← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فقال لي: "يا عبد الله بن قيس". قلت: لبيك رسول الله. قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة". قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي. قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" ١. وعند الصهباء أدنى خيبر صلى رسول الله بالمسلمين العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري، فأكل وأكل الناس، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضمض الناس، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم صلى العشاء٢. بات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر، واليهود لا يشعرون بهم، وكان النبي ﷺ إذ أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون فلما خرجوا لأرضهم، ورأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس٣، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ٤. وكان النبي ﷺ اختار لمعسكره منزلا وسط الأشجار، تعلوه الحصون فأتاه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرايت هذا المنزل أنزلكه الله، أم هو الرأي في الحرب؟ قال: "بل هو الرأي". فقال: يا رسول الله إن هذا المنزل قريب جدًا من حصن نطاة، وجميع مقاتلي خيبر فيه، وهم يدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصل إليهم، ولا نأمن من بياتهم، وأيضا هذا بين النخلات، وفي مكان غائر، وأرض وخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد، نتخذه معسكرًا.

стр. 562

قال ﷺ : "الرأي ما أشرت، ثم تحول إلى مكان آخر". ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال ﷺ : "قفوا". فوقف الجيش فقال ﷺ : "اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا لنسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله". ولما كانت ليلة الدخول قال: "لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله". فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال رسول الله ﷺ : "أين علي بن أبي طالب". فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه. قال: "فأرسلوا إليه". فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرئ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال: يا رسول الله ﷺ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال ﷺ : "انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" ١.

стр. 563

٣- اقتحام الحصون: وصل المسلمون إلى مجموعة النطاة، وعرض علي بن أبي طالب على أهل النطاة الإسلام فأبوا، فعرض عليهم الاستسلام ودفع الجزية فأبوا، وهنا كان لا بد من قتالهم حتى ينزلوا على حكم الله تعالى. بدأ المسلمون بمهاجمة مجموعة "النطاة" فأمر رسول الله ﷺ كيدًا لهم وفتحًا للطريق إليهم وإزالة للموانع الموجودة أمام حصونهم بقطع نخيلهم، وقد بلغ عدد النخيل الذي قطع أربعمائة نخلة، وكان المسلمون يعسكرون ليلا بالرجيع، ويهاجمون النطاة نهارًا

стр. 564

ومن يجرح منهم يأخذوه إلى الرجيع، واستمر المسلمون على ذلك سبعة أيام، جرح منهم عدد كثير، حيث جرح منهم خمسون رجلا في أول يوم، وقد جرح محمد بن مسلمة بعدما أدلى عليه "مرحب" اليهودي رحى هشمت بيضته وجرح حليفة، فعالجه النبي ﷺ وأخذه إلى الرجيع، فمات بها بعد ثلاثة أيام. واشتد الأمر على المسلمين فساق الله إليهم يهودي، وأخذ ينادي: أنا آمن وأبلغكم؟ فقالوا: نعم. فدخل على رسول الله ﷺ فدله على عورة اليهود فغدوا عليهم، فظفرهم الله بهم. وبعد سقوط تحصينات النطاة وجد المسلمون أنفسهم أمام حصن الناعم، وهو الحصن الرئيسي في النطاة وصاحبه هو "مرحب اليهودي" الذي كان يعد بألف فارس. دعا علي بن أبي طالب أهل الحصن إلى الإسلام فأبوا، فخرج "مرحب" وطلب المبارزة فبارزه أولًا عامر بن الأكوع فاستشهد عامر ﵁ فدعا مرحب إلى المبارزة مرة أخرى فخرج له علي بن أبي طالب وقتله. ولما دنا علي ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى. ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟ قال ﷺ : "بل ابنك يقتله". فقتله الزبير. ودار القتال المرير حول حصن ناعم طوال الأيام السبعة، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارت بعده مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم، واستولوا على عدد من الحصون التابعة له. وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم،

стр. 565

وفي النطاة وقد ملأه اليهود بالطعام، وأسكنوا فيه الذراري، والنساء. قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث جاء بنو سهم للنبي ﷺ وشكوا إليه حالهم، فدعا رسول الله ﷺ : لفتح هذا الحصن دعوة خاصة. فقال ﷺ : "اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعامًا وودكًا". فغدا الناس ففتح الله حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه١. ولما ندب النبي ﷺ المسلمون بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن، كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، وقد فتح الحصن في ذلك اليوم وهو الثالث قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات. وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود إلى قلعة الزبير، وهو حصن منيع في رأس تلة عالية، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله الحصار، وأقام محاصرًا له ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليل يشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك، فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله ﷺ . وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى الشق، وتحصنوا بقلعة أبي، ففرض المسلمون عليهم الحصار، فلما طلب اليهود المبارزة وخرج منهم رجلان بارزهم المسلمون، وقتلوهما. وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء، وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة،

стр. 566

واقتحمها معه الجيش الإسلامي، وجرى قتال مرير داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في المجموعة الثانية. وكان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل، ولذلك جمعوا في هذه القلعة الذراري والنساء وساعدوا من كان في الصعب منهم على الانسحاب إليه حينما رأوا بوادر سقوط الحصن في يد المسلمين. وفرض المسلمون على هذا الحصن الحصار الشديد، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولأن الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يجدوا سبيلا لاقتحامه، ولم يجرؤ اليهود على الخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين، لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة. وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي ﷺ بنصب آلات المنجنيق، وقذفوا بها القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير داخل الحصن، انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، ففر أغلبهم من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم. وبعد فتح هذا الحصن المنيع ثم فتح النطاة والشق، وهرب اليهود إلى المنطقة الثالثة. ولما تم فتح ناحية النطاة والشق، تحول رسول الله ﷺ إلى مجموعة الكتيبة وفيها حصون الوطيح والسلالم والقموص حصن أبي الحقيق من بني النضير، وقد جاء إليها أغلب من انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن. واختلف أهل المغازي هل جرى قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص، بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضة للاستسلام. أما الواقدي، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال. وقد فرض رسول الله على منطقة الكتيبة أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهود لا يخرجون من حصونهم، حتى هم رسول الله ﷺ أن ينصب عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله ﷺ الصلح.

стр. 567

٤- نهاية غزوة خيبر: لما اشتد حصار المسلمين للكتيبة أرسل ابن أبي الحقيق الأكبر وكان محاصرًا في قلعته إلى رسول الله ﷺ ليكلمه في الصلح فقال له النبي ﷺ : "انزل". فنزل وصالح النبي ﷺ على حقن الدماء على أن يخرج أهل خيبر الرجال والنساء والذراري جميعًا منها، ويخلوها للمسلمين بكل ما فيها من مال، وأرض، وذهب، وفضة، وماشية، وعقار, بحيث يخرج الواحد منهم بثوبه فقط. فقال ﷺ : "برئت منكم ذمة الله ورسوله إن كتمتم شيئًا". قال: نعم١. وتم الصلح على ذلك، وتسلم المسلمون الحصون، وفتحت خيبر. واستشهد من المسلمين في خيبر عدد قليل يدور بين ستة عشر وثلاثة وعشرين شهيدًا وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون قتيلًا٢. وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة، يروي البخاري بسنده عن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر٣. وقد قسم رسول الله ﷺ الغنائم إلى ثلاثة آلاف وثمانمائة سهم جعل نصفها للمقاتلين والنصف الثاني جعله ﷺ للمسلمين، وحاجاتهم٤. ولما تم الصلح طلب يهود خيبر من رسول الله إبقاءهم فيها لزراعة الأرض وفلاحة البساتين ولهم نصف نتاجها، فوافقهم رسول الله ﷺ وأبقاهم مزارعين في أرضها٥.

стр. 568

٥- في أعقاب خيبر: نقض ابنا الحقيق عهدهم مع رسول الله ﷺ وغيبا عن رسول الله ﷺ مالا كثيرًا فأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم. فأمر بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه فدفعه إلى الزبير، وقال: خذه معك حتى تستأصل ما عنده، فحبسه الزبير حتى أقر بما عنده. ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة، ليضرب عنقه قصاصًا لأخيه محمود بن مسلمة الذي قتله كنانة غيلة بإلقاء الرحى عليه عند حصن ناعم. وذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ أمر بقتل ابني أبي الحقيق وأحدها كان زوج صفية بنت حيي وهو كنانة بن أبي الحقيق بعد نقضهما العهد مع رسول الله ﷺ وكان الذي اعترف عليهما وأخبر رسول الله بإخفاء المال هو ابن عم كنانة١. وفي هذه الغزوة قدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة، ومعهم الأشعريون أبو موسى عبد الله بن قيس وأصحابه ﵃ ومعهم أسماء بنت عميس رضي الله عنها٢. قال أبو موسى: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين، أنا وأخوان لي في بضع وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفرا وأصحابه عنده، فقال: إن رسول الله ﷺ بعثنا وأمرنا

стр. 569

بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا إلى رسول الله مع المهاجرين العائدين من الحبشة فوافقنا رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم. ولما قدم جعفر على النبي ﷺ تلقاه وقبله، وقال: "والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"؟ ١. وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، يطلب توجيههم إليه، فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانوا ستة عشر رجلا، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم رجعوا قبل ذلك لأنهم لما سمعوا بهجرة النبي ﷺ إلى المدينة رجع ثلاث وثلاثون رجلا وثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس فيها سبعة، وشهد منهم أربعة وعشرون رجلا بدرًا. وكانت صفية في السبايا حين قتل زوجها كنانة بن أبي الحقيق لغدره، ولما جمع المسلمون السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي، فقال: يا نبي الله، أعطني جارية من السبي. فقال ﷺ : اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي. فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك. قال: "ادعوه بها". فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" ٢. وعرض عليها النبي ﷺ الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها حتى إذا كان بسد الصهباء راجعًا إلى المدينة حلت، فجهزتها له أم سليم، وأهدتها له من الليل، فأصبح عروسًا بها، وأولم عليها بحيس من التمر والسمن والسويق. ورأى ﷺ بوجهها خضرة، فقال: ما هذا؟ قالت: يا رسول الله رأيت قبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه، وسقط في حجري، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئًا، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي،

стр. 570

فقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة١. ولما اطمأن رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت أي عضو أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع، فلاك منها مضغة فلم يستسغها، ولفظها ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: قلت إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فتجاوز عنها صلى الله عليه وسلم٢. ووفد أبو هريرة ﵁ ونفر من أوس على رسول الله ﷺ بخيبر، وفي ذلك يقول أبو هريرة: قدمنا المدينة، ونحن ثمانون بيتًا من أوس، فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري. فلما فرغنا من صلاتنا قال قائل: رسول الله ﷺ بخيبر، وهو قادم عليكم. فقلت: لا أسمع به في مكان أبدًا إلا جئته، فزودنا سباع بن عرفطة، وحملنا حتى جئنا خيبر فوجدنا رسول الله ﷺ قد فتح النطاة، وهو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا٣. وجاء لرسول الله نفر من بني فزارة، وكانوا قد قدموا على أهل خيبر ليعينوهم فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا فأبوا عليه، فلما أن فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بني فزارة، فقالوا: حظنا الذي وعدتنا. فقال رسول الله ﷺ : "لكم ذو الرقيبة"، جبل من جبال خيبر. فقالوا: إذا نقاتلك. فقال ﷺ : "موعدكم جنفًا".

стр. 571

فلما أن سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ خرجوا هاربين١. ونهى النبي ﷺ عن أكل لحم الحمر الأهلية فعن سلمة ﵁ قال: أتينا خيبر فحاصرناها حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى، فتحها علينا، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرة. فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون"؟. قالوا: على لحم. قال ﷺ : "على أي لحم"؟. قالوا: لحم حمر إنسية. فقال رسول الله ﷺ : "أهرقوها، واكسروا الدنان". فقال رجل: أو نهرقها ونغسلها؟ قال ﷺ : "أو ذاك" ٢. ونهى رسول الله ﷺ عن أمور حيث قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ولا يبع شيئًا من المغنم حتى يعلم، ولا يركب دابة من المغنم حتى إذا أدبرها ردها، ولا يلبس ثوبًا من المغنم حتى إذا أخلقه رده، ولا يأت امرأة من السبي حتى تستبرأ بحيضة، وإن كانت حبلى حتى تضع الحمل". ومر على امرأة مجح، فقال: "لمن هذه"؟. فقيل: لفلان. فقال: "لعله يطؤها"؟. قالوا: نعم. قال: "كيف بولدها؟ يرثه وليس بابنه، لقد هممت أن ألعنه لعنة تتبعه في قبره" ٣. وهكذا فتحت خيبر وزال نفوذ اليهود من الجزيرة العربية كلها.

стр. 572

٦- تطهير الجبهة الشمالية من أتباع يهود خيبر: بعدما مكن الله للمسلمين من خيبر، نظروا حول خيبر فوجدوا جيوبًا يهودية في فدك، وتيماء، ووادي القرى، وكان من الضروري القضاء على عدوانية هذه الأقاليم حتى لا يكرروا كيدهم للمسلمين مرة أخرى. فأرسل رسول الله ﷺ إلى "فدك"١ الصحابي محيصة بن مسعود ﵁ ليدعوهم إلى الإسلام فأبوا، ولما علموا بفتح خيبر أرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يصالحوه على ما صالح عليه خيبر، فقبل منهم ﷺ ذلك. وحين انصراف المسلمين من خيبر نزلوا بوادي القرى٢ فاستقبلهم أهلها بالرمي، فعبأ رسول الله ﷺ أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وأعطى راية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا وبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب ﵁ فقتله، حتى قتل منهم أحد عشرة رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا رسول الله ﷺ من بقي إلى الإسلام ويمتنعون. وكلما جاء وقت صلاة صلاها النبي ﷺ بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فيمتنعون فيقاتلهم رسول الله ﷺ حتى أمسوا، وفي اليوم التالي تعذر الوضع، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها المسلمون عنوة، وغنموا أموالهم، وأصابوا أثاثًا ومتاعًا كثيرًا وأقام رسول الله ﷺ بوادي القرى أربعة أيام، وقسم على أصحابه، ما أصاب بها وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها كما عامل أهل خيبر٣.

стр. 573

ولما بلغ يهود "تيماء" خبر استسلام "أهل خيبر" ثم "فدك"، و"وادي القرى" لم يبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون للصلح، فقبل ذلك منهم رسول الله ﷺ وأقاموا بأموالهم, وكتب لهم بذلك كتابًا، وهاك نصه: "هذا كتاب محمد رسول الله لبني عادي، إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد". ثم أخذ رسول الله ﷺ في العودة إلى المدينة وكان رجوع المسلمين في أواخر صفر أو في أول ربيع الأول سنة سبع من الهجرة١. وفي جمادي الأولى بعد عودة رسول الله إلى المدينة جاء أبو العاص بن الربيع مهاجرًا من مكة بعد إسلامه فرد رسول الله ابنته زينب إليه٢. وبالقضاء على اليهود في خيبر، وفي المناطق حولها، لم يبق لليهود وجود قوي، ومع ذلك رفضوا الدخول في دين الله تعالى، واستمروا في كيدهم للإسلام والمسلمين وورثوا هذا الكيد لما جاء بعدهم من ذراريهم, وبذلك عاشوا على ضلالهم, وداوموا العداء لدين الله تعالى. وهم على ذلك إلى اليوم رغم تشتتهم في البلاد، وتقطع أوصالهم، وذهاب هويتهم.

стр. 574

رابعا: مواجهة القبائل المتمردة مدخل ... رابعًا: مواجهة القبائل المتمردة أدى صلح الحديبية إلى تمايز كل فريق بنيته وعمله، وبادر رسول الله ﷺ بالتعامل مع كل جبهة بما يناسبها. فهادن قريشًا ومن سار على نهجها. وواجه العالم بتبليغ الإسلام إليه، وتعريفه بدين الله تعالى. وواجه اليهود، وذهب إليهم في حصونهم حتى قضى على خطورتهم. وبقيت أمامه ثلة من القبائل المتناثرة في الجزيرة العربية التي عاشت على النهب والإغارة، ظنت نفسها بعيدة عن رسول الله ﷺ منقطعة عن المسلمين لبعدهم عنهم فأخذت تعمل ضد الإسلام متصورة أن المسلمين لن يعلموا شيئًا عن أخبارهم. ولم تكن هذه القبائل في بلدة واحدة، أو في مكان ثابت، بل هم من الرحل المتنقلين ولذلك كان لا بد لتأديبهم بواسطة حملات تأديبية سريعة وخفيفة، ومفاجئة، ليعلموا أنهم تحت بصر المسلمين، ومحل اهتمامهم, وليتيقنوا أن المسلمين بفضل الله ومعونته يملكون حسن التعامل مع كل فريق, بما يكافئه بحيث لا يخدعهم لئيم ولا يفاجئهم غادر. وقد أدت الحملات التأديبية لهذه القبائل إلى وقوع الغزوات والسرايا التالية:

стр. 575

١- غزوة ذات الرقاع: علم رسول الله ﷺ أن بطونًا من غطفان، المجاورين لخيبر قد تألموا لما لحق بأنصارهم من يهود خيبر وهم أنمار، وبنو ثعلبة، وبنو محارب، فأخذوا يجتمعون، ويستعدون لمهاجمة المدينة، فأسرع رسول الله ﷺ بالخروج إليهم في سبعمائة من أصحابه بعدما ولى على المدينة عثمان بن عفان ﵁ وسار حتى وصل إلى "نخل"١ فلقي جمعًا من غطفان، فتوافق الطرفان، ولم يقع قتال بعدما هاب كل طرف الطرف الآخر. يروي البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت الغزوة بـ"ذات الرقاع"، لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا٢. ويسمي البعض هذه الغزوة بغزوة الأعاجيب لما ظهر فيها من الآيات العجيبة وخوارق العادات المذهلة. يروي البخاري بسنده عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا

стр. 576

على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، فنزل رسول الله ﷺ ، وتفرق الناس في العضاة، يستظلون بالشجر, ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق بها سيفه. قال جابر: فنمنا نومة، فجاء رجل من المشركين فاخترط سيف رسول الله ﷺ فوقف على رأس رسول الله ثم قال: أتخافني؟ قال ﷺ : "لا". قال الرجل: فمن يمنعك مني؟ قال ﷺ : "الله". فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ﷺ ، فقال: من يمنعك مني؟ فقال الرجل: كن خير آخذ. قال ﷺ : "تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"؟. قال الرجل: أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك: فخلى سبيله فجاء إلى قومه، فقال جئتكم من عند خير الناس. قال جابر: فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئنا فإذا عنده أعرابي جالس. فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال لي: من يمنعك مني"؟ قلت: الله. فها هو ذا جالس". ثم لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم١. وفي رواية البخاري قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث. قال ابن حجر: ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور، وأنه أسلم لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين والله أعلم٢. والأعاجيب المروية كثيرة وهي مفصلة في كتب السيرة والسنة. وكانت غزوة ذات الرقاع في ربيع الأول سنة سبع للهجرة٣.

стр. 577

٢- سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح في قديد ١: وقعت هذه السرية في ربيع الأول سنة سبع للهجرة، وسببها أن بني الملوح قتلوا أصحاب بشير بن سويد، فبعث رسول الله ﷺ هذه السرية لأخذ الثأر، فشنوا الغارة في الليل فقتلوا من قتلوا، وساقوا النعم، وحين رجوعهم إلى المدينة طاردهم جيش كبير من العدو، أنقذهم الله تعالى منه لأنه حين قرب منهم نزل مطر غزير، وامتلأ الوادي بسيل عظيم حال بين الفريقين، وانسحب المسلمون وعادوا إلى المدينة غانمين منتصرين٢.

стр. 578

٣- سرية عمر بن الخطاب إلى تربة ١: أعلنت هوازن عدم موافقتها على صلح الحديبية مع أنها مجاورة لمكة وتقع بناحية العيلاء على طريق صنعاء ونجران وكان المأمول أن تسالم كما فعلت قريش، وبخاصة أنها شاهدت قوة المسلمين، وعلمت حرصهم على نشر الإسلام، وتبليغه للناس جميعًا. لكن هذا المأمول لم يتحقق، لأن هوازن أخذت تعد العدة العدة لمهاجمة رسول الله في المدينة، والاستيلاء على أموال المهاجرين والأنصار، فأرسل رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ في ثلاثين رجلا يقودهم دليل بن هلال، فأخذوا يسيرون في الليل، ويكمنون في النهار، فلما علمت هوازن بخبرهم هربوا، فلما جاء عمر ديارهم لم يجد أحدًا فرجع إلى المدينة١.

стр. 579

٤- سرية بشير بن سعد إلى بني مرة: سار بشير بن سعد الأنصاري ﵁ إلى بني مرة في إحدى نواحي "فدك" وهم جماعة من اليهود أبت أن تدخل في صلح قومهم مع رسول الله ﷺ ولذلك أرسل رسول الله ﷺ بشير بن سعد إليهم في شعبان سنة سبع للهجرة في ثلاثين رجلا. خرج إليهم بشير فلم يجد أحدًا منهم، فاستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه بنو مرة عند الليل فرموهم بالنبل حتى فني بشير وأصحابه، فقتلوا جميعًا إلا بشيرًا فإنه حمل جريحًا إلى فدك، فأقام عند يهودي حتى برأت جراحه، وعاد إلى المدينة١.

стр. 580

٥- سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة: سار غالب بن عبد الله الليثي في رمضان سنة سبع للهجرة إلى بني عوان، وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة، في مائة وثلاثين رجلا فهجموا عليهم جميعًا، وقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعمًا وشاء وعادوا إلى المدينة بما غنموا١.

стр. 581

٦- سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر: سار عبد الله بن رواحة إلى خيبر في شوال سنة سبع للهجرة في ثلاثين راكبًا، وذلك أن أسير بن رزام كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فلما وصل ابن رواحة إليهم خاطب أسيرا وأطمعه أن رسول الله ﷺ يستعمله على خيبر إن ترك جماعته فتركهم مع ثلاثين من أصحابه، وهنا وقع الشقاق بين أسير وقومه فتقاتلوا قتالا شديدًا، وتمكن المسلمون من الرجوع إلى المدينة، وقد أفضى شقاق القوم إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين وبذلك تفرق القوم، ولم يقع مع المسلمين قتال، وتم القضاء على رأس الفتنة، وعاد المسلمون سالمين إلى المدينة١.

стр. 582

٧- سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار: ثم كانت سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار في سنة سبع من الهجرة، وذلك أن حسيل بن نوبرة الأشجعي أخبر رسول الله ﷺ أن جمعًا من غطفان بالجناب، قد واعدوا عيينة بن حصين أن يزحفوا إلى أطراف المدينة. فذكر ذلك لأبي بكر وعمر ﵁، فأشار بإرسال بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وكان حسيل دليلهم، حتى أتوا إلى يمن وجبار وهي نحو الجناب والجناب يعارض "سلاح" و"خيبر" ووادي القرى، فنزلوا بسلاح، ثم دنوا من القوم فأصابوا نعمًا كثيرًا ملأوا منه أيديهم، وتفرق الرعاء فأنذروا أصحابهم، فمروا على وجوههم، فلم يلق بشير أحدًا، وعاد بالنعم، فوجد عينًا لعيينة فقتله، ثم لقي جمع عيينة فأوقع بهم وهم لا يشعرون وقد ناوشهم بشير حتى انهزموا، وأسر منهم رجلا أو رجلين، وقدم بهما المدينة فأسلما وتركهما الرسول ﷺ لحالهما١.

стр. 583

٨- سرية أبي حدرد ﵁ إلى الغابة: سار أبو حدرد الأسلمي إلى الغابة، وملخصها أن رجلا من جشم بن معاوية أقبل في عدد كبير على الغابة، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين، فبعث رسول الله ﷺ أبا حدرد مع رجلين فاختار أبو حدرد خطة حكيمة، وهزم العدو هزيمة منكرة، واستاق الكثير من الإبل والغنم١.

стр. 584

٩- سرية أبي بكر ﵁ إلى بني هلال: أرسل رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ في نفر من أصحابه لمباغتة بني كلاب بنجد في ناحية "ضرية" في شهر شعبان في العام السابع، ففاجأ القوم، وبيتهم ليلا وقتل منهم عددًا، عاد بعدها إلى المدينة المنورة١.

стр. 585

١٠- سرية غالب بن عبد الله إلى بني مرة: بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثي على مائتي رجل في صفر سنة ثمان، ومعه أسامة بن زيد وعلبة بن زيد الحارثي إلى بني مرة لتأديبهم على ما فعلوه مع بشير بن سعد وصحبه، فسار حتى دنا منهم، وبعث الطلائع عليها علبة بن زيد، فأعلموه خبرهم ثم وافاهم، وحضهم على الجهاد، وأوصاهم بالتقوى، وحمل بهم على القوم فقاتلوا ساعة ثم حووا الماشية والنساء، وقتلوا الرجال، ومر أسامة بن زيد في إثر رجل منهم يقال له: نهيك بن مرداس، حتى دنا منه، فقال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم ندم وأقبل إلى جماعته فقال له غالب بن عبد الله: بئس والله ما فعلت، تقاتل امرأ يقول: لا إله إلا الله. وقدموا المدينة، فحدث زيد رسول الله ﷺ بخبره. فقال: "قتلته يا أسامة! وقد قال: لا إله إلا الله؟! ". فجعل أسامة يقول: إنما قالها تعوذًا من القتل. فقال ﷺ : "أفلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب"؟. فقال أسامة: لا أقتل أحدًا يقول لا إله إلا الله أبدًا١.

стр. 586

خامسا: تطبيق بنود صلح الحديبية وأداء العمرة عمرة القضاء ... خامسًا: تطبيق بنود صلح الحديبية وأداء العمرة حافظ المسلمون والقرشيون على ما تعاهدوا عليه في الحديبية، وتفرغ رسول الله ﷺ في العمل في جبهات جديدة عديدة بعد أن أمن جبهة قريش، ولذلك تضاعف العمل، ونشطت الدعوة بعد صلح الحديبية، ومر عام من الجهاد والدعوة، وجاء موسم الحج وهو الموعد المتفق عليه لأداء العمرة، فتحرك المسلمون لأداء عمرتهم وتم لهم وعد الله تعالى حينما قال لهم سبحانه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ١. وبعد أداء العمرة واصلوا حركتهم بالدعوة ومواجهة الطغيان والمتمردين: وفي هذه الدراسة سنتناول الأمور الآتية: ١- عمرة القضاء: لما رجع رسول الله ﷺ من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين، ورجبًا وشعبان ورمضان وشوالا. فلما أهل شهر ذي القعدة من العام السابع أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يتجهزوا لأداء العمرة التي أجلوها من العام الماضي. وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء لأنها قضاء عن عمرة العام السابق. كما تسمى عمرة القصاص لأن الله كتبها لهم عوضًا عن الأولى التي لم تمكنهم قريش منها فتمت مثلا بمثل، وتسمى عمرة الصلح لأنها تمت بناء على بنود صلح الحديبية. وتسمى عمرة القضية لأن رسول الله قاضى أهل مكة وصالحهم على هذه العمرة. والبعض يسميها: غزوة القضاء لخروج رسول الله ﷺ على رأسها قاصدًا مكة

стр. 587

ليدخلها، رغم أنف المشركين فيها١. أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يعتمروا، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية فلم يتخلف من أهلها أحد، ممن هو حي، وخرج معهم عدد من غير أهل الحديبية فبلغ عدد الخارجين للعمرة ألفين. وقال جماعة من المسلمين: والله يا رسول الله ما لنا زاد، وما من أحد يطعمنا، فأمر رسول الله ﷺ المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله، وأن يتصدقوا، وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا. فقلوا: يا رسول الله بما نتصدق، وأحدنا لا يجد شيئًا؟ فقال: "بما كان ولو بشق تمرة، ولو بمشقص يحمل به أحدكم في سبيل الله" ٢. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ يعني أن ترك النفقة في سبيل الله يؤدي إلى الهلكة. وساق ﷺ ستين بدنة جعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي ﵁، يطلب الرعي بها في الشجر، ومعه أربعة فتيان من أسلم، وكان أبو رهم كلثوم بن حصين الغفاري، ممن يسوقها ويركبها. وقلد ﷺ هديه بيده، وحمل السلاح وفيها البيض والدروع، وقاد مائة فرس أمر عليها محمد بن مسلمة، واصطحب العتاد والسلاح، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري وأحرم من باب المسجد، وسار يلبي والمسلمون معه يلبون. فلما انتهى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، وجد بها نفرًا من قريش، فسألوه عن رسول الله ﷺ فقال: يصبح في هذا المنزل غدًا إن شاء الله. فلما رأوا سلاحًا كثيرا مع بشير بن سعد، أسرعوا إلى مكة، وأخبروا قريشًا ففزعوا، وقالوا: والله ما أحدثنا حدثًا، ففيم يغزونا محمد؟ ولما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قدم السلاح إلى بطن يأجج، وترك معه مائتين من

стр. 588

أصحابه، عليهم أوس بن خولى ﵁. وخرج مكرز بن حفص في نفر حتى لقوا رسول الله ﷺ ببطن يأجج. فقالوا: يا محمد! والله ما عرفت صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر! تدخل بالسلاح الحرم! وقد اشترطت ألا تدخل إلا بسلاح المسافر والسيوف في القرب؟ فقال ﷺ : "إني لا أدخل عليهم السلاح". فعاد مكرز إلى مكة فخرجت قريش إلى رءوس الجبال وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه وحبس ﷺ الهدى بذي طوى، ودخل ﷺ مكة من الثنية التي تطلع على الحجون وقد ركب القصواء، وأصحابه حوله متوشحو السيوف يلبون، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل ﷺ يلبي حتى استلم الركن١. وتحدثت قريش عن جهد المسلمين وضعفهم، ووقف منهم جماعات عند دار الندوة ليروا ما تصوروه فاضطبع ﷺ بردائه، وأخرج عضده الأيمن، ثم قال: "رحم الله امرأ أراهم اليوم قوة"!. فلما انتهى إلى البيت وهو على راحلته، وابن رواحة آخذ بزمامها، وقد صف له المسلمون دنا من الركن فاستلمه بمحجنه، وهو مضطبع بثوبه، وهرول هو والمسلمون في الثلاثة الأشواط الأول، وكان ابن رواحة يرتجز في طوافه، وهو آخذ بزمام الناقة، فقال ﷺ : "إيه يابن رواحه! قل: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده! فقالها ابن رواحة وقالها الناس". فلما قضى ﷺ طوافه، خرج إلى الصفا فسعى على راحلته، والمسلمون يسترونه من أهل مكة أن يرميه أحد منهم أو يصيبه بشيء، ووقف عند فراغه قريبًا من المروة، وأوقف الهدي عندها فقال: "هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر" ٢. ونحر عند المروة وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، وشركه في الهدي من شهد الحديبية، فمن وجد بدنة من الإبل نحرها، ومن لم يجد بدنة رخص له في البقرة، وكان قد قدم رجل من الأعراب ببقر فاشتراه الناس منه، وحلق ﷺ عند المروة حلقه معمر بن عبد الله العدوي.

стр. 589

ثم دخل ﷺ البيت، ولم يزل فيه حتى أذن بلال بالظهر فوق ظهر الكعبة. وخطب ﷺ ميمونة وهو في مكة فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فتزوجها ﷺ وهو محرم، وقيل: بل تزوجها لما أحل بسرف. ولما حان موعد خروج المسلمين من مكة ورجوعهم إلى المدينة جاءتهم عمارة بنت حمزة ﵂ تنادي: يا عم، يا عم. فأخذها علي ﵁. وكانت مع أمها سلمى بنت عميس بمكة، فقال: علام نترك بنت عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين! فخرج بها، حتى إذا دنوا من المدينة أراد زيد بن حارثة أن يتزوجها لأنه كان وصي حمزة وأخوه أخوة المهاجرين، وقال: أنا أحق بها، إنها ابنة أخي. فقال جعفر بن أبي طالب: الخالة والدة وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي، أسماء بنت عميس. فقال علي ﵁: ألا أراكم في ابنة عمي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها نسب دوني، وأنا أحق بها منكم. فقال رسول الله ﷺ : "أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ورسوله, وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي, وأما أنت يا جعفر فتشبه خَلقي وخُلقي، أنت يا جعفر أولى بها، تحبك خالتك". فقضى بها لجعفر. فقام جعفر فحجل حول النبي ﷺ فقال: "ما هذا يا جعفر"؟. قال: يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدًا قام فحجل حوله. فقال علي ﵁: تزوجها يا رسول الله ﷺ . قال ﷺ : "هي ابنه أخي من الرضاعة" ١. ولما كان الظهر في اليوم الرابع، أتى سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى رسول الله ﷺ في مجلس الأنصار، وهو يتحدث مع سعد بن عبادة، فقالا: قد انقضى

стр. 590

أجلك يا محمد، فاخرج عنا. فقال ﷺ : "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعت طعامًا"؟. فقالا: لا حاجة لنا في طعامك، اخرج عنا، ننشدك الله والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا! فهذه الثلاث قد مضت! فغضب سعد بن عبادة وقال لسهيل: كذبت لا أم لك! ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يبرح منها إلا طائعًا راضيًا. فتبسم ﷺ ثم قال: "يا سعد! لا تؤذ قومًا زارونا في رحالنا". فأسكت الرجلين عن سعد, وروي أنهم بعثوا عليًا إلى النبي ﷺ ليخرج عن بلدهم١. وأمر ﷺ أبا رافع بالرحيل، وقال: "لا يمسين بها أحد من المسلمين". وركب حتى نزل سرف، وخلف أبا رافع ليحمل إليه ميمونة حين يمسي، فخرج بها مساء، ولقي عنتًا من سفهاء المشركين فبنى ﷺ على ميمونة بسرف. ولم ينزل بمكة بيتًا، وإنما ضربت له قبة من أدم بالأبطح، وظل هناك حتى سار منها وأثناء إقامته بعث بمائتي رجل ممن طافوا بالبيت إلى بطن يأجج، فأقاموا عند السلاح حتى أتى الآخرون فقضوا نسكهم، وبعد أن أدى المسلمون عمرتهم عادوا إلى المدينة في ذي الحجة من نفس العام٢. وفي صفر من العام الثامن، وبعد استقرار المسلمين في المدينة خرج عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي من مكة، بعد مرجعه من الحبشة، يريد المدينة، فهاجر فوجد في طريقه خالد بن الوليد القرشي المخزومي، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة القرشي العبدري، وقد قصدوا قصده، فقدموا المدينة، ودخلوا على رسول الله ﷺ فبايعه خالد أولا، ثم بايعه عثمان، ثم عمرو فقال لهم ﷺ : "إن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها". وهكذا أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بعد هذه الرحلة الطويلة من الجهاد والمعاناة، وصارا من خيرة صحابة رسول الله ﷺ ، ولله في خلقه شئون.

стр. 591

٢- سرية ابن أبي العوجاء: أرسل رسول الله ﷺ ابن أبي العوجاء في شهر ذي الحجة سنة سبع في خمسين رجلا بعثه رسول الله ﷺ إلى بني سليم، ليدعوهم إلى الإسلام. فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا. وكان مع ابن العوجاء رجل من بني سليم سبق السرية، وأخبر قومه بقدومها فتجمعوا واستعدوا وقاتلوا قتالا شديدًا حتى قتل أغلب رجال السرية، وجرح فيها أبو العوجاء، وتحامل المسلمون حتى رجع من عاش منهم إلى المدينة في أول صفر من العام الثامن١.

стр. 592

٣- سرية غالب بن عبد الله: أرسل رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان في مائتي رجل، فأصابوا من العدو نعمًا، وقتلوا منهم قتلى وقد تبعهم القوم فحال الله بينهم بواد عميق ملأه المطر ماء١.

стр. 593

سرية ذات الصلح ... ٤- سرية ذات أطلاح: سرية ذات أطلاح في ربيع الأول سنة ثمان، كانت بنو قضاعة قد حشدت جموعًا كبيرة للإغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله ﷺ كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلا، فلقوا العدو فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل حتى استشهدوا كلهم إلا رجلا واحدًا، فقد جرح وتحامل حتى أتى المدينة فشق ذلك على رسول الله ﷺ فلما هم بإرسال سرية أخرى لتأديبهم علم أنهم تركوا ديارهم وأقاموا في مكان آخر١.

стр. 594

٥- سرية ذات عرق: سرية ذات عرق إلى بني هوازن في ربيع الأول سنة ثمان، كانت بنو هوازن قد أمدت الأعداء مرة بعد أخرى، فأرسل إليها شجاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلا فاستاقوا نعمًا من العدو، ولم يلقوا كيدًا١.

стр. 595

٦- سرية شجاع بن وهب إلى السي: كانت سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى السي، وهو ماء من ذات عرق إلى وجرة يريد بني عامر بناحية ركبة في ربيع الأول سنة ثمان، على أربعة وعشرين رجلا، فخرج حتى أغار على القوم وهم فارون، فأصابوا نعمًا وشاء، وقدموا المدينة بسبايا، فيهن جارية وضيئة، فلما قدم بنو عامر إلى رسول الله مسلمين رد إليهم ما أخذ منهم، واختارت الجارية الوضيئة شجاع بن وهب، وكان قد أخذها بثمن فأقامت عنده حتى قتل باليمامة رضي الله عنه١.

стр. 596

٧- سرية قطبة بن عامر إلى خثعم بتبالة: بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية "تبالة" فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها، فوجد قطبة رجلا فسأله فلم يجبه عن القوم وجعل يصيح بالحاضرين، فضرب عنقه، وشن الغارة ليلا فقاتله القوم قتالا شديدًا، وأتى قطبة عليهم، وساق النعم والشاء والنساء حتى قدم المدينة، فكانت سهامهم أربعة أبعرة لكل رجل أو عدلها: عشرة من الغنم عن كل بعير١. ويلاحظ أن السرايا التي تحركت بعد عمرة القضاء توجهت إلى قبائل بعيدة عن المدينة، وهي من الرحل الذين لا يستقرون في مكان واحد، وأن الهدف كان منعهم من التفكير في الإغارة والنهب, وإحاطتهم بقوة المسلمين, وتعريفهم ما في الإسلام من حق ومزايا.

стр. 597

سادسا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها مدخل ... سادسًا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها: علت قوة المسلمين في الجزيرة كلها واستكان القرشيون، وعلم الناس خبر الإسلام فبدءوا الدخول فيه غير أن نفرًا من الناس وبخاصة من لهم صلة بالرومان أبوا الانصياع للواقع الجديد فبدءوا يلتقون بالرومان، ويتعاونون معهم في التصدي لدعاة الإسلام، وكراهية قوة المسلمين. وشجعهم على ذلك ما فعله صاحب بصرى شرحبيل بن عميل الغساني عامل البلقاء من قبل قيصر الروم حيث مزق كتاب رسول الله وقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي حامل الرسالة. إن هذا الفعل جريمة تحتاج إلى المواجهة حتى لا يتصور الناس ضعفًا بالمسلمين فيستهينون بهم، ويصدون الدعاة عن تبليغ الحق، وحمل الإسلام إلى الناس. إزاء هذا الواقع الذي حدث في شمال الجزيرة العربية بدأت مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية مع هذه المنطقة رغم بعدها عن المدينة، واستعداداتها العسكرية الضخمة، وقد أدت المواجهة مع هؤلاء الناس إلى حدوث السرايا التالية:

стр. 598

١- سرية مؤتة ١: أدى مقتل الصحابي "الحارث بن عمير" حامل رسالة رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى إلى غضب رسول الله ﷺ وتألمه لهذا العدوان الذي لا يراعي حقًا، ولا يحترم خلقًا، فجهز جيشًا من ثلاثة آلاف صحابي، وأمر عليه ثلاثة من خيرة الصحابة هم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ﵃ فأمر زيدًا أولا وقال لهم: "إن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله". وعقد لهم لواء أبيض٢. وسار رسول الله ﷺ حتى كان خارج المدينة فعسكر بـ"الجرف" وندب الصحابة للخروج، ولم يبين لهم الأمر، حتى صلى بهم الظهر فجلس معهم، وعين الأمراء، وعقد

стр. 599

اللواء وأعطاه للأمير الأول، زيد بن حارثة، وأخذ المؤمنون يدعون قائلين وهم يودعون المجاهدين: دافع الله عنكم وردكم صالحين غانمين. وقد ودع رسول الله الجيش حتى ثنية الوداع، وهناك أوصاهم فقال لهم: "أوصيك بتقوى الله، وبمن معك من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. إن دخلوا في الإسلام واختاروا أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا الإسلام فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة رسوله، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تنقضوا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.

стр. 600

وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين للناس، فلا تتعرضوا لهم وستجدون آخرين في رءوسهم مفاحص الغدر والهوى فاقلعوها بالسيوف. ولا تقتلن امرأة ولا صغيرًا ضرعًا، ولا كبيرًا فانيًا، ولا تغرقن نخلا، ولا تقلعن شجرًا ولا تهدموا بيتًا"١. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، مرني بشيء أحفظه عنك. قال ﷺ : "إنك قادم غدًا بلدًا، السجود فيه قليل فأكثر السجود". قال ابن رواحة: زدني يا رسول الله. قال ﷺ : "اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب". فقام عبد الله من عنده، حتى إذا مضى ذاهبًا رجع. فقال: يا رسول الله! إن الله وتر يحب الوتر. فقال: "يابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشرًا أن تحسن واحدة". فقال: لا أسألك عن شيء بعدها٢. ومضى المسلمون، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير وسمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم، فقام فيهم رجل من الأزد يقال له: شرحبيل بن عمرو الغساني، وقدم الطلائع أمامه، وبعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين فلقوا المسلمين بوادي القرى فقاتلهم المسلمون وقتلوا سدوسًا. ونزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من البلقاء في مائة ألف من الروم، ومعه من بهراء ووائل، وبكر، ولخم، وجذام مائة ألف عليهم رجل من بلى يقال له: مالك. فأقاموا ليلتين بـ"معان" وأرادوا أن يكتبوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر ليردهم أو يزيدهم رجالا، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به،
следующие страницы →