← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امراة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر، وعن لبستين، لا يحتجب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء، ولا إخالكم إلا وقد عرفتموها"١. ثم نزل ﷺ ومعه المفتاح، فتنحى ناحية من المسجد فجلس فقال: "ادعوا إليّ عثمان بن طلحة". فأقبل عثمان. فقال ﷺ : "خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف" ٢. وقال لخالد بن الوليد ﵁: "لم قاتلت وقد نهيت عن القتال"؟. فقال خالد: هم يا رسول الله بدءونا بالقتال، ورشقونا بالنبل، ووضعوا فينا السلاح وقد كففت ما استطعت، ودعوتهم إلى الإسلام وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فأبوا، حتى إذا لم أجد بدًا قاتلتهم، فظفرنا الله عليهم وهربوا في كل وجه يا رسول الله. فقال ﷺ : "فكف عن الطلب". قال: قد فعلت يا رسول الله. قال ﷺ : "قضاء الله خير". ثم قال ﷺ : "يا معشر المسلمين، كفوا السلاح، إلا بني خزاعة عن بني بكر فلهم إلى صلاة العصر". فضربوهم ساعة، وهي الساعة التي أحلت لرسول الله ﷺ ولم تحل لأحد قبله. وقام ﷺ خطيبًا في اليوم الثاني بعد قتل جندب بن الأدلع فقال: "أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لم تحل لأحد

стр. 632

كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت حرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، فإن قال قائل، قد قاتل فيها رسول الله، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والله كثر إن نفع، وقد قتلتم هذا القتيل، والله لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار: إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعقله" ١. وجاء الظهر، فأمر رسول الله ﷺ بلالا أن يؤذن فوق ظهر الكعبة، وكانت قريش فوق رءوس الجبال، وقد فر وجوههم وتغيبوا خوفًا من أن يقتلوا، فلما أذن بلال ورفع صوته كأشد ما يكون أمنوا ونزلوا. وأتى يعلى بن منية بأبيه فقال: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة. فقال ﷺ : "لا بل أبايعه على الجهاد، فقد انقضت الهجرة". وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه بابه، وبعث إلى ابنه عبد الله بن سهيل أن يأخذ له أمانًا، فأمنه رسول الله ﷺ وقال: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه إنه لميكن له بنافع". فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره. فقال سهيل: كان والله برًا صغيرًا وكبيرًا، فخرج وشهد حنينًا، وأسلم بالجعرانة. وهرب هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانئ بنت أبي طالب ومعه عبد الله بن الزبعرى بن سهم القرشي السهمي إلى نجران، فبعث حسان بن ثابت بشعر إلى ابن الزبعرى فجاء، ولما نظر رسول الله ﷺ إليه قال: "هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام". فأسلم ومات ابن هبيرة بنجران مشركًا. وهرب حويطب بن عبد العزى بن لؤي القرشي العامري، فأمنه أبو ذر ﵁ ومشى معه، وجمع بينه وبين عياله. وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة ابن أبي جهل، والبغوم بنت المعذل امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة.

стр. 633

وهند بنت منبه بن الحجاج أم عبد الله بن عمرو بن العاص، في عشر نسوة من قريش. فأتين رسول الله ﷺ بالأبطح، وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعنه. وكانت بيعة النساء عقيب بيعة الرجال عند الصفا، ورؤيت فيهن هند وهي متنكرة لأجل صنيعها بحمزة، وكان زوجها أبو سفيان حاضرًا، فعرفها رسول الله ﷺ وقال: "إنك لهند". فقالت: أنا هند، فاعف عما سلف. فبايعهن عمر ﵁ واستغفر لهن رسول الله ﷺ وطلبت أم حكيم أمانًا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن، فخرجت إليه حتى قدم، فلما دنا من مكة قال رسول الله ﷺ : "يأتيكم عكرمة ابن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ إليه". فلما رآه ﷺ وثب إليه فرحًا فوقف، ومعه امرأته منتقبة. فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. فقال ﷺ : "صدقت، فأنت آمن". فأسلم. وهرب صفوان بن أمية بن جمح القرشي الجمحي، فأخذ له عمير بن وهب بن حذافة أمانًا، وخرج في إثره حتى رجع، وشهد هوازن كافرًا، وأسلم بالجعرانة. وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ممن أهدر رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح، فأتى به عثمان بن عفان ﵁، وسأله أن يهبه له، فوهب له جرمه وأسلم. وأهدر ﷺ دم الحويرث بن نقيذ بن بجير بن عبد بن قصي، فضرب علي بن أبي طالب ﵁ عنقه وكان مؤذيًا لله ورسوله ﷺ . وأهدر دم هبار بن الأسود بن عبد العزى بن قصي الأسدي القرشي، إلا أنه أسلم وحسن إسلامه. وأخرج أبو برزة الأسلمي عبد الله بن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وجاء به إلى رسول الله ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : "اقتله". فأخرج أبو برزة عبد الله بن خطل وقتله بين الركن والمقام

стр. 634

وعن السائب بن يزيد قال: رأيت رسول الله ﷺ أخرج عبد الله بن خطل من بين أستار الكعبة فقتله صبرًا. ثم قال: "لا يقتل أحد من قريش بعد هذا صبرًا". وقتل مقيس بن صبابة نميلة بن عبد الله الليثي رآه المسلمون بين الصفا والمروة فقتلوه بأسيافهم. ولما قتل النفر الذين أمر رسول الله ﷺ بقتلهم، سمع النوح عليهم. وجاء أبو سفيان بن حرب فقال: فداك أبي وأمي، البقية في قومك. فقال ﷺ : "لا تقتل قريش صبرًا بعد اليوم". يعني على الكفر. وأمر ﷺ بقتل وحشي، ففر إلى الطائف حتى قدم في وفدهم فأسلم. فقال له ﷺ : "غيب عني وجهك". فكان إذا رأى النبي ﷺ توارى عنه. واستسلف ﷺ من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فردها من غنائم هوازن. وقال: "إنما جزاء السلف الحمد والأداء". وقال: "بارك الله لك في مالك وولدك". واستقرض من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه، واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، فكانت ثلاثين ومائة ألف قسمها بين أهل الضعف، فأصاب الرجل خمسين درهمًا وأقل وأكثر، وبعث من ذلك إلى بني جذيمة. وأهدي له يومئذ راوية خمر. فقال ﷺ : "إن الله حرمها". فسارَّ الرجل المهدي غلامه: اذهب بها إلى الحزورة، فبعها. فقال ﷺ : "بم أمرته"؟. قال: ببيعها. قال ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". ففرغت بالبطحاء. ونهى يومئذ عن ثمن الخمر، وثمن الخنزير، وثمن الميتة، وثمن الأصنام، وحلوان الكاهن.

стр. 635

وقيل له يومئذ: ما ترى في شحوم الميتة يدهن بها السقاء؟ قال ﷺ : "قاتل الله يهود، حرم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوا ثمنها". وقال يومئذ، وهو بالحزورة: "والله إنك لخير أرض الله إليّ ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". وهبط ثمانون من أهل مكة على رسول الله ﷺ ، من جبل التنعيم عند صلاة الفجر فأخذهم سلمًا فعفا عنهم، ونزل فيهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١. وأتى بشارب فضربوه بما في أيديهم، فضرب بالسوط، وبالنعل، وبالعصا، وحثا عليه النبي ﷺ التراب. وجاء جبر غلام بني عبد الدار، وكان قد أسلم وكتم إسلامه، فأعطاه النبي ﷺ ثمنه لسيده وأعتقه. وقال رجل يومئذ: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة. فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لصلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، من البلدان". وقالت ميمونة أم المؤمنين ﵂: يا رسول الله، إني جعلت على نفسي، إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس. فقال ﷺ : "لا تقدرين على ذلك، ولكن ابعثي بزيت يستصبح لك فيه، فكأنك أتيتيه". وكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال ليشتري به زيت يستصبح به حتى ماتت فأوصت بذلك. وأهدت هند بنت عتبة بعد إسلامها هدية لرسول الله ﷺ وهو بالأبطح، مع مولاة لها فانتهت الجارية إلى خيمته ﷺ ، فسلمت واستأذنت فأذن لها فدخلت ورسول الله ﷺ بين أم سلمة وميمونة ونساء بني عبد المطلب. فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة إليك، وتقول: إن

стр. 636

غنمها اليوم قليلة الوالدة. فقال ﷺ : "بارك الله لكم في غنمكم، وأكثر والدتها". فسرت هند لما أخبرتها مولاتها بذلك، ورأوا من كثرة غنمهم ووالدتها ما لم يكن قبل ولا قريبًا منه. وكانت هند تقول: هذا بدعاء رسول الله ﷺ وبركته. وأتته إحدى نساء بني بكر، إما خالة أو عمة، بهدية طعام وهو بالأبطح فعرفها ودعاها إلى الإسلام فأسلمت، وسألها عن حليمة السعدية فأخبرته بوفاتها ﵂ فذرفت عيناه ﷺ . وقالت له: أخواك وأختاك محتاجون فأمر لهم ﷺ بكسوة وجمل ومائتي درهم. فقالت: نعم والله المكفول كنت صغيرًا، ونعم المرء كانت كبيرًا، عظيم البركة. وأخذ أهل مكة ومن يقدم عليهم يأتي إليه ﷺ يبايعه، ويسأله حاجته، ويتعلم ما يحتاج إليه في أمور دينه الذي آمن به. وكان ﷺ يذكر أهل مكة بما منّ الله عليهم بالإسلام، ويعرفهم بضلال ما كانوا فيه ليزدادوا إيمانًا، ولتشتد براءتهم مما كانوا فيه قبل الهدى والرشاد. من ذلك قوله لعثمان بن طلحة حين أتى به ليعطيه مفتاح الكعبة: "ألم أقل لك يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت"؟. فقال: بلى أشهد أنك رسول الله. وعاش رسول الله ﷺ في مكة بعد فتحها مدة تقع بين اثني عشر وعشرين يومًا على اختلاف الروايات, انطلق خلالها لتطهير مكة وحواليها من كافة صور الأصنام والأوثان على كثرتها وتنوعها, كما قام انطلاقًا من مكة بغزوتي حنين والطائف، وبذلك أسلمت الجزيرة كلها١.

стр. 637

ثانيًا: تطهير مكة وما حولها من الأصنام بعد أن أتم الله نصره، وفتحت مكة أخذ رسول الله ﷺ في إزالة الأصنام والأوثان وكافة ألوان الشرك والضلال من صور، وبيوت، وهياكل. فبدأ أول دخوله مكة بتكسير الأصنام الموجودة حول البيت وعددها ثلاثمائة وستون صنمًا. ثم نادى منادي رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله وبرسوله فلا يدعن في بيته صنمًا إلا كسره، أو حرقه، وثمنه حرام. فجعل المسلمون يكسرون الأصنام، ولم يكن في مكة رجل أو امرأة من قريش إلا واتخذ في بيته صنمًا يتمسح به حين الدخول، وحين الخروج. ونشط عكرمة بن أبي جهل في معاداته للأصنام بعد إسلامه، فكان لا يسمع عن صنم في بيت إلا مشى إليه وكسره. وجعلت هند بنت عتبة تضرب صنمًا في بيتها بالقدوم، وتكسره جزءًا جزءًا وهي تقول: كنا منك في غرور. وأرسل ﷺ سراياه إلى القبائل المشركة لدعوة القوم إلى الإسلام، وتكسير الأصنام التي ألهوها ومن هذه السرايا: ١- بعث ﷺ خالد بن الوليد إلى "العزى" بـ"نخلة" في ثلاثين صحابيًا فهدمه لخمس بقين من رمضان والعزى أكبر أصنام العرب. ٢- وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى "ذي الكفين" صنم عمرو بن حممة الدوسي فحرقه بالنار. ٣- وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسًا إلى "مناة" بالمشلل فهدمه. ٤- وبعث عمرو بن العاص إلى "سواع" صنم هذيل فكسره وأزاله، وأسلم سادنه. ٥- وبعث هشام بن العاص في مائتين إلى يلملم. ٦- وبعث خالد بن سعيد إلى جهة عرنة وعرفة. وبهذه السرايا تم بسط سلطان الإسلام على مكة وضواحيها ولم يعد فيها صوت لغير الله تعالى وأزيلت الأصنام من الجزيرة كلها. ٧- وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر من بني كنانة يدعوهم إلى

стр. 638

الإسلام فخرج في أول شوال من السنة الثامنة في ثلاثمائة وخمسين صحابيًا، وانتهى إليهم، فقالوا: نحن مسلمون، فلم يصدقهم خالد، فودعهم أسرى عند الصحابة وأمر بقتلهم، فقتل بنو سليم من كانوا في أيديهم، ورفض المهاجرون والأنصار القتل. فلما رجع خالد وعلم رسول الله ﷺ تبرأ مما فعل خالد، وأرسل عليًا ﵁ إلى بني جذيمة يودي لهم ما أصاب خالد. ٨- وبعث ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخلصة وهو بيت لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يسمونها الكعبة اليمانية، يقول ابن جرير: فنفرت في مائة وخمسين راكبًا، من أحمس وكانوا أصحاب خيل، فأتيناه فكسرناه وحرقناه وقتلنا من وجدنا عنده. ٩- بعث ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية وقصة ذلك أن عبد ياليل بن عمرو، وعمرو بن أمية أحد بني علاج الثقفيان لما قدما على رسول الله ﷺ مع وفد ثقيف وأسلموا قالوا: أرأيت الربة ماذا نصنع فيها؟ قال ﷺ : "اهدموها". قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد ياليل ما أجهلك. إنما الربة حجر لا تدري من عبده ممن لم يعبده. قال عبد ياليل: إنا لم نأتك يا عمر. وقالوا: يا رسول الله اتركها ثلاث سنين لا تهدمها، فأبى. فقالوا: سنتين، فأبى. فقالوا: سنة، فأبى. فقالوا شهرًا واحدًا، فأبى أن يوقت لهم وقتًا. وإنما كانوا يريدون ترك الربة خوفًا من سفهائهم، كما كرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها وأملوا في إقناعهم بالإسلام، وبعدها تزول كل صور الشرك والهوى ولذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعفيهم من هدمها وقالوا: يا رسول الله اترك أنت هدمها فإنا لا نهدمها أبدًا, حتى لا يقال فينا ما لا يجوز، وقد فهم رسول الله ﷺ رأيهم

стр. 639

فقال بعد هذا: "أنا أبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها". فرجع الوفد، وأخبروا قومهم بما سمعوا من رسول الله ﷺ . فقال شيخ من ثقيف: فذاك والله مصداق ما بيننا وبينه فإن قدر على هدمها فهو محق ونحن مبطلون، وإن امتنعت ففي النفس من بعد هذا شيء. وخرج أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة وأصحابهما لهدم الربة، فلما دنوا من الطائف قال المغيرة لأبي سفيان: تقدم أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، ودخل المغيرة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة فلما نزلوها عشاء باتوا ثم غدوا على الربة يهدمونها. فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: لأضحكنكم اليوم من ثقيف. فقام المغيرة بن شعبة واستوى على رأس الربة ومعه المعول وضرب الكرزين ثم سقط مغشيًا عليه يركض برجليه فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أسعد الله المغيرة قد قتلتم الربة، زعمتم أن الربة لا تمتنع بل والله لتمنعن، وفرحوا حين رأوه ساقطًا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لا يستطاع أبدًا. فوثب المغيرة بن شعبة وقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع، حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله تعالى ولا تعبدوها ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرًا حجرًا حتى سووها بالأرض. وهكذا كان فتح مكة سببًا مباشرًا للقضاء على أصنام العرب وأوثانها ليعلو الحق ويدوم١.

стр. 640

ثالثا: غزوة حنين مدخل ... ثالثًا: غزوة حنين فوجئ العرب بالانهيار السريع لمشركي مكة، واستسلامهم لرسول الله ﷺ فبدءوا في تقدير الإسلام غير أن فريقًا من القبائل تعالت على الإسلام، وبقيت في شركها، وأخذت تتجمع لمهاجمة المسلمين في مكة وعلى رأس هؤلاء قبائل هوازن، وثقيف، ونصر وحشم وبنو هلال١. فلما بلغ رسول الله ﷺ أنهم تحشدوا، وتجمعوا تحت قيادة مالك بن عوف، وأخذوا في التحرك نحو مكة حتى نزلوا بـ"أوطاس" وهو واد سهل واسع بين مكة والمدينة مجاور لوادي حنين. خرج رسول الله ﷺ على رأس جيش من المسلمين بلغ عدده اثنا عشر ألف رجل في يوم السبت السادس من شهر شوال، بعد أن ولى أمر مكة للصحابي عتاب بن أسيد بن أبي العيص، وأبقى معه معاذ بن جبل ليعلم الناس السنن والفقه، ويدارسهم القرآن الكريم وما شرع من أحكام الإسلام, والحديث عن غزوة حنين يحتاج إلى بيان النقاط التالية:

стр. 641

١- استعداد المشركين للحرب: خرجت القبائل من ديارها، وتجمعت في وادي "أوطاس" واصطحبوا معهم أموالهم ونساءهم وأطفالهم لدفع الرجال للقتال دفاعًا عن كل ما لهم. سأل دريد بن الصمة قائدهم مالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء؟ قال مالك: يا أبا قرة إني سقت مع الناس أموالهم وذراريهم، وأردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله يقاتل عنه. فقال دريد: رويعي ضأن! وهل يرد المنهزم شيء؟ وصل جيش المسلمين إلى وادي "حنين" وعسكر فيه، فأخذ مالك بن عوف يبعث رسله ليعرف خبر رسول الله وجنوده بعد استقرارهم بـ"حنين" فبعث ثلاثة رجال وكلهم رجعوا إليه، وهم في حالة خوف ورعب، وقالوا: رأينا رجالا بيضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى وقد اتفق الثلاثة على هذا. وقالوا له: ما تقاتل أهل الأرض إنما تقاتل أهل السماء، وإذا أطعتنا رجعت بالناس فسبهم وحبسهم, وعبأ جنوده، ونظمهم في وادي حنين١.

стр. 642

٢- استعداد المسلمين للقتال: خرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفًا من أصحابه، عشرة منهم من المهاجرين والأنصار، وألفين من مسلمي مكة، وسار بهم حتى نزل في "وادي حنين" وعبأ قواته من السحر ووضع الألوية والرايات في أهلها، فحمل رايات المهاجرين: علي، وسعد ابن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب ﵃. وحمل رايات الأنصار الحباب بن المنذر، وقيل: كان لواء الخزرج الأكبر مع سعد بن عبادة، ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن لواء أو راية. وكانت رايات المهاجرين سودًا وألويتهم بيضًا، ورايات الأنصار خضرًا وحمرًا، وكانت في قبائل العرب رايات، وبقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل وعليهم خالد بن الوليد. ولما تجمع المسلمون بهذا العدد أعجبتهم كثرتهم، وانتظروا النصر وقالوا بلسان الحال، والمقال: لن نغلب اليوم عن قلة. وانحدر رسول الله ﷺ بأصحابه في وادي حنين، وهو على تعبئته، وقد ركب بغلته البيضاء "دلدل" ولبس درعين والمغفر والبيضة، وحض على القتال، وبشر بالفتح إن صدقوا وصبروا. وقد أرسل رسول الله عبد الله بن أبي حدرد ليأتي بخبر القوم، فطاف بهم، وسمع كلامهم، وعاد إلى رسول الله ﷺ وأخبره بما رأى وسمع وبمدى استعداد القوم للقاء، وبعلمهم بجيش المسلمين كما نقلته العيون إلى مالك بن عوف١.

стр. 643

٣- القتال: بدأت الحرب بهجوم شديد من "هوازن" قبيل مطلع الشمس على المسلمين، وقد كانوا في كثرة عجيبة أدهشت المسلمين، وحيرتهم لأنهم لم يتوقعوها. حملت هوازن على المسلمين حملة واحدة، فانكشفت خيل بني سليم، وولت الأدبار، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء، فالتفت رسول الله ﷺ يمينًا وشمالا، والناس منهزمون حتى بلغوا مكة، فلم يرجع آخرهم إلا والأسارى بين يدي النبي ﷺ وهو يقول: "يا أنصار الله. يا أنصار رسول الله أنا عبد الله ورسوله"!. ثم تقدم بحربته أمام الناس، وانهزم المشركون، وما ضرب أحد من المسلمين بسيف ولا طعن برمح، ورجع ﷺ إلى العسكر، وأمر أن يقتل كل من قدر عليه من المشركين، وقد ولت هوازن, وثاب من انهزم من المسلمين. ولم يكن معه ﷺ وقت هزيمة هوازن إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد أخذ بثفر البغلة، والعباس آخذ بحكمتها، وهو يركضها إلى وجه العدو، وينوه باسمه فيقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب١ وقال ﷺ : "يا عباس! اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة"!. فنادى بذلك، وكان رجلا صيتًا، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك!! يا لبيك، فأشرف ﷺ كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: "الآن حمي الوطيس". ثم أخذ بيده من الحصا فرماهم بها وهو يقول: "شاهت الوجوه، حم، ثم لا ينصرون". ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة". فما زال أمرهم مدبرًا، وانهزموا، فانحاز ﷺ ذات اليمين، وهو على بغلته قد جرد سيفه، وثبت معه سوى من ذكرنا: علي، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد, وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهم٢.

стр. 644

ولما انكشف الناس قال رسول الله ﷺ لحارثة بن النعمان الأنصاري: "كم ترى الناس الذين ثبتوا"؟. فحزرهم مائة، وهذه المائة هي التي كرت بعد الفرار، فاستقبلوا هوازن واجتلدوا والرسول يدعو: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان". ويقال إن المائة الصابرة يومئذ: ثلاثة وثلاثون من المهاجرين, وسبعة وستون من الأنصار، وكان علي، وأبو دجانة، وعثمان بن عفان، وأيمن بن عبيد ﵃ يقاتلون بين يدي النبي ﷺ . وكانت أم عمارة في يدها سيف صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها وهي يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث، حين انهزم الناس، يقاتلن، وأم عمارة تصيح بالأنصار: أية عادة هذه! ما لكم وللفرار! وشدت على رجل من هوازن فقتلته وأخذت سيفه١. ورسول الله ﷺ قائم مصلت السيف بيده، وقد طرح غمده ينادي: "يا أصحاب سورة البقرة". فكر المسلمون، وجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، يا خيل الله، وكان ﷺ قد سمى خيله خيل الله، وكان شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وشعار الأوس بني عبيد الله، وشعار الخزرج بني عبد الله، فكرت الأنصار ووقفت هوازن حملة ناقة، ثم كانت هزيمتهم أقبح هزيمة، والمسلمون يقتلون ويأسرون. وأم سليم بنت ملحان تقول: يا رسول الله ﷺ ما رأيت هؤلاء الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك!! لا تعف عنهم إذا أمكنك الله منهم، تقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين! فقال: "يا أم سليم! قد كفى الله، عافية الله أوسع" ٢. وحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى شرعوا في قتل الذرية، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية! ألا لا تقتل الذرية". فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين! فقال: "أوليس

стр. 645

خياركم أولاد المشركين؟! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها وأبواها يهودانها أو ينصرانها! " ١. وكان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يومئذ كوقع الحصاة في الطست: له طنين، فيجدون في أجوافهم مثل ذلك، ولما رمى رسول الله ﷺ بذلك الكف من الحصا، لم يبق أحد من المشركين إلا وهو يشكو القذى في عينه، ورأوا رجالا بيضًا على خيل بلق، عليهم عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم، وهم بين السماء والأرض: كتائب، كتائب، فما كانوا يستطيعون أن يتأملوهم من الرعب منهم٢. واستحر القتل في بني مالك من ثقيف، فقتل منهم قريب من مائة رجل تحت رايتهم، وقتل ذو الخمار، وهربت ثقيف. واستشهد من المسلمين أربعة رجال جميعهم من الأنصار٣.

стр. 646

٤- تعقب الفارين: لما انهزمت هوازن فرت إلى الطائف وإلى أوطاس، وإلى نخلة، فسير رسول الله ﷺ أصحابه لتعقب الفارين، وقتالهم. فذهب الربيع بن ربيعة في عدد من المسلمين على خيلهم إلى نخلة فأدركوا دريد بن الصمة، وقتلوه. وذهب أبو عامر الأشعري إلى أوطاس ومعه عدد من المسلمين، وقد جرى بين الفريقين قتال فقتل من المشركين تسعة، وأصيب بعض المسلمين واستشهد أبو عامر، فخلفه أخوه أبو موسى وقد فتح الله على يديه. ولحق مالك بن عوف وأكثر من كان معه إلى الطائف، ولذلك ذهب إليهم رسول الله ﷺ فكانت غزوة الطائف١.

стр. 647

٥- غزوة الطائف: وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع قائدهم، مالك بن عوف النضري، وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد فراغه من حنين. وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول الله ﷺ إلى الطائف، فمر في طريقه على النخبة اليمانية، ثم على قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه، ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف فنزل قريبًا من حصنه، وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن. ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يومًا، وعند أهل السير خلاف في ذلك، فقيل: عشرين يومًا، وقيل: بضعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: خمسة عشر١. ووقعت في هذه المدة عدة مناوشات، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميًا شديدًا كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مكان مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك. ونصب النبي ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذفهم به حتى فتحت طاقة في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماة بالنار، فأحرقت الدبابة وخرج المسلمون من تحتها فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالا. وأمر رسول الله ﷺ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعًا ذريعًا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم. ونادى مناديه ﷺ أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة، تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة

стр. 648

يستقي عليها، فكناه رسول الله ﷺ "أبا بكرة" فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة. ولما طال الحصار، واستعصى الحصن وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال والحديد المحمى، وكان أهل الحصن، قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الديلمي فقال: هم ثعلب في جحر، وإن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، وحينئذ عزم رسول الله ﷺ على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدًا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول الله ﷺ : "اغدوا على القتال". فغدوا فأصابهم جراح. فقال ﷺ : "إنا قافلون غدًا إن شاء الله". فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول الله ﷺ يضحك. ولما ارتحلوا واستقلوا قال ﷺ : "قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون". وقيل: يا رسول الله ﷺ ادع على ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وآت بهم". وقد استشهد من المسلمين في حصار الطائف اثنا عشر رجلا١.

стр. 649

٦- توزيع الغنائم: انتهى ﷺ إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة والغنائم بها ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرون ألف بعير، فيها اثنا عشر ألف ناقة، والغنم أربعون ألفًا وقيل: أكثر، فأمر ﷺ بسر بن سفيان الخزاعي أن يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابًا من برود هجر، فكساهم كلهم، واستأنى ﷺ بالسبي ولم يوزع منهم، وأقام يتربص أن يقدم وفدهم، وكان قد فرق منه وهو بحنين، فأعطى عبد الرحمن بن عوف امرأة، وأعطى صفوان بن أمية، وعليًا، وعثمان، وعمر، وجبير بن مطعم، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام ﵃ فلما رجع إلى

стр. 650

الجعرانة بدأ بالأموال فقسمها، فأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، فجاء أبو سفيان بن بن حرب والفضة بين يديه، فقال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا، فتبسم ﷺ . فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول الله. قال ﷺ : "يا بلال! زن لأبي سفيان أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل". قال: ابني معاوية يا رسول الله! قال ﷺ : "زن له يا بلال أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإبل". قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت! ثم سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيرًا١. وسأل حكيم بن حزام يومئذ مائة من الإبل فأعطاه، ثم سأل مائة أخرى فأعطاه ثم سأل مائة ثالثة فأعطاه، ثم قال: "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى، وابدأ بمن تعول". فأخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها وقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعد. فكان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوه لعطاء فيرفضه٢. وأعطى النضير بن الحارث علقمة بن كلدة أخا النضر بن الحارث مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية، حليف بني زهرة مائة من الإبل، وأعطى العلاء بن جارية خمسين بعيرًا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وسعيد بن يربوع خمسين بعيرًا. وفي صحيح مسلم عن الزهري: أن الرسول ﷺ أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل، ويقال إنه طاف مع النبي ﷺ وهو يتصفح الغنائم، إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه، فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال ﷺ :

стр. 651

"أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب"؟. قال صفوان: نعم. قال: "هو لك وما هو فيه"!. فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي، وأشهد أنك رسول الله١ وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين بعيرًا، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى أبا عامر العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة السلمي دون المائة، فعاتب النبي ﷺ في شعر قاله، فقال رسول الله ﷺ : "اقطعوا عني لسانه فأعطوه مائة من الخمس". وقال يومئذ سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله ﷺ أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري؟ فقال: "أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه". ثم أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت ﵁ بإحصاء الناس والغنائم ثم فضها على الناس وكانت سهامهم: لكل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة، وإن كان فارسًا أخذ ثنتي عشرة من الإبل أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس واحد لم يسهم له. وقدم وفد هوازن، وهم أربعة عشر رجلا رأسهم أبو صرد زهير بن صرد الجشمي السعدي، قد أسلموا وأخبروا بإسلام من وراءهم من قومهم. فقال أبو صرد: يا رسول الله أنا أصل العشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا من الله عليك، إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا منحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا أحدهما بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته، وأنت خير المكفولين.

стр. 652

فقال رسول الله ﷺ : "إن أحسن الحديث أصدقه، وعندي من ترون من المسلمين، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم"؟. قالوا: يا رسول الله! خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا! وما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فرد علينا أبناءنا ونساءنا. فقال ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، فإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأطلب لكم إلى الناس". فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر بالناس: قاموا فتكلموا بما أمرهم به، فأجابهم بما تقدم، فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول الله. وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وفزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا! فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . ثم قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبًا فقال: إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت أستأنيت بهم فخيرتهم بين النساء والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن أبى منكم ويمسك بحقه فليرد عليهم، وليكن قرضًا علينا ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا به". فقالوا: يا رسول الله رضينا وسلمنا. قال ﷺ : "فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم". فكان زيد بن ثابت على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبروه أنهم سلموا ورضوا، ولم يتخلف منهم رجل واحد، وكان أبو رهم الغفاري يطوف على قبائل العرب، ثم جمعوا العرفاء واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول الله ﷺ فاتفقوا على قول واحد: أنهم سلموا ورضوا، ودفع عند ذلك السبي إليهم.

стр. 653

وتمسكت بنو تميم مع الأقرع بن حابس بالسبي فجعل رسول الله ﷺ الفداء ست فرائض: ثلاث حقائق وثلاث جذاع. وقال يومئذ: "لو كان ثابتًا على أحد من العرب ولاء أورق لثبت اليوم، ولكن إنما هو إسار أو فدية". وجعل أبا حذيفة العدوي على مقاسم المغنم. وقال للوفد: "ما فعل مالك بن عوف"؟. قالوا: هرب ولحق بحصن الطائف مع ثقيف. فقال ﷺ : إنه إن يأت مسلمًا رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل، وكان قد حبس أهل مالك بمكة عند عمتهم أم عبد الله بهمة ابنة أبي أمية، ووقف ماله فلم تجر فيه السهام، فلما بلغ ذلك مالكًا، فر من ثقيف ليلا، وقدم الجعرانة وأسلم، وأخذ أهله وماله ومائة من الإبل. ولما أعطى رسول الله ﷺ عطاياه وجد الأنصار في أنفسهم إذ لم يكن فيهم منها شيء، وكثرت القالة، فقال واحد: لقي رسول الله قومه! أما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم فقومه وعشيرته، ووددنا أنا نعلم ممن كان هذا؟ إن كان هذا من الله صبرنا، وإن كان هذا من رأي رسول الله استعتبناه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فغضب غضبًا شديدًا، ودخل عليه سعد بن عبادة ﵁ فقال له: "ما يقول قومك"؟. فقال سعد: وما يقولون يا رسول الله؟ فذكر له ما بلغه وقال: "فأين أنت من ذلك يا سعد"؟. فقال: يا رسول الله، ما أنا إلا كأحدهم، وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ قال ﷺ : "فاجمع لي من كان ها هنا من الأنصار". فلما اجتمعوا، حمد الرسول ربه وأثنى عليه ثم قال: "يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم"؟. قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل.

стр. 654

قال: "ألا تجيبوني"؟. قالوا: وماذا نجيبك يا رسول الله؟ قال: "أما والله ولو شئتم قلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك، وخائفًا فأمناك، وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في شيء من الدنيا تألفت به قومًا أسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس إلى رحالهم، بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ والذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، أكتب لكم بالبحرين كتابا من بعدي تكون لكم خاصة دون الناس"؟. قالوا: وما حاجتنا بعدك يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "إما لا فسترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار". فبكوا حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله حظًا وقسمًا، وانصرفوا١.

стр. 655

٧- العودة إلى المدينة: لما فرغ رسول الله ﷺ من توزيع الغنائم وأداء العمرة انصرف راجعًا إلى المدينة في آخر ذي القعدة من العام الثامن الهجري بعدما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وترك معاذ بن جبل معه لتعليم الناس الفقه والقرآن وما يحتاجونه من أحكام دين الله تعالى.

стр. 656

المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب مدخل ... المبحث الثالث عشر: الاستقرار العام في الجزيرة ومواجهة غير العرب عاد رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون والأنصار إلى المدينة، وأخذ ينظم شئون دولة الإسلام بعد اتساعها, وأخذ في سياسة أمور الناس، وحراسة دينهم في الجزيرة العربية كلها. ووجد ﷺ أن مسائل الحياة قد تعددت، واتجاهات الناس قد تنوعت، والحركة بالدعوة تحتاج إلى أعمال كثيرة في نواح مختلفة، وفي أوقات متزامنة. وجد ﷺ أن أغلب القبائل قد أسلمت، وقلة أبت وكفرت، وأخرى يدور أمرها بين القبول والرفض. وأدى هذا الوضع إلى أن يرسل رسول الله ﷺ عمالا لمن أسلم من القبائل، وأن يبعث دعاة للمترددين، وأن يواجه المتمردين بالقوة حتى لا يكونوا بؤرة فساد بين الناس تنشر الضلال والإفك. وحتى يعرف الناس شمول دعوة الإسلام للعالم كله عمليًا بعدما عرفهم ذلك نظريًا أخذ في توجيه الدعاة والمجاهدين إلى خارج الجزيرة العربية حيث الروم ومعهم الغساسنة والفرس ومعهم المناذرة. وبذلك بدأت مؤسسات الدولة الإسلامية في الظهور والتكوين وأخذت الحركة بالإسلام تتسع وتنمو. وفي هذا المبحث سنتناول المسائل التالية:

стр. 657

أولا: بعث عمال الصدقات إلى القبائل استهل رسول الله ﷺ شهر المحرم من السنة التاسعة بعد رجوعه إلى المدينة المنورة في مباشرة تبليغ الإسلام، وحماية استقرار الجزيرة، وتقوية إيمان القبائل، وإلزامهم بشرع الله تعالى، فأرسل للقبائل التي أعلنت إسلامها عمالا من قبله ﷺ للحكم فيهم بشرع الله، وأخذهم بما أمر الله تعالى مع تحصيل الصدقات والزكاة بعد فرضها ولذلك سموا بالمصدقين، وقد تكونت هذه الطائفة الأولى من المصدقين١ من: ١- عيينة بن حصن ﵁ إلى بني تميم. ٢- يزيد بن الحصين ﵁ إلى أسلم وغفار. ٣- عباد بن بشر الأشهلي ﵁ إلى سليم ومزينة. ٤- رافع بن مكيث ﵁ إلى جهينة. ٥- عمرو بن العاص ﵁ إلى بني فزارة. ٦- الضحاك بن سفيان ﵁ إلى بني كلاب. ٧- بشير بن سفيان ﵁ إلى بني كعب. ٨- ابن اللتبية الأزدي ﵁ إلى بني ذبيان. ٩- المهاجر بن أمية ﵁ إلى صنعاء، وخرج عليه الأسود العنسي. ١٠- زياد بن لبيد ﵁ إلى حضر موت. ١١- عدي بن حاتم ﵁ إلى طيئ وبني أسد. ١٢- مالك بن نويرة ﵁ إلى بني حنظلة. ١٣- الزبرقان بن بدر ﵁ إلى بني سعد "إلى قسم منهم". ١٤- قسيم بن عاصم ﵁ إلى بني سعد "إلى قسم منهم". ١٥- العلاء بن الحضرمي ﵁ إلى البحرين. ١٦- علي بن أبي طالب ﵁ إلى نجران لجمع الصدقة والجزية كليهما. وكان ﷺ يحافظ للقبيلة على هيكلها التنظيمي، فلها شيخها، وفيها أولوا الرأي والثقة. وكان عمال النبي ﷺ في هذه القبائل يقومون بالتعليم والإرشاد، وتوجيه الناس إلى ما جاء به دين الله تعالى، كما يقومون بجمع الصدقات وإرسالها إلى المدينة, وقد عرفت القبائل ذلك فأطاعوا، واستقاموا وبذلك كانوا مؤمنين. ويلاحظ أن إرسال هؤلاء العمال استغرق مدة طويلة امتدت من أول العام التاسع حتى وفاته ﷺ .

стр. 658

ثانيًا: إرسال الدعاة إلى القبائل أخذ رسول الله ﷺ يرسل دعاة من المدينة إلى مختلف قبائل الجزيرة لتعليم المسلمين ما يحتاجون إليه من قرآن وفقه، ودين، ولعرض الإسلام على الذين لم يعلنوا إسلامهم ولتقوية إيمان من أعلن إسلامه حتى لا تتناوشه الظنون والوساوس، وتلعب به شياطين الإنس والجن من ذلك: ١- بعثه ﷺ أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن. يروي البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: أقبلت إلى رسول الله ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن شمالي، كلاهما يرجو أن يكون من عمال النبي ﷺ على قومه، ويسأل في ذلك والنبي ﷺ يستاك، ويسمع. فلما فرغا من سؤالهما قال ﷺ : "ما تقول يا أبا موسى"؟. فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في نفسيهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل. يقول أبو موسى: فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفتيه وقد قلصت. ثم قال ﷺ : "لن نستعمل على عملنا من يريده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى". قال أبو موسى: فبعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى اليمن. وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذاك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ١. ٢- أرسل ﷺ خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب إلى همدان لدعوتهم إلى الإسلام

стр. 659

يروي البخاري عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب مكان خالد وأمره أن يعيد خالدًا إلى المدينة وقال له ﷺ : "مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء أن يقبل فليقبل". فكنت فيمن عقب مع عليّ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي ثم صفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان جميعًا، فكتب عليّ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجدًا ثم رفع رأسه، وقال: "السلام على همدان" ١. ٣- أرسل ﷺ أبا أمامة صدي بن عجلان ﵁ إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وفي ذلك يقول أبو أمامة: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم وقد سقوا إبلهم، وحلبوها. فلما رأوني قالوا: مرحبًا بالصدي بن عجلان، وأكرموني ثم قالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل. فقلت: لا ولكن آمنت بالله ورسوله، وبعثني رسول الله ﷺ إليكم أعرض عليكم شرائع الإسلام، فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها يأكلونها وقالوا: هلم يا صدي. قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم إلا ما ذكيتم كما قال الله تعالى. قالوا: وما قال؟ قلت نزلت هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ ٢.

стр. 660

فجعلت أدعوهم إلى الإسلام فكذبوني وهجروني، وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد، فقلت لهم: ويحكم ايتوني بشربة من ماء فإني شديد العطش. قالوا: لا، ولكن ندعك تموت عطشًا. فاعتممت وضربت برأسي في العمامة ونمت في حر شديد، فأتاني آت في منامي بقدح فيه شراب من لبن لم ير الناس ألذ منه فشربته حتى فرغت من شرابي، ورويت وعظم بطني. فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وسراتكم فرددتموه فاذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي، فأتوني بالطعام والشراب. فقلت: لا حاجة لي في طعامكم ولا شرابكم، فإن الله تعالى أطعمني وسقاني، فانظروا إلى الحال التي أنا عليها، فأريتهم بطني فنظروا فأسلموا عن آخرهم بما جئت به من عند رسول الله ﷺ . قال أبو أمامة: ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشًا بعد تيك الشربة١. ٤- بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ إلى بني عبد المدان. يقول ابن هشام: بعثه رسول الله ﷺ إليهم وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فخرج إليهم خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام ويقولون: يا أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد بن الوليد يعلمهم شرائع الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو, أما بعد يا رسول الله ﷺ ، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم، وإني قدمت عليهم

стр. 661

فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانًا ينادون: يا بني الحارث أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وإني مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام، وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إليّ رسول الله ﷺ والسلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته. فكتب إليه رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وأن الله قد هداهم بهداه فبشرهم، وأنذرهم، وأقبل، وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته" ١.

стр. 662

ثالثًا: تسيير السرايا للخارجين على النظام مع ظهور سيادة الإسلام في الجزيرة، وتعيين العمال، وإرسال الدعاة ظهرت جماعات متعددة تعيش على النهب والسلب، وتأبى الخضوع للنظام الإسلامي، فكان لا بد من تأديب هذه الجماعات، والأخذ على يدها ليستتب الأمن، ويستقر النظام، ويتفرغ المسلمون للتعامل مع القوى الخارجية ودعوتهم إلى الإسلام، وعلى رأس هذه القوى الفرس والروم، لأن التوجه إليهم يحتاج إلى قوة وصبر ورجال. وأهم هذه السرايا ما يلي: ١- سرية عيينة بن حصن الفزاري، في المحرم سنة تسع، إلى بني تميم، في خمسين فارسًا لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري، وسببها أن بني تميم كانوا قد أغروا القبائل، ومنعوهم عن أداء الجزية وحرضوهم على قتال رسول الله ﷺ . خرج عيينة بن حصن يسير الليل ويكمن النهار، حتى هجم عليهم في الصحراء فولى

стр. 663

القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبيًا، وساقهم إلى المدينة، فأنزلهم رسول الله ﷺ في دار رملة بنت الحارث. وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، فجاءوا إلى باب النبي ﷺ ، فنادوا بصوت عال: يا محمد اخرج إلينا فخرج فتعلقوا به، وجعلوا يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى حتى صلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فأظهروا رغبتهم في المفاخرة والمباهاة، وقدموا خطيبهم عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له الفضل علينا والذي جعلنا ملوكًا، وأعطانا الأموال نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم مالًا وأكثرهم عددًا، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وذوي فضلهم؟ فمن يفاخر فليعدد مثل ما عددنا، ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنا نستحيي من الإكثار فيما أعطانا الله أقول قولي هذا لأن نؤتى بقول هو أفضل من قولنا. فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس، خطيب الإسلام، فأجابهم وقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كل شيء علمه، فلم يكن شيء إلا من فضله، ثم كان ما قدر أن جعلنا ملوكًا اصطفى لنا من خلقه رسولا، أكرمهم نسبًا، وأحسنهم زيًا، وأصدقهم حديثًا، أنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، وكان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان فآمن المهاجرون من قومه وذي رحمه، أصبح الناس وجهًا، وأفضل الناس فعالا، ثم كان أول الناس إجابة حين دعا رسول الله، فنحن أنصار الله ورسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في ذلك، وكان قتله علينا يسيرًا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات١. ثم قدموا شاعرهم الزبرقان بن بدر فأنشد مفاخرًا، فأجابه شاعر الإسلام حسان بن ثابت على البديهة. ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس: خطيبه أخطب من خطيبنا،

стр. 664

وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا، ثم أسلموا فأجازهم رسول الله ﷺ ، فأحسن جوائزهم، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ٢- سرية قطبة بن عامر إلى حي من خثعم بناحية تبالة، بالقرب من تربة، في صفر سنة تسع خرج قطبة في عشرين رجلا على عشرة أبعرة يتعقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدًا حتى كثر الجرحى في الفريقين جميعًا، وقتل عدد كبير، وساق المسلمون النعم والنساء والشاء إلى المدينة. ٣- سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع بعثت هذه السرية إلى بني كلاب، لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم رجلا. ٤- سرية علقمة بن محرز المدلجي إلى سواحل جدة في شهر ربيع الآخر سنة تسع في ثلاثمائة، بعثهم إلى رجال من الحبشة كانوا قد اجتمعوا بالقرب من سواحل جدة للقيام بأعمال القرصنة ضد أهل مكة، فخاض علقمة البحر حتى انتهى إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا. ٥- سرية علي بن أبي طالب إلى صنم لطيئ، يقال له القلس، ليهدمه، في شهر ربيع الأول سنة تسع بعثه رسول الله ﷺ في خمسين ومائة على مائة بعير وخمسين فرسًا ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة حاتم مع الفجر، فهدموه وملئوا أيديهم من

стр. 665

السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد المسلمون في خزانة القلس ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع، وفي الطريق قسموا الغنائم, وعزلوا الصفي لرسول الله ﷺ ولم يقسموا آل حاتم. ولما جاءوا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بن حاتم رسول الله ﷺ قائلة: يا رسول الله ﷺ غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمنّ عليّ منّ الله عليك. قال: "من وافدك". قالت: عدي بن حاتم. قال: "الذي فر من الله ورسوله". ثم مضى، فلما كان الغد قالت مثل ذلك وقال لها مثل ما قال أمس، فلما كان بعد الغد قالت مثل ذلك، فمنّ عليها. ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام، فلما لقيته قالت عن رسول الله ﷺ : لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغبًا أو راهبًا، فجاء عديّ بغير أمان ولا كتاب، فأتي به إلى داره ﷺ ، فلما جلس بين يديه حمد رسول الله به وأثنى عليه، ثم قال: "ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله سوى الله"؟. قلت: لا. ثم تكلم رسول الله ﷺ ساعة ثم قال: "إنما تفر أن يقال: الله أكبر فهل تعلم شيئًا أكبر من الله"؟. قلت: لا. قال: "فإن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون". قلت: فإني حنيف مسلم، فانبسط وجهه ﷺ فرحًا، وأمر بي فنزلت عند رجل من الأنصار، وجعلت آتي النبي ﷺ طرفي النهار. وكان النبي ﷺ يسأله فيما يهديه، ويرشده قال لي: "إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسيًا"؟. قلت: بلى.

стр. 666

قال: "أولم تكن تسير في قومك بالمرباع"؟. قلت: بلى. قال: "فإن ذلك لم يحل لك في دينك". قلت: أجل وعرفت أنه نبي مرسل، يعرف ما يجهل. ثم قال: "يا عدي أسلم تسلم". فقلت: إني من أهل دين. قال: "أنا أعلم بدينك منك". فقلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: "نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك". فقلت: بلى. قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك". يقول عدي: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل. فقال ﷺ : "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ويطلب من يقبله، فلا يجد أحدًا يقبله منه". يقول عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم١.

стр. 667

رابعا: غزوة تبوك والتصدى لعدوانية الرومان استعداد المسلمين للغزوة ... رابعًا: غزوة تبوك والتصدي لعدوانية الرومان لم يقبل الرومان انتصار المسلمين، وتوحد الجزيرة تحت راية الإسلام وكبر عليهم أن تظهر قوة كبرى مجاورة لهم، فجهزوا جموعا كثيرة بالشام عند حلفائهم الغساسنة، وأرادوا غزو المسلمين في ديارهم، والقضاء على دولتهم الناشئة فكان أن جاءهم النبي ﷺ غازيًا في "تبوك". والحديث عن غزوة تبوك يتطلب النقاط التالية: ١- استعداد المسلمين للغزوة: علم رسول الله ﷺ بما يعمل له الرومان فجهز المسلمين وأعد العدة وكانت غزوة تبوك. وتبوك موضع بين الحجر وأول الشام، وإليها كانت غزوة النبي ﷺ . وقد وقعت هذه الغزوة في حر شديد، ومع قلة أموال المسلمين ولذلك سميت "غزوة العسرة". ونظرًا لبعد مسافة تبوك عن المدينة، وللظروف التي أحاطت بها صرح الرسول ﷺ بجهة الغزوة على غير عادته ليستعد الصحابة لها، وليكونوا على بينة من المشاق التي سيتحملونها في خروجهم. ندب الرسول ﷺ أهل المدينة للخروج إلى تبوك، وأرسل إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث بريدة بن الحصيب وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه، وأبا واقد الليثي إلى قومه، وأبا جعدة الضمري إلى قومه بالساحل، ورافع بن مكيث بن جندب بن جنادة إلى جهينة، ونعيم بن مسعود إلى أشجع، وبديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان إلى بني كعب بن عمرو، والعباس بن مرداس إلى بني سليم. وحض على الجهاد ورغب فيه، وأمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة، وأول من

стр. 668

حمل صدقته أبو بكر الصديق ﵁, جاء بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله ﷺ : "هل أبقيت لبناتك شيئًا"؟. قال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء عمر بن الخطاب ﵁ بنصف ماله، فقال له رسول الله ﷺ : "هل أبقيت شيئًا"؟. قال: نعم، نصف مالي جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر ﵁ فقال: ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه. وحمل العباس بن عبد المطلب ﵁ مالا يقال: إنه تسعون ألفًا. وحمل طلحة بن عبيد الله مالا. وحمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية. وحمل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة مالا. وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقًا تمرًا. وجهز عثمان بن عفان ﵁ ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، فلقد كفلت نفقته مئونة ثلث الجيش حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة! جاء عثمان ﵁ بألف دينار ففرغها في حجر النبي ﷺ ، فجعل ﷺ يقبلها ويقول: "ما ضر عثمان ما فعل هذا اليوم". قالها مرارًا. ورغب ﷺ أهل الغنى في الخير والمعروف، فتبادل المسلمون في ذلك حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، وأتت النساء بكل ما قدرن عليه، فكن يلقين في ثوب مبسوط بين يدي النبي ﷺ ، المسك، والمعاضد، والخلاخل، والأقرطة، والخواتيم، والخدمات. وكان الناس في حر شديد، وحين طابت الثمار، وحسنت الظلال، وبدأ الناس يحبون المقام، ويكرهون الشخوص أخذهم ﷺ بالجد، ودعاهم إلى الخروج وعسكر بثنية الوداع. تجمع المسلمون بثنية الوداع حتى بلغ عددهم قريبًا من أربعين ألفًا فيهم كثير من

стр. 669

الأعراب، وعبد الله بن أبي وأشياعه من المنافقين. وكان لا بد من حمولة للمجاهدين لطول السفر، وصعوبة الطريق، وظهر واضحًا أن الذي لا يجد ما يحمله لن يغزو، وله عذره، وهنا جاء عدد من أصحاب النبي ﷺ يشكون له عدم وجود ما يركبون، وأخذوا في البكاء حزنًا على فوت الجهاد منهم. وهم سبعة: أبو ليلى المازني، وسلمة بن صخر الزرقي، وثعلبة بن غنمة السلمي، وعلبة بن زيد الحارثي، والعرباض بن سارية السلمي، وهرمي بن عمرو المزني، وسالم بن عمير، جاءوا يستحملون رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة. فقال لهم ﷺ : "لا أجد ما أحملكم عليه". فولوا يبكون، فلقي اثنان منهما يامين بن عمير بن كعب فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا إلى رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ فأعطاهما ناضحًا له، فارتحله اثنان منهم، وزود كل واحد صاعين من تمر. وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين. وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة١. وأبطأ أبو ذر عن رسول الله ﷺ من أجل بعيره، وكان الحر شديدًا فخرج وحده، حتى لحق برسول الله ﷺ نصف النهار وقد بلغ منه العطش. فقال له ﷺ : "مرحبًا بأبي ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ما خلفك"؟. فأخبره أبو ذر ﵁ خبر بعيره. فقال ﷺ : "إن كنت لمن أعز أهلي عليّ تخلفًا! لقد غفر الله لك بكل خطوة ذنبًا إلى أن بلغتني". يروي ابن هشام أن رسول الله ﷺ مضى سائرًا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: "دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم،

стр. 670

وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله! قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: "دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فلقد أراحكم الله منه". وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا ذر". فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ : "رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" ١. وولى رسول الله ﷺ على المدينة "سباع بن عرفطة ﵁" وخلف معه علي بن أبي طالب على أهله، وعقد الألوية والرايات، فدفع اللواء الأعظم لأبي بكر، والراية الكبرى للزبير بن العوام، وأمر ﷺ كل من خرج معه باتخاذ لواء أو راية. وأخذ الجيش الإسلامي يتحرك من ذات الثنية باتجاه الشام. وهنا برز أصحاب النفاق وانسحبوا من ذي الثنية ورجعوا إلى المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي وأشياعه. وقالوا: يحسب محمد ﷺ أن قتال بني الأصفر -الروم- للعب؟ ونافق آخرون وهم الأعراب الذين أخذوا يتخلفون عن الجيش معتذرين بأسباب واهية كاذبة. وكان تخلفهم رحمة بالمؤمنين الصادقين, ولذلك كان ﷺ كلما أخبره أصحابه بتخلف فلان يقول: "دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". وسار الجيش إلى تبوك، بعدما تخلص من المنافقين وضعاف الإيمان، وقد بلغ عدده ثلاثين ألفًا. وعندما وصل المسلمون إلى "ذي خشب" وهو جبل يقع شمال المدينة قريبًا منها أخذ ﷺ يصلي والمسلمون معه الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعًا، يؤخر الظهر حتى تدبر
следующие страницы →