← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لكن الله تعالى وفق المسلمين بحفر الخندق، ووضع النساء والأطفال في أماكن حصينة وسط المدينة فانقلب الأمر، ولم يحقق المشركون شيئًا من أهدافهم بل إنهم شعروا بضعفهم وتأكدوا من أن رسول الله ﷺ والمسلمين معه في رعاية الله تعالى، بعدما عجزوا بهذا الجمع الذي لن يتمكنوا من جمعه مرة أخرى، وقد رأوا كيف أيد الله رسول الله ﷺ بما لم يتوقعوه من ريح عاتية، وأعاصير مدمرة، وجدت حول الخندق فقط، وملائكة رأوا أثارهم. ولذلك قال النبي ﷺ بعد انصراف الأحزاب: "الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم" ١. وقد كتب أبو سفيان كتابًا أرسله إلى رسول الله ﷺ جاء فيه: "باسمك الله، فإني أحلف باللات والعزى، لقد سرت إليك في جمعنا، وإنا نريد ألا نعود أبدًا حتى نستأصلكم، فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد"٢. فلما قرأها أبي بن كعب على رسول الله ﷺ في قبته, كتب إليه رسول الله ﷺ : "من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب، أما بعد، فقديمًا غرك بالله الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى، وأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإن الله ألهمني ذلك لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك، وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى، وإساف، ونائلة، وهبل، حتى أذكرك ذلك" ٣.

стр. 457

خامسًا: الآيات الربانية الخارقة في يوم الخندق أحاط الله المسلمين بالعون، ونصرهم على عدوهم، وأكرمهم في وقت شدتهم، وعاشوا هذه المعونة في أعمال خارقة للعادة أتتهم من قبل الله تعالى ومنها: ١- ظهور عوامل النصر: لما اشتد الأمر بالمسلمين كانت عناية الله بهم، فهزم عدوهم بأمور خارقة حيث جاءت العواصف، والسيول، والرعب، وملائكة الله تعالى، وانقسام الأحزاب على أنفسهم وتلك كلها أهم عوامل انتصار المسلمين على نحو ما سبق ذكره. ٢- كسر الكدية الصخرية: لما بدأ المسلمون في حفر الخندق وواجهتهم بعض الصخور الصلبة، حاولوا تفتيتها مدة ثلاثة أيام فعجزوا، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ وشكوا إليه الأمر فكسرها من ضربة واحدة. يروي البخاري بسنده عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: أتيت جابرًا ﷺ فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال ﷺ : "أنا نازل". ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، فأخذ النبي ﷺ المعول فضربه فعادت الكدية كثيبًا أهيل، أو أهيم١. يقول ابن إسحاق بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء من ماء، فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق نبيًا لانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسًا، ولا مسحاة٢.

стр. 458

٣- تكثير الطعام: عاش الصحابة رضوان الله عليهم، وهو عند الخندق بلا طعام مدة ثلاثة أيام فأصابهم الجوع، فرزقهم الله تعالى من حيث لا يتوقعون، يروي البخاري بسنده أن جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق، رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ ، خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساورته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير، كان عندنا، فتعال أنت، ونفر معك. فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سؤرًا فحي هلا بكم". فقال رسول الله ﷺ : "لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". فجئت وجاء رسول الله ﷺ ، يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلتِ، فأخرجت له عجينًا، فبصق فيه ﷺ وبارك ثم عمد إلى برمتنا، فبصق وبارك، ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف، فأقسم بالله، لقد أكلوا، حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو١. ويروي ابن إسحاق بسنده عن أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حُفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك، وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. قالت: فأخذتها، فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي، وخالي فقال ﷺ : "تعالي يا بنية، ما هذا معك"؟. فقالت: يا رسول الله، هذا تمر، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه.

стр. 459

قال ﷺ : هاتيه. قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتها، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: "اصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء". فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب١. ٤- إظهار غيب المستقبل: تنبأ النبي ﷺ في يوم "الخندق" بانتشار الإسلام في العالم، وذكر انتهاء غزو القرشيين للمدينة، يقول البراء بن عازب: لما كان يوم "الخندق" عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء فوضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة وأخذ المعول فقال ﷺ : "بسم الله". ثم ضرب ضربة كسرت ثلث الصخرة وقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة من مكاني هذا". ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض الآن". ثم ضرب الثالثة، فقال: "بسم الله". فقطع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني هذا" ٢.

стр. 460

سادسًا: حركة الدعوة خلال أيام الخندق تعتبر غزوة "الخندق" اختبارًا قاسيًا للمسلمين في المدينة، وقد وفقهم الله تعالى للصمود في هذا الامتحان الشديد، وساهموا جميعًا في حفر الخندق، وقد شجعهم على النشاط والعمل، مشاركة الرسول ﷺ لهم في الحفر، بل نراه ﷺ في مقدمة العاملين وقد قسم الرسول ﷺ العمل على أصحابه بالتساوي، ولم يخص أحدًا من قرابته، أو خاصته براحة في العمل، ولم يميز بعضًا منهم بمزايا، وجمع ﷺ أمهات المؤمنين مع سائر

стр. 461

المسلمات في المساكن الحصينة التي اختارها لهن، ولأطفالهن وسط المدينة. وحرص رسول الله ﷺ على أن يلزم المسلمون بالعمل وفق الخطة الموضوعة، بحيث لا يترك العمل أحد من المسلمين إلا بإذن رسول الله ﷺ . وكان رسول الله ﷺ يتعامل مع المسلمين بحكمة ومودة، إذ تراه ﷺ حين اختلف المهاجرون والأنصار في معية سلمان الفارسي أثناء الحفر حيث رغب كل من المهاجرين، والأنصار أن يكون معهم، وقالوا: إنه منا. قال لهم ﷺ : "سلمان منا آل البيت" ١. ووضعه مع مجموعة من الصحابة ضمت ثلاثًا من المهاجرين، وستة من الأنصار على أن يكون سلمان ﵁ أمير المجموعة، فرضي بذلك الجميع. وكان ﷺ يتعامل برفق، ويحافظ على إرضاء نفوس المؤمنين فإنه ﷺ لما رد الغلمان في بداية حفر الخندق رضي منهم أن يشاركوا في الحفر تطييبًا لخواطرهم، وحفاظًا عليهم. وكان ﷺ رحيمًا بأصحابه، إذ نراه لما اشتد البرد كان يضم بعضهم إليه، ويعطيه مرطًا يلبسه، بعد أن أخذه من بعض نسائه ﷺ ، وكان يداعب أصحابه، ويتلطف معهم في الحديث. يروي مسلم بسنده أن رجلا قابل حذيفة فقال له: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه، وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة، وقر. فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة". فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال ﷺ : "ألا رجل يأتينا بخبر القوم, جعله الله معي يوم القيامة". فسكتنا فلم يجبه أحد. ثم قال ﷺ : "ألا رجل يأتينا بخبر القوم, جعله الله معي يوم القيامة". فسكتنا فلم يجبه أحد. فقال ﷺ : "قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم". فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم، حيث قال: "اذهب يا حذيفة فائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم عليّ". فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره النار، فوضعت سهمًا

стр. 462

في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ : "ولا تذعرهم عليّ". ولو رميته لأصبته, فرجعت، وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم, وفرغت, قررت فألبسني من شدة البرد رسول الله ﷺ من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت قال: "قم يا نومان" ١. فلم يفزعه ﷺ وإنما كناه وسرى عنه، وغطاه من البرد حتى استيقظ. ونظرًا لاشتغال المسلمين بالمعركة أذن لهم ﷺ بالصلاة حيث يعسكرون، ولذلك تأسست سبعة مساجد على الخندق، نسبت إلى من كان يؤم الصحابة بها ويقودهم في موقعة مثل مسجد أبي بكر، ومسجد عمر، ومسجد عثمان، ومسجد علي، ﵃, وبذلك استمرت حراسة الخندق ليلا ونهارًا، رغم البرودة الشديدة وأذن لهم ﷺ بتعدد الجماعات مراعاة للحال وبخاصة أن صلاة الخوف لم تكن شرعت بعد. وكان ﷺ يمر على المسلمين في مواقعهم ليشرف عليهم ويوجههم إلى ما يجب أن يكون. وقد تعلم المسلمون من فنون الحرب أهمية اكتشاف الأساليب المناسبة للتعامل مع العدو عددًا، وعدة, إذ لولا الخندق الذي حفره المسلمون لأصيبوا بهزيمة منكرة، ولا مانع من اكتساب خبرة الآخرين المفيدة للإسلام وللمسلمين. واهتم رسول الله ﷺ بتضليل أعدائه وخداعهم وفك وحدتهم ونشر الشائعات بين صفوفهم، وذلك من أهم طرق هزيمة العدو وانكساره. وكان ﷺ يعمل على المحافظة على روح القتال، وحب الشهادة بين المسلمين. وكان ﷺ يبشر أصحابه بالنصر، وينبئهم بأخبار الوحي، وكان يمر على أصحابه يطمئن عليهم، ويجلب الطعام والمئونة لهم، ويطمئنهم على نسائهم، وذراريهم. وكان ﷺ يناجي ربه، ويكثر من الدعاء على المشركين، ومن دعائه ﷺ على الأحزاب في يوم الخندق ما رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي خالد أنه قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ﵁ يقول: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب، فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم

стр. 463

وزلزلهم" ١. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو، أو الحج، أو العمرة، يبدأ فيكبر ثلاث مرار، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وله الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ٢. دعا النبي ﷺ على المشركين لأنهم شغلوا المسلمين عن صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى فعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ٣. ولم يكن اهتمام رسول الله ﷺ بأصحابه مقتصرًا على ميدان المعركة عند الخندق، بل رأيناه ﷺ يهتم بنساء المسلمين وذراريهم، فلقد كلف فريقًا بحراستهم، والدفاع عنهم، وكان دائم الحذر من بني قريظة: حينما خافهم على نساء المسلمين وأبنائهم. وكان ﷺ كثير المشاورة لأصحابه فلقد أخذ برأي سلمان في حفر الخندق، وحينما فكر في إعطاء بني غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يتركوا قريشًا ويرجعوا أخذ برأي الأنصار، ونزل على رأيهم حين رفضوا ما اتفق عليه رسول الله ﷺ . وخلال الغزوة تعلم المسلمون أحكام الصلاة إذا فات وقتها لعذر، فلقد أمر رسول الله ﷺ بلالا فأذن وأقام للظهر، وأقام بعد ذلك لكل صلاة إقامة، فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها وبذلك كان للفوائت آذان واحد، وإقامة لكل صلاة٤. وهكذا عاش رسول الله ﷺ أيام الأحزاب، قائدًا للمسلمين، وداعيًا إلى الله تعالى، ومعلمًا حكيمًا، ومرجعا في الحكم والتشريع، وكان قدوة صالحة للمسلمين كما هو شأنه ﷺ إلى يوم القيامة.

стр. 464

سابعًا: الأحزاب في رحاب القرآن الكريم سجل القرآن الكريم أحداث غزوة الأحزاب، وبين مواضع العبرة والعظة فيها، وجعلها منطلقًا للهداية، والرشد، وحسن الاتباع، وبنى عليها ضرورة الإخلاص في العبودية، وأهمية الصدق في الالتزام والطاعة؛ لأن ما حدث كان نصرًا إلهيًا واضحًا، قدره الله لعباده المؤمنين. وقد سمى الله تعالى إحدى سور القرآن باسم الغزوة، وهي السورة المعروفة بسورة "الأحزاب" المدنية المكونة من ثلاث وسبعين آية، وعدد الآيات التي تحدثت عن الغزوة في السورة ست عشرة آية بالإضافة إلى آيتين تحدثتا عن بني قريظة. وتبدأ الآيات بتذكير المؤمنين بفضل الله عليهم بعد مجيء الأحزاب المدينة, إذ إنه بعدما اشتد الأمر على المسلمين، أرسل الله ريحًا وجنودًا لا ترى وسلطها على هؤلاء البغاة من الأحزاب الذين أحاطوا بالمسلمين من الخارج والداخل، فأهلكتهم وهزمتهم في وقت ظن المؤمنون أن النصر بعيد وأن الهزيمة آتية، وكان هذا قمة البلاء وغايته، وبعدها جاء نصر الله تعالى, وهذا لون من التربية العملية التجريبية، كون الله بها الجماعة المسلمة الأولى يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ ١. والآيات ترسم بداية المعركة ونهايتها، وتشير إلى أهوالها وأحداثها بإجمال، وتصور ما أصاب المسلمون من خوف وهلع، حتى زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظن المسلمون بالله ظنًا كثيرًا. وأما المنافقون فقد انتهزوا الموقف، وأخذوا يخذلون المسلمين، ويظهرون الشماتة، وينادون بترك الخندق، ويرجعون معتذرين بالأكاذيب، ويتهمون الرسول بأن وعده

стр. 465

بالنصر ليس صادقًا فنقضوا عهودهم، وأظهروا خبء قلوبهم، وحقيقة أمانيهم, يصور الله تعالى أحوال وأعمال المنافقين فيقول سبحانه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إَِّلا غُرُورًا، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا، قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١. إن هؤلاء المنافقون أظهروا عداوتهم لرسول الله ﷺ ، وللإسلام، وخرجوا من صمتهم المخادع، وأخذوا ينشرون أكاذيبهم التي أشارت الآيات إلى أهلها، قالوا: - ما وعدنا الله ورسوله إلا بأمور لم تتحقق بعد أن غررا بنا. - طالبوا "لعنهم الله" المؤمنين بالعودة إلى المدينة، لينجوا من الهلاك والقتل. - بدءوا بالرجوع، وترك ميدان القتال بدعوى أن بيوتهم عورة، وهي ليست كذلك. - تؤكد الآيات ضعف إيمان المنافقين، لأنهم سرعان ما يرتدون، ويتركون ما آمنوا

стр. 466

به، بمجرد توقع فتنة، وهؤلاء في الحقيقة لا دين لهم. - لا عهد لهؤلاء المنافقين، فقد دخلوا في الإسلام وعاهدوا الله على الثبات والصبر والتحمل، لكنهم نكصوا ولم يفعلوا شيئًا مما عاهدوا الله عليه. - يؤكد القرآن الكريم أن المنافقين صنف معاد للإسلام يعيش بين المسلمين، فهم معوقون، حاقدون، يعملون كل ما يضر الإسلام والمسلمين. - الأمر كله بيد الله تعالى، وحين ينزل بأسه على المنافقين لن ينجيهم منه أحد. وأما المؤمنون الصادقون فأسوتهم رسول الله ﷺ لا يهابون موتًا، ولا يشكون في صدق رسولهم، ويسيرون على منهج الله الذي أخذوه، ويزداد إيمانهم عند الشدة، ويتمسكون بالطاعة والتسليم, فمنهم من لقي الله شهيدًا، ومنهم من ينتظر دوره، في صدق وإخلاص، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ١. وتبين الآيات نتيجة المعركة، وتؤكد صدق الله ورسوله، وكذب من ادعى غير ذلك من المنافقين، ومن في قلبه مرض. وتختم الآيات تناولها لأحداث غزوة الأحزاب ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة نقض العهد، وجزاء الوفاء به، وبيان أهمية، وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله تعالى فيقول سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.

стр. 467

ومثل هذا التعقيب بتخلل تصوير الحوادث والمشاهد ليرد الأمر كله إلى الله، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع، فليس شيء منها عبثًا أو مصادفة، إنما تقع الأحداث وفق حكمة مقدرة، وتدبير مقصود، وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب، وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. إن الأمر كله من أوله إلى منتهاه صناعة إلهية تضع الإنسان أمام حقيقته، وتكشف أمام بصيرته وبصره جلال الخالق وعظمته، وتجعل الجزاء ملائمًا للطاعة، وتدبر العاقبة في خط متواز للعمل والسلوك. وتختتم الآيات بالحديث عن الآثر الضخم المتصل بأعمال المنافقين والمرجفين، وتظهر خطأ تصوراتهم، وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية. وهكذا بدأت المعركة وسارت في طريقها وانتهت إلى نهايتها وزمامها في يد الله يصرفها كيف يشاء. وأثبت النص القرآني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره، فأسند إلى الله تعالى إسنادًا مباشرًا كل ما تم من الأحداث، والعواقب، تقريرًا لهذه الحقيقة، وتثبيتًا لها في القلوب، وإيضاحًا للتصور الإسلامي الصحيح.

стр. 468

المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية مدخل ... المبحث التاسع: أحداث ما بين الأحزاب والحديبية حاول أعداء الإسلام القضاء عليه لتستمر وضعيتهم الظالمة القائمة على استعباد الناس واستغلال الضعفاء، والاستغراق في شهواتهم المادية رغم ما فيها من جور وعدوان. وقد تجلت هذه المحاولات في التضييق على المسلمين قبل الهجرة، والإصرار على القتال في "بدر"، والمجيء إلى المدينة لمقاتلة المسلمين في "أحد" و"الأحزاب". لقد اعتمدت محاولات أعداء الإسلام على إشاعة الأكاذيب، وتضليل العامة، وتوجيه القبائل لكراهية الإسلام، والعمل على القضاء على المسلمين، وصد الناس عن دينهم الذي يعيشون به وله. ولا يمكن لعاقل أن يسلم بأحقية هذه المحاولات الظالمة، لأن الإسلام في جوهره دين يخلص الناس من العبودية لغير الله، ويربطهم بقيم نبيلة، وأخلاق عالية، ويجدد الحقوق والواجبات لكل مخلوق، ويضع منهجًا ينظم كافة جوانب الحياة، ويصون الكرامة الإنسانية للبشر أجمعين. إن الإسلام دين يحقق السعادة، وينشر السلام، ويحفظ النفس، والعقل، والولد، والمال، والعقيدة؛ ولذلك فهو دين يتوافق مع العقل السوي، والمصلحة الحقيقة لسائر الأحياء، ولكافة جوانب الحياة, وكل من يتدبر تعاليم الإسلام ينكر أي عدوان فيها ولا يصدق أي كلام يقال عن الإسلام مهما تزين، وتزخرف. رأى المسلمون محاولات الأعداء ضد دينهم فرفضوها، وكان الله معهم فشرع الجهاد على مراحل متعددة، ليتفق التشريع مع كل جديد يحتاج إليه. لقد بدأ تشريع الجهاد بالإذن فيه بعد الهجرة, ثم كان الأمر بقتال من يعتدي عند "أحد" وأخيرًا كان الأمر بالقتال العام بعد الخندق؛ لأن الأحزاب حين تجمعوا، وأتوا من كل صوب وحدب، كانوا يقصدون القضاء على المسلمين والإسلام، وبهذا بلغوا قمة التحدي، ومثلوا غاية العدوان في استهتار واضح بالقوة الإسلامية. ولما تجمع الأحزاب حول المدينة بانت حقيقة اليهود، والمنافقين، وقبائل الجزيرة جميعًا وتأكد المسلمون أن وجود اليهود، والمنافقين في المدينة، أو في ضواحيها، يمثل

стр. 469

خطورة بالغة لأنهم على علم بأحوال المسلمين وأخبارهم، ويمكنهم مفاجأة المسلمين، والغدر بهم في أي وقت كما أن لهم صلات بأهل مكة وبالقبائل العربية يستغلونها في إشاعة الأكاذيب، وصرف الناس عن التفكير في حقيقة الإسلام. إن المسلمين عباد الله، وهبوا أنفسهم للحق، وجعلوا أرواحهم في خدمة دينهم، ولذلك عز عليهم تصرفات أعدائهم, وصدهم الناس عن دين الله تعالى, فلما فرض القتال العام بعد الأحزاب أخذ رسول الله ﷺ ، في توجيه أصحابه للتصدي للطغاة المعتدين لأن إمهالهم يعطيهم فرصة للإعداد، والتجهيز، وإعادة مهاجمة المدينة مرة أخرى. لقد صدق الله وعده للمسلمين في يوم الأحزاب، فأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأرسل عليهم ريحًا، وجنودًا من الملائكة، وأدخل الرعب في قلوبهم، حتى تمكن المسلمون منهم ففروا هاربين كل إلى موطنه الذي جاء منه. وقد فهم الأحزاب، وكل من والاهم نتيجة معركة الخندق على غير وجهها الصحيح الأمر الذي أدى بهم إلى اتخاذ مواقف خاطئة، ذلك أنهم ربطوا هزيمة الأحزاب بأسباب بعيدة عن الحقيقة، حيث أرجعوها إلى تغير المناخ، وهبوب الريح، وشدة الأعاصير، وتصوروا أن ما حدث أمر طبيعي رأوا مثله في فيافي الجزيرة كثيرًا، وليس بلازم أن يتكرر مرة أخرى في أي لقاء لهم مع المسلمين, وفكروا كذلك في انقسام الأحزاب على أنفسهم، وشك كل فريق في غيره، عندما تصور كل منهم أن الفريق الآخر نقض عهده إما لانضمامه للمسلمين، أو لخوفه منهم. وأدى بهم هذا الفهم إلى استمرار استهانتهم بالمسلمين، فتصوروهم ضعافًا لا يمكنهم الخروج من المدينة، ولذلك استمروا في إعداد العدة، وتجهيز السلاح لمهاجمة المسلمين، كل قبيلة على حدة، مبتعدين عن تكتل القبائل، وتجمع الأحزاب مرة أخرى، بعدما أصيبوا بهذا التجمع عند الخندق. وحقيقة الواقع تؤكد خطأ المشركين في تحليل أسباب هزيمتهم؛ لأن ما حدث قدر إلهي نصر الله به عباده المؤمنين، وهو سبحانه قادر على إعادته وغيره لنصر المسلمين إن نصروا الله، وأخلصوا في الجهاد والنية, وما تفكك الأحزاب، وإحداث الوقيعة بينهم إلا قدر إلهي قضى به ليتم نصره، ويؤيد جنده.

стр. 470

وكما تأمل المشركون في نتائج معركة الخندق تأمل المسلمون فيها أيضًا، وأدركوا أن الله معهم، وأن جند الله لا ينحصرون في صورة، أو عدد، أو جهة، أو في شيء؛ لأن لله جنود السماوات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو. وصل المسلمون إلى نتيجة هي الحق حيث رأوا أن القبائل لن تسكت عن مهاجمة المسلمين، وستحاول كل قبيلة أن تفعل كل ما تقدر عليه، وبخاصة أن المسلمين حوصروا ولم يفعلوا شيئًا، ولولا الخندق لقضى الكفار عليهم. لكل هذا حرص رسول الله ﷺ على تتبع أخبار القبائل، فأرسل عيونه في الجزيرة العربية كلها، فعادوا إليه بتأييد ما توقعه المسلمون، ولذلك كانت الغزوات والسرايا إلى هذه القبائل منعًا لغدرهم، وحتى لا يتمكنوا من الهجوم على المدينة مرة أخرى. وكان الوحي الكريم مع رسول الله ﷺ يوجهه إلى ما يجب عمله، وبذلك تحددت معالم الحركة، واتضحت السبل المؤدية لحماية الإسلام والمسلمين، وشرعها الوحي للناس لتبقي درسًا عمليًا، وخطة واقعية، أمام المسلمين إلى يوم القيامة. لقد كان من الضروري مواجهة العداوات التي بثها المشركون بين القبائل العربية والإسراع في منعهم من الإعداد والهجوم، ولذلك تعددت الغزوات، وكثرت السرايا بعد الأحزاب، ووصلت إلى الأماكن البعيدة في نجد والشام. وقام المسلمون بواجبهم الذي كلفوا به، وقادهم رسول الله ﷺ في غزواته، وأعانهم في سراياه، وبذلك لم يتركوا ظالمًا يعتدي، ولم يدعو طاغوتًا يستبد ويفتري، وصانوا حرية الدعوة وحرية الناس, وكانوا ﵃ بقيادة رسول الله ﷺ حركة إيجابية دائمة بالإسلام، وسيفًا مسلطًا على رقاب كل معتد أثيم. إن العدل بالمسلمين صار له رجاله، والدعوة إلى الله وجدت في الجهاد خير من يحميها، وأصبح الطريق المستقيم صافيًا، نقيًا. لقد تعددت الأحداث، وتنوعت بعد الأحزاب، واستمرت حتى صلح الحديبية وجرت في مسارها المشروع الذي قدره الله لها، وكما أمر به رسول الله ﷺ . وفي هذا المبحث سأتناول أهم هذه الأحداث, وذلك فيما يلي:

стр. 471

أولا: غزوة بني قريظة نقض بنو قريظة عهدهم مع رسول الله ﷺ في وقت عصيب، وانضموا إلى الأحزاب وأخذوا في إمدادهم بالمؤن والطعام وعلف الدواب، وعاش المسلمون بسببهم لحظات عصيبة، خافوا خلالها على أطفالهم ونسائهم من غدر يهود بني قريظة, فلما أتم الله نصره، ورجع الأحزاب إلى ديارهم، عاد المسلمون متعبين إلى دورهم يريدون أن يدفئوا من القر، ويشبعوا من الجوع, لكن الله أمرهم بمواصلة الجهاد. ولما علم يهود بني قريظة بانصراف الأحزاب ملكهم الخوف، وتوقعوا أن يكر المسلمون عليهم لما كانوا يعرفون من تصرف الرسول ﷺ مع بني قينقاع، وبني النضير، وحدث ما توقعوه فإنه لما رجع النبي ﷺ من الخندق، ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل ﵇ وقال: قد وضعت السلاح يا محمد؟ والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال ﷺ : "فإلى أين"؟. قال جبريل ﵇: ها هنا وأشار إلى ديار بني قريظة. فخرج ﷺ إليهم وقال لأصحابه: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة". فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك "وفعل كل ما فهمه" وذكروا ذلك للنبي حين رؤيته فلم يعنف واحدًا منهم١. وتقدمت الملائكة زحف الجيش الإسلامي، يقول أنس ﵁ كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة٢.

стр. 472

واستعمل الرسول ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ﵁، ودفع اللواء إلى علي بن أبي طالب ﵁، وكان اللواء على حاله الذي كان عليه عند الخندق لم يتغير. وأخذت الملائكة تدعو المسلمين إلى الخروج لبني قريظة، فعن محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ مر بنفر من بني النجار فيهم حارثة بن النعمان، قد صفوا صفين عليهم السلاح فقال: "هل مر بكم أحد"؟. قالوا: نعم، دحية الكلبي، مر على بغلة، عليها رحاله، عليها قطيفة من إستبرق، وأمرنا بحمل السلاح، فأخذنا سلاحنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول الله ﷺ يطلع عليكم الآن. فقال رسول الله ﷺ : "ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم" ١. وكان خروج النبي ﷺ إلى بني قريظة لسبع بقين من ذي القعدة في العام الخامس الهجري، وتبعه المسلمون في ثلاثة آلاف مقاتل، ومعهم ستة وثلاثون فرسًا، وعسكر الجيش الإسلامي عند بئر لبني قريظة يعرف ببئر "أنَّا" بأسفل حرة بني قريظة٢. وتكامل تجمع المسلمين عند البئر، واجتمعوا مع رسول الله ﷺ عشاء وغدا رسول الله ﷺ على حصونهم، وعبأ أصحابه، ونظمهم حول الحصون، وأمرهم أن يرموهم بالنبال، وأن يتعاقبوا في الرمي، حتى لا يتركوا لهم وقتًا يستريحون فيه. وفي آخر النهار أيقن اليهود بالهلكة، فأمسكوا عن الرمي، وأرسلوا نباش بن قيس فكلم رسول الله ﷺ على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير من الأموال والسلاح، وتحقن دماؤهم، ويخرجوا من المدينة بالنساء والذراري، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبى رسول الله ﷺ . فقال نباش: تحقن دماءنا، وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكمه.

стр. 473

وعاد نباش إليهم بذلك. فلما أتاهم نباش برفض رسول الله ﷺ لما اقترحوه، قال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة والله إنكم لتعلمون أن محمدًا نبي الله، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن نبيًا من بني إسرائيل فهو حيث جعله الله، ولقد كنت كارهًا لنقض العهد والعقد، ولكن البلاء وشؤم حيي بن أخطب فاتبعوه وكونوا أنصاره وأولياءه، وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول، والآخر، فتعالوا فلنتابعه ولنصدقه ولنؤمن به فنأمن على دمائنا وأبنائنا ونسائنا وأموالنا. فردوا عليه لن نكون تبعًا لغيرنا نحن أهل الكتاب والنبوة ونكون تبعًا لغيرنا. فجعل كعب يرد عليهم الكلام بالنصيحة لهم. قالوا: لا نفارق التوراة وندع ما كنا عليه من أمر موسى. قال كعب: فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد وأصحابه فإن قتلنا قتلنا وما وراءنا أمر نهتم به، وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء. قالوا: ما في العيش من خير بعد هؤلاء. قال: فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها، الليلة السبت ومحمد وأصحابه آمنون لنا فيها. فنخرج فلعلنا أن نصيب منه غرة. قالوا: نفسد سبتنا وقد عرفت ما أصابنا فيه؟ فصاحت اليهود: لا نكسر السبت. وسقط في أيديهم، وندموا على نقض العهد يوم الأحزاب، ورقوا على النساء والصبيان حينما رأوا ضعف أنفسهم وهلاك النساء والصبيان. فقال لهم كعب: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة حازمًا١. إلا أن فريقًا من بني هدل خالف قومه اليهود، ودخل في الإسلام، ونجا بنفسه، وأمواله، وأولاده، وهم: ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسيد بن عبيد وأبناؤهم٢.

стр. 474

بعد أن بذلوا النصح الأمين لقومهم ولم ينقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ يوم الأحزاب. واشتد الأمر على اليهود، فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل لهم أبا لبابة بن المنذر، وكان لهم نصيحًا، لما بينهم وبينه من حلف؛ ولأن أمواله وأهله بينهم. فلما أتاهم أبو لبابة قال له كعب بن أسد: يا أبا لبابة إنا قد اخترناك على غيرك، إن محمدًا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه أفترى أن ننزل على حكمه؟ قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله فندمت واسترجعت وأخذت في البكاء، فنزلت وإن لحيتي مبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم فأخذت من وراء الحصن طريقًا أخرى حتى جئت المسجد ولم آت رسول الله ﷺ فارتبطت، وكان ارتباطي على الأسطوانة المخلقة التي يقال لها "أسطوانة التوبة" وقلت: لا أبرح من مكاني حتى أموت، أو يتوب الله عليّ مما صنعت، وعاهدت الله تعالى بألا أطأ أرض بني قريظة أبدًا، ولا أرى في بلد خنت الله تعالى ورسوله ﷺ فيه أبدًا. وبلغ رسول الله ﷺ ذهابي وما صنعت، فقال: "دعوه حتى يحدث الله تعالى فيه ما شاء لو كان جاءني استغفرت له، فإذا لم يأتني وذهب فدعوه". وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم في حر شديد عدة ليال لا آكل فيهن، ولا أشرب ولا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله عليّ، وأذكر رؤيا رأيتها في النوم، ونحن نحاصر قريظة، كأني في حمأة آسنة، فلم أخرج منه حتى كدت أموت من ريحها، ثم أرى نهرًا جاريًا فأراني اغتسلت فيه حتى استنقيت، وأراني أجد ريحًا طيبة، فاستعبرتها أبا بكر فقال: لتدخلن في أمر تغتم له ثم يفرج عنك، فكنت أذكر قول أبي بكر وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل الله تعالى قبول توبتي.

стр. 475

يقول أبو لبابة: فلم أزل كذلك حتى ما أسمع الصوت من الجهد ورسول الله ﷺ ينظر إليّ. ومكث أبو لبابة مرتبطًا ست ليال تأتيه امرأته مرة، وابنته مرة أخرى، فتحله حتى يتوضأ، ويصلي ثم يرتبط. واستمر الحال على ذلك حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ من السحر، وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك. فقلت: يا رسول الله مما تضحك أضحك الله سنك. قال ﷺ : "تيب على أبي لبابة". قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال ﷺ : "بلى إن شئت". فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. فسار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر ﷺ خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه٢. ثم نزلت بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فأمر بأسراهم فكتفوا رباطًا وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة، ونحوا ناحية، وأخرج النساء والذرية من الحصون فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف، وثلاثمائة دارع، وألفا رمح، وألف وخمسمائة ترس وحجفة، وأثاث كبير، وآنية كثيرة، وخمر وجرار سكر فهريق ذلك كله، ولم يخمس ووجد من الجمال النواضح عدة، ومن الماشية شيء كثير

стр. 476

فجمع هذا كله١. وطلبت الأوس من رسول الله ﷺ أن يهب لهم بني قريظة فإنهم حلفاؤهم، كما وهب لابن أبي بني قينقاع حلفاءه. فقال ﷺ : "أما ترضون أيها الأوس أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم"؟. قالوا: بلى. قال ﷺ : "فذلك إلى سعد بن معاذ". وسعد يومئذ في المسجد في خيمة "رفيدة بنت سعد الأسلمية" وكانت تداوي الجرحى وتلم الشعث، وتقوم على الضائع الذي لا أحد له، وكان لها خيمة في المسجد، وكان رسول الله ﷺ جعل سعد بن معاذ فيها منذ جرح فخرجت الأوس فحملوه على حمار، والتفوا حوله وأخذوا يقولون له: يا أبا عمرو! إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم فأحسن، فقد رأيت ابن أبي وما صنع من حلفائه، وأكثروا في هذا وشبهه وهو لا يتكلم. ثم قال سعد: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فقال الضحاك بن خليفة بن عبد الأشهل الأنصاري: واقوماه. وقال غيره منهم: نحو ذلك، ثم رجع إلى الأوس فنعى لهم قريظة. فلما جاء سعد إلى رسول الله ﷺ والناس حوله قال: "قوموا إلى سيدكم! فقاموا له على أرجلهم صفين يحييه كل منهم". وقالت الأوس الذين حضروا: يا أبا عمرو! إن رسول الله ﷺ قد ولاك الحكم فأحسن فيهم، واذكر بلاءهم عندك. فقال سعد: أترضون بحكمي لبني قريظة؟ قالوا: نعم. فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن الحكم ما حكم، ثم قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال. فقال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات" ٢.

стр. 477

فنفذ رسول الله ﷺ حكم الله تعالى، فقتل من بلغ منهم، وضرب رسول الله ﷺ عنق كعب بن أسد وهو بين يديه، وأمر بـ"نبانة" امرأة الحكم القرظي، وهي من السبي، فقتلت لأنها ألقت من حصن الزبير بن باطا رحى بإشارة زوجها على نفر من المسلمين كانوا يستظلون في فيئه، فشحذت رأس خلاد بن سويد بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مالك الأغر فمات، وأمر رسول الله ﷺ بقتل كل من أنبت منهم بعدما وزعهم على المهاجرين والأنصار، كما أمر بترك من لم ينبت، وتمادى القتل فيهم إلى الليل فقتلوا على شعل السعف، ثم رد عليهم التراب في الخنادق، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة والخمسين، ولما قتلوا صاحت نساؤهم، وشقوا جيوبهم، ونشروا شعورهم وضربوا خدودهم وملئوا المدينة عويلا وصراخًا١. وأمر النبي ﷺ بتقسيم الأموال، والنساء والذراري قسمة الفيء حيث كان الخمس لله، ورسوله، والأربعة أخماس الباقية للناس بسهمها عليهم، وقد أعطى رسول الله الفارس ثلاثة أسهم، والراجل سهمًا واحدًا٢. ووصى رسول الله ﷺ بالرفق بالأسارى، وأمر بأن لا يفرق بين الأم وأولادها، ولا بين الأخوات، وعرض رسول الله ﷺ الإسلام على الأسرى فمن أسلم باعه إلى صحابي مسلم، ومن أبي أمر ببيعه في الشام إلى يهودي، وإذا كان الأسير لا أم له ولا أخوة فإنه يباع لرجل مسلم في المدينة. وأرسل النبي ﷺ طائفة من الأسرى فبيعت في نجد، وطائفة أخرى بيعت في الشام وأوصى ﷺ بشراء أسلحة بثمنها. واصطفى رسول الله ﷺ لنفسه ريحانه بنت زيد، فلما أسلمت ملكها، ودخل بها٣. وتخلص المسلمون من بؤرة خطيرة، هددت أمن المسلمين، كانت دائمة التآمر للفتك برسول الله ﷺ وأصحابه، وقد أعدوا عدتهم بالسلاح الضخم الذي استولى عليه المسلمون.

стр. 478

وقتل رسول الله ﷺ مع بني قريظة حيي بن أخطب بعدما دخل معهم في حصنهم وفاء لما عاهدهم عليه يوم أن ضمهم إلى الأحزاب. وقال له رسول الله ﷺ قبل مقتله: "ألم يمكن الله منك يا عدو الله"؟. فقال: بلى والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد التمست العز في مظانه، وأبى الله إلا أن يمكنك مني، ولقد قلقلت كل مقلقل، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس لا بأس بأمر الله، قدر وكتاب، ملحمة كتبت على بني إسرائيل١. ولم يقتل من النساء إلا واحدة هي زوجة الحكم القرظي، واستشهد من المسلمين يوم بني قريظة، رجلان هما: خلاد بن سويد من الخزرج، وأبو سفيان بن محصن، ودفن الأول في البقيع، ودفن الثاني في ديار بني قريظة٢. ولما تم أمر بني قريظة استجاب الله دعوة سعد بن معاذ الذي جرح يوم أحد وحكم في بني قريظة بحكم الله ثم قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها، واجعل موتي فيها فقد أقررت عيني من بني قريظة٣. وكان رسول الله ﷺ قد وضعه بعد أحد يعالج في المسجد، في خيمة أقامها لعلاج الجرحى، وهي الخيمة المعروفة بخيمة "رفيدة بنت سعد الأسلمية"، وقد أتى به الأوس من الخيمة، وأركبوه حمارًا ليحكم في بني قريظة، فلما تم الأمر وعاد سعد إلى الخيمة انفجر جرحه ومات ﵁، فحمل إلى بيته، فغسل وكفن وصلى عليه رسول الله ﷺ ومشى أمام جنازته، ويعد سعد ﵁ من شهداء أحد٤. يروي الواقدي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: لما انتهى رسول الله وصحابته إلى

стр. 479

قبر سعد نزل فيه أربعة نفر: الحارث بن أوس بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأبو نائلة وسلمة بن سلامة، ورسول الله ﷺ واقف على قدميه عند قبره، فلما وضع في لحده تغير وجه رسول الله ﷺ ، وسبح ثلاثًا، فسبح المسلمون ثلاثًا حتى ارتج البقيع بتسبيحهم، ثم كبر رسول الله ﷺ ثلاثًا، وكبر أصحابه ثلاثًا حتى ارتج البقيع بتكبيرهم، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقيل: يا رسول الله رأينا لوجهك تغيرًا وسبحت ثلاثًا وكبرت ثلاثًا. قال ﷺ : "تضايق على صاحبكم قبره، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد، ثم فرج الله عنه" ١. وجاءت أم سعد، وهي كبشة بنت عبيد، تنظر إلى سعد ولدها في اللحد، فردها الناس, فقال رسول الله ﷺ : "دعوها". فأقبلت حتى نظرت إليه، وهو في اللحد قبل أن يبنى عليه اللبن والتراب، ثم قالت: أحتسبك عند الله، وعزاها رسول الله ﷺ على قبره، وجعل المسلمون يردون تراب القبر ويسوونه، وتنحى رسول ﷺ فجلس حتى سوى على قبره ورش عليه الماء، ثم أقبل فوقف عليه فدعا له، ثم انصرف. يقول أبو سعيد الخدري ﵁: كنت مع من حفر قبر سعد بن معاذ، وكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا تراب قبره٢. يروي البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: اهتز عرش الرحمن لموت سعد٣, وفي الترمذي عن أنس بن مالك: إنه لما حملت جنازة سعد قال المنافقون ما أخف جنازته، وفسروا ذلك بسبب قتله بني قريظة. فقال ﷺ لهم: "إن الملائكة كانت تحمله" ٤.

стр. 480

ثانيًا: قتل ابن أبي الحقيق وابن أبي الحقيق هو سلام بن مشكم بن أبي الحقيق، ويكنى بـ"أبي رافع" ويعرف بـ "عبد الله بن أبي الحقيق" والذي سماه عبد الله هو قاتله عبد الله بن عتيك وهو أحد زعماء بني النضير الذين خرجوا إلى خيبر بعد أحد، وكان من الأعداء الألداء لرسول الله ﷺ وللإسلام، وقد بدت عداوته بعدما علم بمقتل مقاتلة بني قريظة حيث قال: هذا كله عمل حيي بن أخطب، لا قامت يهودية بالحجاز أبدًا. وصاح نساء بني قريظة وأقمن المآثم وفزعت اليهود إلى سلام ليروا رأيه، فأشار عليهم بأن يسيروا معه، ومعهم يهود تيماء، وفدك، ووادي القرى، ولا يجلبوا معهم أحدًا من العرب، حتى يغزوا محمدًا في عقر داره، فوافقوه على ما رأى، وأخذ يعد العدة لذلك يقول ابن إسحاق: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف رغب الخزرج في قتل ابن أبي الحقيق لينالوا ثواب قتله، وحتى لا يسبقهم الأوس في فضل، ولأنه أشد عداوة لرسول الله من كعب، وحتى لا تستمر مؤامرته على محاربة المسلمين، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فأذن لهم١. يروي البخاري بسنده قصة مقتله فيقول: بعث رسول الله إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل. فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب يقول عبد الله: فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب.

стр. 481

وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمرة صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقته على من دخل، فقلت إن القوم إذا نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله. فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع، حتى أعرف مكانه من صوته. قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فضربته ضربة بالسيف، وأنا أدهش فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت بصوت آخر: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، فعلمت أني ضربته ضربة أثخنته ولم تقتله، فوضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته. فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا، حتى انتهيت إلى درجة السلم، فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة ثم انطلقت، حتى جلست على الباب فقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء النجاء فقد قتل الله أبا رافع، فلما انتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته، فقال لي: "ابسط رجلك، فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط" ١. وكان مقتل ابن أبي الحقيق في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة, وقد أدى مقتله إلى تفرق الجمع الذي كان يعده للهجوم على المدينة، وعلم اليهود في خيبر أن المسلمين لهم بالمرصاد، ولن يتركوهم في تآمرهم على الإسلام وعلى المسلمين.

стр. 482

ثالثا: سيرة محمد بن مسلمة ... ثالثًا: سرية محمد بن مسلمة أعد النبي ﷺ سرية من أصحابه بلغ عددها ثلاثين راكبًا، ووجههم إلى "القرطاء" في أرض نجد، ناحية خيرية البكرات١، وذلك لعشر ليال خلت من المحرم سنة ست من الهجرة لتأديب بني بكر أحد بطون بني كلاب بعدما تأمروا على قتل رسول الله ﷺ وأعدوا لذلك رجالا منهم فلما وصلت السرية إلى ديار بني بكر، وشعر القوم بها هربوا، وتركوا أنعامهم وأموالهم فغنم المسلمون منها ما استطاعوا، وعادوا إلى المدينة في آخر المحرم، وتمكنوا عند رجوعهم من أسر رجل من بني حنيفة يقال له "تمامة بن آثال" وأحضروه معهم إلى المدينة. يروي أبو هريرة ﵁ قصة ثمامة فيقول: بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن آثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "ما عندك يا ثمامة"؟. فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة"؟. قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد فقال له: "ما عندك يا ثمامة"؟. قال: عندي ما قلت. قال ﷺ : "أطلقوا ثمامة". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب دين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟

стр. 483

فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت. قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ , كانت اليمامة ريف مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم١. وهكذا توجه المسلمون إلى نجد لرفع كلمة الحق، وإشعار قادة الكفر، والضلال أن صدهم الناس عن دين الله أمر مرفوض, والواجب حماية حق الناس، في الاعتقاد والتدين، ومعاملة الذين يصدون عن سبيل الله معاملة المعتدي على حق غيره، المحارب لحرية الإنسان وكرامته.

стр. 484

رابعًا: غزوة بني لحيان بنو لحيان هم الذين غدوا بعشرة من أصحاب رسول الله ﷺ بالرجيع، وتسببوا في إعدامهم، ولكن لما كانت ديارهم مجاورة لحدود مكة، والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب، رفض رسول الله ﷺ أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر في مكة، فلما تخاذلت الأحزاب، واستوهنت عزائمهم، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما، رأى رسول الله ﷺ أن الوقت قد حان لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع، فخرج إليهم في ربيع الأول أو جمادى الأول سنة ست في مائتين من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأظهر أنه يريد الشام، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى "بطن غُرَان" واد بين أمج وعسفان، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، وسمعت بنو لحيان بالمسلمين فهربوا في رءوس الجبال، ولم ير المسلمون منهم أحدًا، فأقام رسول الله ﷺ يومين بأرضهم، وبعث السرايا إلى جهات عديدة، ثم سار بالقوم إلى عسفان، وبعث عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش بقيادة أبي بكر الصديق ﵁، ثم رجع إلى المدينة وهو يقول: "آئبون، تائبون،

стр. 485

عابدون، لربنا حامدون! اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة على الأهل! اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل، والمال! اللهم بلغنا بلاغًا صالحًا يبلغ إلى خير، مغفرة منك ورضوانًا"١. وكانت غيبته عنها أربع عشرة ليلة٢.

стр. 486

خامسًا: غزوة الغابة وقعت هذه الغزوة عند ماء يعرف بماء "قرد" قريبًا من المدينة المنورة، وسببها أنه كان لرسول الله ﷺ عشرون ناقة ذوات لبن، ترعى بالغابة حول الماء، ومعها راع وزوجته، فأغار عليها عيينة بن محصن الفزاري فقتل الراعي، وسبى المرأة، واستولى على اللقاح العشرين، فلما رآهم سلمة بن الأكوع السلمي عاد، وأخبر رسول الله ﷺ وصاح في المسلمين بما وقع. فلما وقعت الصيحة بالمدينة كان أول من أتى إلى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن عمرو، ثم عباد بن بشر الأشهلي، وأسيد بن حضير أخو بني حارثة، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسدي الأخرم، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت الزرقي، فلما اجتمعوا أمر رسول الله ﷺ عليهم سعيد بن زيد من بني عبد الأشهل، وأعطى ﷺ فرس أبي عياش معاذ بن معاص، وكان أحكم للفروسية من أبي عياش وسار النبي ﷺ معهم حتى واجه المشركين. وكان أول من واجه المشركين محرز بن نضلة الأخرم فقتلوه ﵀، ولحق أبو قتادة بقاتله فقتله، وولى المشركون منهزمين، وتركوا خلفهم لقاح رسول الله ﷺ . ولما بلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له "ذو قرد" استرد إبله ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة، وأقام ﷺ يومًا وليلة، ثم رجع إلى المدينة، وصلى النبي ﷺ بالمسلمين صلاة الخوف لأول مرة عند "ذي قرد" يقول ابن عباس ﵁: قام رسول الله ﷺ إلى القبلة، وصف طائفة خلفه، وطائفة مواجهة العدو، فصلى بالطائفة التي خلفه، ركعة

стр. 487

وسجدتين، ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم، وأقبل الآخرون فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة, فلما سلم رسول الله ﷺ أقبلت كل طائفة وصلت الركعة الباقية لتتم صلاتهم جميعًا، وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة رسول الله ﷺ ، فلما أتت المدينة نذرت أن تنحرها، فأخبرها رسول الله ﷺ أنه لا نذر لأحد في معصية الله، ولا فيما لا يملك، وأخذ ﷺ ناقته١. وقد استشهد من المسلمين محرز بن نضلة ﵁، وقتل من المشركين مسعدة بن حكمة، وأوثار، وابنه عمرو بن أوثار، وحبيب بن عيينة.

стр. 488

سادسًا: سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلا من الصحابة في شهر ربيع الأول سنة ست إلى "الغمر" وهو ماء لبني سعد. أسرع عكاشة ورجاله إلى الغمر، فلما علم القوم به تركوا ماءهم، وفروا إلى الجبال وتركوا بعض نعمهم، فأخذوا منها المسلمون مائتين، وعادوا إلى المدينة.

стр. 489

سابعًا: السرايا إلى ذي القصة أخذ بنو ثعلبة يغيرون على سرح المسلمين في المدينة فأرسل رسول الله ﷺ إليهم محمد بن مسلمة ﵁ -أولا- في عشرة رجال من الصحابة، في ربيع الأول سنة ست، فكمن لهم القوم عند مائهم "ذي القصة" حتى ناموا فأحدقوا بهم، وكان عددهم مائة، فما شعر المسلمون إلا والنبال تأتيهم من كل جانب، واستمر الرمي حتى قتل المشركون المسلمين جميعًا ماعدا محمد بن مسلمة، فإنه أفلت، وتمكن من الرجوع إلى المدينة وأخبر الرسول ﷺ بما حدث له، ولأصحابه. فأرسل الرسول ﷺ سرية ثانية إلى بني ثعلبة في "ذي القصة" في ربيع الآخر مكونة من أربعين صحابيًا بقيادة عبيدة بن الجراح ﵁. ونظرًا ليقظة بني ثعلبة، وتتبعهم لأخبار المسلمين صلى أفراد السرية المغرب بالمدينة المنورة حتى لا يشعر بهم أحد، ثم أخذوا في المسير بعد المغرب متجهين إلى "ذي القصة" واستمروا في السير طوال الليل، فوافوها قبيل طلوع الشمس، وفاجئوا القوم بالإغارة عليهم، ففر القوم هاربين إلى التلال والجبال، وتركوا إبلهم وغنمهم، فغنم المسلمين إبلًا وغنمًا وأسروا رجلًا واحدًا، ثم عادوا إلى المدينة بما غنموا، وقد أسلم الرجل عند رسول الله ﷺ فتركه ﷺ .

стр. 490

ثامنًا: سرايا زيد بن حارثة ﵁ تميز زيد بن حارثة بالشجاعة والإقدام، والإخلاص في طاعة الله ورسوله ولذلك اختاره الرسول ﷺ لقيادة عدد من السرايا، خلال فترة ما بعد الخندق، وهي: ١- سرية زيد إلى الجموم: والجموم ماء لبني سليم في مر الظهران، قرب مكة، خرج زيد إليها في عدد من أصحاب النبي ﷺ فأصاب امرأة من مزينة دلتهم على محلة "بني سليم" فذهبوا إليها، وأخذوا منها غنمًا، وإبلا، وبعض الأسرى، وعادوا إلى المدينة١ وقد أسلمت المرأة وزوجها النبي ﷺ من أحد أصحابه٢. ٢- سرية زيد إلى العيص ٣: بعث النبي ﷺ في جمادى الأولى سنة ست زيد بن حارثة في مائة وسبعين رجلا من أصحابه لمقاتلة قافلة لقريش راجعة من الشام بتجارات لهم، فالتفت بهم عند العيص، واستولت على الأموال، واسروا بعض الرجال منهم أبو العاص بن الربيع، زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، وكان الرسول قد فرق بينهما. وكان أبو العاص رجلا مأمونًا، يتاجر لقريش في مالها, فلما قدم المدينة أسيرًا دخل على زينب سحرًا فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر قامت زينب على بابها، فنادت بأعلى صوتها وقالت: إني قد أجرت أبا العاص.

стр. 491

فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم. قال ﷺ : "فوالذي نفسي بيده، ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت". فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد إلى أبي العاص بن الربيع ما أخذ منه من المال، ففعل وأمرها ألا يقربها، فإنها لا تحل له ما دام مشركًا، ثم كلم رسول الله ﷺ أصحابه، وكان مع أبي الربيع بضائع لغير واحد من قريش، فأدى إليه الصحابة كل شيء، حتى إنهم ليردون الإداوة، والحبل، حتى لم يبق شيء، ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم شيء؟ قالوا: لا والله. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لقد أسلمت بالمدينة، وما منعني أن أقيم بالمدينة إلا أني خشيت أن تظنوا أني أسلمت لأذهب بالذي لكم، ثم رجع إلى النبي ﷺ فرد عليه زينب بالنكاح الأول١. ٣- سرية زيد إلى الطرف: والطرف ماء لبني ثعلبة يقع على بعد ستة وثلاثين ميلا عن المدينة، بعث الرسول ﷺ إلى أهله زيدًا في خمسة عشر رجلا من الصحابة، فهرب الناس لما علموا بمقدم المسلمين، وأصاب منهم زيد بعض الإبل، ورجع إلى المدينة في جمادى الآخرة سنة ست بعد أن غاب عنها أربع ليال٢. ٤- سرية زيد إلى وادي القرى: في رجب سنة ست خرج زيد إلى وادي القرى ومعه اثنا عشر رجلا من الصحابة، لاستكشاف حركات الأعراب فهجم عليهم سكان وادي القرى، وقتلوا منهم تسعة وعاد الناجون إلى المدينة، وفيهم زيد بن حارثة٣.

стр. 492

تاسعًا: غزوة بني المصطلق وتعرف بغزوة المريسيع١ وكان وقوعها في شعبان سنة ست للهجرة بعد الخندق على الصحيح، ودليل ذلك أن آية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش ﵂ بعد زواجها من رسول الله ﷺ ، ولذلك سألها ﷺ عن الإفك الذي دار حول عائشة ﵂ فقالت: أحمي سمعي وبصري وقالت عنها عائشة ﵂، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ . وحادثة الإفك كانت أثناء العودة من غزوة بني المصطلق ونزول آية الحجاب كان بعد زواج زينب، وزواج زينب كان في ذي القعدة من السنة الخامسة فإذا ما علم أن حادثة الإفك كانت بعد نزول آية الحجاب، إذا علم ذلك صح أن "غزوة المريسيع" كانت في السنة السادسة بعد الخندق٢. وسبب هذه الغزوة أن الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، يريدون حرب رسول الله ﷺ في المدينة، وأخذوا في إعداد العدة لذلك فبعث رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي ليعلم خبرهم فلما رأى تجمعهم واستعدادهم عاد لرسول الله ﷺ وأخبره بما رأى، فندب رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم خبر عدوهم، فأسرعوا بالخروج مع رسول الله ﷺ بعد أن أمر على المدينة زيد بن حارثة. ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع فنزله، وضرب قبة من أدم، وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄. اجتمع المسلمون على الماء، وأعدوا وتهيئوا للقتال، وصف رسول الله ﷺ أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر ﵁، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁، ويقال: كان مع عمار بن ياسر ﵁ راية المهاجرين.

стр. 493

ثم أمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن ينادي فنادى في الناس: قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم، وأموالكم، ففعل عمر ﵁ فأبوا الإذعان فرماهم. وكان عمر أول من رمى من المسلمين ثم إن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يحملوا عليهم فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت إنسان من بني المصطلق، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم، وسبى رسول الله ﷺ الرجال، والنساء والذرية وغنمت النعم والشاء، وما قتل أحد من المسلمين إلا رجل واحد يقال له هشام بن صباية رضي الله عنه١. وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول الله ﷺ وتزوجها. وقد شعر المنافقون بافتضاح أمرهم في غزوة الأحزاب، فجمعوا جموعهم وأرادوا خلخة الصف الإسلامي بالإشاعات، وزرع جذور الوهن، وأخذوا يتحينون الفرص لبث أكاذيبهم، وكان أول هذه الفرص بعد غزوة الأحزاب في زواج رسول الله ﷺ "زينب بنت جحش" ﵂ حيث أخذوا يذكرون للناس أنها الزوجة الخامسة لرسول الله ﷺ وهذا لا يجوز، وقالوا: إن محمدًا أحبها وهي تحت زيد، فأمر ﷺ زيدًا أن يطلقها ليتزوجها، وهذا كذب وضحناه قبل٢ ورد الله عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٣. وانتهز المنافقون خروج المسلمين إلى بني المصطلق فخرجوا معهم في أعداد كبيرة، وتظاهروا بانصهارهم في الصف الإسلامي، وأخذوا يتحينون الفرصة لتحقيق ما خرجوا له. يقول المقريزي: وبينما المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل "سنان بن وبر الجهني" حليف الأنصار ومعه فتيان من بني سالم يستقون، وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار فأدلى دلوه، وأدلى "جهجاة بن مسعود" أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه،

стр. 494

فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانًا فسال دم سنان فنادى: يا للخزرج، وثارت الرجال، فهرب جهجاه إلى قومه وجعل ينادي في العسكر: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه. وانتهز عبد الله بن أبي الموقف وكان جالسًا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما رأيت كاليوم مذلة، والله إني كنت لكارهًا لوجهي هذا ولكن قومي قد غلبوني قد فعلوها، قد نافرونا، وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلاليب قريش هذه إلا كما قال القائل "سمن كلبك يأكلك" والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفًا يهتف بما هتف به جهجاه، وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير "والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". ثم أقبل ابن أبي على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وأنزلتموهم منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضًا للمنايا فقتلتم دونهم، فأيتمتم أولادكم، وقللتم عددكم وكثروا١. أخبر زيد بن أرقم رسول الله بما رأى وسمع فتغير وجه رسول الله واستوثق منه وأبى على أصحابه قتل ابن أبي حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. وجاء ابن أبي ينفي صدور ما ذكر عنه فنزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢. وقطعًا لهذه الفتنة، ومنعًا للخوض فيها بادر رسول الله ﷺ بالعودة إلى المدينة أثناء الحر الشديد، وكان ﷺ لا يروح حتى يبرد الجو. وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ لرسول الله ﷺ وقال له: إن كنت تريد أن

стр. 495

تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري فيقتله فتدعوني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي فأقتله فأدخل النار وعفوك أفضل، ومنك أعظم. فقال رسول الله ﷺ : "ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا". فقال عبد الله: إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه، فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورًا قد غلب الله عليها١. وانتهز المنافقون حادثة أخرى وقعت حين رجوع المسلمين من المريسيع هي "حادثة الإفك" التي ظهرت بين المسلمين فتلقفها ابن أبي، وتولى كبر إذاعتها ونشرها وكما أخزاه الله تعالى بنزول القرآن الكريم في تأكيد كذبه في المرة الأولى أخزاه مرة أخرى بنزول براءة السيدة عائشة ﵂ من فوق سبع سماوات٢. وسجل القرآن الكريم هذين الموقفين ليعلم المؤمنون طبائع المنافقين، وليأخذوا حذرهم الدائم منهم. وزاد الله خزي المنافقين مرة أخرى، فإنه لما نزل المسلمون عند ماء يقال له "بقعاء" أخذتهم ريح شديدة، استمرت إلى أن زالت الشمس ثم هدأت، وخاف المسلمون أن تكون هذه الريح لمواجهة "عيينة بن حصن" ظنًا منهم أن يهاجم ظهورهم في المدينة، فقال لهم ﷺ : "ليس عليكم بأس منها فما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق". وهو "رفاعة بن زيد بن التابوت" وكانت هذه الريح أيضًا بالمدينة حتى دفن عدو الله فسكت. وقال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبي: مات خليلك. قال: أي أخلائي.
следующие страницы →