٧- سرية قطبة بن عامر إلى خثعم بتبالة:
بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية "تبالة" فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها، فوجد قطبة رجلا فسأله فلم يجبه عن القوم وجعل يصيح بالحاضرين، فضرب عنقه، وشن الغارة ليلا فقاتله القوم قتالا شديدًا، وأتى قطبة عليهم، وساق النعم والشاء والنساء حتى قدم المدينة، فكانت سهامهم أربعة أبعرة لكل رجل أو عدلها: عشرة من الغنم عن كل بعير١.
ويلاحظ أن السرايا التي تحركت بعد عمرة القضاء توجهت إلى قبائل بعيدة عن المدينة، وهي من الرحل الذين لا يستقرون في مكان واحد، وأن الهدف كان منعهم من التفكير في الإغارة والنهب, وإحاطتهم بقوة المسلمين, وتعريفهم ما في الإسلام من حق ومزايا.
стр. 597
سادسا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها
مدخل
...
سادسًا: بدء مواجهة الرومان والقبائل التابعة لها:
علت قوة المسلمين في الجزيرة كلها واستكان القرشيون، وعلم الناس خبر الإسلام فبدءوا الدخول فيه غير أن نفرًا من الناس وبخاصة من لهم صلة بالرومان أبوا الانصياع للواقع الجديد فبدءوا يلتقون بالرومان، ويتعاونون معهم في التصدي لدعاة الإسلام، وكراهية قوة المسلمين.
وشجعهم على ذلك ما فعله صاحب بصرى شرحبيل بن عميل الغساني عامل البلقاء من قبل قيصر الروم حيث مزق كتاب رسول الله وقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي حامل الرسالة.
إن هذا الفعل جريمة تحتاج إلى المواجهة حتى لا يتصور الناس ضعفًا بالمسلمين فيستهينون بهم، ويصدون الدعاة عن تبليغ الحق، وحمل الإسلام إلى الناس.
إزاء هذا الواقع الذي حدث في شمال الجزيرة العربية بدأت مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية مع هذه المنطقة رغم بعدها عن المدينة، واستعداداتها العسكرية الضخمة، وقد أدت المواجهة مع هؤلاء الناس إلى حدوث السرايا التالية:
стр. 598
١- سرية مؤتة ١:
أدى مقتل الصحابي "الحارث بن عمير" حامل رسالة رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى إلى غضب رسول الله ﷺ وتألمه لهذا العدوان الذي لا يراعي حقًا، ولا يحترم خلقًا، فجهز جيشًا من ثلاثة آلاف صحابي، وأمر عليه ثلاثة من خيرة الصحابة هم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ﵃ فأمر زيدًا أولا وقال لهم: "إن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله". وعقد لهم لواء أبيض٢.
وسار رسول الله ﷺ حتى كان خارج المدينة فعسكر بـ"الجرف" وندب الصحابة للخروج، ولم يبين لهم الأمر، حتى صلى بهم الظهر فجلس معهم، وعين الأمراء، وعقد
стр. 599
اللواء وأعطاه للأمير الأول، زيد بن حارثة، وأخذ المؤمنون يدعون قائلين وهم يودعون المجاهدين: دافع الله عنكم وردكم صالحين غانمين.
وقد ودع رسول الله الجيش حتى ثنية الوداع، وهناك أوصاهم فقال لهم: "أوصيك بتقوى الله، وبمن معك من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا.
وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، واكفف عنهم.
ادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين.
إن دخلوا في الإسلام واختاروا أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن أبوا الإسلام فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟
وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة رسوله، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تنقضوا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.
стр. 600
وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين للناس، فلا تتعرضوا لهم وستجدون آخرين في رءوسهم مفاحص الغدر والهوى فاقلعوها بالسيوف.
ولا تقتلن امرأة ولا صغيرًا ضرعًا، ولا كبيرًا فانيًا، ولا تغرقن نخلا، ولا تقلعن شجرًا ولا تهدموا بيتًا"١.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، مرني بشيء أحفظه عنك.
قال ﷺ : "إنك قادم غدًا بلدًا، السجود فيه قليل فأكثر السجود".
قال ابن رواحة: زدني يا رسول الله.
قال ﷺ : "اذكر الله، فإنه عون لك على ما تطلب".
فقام عبد الله من عنده، حتى إذا مضى ذاهبًا رجع.
فقال: يا رسول الله! إن الله وتر يحب الوتر.
فقال: "يابن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشرًا أن تحسن واحدة".
فقال: لا أسألك عن شيء بعدها٢.
ومضى المسلمون، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن ينتهوا إلى مقتل الحارث بن عمير وسمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم، فقام فيهم رجل من الأزد يقال له: شرحبيل بن عمرو الغساني، وقدم الطلائع أمامه، وبعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين فلقوا المسلمين بوادي القرى فقاتلهم المسلمون وقتلوا سدوسًا.
ونزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من البلقاء في مائة ألف من الروم، ومعه من بهراء ووائل، وبكر، ولخم، وجذام مائة ألف عليهم رجل من بلى يقال له: مالك.
فأقاموا ليلتين بـ"معان" وأرادوا أن يكتبوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر ليردهم أو يزيدهم رجالا، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال: والله ما كنا نقاتل الناس بكثرة عدد، ولا بكثرة سلاح، ولا بكثرة خيول، إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به،
стр. 601
انطلقوا والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد وما معنا إلا فرس واحد، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور عليهم، فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا، وليس لوعده خلف وإما الشهادة، فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان.
فشجع الناس ومضوا إلى مؤتة، فرأوا المشركين ومعهم ما لا قبل للمسلمين به من العدد، والسلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب.
قال أبو هريرة: وقد شهدت ذلك فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، ما لك؟ كأنك ترى جموعًا كثيرة.
قلت: نعم.
قال: لم تشهدنا ببدر، إنا لم ننصر بالكثرة.
وقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم: فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم، وعلى الميمنة قطبة بن قتادة السدوسي، وعلى الميسرة عباية بن مالك، فقتل زيد طعنًا بالرماح.
ثم أخذ اللواء جعفر فنزل عن فرسه فعرقبها، ثم قاتل حتى قتل: ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في نصفه بضع وثلاثون جرحًا، وقيل: وجد فيما بين منكبيه، اثنتان وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح، ووجد به طعنة قد أنفذته.
ثم أخذ اللواء بعده عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل١.
وسقط اللواء، فاختلط المسلمون والمشركون، وانهزم المسلمون أسوأ هزيمة، وقتلوا، وأتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرًا، فما يثوب إليه أحد، ثم تراجعوا، فأخذ اللواء ثابت بن أقرم، وصاح: يا للأنصار، فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: هلموا إلي أيها الناس.
فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان.
стр. 602
فقال خالد: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا.
قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك.
فأخذه خالد وواصل القتال، وجعل المشركون يحملون عليه، فثبت حتى كل المشركون، وحمل بأصحابه ففض جمعًا من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير فتحملها خالد والمسلمون حتى انتهى اليوم.
بات خالد ليلته ووضع خطة جديدة فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقة وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، وصمد في واد واسع ينتهي بمضيق جهة الرومان فلما جاء الرومان من المضيق، ورأوا تنظيم المسلمين أنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم، فقالوا: قد جاءهم مدد، ورعبوا، فانكشفوا منهزمين، وحين تراجعهم اضطربوا في المضيق وأدى تزاحمهم إلى هلاك كثير منهم وقتل المسلمون منهم مقتلة لم يقتلها قوم آخرون١.
وقتل من المسلمين يوم مؤتة اثنا عشر شهيدًا بما فيهم القواد الثلاثة وانسحب الجيش الإسلامي وعاد إلى المدينة ببعض الغنائم وتحدث أهل المدينة بأن الجيش فر من المعركة وسموهم بالفرار, فقعد الناس في بيوتهم حتى لا يسمعوا من يناديهم يا فرار. وكانوا يصلون في دورهم ولا يحضرون جماعة المسجد.
فلما علم بذلك النبي ﷺ قال: "ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار في سبيل الله" ٢.
والصحيح أن كل فئة انحازت عن الأخرى، وأطلع الله على ذلك رسوله من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال عنهم ﷺ : "لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحه ازورارًا عن سرير صاحبيه، فقلت عم هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى".
стр. 603
وقال رسول الله ﷺ : "مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا وابن رواحة في أعناقهما صدود، ورأيت جعفرًا مستقيمًا ليس فيه صدود قال: فسألت فقيل لي: إنهما حين غشيهما الموت أعرضا أو كأنهما صدا بوجوههما، وأما جعفر فإنه لم يفعل".
وقال رسول الله ﷺ في جعفر: "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء".
قال أبو عمر: وروينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه، تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح.
وقال موسى بن عقبة: قدم يعلى بن منبة على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله ﷺ : "إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك". قال: أخبرني يا رسول الله فأخبره ﷺ خبرهم كله، ووصفهم له، فقال: والذي بعثك بالحق، ما تركت من حديثهم حرفًا واحدًا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معركتهم" ١.
стр. 604
٢- غزوة ذات السلاسل ١:
بعد انتهاء غزوة مؤتة، ورجوع المسلمين إلى المدينة بلغ رسول الله ﷺ أن نفرًا من "بلى وقضاعة" وهم الذين كانوا مع الرومان في مؤتة يجتمعون ويستعدون لمهاجمة أطراف المدينة فجهز رسول الله ﷺ جيشًا من المسلمين بلغ ثلاثمائة رجل ومعهم ثلاثون فرسًا وأمر عليهم عمرو بن العاص ﵁ لرحمه فيهم لأن أمه كانت بلوية أملا في تأثرهم بقرابته وعقد له اللواء وأعطاه راية سوداء.
أخذ عمرو ﵁ يتحرك بالجيش فكان يسير في الليل ويكمن بالنهار، فلما اقترب من القوم أرسل طلائعه للوقوف على خبرهم فبلغه أنهم جمع كثيف، فأرسل ابن مكيث إلى رسول الله ﷺ يخبره بجمع القوم، ويستمده بالرجال، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في مائتين من كبار الصحابة، فلحقوا بعمرو وجنوده، فاختلف أبو عبيدة وعمرو
стр. 605
فيمن يتولى إمارة الجيش حيث رأى أبو عبيدة أنه أمير مجموعته، وتمسك عمرو بأنه قائد الغزو، والمدد يتبعه، ولا يصح تواجد قائدين على جيش مسئول عن مهمة واحدة.
وبعد جدل ونقاش سلم أبو عبيدة القيادة لعمرو وقال له: لتطمئن يا عمرو، وتعلمن أن آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن قال: "إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا". وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك١، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، فآب إلى عمرو جمع، فصاروا خمسمائة، فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلى ودوخها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا به تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين.
ولقي في آخر ذلك جمعًا ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل.
ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا، وأعجزوا هربًا في البلاد وتفرقوا.
وهزم عمرو من هناك وأقام أيامًا لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تقسم إلا ما ذكر له٢.
وتميز عمرو بن العاص بحسمه في القرار، وحسن قيادته لجنده، وكان يصر على تنفيذ ما يأمر به وبخاصة أنه في ميدان معركة لا يصح معه الجدل، والنقاش فلقد أمر جنوده بعدم إشعال النار ليلا رغم شدة البرد وقسوة الشتاء حتى لا يجد العدو مبيتهم فيفاجئهم.
كما أصر على وحدة القيادة، وأطاعه أبو عبيدة ﵁ وعاد المسلمون بعد انتهاء اللقاء إلى المدينة سالمين.
стр. 606
٣- سرية الخبط:
بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في سرية فيها المهاجرون والأنصار، وهم ثلاثمائة رجل، إلى ساحل البحر إلى حي من جهينة، فأصابهم جوع شديد، فأكلوا الخبط حتى إن شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير العضة، فمكثنا على ذلك حتى قال لهم أبو عبيدة: لو لقينا عدوًا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد.
فقال قيس بن سعد: من يشتري مني تمرًا يجزر، يوفيني الجزر ها هنا وأوفيه التمر بالمدينة؟
فجعل عمر بن الخطاب يقول: واعجباه لهذا الغلام، لا مال له يدان في مال غيره فوجد قيس رجلا من جهينة فقال له: بعني جزرًا وأوفيك سقة من تمر بالمدينة.
قال الجهني: والله ما أعرفك؟ ومن أنت؟
قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم.
قال الجهني: ما أعرفتني بنسبك، أما إن بيني وبين سعد خلة، سيد أهل يثرب، فابتاع منهم خمس جزر كل جزور بوسقين من تمر، يشترط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلية من تمر آل دليم.
يقول قيس: نعم.
فقال الجهني: فأشهد لي فأشهد له نفرًا من الأنصار ومعهم نفر من المهاجرين.
قال قيس: أشهد من تحب، فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب ﵁.
فقال عمر: لا أشهد هذا يدان ولا مال له، إنما المال لأبيه.
قال الجهني: والله ما كان سعد ليخنى بابنه في سقة من تمر، وأرى وجهًا حسنًا وفعالا شريفًا.
فكان بين عمر وبين قيس كلام حتى أغلظ له قيس الكلام، وأخذ قيس الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة، كل يوم جزورًا فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره.
وقال أبو عبيدة: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ ١.
أقبل أبو عبيدة بن الجراح ومعه عمر بن الخطاب ﵁ إلى قيس ونهياه عن ذبح الجزر فقال أبو عبيدة: عزمت عليك ألا تنحر، أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟
فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت وهو يقضي دين الناس، ويحمل الكل
стр. 607
ويطعم في المجاعة، لا يقضي سفة تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله، فكاد أبو عبيدة أن يلين له، ويتركه حين جعل عمر يقول: اعزم عليه فعزم عليه، فأبى عليه أن ينحر، فبقيت جزوران معه حتى وجد القوم الحوت في البحر فكفاهم اثنى عشر يومًا.
فقدم قيس المدينة ظهرًا مع المسلمين وهم يتعاقبون على ما بقي معه من الإبل وبلغ سعد ما كان أصاب القوم من المجاعة.
فقال: إن يكن قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم.
فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟
قال: نحرت.
قال: أصبت انحر.
قال: ثم ماذا؟
قال: نحرت.
قال: أصبت.
قال: ثم ماذا؟
قال: ثم نحرت.
قال: أصبت، انحر.
قال: ثم ماذا؟
قال: نهيت.
قال: ومن نهاك؟
قال: أبو عبيدة بن الجراح أميري.
قال: ولم؟
قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك.
فقلت: أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، ولا يصنع هذا بي وبالمجاهدين.
قال أبوه: فلك أربع حوائط، وكتب له بذلك كتابًا، وأتى بالكتاب إلى أبي عبيدة فشهد فيه، وأتى عمر فأبى أن يشهد فيه، وأدنى حائط يعطي منها خمسين وسقًا.
وقدم البدوي مع قيس فأوفاه سقته وحمله وكساه، فبلغ النبي ﷺ فعل قيس.
فقال: "إنه في بيت جود" ١.
стр. 608
٤- سرية أبي قتادة إلى خضرة:
كانت سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد أميرها أبو قتادة الأنصاري، بعثه رسول الله ﷺ في شعبان منها في خمسة عشر رجلا إلى غطفان نحو نجد، فساروا ليلا وكمنوا نهارًا، حتى أتوا ناحيتهم، فهجموا على حاضر منهم عظيم، وجردوا سيوفهم، وكبروا، فقتلوا رجالا، واستاقوا النعم، وحملوا النساء حتى قدموا بمائتي بعير، وألف شاة، وسبي كثير، فعزلوا من ذلك الخمس.
وقد غابوا خمس عشرة ليلة، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، أو عدلها من البعير عشرة من الغنم١.
стр. 609
سابعًا: حركة الدعوة في مرحلة ما بين الحديبية وفتح مكة
بعدما أتم المسلمون صلح الحديبية أخذت الحركة بالدعوة صورًا كثيرة، ونشطت في أماكن متعددة، واستفادت بكل الوقائع المتاحة.
وقد رأينا تتابع الرسائل إلى العالم كله يحملها دعاة مخلصون لدينهم، وكانت الرسالة يحملها صحابي واحد، ويسلمها إلى كبير القوم الذين قصدهم ملكًا كان أو سلطانًا، أو أميرًا، أو شيخًا لقبيلة، وهذا يؤكد اعتماد تبليغ الإسلام على الكلمة الحرة الطليقة، والبرهان الدقيق والتعامل مع الواقع، واستنطاق الآيات منه. وأن لا ما حمل
стр. 610
البلاغ رجل واحد إلى أمة كبيرة بعيدة, ولم يترتب على عدم الاستجابة عداء أو حرب اللهم إلا في حالات الاعتداء على حامل الرسالة، والاستهزاء بشخصه، والاستهانة بإنسانيته، واحتقار دين الله تعالى بأي صورة كانت.
وعاشت الجزيرة العربية كلها حالة من الاستقرار والهدوء، وبدأ الناس يفدون إلى المدينة المنورة باحثين عن الحق ليكونوا معه وراجت تجارة أهل مكة بعدما تحقق الأمان لهم وهم يرحلون, ولم يشذ عن هذا الاستقرار إلا فريقان من الناس.
الفريق الأول وهم اليهود، فلقد تجمعوا في منطقة خيبر بعد إخراجهم من المدينة ونظموا حياتهم ومعاشهم فزرعوا الوادي بالنخيل والأشجار والثمار، وأقاموا على المرتفعات البيوت وحصونها وفق خطة منتظمة حيث جعلوا كل مجموعة من البيوت حصنًا، وكل حصون مرتفع ما حصنًا رئيسًا، وأحاطوا كل حصن رئيس بسور ضخم أعدوه للدفاع والقتال يسمح للمدافعين بالإقامة فوقه في علوهم. وبعد هذا يكون الوادي المزروع, وأسسوا في السور أبوابًا للدخول والخروج أحاطوها بالحرس من جانبيه, وربطوا بين الحصون الرئيسية بطرق بين الشجر والزروع، وتحت الأرض, وتصور اليهود في خيبر إمكانية تعرضهم للحصار فملئوا حصونهم بالأمتعة، والأغذية والسلاح ليتحملوا الحصار مدة طويلة توقع من يهاجمهم في اليأس، وتضطره إلى الإنسحاب وظن اليهود أن حصونهم ستمنعهم من المسلمين فأخذوا في الكيد لهم، وتحريض الأعراب على معاداة المسلمين، وتشجيع الرومان وأتباعهم على ضرورة التصدي للقوة الإسلامية قبل أن يستفحل الأمر، ويستحيل مواجهة المسلمين.
قدر رسول الله ﷺ واقع اليهود، وتيقن أن السكوت على عداوتهم وتصرفاتهم سيعيد الكثير إلى معاداة المسلمين، وسيزيدهم غرورًا وهمجية، ولذلك كانت ضرورة التحرك إلى خيبر وما حولها للتخلص من هذا الخطر الذي لا يرضى بالسلام، ولا يريد المسالمة وكان إن قضى النبي ﷺ على حصونهم وأتباعهم في خيبر، وفدك، وتيماء، وأذرعات، وبذلك تطهر شمال جزيرة العرب، وأصبحت الحركة آمنة للدعوة إلى الله تعالى.
стр. 611
إن الإنسان المعاصر وهو يتصور حصون خيبر، واستعداداتها يتصور ما تفعله إسرائيل اليوم من جدار عازل، وقنوات مائية عميقة تجحظ جيرانها عنها لتعيش آمنة فيما اغتصبت من أرض، وتتمتع بما سرقته من أوطان.
يتصور الإنسان ذلك ويتساءل أين أصحاب محمد للتخلص من هذا العدوان الظالم؟ وأين هي القوة التي تستطيع المحافظة على الحقوق، وإلزام كل إنسان بما وجب عليه؟ ويفهم الإنسان المعاصر وهو يرى الظلم والظلمات الحكمة في أهمية القوة الإسلامية وضرورتها لحماية الحقوق، وصيانة الكرامة، ومنع الظلم والعدوان.
وفي هذه المرحلة التاريخية أدى رسول الله ﷺ وكثير من المسلمين عمرة القضاء في إطار ما عاهد عليه قريش، فالتزم ووفى وزار البيت واعتمر، وأظهر للدنيا كلها طبيعة الإسلام في سلامه وعطائه.
وكما واجه الرسول ﷺ يهود خيبر أرسل جيش مؤتة إلى أطراف بلاد الروم ليكون رسالة تحذيرية للرومان وأتباعهم ليدركوا أن ما أصاب اليهود قد يصيبهم إذا ألفوا العدوان والظلم, ولقد أدى جيش مؤتة مهمته وعاد إلى المدينة المنورة، وقد اشترك المسلمون في عديد من السرايا ليتعودوا على الحرب، ويعلموا دورهم في حماية الإسلام والدعوة لدين الله تعالى, وكان القرآن معهم يوجههم، ويربيهم بمنهج الله تعالى.
стр. 612
المبحث الثاني عشر: وتطهير الجزيرة العربية كلها من الشرك
مدخل
...
المبحث الثاني عشر: فتح مكة وتطهير الجزيرة العربية كلها من الشرك
رضيت الجزيرة العربية بواقعها الجديد، وأخذت تؤمن بالإسلام، وتدخل في دين الله تعالى, ولم تبق إلا جيوب قليلة استمرت على عدائها لرسول الله ﷺ وعاشت تكره دين الله تعالى, وعلى رأس هذه الجيوب رءوس الكفر في مكة، وقبائل ثقيف، وهوازن، وبني سليم.
أخذت هذه الجيوب الكافرة تمثل عائقًا أمام الآخرين في إقبالهم على الإسلام، وتهدد الدعاة إلى دين الله تعالى في حركتهم بالدعوة إلى الله تعالى ولذلك كان التخلص من هذه الجيوب نهاية كريمة لإسلام الجزيرة كلها, وتوجيه كل طاقاتها لبروز خير أمة في مجال الواقع تحمل الإسلام إلى ممالك الدنيا، وتظهره في أمة عادلة ناهضة تدعو إلى الإسلام بالعمل، والقول، والسلوك، والخلق، وتنادي العالمين أن هلموا إلى الإسلام لتحققوا عالمية إنسانية في إطار دين الله، وتبتعدوا عن كل سوءات البشر، من صراع، وتحاسد، وطغيان، وعدوان.
ومن حكمة الله تعالى أنه عند فتح مكة وتطهير الجزيرة كلها من الشرك كانت معالم الإسلام قد عرفت، وأحكامه العملية قد فصلت، وأصبح كل من الفرد والجماعة والأمة يدرك مدى الخير الذي حققه الإسلام للجميع، وتيقنوا من صدقه، وأحقية أن يكون دين الناس أجمعين.
وعلم كل من أسلم مسئوليته أمام دينه الذي آمن به، فحمله إلى العالم مجاهدًا في سبيل الله، ولذلك انطلق دعاة الإسلام إلى العالم يبلغوه دين الله تعالى، ويزيلون كوابس الطغيان التي تمنع الناس من التفكير الحر، والاختيار الصحيح، واستمروا على إخلاصهم حتى استقر الحق، ودخل الناس في دين الله تعالى.
إن فتح مكة قضى على أكثر قوة تصدت لرسول الله، وناصبت دينه العداء، وجعلت نفسها المعارض الرئيسي للإسلام والمسلمين، ولذلك كان انضمام مكة للمعسكر الإسلامي من الناحية العملية انضمام الجزيرة كلها للإسلام.
إن الغزوات الكبرى كانت مع المكيين، أما غيرهم فكانت المواجهة معهم تتم بأعداد قليلة، وأحيانًا بفرد واحد.
وفي هذا المبحث سنبين الخطوات النهائية التي تطهرت فيها الجزيرة العربية من الأوثان والشرك, وذلك فيما يلي:
стр. 613
أولا: فتح مكة
سبب فتح مكة
...
أولًا: فتح مكة
هو الفتح الأعظم الذي انتهى به عصر الأصنام في الجزيرة العربية كلها، وعلت به كلمة الله تعالى، وأصبح الإسلام قوة ظاهرة بانضمام مكة والمدينة تحت لوائه.
وصارت مكة هي قلب الأمة الإسلامية، ومستقرها الآمن, وغدت الأمل الذي عاش رسول الله ﷺ يعمل له، ويجاهد من أجله.
وفتح مكة يحتاج إلى دراسة النقاط التالية:
١- سبب فتح مكة:
تعاهد رسول الله ﷺ والقرشيون في الحديبية على حرية كل فرد وكل جماعة في أن تنحاز لأيهما، وتدخل في دينه وعقيدته.
وقد انحازت بنو بكر لقريش، وانحازت بنو خزيمة لرسول الله ﷺ .
وبنو بكر وبنو خزاعة قبيلتان متحاربتان في الجاهلية، وبينهما عداوات قديمة فلما انحاز كل منهما لطرف من طرفي الحديبية عاشوا آمنين في ظل هذا الصلح.
إلا أن بني بكر انتهزوا فرصة انشغال المسلمين بالسرايا، وبالدعوة إلى الله تعالى وظنوا أن يعد المسافة بين مكة والمدينة يؤدي إلى عدم وصول الأخبار إلى المدينة، وإلى تقاعس المسلمين عن الانتصار لحلفائهم بني خزاعة وبخاصة إذا خططوا لتآمرهم وخدعوا بحيلهم رسول الله والمسلمين معه, فتآمروا مع حلفائهم من قريش.
وقال القرشيون: ما يعلم بنا محمد، إذا دبرنا الغدر ليلا وفي الظلام.
فوثب بنو بكر على بني خزاعة ليلا وقتلوا منهم ثلاثًا وعشرين نفسًا عند بئر لهم
стр. 614
يعرف بـ"بئر الوتر" وكان أغلب القتلى من الأطفال والنساء والشيوخ، ففرت خزاعة إلى الحرم ودخلت فيه ولجأت إلى البيت الكريم.
أدركت بنو بكر حرمة المبيت، وشعرت بافتضاح تآمرها، فنادت قائدها نوفل بن معاوية الدؤلي، قائلة له: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك.
فقال لهم: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم؟ أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ ١.
وقد أعانت قريش حلفاءها بالسلاح والرجال، وحاولوا إخفاء ما قاموا به حتى لا ينتقم المسلمون منهم، وظنوا أن ظلام الليل يستر غدرهم.
وفي مكة بحثت خزاعة بعد انتهاء العدوان الغادر عن مقر آمن تذهب إليه فلجأت إلى دار بديل بن ورقاء، واستجارت به.
وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى رسول الله ﷺ يخبره الخبر، ويستنجده، فلما وصل إلى المدينة وجد رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد بين الصحابة فوقف عنده ثم قال:
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا٢
قد كنتم ولدًا وكنا والدا٣ ... ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا اعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعًا وسجدا
فقال رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم، ثم عرضت له سحابة من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب" ٤.
ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.
وأمر رسول الله ﷺ بالجهاز، وكتم الخروج، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم٥.
стр. 615
٢- محاولة أبي سفيان تجديد الصلح:
استيقظت قريش لنفسها، وأدركت أنها ارتكبت جرمًا يستوجب نقض صلحها مع المسلمين، فأسرعت بإرسال أبي سفيان في وفادة الإنقاذ لرسول الله ﷺ ليجدد الصلح والعهد، ويزيد في المدة، فخرج أبو سفيان من مكة، فلقيه بديل بن ورقاء عائدًا من المدينة فقال له: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ .
فقال بديل: سرت في خزاعة في هذا الساحل في بطن هذا الوادي.
فعمد أبو سفيان إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى، وعلم أنه من نوى المدينة فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته، فقال: يا بنيه ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش؟ أو رغبت به عني؟
فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشه.
فقال: يا بنية والله ولقد أصابك بعلمك شر.
قالت: هداني الله للإسلام، وأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام وأنت تعبد حجرًا لا يسمع ولا يبصر؟
стр. 616
قال: يا عجباه، وهذا منك أيضًا؟ أأترك ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد؟ ثم قام من عندها١.
فلما لقي رسول الله قال له: يا محمد اشدد العقد، وزدنا في المدة.
فقال رسول الله ﷺ : "أو لذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم"؟.
فقال: معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير، ولا نبدل.
فخرج من عند رسول الله ﷺ وأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة؟
فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله ﷺ ، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم.
ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما كان من حلفنا جديد فأخلقه الله، وما كان منه مثبتًا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعًا فلا وصله الله.
فقال له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرًا.
ثم دخل على عثمان فكلمه.
فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله ﷺ .
ثم اتبع أشراف قريش يكلمهم فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله ﷺ .
فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكلمها فقالت: إنما أنا امرأة وإن ذلك إلى رسول الله ﷺ .
فقال لها: فأمري أحد ابنيك.
فقالت: إنهما صبيان ليس مثلهما يجير.
قال: فكلمي عليًا.
فقالت: أنت فكلمه.
فلما كلمه قال له علي ﵁: إن ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ يفتات على رسول الله بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك.
стр. 617
قال: صدقت وأنا كذلك، فخرج فصاح ألا أني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد.
ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إني أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد، ولا يرد جواري؟
فقال ﷺ : "أنت تقول يا أبا حنظلة".
فخرج أبو سفيان على ذلك فقال ﷺ حين أدبر أبو سفيان: "اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة".
وقدم أبو سفيان مكة فقالت له قريش: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟
قال: لا والله لقد أبى عليّ، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قومًا لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: التمس جوار الناس عليك، ولا تجر أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا تخفر جواره، فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أني قد أجرت بين الناس وقلت: ما أظن أن تخفرني؟
فقال: "أنت تقول ذلك يا حنظلة"؟ ١.
فقالوا مجيبين له: رضيت بغير رضى، وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئًا، وإنما لعب بك علي، لعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين.
ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: قبحك الله من وافد فما جئت بخير.
стр. 618
٣- استعداد المسلمين لفتح مكة:
أخذ رسول الله ﷺ لغزو مشركي مكة، وأمر عائشة أن تستعد لذلك، وأمرها أن لا تخبر أحدًا بجهة الغزو ليأخذ القرشيين على غرة.
وعين ﷺ عمر بن الخطاب على أطراف المدينة ليتحفظ على من يأتي المدينة من غير أهلها، ويرقب الحركة منها وإليها.
ودخل أبو بكر ﵁ على عائشة ﵂: وهي تجهز للسفر، وتعمل قمحًا سويقًا ودقيقًا، فقال: يا عائشة أهم رسول الله بغزو؟
قالت: ما أدري.
قال: إن كان هم بسفر فأعلمينا نتهيأ له.
قالت: ما أدري، لعله يريد بني سليم، لعله يريد ثقيفًا، لعله يريد هوازن، فاستعجمت عليه وحافظت على أسرار رسول الله ﷺ حتى دخل رسول الله ﷺ عليهما فقال له أبو بكر ﵁: يا رسول الله، أردت سفرًا؟
قال ﷺ : "نعم".
قال أبو بكر: أفأتجهز؟
قال ﷺ : "نعم".
قال أبو بكر: فأين تريد يا رسول الله؟
قال ﷺ : "قريشًا وأخف ذلك يا أبا بكر".
وأمر النبي ﷺ الناس بالاستعداد للجهاد وطوى عنهم الوجه الذي يريد.
قال أبو بكر: يا رسول الله! أوليس بيننا وبينهم مدة.
قال: "إنهم غدروا ونقضوا العهد، فأنا غازيهم، واطو ما ذكرت لك".
ونشط المسلمون في الاستعداد، وبدأت القبائل تفد برجالها إلى المدينة بعدما أخبرهم بأهمية القدوم إليها وقال لهم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأت المدينة". وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا، فقدمت أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، المدينة ولحقت بنو سليم بهم عند قديد١.
وأخذ المسلمون يفكرون في جهة غزوتهم التي جاءوا لها، فظان يظن أنها الشام وظان يظنها ثقيفًا، وظان يظن أنها هوازن.
ومن التورية على الناس، إرساله ﷺ ابن ربعي في ثمانية نفر إلى بطن "إضم" ليصرف انتباه الناس عن مكة، وحتى يظن القوم أن رسول الله ﷺ سيتجه باستعداداته لمساعدة من
стр. 619
أرسلهم إلى "إضم" وبخاصة أنها في اتجاه مكة.
فلما أجمع ﷺ المسير إلى قريش وعلم بذلك الناس، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ في أمرهم، وكان كتابه موجهًا إلى ثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وفيه يقول: إن رسول الله قد أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم.
وأعطى الكتاب إلى امرأة من مزينة من أهل العرج تسمى "سارة" وجعل لها عشرة دنانير على أن تبلغه قريشًا، وقال لها: أخفيه ما استطعت، ولا تمري على الطريق المألوف بين مكة والمدينة فإن عليه حرسًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، وسلكت طريقًا غير مألوف حتى لقيت الطريق بالعقيق، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث ﷺ عليًا، والزبير ﵄ وقال لهما: أدركا امرأة من مزينة، قد كتب معها حاطب كتابًا يحذر قريشًا، فخرجا، فأدركاها، فاستنزلاها، والتمساه في رحلها فلم يجدا شيئًا فقالا لها: إنا نحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا، ولتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك، فلما رأت منهما الجد قالت: أعرضا عني، فأعرضا عنها، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب.
فلما جاءا بالرسالة إلى رسول الله ﷺ دعا حاطبًا فقال: "ما حملك على هذا"؟.
فقال: يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم.
فقال عمر ﵁: قاتلك الله، ترى رسول الله ﷺ يأخذ بأطراف المدينة، ويراقب كل داخل إليها، وتكتب إلى قريش تحذرهم، دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد نافق.
فقال ﷺ : "وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" ١. وأنزل الله تعالى في شأن حاطب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 620
لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ ١ والآية واضحة الدلالة في طريقة التعامل مع أعداء الله تعالى، الذين كفروا بالإسلام، وحاربوا رسول الله ﷺ لأن هؤلاء لا يفيد معهم الود لامتلاء قلوبهم بالحقد، والكراهية.
إن ولاية المؤمن الحقة هي للمؤمنين وحدهم، ومن يوالي أعداء الله فقد ضل الطريق المستقيم الذي أمر الله به.
وأما "سارة" فقد تركها الصحابيان بعد أخذ الرسالة منها، وكانت لا تدري ما بها فمضت إلى مكة تباشر مهمتها في الغناء، فأقبلت تتغنى بهجاء رسول الله ﷺ ، وقد ارتدت عن الإسلام.
стр. 621
٤- الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة:
غادر رسول الله ﷺ المدينة متجهًا إلى مكة في عشرة آلاف من الصحابة ﵁ واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري ﵁ في العاشر من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة.
ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله من مكة مسلمًا مهاجرًا، ثم لما كان رسول الله ﷺ بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان بن الحارث: ائت رسول الله ﷺ من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ ١.
فأنشده أبو سفيان أبياتًا منها:
стр. 622
لعمرك إني حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردته كل مطرد
فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "أنت طردتني كل مطرد" ١. ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢.
وواصل رسول الله ﷺ سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغ "الكديد" وهو ماء بين عسفان وقديد، فأفطر وأفطر الناس معه، ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران في وادي فاطمة، نزله عشاء، فأمر الجيش بإيقاد النيران فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله ﷺ على الحرس عمر بن الخطاب ﵁.
وركب العباس بعد نزول المسلمين بمر الظهران بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وخرج يلتمس أحدًا يخبر قريشًا ليخرجوا يستأمنون رسول الله ﷺ قبل أن يدخلها.
وكان الله قد عمى الأخبار عن قريش، فهم على وجل وترقب، وكان أبو سفيان يخرج ومعه حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار.
قال العباس: والله إني لأسير على بغلة رسول الله ﷺ إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا.
ويقول بديل: هذه والله خزاعة، خمشتها الحرب.
فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وقال العباس: أبا حنظلة؟ فعرف أبو سفيان صوته.
قال: أبا الفضل؟
قلت: نعم.
قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي.
قلت: والله لئن ظفر بك أحد من المسلمين ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه
стр. 623
البغلة، حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه.
يقول العباس: فجئت به على رسول الله ﷺ فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته ﷺ ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال عمر: أبو سفيان عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البغلة فسبقت فدخلت على رسول الله ﷺ ، ثم دخل عليه عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه.
قلت: يا رسول الله ﷺ إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي ما قلت مثل هذا.
قال عمر: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلي من الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب.
فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فائتني به". فذهبت فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله"؟.
قال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؟ لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لأغنى عني شيئًا!
فقال رسول الله ﷺ : "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله".
قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك، وأوصلك؟ أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئًا.
فقال له العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق.
قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا منه.
стр. 624
قال ﷺ : "نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن" ١.
وفي صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة ثمان غادر رسول الله ﷺ مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول مثلا: سليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال: ما لي ولبني فلان؟ حتى مر به رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء.
قال: هذا رسول الله ﷺ مع المهاجرين والأنصار.
قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا.
قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوة.
قال: فنعم إذن٢.
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا، فلما حاذى رسول الله ﷺ أبا سفيان قال أبو سفيان: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟
قال: وما قال؟
قال: كذا وكذا.
وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة.
فقال رسول الله ﷺ : "بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيها قريشًا".
стр. 625
ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس١.
ولما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال له العباس: النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأخمش الساقين، قبح من طليعة قوم.
قال أبو سفيان: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وبثوا أوباشًا لهم، وقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لقريش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فتجمع سفهاء قريش مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا المسلمين، وكان فيهم رجل من بني بكر حماس بن قيس، كان يعد قبل ذلك سلاحًا، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟
قال: لمحمد وأصحابه.
قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء.
قال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم.
ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السله
فكان هذا الرحل فيمن اجتمعوا في الخندمة.
أما رسول الله ﷺ فمضى حتى انتهى إلى "ذي طوى" وكان يضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل، وهناك وزع جيشه، وكان خالد بن الوليد على الميمنة، ومعه أسلم، وسليم، وغفار ومزينة، وجهينة قبائل من العرب، فأمره ﷺ أن يدخل مكة من أسفلها، وقال لخالد: "إن عرض لكم
стр. 626
أحد من قريش فاحصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا".
وكان الزبير بن العوام على الميسرة، وكان معه راية رسول الله ﷺ فأمره أن يدخل مكة من أعلاها، من كداء، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه.
وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر، وهم الذين لا سلاح معهم، فأمره أن يأخذ بطن الوادي، ويدخل مكة من الشمال الغربي في اتجاه جبل هند حتى يأتي لمكة بين يدي رسول الله ﷺ .
وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق حدده لهم رسول الله ﷺ فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه، وقتل من أصحابه كرز بن جابر الفهري، وخنيس بن خالد بن ربيعة، كانا قد شذا عن الجيش، فسلكا طريقًا غير طريقه فقتلا جميعًا، وأما السفهاء من قريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخندمة فناوشوهم شيئًا من قتال، فأصابوا من المشركين اثني عشر رجلا وانهزم المشركون شر هزيمة.
وانهزم حماس بن قيس، الذي كان يعد السلاح لقتال المسلمين، حتى دخل بيته، فقال لامرأته: أغلقي عليّ بابي.
فقالت: وأين ما كنت تقول؟
فقال لها:
وأنت لو رأيتنا بالخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
واستقبلتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه
ضربًا فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلفنا وهمهمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله ﷺ على الصفا.
وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله ﷺ بالحجون عند مسجد الفتح، وضرب له هناك قبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله ﷺ .
ثم نهض رسول الله ﷺ ، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس وحول
стр. 627
البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٢.
وأخذت الأصنام تتساقط على وجوهها كلما ضربها رسول الله أو أشار إليها.
وكان طوافه على راحلته، ولم يسع بين الصفا والمروة لأنه لم ينو العمرة يومئذ، فلما أتم طوافه ﷺ دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ يستقسمان الأزلام، فقال: قاتلهم الله والله ما استقسما بها قط، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت٣.
стр. 628
٥- مكة تحت القيادة الإسلامية:
تهدمت الأصنام، وتطهرت الكعبة من ألوان الشرك، والضلال، وبدأ عهد جديد في مكة، علا فيه الإسلام، وخضع الجميع لحكم الله تعالى.
وأخذ ﷺ يصرف أمور الناس والحياة، بوحي الله تعالى بعد استقرار الأمر لعشر بقين من رمضان سنة ثمان.
وأقام ﷺ في قبة من أدم أقامها له أبو رافع عند الحجون، وكان ﷺ يأتي منها إلى المسجد عند كل صلاة.
وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، ومنهم كان يستجير بمسلم قبل أن يعلن إسلامه من شدة خوفه.
وتحرك ﷺ من الحجون إلى الحرم أول مرة ضحى وقد اصطف الناس، واصطحب
стр. 629
أبا بكر، وابن أم مكتوم، فلما انتهى ﷺ إلى الكعبة استلم الركن وكبر، فكبر الناس لتكبيره حتى ارتجت مكة كلها.
ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى ناحية من المسجد والناس حوله، فأتى بدلو من زمزم فغسل وجهه، فما يقع منه قطرة إلا في يد إنسان، إن كانت قدر ما يحسوها حساها، وإلا تمسح بها، والمشركون ينظرون، فقالوا: ما رأينا ملكًا قط أعظم مما رأينا اليوم.
وجاءته قريش فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله، اصنع بنا صنع أخ كريم.
فقال ﷺ : "أنتم الطلقاء مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١ ".
ثم اجتمع الناس لمبايعته ﷺ ، فجلس على الصفا، وجلس عمر بن الخطاب أسفل مجلسه وجلس ابن أم مكتوم بين يديه فبايعوه على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا وسألوه عن الهجرة إلى المدينة المنورة.
فقال ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح".
وتجرد الرجال من الأزر، ثم أخذوا الدلاء فغسلوا ظهر الكعبة وبطنها حتى انبعج الوادي من الماء، وأزالوا ما كان فيها من عمل الجاهلية فلم يدعوا فيها صورة ولا أثرًا من آثار المشركين إلا محوه.
وجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول الله ﷺ لما بلغ رأس الثنية، فبعث ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ من البطحاء، ومعه عثمان بن طلحة ليفتح البيت، وأمره أن لا يدع صورة إلا محاها، ولا تمثالا إلا هدمه، ففعل عمر ذلك وترك صورة إبراهيم ﵇ حتى محاها رسول الله ﷺ .
ودخل ﷺ الكعبة، ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فمكث فيها مدة وصلى ركعتين ثم خرج والمفتاح في يده، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذب الناس عنه حتى خرج رسول الله ﷺ فوقف على باب البيت وأخذ بعضادتيه، وأشرف على الناس وفي يده المفتاح، ثم جعله في كمه، وقال وقد جلس الناس:
стр. 630
"الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش، ماذا تقولون؟ وماذا تظنون"؟. قالوا: نقول خيرًا ونظن خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت.
فقال ﷺ : "فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ".
ألا إن كل ربا في الجاهلية، أو دم، أو مال، أو مأثرة, فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وفي قتيل العصا والسوط الخطأ شبه العمد الدية مغلظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها.
إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتكثرها بآبائها، كلكم لآدم وآدم من تراب.
وأكرمكم عند الله أتقاكم، ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كائن بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر صيدها، ولا يعضد عضاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلى خلاها".
فقال العباس ﵁: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا بد منه للقبور، وظهور البيوت، فسكت ساعة.
ثم قال ﷺ : "إلا الإذخر فإنه حلال" ١.
"ولا وصية لوارث، وأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة تعطي من مالها إلا بإذن زوجها، والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يرد عليهم أقاصهم، ويعقد عليهم أدناهم ومشدهم على مضعفهم، ومسيرتهم على قاعدهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين، ولا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم، ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها،
стр. 631
والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امراة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر، وعن لبستين، لا يحتجب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء، ولا إخالكم إلا وقد عرفتموها"١.
ثم نزل ﷺ ومعه المفتاح، فتنحى ناحية من المسجد فجلس فقال: "ادعوا إليّ عثمان بن طلحة". فأقبل عثمان.
فقال ﷺ : "خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف" ٢.
وقال لخالد بن الوليد ﵁: "لم قاتلت وقد نهيت عن القتال"؟.
فقال خالد: هم يا رسول الله بدءونا بالقتال، ورشقونا بالنبل، ووضعوا فينا السلاح وقد كففت ما استطعت، ودعوتهم إلى الإسلام وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فأبوا، حتى إذا لم أجد بدًا قاتلتهم، فظفرنا الله عليهم وهربوا في كل وجه يا رسول الله.
فقال ﷺ : "فكف عن الطلب".
قال: قد فعلت يا رسول الله.
قال ﷺ : "قضاء الله خير".
ثم قال ﷺ : "يا معشر المسلمين، كفوا السلاح، إلا بني خزاعة عن بني بكر فلهم إلى صلاة العصر". فضربوهم ساعة، وهي الساعة التي أحلت لرسول الله ﷺ ولم تحل لأحد قبله.
وقام ﷺ خطيبًا في اليوم الثاني بعد قتل جندب بن الأدلع فقال:
"أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحل لأحد
стр. 632
كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت حرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، فإن قال قائل، قد قاتل فيها رسول الله، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والله كثر إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار: إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعقله" ١.
وجاء الظهر، فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن يؤذن فوق ظهر الكعبة، وكانت قريش فوق رءوس الجبال، وقد فر وجوههم وتغيبوا خوفًا من أن يقتلوا، فلما أذن بلال ورفع صوته كأشد ما يكون أمنوا ونزلوا.
وأتى يعلى بن منية بأبيه فقال: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة.
فقال ﷺ : "لا بل أبايعه على الجهاد، فقد انقضت الهجرة".
وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه بابه، وبعث إلى ابنه عبد الله بن سهيل أن يأخذ له أمانًا، فأمنه رسول الله ﷺ وقال: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه إنه لميكن له بنافع". فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره.
فقال سهيل: كان والله برًا صغيرًا وكبيرًا، فخرج وشهد حنينًا، وأسلم بالجعرانة.
وهرب هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانئ بنت أبي طالب ومعه عبد الله بن الزبعرى بن سهم القرشي السهمي إلى نجران، فبعث حسان بن ثابت بشعر إلى ابن الزبعرى فجاء، ولما نظر رسول الله ﷺ إليه قال: "هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام". فأسلم ومات ابن هبيرة بنجران مشركًا.
وهرب حويطب بن عبد العزى بن لؤي القرشي العامري، فأمنه أبو ذر ﵁ ومشى معه، وجمع بينه وبين عياله.
وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة ابن أبي جهل، والبغوم بنت المعذل امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة.
стр. 633
وهند بنت منبه بن الحجاج أم عبد الله بن عمرو بن العاص، في عشر نسوة من قريش.
فأتين رسول الله ﷺ بالأبطح، وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعنه.
وكانت بيعة النساء عقيب بيعة الرجال عند الصفا، ورؤيت فيهن هند وهي متنكرة لأجل صنيعها بحمزة، وكان زوجها أبو سفيان حاضرًا، فعرفها رسول الله ﷺ وقال: "إنك لهند".
فقالت: أنا هند، فاعف عما سلف.
فبايعهن عمر ﵁ واستغفر لهن رسول الله ﷺ وطلبت أم حكيم أمانًا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن، فخرجت إليه حتى قدم، فلما دنا من مكة قال رسول الله ﷺ : "يأتيكم عكرمة ابن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ إليه". فلما رآه ﷺ وثب إليه فرحًا فوقف، ومعه امرأته منتقبة.
فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني.
فقال ﷺ : "صدقت، فأنت آمن". فأسلم.
وهرب صفوان بن أمية بن جمح القرشي الجمحي، فأخذ له عمير بن وهب بن حذافة أمانًا، وخرج في إثره حتى رجع، وشهد هوازن كافرًا، وأسلم بالجعرانة.
وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ممن أهدر رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح، فأتى به عثمان بن عفان ﵁، وسأله أن يهبه له، فوهب له جرمه وأسلم.
وأهدر ﷺ دم الحويرث بن نقيذ بن بجير بن عبد بن قصي، فضرب علي بن أبي طالب ﵁ عنقه وكان مؤذيًا لله ورسوله ﷺ .
وأهدر دم هبار بن الأسود بن عبد العزى بن قصي الأسدي القرشي، إلا أنه أسلم وحسن إسلامه.
وأخرج أبو برزة الأسلمي عبد الله بن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وجاء به إلى رسول الله ﷺ .
فقال له رسول الله ﷺ : "اقتله". فأخرج أبو برزة عبد الله بن خطل وقتله بين الركن والمقام
стр. 634
وعن السائب بن يزيد قال: رأيت رسول الله ﷺ أخرج عبد الله بن خطل من بين أستار الكعبة فقتله صبرًا.
ثم قال: "لا يقتل أحد من قريش بعد هذا صبرًا".
وقتل مقيس بن صبابة نميلة بن عبد الله الليثي رآه المسلمون بين الصفا والمروة فقتلوه بأسيافهم.
ولما قتل النفر الذين أمر رسول الله ﷺ بقتلهم، سمع النوح عليهم.
وجاء أبو سفيان بن حرب فقال: فداك أبي وأمي، البقية في قومك.
فقال ﷺ : "لا تقتل قريش صبرًا بعد اليوم". يعني على الكفر.
وأمر ﷺ بقتل وحشي، ففر إلى الطائف حتى قدم في وفدهم فأسلم.
فقال له ﷺ : "غيب عني وجهك". فكان إذا رأى النبي ﷺ توارى عنه.
واستسلف ﷺ من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فردها من غنائم هوازن.
وقال: "إنما جزاء السلف الحمد والأداء".
وقال: "بارك الله لك في مالك وولدك".
واستقرض من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه، واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين ومائة ألف قسمها بين أهل الضعف، فأصاب الرجل خمسين درهمًا وأقل وأكثر، وبعث من ذلك إلى بني جذيمة.
وأهدي له يومئذ راوية خمر.
فقال ﷺ : "إن الله حرمها". فسارَّ الرجل المهدي غلامه: اذهب بها إلى الحزورة، فبعها.
فقال ﷺ : "بم أمرته"؟.
قال: ببيعها.
قال ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". ففرغت بالبطحاء.
ونهى يومئذ عن ثمن الخمر، وثمن الخنزير، وثمن الميتة، وثمن الأصنام، وحلوان الكاهن.
стр. 635
وقيل له يومئذ: ما ترى في شحوم الميتة يدهن بها السقاء؟
قال ﷺ : "قاتل الله يهود، حرم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوا ثمنها".
وقال يومئذ، وهو بالحزورة: "والله إنك لخير أرض الله إليّ ولولا أني أخرجت منك ما خرجت".
وهبط ثمانون من أهل مكة على رسول الله ﷺ ، من جبل التنعيم عند صلاة الفجر فأخذهم سلمًا فعفا عنهم، ونزل فيهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١.
وأتى بشارب فضربوه بما في أيديهم، فضرب بالسوط، وبالنعل، وبالعصا، وحثا عليه النبي ﷺ التراب.
وجاء جبر غلام بني عبد الدار، وكان قد أسلم وكتم إسلامه، فأعطاه النبي ﷺ ثمنه لسيده وأعتقه.
وقال رجل يومئذ: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة.
فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لصلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، من البلدان".
وقالت ميمونة أم المؤمنين ﵂: يا رسول الله، إني جعلت على نفسي، إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس.
فقال ﷺ : "لا تقدرين على ذلك، ولكن ابعثي بزيت يستصبح لك فيه، فكأنك أتيتيه".
وكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال ليشتري به زيت يستصبح به حتى ماتت فأوصت بذلك.
وأهدت هند بنت عتبة بعد إسلامها هدية لرسول الله ﷺ وهو بالأبطح، مع مولاة لها فانتهت الجارية إلى خيمته ﷺ ، فسلمت واستأذنت فأذن لها فدخلت ورسول الله ﷺ بين أم سلمة وميمونة ونساء بني عبد المطلب.
فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة إليك، وتقول: إن