فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟
قالوا: نعم.
قال ﷺ : "فوالذي نفسي بيده، ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت".
فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد إلى أبي العاص بن الربيع ما أخذ منه من المال، ففعل وأمرها ألا يقربها، فإنها لا تحل له ما دام مشركًا، ثم كلم رسول الله ﷺ أصحابه، وكان مع أبي الربيع بضائع لغير واحد من قريش، فأدى إليه الصحابة كل شيء، حتى إنهم ليردون الإداوة، والحبل، حتى لم يبق شيء، ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم شيء؟
قالوا: لا والله.
قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لقد أسلمت بالمدينة، وما منعني أن أقيم بالمدينة إلا أني خشيت أن تظنوا أني أسلمت لأذهب بالذي لكم، ثم رجع إلى النبي ﷺ فرد عليه زينب بالنكاح الأول١.
٣- سرية زيد إلى الطرف:
والطرف ماء لبني ثعلبة يقع على بعد ستة وثلاثين ميلا عن المدينة، بعث الرسول ﷺ إلى أهله زيدًا في خمسة عشر رجلا من الصحابة، فهرب الناس لما علموا بمقدم المسلمين، وأصاب منهم زيد بعض الإبل، ورجع إلى المدينة في جمادى الآخرة سنة ست بعد أن غاب عنها أربع ليال٢.
٤- سرية زيد إلى وادي القرى:
في رجب سنة ست خرج زيد إلى وادي القرى ومعه اثنا عشر رجلا من الصحابة، لاستكشاف حركات الأعراب فهجم عليهم سكان وادي القرى، وقتلوا منهم تسعة وعاد الناجون إلى المدينة، وفيهم زيد بن حارثة٣.
стр. 492
تاسعًا: غزوة بني المصطلق
وتعرف بغزوة المريسيع١ وكان وقوعها في شعبان سنة ست للهجرة بعد الخندق على الصحيح، ودليل ذلك أن آية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش ﵂ بعد زواجها من رسول الله ﷺ ، ولذلك سألها ﷺ عن الإفك الذي دار حول عائشة ﵂ فقالت: أحمي سمعي وبصري وقالت عنها عائشة ﵂، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ .
وحادثة الإفك كانت أثناء العودة من غزوة بني المصطلق ونزول آية الحجاب كان بعد زواج زينب، وزواج زينب كان في ذي القعدة من السنة الخامسة فإذا ما علم أن حادثة الإفك كانت بعد نزول آية الحجاب، إذا علم ذلك صح أن "غزوة المريسيع" كانت في السنة السادسة بعد الخندق٢.
وسبب هذه الغزوة أن الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، يريدون حرب رسول الله ﷺ في المدينة، وأخذوا في إعداد العدة لذلك فبعث رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي ليعلم خبرهم فلما رأى تجمعهم واستعدادهم عاد لرسول الله ﷺ وأخبره بما رأى، فندب رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم خبر عدوهم، فأسرعوا بالخروج مع رسول الله ﷺ بعد أن أمر على المدينة زيد بن حارثة.
ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع فنزله، وضرب قبة من أدم، وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة ﵄.
اجتمع المسلمون على الماء، وأعدوا وتهيئوا للقتال، وصف رسول الله ﷺ أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر ﵁، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁، ويقال: كان مع عمار بن ياسر ﵁ راية المهاجرين.
стр. 493
ثم أمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن ينادي فنادى في الناس: قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم، وأموالكم، ففعل عمر ﵁ فأبوا الإذعان فرماهم.
وكان عمر أول من رمى من المسلمين ثم إن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يحملوا عليهم فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت إنسان من بني المصطلق، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم، وسبى رسول الله ﷺ الرجال، والنساء والذرية وغنمت النعم والشاء، وما قتل أحد من المسلمين إلا رجل واحد يقال له هشام بن صباية رضي الله عنه١.
وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها، فأدى عنها رسول الله ﷺ وتزوجها.
وقد شعر المنافقون بافتضاح أمرهم في غزوة الأحزاب، فجمعوا جموعهم وأرادوا خلخة الصف الإسلامي بالإشاعات، وزرع جذور الوهن، وأخذوا يتحينون الفرص لبث أكاذيبهم، وكان أول هذه الفرص بعد غزوة الأحزاب في زواج رسول الله ﷺ "زينب بنت جحش" ﵂ حيث أخذوا يذكرون للناس أنها الزوجة الخامسة لرسول الله ﷺ وهذا لا يجوز، وقالوا: إن محمدًا أحبها وهي تحت زيد، فأمر ﷺ زيدًا أن يطلقها ليتزوجها، وهذا كذب وضحناه قبل٢ ورد الله عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٣.
وانتهز المنافقون خروج المسلمين إلى بني المصطلق فخرجوا معهم في أعداد كبيرة، وتظاهروا بانصهارهم في الصف الإسلامي، وأخذوا يتحينون الفرصة لتحقيق ما خرجوا له.
يقول المقريزي: وبينما المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل "سنان بن وبر الجهني" حليف الأنصار ومعه فتيان من بني سالم يستقون، وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار فأدلى دلوه، وأدلى "جهجاة بن مسعود" أجير عمر بن الخطاب ﵁ دلوه،
стр. 494
فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانًا فسال دم سنان فنادى: يا للخزرج، وثارت الرجال، فهرب جهجاه إلى قومه وجعل ينادي في العسكر: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه.
وانتهز عبد الله بن أبي الموقف وكان جالسًا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما رأيت كاليوم مذلة، والله إني كنت لكارهًا لوجهي هذا ولكن قومي قد غلبوني قد فعلوها، قد نافرونا، وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلاليب قريش هذه إلا كما قال القائل "سمن كلبك يأكلك" والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفًا يهتف بما هتف به جهجاه، وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير "والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ثم أقبل ابن أبي على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وأنزلتموهم منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضًا للمنايا فقتلتم دونهم، فأيتمتم أولادكم، وقللتم عددكم وكثروا١.
أخبر زيد بن أرقم رسول الله بما رأى وسمع فتغير وجه رسول الله واستوثق منه وأبى على أصحابه قتل ابن أبي حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.
وجاء ابن أبي ينفي صدور ما ذكر عنه فنزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وقطعًا لهذه الفتنة، ومنعًا للخوض فيها بادر رسول الله ﷺ بالعودة إلى المدينة أثناء الحر الشديد، وكان ﷺ لا يروح حتى يبرد الجو.
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي ﵁ لرسول الله ﷺ وقال له: إن كنت تريد أن
стр. 495
تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري فيقتله فتدعوني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي فأقتله فأدخل النار وعفوك أفضل، ومنك أعظم.
فقال رسول الله ﷺ : "ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا".
فقال عبد الله: إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه، فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورًا قد غلب الله عليها١.
وانتهز المنافقون حادثة أخرى وقعت حين رجوع المسلمين من المريسيع هي "حادثة الإفك" التي ظهرت بين المسلمين فتلقفها ابن أبي، وتولى كبر إذاعتها ونشرها وكما أخزاه الله تعالى بنزول القرآن الكريم في تأكيد كذبه في المرة الأولى أخزاه مرة أخرى بنزول براءة السيدة عائشة ﵂ من فوق سبع سماوات٢.
وسجل القرآن الكريم هذين الموقفين ليعلم المؤمنون طبائع المنافقين، وليأخذوا حذرهم الدائم منهم.
وزاد الله خزي المنافقين مرة أخرى، فإنه لما نزل المسلمون عند ماء يقال له "بقعاء" أخذتهم ريح شديدة، استمرت إلى أن زالت الشمس ثم هدأت، وخاف المسلمون أن تكون هذه الريح لمواجهة "عيينة بن حصن" ظنًا منهم أن يهاجم ظهورهم في المدينة، فقال لهم ﷺ : "ليس عليكم بأس منها فما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق". وهو "رفاعة بن زيد بن التابوت" وكانت هذه الريح أيضًا بالمدينة حتى دفن عدو الله فسكت.
وقال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبي: مات خليلك.
قال: أي أخلائي.
стр. 496
قال: من موته فتح للإسلام وأهله، رفاعة بن زيد بن التابوت.
قال: يا ويلاه، كان والله وكان وكان، وجعل يذكر.
فقال له عبادة: اعتصمت والله بالذنب الأبتر.
قال: من خبرك يا أبا الوليد بموته؟
قال: رسول الله أخبرنا الساعة، أنه مات هذه الساعة، فأسقط في يديه، وانصرف كئيبًا حزينًا، فلما دخلوا المدينة وجدوا عدو الله مات في تلك الساعة١.
وهكذا انتهت مؤامرات المنافقين في المدينة كما انتهت ألاعيب اليهود.
стр. 497
عاشرًا: السرايا بعد غزوة بني المصطلق
واصل النبي ﷺ إرسال السرايا بعد غزوة بني المصطلق تأمينًا للحركة داخل الجزيرة العربية، وإرهاب الفلول المتناثرة التي تتحرك بتأثير اليهود والمنافقين. وأهم هذه السرايا ما يلي:
أ- سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى ديار بني كلب في دومة الجندل في شعبان سنة ست للهجرة لدعوتهم إلى الإسلام بسبب إظهارهم العداوة لرسول الله ﷺ ، وصد الناس عن الإسلام وقد أسلم فريق منهم، وتزوج عبد الرحمن بن عوف ﵁ تماضر بنت الأصبع بعد أن أذن له رسول الله ﷺ .
ب- سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان من نفس السنة ومعه مائة صحابي وسببها أن بني سعد حاولوا إمداد اليهود بالمؤن والسلاح على أن يأخذوا منهم بعض تمر خيبر.
ج- سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين في شوال سنة ست، وسببها أن رهطًا من عكل، وعرينة أظهروا الإسلام وأقاموا بالمدينة فمرضوا فبعثهم رسول الله ﷺ مع الرعاة لرعي الإبل، فلما صحوا قتلوا الراعي، وأخذوا الإبل، فأرسل الرسول ﷺ كرز بن جابر في عشرين من الصحابة حتى أدركوهم، وأحضروهم إلى المدينة فأقام عليهم رسول الله ﷺ حد الحرابة، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، جزاء وفاقًا على عداوتهم، وعدوانهم وقتلهم الراعي، وأخذهم الإبل١.
стр. 498
حادي عشر: حركة الدعوة خلال المرحلة ما بين الأحزاب، والحديبية
أخذت الحركة بالإسلام بعد الأحزاب تنشط وتتسع، فوصلت إلى كل قبائل الجزيرة العربية، لأنهم جميعًا تأثروا بهزيمة الأحزاب، وشعروا بضعف وضعهم فأخذوا يعملون بعصبية يملكهم الخوف، ويسيطر عليهم الفزع, وقد رأيناهم يتآمرون ولا يصمدون يتعاونون ويتفرقون، يقتلون ولا ينتظرون, فكان لا بد من مواجهتهم، والذهاب إليهم ليثوبوا لرشدهم, ويعرفوا حجمهم وقوتهم، ويبتعدوا عن العدوان والفساد، ويلتزموا بمراعاة حق الآخرين، ويبتعدوا عن همجيتهم السابقة.
وتعد سرايا ما بعد الأحزاب حملات تطهير للفساد الموجود في الجزيرة العربية، وتخلص من عدوان الطغاة، وإسكات صوت البغي وقهر العدوان قبل ظهوره.
وقد أدت هذه الغزوات والسرايا دورها، وقامت بتحقيق الهدف منها.
صحيح أن القبائل لم تدخل في الإسلام، لكن الحركة صارت آمنة، وأصبح صوت الإسلام عاليًا، وأخذ الناس يشعرون بحرية القول، وحرية الاستماع، وحرية التفكير، وحرية اتخاذ القرار، وهذا هو المطلوب فقط.
في هذه المدة تزوج النبي ﷺ أربعًا من زوجاته هن:
١- زينب بنت جحش ﵂ تزوجها ليبطل عادة العرب في نكاح زوجة الابن المتبنى بعد طلاقها.
٢- أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ لتعويضها بعد فراق زوجها، ولتطيب نفس أبيها وقومها، ومما يدل على وقع زواج النبي ﷺ من أم حبيبة ﵂ على أبي سفيان أن أبا سفيان بعد إسلامه عرض على النبي ﷺ أن يزوجه أختها لسروره بذلك فعرفه النبي ﷺ حرمة الجمع بين الأختين، وقد أشار الله تعالى إلى هذا الأثر في قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ
стр. 499
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
٣- جويرية بنت الحارث ﵂ من بني المصطلق وكانت خيرًا على أهلها جميعًا حيث صاروا أحرارًا بسببها.
٤- صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ بنت زعيم يهود بني قريظة لتأكيد صلة المسلمين بأهل الكتاب، ولبيان ما في الإسلام من خير للجمع.
ومن هذا الباب دخوله ﷺ بـ"ريحانة بنت زيد" القرظية، وزواجه من مارية القبطية أم ولده إبراهيم ﵁.
وفيما فعله النبي ﷺ درس للدعاة من بعده ﷺ ليوسعوا صدورهم في تقبل الآخر، وعدم الانغلاق على الذات، والنظر إلى غير المسلمين على أساس أنهم أرض خصبة لانتشار الإسلام، وعليهم أن يحسنوا فهم الإسلام، وأن يحسنوا عرضه بمنهج رسول الله ﷺ .
وخلال هذه المرحلة تعلم المسلمون من وحي الله، ومن عمل رسول الله ﷺ الأحكام التالية:
- ضرورة قضاء الصلاة إن فات وقتها مرتبة بأذان واحد وإقامة لكل صلاة كما فعل رسول الله ﷺ في قضاء ما فات المسلمين من صلاة يوم الخندق حيث صلاها في ديار بني قريظة.
- تعلموا أحكام صلاة الخوف، وأدوها خلف رسول الله ﷺ وعلموا كيفيتها، وشروطها، وكل ما يتعلق بها من أحكام، وقد صلاها النبي وأصحابه عند "ذي قرد" في غزوة الغابة.
- أدوا صلاة القصر في سراياهم وغزواتهم البعيدة كما تعلموها من رسول الله ﷺ .
- نزلت آية التيمم حين رجوع المسلمين من بني المصطلق لأن رسول الله ﷺ لما افتقد عائشة ﵂، ونزل منزلا شحيح الماء ضجر الناس فنزلت آية التيمم بعد طلوع الفجر٢ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
стр. 500
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١.
- تعلم الصحابة الجمع بين الصلاتين أثناء السفر جمع تقديم، أو جمع تأخير.
- حمى رسول الله ﷺ النقيع لفقراء المدينة لما فيه من سعة وكلأ، وقد أمر رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ يحفر بئر فيه، وبتجديد جهاته الأربع بمدى وصول صوت المؤذن.
- أقام النبي ﷺ حد الحرابة على هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام وغدروا بالمسلمين فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل٢ بعد نزول قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
وقد أقيم الحد فقطعت الأيدي والأرجل من خلاف فلم تثمل عين، ولم تحدث مثلة ولم يقطع لسان.
وفرض الحج في هذه المدة على قول.
وبرغم قصر المدة بين الأحزاب، والحديبية، وشغلها بالسرايا والغزوات العديدة، فإنها لم تخل من تعليم النبي ﷺ لأصحابه وتوجيههم إلى مكارم الأخلاق، ومعالي الأمور ومن ذلك:
- أمرهم بالمحافظة على الصلاة في وقتها، وحين سأله رجل من بني عبد القيس خلال معركة المريسيع عن أحب الأعمال إلى الله.
стр. 501
قال له ﷺ : "الصلاة في أول الوقت".
- أمر رسول الله ﷺ أصحابه بدعاء الله تعالى في الحضر والسفر، وعلمهم دعاء السفر الذي سبق ذكره.
- وجههم إلى أن المسلمين إخوة، وأنهم يد على من سواهم، وهم جميعًا يجيرون من أجاره أحدهم، فلقد أجاروا جميعًا أبا العاص بن الربيع بعدما أجارته زينب ﵂.
- أباح ﷺ للمحارب الزواج أثناء الغزوة كما تزوج عبد الرحمن بن عوف لما في الزواج من فوائد عديدة للرجل، وللدعوة وللأمة كلها.
- نهى ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا إذا عاد من سفر، ذلك أن عبد الله بن رواحة طرق أهله فإذا مع امرأته إنسان، فظن أنه رجل فرفع سيفه يريد أن يضربهما ثم فكر وادكر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت وصاحت.
فقال: أنا عبد الله، فمن هذا؟
قالت: رحيلة, سمعنا بقدومكم، فدعوتها تمشطني فباتت عندي، فبات وأصبح فرجع يلقى رسول الله ﷺ وهو سائر بين أبي بكر الصديق، وبشير بن سعد ﵁ فالتفت ﷺ إلى بشير فقال: يا أبا النعمان، إن وجه عبد الله ليخبرك أنه كره طروق أهله فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ : "خبرك يابن رواحة". فأخبره فقال ﷺ : "لا تطرقوا النساء ليلا". فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
- عاش رسول الله ﷺ أثناء غزواته حياته العادية، فكان يصطحب زوجاته، وكان يلاعبهم، ويسابقهم، وكثيرًا ما سبق عائشة وكان ﷺ يداعبها ويتلطف معها، حدث أن المسلمين أخذوا خوات بن جبير أسيرًا إلى رسول الله ﷺ فأبقاه الرسول عند عائشة وقال لها: احتفظي بهذا الأسير فلهت عنه فهرب, فلما جاء النبي ﷺ قال لها: "أين الأسير"؟.
قالت: غفلت عنه فخرج.
стр. 502
فقال ﷺ : "قطع الله يدك".
ودخل رسول الله ﷺ على عائشة فوجدها تقلب يدها، وتنظر إليها.
فقال لها: "ما لك"؟.
فقالت: أنظر كيف تقطع يدي.
فقال ﷺ : "اللهم إنما أنا بشر أغضب وآسف، كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه بدعوة فاجعلها له رحمة".
وفي وسط الجو المليء بالأعمال والآمال اهتم المسلمون بكل ما ينزل من الوحي فحفظوا القرآن الكريم ودرسوا السنة، واعتنوا بتربية أبنائهم وبناتهم على منهج الله تعالى وبذلك كانت الحركة الجادة بالإسلام شاملة للداخل والخارج في انسجام وتكامل, ولم يحدث تقصير ما في نصح وتوجيه، أو يقع خلل في عمل وسلوك, وإنما كان المجتمع الإسلامي يشبه خلية النحل كل ما فيه يؤدي واجبه على الوجه المطلوب.
وهكذا:
كانت السرايا والغزوات مدرسة لتخريج الرجال، وتعليم الإسلام وتطبيق أحكام الإسلام، ودعوة إلى الله تعالى١.
стр. 503
المبحث العاشر: غزوة الحديبية
مدخل
...
المبحث العاشر: غزوة الحديبية
أدت الغزوات، والسرايا العديدة التي وقعت بعد الأحزاب إلى لجوء القبائل إلى السكون، والانكفاء على الذات، وترك ما كان الشيطان يزينه لهم لمهاجمة المسلمين، والعمل للقضاء على محمد ﷺ وصحبه وعلموا أنه لا قبل لهم في تنفيذ ما أملوا فيه؛ ولذلك بدأت مرحلة جديدة للحركة بدعوة الله تعالى وهي مرحلة العمل خارج الجزيرة العربية وترك القبائل في سكونهم الذين يعيشون فيه، لأنه وسيلتهم للتفكير في الإسلام ومحمد ﷺ هو طريقهم إلى اعتناق الإسلام.
في هذا الجو حدثت "غزوة الحديبية"١.
والحديبية مكان قريب من مكة يقع في شمالها بمقدار ثلاثين ميلا تقريبًا، وهي قرية متوسطة سميت باسم بئر فيها، وفيها مسجد الشجرة، وبعضها في الحل وبعضها في الحرم عند الجمهور٢.
وتسميتها بـ"الغزوة" هو من قبيل المجاز؛ لأن المسلمين لم يخرجوا من المدينة للقتال، وإنما خرجوا يريدون العمرة، كما وعدهم رسول الله ﷺ ولذلك ساقوا الهدي أمامهم، ولبسوا إحرامهم، ولم يأخذوا سلاحهم، وما أخذوه من سويف وضعوه في أغمادها وشبه الحديبية بالغزوة ينحصر فقط في قيادة رسول الله ﷺ وخروجه معهم.
وأكثر العلماء يرون أن الحديبية كانت في العام السادس من الهجرة وهو قول الزهري وقتادة, وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وابن كثير وغيرهم٣.
والحديث عن غزوة الحديبية يحتاج إلى دراسة النقاط التالية:
стр. 504
أولا: سبب الغزوة
رأى رسول الله ﷺ أنه دخل وأصحابه مكة معتمرين فدخلوا البيت، وأدوا عمرتهم، وحلقوا وقصروا رءوسهم، ورأى أنه أخذ مفتاح الكعبة ودخلها، ووقف بعرفة١، فلما أخبر أصحابه بما رأى سروا وفرحوا لأنهم يعلمون أن رؤيا رسول الله ﷺ وحي لا يكذب، فأخذوا يستعدون لهذه الرحلة المحبوبة، حيث بها يعبدون ربهم، ويرون موطنهم، ويقابلون أهليهم، عسى أن يهديهم الله تعالى.
وأخذ رسول الله ﷺ يعد العدة لأداء العمرة، فلما جاءه "بسر بن سفيان بن عمرو الكعبي الخزاعي" مسلمًا في شهر شوال سنة ست هجرية, قال له ﷺ : "يا بسر لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنا إن شاء الله معتمرون" ٢.
فأقام بسر بالمدينة وأخذ يشتري البدن لرسول الله ﷺ ويضعها في "ذي جدر"٣ ترعى حتى يحين موعد سوقها للهدي.
وقد سر المسلمون لبدء حركتهم لدخول مكة لما في ذلك من أثر معنوي وهم يدخلون مكة بعدما طردوا منها، وشعورهم بالنصر أمام الجميع، وإظهار الإسلام لمن يحضر مكة في الموسم على أساس حقيقته القائمة على تحقيق السلام، ونشر العدل، وصيانة حرية الإنسان في الاعتقاد، والعمل, ولذلك بشر رسول الله أصحابه برؤياه.
стр. 505
ثانيًا: التحرك للعمرة
استخلف رسول الله ﷺ على المدينة "عبد الله بن أم مكتوم" ونادى أصحابه للخروج لأداء العمرة، واستنفر العرب وأهل البوادي ليخرجوا معه، وأمر بالبدن فأخذت إلى "ذي الحليفة"١ وتجهز الجميع لأداء العمرة، إلا أن كثيرًا من الأعراب أبطئوا في الخروج معتذرين بعلل واهية٢.
وخرج المسلمون في يوم الاثنين أول ذي القعدة عام ست للهجرة وبلغ عددهم ألفًا وأربعمائة في أصح الأقوال٣, ومعهم أربع نسوة هن أم سلمة، وأم عمارة وأم منيع أسماء بنت عمر، وأم عامر الأشهلية٤، وليس معهم سلاح فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ألم تخش علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال ﷺ : "ما أدري ولست أحب أن أحمل السلاح معتمرًا".
وقال سعد بن عبادة: لو حملنا يا رسول الله السلاح معنا، فإن رأينا من القوم ريبًا كنا معدين لهم.
فقال ﷺ : "لست أحمل السلاح، إنما خرجت معتمرًا" ٥
ونوى المسلمون السفر إلى مكة فدخلوا المسجد النبوي، وصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم أحرم، وركب راحلته، وأخذ يلبي بأربع كلمات هي: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". وأحرم عامة المسلمين بإحرامه ﷺ ومنهم من أخر إحرامه فأحرم من ذي الحليفة وهي ميقات أهل المدينة٦.
وقلد المسلمون الهدي بذي الحليفة، وأحرم من لم يحرم بالعمرة، وأشعروا البدن وبعث رسول الله ﷺ عينًا من خزاعة ليأتيه بخبر أهل مكة، حتى كان بعسفان جاءه من أخبره بموقف قريش٧.
أتاه "بسر بن سفيان الكعبي" وكان قد سبق بالهدي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا ومعهم "العوذ المطافيل"٨ قد لبسوا جلود
стр. 506
النمور، وقد نزلوا بذي طوى١ يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم٢.
ثم قال: "من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم الذي هم فيه" ٣.
قال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله.
فسلك الرجل بالمسلمين طريقًا وعرًا بين شعاب ملتوية، فساروا فيه محتملين المشاق، والصعاب حتى وصلوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، وعندها أمر رسول الله ﷺ الناس فقال: "اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق يوصلنا إلى ثنية المرار -مهبط الحديبية- من أسفل مكة". فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ حتى وصل المسلمون إلى ثنية المرار، وعندها بركت ناقته ﷺ فقال الناس: خلأت.
فقال ﷺ : "ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" ٤.
ثم قال للناس: "انزلوا".
قيل له: يا رسول الله ﷺ ما بالوادي ماء ينزل عليه.
فأخرج سهمًا من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن، وعسكر المسلمون في الحديبية منتظرين أن يأذن رسول الله ﷺ لهم لأداء العمرة٥.
стр. 507
ثالثًا: المفاوضات مع قريش
بعد استقرار رسول الله ﷺ وأصحابه في الحديبية، وإشارته ﷺ إلى تمني أن يخلي أهل مكة بينه وبين سائر العرب، جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه في مبادرة منه نصحًا لرسول الله ﷺ وقال: إني تركت كعب بن لؤي ومعه نفر من قريش نزلوا عند مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.
قال رسول الله ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم ١ ويخلوا ما بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فهو خير، وإلا قد جموا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره" ٢.
قال بديل: سأبلغهم ما تقول.
وانطلق حتى أتى قريشًا وقال لهم: إني قد جئتكم من عند الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء.
وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته.
قال: سمعته يقول كذا كذا وحدثهم بما سمعه من رسول الله.
فلما انتهى بديل من مقالته لقريش.
قال عروة بن مسعود: إن بديلا جاءكم بخطة رشد لا يردها أحد إلا أخذ شرًا منها فاقبلوها منه، وابعثوني حتى آتيكم بمصداقيتها، وأكون لكم عينا٣ ألستم الولد وأنا الوالد؟
قالوا: بلى!
قال: هل تتهموني؟
قالوا: لا.
ورأى القرشيون أن يبعثوا لرسول الله ﷺ رجلا منهم لإيجاد حل يمنع المسلمين من الدخول هذا العام، وحتى لا يقع قتال في الشهر الحرام، وحتى لا يتحدث الناس أن أهل
стр. 508
مكة يصدون عن البيت من يقصده معتمرًا أو حاجًا، ولذلك تعددت بعوثهم إلى رسول الله ﷺ وهي:
البعث الأول:
أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، ليعرف غاية رسول الله ﷺ ويأتي القوم بخبر المسلمين، فذهب عروة إلى المسلمين، وقال: يا محمد إني تركت قومك على إعداد وأعداد عند ماء الحديبية قد استنفروا لك، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: إما أن تجتاح قومك، فلم نسمع برجل اجتاح أصله قبلك، أو بين أن يخذلك من نرى معك.
فلما فرغ عروة من كلامه، ورد رسول الله ﷺ كما قال لبديل بن ورقاء عاد إلى قريش فقال، يا قوم قد وفدت على كسرى، وهرقل، والنجاشي، وإني والله ما رأيت ملكًا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يحدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قومًا لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، والله لقد رأيت نسوة معه، إن كن ليسلمنه أبدًا على حال، فروا رأيكم، وقد عرض عليكم خطة، فاقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه، رجل أتى هذا البيت معظمًا له مع الهدي ينحره وينصرف فقالوا: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور، ولو غيرك تكلم بهذا، ولكن نرده في عامنا هذا ويرجع إلى قابل١.
البعث الثاني:
ثم أرسلوا بعد ذلك مكرز بن حفص، فلما رآه الرسول ﷺ قال: "هذا رجل غادر". وكلمه بمثل ما كلم أصحابه الذين جاءوا قبله، فعاد للمكيين، وأخبرهم بما سمع٢.
البعث الثالث:
ورأت قريش أن ترسل للرسول رجلا ليس من قريش ليظهروا قوتهم وأعوانهم، فأرسلت الحليس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش ورأسهم.
стр. 509
فلما رآه النبي ﷺ قال: هذا من قوم يعظمون الهدي، ابعثوا الهدي في وجهه فبعثوها ترعى وهي معلمة، ومشعرة فلما رأى الحليس الهدي يسيل في الوادي، عليه القلائد، واستقبله القوم وهم يلبون، فلما رآهم تفلوا وشعثوا رجع، ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال لقريش: إني قد رأيت ما لا يحل صده، رأيت الهدي معكوفًا عن محله، والرجال قد تفلوا وشعثوا يريدون أن يطوفوا بهذا البيت، أما والله ما على هذا خالفناكم، ولا عاقدناكم على أن تصدوا عن بيت الله من جاء له معظمًا لحرمته، مؤديًا لحقه، والهدي معكوفًا أن يبلغ محله، والذي نفسي بيده، لتخلن بينه وبين ما جاء به أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد.
قالوا: كل ما رأيت مكيدة من محمد وأصحابه فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا بعض ما نرضى به١.
وهدأ المعسكر القرشي بعد ذلك، وتباطأ القرشيون في إرسال أحد بعد ذلك وأخذوا يتشاورون لاختيار حل للموقف الموجود، وليحققوا ضغوطًا نفسية على المسلمين تؤدي إلى انسحابهم، ورجوعهم عن مكة هذا العام.
رأى رسول الله ﷺ هدوءًا وصمتًا في الجبهة القرشية فأخذ زمام المبادرة، وأرسل إليهم من قبله من يخبرهم أنه جاء معتمرًا لا غازيًا، وأن البيت بيت الله لا يصد عنه من يقصده فأرسل أولا خراش بن أمية الخزاعي، فعقروا الجمل الذي كان يركبه، وأرادوا قتله فمنعه قومه، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ بما حدث معه فواصل الرسول ﷺ بعوثه إليهم، وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب ﵁، فخاف عمر وأشار إلى عثمان بما له في قومه من مودة وصلة فبعث الرسول عثمان فمنعه القرشيون من دخول مكة، فأجاره سعيد بن العاص، وحمله إلى مكة والتقى بالقرشيين، وأخبرهم أن المسلمين لم يأتوا لقتال، وإنما جاءوا معتمرين يسوقون الهدي، ويعظمون البيت فرفضوا السماح بدخول المسلمين وأشاعوا أنهم قتلوا عثمان ﵁، وحبسوا أخباره عن المسلمين٢.
وانقطعت أخبار عثمان عن المسلمين وبقي في مكة مدة تمكن فيها من الاتصال
стр. 510
بالمسلمين، يقول عثمان ﵁: ثم كنت أدخل على قوم مؤمنين من رجال ونساء مستضعفين فأقول لهم: إن رسول الله ﷺ يبشركم بالفتح فقد كنت أرى الرجل منهم والمرأة تنتحب حتى أظن أنه يموت فرحًا بما خبرته، فيسأل عن رسول الله ﷺ فيخفي المسألة، ويشتد ذلك على أنفسهم، ويقولون: اقرأ على رسول الله منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر أن يدخله بطن مكة.
وشعر المسلمون أن قريشًا بقتلهم عثمان اعتدوا عليهم في الأشهر الحرم، فاستعدوا لقتالهم، وأم رسول الله ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية فجلس في رحالهم ثم قال: "إن الله أمرني بالبيعة". فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا، فما بقي لهم متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل، وماتت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها، وشدت سكينًا في وسطها.
وكان رسول الله ﷺ يبايع الناس، وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده، فبايعهم على ألا يفروا.
وكان أول من بايع سنان بن وهب بن محصن، وقال: يا رسول الله، أبايعك على ما في نفسك، فكان رسول الله ﷺ يبايع الناس على بيعة سنان فبايعوه١.
وكان رسول الله ﷺ يبايع أصحابه وهو واقف تحت شجرة، ولذلك سميت البيعة "بيعة الشجرة" وفيها يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢.
والحقيقة أن قريشًا لم تقتل عثمان ﵁ وإنما أشاعت ذلك لتخذيل المسلمين وصرفهم عن دخول مكة.
وقد حدث والمسلمون في الحديبية أن بعثت قريش خمسين رجلا بقيادة مكرز بن حفص ليصيبوا المسلمين على غرة، وكان رسول الله قد نظم حراسة المعسكر الإسلامي، وجعله في ثلاثة من الصحابة هم أويس بن خولي، وعباد بن يشر، ومحمد بن مسلمة،
стр. 511
فلما أرسلت قريش مكرز بن حفص في خمسين رجلا منهم لينالوا من المسلمين غرة تحقق لهم بعض ما يريدون، ظفر بهم محمد بن مسلمة، وجاء بهم إلى رسول الله ﷺ بوضعهم في الأسر، فجاء بعض القرشيين لتخليصهم بالقوة فتمكن المسلمون منهم وأسروا منهم اثني عشر فارسًا، وبذلك بلغ عدد أسرى قريش عند المسلمين اثنين وستين أسيرًا١, وحدث أن عشرة من المسلمين دخلوا مكة لزيارة البيت ورؤية أقربائهم بإذن من رسول الله ﷺ فحبسهم القرشيون، وبذلك بلغ ما عند قريش من أسرى المسلمين أحد عشر رجلا وهم هؤلاء العشرة وعثمان بن عفان ﵁.
стр. 512
رابعًا: الصلح
رأى القرشيون أن إطالة الأمر يسيء إليهم عند العرب الذين جاءوا مكة للحج والعمرة فأرسلوا رجالهم للصلح مع رسول الله ﷺ ، وهم سهيل بن عمرو، وحويطب, ومكرز، وجلس الثلاثة مع رسول الله ﷺ ، فقال سهيل: يا محمد، إن هذا الذي كان من حبس أصحابك، وما كان من قتال من قاتلك، لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة والذين أسرت آخر مرة.
قال ﷺ : "إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي".
قال سهيل: أنصفتنا، فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بالشتم بن عبد مناف التيمي فبعثوا بمن كان عندهم، وهم: عثمان، وعشرة من المهاجرين.
وأطلق رسول الله ﷺ سراح من كانوا عنده من الأسرى وأرسلهم إلى مكة١.
وبعد ذلك أخذوا في مناقشة الموضوع من كافة جوانبه، وأطالوا الكلام والمراجعة ثم اتفقوا على الصلح القائم على البنود التالية:
стр. 513
الديباجة:
باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على ما يلي:
بنود الصلح:
١- وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبة مكفوفة١.
٢- وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش، وعقدها فعل.
٣- وأنه من أتى محمدًا بغير إذن قريش رده محمد إليهم، وأنه من أتى قريشًا من أصحاب محمد بغير إذن محمد لم يردوه.
٤- أن يرجع محمد ومن معه عامهم هذا على أن يدخل مكة في العام القادم فيقيم بمكة ثلاثًا بعد أن يخليها المكيون لهم.
٥- أن يدخل محمد وصحبه مكة في العام القادم بلا سلاح إلا سلاح المسافر والسيوف توضع في القرب.
وكتب وثيقة الصلح علي بن أبي طالب ﵁ ووقع عليها رسول الله ﷺ ، وسهيل بن عمرو وشهد عليها من المسلمين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة, ومن المشركين: حويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأحيف.
وكتبت الوثيقة من نسختين احتفظ رسول الله ﷺ بواحدة وأعطى سهيلا الأخرى٢.
стр. 514
خامسًا: موقف المسلمين من الصلح
لم يتوقع المسلمون الصلح بهذه السرعة ولم يتصوروا رجوعهم إلى المدينة بلا عمرة، لأنهم خرجوا من المدينة لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله ﷺ . ولم يتصوروا أبدًا مقدرة المكيين على منعهم من أداء العمرة.
وقد قدموا للعمرة مستعدين للموت في سبيل الله تعالى، ولذلك بايعوا رسول الله ﷺ على الموت تحت الشجرة، وقد مدحهم الله لإخلاص قلوبهم، وصدقهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
فلما تم الصلح داخل المسلمين أمر عظيم، وتصوروه ضعفًا، ودنية في الدين لا تجوز، وكادوا يهلكون لولا أنهم عند العمل أطاعوا وعملوا كعمل رسول الله ﷺ .
ذلك أنه لما تم الصلح، ولم يبق إلا إمضاء الكتاب، وثب عمر بن الخطاب وقال: يا رسول الله! ألسنا بالمسلمين؟
قال رسول الله ﷺ : "بلى".
فقال عمر: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟
فقال رسول الله ﷺ : "أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولم يضيعني".
فذهب عمر إلى أبي بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا بالمسلمين؟
قال أبو بكر: بلى.
قال عمر: فلم نعط الدنية في ديننا؟
فقال أبو بكر: الزم غرزك، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله، ولن يضيعه.
ولقي عمر ﵁ في هذه القضية أمرًا كبيرًا، وجعل يردد على رسول الله ﷺ تساؤله والرسول يرد عليه، ويقول: "أنا رسول الله ولن يضيعني".
فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: ألا تسمع يابن الخطاب ما يقول رسول الله ﷺ يقول: "تعوذ بالله من الشيطان، واتهم رأيك، فجعل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم
стр. 515
حينًا وحينًا آخر يقول: يا رسول الله! ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن؟
فقال ﷺ : "أقلت لكم في سفركم هذا"؟.
قال عمر: لا.
فقال ﷺ : "أما أنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورءوسكم ببطن مكة، وأعرف مع المعرفين يا عمر! أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟
أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا"؟.
والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله، يا نبي الله! ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا١.
وكان منطق عمر هو رأي أغلب المسلمين؛ لأنهم نظروا إلى كتابة الصلح وبنوده نظرة معينة.
فلقد ساءهم أن يعترض سهيل على ديباجة الصلح التي أملاها رسول الله ﷺ لعلي ﵁ وهو يكتب حيث قال له ﷺ : "اكتب باسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ ". فرد سهيل بتغيير ذلك إلى باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. لأن قريشًا لا تؤمن بالله الرحمن الرحيم, ولا تصدق بأن محمدًا رسول الله فنزل رسول الله ﷺ على ما رأى سهيل, وقال لعلي ﵁: "اكتبه".
وأيضًا فلقد تصور الصحابة أن الشروط تعطي لقريش مزايا لا تصح، وتحرم المسلمين منها في نفس الوقت، وتساءلوا عن سبب منع المسلمين من القدوم للمدينة إذا تركوا مكة وفي نفس الوقت تسمح لمن يكفر أن يذهب إلى قريش في مكة ويترك المدينة، وغضبوا من
стр. 516
ردهم هذا العام عن العمرة على أن يؤدوها في العام القادم, وتصوروا ذلك دنية في الدين لا يجوز قبولها.
ولو تدبر المسلمون في الأمر لعلموا أن ما اتفق عليه رسول الله ﷺ هو الحق وهو النصر.
لأن الديباجة التي كتبت من المسلمات التي لا تعارض حكمًا إسلاميًا، والزيادة التي حذفت لا تفيد أهل مكة، ولا تضيف جديدًا للمسلمين، ولا ضرر في ترك كتابتها فهي جزء من العقيدة ثابتة في القلوب.
وأيضًا فإن عقد الهدنة عشر سنوات يفتح الباب للإسلام، ويجمع الناس حوله. وكذلك فإن المسلمين الذين يرتدون عن الإسلام وهم في المدينة خير للمسلمين أن يرحلوا منها حتى لا يكونوا عينا عليهم، ويصيروا قوة لأعداء المسلمين يخذل ويعبث.
أما المسلمون في مكة فإن بقاءهم فيها دعوة عملية، وحركة لله في مكة، وبخاصة أن الصلح ينص على حريته في الاختيار، كما أن بقاء المسلمين في مكة اختبار عملي لصدق أهل مكة في تطبيق بنود الصلح.
وأيضًا فإن تأجيل أداء العمرة هذا العام وأداءها في العام القادم خير لهم من دخول مكة عنوة هذا العام, كما أن في دعوتهم وقبولهم الصلح دليل أمام الناس على أن الإسلام هو دين الأمن والسلام.
وقد زاد من غضب المسلمين ما رأوه من أبي جندل بن سهيل بن عمرو فإنه جاء إلى معسكر المسلمين في الحديبية مسلمًا، بعدما تمكن من الإفلات من قيد أبيه الذي وضعه فيه, وقد جاء بعد كتابة الصلح وقبل توقيعه والإشهاد عليه.
يقول المقريزي: خرج أبو جندل من سجن أبيه، واجتنب الطريق وركب الجبال حتى هبط بالحديبية ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه.
فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقال إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبيبه.
стр. 517
فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟
فزاد المسلمين ذلك شرًا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل.
فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قومًا قط أشد حبًا لمن دخل معهم من أصحاب محمد، أما إني أقول لك: لا تأخذ من محمد نصفًا أبدًا بعد هذا اليوم، حتى يدخلوها عنوة.
فقال مكرز: وأنا أرى ذلك.
وقال سهيل بن عمرو: هذا أول من قاضيتك عليه يا محمد، رده.
فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد".
فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى ترده إليّ فرده عليه، ثم كلمه ﷺ أن يتركه، فأبى سهيل وضرب وجه ابنه بغصن شوك فقال له رسول الله ﷺ : "هبه لي أو أجره من العذاب إن لم نقض الكتاب بعد".
فقال سهيل: والله لا أفعل ولا أصالحك على شيء أبدًا.
فقال ﷺ : "فأجزه لي".
قال: ما أنا بمجيزه لك.
فقال ﷺ : "بلى فافعل".
قال سهيل: ما أنا بفاعل١.
فقال مكرز وحويطب: يا محمد نحن نجيزه لك وأجازاه ... وأما أبو جندب فقد أخذه مكرز وحويطب فأدخلاه فسطاطًا، وأجاراه فكف عنه أبوه.
ثم رفع رسول الله ﷺ صوته فقال: "يا أبا جندل، اصبر، واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدًا، وإنا لا نغدر" ٢.
стр. 518
سادسًا: موقف المسلمين بعد توقيع الصلح
بعد توقيع وثيقة الصلح، وإشهارها بين الناس، دخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ودخلت بكر في عهد قريش، وكان هذا أول اختبار لالتزام الأطراف بالصلح الذي اتفقوا عليه.
رحب رسول الله ﷺ ببني خزاعة، وكره ذلك القرشيون فقال حويطب لسهيل: بادأنا أخوالك بالعداوة، وكانوا يتسترون منا، قد دخلوا في عقد محمد وعهده.
فقال سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمتنا، قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرًا فما نصنع بهم؟
قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر.
قال سهيل: إياك أن تسمع هذا منك بنو بكر، فإنهم أهل شؤم، فيقعوا بخزاعة، فيغضب محمد لحلفائه، فينتقض العهد بيننا وبينه١.
ورجع سهيل وصاحباه إلى قريش.
وفرغ رسول الله ﷺ لأصحابه، وقال لهم: "قوموا فانحروا، واحلقوا". فلم يجبه أحد إلى ذلك، فرددها ثلاث مرات، فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة ﵂ وهو شديد الغضب فاضطجع.
فقالت: ما لك يا رسول الله ﷺ ؟ قالته مرارًا وهو لا يجيبها.
ثم قال: "عجبًا يا أم سلمة، إني قلت للناس انحروا واحلقوا مرارًا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي".
فقالت: يا رسول الله ﷺ انطلق أنت إلى هديك فانحره، فإنهم سيقتدون بك.
فاضطبع بثوبه وخرج، فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعًا صوته: "بسم الله والله أكبر". ونحر.
فتواثب المسلمون إلى الهدي، وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على
стр. 519
بعض وأشرك ﷺ بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، وكان الهدي سبعين بدنة وقيل: مائة بدنة.
وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردوا وجوه البدن، فنحر رسول الله ﷺ بدنه حيث حبسوه وهي في الحديبية.
وشرد جمل أبي جهل من الهدي الذي أعده رسول الله ﷺ وهو يرعى وكان قد قلده وأشعره وكان جميلا نجيبًا مهيرًا فمر من الحديبية حتى انتهى إلى دار أبي جهل بمكة ووقف عنده وخرج في إثره عمرو بن عنمة بن عدي بن نابي السلمي الأنصاري للإتيان به فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه تنفيذًا للصلح وحاول القرشيون شراءه بمائة ناقة فقال رسول الله ﷺ : "لولا أننا سميناه في الهدي فعلنا". ونحره عن سبعة ونحر طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان بدنات ساقوها١.
وكان رسول الله ﷺ مقيمًا في الحل، ويصلي في الحرم وحضره من يسأل من لحوم البدن فقيرًا فأعطاهم من لحومها وجلودها، وأكل المسلمون من هديهم، وأطعموا المساكين، وبعث ﷺ من الهدي بعشرين بدنة لتنحر عند المروة مع رجل من أسلم فنحرها عند المروة، وفرق لحمها.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من نحر البدن، دخل قبة له من أدم حمراء، فيها الحلاق فحلق رأسه، ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: "رحم الله المحلقين"، قيل: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: "رحم الله المحلقين" ثلاثًا. ثم قال: "والمقصرين".
وحلق ناس، وقصر آخرون، وكان الذي حلقه ﷺ خراش بن الفضل الكعبي، فلما حلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله تعالى ريحًا عاصفًا فاحتملت شعورهم فألقتها في الحرم٢.
ثم أذن رسول الله ﷺ بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاءوا وهم صائمون، فنزل رسول الله ﷺ ونزلوا معه فشربوا من ماء المطر، وقام ﷺ فخطبهم ووعظهم فجاء ثلاثة نفر إليه، فجلس اثنان وذهب واحد معرضًا، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 520
"ألا أخبركم خبر الثلاثة".
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "أما واحد فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فتاب فتاب الله عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" ١.
وفهم الصحابة مغزى ما رأوا، وما ذكره رسول الله ﷺ ، وعلموا أنه ثم تربية لهم، وتوجيه لأهمية طاعة رسول الله ﷺ وعدم مراجعته فيما جاء به الوحي.
وأخذ عمر يحادث رسول الله ﷺ خوفًا على نفسه من موقفه يوم الصلح، فسأل رسول الله ﷺ فلم يجبه, ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر! نزرت رسول الله ﷺ ثلاثًا، كل ذلك لا يجيبك.
وحرك ﷺ بعيره حتى تقدم الناس، وخشي عمر أن يكون نزل فيه قرآن، فأخذه ما قرب وما بعد لمراجعته بالحديبية وكراهته القضية, وبينما هو يسير مهمومًا متقدمًا على الناس، إذا منادي رسول الله ﷺ ينادي: يا عمر بن الخطاب فوقع في نفسه ما الله به أعلم ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فسلم، فرد ﷺ وهو مسرور ثم قال: "أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس" ٢. فإذا هو يقرأ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٣.
فأنزل الله في ذلك سورة الفتح، فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول الله حتى توافوا عنده، وهو يقرؤها، ويقال: لما نزل بها جبريل ﵇ قال جبريل: نهنئك يا رسول الله فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون، وكان نزول سورة الفتح بكراع الغميم٤.
стр. 521
سابعًا: عدم رد المؤمنات المهاجرات
لم يفرق الصلح بين الرجال والنساء المسلمات الذين يتركون مكة إلى المدينة وسكت عن حقوق المرأة المهاجرة التي لا بد منها لتوافقها مع طبيعتها وكرامتها.
ومن المعلوم أن رد المؤمنة إلى مكة إذا هاجرت أمر يتعارض مع حكم شرعي، وهو حرمة بقاء المرأة المسلمة تحت عصمة زوج مشرك.
وقد أنزل الله تعالى أمره بعدم إعادة المسلمات المهاجرات إلى أزواجهم المشركين، مع إعطاء المشركين ما أنفقوه في زواجهم, وأحل الله للمؤمنين الزواج بالمهاجرات بعد انقضاء عدتهن، ودفع مهورهن وكان رسول الله ﷺ هو ولي من لا ولي لها.
ومن هذا القبيل أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت شابة صغيرة أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها فتقيم أيامًا بناحية التنعيم، ثم ترجع حتى أجمعت على المسير مهاجرة فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها، فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها فأركبها بعيره، حتى أقدمها المدينة بعد ثماني ليال، فدخلت على أم سلمة ﵂ وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة، وتخوفت أن يردها رسول الله ﷺ ، فلما دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة ﵂ أعلمته بهجرة أم كلثوم ووضحت له أنها تخاف أن يردها رسول الله ﷺ إلى زوجها المشرك في مكة١، فأنزل الله فيها آية المحنة وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
стр. 522
فكان رسول الله ﷺ بعد هذه الآية يرد من جاءه من الرجال، ولا يرد من جاءه من النساء، فلما قدم أخواها الوليد، وعمارة، ابنا عقبة بن أبي معيط وقالا: يا محمد فِ لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه.
فقال ﷺ : "قد نقض الله ذلك، فانصرفا إلى مكة، فأخبرا قريشًا، فلم يبعثوا أحدًا ورضوا بأن تحبس النساء".
ويقال: إن أميمة بنت الأنصاري من بني عمرو بن عوف، كانت تحت حسان بن الدحداح أو ابن الدحداحة وهو يومئذ مشرك، ففرت من زوجها بمكة، وأتت رسول الله ﷺ تريد الإسلام، فهم ﷺ أن يردها إلى زوجها، حتى أنزل الله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فامتحنها ﷺ وعلم إيمانها، فأبقاها في المدينة ثم زوجها رسول الله ﷺ سهل بن حنيف، فولدت له عبد الله بن سهل.
стр. 523
ثامنًا: فراق الكافرات
منع الله تعالى إعادة المسلمات إلى المشركين، وحرم على المسلمين الإبقاء على الزوجات الكافرات، مع المعاملة بالمثل فيما أنفقوا، فلهم أن يأخذوا ما أنفقوا، وعليهم ان يدفعوا للمشركين ما بذلوا.
ولما أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ طلق عمر بن الخطاب امرأتين له هما: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، والأخرى أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعية فتزوجها أبو جهم بن حذيفة، وطلق عياض بن غنم الفهري أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب، فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي، فولدت له عبد الرحمن بن أم الحكم، وكلهم يومئذ مشرك.
ولم يعلم أن امرأة من المسلمين لحقت بالمشركين مع وضوح الحكم، وإعطاء النسوة الحرية في الاختيار.
стр. 524
تاسعًا: أهم ما في الحديبية من حكم
كانت الحديبية مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له، ومفتاحًا، ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا، أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل عليها.
وكانت هذه الهدنة من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان متخفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا.
وحقيقة الأمر أن الصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مستحيلا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله ﷺ ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءوسهم، وهو ﷺ يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١.
وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مثله سبب
فكان ﷺ يرى تلك الشروط عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله ﷺ وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله، واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدوار، وانعكس الأمر، وانقلب العز بالباطل ذلا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزًا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده، ونصرة
стр. 525
رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.
وبسبب صلح الحديبية كانت زيادة الإيمان والإذعان، والانقياد على ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده، وانتظار ما وعدوا به، وشهود منة الله ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسهم، وازدادوا به إيمانًا.
وتأمل كيف وصف لهم سبحانه النصر بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب، وقلقت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانا إلى إيمانهم، ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله، وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسول الله ﷺ كذلك، وهو رسوله ونبيه فالعقد معه عقد مع مرسله، وبيعته بيعته، فمن بايعه، فكأنما بايع الله، ويد الله فوق يده، وإذا كان الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح الله، وقبل يمينه فيد رسول الله ﷺ أولى بهذا من الحجر الأسود، ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجرًا عظيمًا.
ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله: أنه يخذل رسوله وأولياءه، وجنده، ويظفر بهم عدوهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هو أهل أن يعامله به ربه ومولاه.
ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ من الصدق والوفاء، وكمال الانقياد والطاعة، وإيثار الله ورسوله على ما سواه، فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه، والصبر لأمره فتحًا قريبًا، ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر، ومغانمها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر.
стр. 526
ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كف أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا، وهم يكتمون إيمانهم، لم يعلم بهم المسلمون فلو سلطكم عليهم، لأصبتم أولئك بمعرة الجيش، وكان يصيبكم منهم معرة العدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به، وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم؛ لأنها موجب المعرة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميزوا منهم، لعذب أعداءه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر، وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب لوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال، ورسوله بين أظهرهم.
ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم، التي لأجلها صدوا رسوله وعباده عن بيته ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه، وتيقنهم صحة رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره، كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم.
ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية، فكانت السكينة حظ رسوله وحزبه، وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنس يعم كل كلمة يتقى الله بها، وأعلى نوعها كلمة الإخلاص، وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءه وحزبه، وإنما حرمها أعداءه صيانة لها عن غير كفئها، وألزمها من هو أحق بها وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يضيعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحال تخصصه ومواضعه.
ثم أخبر سبحانه، أنه صدق رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين، وأنه سيكون ولا بد، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجال ذلك، والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا، توطئة له وتمهيدًا
стр. 527
ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذه تقوية لقلوبهم، وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بد أن ينجزه فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصر لعدوه، ولا تخلٍّ عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق، ووعده أن يظهره على كل دين سواه.
ثم ذكر سبحانه رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم، إنهم متغلبون طالبو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديهم وسيرتهم، وعدلهم, وعملهم، ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم١.
стр. 528
المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة
مدخل
...
المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة
أتم المسلمون نحر هديهم، وحلقوا رءوسهم، وبدءوا في الرحيل من الحديبية بعد عشرين يومًا مكثوا فيها، وكان الجو شديد الحرارة، والماء لدى المسلمين قليل، فأكرمهم الله تعالى بنزول المطر فشربوا، وارتووا، ونظفوا رحالهم، وملابسهم.
كان صلح الحديبية هو الفتح المبين للإسلام، لأنه حقق ما كان يأمله النبي ﷺ حيث انفتحت السبل أمام الدعوة، وصارت الحركة بالإسلام آمنة، وشعر المسلمون لأول مرة أن القرشيين انكفئوا على مصالحهم، وأخذوا يركزون على تجارتهم بعدما تأكدوا من عجزهم عن محاصرة الإسلام، والقضاء على محمد ﷺ .
وشعرت القبائل العربية، والأعراب أنهم أمام الإسلام وجهًا لوجه، يسمعون دعوته، ويعلمون حقيقته، ويقفون على محاسنه ومزاياه؛ ولذلك وجدناهم لا ينتظرون مجيء الدعاة إليهم، وإنما أخذوا يفدون على رسول الله ﷺ في المدينة المنورة.
وحين ننظر إلى مسرح الأحداث في مجمل الجزيرة العربية نلحظ صورًا متعددة، حيث اتخذ كل فريق موقفًا ارتضاه لنفسه.
ففي جبهة مكة أخذ القرشيون يهتمون بمصالحهم الذاتية بعدما تيقنوا أن الأمر أفلت من أيديهم، واتضح لهم أن تجمع الأحزاب، وتأليب القبائل لا يفيدهم شيئًا, وكان تعاهدهم مع المسلمين على إيقاف الحرب بينهم يوم الحديبية هو عملهم الذي أخذوا يتحركون من خلاله.
أما اليهود في منطقة خيبر وحولها، فقد فوجئوا بانسحاب قريش من المواجهة فبدءوا في تكوين تكتل جديد من بعض القبائل ليعملوا معًا لمحاربة الإسلام والمسلمين.
وأما أغلب القبائل في الجزيرة العربية فقد رأت في الهدنة بين قريش والمسلمين انتصارًا للصمود الإسلامي، وبيانًا واضحًا لما ينادي به المسلمون من حق وصواب؛ ولذلك أخذوا في تفهم الإسلام، ومعرفة حقيقته، وصدقه.
ولم يبق من قبائل الجزيرة إلا عدد قليل منها، لم ترض بالهدوء والأمن فأخذت
стр. 529
توجه إمكاناتها الضعيفة ضد الإسلام والمسلمين.
ووجد المسلمون ورسول الله ﷺ معهم أنهم أمام توجيهات مختلفة لا بد أن يتعاملوا مع كل منها بما يناسبها؛ ولذلك تنوعت أعمال المسلمين، وتضاعفت حركاتهم بدين الله تعالى.
لم يكن صلح الحديبية فرصة يستريح فيها المسلمون من شدة الجهاد، وصعوبة الحركة بدين الله تعالى.
وإنما كان الصلح بداية لجهد شاق، وعمل دءوب عاشه المسلمون جميعًا انتصارًا للحق، وتأييدًا لدين الله تعالى.
لقد بدأ المسلمون في المدينة يتصلون بإخوانهم في مكة، يشدون أزرهم، وينصحونهم بما يحتاجون إليه، ويدلونهم على كثير مما يحتاجون إليه.
وأخذوا كذلك في الذهاب إلى أطراف العالم كله يبلغوه دين الله تعالى، ويحملون رسائل الرسول ﷺ إلى شيوخ القبائل، وملوك العالم، وسلاطين الدنيا.
واستمروا في التصدي لليهود الذين اتخذوا من خيبر منطقة معادية للمسلمين، فأقاموا فيها حصونهم، وجمعوا الناس حولهم، وأخذوا يبثون في قبائل الأطراف التمرد على المسلمين، ويستعدون الرومان وأعوانهم للعمل ضد محمد ودينه.
وقد عاشت المدينة المنورة نشاطًا واسعًا بعد الحديبية.
وفي هذا المبحث سنتناول أهم الأحداث وبخاصة كيفية تعامل المسلمين مع كل الفرقاء على كثرتهم وذلك فيما يلي:
стр. 530
أولا: هدوء جبهة قريش وظهور مفرزة أبي بصير ﵁
تم توقيع الصلح في شهر ذي القعدة، والعرب بقبائلهم، وأعرابهم في مكة يقيمون أسواقهم، ويؤدون منسكهم وفق ما بقي عندهم من علم بدين إبراهيم ﵇.
فشاهدوا ما حدث بين المسلمين وبين قريش، وعلموا بالصلح الذي تم.
لقد كانت قريش تقود الحرب ضد الإسلام والمسلمين، وتجمع حولها المنافقين، واليهود، والأعراب، وكل معارض لظهور دين الله تعالى.
فلما تم صلح الحديبية التزمت قريش به، وتخلت عن كافة أنشطتها المناوئة للإسلام، فانفرط عقد الأحزاب، وخمدت فتن المنافقين، وانحسر خطر اليهود، وتبعثرت القبائل الوثنية في أرجاء الجزيرة العربية، وأخذت قريش تهتم بمصالحها، وتجارتها وبخاصة بعدما أمنت طريق قوافلها.
وأدى هذا الوضع إلى هدوء عام للعواصف القرشية التي كانت تثار ضد الإسلام وأخذ المسلمون يهتمون بتعريف الناس دينهم بالحسنى، ومخاطبة القبائل وإقناعها بالإسلام الأمر الذي أدى إلى دخول الناس في الإسلام بأعداد غفيرة، حتى إن الذين دخلوا في الإسلام في العام ما بين الصلح وعمرة القضاء كانوا أكثر عددًا من الذين أسلموا في المدة من أول البعثة حتى الحديبية.
ولذلك تأكد الصحابة من أن صلح الحديبية هو الفتح الأعظم كما أخبرتهم سورة الفتح.
يروي الزهري: أن صلح الحديبية أعظم فَتْحٍ فُتِحَ في الإسلام.
ويستدل ابن إسحاق على عظمة هذا الفتح بأن عدد الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة والذين خرجوا يوم فتح مكة كانوا عشرة آلاف.
إن صلح الحديبية أظهر الوجه الحقيقي للإسلام، فبدأ الناس يتأملونه؛ ولذلك سارعوا إلى الدخول فيه بعدما انزاحت العقبة الكئود أمام إيصال الحق للناس، واستمر تطبيق بنود الصلح المتفق عليها، ولم يحدث لها تغيير، إلا بعد أن طلب القرشيون تعديل البند الثالث الذي أظهر التطبيق العملي ضرره على قريش بعدما كون أبو بصير ﵁ مفرزته في طريق أهل مكة.
لقد جلبت قريش الشر لنفسها باشتراطها ضرورة إعادة من يسلم من أهل مكة إليها إذا هاجر إلى المدينة، وأثبتت الحوادث أن هذا الشرط أفاد الجبهة الإسلامية