﷺ وشجاعته وثباته في وجه أعدائه وإصراره على مقاتلتهم وحده مع أن الصحابة فروا عنه وتركوه، وتلك مسألة لا بد من وضوحها لبيان ما قام به رسول الله ﷺ وتحمله في سبيل دين الله تعالى.
وتظهر شجاعة النبي ﷺ من ثباته وحيدًا أمام جيش قريش، وحرصه على قتل ابن الأشرف، بعدما أصيب وبقي وحده، وكان ﷺ في حالة يفر فيها الأبطال المغاوير، وكان أبي بن خلف يتصور نفسه قادرًا على قتل رسول الله ﷺ بعدما جاءه فوجده جريحًا ووحيدًا.
فلقد أقبل أبي بن خلف يركض بفرسه حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ اعترض له ناس من المسلمين ليقتلوه، فقال ﷺ : "استأخروا عنه".
وقام ﷺ وحربته في يده فرماه بها بين سابغة البيضة والدرع فطعنه ﷺ في هذا الموضع فوقع عن قوسه، وكسر ضلعًا من أضلاعه، فاحتملوه فمات لما ولوا قافلين بالطريق وتحقق بذل ما أنبأ به ﷺ قبل "أحد".
وقصة ذلك النبأ أن أبي بن خلف قدم المدينة في فداء ابنه حين أسر يوم "بدر"، فقال: يا محمد إن عندي فرسًا أعلفها كمية كبيرة من ذرة كل يوم حتى أقتلك عليها.
فقال رسول الله ﷺ : "بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله".
وكان ﷺ في القتال لا يلتفت وراءه وكان يقول لأصحابه: "كأني أخشى أن يأتي أبي بن خلف من خلفي، فإذا رأيتموه فآذنوني"، فإذا بأبي يركض على فرسه، وقد رأى رسول الله ﷺ فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا محمد لا نجوت إن نجوت.
فقال القوم: يا رسول الله! ما كنت صانعًا حين يغشاك فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا.
فأبى ﷺ ودنا أبي فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ويقال من الزبير بن
стр. 391
العوام، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير فتطاير عنه أصحابه ولم يكن أحد يشبه رسول الله إذا جد الجد، ثم أخذ الحربة فطعن أبي بن خلف بها في عنقه، وهو على فرسه فجعل يخور كما يخور الثور.
يقول له أصحابه: يا أبا عامر! والله ما بك بأس، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره.
فيقول لهم: لا واللات والعزى، ولو كان هذا الذي بي بأهل "ذي المجاز" لماتوا أجمعون١.
وهكذا تحققت النبوءة المحمدية، وقتل أبي بن خلف، وتأكدت شجاعة النبي ﷺ .
وبهذه الصورة الشجاعة لرسول الله ﷺ تعلمت الأمة ضرورة وجود القائد الشجاع الذي يقود الأمة نحو تحقيق شرع الله تعالى، وحماية، دينه في الأرض كلها، وبخاصة في الأوقات الصعبة، ووسط الظروف الحاسمة، وبين للمسلمين ولغيرهم أهليته ﷺ لتحمل الرسالة وأعبائها، وتفرده ليكون الأسوة والقدرة لكل عاقل أريب.
وقد استوعب المسلمون هذا الدرس، وأحاطوا برسول الله ﷺ ، ولاموا أنفسهم على ما فرطوا فيه، وبخاصة ما فعله الرماة منهم، وحرصوا بعد رسول الله ﷺ على بيعة الراشدين من الخلفاء، وتولية الرجال القادرين على حمل الأمانة، وتقرير المسئولية.
٢- التسليم بضرورة وقوع الابتلاء لتمييز الخبيث من الطيب، ولذلك كان ابتلاء الأنبياء والرسل، فلم يحدث لهم انتصار دائم، أو هزيمة دائمة، وإنما تفاوت أمرهم بين هذا وذاك.
يقول الحافظ بن حجر: والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا لدخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين، حتى يتميز الصادق من الكاذب وقد ظهر المنافقون، وعرفهم المؤمنون في "أحد" وذلك أن باطن المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين فلما جرت أحداث "أحد" وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول، عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم٢.
стр. 392
ولذلك كانت هزيمة "أحد" بعد انتصار "بدر"، وكانت "أحد" سببًا في إقبال المسلمين بعد ذلك، والتزامهم بطاعة الله ورسوله حتى نصرهم الله تعالى.
إن الابتلاء بصورة عامة يمحص الجبهة الإسلامية من عدة نواح.
فهو يطهر القلوب، ويخلصها من شوائب المادة، وثقل الغرائز، لأن القلوب تخالطها الشهوات، وتؤذيها الخواطر النفسية، وتحكمها العادات، وتستولي عليها الغفلة، ويلعب بها الشيطان، وهي في حاجة مستمرة للمجاهدة والتوجيه والإنذار، ولذلك اقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقيض لها من المحن والبلاء ما يكون كالدواء الكريه مذاقه وفيه الشفاء، فكانت نعمته عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم، وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وذاك.
كما أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا لطغت نفوسهم، شأن طغيانها لو بسط لهم الرزق قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ١ فدارت حياة المؤمنين بين السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فإن النفوس تكسب من العافية الدائمة والنصر والغناء طغيانًا وركونًا إلى العجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء وتلك المحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ويقطع العروق المؤلمة، لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه.
كما أنه سبحانه قد هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلاءه وامتحانه قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢.
стр. 393
كما أن هذه المحن استخراج عبودية أوليائه، وبروز معدن حزبه في أحوال يظهر فيها الإنسان على حقيقته في السراء والضراء، وفيما يحبون ويكرهون، وفيحال ظفرهم، وظفر عدوهم بهم، فإذا ثبتوا على العبودية فيما يحبون ويكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء، والنعمة، والعافية.
وهناك تمحيص خارجي للمؤمنين، لتمحيص صفوفهم ممن كان يظن أنه منهم وهو عدو لهم، وقد أشار إليه الله تعالى بقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذلك حتى يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن المسلمين لما أظهرهم الله تعالى "ببدر"، دخل معهم جمهور كبير ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم من المنافقين، فاقتضت حكمته تعالى أن يسبب لهم محنة "أحد" حتى يميز الخبيث من الطيب بتمييز المنافق من المؤمن، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ١.
إن من أخطر الأمور على بنيان أمة الإسلام أن يعيش بين صفوفها من لا يؤمن بمبادئها وأهدافها، ومن يمالئ العدو ساعة الشدة عليها، يعيش بينهم مجهولا منهم فلا يأخذون حذرهم منه، يظنونه معهم وهم عليهم ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
إن المنافقين جرثومة فساد في جسم الأمة، وبؤرة خبيثة في كيانها، يعيشون بين صفها الواهن، ويبلبلون الأفكار، ويشككون في المواقف، وهم فوق هذا وذاك طابور خامس للعدو الخارجي، من هذا كان عذابهم أشد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ ٣.
وقد يتمنى البعض أن يطلع الله تعالى المؤمنين على غيبه حتى يعلموا هؤلاء المنافقين
стр. 394
فيتقوا شرورهم بلا محن وابتلاء؟ والله قادر على إظهار ما عليه المنافقون، وإزهاق ما يقومون به من أباطيل، لكن الحكمة الإلهية اقتضت غير ذلك.
إن هذه الأمنية لا تلتقي مع حكمة الله العليا، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ ١ ذلك أن المنافقين وإن كانوا متميزين في علمه وغيبه، لكن ذلك شيء وتميزيهم تميزًا مشهودًا مطلب آخر، فيه تكمن حكمة الله تعالى، حتى يقع غيبه شهادة، فيجازيهم على واقع مشهود، لا على غيب معلوم له تعالى وحده.
وقد قدر للمسلمين محنة يوم "أحد" ليتحول الغيب المجهول إلى واقع معلوم، وليعلم المسلمون درسًا في سياسة الحياة, وهي أن العدو يداجي خططه، ويخفيها ويلبسها بلباس غيرها، ليصل إلى ما يريد، وعليهم أن يحذروا، ويعملوا على تجنبه مهما تزين، وتزخرف.
وبذلك فقد حصل للمسلمين تمحيصان: تمحيص داخلي، وتمحيص خارجي، وفي كل خير جليل، ونفع للمسلمين عظيم، وبهذا كشف الله قناع الخير، وأسفر ليل المحنة عن نهار النعمة، وأشرقت النفوس بعد فيض الدروس، وتهللت الأرواح بعد زوال الأشباح، وخرجت نفوس المؤمنين من المحنة أنقى ما كانت، وأصفى وأرضى بقضاء الله وأغبط، بعد تجلية القرآن لما منحوه من خير عميم، خصوا به دون غيرهم من المنافقين الذين لا يحبهم الله، ولذا حال بينهم وبين ما ابتلى به المؤمنين، حتى لا يتخذ منهم شهداء مع عصاينهم كما اتخذ من أوليائه شهداء، يشير الله تعالى إلى إيثار المؤمنين بالشهادة دون المنافقين في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ وفي هذا دلالة صريحة على أن اتخاذ الشهداء نعمة يهبها الله لمن أحب من عباده المؤمنين.
٣- تلقى المسلمون درسا في ضرورة دقة الطاعة، وعدم الاجتهاد فيما فيه نص، فلقد أتى المسلمون من قبل الرماة الذين تركوا أماكنهم لجمع الغنائم، وعصوا بذلك أمر رسول الله ﷺ الصريح بعدم ترك الجبل مهما كانت الظروف، وقد أفاد هذا الدرس
стр. 395
المسلمين في المعارك التي حدثت بعد ذلك، وتأكدوا من نتائج المخالفة، وآثارها السيئة فلم يقعوا فيها، واستمروا يعملون بمقتضى الأمر الصريح، والنص الفصيح، والتزموا حدود الاتباع ودقة الطاعة.
٤- لم تحقق قريش شيئًا من أهدافها التي جاءت من أجلها، فلا هي قضت على رسول الله ﷺ ، ولم تستول على المدينة، ولم تمنع المسلمين من الحركة بدينهم، وتطبيق شريعة الله تعالى ولم تحرر طرقها التجارية إلى الشام، ولذلك عند نصرها نصرًا جزئيًا مؤقتًا.
يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة "أحد" نصرًا للمشركين، واندحارًا للمسلمين؛ لأن مناقشة المعركة عسكريًا تظهر انتصار المسلمين على الرغم من خسائرهم الفادحة بالأرواح في هذه المعركة ونبدأ المناقشة من الوجهة العسكرية البحتة، لأظهار حقيقة نتائج غزوة أحد.
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم، وتعفير لوائهم في التراب، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين، وقطع خط رجعتهم، وهجوم المشركين من الإمام جعل قوات المشركين تطبق من كافة الجوانب على قوات المسلمين، هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم إلى الوقت الأخير.
إن نتيجة كل معركة عسكرية لا تقاس علميًا، وواقعيًا، بعدد الخسائر في الأرواح فقط بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء المبرم على العدو ماديًا ومعنويًا؟؟ فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًا أو ومعنويًا؟ ١
إن حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين، كل ذلك كان يجب أن تكون نتائجه القضاء الأكيد على كافة قوات المسلمين، لكن ذلك لم يحدث، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد خسائر العشر فقط من عددها هزيمة، لا يعد ذلك إلا انتصارًا لتلك القوة الصغيرة، ولا يمكن اعتبار فشل القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديًا في مثل هذا الموقف الحرج للغاية، انتصارًا بل هو الفشل
стр. 396
والانكسار لهذه القوة الكبيرة.
ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاع المسلمون الخروج لمطاردتها بعد يوم فقط من يوم "أحد" دون أن تتجرأ قريش على لقائها بعيدًا عن المدينة، خاصة وأن الرسول قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت "فعلا" بمعركة أحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس:
إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه بأحد نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين على المسلمين من كافة الجهات في التصور العقلي هو الفناء التام، لكن ذلك لم يحدث١.
إن المكيين لم يسيطروا على معسكر المسلمين، ولم يتمكنوا من أسر مسلم واحد ولم يغنموا شيئًا، ولم يقطعوا رابطة الاتصال بين المسلمين وقيادتهم، وذلك يؤكد النظرة القائلة بأن ما حدث في "أحد" لم يكن هزيمة مطلقة, وإن لا لما انسحب المشركون في نهاية النهار خوفًا من ظلام الليل, وشجاعة المؤمنين.
٥- تعلم المسلمون من معركة "أحد" دروسًا استفادوا بها في مواجهة أعداء الله بعد ذلك, ومن هذه الدروس ضرورة الطاعة، وتنفيذ توجيهات القيادة، وأهمية مفاجأة العدو وعدم تركه يتخير زمان ومكان وكيفية المعركة, وعلموا كذلك ضرورة مطاردة العدو حين انكساره، وعدم تركه لتجميع صفوفه مرة أخرى، كما ظهر في السرايا والغزوات بعد "أحد".
ولو قدر الله للمسلمين أن يطاردوا أعداءهم في المرحلة الأولى التي انهزم فيها الكفار لقضوا عليهم، وألحقوا بهم الخسائر الكثيرة لكنهم لم يفعلوا ذلك، وانشغلوا بجمع الغنائم فكانت الجائرة عليهم.
٦- علم المسلمون ما يناله الشهداء من فوز، وبذلك عد من قتل منهم فائزًا منتصرًا فأسرعوا إلى الجهاد رجاء نيل الشهادة.
يروي البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل للنبي ﷺ يوم "أحد"
стр. 397
وقال له: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟
قال ﷺ : "في الجنة".
فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل١.
وروى الإمام مسلم بسنده من حديث أنس "أن عمير بن الحمام أخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة" ثم قاتل حتى قتل.
والقصتان مختلفتان، قد وقعتا لرجلين مختلفين، حيث وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم "بدر" كما صرح في حديث جابر أن ذلك كان في يوم "أحد".
وهذان شيخان كبيران من الصحب الكرام رخص لهما رسول الله ﷺ في التخلف لسنهما، غير أن الرغبة في الشهادة قد دفعتهما إلى اللحاق بالمسلمين ليحرزاها، يروي ابن إسحاق بسنده قائلا: كان اليمان والد حذيفة وثابت بن وقش شيخين كبيرين، فتركهما رسول الله ﷺ مع النساء والصبيان، فتذاكرا بينهما، ورغبا في الشهادة، فأخذا سيفيهما، ولحقا بالمسلمين بعد الهزيمة، فلم يعرفوا بهما، فأما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه٢.
ويوضح لنا رسول الله ﷺ ما أنعم الله به عليهم فيقول ﷺ : "لما أصيب إخوانكم "بأحد" جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا مأكلهم، ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم" ٣ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٤.
стр. 398
وما لهم لا يفرحون بالشهادة ويستبشرون بها، والمولى يحدثنا عنهم ويبين أنهم أحياء في رحاب فضله وكرمه ومستقر رحمته وواسع جناته، ينعمون بالنعيم الدائم في خير جوار، قد أبيحت لهم أنهار الجنة وثمارها، طعام لا كالطعام، وشراب لا كالشارب، فشتان بين طعام الأرض وطعامهم، وشراب الأرض وشرابهم، وهيئت لهم مساكن لا في جبال الأرض، وهجيرها وزمهريرها، ولكن في ساق العرش، قناديلها من ذهب وملاطها من فضة، فطاب المثوى، وكرم المأوى.
فجمع الله لهم بذلك إلى الحياة الدائمة، منزلة القرب منه، ومعيشة لهم، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله إنهم يعيشون عنده بالرضا، بل بما هو فوق الرضا، بل هو كمال الرضا، وفرحهم التام بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته.
وعلى هذا فإن الآثار التي تركتها "أحد" في المسلمين، محصت إيمانهم، وجعلتهم يقبلون على الله دائمًا، ويتمنون الحياة لله والموت في سبيله سبحانه وتعالى١.
стр. 399
المبحث السابع: أحداث ما بين أحد والأحزاب
مدخل
...
المبحث السابع: أحداث ما بين أحد والأحزاب
بدأت الأحداث تأخذ مجرى جديدًا بعد "أحد" حيث اتخذ جميع الفرقاء مواقف عديدة بناء على نظرهم لأحداث "أحد".
فمشركوا مكة رأوا فيما حدث في "أحد" فرصة يصعب تكرارها، وقد أفلتت منهم، لعلمهم أن انكسار المسلمين جاء بسبب خطأ مجموعة الرماة، وجرأة خالد وبراعته في الاستفادة من انسحاب الرماة من موقعهم، ولذلك انسحبوا سريعًا إلى بلدهم، ومكنوا فيها، ولم يخرجوا لملاقاة المسلمين بعد ذلك وحدهم، واكتفوا بالفخر الكاذب وادعاء النصر، ونشر الأكاذيب، وتحريض القبائل على رسول الله ﷺ .
ورأى الأعراب، وأهل البادية أن انكسار المسلمين في "أحد" موقف لا بد أن يستفيدوا به، ولذلك فكروا في الإغارة على المدينة للسلب والنهب، ولإظهار قوتهم أمام المسلمين لتكون لهم مهابة ومنزلة عندهم، وتصوروا أن حالة المسلمين تمكنهم من ذلك.
ورأى اليهود أن المسلمين أصيبوا إصابة تؤدي إلى ضعف قوتهم وهمتهم، وأنهم في حاجة إلى وقت طويل لتعود لهم إرادتهم القوية، وشجاعتهم الوثابة، وقدرتهم على مواجهة خصومهم.
ورأى المنافقون أن وضعهم قد عرف بعودتهم من "أحد" وعدم اشتراكهم في القتال، وتأكدوا أن النفاق لم يعد خطة تحقق لهم الحياة، وليس هناك ما يمنع حينئذ من إظهار العداوة، والبغضاء لرسول الله ﷺ وللمسلمين.
لكل هذا كثرت التحركات، وتعددت الأعمال في المدة ما بين غزوتي "أحد" و"الأحزاب" ولم تقف أفكار الأعداء عند حد القول والأماني، وإنما ظهرت في خطط، ومعاهدات، ومواجهات.
يروي الواقدي حال اليهود، والمنافقين بعد "أحد" فيقول: "أخذ عبد الله بن أبي والمنافقون معه يشمتون بالمسلمين، ويسرون بما أصابهم، ويظهرون أقبح القول لهم، فلما رجع الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى المدينة وهو جريح، وبات
стр. 400
يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب الليل، جعل أبوه المنافق يقول له شامتًا: ما كان خروجك مع محمد إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا!
فيقول له ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير.
وأظهرت اليهود القول السيئ فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه! وأخذوا يخذلون عن رسول الله ﷺ أصحابه! ويأمروهم بالتفرق عن رسول الله ﷺ .
وجعل المنافقون يقولون لأصحاب رسول الله ﷺ : لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل، حتى سمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن عدة، فمشى إلى رسول الله ﷺ ليستأذنه في قتل من سمع ذلك من اليهود، والمنافقين، فقال له رسول الله ﷺ : "يا عمر إن الله مظهر دينه ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم".
قال عمر ﵁: فهؤلاء المنافقون يا رسول الله ﷺ !
فقال رسول الله ﷺ : "أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله".
قال عمر ﵁: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذًا من السيف، فقد بان لنا أمرهم، وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة.
فقال رسول الله ﷺ : "نهيت عن قتل من قال: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, يابن الخطاب! إن قريشًا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن" ١.
وحتى نستمر حركة الدعوة، ويعيش المسلمون حياة العزة والكرامة، ويحافظوا على حقوق الإنسان التي شرعها الله تعالى، وحفظها للناس أجمعين، كان لا بد من مواجهة الواقع الذي عاشه أعداء الإسلام بعد "أحد" بما يليق به، ولذلك وقعت أحداث عدة، بدأت بعد "أحد" مباشرة، واستمرت إلى قبيل غزوة "الأحزاب" أوردها هنا إتمامًا لترتيب أحداث تاريخ الدعوة، وإبرازًا للجهد الذي أداه المسلمون صادقين مخلصين.
стр. 401
أولا: غزوة حمراء الأسد
انسحب القرشيون من ميدان معركة "أحد" وأخذوا طريقهم إلى مكة، فلما وصلوا إلى "الروحاء" على بعد ست وثلاثين ميلا من المدينة، استراحوا بها، وأخذ قادتهم يتأملون في نتائج معركة "أحد" وفي تدبير أمورهم بعدها، فقال بعضهم لبعض: لا محمدًا أصبتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئس ما صنعتم.
وقال عكرمة بن أبي جهل: ما صنعنا شيئًا، أصبنا أشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم وقبل أن يكون لهم وفر وقوة١.
ولما رجع المسلمون إلى المدينة بجراحهم ومصابهم باتوا ليلتهم بين الحزن والألم، وبات رسول الله ﷺ يفكر في الأمر، ويتأمله ورأى ضرورة ملاحقة كفار مكة وطلبهم ومفاجأتهم حتى لا يفكروا في الرجوع إلى المدينة.
فلما صلى رسول الله ﷺ في اليوم التالي لـ"أحد"، أمر بلالا ﵁ أن ينادي في الناس أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، فهب المسلمون رغم ما بهم من جراح، طاعة للنداء، وطمعًا في الثأر، وأملا في إدخال الرعب في قلوب أعداء الله حتى لا يظنوا بالمسلمين ضعفًا وخورًا.
جاء سعد بن معاذ ﵁ إلى قومه بني عبد الأشهل، والجراح في جميعهم فاشية، فقال لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تطلبوا عدوكم فيجيبه أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات تحتاج للعلاج: سمعًا وطاعة لله ورسوله! فأخذ سلاحه، ولم يعرج على دواء جراحه، ولحق برسول الله ﷺ .
وجاء سعد بن عبادة قومه بني ساعدة فأمرهم بالمسير، فتلبسوا ولحقوا.
وجاء أبو قتادة أهل خربى، وهم يداوون الجراح، فقال: هذا منادي رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، فوثبوا إلى سلاحهم، وما عرجوا على جراحاتهم، فخرج من بني سلمة أربعون جريحًا، بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبقطبة بن عامر بن حديدة تسع جراحات، حتى وافوا النبي ﷺ عند بئر أبي عنبة إلى رأس الثنية وهي على
стр. 402
الطريق الرئيسي بين مكة والمدينة، وعليهم السلاح، فاصطفوا لرسول الله ﷺ ، فلما نظر رسول الله ﷺ إليهم، والجراح فيهم فاشية قال: "اللهم ارحم بني سلمة" ١.
وكان حرص المسلمين على الخروج واضحًا، لدرجة أن جابر بن عبد الله ﵁ جاء إلى النبي ﷺ وبين له عذره في عدم الخروج لـ"أحد" واستأذنه في الخروج هذه المرة، وقال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إن مناديًا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس وقد كنت حريصًا على الحضور بالأمس في "أحد"، ولكن أبي خلفني على أخوات لي وقال: يا بني، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن، ولا رجل عندهن، وأخاف عليهن، وهن بنات ضعاف، وأنا خارج مع رسول الله ﷺ ، لعل الله يرزقني الشهادة، فتخلفت عليهن فاستأثره الله عليّ بالشهادة، وكنت رجوتها لنفسي، فائذن لي يا رسول الله أن أسير معك، فأذن له رسول الله ﷺ .
يقول جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري٢.
وولى النبي ﷺ على المدينة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم.
ومن نوادر الطاعة خروج عبد الله ورافع ابني سهل بن عبد الأشهل، فلقد رجعا من "أحد" وجراحهما ثقيلة، فلما سمعا النداء عزما على الخروج، وليس لهم دابة ولا يقدران على السير، فخرجا يزحفان على بطونهما، فلما عجز رافع عن الزحف حمله أخوه عبد الله على ظهره، حتى أتيا رسول الله ﷺ عند العشاء، فلما علم أمرهما قال لهما ﷺ : "لو طالت لكم المدة كانت لكم مراكب من خيل، وبغال، وإبل، وليس ذلك بخير لكم" ٣.
وخرج مع رسول الله كل من خرج في أحد فبلغ عددهم ستمائة وسبعين رجلا وخرج معهم جابر بن عبد الله بإذن رسول الله ﷺ ، وجاء رسول الله باللواء، وهو على حاله يوم "أحد" لأنه لم يحل ولم يتغير، وأعطاه لعلي بن أبي طالب، وواصل الجيش الإسلامي سيره إلى "حمراء الأسد" على بعد ستة أميال من المدينة، حتى بلغها، وعسكر بها٤.
стр. 403
وأخذت الأحداث تتفاعل في كلا المعسكرين.
المشركون يفكرون في الرجوع إلى المدينة، ليدركوا ما فاتهم في القضاء على المسلمين والمسلمون يفكرون في إرهاب العدو، وطرده، وإبعاده عن المدينة حفاظًا على الذراري والنساء، وإعادة هيبتهم التي فقدوها في "أحد".
وهنا نجد دقة التحركات الإسلامية الرشيدة، والتي من أهمها:
١- أرسل رسول الله ﷺ ثلاثة نفر من أسلم ليأتوه بخبر القوم، فلحق الثلاثة بالقوم عند "حمراء الأسد" فأبصرهم القرشيون وقتلوا اثنين منهم وهما سليط، ونعمان، ابنا سفيان بن خالد من بني سهم، وأما الثالث فقد تخلف لبطئه في السير ونجا فلما وجدهما المسلمون في "حمراء الأسد" قبروهما في قبر واحد، فعرفا بالقرينين١, وقد أدى ذلك إلى زيادة خوف العدو لأنه علم ملاحقة المسلمين لهم.
٢- لما عسكر المسلمون في "حمراء الأسد" أمرهم رسول الله ﷺ بجمع الحطب في النهار على أن يوقد كل رجل منهم نارًا مستقلة، فبلغت النيران خمسمائة، تبدو عالية في البعد٢، وتحدث الأعراب بهذا فأصيبوا بالذعر والخوف، وتوقعوا أن القوة الإسلامية أضعاف أضعاف ما هي عليه وأبلغوا رؤيتهم لأهل مكة.
٣- جاء معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة سلما لرسول الله والمسلمين، وقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك, فطلب منه ﷺ أن يخذل الأعداء، فذهب إلى القرشيين وهم بالروحاء فقال له أبو سفيان: ما وراءك؟
قال: تركت محمدًا وأصحابه خلفي، يتحرقون عليكم بمثل النيران، وقد أجمع معه من تخلف عنه بالأمس، من الأوس والخزرج، وتعاهدوا ألا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم وغضبوا لقومهم غضبًا شديدًا، ولمن أصبتم من أشرافهم.
قالوا: ويلك! ما تقول؟!
قال: والله ما أرى إلا أن نرتحل حتى نرى نواصي الخيل
стр. 404
وأرسل معبد إلى رسول الله ﷺ رجلا من خزاعة يعلمه بانصراف القرشيين إلى مكة خائفين، مذعورين١.
٤- علم الله تعالى إخلاص أصحاب رسول الله ﷺ وهم حزبه وجنده، فجعل من بين المشركين من يخذلهم، ويصرفهم عن مهاجمة المدينة مرة أخرى، وذلك أن أبا سفيان حينما فكر مع بعض رفاقه في العودة إلى المدينة ومهاجمتها، قال له صفوان بن أمية وهو واحد من جيش القرشيين: يا قوم لا تفعلوا! فإن المسلمين قد حزنوا على ما أصابهم، وأخشى أن يجمعوا عليكم من تخلف من الخزرج، فعودوا إلى مكة، والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم.
وأدخل الله الرعب في قلوب القرشيين فأسرعوا بالرحيل إلى مكة، وأراد أبو سفيان أن يخيف المسلمين، فانتهز مرور نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فطلب منهم أن يخبروا محمدًا وأصحابه بأن قريشًا اجتمعت على الرجعة إليهم, فلما ذكر الوفد ذلك للمسلمين قال رسول الله ﷺ : "حسبنا الله ونعم الوكيل". وقويت عزائم المسلمين للقاء العدو، ورغبوا في إلحاق الأذى بالمشركين، رغم ما بهم من جراح، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ٢.
ومكث النبي ﷺ والمسلمون في "حمراء الأسد" ثلاثة أيام عادوا بعدها إلى المدينة المنورة، وقد استفاد المسلمون من غزوة "حمراء الأسد" عدة فوائد:
أ- تجديد روح التضحية، وإظهار حب المسلمين للجهاد، والاستشهاد في سبيل الله تعالى، فلقد خرجوا مع رسول الله للجهاد بعد أقل من يوم من هزيمتهم في "أحد" رغم الجراح، والآلام، وكانوا على شوق للحرب، والقتال.
ب- إبراز القوة الإسلامية، وإعلام الآخرين بها، حتى يكونوا على حذر في عداوتهم
стр. 405
ولا يستهينوا بالقوة الإسلامية، ولذلك أمرهم رسول الله ﷺ بإظهار ملامح القوة، وإرهاب العدو، وعمل على تخذيل الكفار وتخويفهم.
ج- ضرورة الاهتمام بالتخطيط، والتنفيذ، والالتزام بالطاعة، ليبرز العمل في وقته وزمانه، وليعود بالفائدة المأمولة لدين الله تعالى، وللمسلمين، ولهذا كان الخروج بعد أقل من يوم، مع الاستعداد للتضحية والفداء.
د- ضرورة أخذ الحذر، وعدم تصديق من غدر وخان، فلقد أسر المسلمون أبا غرة الجمحي بـ"حمراء الأسد" فطلب أن يمنَّ رسول الله ﷺ عليه، وقال له: لا تقتلني، فأبى النبي ﷺ وقال له: "لن تقول خدعت محمدًا مرتين". وكان قد منّ عليه وفك أسره في "بدر", وقال ﷺ : "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
стр. 406
ثانيًا: سرية أبي سلمة ﵁
بعد شهرين من غزوة "أحد" علم رسول الله ﷺ أن طلحة وسلمة ابني خويلد أخذا في تحريض قومهما بني خزيمة لحرب المسلمين والإغارة على المدينة المنورة لسلب الأموال، وإثبات كيان قوي لهم أمام المسلمين، بعدما تصوروا أن هزيمة المسلمين في أحد فرصة تساعدهم على ما أرادوه من بغي وعدوان.
يروي الواقدي حال بني خزيمة وهم يستعدون، ويتشاورون في مهاجمة المسلمين ويقول بعضهم لبعض: نسير إلى محمد في عقر داره، ونصيب من أطراف المسلمين، فإن لهم سرحًا يرعى جوانب المدينة ونخرج على متون الخيل، ونخرج على النجائب المخبورة فقد أربعنا خيلنا وإبلنا فإن أصبنا نهبًا لم ندرك، وإن لاقينا جمعهم كنا قد أخذنا للحرب عدتها، معنا خيل ولا خيل معهم، ومعنا نجائب أمثال الخيل، والقوم منكوبون قد أوقعت بهم قريش حديثًا، فهم لا يستبلون دهرًا، ولا يثبتون على أمر.
فقام فيهم رجل منهم يقال له: قيس بن الحارث بن عمير، فقال: يا قوم، والله ما هذا برأي! ما لنا قبلهم وتر، وما هم نهبة لمنتهب، وإن دارنا لبعيدة من يثرب، وما لنا جمع كجمع قريش، مكثت قريش دهرًا تسير في العرب تستنصرها، ولهم وتر يطلبونه ثم ساروا وقد امتطوا الإبل، وقادوا الخيل، وحملوا السلاح مع العدد الكثير -ثلاثة
стр. 407
آلاف مقاتل سوى أتباعهم- وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كملوا، فتغررون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم، ولا آمن أن تكون الدائرة عليكم، فكاد ذلك أن يشككهم في السير١.
وقد سمع هذا النقاش رجل من طيئ٢ فقدم على صهره، الذي هو من صحابة رسول الله ﷺ بالمدينة وأخبر بما عزم عليه بنو خزيمة فجاء الصحابي إلى رسول الله، وأخبره خبر بني خزيمة فأرسل رسول الله إلى أبي سلمة ﵁ وهو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشي المخزومي وولاه على سرية قوامها مائة وخمسون رجلا وأوصاه بتقوى الله وأمره بالإسراع في الخروج فخرج ﵁ مع السرية، وكان معهم الطائي يدلهم على الطريق وواصلوا السير ليلا ونهارًا، في طريق غير مألوف، حتى وصل بجيشه إلى أدنى ماء لبني أسد بن خزيمة، فوجد عند الماء إبلا، وغنمًا مع الرعاة، فاستولوا عليها، وهرب الرعاة إلا ثلاثة، وحذروا بني أسد من جمع أبي سلمة، وكثروهم عندهم، ففرقوا في كل وجه هلعًا، وخوفًا.
فلما ورد أبو سلمة مكان تجمع القوم لم يجد أحدًا فعكسر فيه، وفرق أصحابه في طلب النعم والشاه، فجعلهم ثلاث فرق: فرقة أقامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين مختلفتين، وأوعز إليهما ألا يمنعوا في طلب، وألا يبيتوا إلا عنده إن سلموا، وأمرهم ألا يفترقوا، واستعمل على كل فرقة عاملا منهم، فآبوا إليه جميعًا سالمين، قد أصابوا إبلا وشياه، ولم يلقوا أحدًا، فرجع أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة راجعًا، ورجع معه الطائي فلما ساروا ليلة قال أبو سلمة: اقتسموا غنائمكم، فأعطى أبو سلمة الطائي الدليل رضاه من المغنم، وأخرج صفيًا لرسول الله ﷺ عبدًا، ثم أخرج الخمس، ثم قسم ما بقي بين أصحابه، فعرفوا سهامهم، وأقبلوا بالنعم والشاه يسوقونها حتى دخلوا المدينة٣.
وكانت سرية أبي سلمة٤ في مستهل شهر المحرم من العام الرابع الهجري.
стр. 408
ثالثًا: بعث عبد الله بن أنيس
في الخامس من شهر المحرم من العام الرابع للهجرة جاءت الأخبار إلى رسول الله ﷺ أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب رسول الله ﷺ ، ويحرض على مهاجمة المدينة وقد نزل بـ"عوانة" فأرسل رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس ﵁ إليه ليقضي عليه وينهي الفتنة التي يعمل لإشعالها.
قال عبد الله بن أنيس: يا رسول الله! انعته لي حتى أعرفه.
قال ﷺ : "إذا رأيته هبته، وفرقت منه، وذكرت الشيطان، وآية ما بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته". وأذن له أن يقول ما بدا له.
وكان أنيس لا يهاب الرجال، فأخذ سيفه وخرج، حتى إذا كان ببطن عرنة لقي سفيان يمشي، وراءه الأحابيش فهابه، وعرفه بالنعت الذي نعت له رسول الله ﷺ ، وقد دخل وقت العصر فصلى وهو يمشي يومئ إيماء برأسه، فلما دنا منه قال: من الرجل؟
قال: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك عجبًا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء وسفه أحلامهم.
فصحبه سفيان معه وأكرم قراه، فلما تفرق عنه أصحابه، قال: هلم يا أخا خزاعة فدنا منه وجلس عنده حتى نام الناس فقتله، وأخذ رأسه واختفى في غار، والخيل تطلبه في كل وجه، ثم سار الليل، وتوارى في النهار إلى أن قدم المدينة١ الذي ظل غائبًا عنها ثماني عشرة ليلة بدءًا من السبت لسبع بقين من المحرم، وقد قتل خالدًا، وجاء برأسه فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم٢، فأعطاه ﷺ عصاه، وقال له ﷺ : "هذه آية بيني وبينك يوم القيامة". فلما حضرت ابن أنيس الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه وكانت غيبته ﵁ عن المدينة ثمانية عشر يومًا٣.
стр. 409
رابعًا: بعث الرجيع
والرجيع بفتح الراء المشددة وكسر الجيم اسم ماء لهذيل يقع بين مكة وعسفان بأرض الحجاز، وسمي البعث به لحدوث الوقعة عنده.
وسبب هذه الوقعة أن نفرًا من القارة، وعضل١، وهما بطنان من بطون الهون بن خزيمة بن مدركة قدموا على رسول الله ﷺ ، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وطلبوا منه ﷺ أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن الكريم، ويفهمهم الإسلام، فبعث لهم الرسول ﷺ سرية مؤلفة من عشرة رجال، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ﵁ فانطلقوا بهم حتى كانوا بين عسفان ومكة.
وهنا غدر القوم بهم، واستصرخوا عليهم النضر وحيًا من هذيل ليغدروا بهم معهم فأتوهم بقريب من مائة رام، تتبعوا آثار أفراد السرية حتى لحقوا بهم عند "فدفد" فلجأ عاصم ومن معه إليها، وأقاموا بها حتى لحقوا بهم.
وجاء الرماة فأحاطوا بعاصم ومن معه وقالوا لهم: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا.
فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا رسولك، فقاتلوهم ولم يستسلموا واستمر الرمي حتى قتل عاصم مع سبعة نفر من أصحابه.
وبقي خبيب، وزيد، ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم وربطوهم بها.
فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم فجروه، وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة.
فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل أباهم الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله خرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فصلاهما فلما سلم قال: والله لولا إن تقولوا: أن ما بي جزع من الموت لزدت، وكان أول من سن الركعتين عند القتل، ثم قال: اللهم
стр. 410
أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا١ وأخذ يقول:
لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مضجعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد يأس مطعمي
وقد خيروني الكفر والموت دونه ... فقد ذرفت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت ... وإني إلى ربي إيابي ومرجعي
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي شق كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
فلسلت بمبد للعدو تخشعًا ... ولا جزعًا إني إلى الله مرجعي
ولما صلبوه، وأرادوا قتله قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟
فقال: لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، فاحتمله بخدعة ليلا فذهب به فدفنه، وكان الذي تولى قتل خبيب هو عقبة بن الحارث٢.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه أمية بن خلف٣.
وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر "الزنابير" فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء، وكان عاصم أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا، وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته٤.
стр. 411
خامسًا: سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان
كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة: أما أحد يغتال محمدًا فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا؟!
فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله بمكة وقال له: يا أبا سفيان إن أنت وفيتني خرجت إليه حتى أغتاله، فإني هاد بالطريق ومعي خنجر مثل خافية النسر.
قال أبو سفيان: أنت صاحبنا، وأعطاه بعيرًا، ونفقة، وقال له: اطو أمرك، فإني لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد.
قال الرجل العربي لا يعمله، فخرج ليلا على راحلته فسار خمسًا، ووصل المدينة في اليوم السادس، ثم أقبل يسأل عن رسول الله ﷺ حتى أتى المصلى، فعقل راحلته، ثم أقبل يؤم رسول الله ﷺ فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده، فلما دخل ورآه رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "إن هذا الرجل يريد غدرًا، والله حائل بينه وبين ما يريده".
فوقف وقال: أيكم ابن عبد المطلب؟
فقال له رسول الله ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب". فذهب ينحني على رسول الله ﷺ كأنه يساره، فجبذه أسيد بن حضير وقال: تنح عن رسول الله ﷺ ، وجذبه بداخل إزاره، فإذا الخنجر يظهر فقال: يا رسول الله هذا غادر.
فأسقط في يد الأعرابي وقال: دمي دمي يا محمد، وأخذه أسيد بن حضير يلببه فقال له النبي ﷺ : "اصدقني من أنت، وما أقدمك، فإن صدقتني نفعك الصدق، وإن كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به".
قال العربي: فأنا آمن؟!
стр. 412
قال ﷺ : "وأنت آمن".
فأخبره بخبر أبي سفيان، وما جعل له فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير، ثم دعا به من الغد وقال له ﷺ : "قد أمنتك فاذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك"؟.
قال: وما هو؟
فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله يا محمد ما كنت أفرق بين الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت، ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان، ولم يطلع عليه أحد، فعرفت أنك ممنوع، وأنك على حق، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان، فجعل النبي ﷺ يبتسم، وأقام الرجل أيامًا بالمدينة، ثم استأذن النبي ﷺ فخرج من عنده، ولم يسمع له ذكر بعد ذلك١.
وقد أدى هذا التصرف العدواني من أبي سفيان أن أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري مع رجل من الأنصار إلى مكة لقتل أبي سفيان إن أصابا فيه غرة، فلما رأى أهل مكة ابن أمية عرفوه وأدركوا شرًا وراءه، وتجمعوا له فرجع مع صاحبه إلى المدينة، يقول عمرو بن أمية: بعثني رسول الله ﷺ وبعث معي جبار بن ضمر الأنصاري إلى أبي سفيان بن حرب وقال: "إن أصبتما فيه غرة فاقتلاه".
فخرجنا حتى قدمنا مكة وحبسنا جملينا بشعب من شعاب يأجج ثم دخلنا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين.
فقال عمرو: إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم، وإنهم إن رأوني عرفوني فإني أعرف بمكة من الفرس الأبلق.
فقال جبار: كلا إن شاء الله فأبى أن يطيعني فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فوالله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إليّ معاوية بن أبي سفيان فعرفني فقال معاوية: عمرو بن أمية فوالله ما قدمها إلا لشر، فأخبر قريشًا بمكاني فخافوني وطلبوني وقالوا: لم يأت عمرو بخير، فحشدوا وتجمعوا.
стр. 413
قال عمرو: فقلت لصاحبي: النجاء، فخرجنا نشتد حتى صعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فدخلنا كهفًا في الجبل فبتنا فيه وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا، فلما أصبحنا غدا عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي يقود فرسًا له فغشينا ونحن في الغار وكان معي خنجر قد أعددته فخرجت إليه وضربته ضربة فصاح صيحة فأسمع أهل مكة وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا: من ضربك؟
فقال: عمرو بن أمية وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي، فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية فلما حاذينا الخشبة شددنا عليها وحملناها وخرجنا بها شدًا حتى أتينا جرفًا بمهبط مسيل يأحج فدفناها في الجرف فغيبه الله تعالى عنهم فلم يقدروا عليه وعدنا بعدها إلى المدينة١.
стр. 414
سادسًا: وقعة بئر معونة
وبئر معونة موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان، قريب من الرجيع، وفيه حدثت الواقعة المشهورة، التي استشهد فيها سبعون من القراء، حفظة القرآن الكريم.
ويبدو أن أهل هذه المنطقة خططوا لخديعة المسلمين، وعارضوا رسول الله ﷺ بسبب قربهم من مكة، وتأثرهم بأهلها.
يروي ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث أصحابه إلى بئر معونة في شهر صفر على رأس أربعة أشهر من "أحد" بعدما جاء أبو براء عامر بن مالك بن جعفر المعروف بـ"ملاعب الأسنة" إلى المدينة فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه إلى دين الله تعالى فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد، يدعونهم إلى أمرك، فإني أرجو أن يستجيبوا لك.
стр. 415
فقال رسول الله ﷺ : "إني أخشى عليهم أهل نجد".
قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من الصحابة منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، في رجال من خيار المسلمين الحفظة فساروا حتى نزلوا بـ"بئر معونة" وهي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب.
فلما نزلوا "بئر معونة" بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب وعدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن ننقض عهد أبي براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم، وهم: عصية، ورعل، وذكوان١.
فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رآهم القراء أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم، "يرحمهم الله" إلا كعب بن زيد، أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فحمل من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا، رحمه الله٢.
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار، أحد بني عمرو بن عوف، وهو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح.
يقول ابن إسحاق: فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة.
فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟
стр. 416
قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ ، فنخبره الخبر.
فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرني عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا.
فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عمرو بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبته زعم أنها كانت على أمه.
فخرج عمرو بن أمية، حتى إذا كان بـ"قرقرة الكدر" من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر١ حتى نزلا معه في ظل هو فيه.
وكان مع العامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟
فقالا: من بني عامر، فأمهلهما، حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأره من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ﷺ .
فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، قال رسول الله ﷺ : "لقد قتلت قتيلين، لأدينهما" ٢.
وقد تألم النبي ﷺ لأجل مأساة "بئر معونة" ولأجل مأساة "الرجيع" اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألمًا شديدًا، وتغلب عليه الحزن والقلق، حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه، ففي البخاري عن أنس ﵁ قال: دعا النبي ﷺ على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان ولحيان وعصية، ويقول: "عصية عصت الله ورسوله" ٣. فأنزل الله تعالى على نبيه قرآنًا قرأناه حتى نسخ بعد: "بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه", فترك رسول الله ﷺ قنوته٤.
стр. 417
وأورد البخاري في صحيحه رواية أخرى تحدد محل القنوت ضمن أعمال الصلاة حيث ذكر بسنده عن عاصم الأحول أنه قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن القنوت في الصلاة.
قال: نعم.
فقلت كان قبل الركوع أو بعده؟
قال: قبله.
قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك، أنك قلت بعده.
قال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا، أنه كان بعث ناسًا يقال لهم القراء، وهم سبعون رجلا إلى ناس من المشركين، وبينهم وبين رسول الله ﷺ عهد قبلهم، فظهر هؤلاء الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا يدعو عليهم١.
وقد بين الحافظ ابن حجر في الفتح أن المراد بالقنوت الدعاء، وأورد حديث أئمة الحديث والفقه الذين بينوا أن القنوت يجوز في صلوات الليل والنهار، وأولاها صلاة المغرب دبر صلاة النهار، وصلاة الفجر دبر صلاة الليل.
وبينوا أن رسول الله ﷺ قنت قبل الركوع قليلا، وأكثر قنوته كان بعده، وذكروا أن قول أنس في الرواية "كذب" يعني أخطأ بلغة أهل الحجاز.
وقد أجمع الفقهاء والمحدثون أن رسول الله ﷺ قنت في صلاة الصبح.
فلا عبرة لمن أنكر القنوت أمام هذا الإجماع؛ لأن الدليل لا ينقض إلا بما يساويه، أو يزيد عليه في القوة.
والحكمة في جعل القنوت جهرًا، وأثناء القيام هو اشتراك الإمام والمأموم في الدعاء وهم في حالة نشاط وإقبال على الله تعالى, ولذلك أجمعوا على الجهر بالقنوت لتحقيق هذه المشاركة بين الإمام يدعو، والمأمومين يؤمنون، ولا خلاف في الجهر بالقنوت بين الأئمة في أوقات الصلاة ما عدا صلاة الصبح فإنهم اختلفوا في محله، وفي الجهر به٢.
стр. 418
سابعًا: غزوة بني النضير
فرح اليهود بهزيمة المسلمين في "أحد" وأخذوا يعلنون قوتهم وبأسهم، والحقيقة أنهم لم يكونوا أصحاب قتال وحرب، بل كانوا أصحاب خداع وتآمر، وكانوا يتعاونون خفية مع المنافقين، ومع كل من يعادي رسول الله ﷺ ، ولم ينس يهود بني النضير ما لحق بإخوانهم من بني قينقاع، وبكعب بن الأشرف، فأخذوا يتحينون الفرص للغدر برسول الله ﷺ ، وبالمؤمنين.
فلما وقعت غزوة "أحد"١ وخدع المشركون المسلمين في "الرجيع"، وفي "بئر معونة" فكر يهود بني النضير في الغدر برسول الله ﷺ ، وانتهزوا فرصة ذهابه إلى ديارهم لمطالبتهم بالمساهمة في دية الرجلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري تطبيقًا للعهد الذي قطعه الرسول ﷺ معهم عند مجيئهم إلى المدينة.
وكان بين بني النضير وبني عامر حلفًا وعهدًا, فلما طالبهم الرسول ﷺ بالاشتراك في الدية قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد, فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟
فانتدبوا لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي على رسول الله ﷺ صخرة كما قال, ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة ﵃.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة،
стр. 419
فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه ﷺ ، فأخبرهم الخبر، وعرفهم أن اليهود أرادت الغدر به، وأمرهم بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم١.
وحاول ابن أبي إشعال الفتنة فذهب إلى بني النضير، ومناهم بأن قريظة، وغطفان، وألفين معه سيكونون معهم إن قاتلوا المسلمين، فلما اشتد الأمر نكص على عقبيه كما فعل مع بني قيقناع، فتنبه بنو النضير، وأعدوا للأمر عدته.
وسار النبي ﷺ بالناس، حتى نزل بهم، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، فحاصرهم ست ليال، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم "عدو الله" عبد الله بن أبي بن سلول، ووديعة مالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا بذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وانخذل المنافقون وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الدروع ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته ويحمل الأبواب والشبابيك فيضعها على ظهر بعيره فينطلق بها، فخرج أكثرهم إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام٢.
وممن سار منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب فلقد نزلوها، وصار لهم فيها شأن وقوة ورأي.
حمل اليهود معهم النساء والأبناء وبعض الأموال وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن
стр. 420
سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك ابن خرشة ذكرا فقرًا فأعطاهما رسول الله ﷺ .
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير أبو كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها.
يقول ابن إسحاق وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: "ألم تر ما لقيت من ابن عمك، وما هم به من شأني"؟. فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون١.
وقد أنزل الله سورة الحشر تتحدث عن بني النضير، ولذلك سماها ابن عباس سورة بني النضير٢، وقد ابتدأت السورة بالحديث عن خروجهم من المدينة، رغم قوة حصونهم ودقة تخطيطهم، ولم يكن أحد يتصور لهم هذا الخروج، لكن قضاء الله نفد عليهم فخربوا بيوتهم بأيديهم واستولى الرعب عليهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ، وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣ والمراد بالذين كفروا يهود بني النضير، وأول الحشر هي أرض خيبر، وذكرت الآيات أن كل ما فعله المسلمون هو بأمر الله تعالى، وهم حين قطعوا نخيل بني النضير، كانوا عبيدًا يلتزمون بما أمروا به، حتى ينفد مراد الله، في إذلال اليهود، وحرمانهم من سائر ما يتحصنون به، وإظهار عجزهم، وضعفهم، يقول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤.
كما بينت الآيات موقف المنافقين، وطريقتهم في التحريض وهم كاذبون، فلقد
стр. 421
وعدوا اليهود بمشاركتهم في القتال والخروج، فلما جد الجد نكصوا، ولم ينفذوا وعدًا وعدوه لليهود؛ لأنهم شديدو الخوف من المسلمين يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ، لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
وتتناول الآيات صفات اليهود القائمة على الخور والضعف، والخوف، فهم لا يقاتلون إلا بمساندة مادية، ومعونة خاصة، ويحصنون قراهم من شدة الخوف, كما أنهم أشتات متفرقون لا تجمعهم وحدة النشأة، والتكوين، وإنما مثل المنافقين معهم كمثل الشيطان يغوي الإنسان ويؤذيه، يقول تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
والآيات في سورة الحشر تعايش المسلمين، وتبين لهم حقيقة الفيء وأحكامه؛ لأن ما أصابوه من أموال بني النضير كان أول فيء أصابوه، فهو إلى رسول الله ﷺ يوزعه على المستحقين له، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
стр. 422
السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١.
وتوضح الآيات الصفات الأساسية للمسلم فردًا، وجماعة، وتبين أن جماعة الإيمان متحابة، مترابطة، مطيعة لله تعالى، وتوضح بجلاء أخلاق المهاجرين والأنصار، وتذكر الصورة العملية لمسلكهم، وتعاونهم، فلقد كانوا ﵃ يبتغون رضى الله ورضوانه، وينصرون الله ورسوله، في صدق عام، وإخلاص شامل، وكان كل واحد منهم يؤثر أخاه على نفسه ويدعو له، ويسأل الله تعالى أن يملأ قلبه بالحب لكافة المسلمين، أحياء وأمواتًا يقول تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
كما توجه الآيات المسلمين إلى ضرورة الإخلاص في التقوى، والعمل ليوم الدين، والتذكر الدائم لله رب العالمين، والاهتمام بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا وعملا يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
وهكذا سجلت سورة الحشر أحداث غزوة بن النضير بمنهجية القرآن الكريم في ذكر الحدث، ذلك المنهج الذي يركز على العبرة، ويبين مناط القدوة والتأثير بلا ترتيب بين الأحداث والوقائع للوصول إلى الغاية المأمولة وهي إيجاد الإنسان الصالح، وتكوين المجتمع السعيد.
стр. 423
سابعا: غزوة بني النضير
ثامنا: غزوة نجد
...
ثامنًا: غزوة نجد
بعد هزيمة بني النضير، وطردهم من المدينة تخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم وغدرهم، ورأى رسول الله ﷺ أن عددًا من القبائل البعيدة عن المدينة تحتاج لعملية تأديبية، فخرج رسول الله ﷺ لتأديب هؤلاء الأعراب الخارجين المخادعين الذين يقيمون في الأماكن البعيدة عن المدينة في "نجد" وغيرها، وبخاصة بعدما علم أن جموعًا من بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان تحتشد لمهاجمة المسلمين في المدينة.
أسرع رسول الله ﷺ للخروج إليهم في أربعمائة من أصحابه بعدما ولى على المدينة أبا ذر الغفاري ﵁ فلما وصل إلى ديارهم بنجد فروا في رءوس الجبال فلم يقابل منهم أحدًا وقد وقعت هذه الغزوة في ربيع الثاني وأوائل جمادى الأولى من العام الرابع للهجرة١.
وأهمية هذه الغزوة تتجلى في مساهمتها في القضاء على العداوات المختلفة الموجودة عند الأعراب والبوادي، وبخاصة هؤلاء الذين يقطنون بعيدًا عن المدينة، ليتفرغ المسلمون لملاقاة المكيين الذين كانوا يتوعدون المسلمين، ويهددونهم مستعينين بهؤلاء الأعراب.
ويلاحظ أن هذه الغزوة كانت في بلاد نجد البعيدة عن المدينة، وهذا يؤكد قوة المسلمين ويعرف الجميع أن يد المسلمين طويلة، وأنها تستطيع الوصول إلى الأعداء في كل مكان لإبطال كيدهم، ومنعهم من العدوان أو التفكير فيه.
стр. 424
تاسعًا: غزوة بدر الثانية
بعد تأديب الأعراب، والقضاء على شوكتهم أخذ المسلمون يتهيئون لملاقاة كفار مكة في الموعد الذي ضربوه لهم بعد "أحد".
وسبب هذه الغزوة أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى المسلمين، وقال لهم جهرًا وعلانية: موعد ما بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول، نلتقي فيه فنقتتل.
فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: "قل نعم إن شاء الله" ١.
فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش وأخبروا من قبلهم بالموعد.
وكانت بدر الصفراء مجمعًا للعرب، وسوقًا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثماني ليال تفرق الناس إلى بلادهم.
فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وأحب ألا يوافي رسول الله ﷺ الموعد حتى يدعي أن التخلف عن اللقاء بسبب المسلمين لا بسببه.
واستعمل أبو سفيان سلاح الضغط النفسي فكان يظهر أنه يريد أن يغزو رسول الله ﷺ في جمع كثيف، ويتحدث في ذلك حتى يصل الخبر إلى أهل المدينة، ويعلموا أنه يجمع الجموع ويحشد العرب، فيخافون ويقعدون.
قدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة -وأسلم بعد ذلك- فأخبر أبا سفيان، وقريشًا أن المسلمين يتهيئون لحربهم فأعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض، وجعل لنعيم عشرين فريضة توضع تحت يد سهل بن عمرو، على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير.
فقدم نعيم المدينة، وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى أرعب المسلمين، وتمنوا عدم الخروج في الموعد واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: لن يفلت محمد من هذا الجمع فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، حتى خشي ألا يخرج معه أحد.
وجاءه أبو بكر وعمر ﵁ وقد سمعا ما سمعا فقالا: يا رسول الله ﷺ إن الله تعالى
стр. 425
مظهر دينه، ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة.
فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم قال: "والذي نفسي بيده لأخرجن، وإن لم يخرج معي أحد" ١, فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم الرعب الذي غرسه الشيطان في نفوسهم.
وكان اللقاء ضروريًا لتتضح حقيقة كل طرف، وتظهر قوته، ويعلم أهل مكة أن المسلمين لن يستكينوا أبدًا، وأن هزيمتهم في "أحد" كانت خطأ لن يتكرر.
ففي شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة خرج رسول الله ﷺ لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وقيل: إنه استخلف عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ وانتهى إلى "بدر" فأقام بها ينتظر المشركين٢.
وأما أبو سفيان، فخرج في ألفين من مشركي مكة، ومعهم خمسون فرسًا، حتى انتهى إلى "مر الظهران" على بعد مرحلة من مكة فنزل بـ"مجنة" "ماء في تلك الناحية".
خرج أبو سفيان من مكة متثاقلا وهو خائف من عقبى القتال مع المسلمين، وقد أخذه الرعب، واستولت على مشاعره الهيبة، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه، فاحتال للرجوع، وقال لأصحابه: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا جدب، وإني راجع فارجعوا٣.
ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر أفراد الجيش المكي أيضًا، ولذلك أسرعوا في الرجوع إلى مكة بمجرد إشارة أبي سفيان بلا اعتراض من أحد ولم يبدوا أي مصادمة لهذا الرأي، أو يظهروا أي إصرار على القتال، ولم يلحوا على مواصلة السير للقاء المسلمين وبدا منهم أن الرجوع أمل تمنوه فلما رآه أبو سفيان رحبوا به.
وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام، ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بكل درهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة، وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم، وتوطدت هيئتهم في النفوس وسادوا على الموقف، ولجأ الأعداء إلى المسالمة٤.
وتعرف هذه الغزوة "ببدر الموعد" و"بدر الثانية" و"بدر الصغرى" و"بدر الآخرة".