← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وعدوا اليهود بمشاركتهم في القتال والخروج، فلما جد الجد نكصوا، ولم ينفذوا وعدًا وعدوه لليهود؛ لأنهم شديدو الخوف من المسلمين يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ، لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ١. وتتناول الآيات صفات اليهود القائمة على الخور والضعف، والخوف، فهم لا يقاتلون إلا بمساندة مادية، ومعونة خاصة، ويحصنون قراهم من شدة الخوف, كما أنهم أشتات متفرقون لا تجمعهم وحدة النشأة، والتكوين، وإنما مثل المنافقين معهم كمثل الشيطان يغوي الإنسان ويؤذيه، يقول تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. والآيات في سورة الحشر تعايش المسلمين، وتبين لهم حقيقة الفيء وأحكامه؛ لأن ما أصابوه من أموال بني النضير كان أول فيء أصابوه، فهو إلى رسول الله ﷺ يوزعه على المستحقين له، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ

стр. 422

السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١. وتوضح الآيات الصفات الأساسية للمسلم فردًا، وجماعة، وتبين أن جماعة الإيمان متحابة، مترابطة، مطيعة لله تعالى، وتوضح بجلاء أخلاق المهاجرين والأنصار، وتذكر الصورة العملية لمسلكهم، وتعاونهم، فلقد كانوا ﵃ يبتغون رضى الله ورضوانه، وينصرون الله ورسوله، في صدق عام، وإخلاص شامل، وكان كل واحد منهم يؤثر أخاه على نفسه ويدعو له، ويسأل الله تعالى أن يملأ قلبه بالحب لكافة المسلمين، أحياء وأمواتًا يقول تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. كما توجه الآيات المسلمين إلى ضرورة الإخلاص في التقوى، والعمل ليوم الدين، والتذكر الدائم لله رب العالمين، والاهتمام بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا وعملا يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣. وهكذا سجلت سورة الحشر أحداث غزوة بن النضير بمنهجية القرآن الكريم في ذكر الحدث، ذلك المنهج الذي يركز على العبرة، ويبين مناط القدوة والتأثير بلا ترتيب بين الأحداث والوقائع للوصول إلى الغاية المأمولة وهي إيجاد الإنسان الصالح، وتكوين المجتمع السعيد.

стр. 423

سابعا: غزوة بني النضير ثامنا: غزوة نجد ... ثامنًا: غزوة نجد بعد هزيمة بني النضير، وطردهم من المدينة تخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم وغدرهم، ورأى رسول الله ﷺ أن عددًا من القبائل البعيدة عن المدينة تحتاج لعملية تأديبية، فخرج رسول الله ﷺ لتأديب هؤلاء الأعراب الخارجين المخادعين الذين يقيمون في الأماكن البعيدة عن المدينة في "نجد" وغيرها، وبخاصة بعدما علم أن جموعًا من بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان تحتشد لمهاجمة المسلمين في المدينة. أسرع رسول الله ﷺ للخروج إليهم في أربعمائة من أصحابه بعدما ولى على المدينة أبا ذر الغفاري ﵁ فلما وصل إلى ديارهم بنجد فروا في رءوس الجبال فلم يقابل منهم أحدًا وقد وقعت هذه الغزوة في ربيع الثاني وأوائل جمادى الأولى من العام الرابع للهجرة١. وأهمية هذه الغزوة تتجلى في مساهمتها في القضاء على العداوات المختلفة الموجودة عند الأعراب والبوادي، وبخاصة هؤلاء الذين يقطنون بعيدًا عن المدينة، ليتفرغ المسلمون لملاقاة المكيين الذين كانوا يتوعدون المسلمين، ويهددونهم مستعينين بهؤلاء الأعراب. ويلاحظ أن هذه الغزوة كانت في بلاد نجد البعيدة عن المدينة، وهذا يؤكد قوة المسلمين ويعرف الجميع أن يد المسلمين طويلة، وأنها تستطيع الوصول إلى الأعداء في كل مكان لإبطال كيدهم، ومنعهم من العدوان أو التفكير فيه.

стр. 424

تاسعًا: غزوة بدر الثانية بعد تأديب الأعراب، والقضاء على شوكتهم أخذ المسلمون يتهيئون لملاقاة كفار مكة في الموعد الذي ضربوه لهم بعد "أحد". وسبب هذه الغزوة أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى المسلمين، وقال لهم جهرًا وعلانية: موعد ما بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول، نلتقي فيه فنقتتل. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: "قل نعم إن شاء الله" ١. فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش وأخبروا من قبلهم بالموعد. وكانت بدر الصفراء مجمعًا للعرب، وسوقًا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثماني ليال تفرق الناس إلى بلادهم. فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وأحب ألا يوافي رسول الله ﷺ الموعد حتى يدعي أن التخلف عن اللقاء بسبب المسلمين لا بسببه. واستعمل أبو سفيان سلاح الضغط النفسي فكان يظهر أنه يريد أن يغزو رسول الله ﷺ في جمع كثيف، ويتحدث في ذلك حتى يصل الخبر إلى أهل المدينة، ويعلموا أنه يجمع الجموع ويحشد العرب، فيخافون ويقعدون. قدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة -وأسلم بعد ذلك- فأخبر أبا سفيان، وقريشًا أن المسلمين يتهيئون لحربهم فأعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض، وجعل لنعيم عشرين فريضة توضع تحت يد سهل بن عمرو، على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير. فقدم نعيم المدينة، وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى أرعب المسلمين، وتمنوا عدم الخروج في الموعد واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: لن يفلت محمد من هذا الجمع فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، حتى خشي ألا يخرج معه أحد. وجاءه أبو بكر وعمر ﵁ وقد سمعا ما سمعا فقالا: يا رسول الله ﷺ إن الله تعالى

стр. 425

مظهر دينه، ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة. فسر رسول الله ﷺ بذلك، ثم قال: "والذي نفسي بيده لأخرجن، وإن لم يخرج معي أحد" ١, فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم الرعب الذي غرسه الشيطان في نفوسهم. وكان اللقاء ضروريًا لتتضح حقيقة كل طرف، وتظهر قوته، ويعلم أهل مكة أن المسلمين لن يستكينوا أبدًا، وأن هزيمتهم في "أحد" كانت خطأ لن يتكرر. ففي شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة خرج رسول الله ﷺ لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وقيل: إنه استخلف عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ وانتهى إلى "بدر" فأقام بها ينتظر المشركين٢. وأما أبو سفيان، فخرج في ألفين من مشركي مكة، ومعهم خمسون فرسًا، حتى انتهى إلى "مر الظهران" على بعد مرحلة من مكة فنزل بـ"مجنة" "ماء في تلك الناحية". خرج أبو سفيان من مكة متثاقلا وهو خائف من عقبى القتال مع المسلمين، وقد أخذه الرعب، واستولت على مشاعره الهيبة، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه، فاحتال للرجوع، وقال لأصحابه: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا جدب، وإني راجع فارجعوا٣. ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر أفراد الجيش المكي أيضًا، ولذلك أسرعوا في الرجوع إلى مكة بمجرد إشارة أبي سفيان بلا اعتراض من أحد ولم يبدوا أي مصادمة لهذا الرأي، أو يظهروا أي إصرار على القتال، ولم يلحوا على مواصلة السير للقاء المسلمين وبدا منهم أن الرجوع أمل تمنوه فلما رآه أبو سفيان رحبوا به. وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام، ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بكل درهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة، وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم، وتوطدت هيئتهم في النفوس وسادوا على الموقف، ولجأ الأعداء إلى المسالمة٤. وتعرف هذه الغزوة "ببدر الموعد" و"بدر الثانية" و"بدر الصغرى" و"بدر الآخرة".

стр. 426

عاشرًا: غزوة دومة الجندل ودومة الجندل "بضم الدال" مدينة بعيدة، تقع قرب الشام بينها وبين دمشق ست ليال وبينهما وبين المدينة ست عشرة ليلة١. تقع "دومة الجندل" في الشمال بعيدًا عن المدينة، وبذلك فهي تكمل مع غزوة "نجد" عملا متكاملا لأن "نجد" تقع في أقصى الشرق، وهذه تقع في أقصى الشمال. إن الاقتراب من بلاد الشام بهذه القوة بعد تحذيرًا للرومان الذين يحتلونها، حتى يتركوا الحرية للناس، ولا يقفوا ضد حركة الدعوة إلى الله تعالى. وكان سبب هذه الغزوة المباشر أنه بلغه ﷺ أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مر بهم، فخرج ﷺ لخمس ليال بقين من ربيع الأول في العام الهجري بعد "بدر الأخيرة" بستة أشهر. وقد خرج في ألف من أصحابه ومعه دليل من بني غدرة يقال له "مذكور" فكان يسير الليل، ويكمن النهار، ويغاير في الطريق، واستخلف على المدينة "سباع بن عرفطة الغفاري". فلما دنا رسول الله ﷺ من "دومة الجندل" قال له الدليل: يا رسول الله إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي، حتى أطلع لك. قال رسول الله ﷺ : نعم. فخرج العذري طليعة وحده، حتى وجد آثار النعم والشاء وهم مغربون، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره، وقد عرف مواضعهم، فسار رسول الله ﷺ حتى هجم على ماشيتهم، ورعائهم، فأصاب رسول الله ﷺ منها، وفر باقيهم، فتفرق أهل "دومة الجندل".

стр. 427

وهربوا بعيدًا عن ديارهم. ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا فعادت كل سرية بإبل ولم تلق أحدًا، إلا أن محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى النبي ﷺ فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس لما سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلم. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، في العشرين من ربيع الآخر، ووادع ﷺ في طريقه عيينة بن محصن الفزراي على أن يرعى أنعامه بـ"تغلمين" وما والاها إلى "المراض" وكانت بلاده قد أجدبت١.

стр. 428

حادي عشر: أهم الأحداث الاجتماعية بين أحد والأحزاب برغم كثرة السرايا والغزوات التي وقعت خلال هذه الفترة نرى المسلمين يعيشون حياتهم الاجتماعية بصورة عادية، ومن أهم الأحداث الاجتماعية التي عاشها المسلمون ما يلي: ١- تزوج عثمان بن عفان ﵁ أم كلثوم بنت النبي ﷺ التي عقد عليها في ربيع الأول ودخل بها في شهر جمادى الأخرى من السنة الثالثة من الهجرة وذلك بعد أن توفيت "رقية" يوم بدر من العام الثاني. ومما يذكر أن عبد الله بن عثمان بن عفان من زوجته رقية مات في جمادى الأولى وهو ابن ست سنوات، ودفنه أبوه بالبقيع. ٢- ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في السنة الثالثة وحملت أمه فاطمة ﵁ بالحسين ﵁. ٣- ولد الحسين بن علي في أول شهر شعبان من السنة الرابعة. ٤- في شهر رمضان من السنة الرابعة تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بنت الحارث الهلالية وهي المعروفة بأم المساكين لكثرة صدقاتها لهم، وبرها بهم، وإحسانها عليهم، وكانت قبله ﷺ زوجة لـ"عبد الله بن جحش" وماتت ﵂ بعد شهرين أو ثلاثة من زواجها به ﷺ وقد صلى عليها النبي ﷺ ودفنها بالبقيع.

стр. 429

٥- في شهر شوال من السنة الرابعة تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة وكانت قبله عند زوجها أبي أولادها، أبي سلمة بن عبد الأسد ﵁ الذي شهد "أحدًا" وجرح بها فداوى جرحه شهرا حتى برئ، ثم خرج في سرية فغنم منها نعمًا، ومغنمًا جيدًا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يومًا، ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما حلت أم سلمة في شوال خطبها رسول الله ﷺ إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارًا، فتذكر أنها امرأة غيرى أي شديدة الغيرة، وأنها مصبية أي لها صبيان يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال ﷺ : "أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله -أي نفقتهم- ليس إليك وأما الغيرة فأدعوا الله فيذهبها". فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوج النبي ﷺ تعني قد رضيت وأذنت. يروي الإمام أحمد بسنده عن أم سلمة أنها قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به، قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا فعل به". فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة بي غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال فقال ﷺ : "أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فإنما عيالك عيالي". فقالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ , فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.

стр. 430

٦- وفي السنة الرابعة أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت ﵁ أن يتعلم اللغة السريانية ليتمكن ﷺ من معرفة ما في كتب أهلها، ويرسل إليهم كتبه بلغتهم بواسطة أصحابه الدعاة قال ﷺ لزيد بن ثابت: "يا زيد أتحسن السريانية أنه تأتيني كتب بها"؟. فقال زيد: لا يا رسول الله. فقال له ﷺ : "تعلمها". يقول زيد ﵁: فتعلمتها في سبعة عشر يومًا١. وعلم المسلمون بذلك أهمية معرفة لغة من سيدعونهم لأن الدعوة لا تصح إلا بلغة المدعوين ليفهموا المراد، ويطلعوا على حقيقة الإسلام.

стр. 431

ثاني عشر: حركة الدعوة بين أحد والأحزاب المدة بين "أحد" و"الأحزاب" عامان على الصحيح، ومع ذلك وقعت فيها أحداث جسام، ذكرت أهمها، مما يدل على الجهد الكبير الذي بذله رسول الله ﷺ ، والمسلمون معه، في خدمة الإسلام، والحركة بالدعوة إلى دين الله تعالى. لقد وصلت القوات الإسلامية خلال هذا العام إلى بلاد نجد في أقصى الشرق، وإلى أطراف الشام في الشمال، والاقتراب من مكة في حملات تأديبية هادفة. ذلك أن الشيطان زين لغير المسلمين قوتهم، وغرهم بما حدث يوم "أحد"، ودفعهم إلى التطاول على المسلمين، وإعداد العدة لمهاجمة المدينة. ولولا فطانة النبي ﷺ وإخلاص المسلمين معه لأوتي المسلمون، ولأصابهم من الأذى الكثير، وكانت المعونة الإلهية مع عباده فألهمهم الرشد، ووجههم نحو الطريق المستقيم. لقد اهتم النبي ﷺ بجمع المعلومات عن طريق العيون التي بثها في هذه الأماكن البعيدة، وبذلك وضع سياجًا من الأمن حول المدينة، ولم يترك أعداءه يتخيرون مكان وزمان مقاتلة المسلمين, وهذا هو السبب في كثرة السرايا والغزوات خلال الزمن الفاصل بين "أحد" و"ألأحزاب".

стр. 432

واستفاد النبي ﷺ من عنصر المفاجأة، والمباغتة، ولذلك كان المجاهدون يسيرون بالليل، ويكمنون بالنهار, واستفاد الرسول من سلاح الضغط المعنوي، وإرهاب العدو حتى يتحقق السلام بلا قتال، وتصان الحقوق بلا دماء, ولهذا كان تحركه في حمراء الأسد، وإشعاله النيران الكثيفة والمتعددة ليلا ليشعر العدو أن الجيش الإسلامي كثير العدد قوي العدة. وكان ﷺ يرسل لكل جماعة ما يكافئها من الرجال عددًا، واستعدادًا، حتى لقد بلغ عدد المسلمين في بعض الغزوات ألفًا وخمسمائة مقاتل، وفي بعضها الآخر كانت السرية مكونة من رجل واحد فقط. وفي خضم الصراع بين المسلمين وأعداء الإسلام لم تغب الدعوة إلى الله تعالى، وإنما كان ﷺ يعلم أصحابه ما نزل من القرآن الكريم، ويفهمهم أحكام الإسلام التي جاء الوحي بها، ويتابع تحفيظهم الوحي المنزل، وترسيخه في حياتهم وسلوكهم، وإن العقل يندهش لاستيعاب المسلمين لكل الوحي الذي تتابع نزوله مع كثرة السرايا وتعدد المهام. وكان التوجيه النبوي مرتبطًا بالأحداث والوقائع، فكلما حدث أمر ظهر حكمه وإذا احتاج المسلمون لمسألة وسألوا عنها كان الجواب الشافي يأتيهم من الله ورسوله ﷺ فتعلموا بذلك ضرورة التلقي من الوحي، وملازمة الطاعة والاتباع، وعلموا أن الالتزام بحكم الله أساس الإيمان، وطريق الفوز والفلاح وكانوا بحق نعم الرجال، ونعم المؤمنين، وخير أمة أخرجت للناس. ومن خلال السرايا والغزوات تعلم المسلمون أحكام الفيء وفهموا أن الفيء هو المال الذي يقع في أيديهم من أعدائهم بلا قتال، أو مواجهة، وقد فصل لهم الرسول ﷺ حكم الله فيه، يوزعه على ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل حتى لا يبقى المال في أيدي الأغنياء وحدهم, ولذلك وزع أموال بني النضير على المهاجرين وحدهم، ولم يشاركهم من الأنصار إلا رجلين شكوا الفقر والعالة لرسول الله ﷺ . وتعلم المسلمون كذلك مشروعية القنوت، والدعاء على الأعداء في صلواتهم، وعلموا كيفيتها، وترتيبها في أعمال الصلاة، وبذلك وقفوا على سلاح قوي يساعدهم في النصر على أعداء الله تعالى.

стр. 433

وكان الرسول ﷺ إذا خرج في غزوة يولي على المدينة أحد أصحابه، وإذا أرسل سرية عين أميرًا لها, وكان يعطي الراية لرجل يختاره ﷺ ليتعلم أصحابه في حياته ﷺ سلوك القيادة، ويتحملوا مسئولية الحكم والإمارة ويتدربوا على استنباط الرأي، والقدرة على اتخاذ القرار، وحسن التصرف فيما يجد من شئون الحياة. ولم تخل تحركاته ﷺ من دعوة الله تعالى في كل حال، كان ﷺ يعلم أصحابه ما نزل من القرآن الكريم وكان يؤمهم في الصلاة، ويعرفهم أحكام شرع الله تعالى، ويعيش حياته الاجتماعية بصورة إنسانية عادية، فتزوج، وزوج، وولد له. ولم يجعل هذه المرحلة رغم كثرة الغزوات والسرايا تدور في إطار إجراءات طارئة خاصة بها، وإنما عاشها ﷺ ومعه أصحابه بصورة عادية، يجاهدون ويستريحون، يعبدون الله ويتمتعون بالدنيا، ولذلك تعجب أعداء الإسلام مما رأوا من المسلمين، وانعكس هذا العجب على سلوكهم وأعمالهم، ولذلك لم يفكروا مرة في مواجهة المسلمين وقتالهم حين أتوا إليهم، بل كانوا يفرون ويهربون لسابق معرفتهم بشجاعتهم ورجولتهم. وقد تعرض المسلمون للخداع من أعدائهم كما حدث في الرجيع، وبئر معونة، ولم يضعف حالهم بذلك، وإنما تصوروا الأمر على حقيقته، وتيقنوا أن طريق الإسلام طريق شاق، يحتاج للمجاهدة والتضحية، وعلى المسلمين أن يستعدوا لتجاوز هذا الطريق، وعليهم أن يؤمنوا بأن الآخرة خير من الأولى، وأن كل ما يصيبهم في سبيل الله هو خير لهم وأن الإيمان الحق يحتاج لدماء تحميه من أعدائه المتربصين الذين يريدون إطفاء نور الحق، والقضاء على منهج الله القويم, ولذلك كانوا وقود النور، ومشعل الخير للناس أجمعين. ولعل أهم ما في هذه المرحلة هو الترابط التام بين المسلمين بعدما اندمج المهاجرون والأنصار في أخوة تامة وترابط شامل للظاهر والباطن، وعاش المسلمون جميعًا أخوة الإيمان والعقيدة, ولذلك لم يكن غريبًا عليهم أن يواجه المسلم أباه أو أخاه، أو ابنه أثناء الغزوات لأن ما عدا رباط العقيدة بين الناس زال وانتهى.

стр. 434

المبحث الثامن: غزوة الأحزاب مدخل ... المبحث الثامن: غزوة الأحزاب أدت تحركات المسلمين قبل الأحزاب إلى إعادة الهيبة لرسول الله ﷺ وصحابته، وأخذ أهل مكة وأعراب البوادي وقبائل العرب المنتشرة في أرجاء الجزيرة العربية يميلون إلى السلام مع المسلمين، ويهربون من عدم مواجهتهم كما رأينا من أبي سفيان في بدر الآخرة. ونظر يهود بني النضير إلى حالتهم فوجدوا أنهم أخرجوا من ديارهم، وفقدوا أموالهم وشق عليهم أن يستقر المسلمون في المدينة، وينتشر الإسلام بين الناس فعملوا على القضاء على المسلمين ليعودوا إلى المدينة مرة أخرى, ورأوا أنه لا قبل لهم بالمسلمين فأخذوا يؤلبون الناس، ويجمعون الأحزاب لمقاتلة المسلمين. وتولى كبر هذا التحريض نفر من اليهود على رأسهم سلام بن مشكم بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب في نفر من بني النضير، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس في بضعة عشر رجلا حيث خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله، وقالوا لهم: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بالدين الذي أصبحنا نختلف فيه، نحن ومحمد، أديننا خير أم دينه؟ فنحن عمار البيت، ننحر الإبل، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام؟! فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه، وإنكم أولى بالحق منه. فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١. يقول المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشًا على غدر رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ فنزل كعب على أبي سفيان، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة:

стр. 435

إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما فذلك قوله، يؤمنون بالجبت والطاغوت. ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك. فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقًا وأقرب إلى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: أعرضوا على دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه. فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما سمعوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك، واتعدوا له، وقال لهم أبو سفيان: مرحبًا وأهلا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد. ثم خرج ذلك النفر حتى أتوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنهم سيعطونهم ثمر خيبر سنة إن هم نصروهم، وأخبروهم أن قريشًا تابعوهم على ذلك. ثم ذهبوا إلى بني سليم فوعدوهم المسير معهم إذا خرجت قريش١. وأخذ المنافقون في المدينة يبتعدون عن رسول الله ﷺ ، ولا يشاركون المسلمين في المحافظة على المدينة، ويتحايلون في عدم الالتزام بالعهود الموجودة وصاروا يعملون ضد الإسلام في لؤم وخفاء. وتمكن يهود بني النضير من التأثير على بني قريظة كذلك وضموهم إلى معسكر المقاتليت لرسول الله وصحابته. وظن الأحزاب بهذا التجمع أن الأمور دالت لهم، وأن انتصارهم بكثرتهم حق ثابت ولذلك تحركوا جماعات نحو المدينة، وتواعدوا اللقاء حولها، وقدموا من كل صوب بعددهم وعدتهم وعداوتهم، لينالوا من دين الله تعالى، ومن رسوله ﷺ ، ويستأصلوا المسلمين من المدينة. ولكن الله ناصر لدينه، ومظهر للحق، ومعين لجنده الذين يعملون في إخلاص وصدق فأيدهم ونصرهم وخذل عدوهم وهزمهم بقدرته . ودراسة غزوة الأحزاب تحتاج إلى دراسة ما يلي:

стр. 436

أولا: وقت الغزوة تعرف غزوة الأحزاب بغزوة "الخندق" لأنها الغزوة الوحيدة التي حفر فيها المسلمون خندقًا يفصل بينهم وبين أعدائهم. يروي ابن إسحاق أن هذه الغزوة حدثت في شهر شوال من العام الخامس الهجري ونص على ذلك غير واحد من العلماء كعروة بن الزبير، وقتادة، والبيهقي، والذهبي، وابن القيم, وقال آخرون: إنها وقعت في شوال سنة أربع للهجرة مستدلين بحديث ابن عمر ﵁ الذي قال فيه: عرضت على رسول الله ﷺ يوم "أحد" وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، وعرضت عليه يوم "الخندق" وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني"١. ولا خلاف بين الرأيين في الحقيقة؛ لأن مرادهم أنها كانت بعد مضي أربع سنوات كاملة وقبل استكمال السنة الخامسة، وأن حديث ابن عمر يشير إلى أنه عرض على النبي ﷺ في "أحد" وهو في أول الرابعة عشرة، وعرض يوم "الأحزاب" وهو في نهاية الخامسة عشرة ويمكن فهم قول ابن عمر ﵁ على أنه في يوم الخندق بلغ سن القتال وتجاوز عمره الخامس عشرة ولو بأكثر من سنة. ومن المعلوم أن غزوة بني قريظة كانت بعد الخندق مباشرة، والجمهور يرى أن الخندق كانت في اليوم السابع من ذي القعدة في السنة الخامسة فدل ذلك على أن الأحزاب كانت في الخامسة كذلك. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا من "أحد" واعدوا الرسول بدرًا في العام القابل فذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى "بدر" بعد عام من "أحد" وجاء أبو سفيان مع قريش في شعبان من العام الرابع، إلا أنه رجع إلى مكة لجدب ذلك العام كما زعموا، وهذا يؤيد أن "الأحزاب" لم تقع في العام الرابع لأن كفار مكة بعد رجوعهم لضعفهم ما كان لهم أن يأتوا إلى المدينة بعد شهرين من رجوعهم وضعفهم الذي تعللوا به٢.

стр. 437

ثانيًا: تجمع الأحزاب نشط يهود بني النضير في خطتهم للأخذ بثأرهم، والقضاء على المسلمين حتى يعودوا إلى المدينة مرة أخرى فجمعوا الجموع وحرضوا الأحزاب حتى جاءوا جميعًا لحصار المدينة وقتال المسلمين في وقت وقتوه، ومكان بينوه، وانضم إليهم المنافقون ويهود بني قريظة داخل المدينة، وبذلك وجد المسلمون أنفسهم محاطين بالأعداء من كل جانب. يقول ابن كثير: إن كفار مكة لما سمعوا مقالة يهود بني النضير سروا، وفرحوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفرد من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس، وعيلان، فدعوهم إلى حرب النبي ﷺ وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في أربعة آلاف، وحمل اللواء عثمان بن طلحة وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وألفًا وخمسمائة بعير والتقت بهم سليم بمر الظهران، في سبعمائة مقاتل يقودهم سفيان بن عبد شمس السلمي. وخرجت غطفان في ألف يقودهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة. وخرج الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري بألف من بني مرة. وخرج مسعر بن رخلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع١ ووصلت القبائل إلى مشارف المدينة، وعسكرت بها، فنزلت قريش ومن تبعهم

стр. 438

من الأحابيش، وبني كنانة، وأهل تهامة بـ"مجمع الأسيال" المعروف بـ"وادي العقيق" ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، والأعراب بـ"ذنب نقمى". ومجمع الأسيال وذنب نقمى موقعان متجاوران عند "أحد"١, وهما الموضعان اللذان نزل فيهما الأحزاب. ولما عسكرت الأحزاب حول المدينة قاطعهم بنو قريظة ودخلوا حصونهم، وأغلقوها عليهم, فخرج إليهم حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه حيي، فأبى أن يفتح له. فناداه حيي وقال: ويحك يا كعب، افتح لي. قال له كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقًا. قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله ما أغلقت دوني إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل بهذه المقالة ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، ومجد الدنيا. قال: وما ذاك. قال حيي: جئتك بـ"قريش" على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بـ"مجمع الأسيال" من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بـ"ذنب نقمى" إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا المدينة حتى نستأصل محمدًا ومن معه. فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه٢ يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقًا فلم يزل حيي بكعب يناقشه، ويحاوره، ويمنيه حتى سمع له، ونقض عهد رسول الله ﷺ

стр. 439

ووافقه على محاربته مع الأحزاب بعد أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن يدخل معه في حصنه حتى يصيبه ما ينزل ببني قريظة فنقض كعب بن أسد زعيم بني قريظة العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم١. وأمر كعب بن أسد، وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش، وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم، إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدًا على أن تكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم، فوافقهم حيي على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة أسد، وأسيد، وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله ﷺ ، ولم ينقضوا عهدهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث الزبير بن العوام ﵁ لينظر الأمر فعاد إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره أن بني قريظة يصلحون حصونهم، وطرقهم٢ فبعث النبي ﷺ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير ﵃ ليؤكدوا للنبي ﷺ خبر القوم. وقد قال لهم ﷺ : "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم، فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم، فإن كان حقا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس". فخرجوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر محمد جناحنا، وأخرجه من بيننا "يريدون بني النضير" ونالوا من رسول الله ﷺ فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه. ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه. فاستهزءوا به وردوا عليه ردًا قبيحًا.

стр. 440

فقال: غير هذا القول كان أجمل بكم وأحسن، ثم نالوا من رسول الله ﷺ ساخرين، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد! فشاتمهم سعد بن معاذ، وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة. فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، الذي بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا: عضل، والقارة. أي غدروا كغدر هؤلاء بأصحاب الرجيع. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين". وتلك نبوءة من رسول الله ﷺ كان الواقع يشير لغيرها؛ لأن الأحزاب جاءوا بأعداد كثيفة، وأحاطوا بالمسلمين من كل جانب، وجندوا جنودهم خارج المدينة، وداخلها حتى سيطر الخوف على المسلمين، وزلزلت نفوسهم، وزاغت أبصارهم وظنوا أن الهزيمة بهم لاحقة، فاتجهوا إلى الله بالدعاء، والرجاء ليعينهم بأمره، وينصرهم بقدرته، والله على كل شيء قدير. وظهر النفاق من بعض المنافقين، فقال معتب بن بشر: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وقالوا ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا﴾ ٢ وقال رجال ممن كانوا مع معتب ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ٣. وهمت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، وأرسلوا إلى الأحزاب ليمدوهم بألف من قريش، وألف من غطفان، فبلغ ذلك المسلمين فعظم الخطب واشتد البلاء ثم كفهم الله تعالى عن ذلك لما بلغهم أن رسول الله ﷺ أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهلي في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين وكان المسلمون يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا. وبعث رسول الله ﷺ خوات بن جبير لينظر غرة في بني قريظة؛ لأن رسول الله ﷺ

стр. 441

خاف على الذراري منهم، لكن النوم غلب خواتًا، فحمله يهودي، فلما استيقظ خوات تمكن من قتل اليهودي وتمكن المسلمون من هزيمة عشرة من اليهود جاءوا يريدون المدينة فأدى ذلك إلى خوف اليهود من ورائهم. واجتمعت جماعة منافقة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظي إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، وليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فائذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا فأذن لهم رسول الله ﷺ وفرحوا بذلك، وتهيئوا للانصراف. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! لا تأذن لهم إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة قط إلا صنعوا هكذا. ثم أقبل سعد عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدًا ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا فردهم رسول الله ﷺ . وقد بلغت حشود المشركين عند الخندق أكثر من عشرة آلاف مقاتل منهم أربعة آلاف من قريش، والباقون من بني سليم، وأسد، وفزارة، وغطفان ومع هؤلاء كان بنو قريظة وأشجع١.

стр. 442

ثالثًا: استعداد المسلمين للأحزاب نشط يهود بني النضير في التحريض على قتال المسلمين، وتمكنوا من تجميع أحزاب عدة، وتعاهدوا معهم على القتال، ولم يكتفوا بالاتفاق مع القرشيين، وغطفان، وعرب نجد، وغيرها، وإنما ظلوا بيهود بني قريظة والمنافقين حتى ضموهم إليهم وكونوا بذلك قوة ضخمة تحيط بالمسلمين من ظاهر المدينة، ومن داخلها، بلغ عددها أكثر من عشرة آلاف من خيرة رجال القبائل وفرسانها، يصور الله تعالى هذا الحال في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا﴾ ١

стр. 443

ولو تمكن هذا الجمع الغفير من مفاجأة المسلمين وأخذهم على غرة لأتوا عليهم ولقضوا على المدينة قضاء كليًا, لكن معونة الله كانت مع عباده المؤمنين فألهمهم الحق؛ ووفق رسوله ﷺ في تتبع أخبار أعدائه، فبث العيون لمعرفة ما يعدون له، ولذلك لما جاءت الأخبار بتجمع الأحزاب وتأليب القبائل قرر رسول الله ﷺ وكبار الصحابة عدم الخروج من المدينة، وتحصين كافة الطرق الموصلة إليها، وسد جميع المسارات التي تمكن قاصدها من الدخول فيها، ورأوا أن المدينة من الشرق والجنوب والغرب محصنة بحصون طبيعية، تتكون من البساتين الكثيفة، والموانع الطبيعية التي تحول دون إجراء قتال فيها بين قوات كثيرة ما عدا جانبها الشمالي فإنه منطقة مكشوفة واسعة يسهل القتال فيها والولوج منها إلى المدينة. ولى رسول الله ﷺ عبد الله بن أم مكتوم، على المدينة، وبدأ يستعد لملاقاة الأحزاب فجعل شعار المسلمين "هم لا ينصرون" ثم أخذ رأي أصحابه العالمين بشأن الحرب والقتال في تحصين الجانب الشمالي للمدينة، وتنظيم المجاهدين, والاستعداد للقتال والمواجهة فأشار عليه سلمان الفارسي ﵁ بحفر خندق عميق، واسع، يغطي المنطقة الشمالية، المفتوحة بطولها، الممتد من الحرة الشرقية إلى جبل سلع. ولم يكن للعرب معرفة بالخندق في حروبهم السابقة؛ لأنهم تعودوا المواجهة المباشرة، والتلاحم اللصيق كما حدث في "بدر" و"أحد" ولذلك فوجئ الأحزاب حين مجيئهم بهذا الخندق الذي حفره المسلمون بعدما أخذوه من أساليب الفرس القتالية وكما ذكره لهم سلمان الفارسي ﵁ ولذلك قال المشركون حين رأوا الخندق: والله إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها١. رحب رسول الله بفكرة الخندق، وأمر أصحابه بالحفر، وأشار لهم ﷺ بأهميته فعمل المسلمون فيه بجد ونشاط ورسول الله ﷺ يحثهم، ويساعدهم في عملهم هذا بعدما قسم الحفر على المهاجرين والأنصار، وجعل لكم عشرة من الصحابة أربعين

стр. 444

ذراعًا يحفرونها ويسوونها، على الطريقة الفارسية ليكون الحرف قائمًا، عموديا على بطن عريض مستقيم. وقد بلغ طول الخندق خمسة آلاف متر في عرض بلغ ستة أمتار، وعمق بلغ خمسة أمتار، وتم الحفر في مدة تقل عن نصف شهر عمل خلالها المسلمون بكل جد، واشتغل النبي ﷺ معهم، ففي البخاري عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله ﷺ : اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره١ وعن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا٢ وعن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ﷺ ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا قال: ثم يمد بها صوته بآخرها٣ ويرددها، ويقول: "أبينا، أبينا، أبينا". واستمر المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع الذي يفتت الأكباد ويقعد عن العمل.

стр. 445

يقول أنس ﵁ كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير, فيصنع به إهالة سخنة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن. يقول أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، فرفعنا أمامه بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين. وأثناء حفر الخندق عرض الرسول ﷺ الغلمان فأجاز منهم عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب لبلوغهم خمسة عشر عامًا كاملة, ورد من هم دون ذلك، إلا أنه ﷺ سمح لهم بالاشتراك في حفر الخندق، وعادوا بعدها إلى المدينة. واصل المسلمون عملهم في الحفر، فكانوا يعملون بالنهار، ويذهبون للمبيت في بيوتهم ليلا حتى أتموا الحفر. وعندما وصل الأحزاب قرب المدينة فوجئوا بالخندق يمنعهم من دخول المدينة، فأخذوا يدورون حوله ليعثروا على نقطة ضعف، أو مكان ضيق يجتازونه فلم يجدوه، فأسقط في أيديهم فوقفوا على شاطئ الخندق، مكتفين بالحصار بدل القتال.

стр. 446

رابعًا: سير القتال عسكر الأحزاب في الجهة الشمالية من الخندق، ووقف المسلمون قبالتهم من الجهة الجنوبية، وجعلوا ظهورهم إلى جبل "سلع" وبذلك تمكن المسلمون من منع الأحزاب من القفز على الخندق، أو بناء قنطرة يعبرون فوقها إلى المدينة وقد بلغ عدد المسلمين أربعة آلاف مقاتل. وفي أثناء ذلك أعلن بنو قريظة انضمامهم إلى معسكر الأحزاب، وكان يسكنون في ضواحي المدينة من الناحية الجنوبية، وبإمكانهم التسلل إلى داخل المدينة، لمعرفتهم السابقة بمسالكها وأهلها، ولو قدر لليهود أن ينجحوا في مهاجمة المدينة وإتيان المسلمين من ظهورهم لكانت ضربة أليمة للمسلمين. لقد عمل اليهود على مهاجمة تجمع نساء المسلمين وأطفالهم فأرسلوا رجلا منهم يحدد مكانهم ويعرف غرتهم ويكتشف الطريق إليهم، لكن هذا اليهودي لم يتمكن من القيام بمهمته لأن امرأة مسلمة رأته يستطلع المواضع التي يوجد فيها النساء والأطفال ففاجأته

стр. 447

بضربة فوق رأسه بخشبة كانت معها فقتلته. يقول ابن إسحاق: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت وهي التي روت الحادثة حيث قالت: وكان حسان معنا في الحصن مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم، ولا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا، إذا أتانا آت فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَن وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال حسان: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا تقول صفية: فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئًا احتجزت ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال حسان: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب١. وعندما وجد يهود "بني قريظة" أن دسيستهم لم تعد إليهم ظنوا وجود حراس، ورجال مع النساء والأطفال فقبعوا في بيوتهم، وانصرفوا عن مهاجمة المدينة، ولم يخرجوا إلى قتال، واكتفوا بمد الأحزاب بالمؤن والطعام. ولما علم المسلمون وهم عند الخندق، بمقتل هذا اليهود ملكهم الخوف على نسائهم وذراريهم، ووجدوا أنفسهم أمام عدو يواجهونه في الخندق، وآخر يأتيهم من خلف ظهورهم، فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتوقعوا هزيمة مفاجئة. وهنا فكر رسول الله ﷺ في هذا الموقف، وأراد أن يضع له حلا فبعث إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة.

стр. 448

فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين "سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة" فذكر لهما ذلك، واستشارهما فيه. فقالا: يا رسول الله هل هذا أمر أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم أنه شيء تصنعه لنا؟ فقال ﷺ : "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله، وعبادة الأوثان لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة، إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا، وأعزنا بك، وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال النبي ﷺ : "أنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال ليجهدوا علينا١. فأقام النبي ﷺ وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن بعض رجال من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بني محارب بن فهر تحمسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا بخيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانًا من الخندق ضيقًا، فضربوا خيلهم، فاقتحمته فجالت بهم في السبخة بين الخندق، وسلع. وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى سدوا الثغرة التي اقتحم الفرسان منها خيلهم.

стр. 449

وأقبلت الفرسان في عزيمة وقوة وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم "بدر" حتى ثبتته الجراحة، فلم يشهد "أحدا" فلما كان يوم "الخندق" خرج معلمًا ليرى مكانه فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب ﵁، وقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. قال: أجل. قال له علي: فإني أدعوك إلى الله، وإلى رسول الله، وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك. قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي ﵁ فتنازلا، وتجاولا، فقتله علي ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق وولت هاربة إلى حيث يوجد الأحزاب١. ثم أقبل علي ﵁ نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها؟ فقال علي ﵁: ضربته فاتقاني بسوءته، فاستحييت من ابن عمي أن أسلبه، وبعث المشركون إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "هو لكم لا نأكل ثمن الموتى". وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية". ولم يقبل منهم شيئًا٢. تقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة، ويقول: "ما

стр. 450

أخشى أن يؤتى الناس إلا منها". فبينما رسول الله ﷺ ، في حضني قد دفئ وهو يقول: "ليت رجلا صالحًا يحرس هذه الثلمة الليلة". فسمع صوت السلاح، فقال رسول الله ﷺ : "من هذا"؟. فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول الله. فقال ﷺ : "عليك هذه الثلمة فاحرسها". تقول عائشة: فنام رسول الله ﷺ ، حتى سمعت غطيطه. وكان عباد بن بشر، والزبير بن العوام، على حرس رسول الله ﷺ . وروى محمد بن عمر عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في الخندق، وكنا في قر شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلى ما شاء الله أن يصلي في قبته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: "هذه خيل المشركين تطيف بالخندق ". ثم نادى عباد بن بشر. فقال عباد: لبيك! قال: "أمعك أحد"؟. قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي نحرس قبتك. قال ﷺ : "خذ أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرة، اللهم فادفع عنا شرهم، وانصرنا عليهم واغلبهم فلا يغلبهم أحد غيرك". فخرج عباد في أصحابه فإذا هو بأبي سفيان بن حرب في خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، وقد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة والنبل حتى أذلقهم المسلمون بالرمي، فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم. قال عباد: ورجعت إلى رسول الله ﷺ فوجدته يصلي فأخبرته. قالت أم سلمة: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول الله ﷺ لقبته يحرسها أبدًا. وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يومًا، ويغدو خالد بن الوليد يومًا, ويغدو عمرو بن العاص يومًا، ويغدو هبيرة بن أبي وهب

стр. 451

يومًا، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يومًا، ويغدو ضرار بن الخطاب يومًا، حتى عظم البلاء، وخاف الناس خوفًا شديدًا، وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا، متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم: وهم حبان بن العرقة، وأبو أسامة الجشمي في آخرين، فناوشوا يومًا بالنبل ساعة، وهم جميعًا في وجه واحد وجاه قبة رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ قائم بسلاحه على فرسه، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله، وقال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال رسول الله ﷺ : "عرق الله وجهه في النار". ثم إن الأحزاب عبئوا قوتهم، واشتدوا في القتال بدءًا من السحر إلى هوى من الليل حتى شغل النبي والمسلمون معه عن صلاة الظهر، والعصر، ولم يتمكنوا من صلاتهما إلا بعد أن كشف الله الأحزاب١. واستمر الحصار مدة طويلة قاربت شهرًا فتأثر جيش المشركين، وخارت معنوياته وأصيب بالألم من الوضع الذي وجد فيه نفسه. فهو لم يفعل شيئًا طوال هذه المدة، ولم يحقق نتيجة تذكر وهو يعيش في جو شديد البرودة، ومؤنة بدأت في النفاذ واستمرارية هذا الوضع لا تتفق مع استعداداته وخبرته، لأنه جاء للقتال يومًا أو بعض يوم، وليس من خبرته التعامل من وراء الخندق والبقاء ساكنًا في مكان واحد مدة طويلة. وهو لم ير من اليهود شيئًا يساعد على تغيير هذا الوضع، بعدما أمل منهم مهاجمة النساء والأطفال لينصرف المسلمون أو بعضهم للدفاع عن ذراريهم، فتتخلخل الجبهة ويتمكن القرشيون من اقتحام الخندق، ومهاجمة المدينة. وبدأت علائف خيل وإبل القرشيين تنفذ فاستعانوا باليهود فأعانوهم بما طلبوا، غير أن الله جعلها للمسلمين، ذلك أن أبا سفيان قال لحيي بن أخطب: قد نفدت علافتنا فهل عندكم من علف؟ فقال حيي: نعم مالنا مالك فأصنع ما رأيت، مر القوم يأتوا بحمولة فيحملوا ما

стр. 452

أرادوا، فأرسلوا عشرين بعيرًا، فحملوها شعيرًا، وتمرًا، وتبنًا، وخرجوا بها إلى قريش حتى إذا كانو بـ"صفنة"١, وهم يريدون أن يسلكوا "العقيق" قابلوا جمعًا من بني عمرو بن عوف، وهم عشرون رجلا، فيهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، خرجوا لميت لهم مات منهم في حصنهم ليدفنوه فناهضوا الحمولة وقاتلهم القرشيون ساعة وكان فيهم ضرار بن الخطاب فمنع الحمولة ثم جرح فغلبهم المسلمون وأخذوا الإبل بحمولتها، وانصرفوا بها يقودونها إلى رسول الله ﷺ بعدما دفنوا ميتهم، وفكان أهل الخندق يأكلون منها، فتوسعوا بذلك وأكلوه حتى نفد، ونحروا من تلك الإبل أبعرة الخندق، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة. فلما رجع ضرار بن الخطاب إلى القرشيين أخبرهم الخبر. فقال أبو سفيان: إن حييًا لمشئوم، ما أعلمه إلا قطع بنا، ما نجد ما نتحمل عليه إذا رجعنا٢ ثم إن الله وله الحمد- صنع أمرًا من عنده خذل به العدو, وهزم جموعهم، وفل قوتهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلا من غطفان يقال له "نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ﵁" جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة". فذهب من فوره إلى بني قريظة -وكان عشيرًا لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت. قال: فإن قريشًا ليسوا مثلكم، البلد بلدكم فيه أموالكم، وأبناؤكم ونساؤكم لن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وتركوكم ومحمدًا فينتقم منكم. قالوا: فما العمل يا نعيم؟

стр. 453

قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش، وقال لهم: تعلمون ودى لكم ونصحي لكم؟ قالوا: نعم. قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك. فلما كانت ليلة سبت من شوال بعث الأحزاب إلى اليهود وقالوا لهم: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدًا، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم هو يوم سبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك، قالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى اليهود: إنا والله لا نرسل إليكم أحدًا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدًا١. قالت قريظة: صدقكم والله نعيم. فتخاذل الفريقان، ودبت الفرقة بين صفوفهم، وخارت عزائمهم، وسرى بينهم التخاذل، ثم أرسل الله عليهم جندًا من الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته، كما أرسل الله جندًا من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، فلم يقر لهم قرار، وشعروا بالهزيمة، وبدءوا في الرحيل إلى مكة٢. يروي ابن كثير صورة الساعات الأخيرة للمشركين عند الخندق فيقول: ذكر حذيفة أحوال المشركين مع رسول الله ﷺ يوم الخندق فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا، وفعلنا.

стр. 454

فقال حذيفة: لا تتمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحًا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه فيها. فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ، ويقولون إن بيوتنا عورة وما هو بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، وحين يأذن لهم يتسللون ويرجعون. وأخذ رسول الله ﷺ يستقبلنا رجلا رجلا، حتى أتى عليّ وما عليّ جنة من العدو ولا من البرد، إلا مرط لمرأتي ما يجاوز ركبتي فأتاني وأنا جاث على ركبتي. فقال ﷺ : "من هذا". فقلت: حذيفة! فقال: "حذيفة". فتقاصرت للأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم. فقال ﷺ : "إنه كائن في القوم خبر فأتى بخبر القوم". وأنا من أشد الناس فزعًا وأشدهم قرًا فخرجت. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته". يقول حذيفة: فوالله ما خلق الله فزعًا، ولا قرًا في جوفي، إلا خرج من جوفي، فلم أجد فيه شيئًا. فلما وليت قال ﷺ : "يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئًا حتى تأتيني". فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم، يشير بيديه على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي، أبيض الريش، فأضعه في كبد قوسي لأرمي به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ﷺ : "لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني". فأمسكت، ورددت سهمي إلى كنانتي.

стр. 455

ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل. الرحيل، لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، وفرشهم، الريح تضرب بها. ثم إني خرجت نحو رسول الله ﷺ ، فلما انتصفت في الطريق، أو نحو من ذلك، إذ أنا بنحو من عشرين فارسًا، أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف، فأومأ إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل على شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم وأخبرته أني تركتهم يرحلون١. فأصبح رسول الله ﷺ وقد رد الله عدوه بغيظهم، لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ولما رحل المشركون رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان رجوعه ﷺ والمسلمون معه من الخندق في يوم الأربعاء السابع من ذي القعدة من العام الخامس الهجري، وسر المسلمون برجعوهم منتصرين، وأسرعوا إلى المدينة هربًا من القر والجوع، وكره رسول الله ﷺ هذه السرعة حتى لا يظن المنافقون والأحزاب بهم ضعفًا. وقد استشهد من المسلمين ستة شهداء وهم: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك, وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عتمة، وكعب بن زيد النجاري ﵃، ورحمهم وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه بن عثمان، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وعمرو بن عبد ود، ولم يشترك المنافقون في قتال؛ لأنهم كانوا بادين في الأعراب خارج المدينة٢. إن معركة الأحزاب كانت هجمة شرسة من كافة مشركي الجزيرة العربية، وعلى رأسهم القرشيون الذين جاءوا إلى المدينة، ومعهم خبرة الغزوات السابقة، فكثروا العدد، وقصدوا اقتحام المدينة، والقضاء على أهلها، وإعادة اليهود إليها مرة أخرى.

стр. 456

لكن الله تعالى وفق المسلمين بحفر الخندق، ووضع النساء والأطفال في أماكن حصينة وسط المدينة فانقلب الأمر، ولم يحقق المشركون شيئًا من أهدافهم بل إنهم شعروا بضعفهم وتأكدوا من أن رسول الله ﷺ والمسلمين معه في رعاية الله تعالى، بعدما عجزوا بهذا الجمع الذي لن يتمكنوا من جمعه مرة أخرى، وقد رأوا كيف أيد الله رسول الله ﷺ بما لم يتوقعوه من ريح عاتية، وأعاصير مدمرة، وجدت حول الخندق فقط، وملائكة رأوا أثارهم. ولذلك قال النبي ﷺ بعد انصراف الأحزاب: "الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" ١. وقد كتب أبو سفيان كتابًا أرسله إلى رسول الله ﷺ جاء فيه: "باسمك الله، فإني أحلف باللات والعزى، لقد سرت إليك في جمعنا، وإنا نريد ألا نعود أبدًا حتى نستأصلكم، فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد"٢. فلما قرأها أبي بن كعب على رسول الله ﷺ في قبته, كتب إليه رسول الله ﷺ : "من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب، أما بعد، فقديمًا غرك بالله الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى، وأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإن الله ألهمني ذلك لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك، وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى، وإساف، ونائلة، وهبل، حتى أذكرك ذلك" ٣.

стр. 457

خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في يوم الخندق أحاط الله المسلمين بالعون، ونصرهم على عدوهم، وأكرمهم في وقت شدتهم، وعاشوا هذه المعونة في أعمال خارقة للعادة أتتهم من قبل الله تعالى ومنها: ١- ظهور عوامل النصر: لما اشتد الأمر بالمسلمين كانت عناية الله بهم، فهزم عدوهم بأمور خارقة حيث جاءت العواصف، والسيول، والرعب، وملائكة الله تعالى، وانقسام الأحزاب على أنفسهم وتلك كلها أهم عوامل انتصار المسلمين على نحو ما سبق ذكره. ٢- كسر الكدية الصخرية: لما بدأ المسلمون في حفر الخندق وواجهتهم بعض الصخور الصلبة، حاولوا تفتيتها مدة ثلاثة أيام فعجزوا، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ وشكوا إليه الأمر فكسرها من ضربة واحدة. يروي البخاري بسنده عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: أتيت جابرًا ﷺ فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال ﷺ : "أنا نازل". ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، فأخذ النبي ﷺ المعول فضربه فعادت الكدية كثيبًا أهيل، أو أهيم١. يقول ابن إسحاق بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق نبيًا لانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسًا، ولا مسحاة٢.

стр. 458

٣- تكثير الطعام: عاش الصحابة رضوان الله عليهم، وهو عند الخندق بلا طعام مدة ثلاثة أيام فأصابهم الجوع، فرزقهم الله تعالى من حيث لا يتوقعون، يروي البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق، رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ ، خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساورته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير، كان عندنا، فتعال أنت، ونفر معك. فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سؤرًا فحي هلا بكم". فقال رسول الله ﷺ : "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ ، يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلتِ، فأخرجت له عجينًا، فبصق فيه ﷺ وبارك ثم عمد إلى برمتنا، فبصق وبارك، ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله، لقد أكلوا، حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو١. ويروي ابن إسحاق بسنده عن أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حُفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك، وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. قالت: فأخذتها، فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي، وخالي فقال ﷺ : "تعالي يا بنية، ما هذا معك"؟. فقالت: يا رسول الله، هذا تمر، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه.

стр. 459

قال ﷺ : هاتيه. قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتها، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء". فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب١. ٤- إظهار غيب المستقبل: تنبأ النبي ﷺ في يوم "الخندق" بانتشار الإسلام في العالم، وذكر انتهاء غزو القرشيين للمدينة، يقول البراء بن عازب: لما كان يوم "الخندق" عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء فوضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة وأخذ المعول فقال ﷺ : "بسم الله". ثم ضرب ضربة كسرت ثلث الصخرة وقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة من مكاني هذا". ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض الآن". ثم ضرب الثالثة، فقال: "بسم الله". فقطع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني هذا" ٢.

стр. 460

سادسًا: حركة الدعوة خلال أيام الخندق تعتبر غزوة "الخندق" اختبارًا قاسيًا للمسلمين في المدينة، وقد وفقهم الله تعالى للصمود في هذا الامتحان الشديد، وساهموا جميعًا في حفر الخندق، وقد شجعهم على النشاط والعمل، مشاركة الرسول ﷺ لهم في الحفر، بل نراه ﷺ في مقدمة العاملين وقد قسم الرسول ﷺ العمل على أصحابه بالتساوي، ولم يخص أحدًا من قرابته، أو خاصته براحة في العمل، ولم يميز بعضًا منهم بمزايا، وجمع ﷺ أمهات المؤمنين مع سائر
следующие страницы →