← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثم ذكر سبحانه أنه هو الذي كف أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر المؤمنين بهم، لما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها أنه كان فيهم رجال ونساء قد آمنوا، وهم يكتمون إيمانهم، لم يعلم بهم المسلمون فلو سلطكم عليهم، لأصبتم أولئك بمعرة الجيش، وكان يصيبكم منهم معرة العدوان والإيقاع بمن لا يستحق الإيقاع به، وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء المستضعفين المستخفين بهم؛ لأنها موجب المعرة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو زايلوهم وتميزوا منهم، لعذب أعداءه عذابًا أليمًا في الدنيا، إما بالقتل والأسر، وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب لوجود هؤلاء المؤمنين بين أظهرهم، كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال، ورسوله بين أظهرهم. ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها الجهل والظلم، التي لأجلها صدوا رسوله وعباده عن بيته ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه، وتيقنهم صحة رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره، كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي بقدرتهم وإرادتهم. ثم أخبر سبحانه أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو مقابل لما في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية، فكانت السكينة حظ رسوله وحزبه، وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة التقوى، وهي جنس يعم كل كلمة يتقى الله بها، وأعلى نوعها كلمة الإخلاص، وقد فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، فألزمها الله أولياءه وحزبه، وإنما حرمها أعداءه صيانة لها عن غير كفئها، وألزمها من هو أحق بها وأهلها، فوضعها في موضعها، ولم يضيعها بوضعها في غير أهلها، وهو العليم بمحال تخصصه ومواضعه. ثم أخبر سبحانه، أنه صدق رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين، وأنه سيكون ولا بد، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه علم من مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجال ذلك، والرب تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحًا قريبًا، توطئة له وتمهيدًا

стр. 527

ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذه تقوية لقلوبهم، وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بد أن ينجزه فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصر لعدوه، ولا تخلٍّ عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق، ووعده أن يظهره على كل دين سواه. ثم ذكر سبحانه رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم، إنهم متغلبون طالبو ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديهم وسيرتهم، وعدلهم, وعملهم، ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء، وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم١.

стр. 528

المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة مدخل ... المبحث الحادي عشر: الأحداث بين صلح الحديبية وفتح مكة أتم المسلمون نحر هديهم، وحلقوا رءوسهم، وبدءوا في الرحيل من الحديبية بعد عشرين يومًا مكثوا فيها، وكان الجو شديد الحرارة، والماء لدى المسلمين قليل، فأكرمهم الله تعالى بنزول المطر فشربوا، وارتووا، ونظفوا رحالهم، وملابسهم. كان صلح الحديبية هو الفتح المبين للإسلام، لأنه حقق ما كان يأمله النبي ﷺ حيث انفتحت السبل أمام الدعوة، وصارت الحركة بالإسلام آمنة، وشعر المسلمون لأول مرة أن القرشيين انكفئوا على مصالحهم، وأخذوا يركزون على تجارتهم بعدما تأكدوا من عجزهم عن محاصرة الإسلام، والقضاء على محمد ﷺ . وشعرت القبائل العربية، والأعراب أنهم أمام الإسلام وجهًا لوجه، يسمعون دعوته، ويعلمون حقيقته، ويقفون على محاسنه ومزاياه؛ ولذلك وجدناهم لا ينتظرون مجيء الدعاة إليهم، وإنما أخذوا يفدون على رسول الله ﷺ في المدينة المنورة. وحين ننظر إلى مسرح الأحداث في مجمل الجزيرة العربية نلحظ صورًا متعددة، حيث اتخذ كل فريق موقفًا ارتضاه لنفسه. ففي جبهة مكة أخذ القرشيون يهتمون بمصالحهم الذاتية بعدما تيقنوا أن الأمر أفلت من أيديهم، واتضح لهم أن تجمع الأحزاب، وتأليب القبائل لا يفيدهم شيئًا, وكان تعاهدهم مع المسلمين على إيقاف الحرب بينهم يوم الحديبية هو عملهم الذي أخذوا يتحركون من خلاله. أما اليهود في منطقة خيبر وحولها، فقد فوجئوا بانسحاب قريش من المواجهة فبدءوا في تكوين تكتل جديد من بعض القبائل ليعملوا معًا لمحاربة الإسلام والمسلمين. وأما أغلب القبائل في الجزيرة العربية فقد رأت في الهدنة بين قريش والمسلمين انتصارًا للصمود الإسلامي، وبيانًا واضحًا لما ينادي به المسلمون من حق وصواب؛ ولذلك أخذوا في تفهم الإسلام، ومعرفة حقيقته، وصدقه. ولم يبق من قبائل الجزيرة إلا عدد قليل منها، لم ترض بالهدوء والأمن فأخذت

стр. 529

توجه إمكاناتها الضعيفة ضد الإسلام والمسلمين. ووجد المسلمون ورسول الله ﷺ معهم أنهم أمام توجيهات مختلفة لا بد أن يتعاملوا مع كل منها بما يناسبها؛ ولذلك تنوعت أعمال المسلمين، وتضاعفت حركاتهم بدين الله تعالى. لم يكن صلح الحديبية فرصة يستريح فيها المسلمون من شدة الجهاد، وصعوبة الحركة بدين الله تعالى. وإنما كان الصلح بداية لجهد شاق، وعمل دءوب عاشه المسلمون جميعًا انتصارًا للحق، وتأييدًا لدين الله تعالى. لقد بدأ المسلمون في المدينة يتصلون بإخوانهم في مكة، يشدون أزرهم، وينصحونهم بما يحتاجون إليه، ويدلونهم على كثير مما يحتاجون إليه. وأخذوا كذلك في الذهاب إلى أطراف العالم كله يبلغوه دين الله تعالى، ويحملون رسائل الرسول ﷺ إلى شيوخ القبائل، وملوك العالم، وسلاطين الدنيا. واستمروا في التصدي لليهود الذين اتخذوا من خيبر منطقة معادية للمسلمين، فأقاموا فيها حصونهم، وجمعوا الناس حولهم، وأخذوا يبثون في قبائل الأطراف التمرد على المسلمين، ويستعدون الرومان وأعوانهم للعمل ضد محمد ودينه. وقد عاشت المدينة المنورة نشاطًا واسعًا بعد الحديبية. وفي هذا المبحث سنتناول أهم الأحداث وبخاصة كيفية تعامل المسلمين مع كل الفرقاء على كثرتهم وذلك فيما يلي:

стр. 530

أولا: هدوء جبهة قريش وظهور مفرزة أبي بصير ﵁ تم توقيع الصلح في شهر ذي القعدة، والعرب بقبائلهم، وأعرابهم في مكة يقيمون أسواقهم، ويؤدون منسكهم وفق ما بقي عندهم من علم بدين إبراهيم ﵇. فشاهدوا ما حدث بين المسلمين وبين قريش، وعلموا بالصلح الذي تم. لقد كانت قريش تقود الحرب ضد الإسلام والمسلمين، وتجمع حولها المنافقين، واليهود، والأعراب، وكل معارض لظهور دين الله تعالى. فلما تم صلح الحديبية التزمت قريش به، وتخلت عن كافة أنشطتها المناوئة للإسلام، فانفرط عقد الأحزاب، وخمدت فتن المنافقين، وانحسر خطر اليهود، وتبعثرت القبائل الوثنية في أرجاء الجزيرة العربية، وأخذت قريش تهتم بمصالحها، وتجارتها وبخاصة بعدما أمنت طريق قوافلها. وأدى هذا الوضع إلى هدوء عام للعواصف القرشية التي كانت تثار ضد الإسلام وأخذ المسلمون يهتمون بتعريف الناس دينهم بالحسنى، ومخاطبة القبائل وإقناعها بالإسلام الأمر الذي أدى إلى دخول الناس في الإسلام بأعداد غفيرة، حتى إن الذين دخلوا في الإسلام في العام ما بين الصلح وعمرة القضاء كانوا أكثر عددًا من الذين أسلموا في المدة من أول البعثة حتى الحديبية. ولذلك تأكد الصحابة من أن صلح الحديبية هو الفتح الأعظم كما أخبرتهم سورة الفتح. يروي الزهري: أن صلح الحديبية أعظم فَتْحٍ فُتِحَ في الإسلام. ويستدل ابن إسحاق على عظمة هذا الفتح بأن عدد الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة والذين خرجوا يوم فتح مكة كانوا عشرة آلاف. إن صلح الحديبية أظهر الوجه الحقيقي للإسلام، فبدأ الناس يتأملونه؛ ولذلك سارعوا إلى الدخول فيه بعدما انزاحت العقبة الكئود أمام إيصال الحق للناس، واستمر تطبيق بنود الصلح المتفق عليها، ولم يحدث لها تغيير، إلا بعد أن طلب القرشيون تعديل البند الثالث الذي أظهر التطبيق العملي ضرره على قريش بعدما كون أبو بصير ﵁ مفرزته في طريق أهل مكة. لقد جلبت قريش الشر لنفسها باشتراطها ضرورة إعادة من يسلم من أهل مكة إليها إذا هاجر إلى المدينة، وأثبتت الحوادث أن هذا الشرط أفاد الجبهة الإسلامية

стр. 531

كثيرًا وذلك بوقوع ما عرف بقصة "أبي بصير" وهو عتبة بن أسيد الثقفي ﵁ فلقد أسلم بعد الصلح في مكة، وهرب منها وجاء إلى رسول الله ﷺ في المدينة، فأرسل قومه إلى رسول الله ﷺ يطلبون رده إلى قريش تطبيقًا لبنود الصلح، وحمل الطلب إلى رسول الله ﷺ "خنيس بن جابر العامري" ومولى لهم يسمى "كوثر" على بعير لهم ليعود بأبي بصير إلى مكة. فأمر رسول الله ﷺ : أبا بصير أن يرجع معهم، ودفعه إليهما. فقال أبو بصير: يا رسول الله! تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال ﷺ : " يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجًا ومخرجًا". فقال أبو بصير: يا رسول الله ﷺ ، تردني إلى المشركين. قال ﷺ : "انطلق أبا بصير، فإن الله سيجعل لك مخرجًا". ودفعه إلى العامري وصاحبه. فخرج أبو بصير معهما، وجعل المسلمون يسرون إلى أبي بصير: يا أبا بصير! أبشر فإن الله جاعل لك مخرجًا، والرجل يكون خيرًا من ألف رجل، فافعل، وافعل يأمرونه بالذين معه لينقذ نفسه منهم فهذا حقه، وليفعل ما سيفعله قبل أن يفعل به، وقد أعد القرشيون للعودة به عدتهم، فلما وصلا به إلى ذي الحليفة عند صلاة الظهر صلى أبو بصير في مسجدها ركعتين صلاة المسافر, ومعه زاد له من تمر يحمله فمال إلى جدار المسجد فوضع زاده فجعل يتغدى ودعاهما للطعام فقالا له: لا حاجة لنا في طعامك. فقال لهم: ولكني لو دعوتموني إلى طعامكم لأجبتكم وأكلت معكم، فاستحيوا وأكلوا. وقد علق العامري سيفه أثناء الطعام على الجدار، وتحادثوا وقد أمن كل منهم للآخر فقال أبو بصير: يا أخا بني عامر ما اسمك؟ قال: خنيس. قال: ابن من؟

стр. 532

قال: ابن جابر. قال: يا أبا جابر أصارم سيفك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولنيه أنظر إليه إن شئت، فناوله وكان قريبًا من السيف منه فأخذ أبو بصير بقائم السيف والعامري ممسك بالجفن فعلاه به وضربه حتى برد١. فخرج "كوثر" هاربًا يعدو نحو المدينة، وأبو بصير في إثره فأعجزه حتى سبقه إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه بعد العصر، إذ طلع كوثر يعدو فقال ﷺ : "هذا رجل قد رأى ذعرًا". وأقبل "كوثر" حتى وقف أمام رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "ويحك! ما لك"؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي وأفلت منه وكاد أن يقتلني. وأقبل أبو بصير، فأناخ بعير العامري بباب المسجد، ودخل متوشحًا سيف العامري، فقال: يا رسول الله وفت ذمتك، وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، أو أكذب بالحق. فقال ﷺ : "ويل أمه مِحَشُ حَرْبٍ لو كان معه رجال" ٢. وقدم أبو بصير سلب العامري، ورحله، وسيفه، ليخمسه رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "إني إذا خمسته رأوا أني لم أوف لهم بالذي عاهدتم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك". ثم قال ﷺ لكوثر: "ترجع به إلى أصحابك"؟ فقال كوثر: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان تقدر عليه. فقال ﷺ لأبي بصير: "اذهب حيث شئت" ٣.

стр. 533

فخرج حتى أتى العيص، فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام. وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبر أبي بصير، فتسللوا إليه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي كتب إليهم بقول رسول الله ﷺ لأبي بصير: "ويل أمه مِحَشّ حَرْبٍ لو كان معه رجال". وأخبرهم أنه بالساحل، فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلمًا على رأسهم "أبو جندل بن سهيل"، فكانوا بالعيص، وضيقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عير إلا اقتطعوها، ومر بهم ركب يريدون الشام، معهم ثمانون بعيرًا، فأخذوا ذلك، وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارًا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير، فكان يصلي بهم، ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون فغاظ قريشًا صنيع أبي بصير، وشق عليهم، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه، فلا حاجة لنا بهم فكتب ﷺ إلى أبي بصير أن يتقدم بأصحابه معه، فجاءه الكتاب وهو يموت فجعل يقرؤه ﵁ ومات، والكتاب في يده فدفنه أصحابه، وأقبلوا إلى المدينة وهم سبعون رجلا١. وهكذا تم إلغاء الشرط الذي وضعه القرشيون لأنفسهم، ظنًا منهم أنه يفيدهم في منع أهل مكة من اعتناق الإسلام. وقد استمرت جبهة قريش على هدوئها إلى أن نقضت قريش العهد بمناصرة بني بكر حلفائها على بني خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ فكان أن تم فتح مكة.

стр. 534

ثانيا: العمل في المحيط العام "إرسائل الرسائل " مدخل ... ثانيًا: العمل في المحيط العام "إرسال الرسائل" انفتحت السبل، وأصبح الطريق آمنًا أمام الدعاة ليصلوا بدينهم للناس، وتشوق الجميع ليتعلموا هذا الدين الذي أعلنه محمد ﷺ وتغلب به على قريش، وانتشر بسببه السلام بين العرب جميعًا، ورأى النبي ﷺ أن الجبهة أمام الدعوة قد اتسعت لتشمل الجزيرة كلها، والعالم كله، ما عدا جيوب صغيرة تأبى قبول الإسلام، والاستماع لدعاته، وهداه الله لوسيلة تناسب هذا التوسع، هي وسيلة الرسائل يحملها الصحابة، الذين يختارهم لحملها إلى رؤساء القبائل، وشيوخ العشائر، وملوك الدنيا، وفيها يدعونهم ومن وراءهم إلى الدخول في الإسلام. فأنشأ ﷺ لـ"كتابة الرسائل" وهو الذي عرف بديوان الإنشاء، وقصد به إعداد المكان الذي تكتب فيه الرسائل التي يمليها رسول الله ﷺ ليحملها من يختاره ﷺ ، كما يستقبل الرسائل التي تأتي إلى رسول الله ﷺ . وهو أول ديوان وضع في الإسلام، وذلك أن النبي ﷺ كان يكاتب أمراءه، وأصحاب سراياه من أصحابه، ويكاتبونه، وكتب إلى من أمكنه من ملوك الأرض ورؤساء العالم، يدعوهم إلى الإسلام. واتخذ من أصحابه من يكتب له، وقد ذكر ابن عساكر أنهم كانوا خمسة وعشرين صحابيًا فذكر منهم: عليا، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وأخاه "أبان"، وحنظلة بن أبي عامر الأسدي، وزيد بن ثابت, ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، والزبير بن العوام، ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن العاص، وجهيم بن الصلت, وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح١. وقد أوصلهم العراقي إلى اثنين وأربعين كاتبًا٢، وأوصلهم الدكتور/ عبد الحي الفرماوي إلى ست وأربعين كاتبًا٣. وقد اتخذ النبي ﷺ كتَّابًا يعرفون لغة من سيكتب إليهم، وعلى رأسهم زيد بن ثابت،

стр. 535

وأبي بن كعب، وعبد الله بن الأرقم، يقول ابن إسحاق: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك، وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم، وزيد بن ثابت واحتاج رسول الله ﷺ أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك أمر من حضر أن يكتب له١, وكان اختيار الرسول لكتابه على أساس اتصافهم بالصدق، والأمانة، والدقة والورع يقول أبو بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، فقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن واجمعه٢. يقول ابن حجر: لأنه لو لم تثبت أمانته، وكفايته، وعقله لما استكتبه النبي ﷺ وإنما وصفه بالعقل، وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك فيه٣. وكان الكتبة من الصحابة يكتبون على اللوح، والرق "الجلد المرقق" والكاغد "الصحيفة" واللخاف "الحجارة البيضاء الرقيقة"، والنحاس، والحديد، وعسيب النخل، وعلى عظم أكتاف الإبل، والغنم، والأدم٤. يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك وكان الملوك لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ رسول الله صلى اله عليه وسلم يومئذ خاتمًا من فضة وفصه منه، نقش عليه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم، الذين بعثه إليهم. وقد تميزت رسائله ﷺ بالمواصفات التالية: ١- كان يضع عنوانًا لرسائله هو: "من محمد رسول الله إلى فلان", ويجعل العنوان قسمين، مفصول بينهما مثل: "من محمد رسول الله.. إلى فلان". ٢- كان يصدر رسائله بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" يقول ابن حجر: جمعت كتبه

стр. 536

صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وغيرهم، فلم يقع لي شيء منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة١. ٣- كان يبدأ رسائله بعد البسملة بذكر اسمه ﷺ ، واسم المرسل إليه، أو شهرته فإن كان المكتوب إليه ملكًا كتب بعد ذكر اسمه عظيم القوم الفلانيين، وربما كتب ملك القوم الفلانيين، وربما كتب صاحب مملكة كذا، وكان يعبر عن نفسه ﷺ في أثناء كتبه بلفظ الإفراد، مثل إني، ولي، وجاءني، ووفد علي، وما أشبه ذلك، وربما أتى بلفظ الجمع مثل بلغنا، وجاءنا، ونحو ذلك، وكان يخاطب المكتوب إليه عند الإفراد بكاف الخطاب، مثل لك، وعليك، وتاء المخاطب، مثل أنت قلت كذا وكذا، وجعلت كذا، وعند التثنية بلفظها مثل أنهما، ولكما، وعليكما، وعند الجمع، بلفظه مثل أنتم، ولكم، وعليكم، وما أشبه ذلك٢. ٤- كان ﷺ يكتب في رسائله: أما بعد، ويضعها فاصلة بين المقدمة وعرض الموضوع. ٥- كان يختم رسائله: بالسلام، فيقول لأهل الكفر، والسلام على من اتبع الهدى، ويكتفي في بعضها بقوله والسلام. ٦- كانت الرسائل تذيل باسم كاتبها، وبخاتم رسول الله ﷺ المكتوب فيه "محمد رسول الله" تكتب على ثلاثة أسطر في كل سطر كلمة "محمد" "رسول" "الله" من أسفل إلى أعلى، ليكون لفظ الله هو الأعلى٣. ٧- كانت الرسائل تؤرخ بالهجرة، حيث عرف التاريخ بها في زمنه ﷺ . وقد كانت الرسائل عملا, دقيقًا، حسنًا، فبلغت الإسلام، وخاطبت الأمم والملوك بالحسنى، واشتملت على الحقائق التالية: أولا: وجهت الرسائل إلى الملوك والأمراء فهم قادة الناس، ورعيتهم على دينهم، قد تضمنت الرسائل ما يفيد مسئولية الملوك عن رعاياهم ومن ذلك: "فإنما عليك إثم المجوس"، "عليك إثم الإريسيين"، "فإنما عليك إثم النصارى"، "فإنما عليك إثم القبط"

стр. 537

"عليك إثم الأكاريين" وبذلك تعد هذه الرسائل تبليغًا لعالمية الإسلام بصورة عملية. ثانيًا: كانت الرسائل تتناسب مع المرسل إليهم لهجة، وأسلوبًا، واستدلالا ولذلك كانت تتكلم عن المسيح والكتاب إذ كان الملك من أهل الكتاب، وتتكلم عن مساوئ الكفر والضلال إذا كان الملك كافرًا كالمجوس. ثالثًا: كانت الرسائل واضحة في موضوعها فهي كلها تدعو إلى التوحيد، وطاعة الله، وتتضمن الإنذار والتبشير، وتربط دوام الملك بالإيمان، وتخوف من زوال الملك حين الاستمرار على الكفر والمعصية١. وقد أرسل رسول الله ﷺ كتبه في شهر المحرم سنة سبع، بعد العودة من الحديبية بعشرين يومًا وبعدها تتابعت كتبه إلى سائر الناس، وقد عد ابن سعد منها أكثر من سبعين كتابًا٢, وفيما يلي نصوص أهم هذه الكتب:

стр. 538

١- كتاب النبي ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة: حمل الرسالة إلى النجاشي الصحابي عمرو بن أمية الضمري ﵁ ونص الرسالة: "هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١ فإن أبيت فإن عليك إثم النصارى من قومك". وقد رحب النجاشي بالرسالة، ووضعها على عينه، وأعلن إسلامه أمام جعفر بن أبي

стр. 539

طالب، وكتب ردًا إلى النبي ﷺ جاء فيه: "إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم سلام عليك نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، والله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت فروقًا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك، وأصحابك فأشهد أنك رسول الله صادقًا، مصدقًا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين"١. ثم جهز سفينتين حمل فيهما المهاجرين إلى الحبشة، وعاد بهم عمرو بن أمية إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فوصلوا إليها في شهر رجب من السنة السابعة، والمسلمون في غزوة خيبر.

стр. 540

٢- كتاب النبي ﷺ إلى المقوقس ملك مصر: حمل رسالة النبي ﷺ إلى المقوقس حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وقد جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم أهل القبط١ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ". وقد قام حاطب بدعوة المقوقس إلى الإسلام، وبين له قرب النصارى من المسلمين وأن محمدًا هو الذي بشر به عيسى ﵇. وقد أخذ المقوقس الكتاب، وكتب ردًا عليه جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك"٢.

стр. 541

٣- كتاب النبي ﷺ إلى كسرى ملك فارس: وأرسل النبي ﷺ رسالة إلى كسرى حملها الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ قال فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس"١.

стр. 542

٤- كتاب النبي ﷺ إلى قيصر الروم: وأرسل النبي ﷺ رسالة إلى قيصر الروم، قال فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الإريسيين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ "١.

стр. 543

واختار النبي ﷺ لحمل هذا الكتاب دحية بن خليفة الكلبي ﵁، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر. وقد روى البخاري عن ابن عباس: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء "بيت المقدس" فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبًا. فقال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه. يقول أبو سفيان: فوالله، لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عنه. ثم قال: أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن دخل فيه. قلت: لا. قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

стр. 544

قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: بماذا يأمركم؟ قلت: بقول اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة, والصدق، والعفاف، والصلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا قلت لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا فقلت: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك

стр. 545

الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف. فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، فقرأه، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا: فقلت لأصحابه حين أخرجنا لقد علا أمر ابن أبي كبشة وإنه ليخافه على ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا بأمر رسول الله ﷺ أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام١.

стр. 546

٥- كتاب النبي ﷺ إلى المنذر بن ساوى: وأرسل النبي ﷺ رسالة إلى المنذر جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد فإني أذكرك الله ، فإن من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقط نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية"١. وحمل الرسالة إلى المنذر العلاء بن الحضرمي ﵁.

стр. 547

٦- كتاب النبي ﷺ إلى هوذة بن علي وثمامة بن آثال صاحبي اليمامة: وأرسل النبي ﷺ مع الصحابي سليط بن عمرو العامري ﵁ رسالة إلى هوذة جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك"١.

стр. 548

٧- كتاب النبي ﷺ إلى الحارث بن أبي شمر صاحب دمشق: وأرسل شجاع بن وهب من بني خزيمة ﵁ برسالة إلى الحارث بن أبي شمر صاحب دمشق جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك"١.

стр. 549

٨- كتاب النبي ﷺ إلى ملك عمان وأخيه: وأرسل النبي ﷺ عمرو بن العاص ﵁ إلى جيفر ملك عمان وأخيه عياد برسالة جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعياد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله ﷺ إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما"١.

стр. 550

٩- الدعاة حملة الرسائل: تخير النبي ﷺ من أصحابه ﵃ الأعرف بدينه الجميل في خلقته، الكريم في خلقه، القوي في شجاعته، الأمين في عمله ونشاطه، الحليم في صبره، الداهية في قوله وعمله، وأرسلهم فرادى لمواجهة ملوك الأرض وشعوبها، ودعوتهم إلى الله تعالى. وقد حمل هؤلاء الصحابة كتب رسول الله ﷺ إلى ملوك ورؤساء الدنيا، ولكنهم ما يكونوا مجرد حاملين للرسائل، وإنما كانوا دعاة، يحملون دينهم، ويعملون له، ويدعون إليه بالحسنى، ويردون عنه زيف الضالين، وشبه المحرفين. وكان رسول الله ﷺ يوصيهم بالخلق الكريم، والتعامل السهل، يروي البخاري بسنده أن رسول الله ﷺ كان يقول لأصحابه: "يسروا ولا تعسروا إنما بعثتم ميسرين لا معسرين". ويروي البخاري أيضًا بسنده عن أبي سعيد بن بردة عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن وقال لهما: "يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا، تطاوعا ولا تختلفا" ١. يقول ابن حجر: كان ذلك شأنه ﷺ في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات٢. وحين ننظر إلى أعمال هؤلاء السفراء وأقوالهم ندرك دورهم في الدعوة إلى الله تعالى، ونعلم بيقين أن هؤلاء السفراء لم يكونوا رجالا عاديين، وأنهم تميزوا بعدة صفات أهمها: أ- الفهم الدقيق للإسلام، وإحاطتهم التامة بكل ما نزل من القرآن الكريم وبكل ما حدث به ﷺ . ب- خبرتهم الواسعة بالجهات التي ذهبوا إليها، وبالناس الذين تحدثوا معهم،

стр. 551

ولذلك كانوا يتكلمون معهم، ويناقشونهم في عقائدهم حديث الخبير الذي يعرف حقائق الشيء ظاهرًا وباطنًا ويدرك حاجته، ومراميه. ج- تحليهم بحسن الخلق، والصبر الجميل ومراعاة حق مخاطبيهم في الفهم والمعرفة ولذلك كانوا يشرحون، ويوضحون ويجيبون على أي تساؤل يوجه إليهم. د- اتصافهم بسرعة مواجهة المواقف المفاجئة، وحسن الحيلة، وبذلك تخلصوا من الانفعال والعصبية، وتمكنوا من تحقيق الغاية التي ذهبوا إليها. هـ- تمتعهم بحسن الفهم، وحسن الخطاب، وحسن العرض، ولذلك كانوا يتكلمون مع من يحادثهم في مسائل هامة، في بداهة عالية، وهدوء رصين، ودقة ملتزمة بتعاليم الإسلام. و صدقهم في الاعتقاد، ولذلك وفوا لإيمانهم، وحافظوا على حقوق محدثيهم وعرضوا قضيتهم بكل صدق، ووضوح، بلا تردد أو مداراة، وكانوا دعوة عملية صريحة. ز- شجاعتهم الشخصية النابعة من ثقتهم في الله، واعتزازهم بالانتساب إليه جعلهم يؤكدون صدق الإسلام وإن خالف ما عليه الناس ويناقشون الملوك والرؤساء وهم فرادى، وسقط أبهة الملك، وقوة السلطان. إن هذه الصفات جعلتهم سفراء لله ورسوله، حين تحدثوا مع من أرسلوا إليهم، يتضح ذلك حين ننظر في كلماتهم التي ذكروها لمن ذهبوا إليهم. من ذلك ما ذكره دحية الكلبي لقيصر الروم، قال له: "يا قيصر أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع بذل، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي؟ قال: نعم. قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك إلى من دبر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه.

стр. 552

أدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى بن مريم بعده وعندك من ذلك آثاره، من علم تكفي من العيان، وتشفي من الخبر. فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة، وشوركت الدنيا، وأعلم أن لك ربًا يقصم الجبابرة، ويغير النعم. فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه ورأسه وقبله، ثم قال: أما والله ما تركت كتابًا إلا وقرأته، ولا عالمًا إلا سألته، فما رأيت إلا خيرًا، فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدًا ما هو أحسن منه فأرجع عنه فيضرني ذلك، ولا ينفعني١. ومنه أيضًا ما ذكره العلاء الحضرمي للمنذر بن ساوى ملك البحرين قال له: يا منذر إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرن عن الآخرة. إن هذه المجوسية شر دين، ليس فيها تكرم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكره على أكله، ويعبدون في الدنيا نارًا تأكلهم يوم القيامة. ولست بعديم عقل، ولا فاقد رأي فانظر. هلى ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدقه؟! ولمن لا يخون أن لا تأمنه؟! ولمن لا يخلف أن لا تثق به؟! فإن كان هذا هكذا، فهو هذا النبي الأمي، الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر. فقال المنذر: قد نظرت في هذا الأمر الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، إن من إعظام من

стр. 553

جاء به أن يعظم رسله، وسأنظر١. ومن ذلك ما ذكره عمرو بن العاص للجلندي، قال له: يا جلندي إنك وإن كنت منا بعيدًا، فإنك من الله غير بعيد. إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك واعلم أنه يميتك الذي أحياك، ويعيدك الذي بدأك. فانظر في هذا النبي الأمي الذي جاء بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد به أجرًا فامنعه أو يميل به هوى فدعه، ثم انظر فيما يجيء به هل يشبه ما يجيء به الناس فإن كان يشبهه فسله العيان، وتخير عليه في الخبر، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد. قال الجلندي: إنه والله لقد دلني على صدق هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، وأنه يفي بالعهد، وينجز الموعود، وأنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوي فيه أهله، وأشهد أنه نبي٢. ومن ذلك ما ذكره المهاجر بن أبي أمية للحارث بن عبد كلال، حيث قال: يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبي ﷺ نفسه فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرًا. فإذا نظرت في غلبة الملوك، فانظر في غالب الملوك. وإذا سرك يومك فخف غدك. وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها، وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا، وأملوا بعيدًا، وتزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم. وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربًا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.

стр. 554

فقال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وكان أمره أمرًا سبق، فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم يكن لي قرابة أحتمله عليها، ولا لي فيه هوى أتبعه له، غير أني أرى أمرًا لم يوسوسه الكذب ولم يسنده الباطل، له بدء سار، وعاقبة نافعة, وسأنظر. إن هذه المواعظ التي واجه بها صحابة رسول الله ﷺ الملوك والرؤساء تدل بوضوح على عبقرية هؤلاء الصحابة، ومدى تمتعهم بالمزايا التي يجب أن يتحلى بها الدعاة وهم يتحركون بالإسلام فهم ليسوا موظفين عاديين يؤدون عملهم وفقط، وإنما هم أصحاب رسالة، وجنود قضية، يعيشون لها، ويتحركون بها. وتحقيق انتصارها هي كل همهم، واهتماماتهم. إن الجو الذي قيلت فيه هذه الكلمات يؤكد طبيعة هؤلاء الرجال من أصحاب رسول الله ﷺ ، إنها قيلت لملوك وأمراء، وهم بين جنودهم، ووزرائهم، وحاشيتهم، ولم يكن أحد منهم قد دخل في الإسلام بعد بينما المتحدث رجل واحد، هو سفير رسول الله ﷺ . فدلالة الموقف واضحة في تأكيد شجاعة وقوة شخصية أصحاب رسول الله ﷺ وتبين في نفس الوقت قوة ولائهم للقضية التي جاءوا من أجلها. لقد دار الحديث حول قضايا العقيدة فدعوا إلى الإيمان بالله الواحد، ونبذ عبادة غيره مع تقديم الدليل المناسب لكل منهم. فمع قيصر يدلل الداعية على وحدانية الله بعبودية المسيح لله، ومع المنذر المجوسي يدلل بهوان النار وضررها، على عدم صلاحيتها للألوهية، وأن الألوهية الحقة هي لله الخالق. وهكذا سار كل داعية في كلمته اتجاهًا يتناسب مع محدثه، بلا اصطدام معه، وبطريقة تدعوه إلى النظر والتدبر. لقد ركزوا في كلماتهم السابقة على أهم أركان الإيمان وأساسيات العقيدة وهي: - الإيمان بالله الواحد. - الإيمان بالرسول النبي الأمي ﷺ .

стр. 555

- الإيمان بالآخرة بما فيها من حساب وجزاء. ولم يتكلموا في الأركان الباقية؛ لأن الإسلام كله، بأركانه وفروعه يتحقق تبعًا لهذه الأركان الثلاثة. إن هؤلاء الرجال هم نماذج الدعاة في العالم كله، وقد تمكنوا من نشر الإسلام في الناس، لحسن خلقهم، وسعة معارفهم، وبلاغه خطابهم، وجمال عرض قضيتهم. ونلاحظ من حركة الدعاة في العالم، وحملهم لرسائل رسول الله ﷺ مدى تفاعل المجتمع كله بالإسلام، وطاعته لرسول الله ﷺ ، وتوحيده في إطار تعالم الدين، وتحقيق المصالح الحقيقية للناس أجمعين. لم يحدث أن حكى التاريخ معارضة صحابي لأمر كلفه به رسول الله ﷺ ولو كان في التكليف فناء دنياه. ولم ينقل أحد من العلماء أن صحابيًا جبن حين ذهابه وحيدًا يبلغ الإسلام في الأماكن البعيدة لقوم غير مسلمين. ولم تكن حركة الدعاة بعيدة عن عقول وقلوب المسلمين في المدينة, بل كان المجتمع كله يتابع أخبار الدعاة، ويعايش مسارهم، ويدعو لهم، مع كل الاستعداد للبذل والفداء من أجلهم، ومن أجل الله تعالى. وهذا ما نتمناه لأمة الإسلام التي يجب أن تسترشد في حياتها بعصر القدوة، عصر رسول الله ﷺ .

стр. 556

ثالثا: القضاء على إرهاب اليهود في خيبر وما حولها مدخل ... ثالثًا: القضاء على إرهاب اليهود في خيبر وما حولها بعد القضاء على اليهود في المدينة وضواحيها، والتخلص من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، تجمع من بقي منهم في خيبر وهي على بعد ثمانين ميلا شمال المدينة المنورة. وخيبر عبارة عن ولاية في واد متسع تتناثر فيه التلال والمرتفعات، وقد جعل اليهود كل تل قرية صغيرة تتكامل منافعها وحاجاتها وجعلوا كل بيت حصنًا، وأحاطوا البيوت بسور منيع حتى صارت كل قرية حصنًا كبيرًا. وقد أقام اليهود بيوتهم في خيبر بناء على نظرتهم للحياة، حتى يرون ضرورة التحصن خلف الجدر، وتوزيع الاستيطان في الأماكن العالية الحصينة، وإحاطة مساكنهم بالنخيل، والأشجار ليستفيدوا بثمرها، ويستتروا بها من عدوهم، ويعيشوا جنودًا محاربين ما دامت حياتهم فيها، وقد سمى اليهود موطنهم بـ"خيبر" ومعناه الحصن، والبعض يسميها "خيابر" إشارة إلى كونها مجموعة من الحصون المنيعة القوية. وقد أخذ اليهود في إعداد العدة لمواجهة المسلمين وغيرهم، فأكثروا من تدريب رجالهم، وتسليحهم، وكانوا يخرجون كل يوم قبل الفجر، فيلبسون السلاح، ويصفون الكتائب، ويتجمعون في عشرة آلاف مقاتل استعدادًا للمسلمين، وإرهابًا لمن تسول له نفسه أن يأتي إليهم لمقاتلتهم. ونظرًا لما في خيبر من زروع كثيرة، وثمار متنوعة فإنهم كانوا يسخرونها لكسب مودة القبائل، والتحالف معهم على المسلمين. وقد تصور كثير من العرب أن اليهود في خيبر قوة لن تهزمها قوة أخرى، وكان اليهود أنفسهم يشيعون ذلك، ويقولون: محمد يغزونا! هيهات هيهات، وكان اليهود الذين وادعوا المسلمين في المدينة يقولون بعد أن تحرك المسلمون إلى خيبر: لو رأيتم خيبر وحصونها لعلمتم أن المسلمين سيرجعون قبل أن يصلوا إليها، حصون شامخات في ذرى الجبال والماء فيها دائم، وقوتهم ظاهرة بارزة١. والحديث عن مواجهة يهود خيبر يقتضي بيان ما يلي:

стр. 557

١- حصون خيبر: تخير اليهود التلال العالية، والجبال المرتفعة، في الوادي وأقاموا فوقها حصونهم، وقلاعهم. والحصن الواحد عبارة عن عدد من البيوت المعدة للسكن، يضم الملاجئ العديدة والمخابئ القوية، ومصانع السلاح، ومخازن المؤن والطعام، وترتبط المخازن في الحصون الرئيسية، والمخابئ بأنفاق محفورة تحت الأرض وطرق معدة بين الزروع تضمن الحركة الآمنة للانتقال فيما بينها، وتحاط بيوت الحصن ومكملاتها بسور كبير عرضًا، وطولا، وارتفاعًا، نصبت فيه البوابات الضخمة، وأسس في أعاليه نقاط للحراسة والدفاع، ونصب المنجنيق، وجهزت أماكن الرماة. وتختلف الحصون عن بعضها سعة واستعدادًا، تبعًا لموقعها، وقدرة أصحابها، وأهميتها في التصدي والمقاومة. وتخضع الولاية كلها لنظام إداري واقتصادي واحد، ويعرف كل حصن باسم صاحبه، أو فائده, ويحكم الحصون كلها الأحبار ورجال الدين. وتتكون الحصون الرئيسية من مجموعات وكل مجموعة قوة متكاملة يسهل الانسحاب من كل حصن فيها إلى غيره، ويعين كل منها الآخر بالرجال والسلاح حين الحاجة. والحصون الرئيسية في خيبر ثلاثة مجموعات. أولاها: يقع في منطقة تسمى "النطاة" وتتكون من ثلاثة حصون هي: ١- حصن ناعم. ٢- حصن الصعب بن معاذ. ٣- حصن قلعة الزبير. وثانيها: يقع في منطقة تسمى "الشق" وتتكون من حصنين هما:

стр. 558

١- حصن أبي. ٢- حصن النزار. وثالثها: يقع في منطقة تعرف بـ"الكتيبة" وتتكون من ثلاثة حصون هي: ١- حصن القموص، وهو حصن أبناء أبي الحقيق من بني النضير. ٢- حصن الوطيح. ٣- حصن السلالم. وحصون المجموعتين الأولى والثانية أكثر تحصينًا من الثالثة، ولذلك دار القتال الشديد حولهما أما حصون المجموعة الثالثة فقد استسلمت للمسلمين بلا قتال بعد سقوط المجموعتين الأوليين١. وقد جهز اليهود حصن الصعب في المجموعة الأولى، وحصن النزار في المجموعة الثانية، بالمؤن والعتاد ليكونا موئل الأسر والذراري. وقد قام اليهود بزراعة الوادي المنخفض بالزروع، والنخيل، والأشجار العالية، وحفروا كثيرًا من الآبار لسقي الأرض، ومد الحصون بالمياه. وبهذا التصوير الواقعي لخيبر ندرك ما صنعه اليهود ليتحقق لهم الاستقلال الاقتصادي، والديني، والعسكري، ونرى مدى حرصهم على حماية أنفسهم، ونشاطهم، ومعرفة منهجهم في الحياة الأمر الذي أدى بهم إلى غرور دفعهم إلى التآمر على الإسلام والمسلمين، وإلى تجميع ما يمكنهم من القبائل لمحاربة رسول الله ﷺ .

стр. 559

٢- تحرك المسلمين نحو خيبر: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد الحديبية عشرين يومًا تحرك بعدها إلى خيبر، وقد وعده الله تعالى بمغانم خيبر فقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ١. والآية تشير إلى ما في صلح الحديبية من خير عجله الله تعالى لهم، كما تعدهم بمغانم كثيرة بعد ذلك هي مغانم خيبر، وقد شعر المنافقون وضعفاء الإيمان بما في خيبر من غنائم فعزموا على الخروج مع رسول الله ﷺ ليأخذوا منها فأمره الله تعالى بمنعهم في قوله : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢. ولذلك قال النبي لأصحابه: "لا يخرج معنا إلا راغب في الجهاد". فخرج معه الذين بايعوه تحت الشجرة وعددهم ألف وأربعمائة. واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة ﵁. وبعد أن صلى المسلمون صلاة الصبح تحرم الجيش الإسلامي وسلك رسول الله ﷺ في اتجاهه نحو خيبر جبل عصر "بالكسر وقيل بالتحريك" ثم الصهباء، ثم نزل على واد يقال له: "الرجيع" وكان بينه وبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان، وتوجهوا إلى خيبر، لإمداد اليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حسًا ولغطًا فظنوا أن المسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا إلى ديارهم لحراسة الديار وحماية الذراري والنساء وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر. ثم دعا رسول الله ﷺ الدليلين اللذين كانا يرشدان الجيش ليدلاه على الطريق الأحسن، حتى يدخل خيبر من جهة الشمال أي جهة الشام فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام كما يحول بينهم وبين غطفان. قال أحدهما: أنا أدلك يا رسول الله فسار الجيش حتى انتهى إلى مفرق طرق وقال يا رسول الله ﷺ : هذه طرق يمكن الوصول من كل منها إلى المقصد، فأمره ﷺ أن

стр. 560

يسميها له واحدًا واحدًا. قال الرجل: اسم واحد منها حزن فأبى النبي ﷺ سلوكه. وقال: اسم الثاني شاش، فامتنع منه أيضًا. وقال ﷺ : اسم آخر حاطب، فامتنع منه أيضًا. فقال حسيل، فما بقي إلا واحد منها. قال عمر: ما اسمه؟ قال: مرحب، فاختار النبي ﷺ سلوكه تفاؤلا باسمه. وقد حدث في الطريق إلى خيبر أن رجلا من القوم قال لعامر بن الأكوع: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم ويقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فداء لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وألقين سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أبينا فقال رسول الله ﷺ : "من هذا السائق". قالوا: عامر بن الأكوع. قال: "يرحمه الله". قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به١. وكانوا يعرفون أن رسول الله ﷺ لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد، وقد استشهد عامر في غزوة خيبر. وفي الطريق أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله" فقال رسول الله ﷺ : "أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 561

فقال لي: "يا عبد الله بن قيس". قلت: لبيك رسول الله. قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة". قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ١. وعند الصهباء أدنى خيبر صلى رسول الله بالمسلمين العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري، فأكل وأكل الناس، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمض الناس، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم صلى العشاء٢. بات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر، واليهود لا يشعرون بهم، وكان النبي ﷺ إذ أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون فلما خرجوا لأرضهم، ورأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس٣، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ٤. وكان النبي ﷺ اختار لمعسكره منزلا وسط الأشجار، تعلوه الحصون فأتاه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرايت هذا المنزل أنزلكه الله، أم هو الرأي في الحرب؟ قال: "بل هو الرأي". فقال: يا رسول الله إن هذا المنزل قريب جدًا من حصن نطاة، وجميع مقاتلي خيبر فيه، وهم يدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم، وأيضا هذا بين النخلات، وفي مكان غائر، وأرض وخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد، نتخذه معسكرًا.

стр. 562

قال ﷺ : "الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر". ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال ﷺ : "قفوا". فوقف الجيش فقال ﷺ : "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا لنسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله". ولما كانت ليلة الدخول قال: "لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال رسول الله ﷺ : "أين علي بن أبي طالب". فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه". فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرئ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال: يا رسول الله ﷺ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال ﷺ : "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" ١.

стр. 563

٣- اقتحام الحصون: وصل المسلمون إلى مجموعة النطاة، وعرض علي بن أبي طالب على أهل النطاة الإسلام فأبوا، فعرض عليهم الاستسلام ودفع الجزية فأبوا، وهنا كان لا بد من قتالهم حتى ينزلوا على حكم الله تعالى. بدأ المسلمون بمهاجمة مجموعة "النطاة" فأمر رسول الله ﷺ كيدًا لهم وفتحًا للطريق إليهم وإزالة للموانع الموجودة أمام حصونهم بقطع نخيلهم، وقد بلغ عدد النخيل الذي قطع أربعمائة نخلة، وكان المسلمون يعسكرون ليلا بالرجيع، ويهاجمون النطاة نهارًا

стр. 564

ومن يجرح منهم يأخذوه إلى الرجيع، واستمر المسلمون على ذلك سبعة أيام، جرح منهم عدد كثير، حيث جرح منهم خمسون رجلا في أول يوم، وقد جرح محمد بن مسلمة بعدما أدلى عليه "مرحب" اليهودي رحى هشمت بيضته وجرح حليفة، فعالجه النبي ﷺ وأخذه إلى الرجيع، فمات بها بعد ثلاثة أيام. واشتد الأمر على المسلمين فساق الله إليهم يهودي، وأخذ ينادي: أنا آمن وأبلغكم؟ فقالوا: نعم. فدخل على رسول الله ﷺ فدله على عورة اليهود فغدوا عليهم، فظفرهم الله بهم. وبعد سقوط تحصينات النطاة وجد المسلمون أنفسهم أمام حصن الناعم، وهو الحصن الرئيسي في النطاة وصاحبه هو "مرحب اليهودي" الذي كان يعد بألف فارس. دعا علي بن أبي طالب أهل الحصن إلى الإسلام فأبوا، فخرج "مرحب" وطلب المبارزة فبارزه أولًا عامر بن الأكوع فاستشهد عامر ﵁ فدعا مرحب إلى المبارزة مرة أخرى فخرج له علي بن أبي طالب وقتله. ولما دنا علي ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى. ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟ قال ﷺ : "بل ابنك يقتله". فقتله الزبير. ودار القتال المرير حول حصن ناعم طوال الأيام السبعة، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارت بعده مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم، واستولوا على عدد من الحصون التابعة له. وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم،

стр. 565

وفي النطاة وقد ملأه اليهود بالطعام، وأسكنوا فيه الذراري، والنساء. قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث جاء بنو سهم للنبي ﷺ وشكوا إليه حالهم، فدعا رسول الله ﷺ : لفتح هذا الحصن دعوة خاصة. فقال ﷺ : "اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعامًا وودكًا". فغدا الناس ففتح الله حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه١. ولما ندب النبي ﷺ المسلمون بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن، كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، وقد فتح الحصن في ذلك اليوم وهو الثالث قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات. وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس تلة عالية، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله الحصار، وأقام محاصرًا له ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل يشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك، فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ﷺ . وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى الشق، وتحصنوا بقلعة أبي، ففرض المسلمون عليهم الحصار، فلما طلب اليهود المبارزة وخرج منهم رجلان بارزهم المسلمون، وقتلوهما. وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء، وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة،
следующие страницы →