Полный текст (287 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومنه:
عبلٌ مقيدها حالٍ مقلدها ... بضٌّ مجردها في باردٍ شبمِ
ومنه:
بطيء عن الجلى، سريع إلى الخنا ... ذليل، بأجماعِ الرجال ملهد
ومنه:
هوانُ الحياةِ، وذلّ الممات ... وكلاًّ أراهُ طعاما وبيلاَ
فان كان لا بدّ من ذلةٍ ... فسيروا إلى الموت سيراً جميلا
ومنه قول ليلى الأخيلية:
وقد كان مرهوب السنانِ، وبينَ الل ... سانِ، ومخدامِ السرى، غير فاترِ
وأكثر الشعراء يغزو في هذا المغزى ويرمي ي هذا المرمى.
ومثل قول الخنساء تصف أخاها صخراً:
لو كان للدهر مالٌ عند متلده ... لكان للدهر صخرٌ مالَ قنيان
стр. 107
آبي الهضيمة وثاب العزي ... مةِ متلاف الكريمة، جلدٌ غير ثنيان
حامي الحقيقةِ نسالُ، الودي ... قةِ، معتاقُ الوسيقة، لا نكس ولا وان
رباءُ مرقبةٍ، مناعُ مثلبةٍ ... ركابُ سلهبةٍ، قطاعُ أقرانِ
هباطُ أوديةٍ، حمالُ ألويةٍ ... شهاد أنديةٍ، سرحانُ فتيان
يحمي، الصحابَ، إذا كان الضرابُ، ويك ... في القائلين إذا ما كبل العاني
فيترك القرن مصفراً أنامله ... كأن في ريطتيه نضحَ إرقان
يعطيك ما لا تكادُ النفسُ ترسلهُ ... من التلادِ، وهوبٌ غيرُ منان
ومنه:
يا مستهاماً بالأعن ... ةِ والأسنةِ والنحورِ
لا بالخدودِ، ولا القدو ... دِ، ولا النهودِ، ولا الثغورِ
стр. 108
تلقاهُ يوم الروع يق ... تلعُ الأسودَ عن الصخورِ
ومنه:
زهوا فتجنبوا، ودنوا فملوا ... دعوا فتمنعوا ملكوا فتاهوا
ومنه:
عرضوا ثم أعرضوا واستحالوا ... ثم مالو، وأنصفوا ثم جاروا
لا تلمهم على التجني، فلوْ لمْ ... يتجنوا لم يحسن الإعتذارُ
ومنه:
وأي قومٍ كقومي لو سألتهمُ ... سوابق الخيل في يوم الوغى نزلوا
كالصخر إن حملوا النار إن غضبوا ... والأسدِ إن ركبوا والغيثِ إن بذلوا
وللبحتري:
صارمُ الحزمِ، حاضرُ العزمِ ساري ال ... فكرِ ثبتُ المقامِ، صلبُ العود
سؤددٌ يصطفى، ومالٌ يرجى ... وثناءٌ يبقى، ومالٌ يودي
ومنه للبحتري أيضاً:
ما إنْ ترى إلاَّ توقد كوكبٍ ... في قونس قد غار فيه كوكبُ
فمجدلٌ، ومرملٌ، وموسدٌ ... ومضرجٌ، ومضمخٌ، ومخضبُ
ومنه:
وفي الأكلة، من تحتِ الأجلة، أمثا ... لُ الأهلةِ، بين السجفِ والكللِ
стр. 109
أدمٌ أوانسُ، كالأدمِ الكوانسِ، أو ... دمي الكنائس، لكنْ لسنَ بالعطلِ
ومنه:
جمعت أربع خلاتٍ فضلتهمُ بها ... وفضلك مذ أيفعت مقتبل
الجود إن منعوإن والبأسُ إن جزعوا ... والبذلُ إن جمعوإن والحلمُ إن جهلوا
ولابن حيوس:
ثمانية لم تفترقْ مذ جمعتها ... فلا افترقتْ ما افترَّ عن ناظرٍ شفرُ
يقينك والتقوى، وجودكَ والغنى ... ولفظك والمعنى، وسيفك والنصرُ
ومنه:
الدارُ دارانِ: إيوانٌ، وعمدانُ ... والملكُ ملكان، سامانٌ، وقحطانُ
ومنه:
والأرضُ فارسُ، والإقليمُ باب لُ وال ... إسلامُ مكةُ، والدنيا خراسان
باب
الرجوع والاستثناء
اعلم أن الرجوع والاستثناء هو أن تذكر شيئاً ثم ترجع عنه، مثل قولك: ليس له عقل، بل مقدار ما يوجب الحجة عليه.
ومنه:
أليسَ قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ... إليكِ، ولكنْ ليسَ منكِ قليلُ
وقول دريد بن الصمة:
стр. 110
عيرُ الفوارسِ معروفٌ بشكته ... كاف إذا لمْ يكنْ من ضربه كافي
وقد قتلتُ بها عبساً وإخوتها ... حتى شفيتُ، وهلْ قتلي بهِ شافِ
ومنه:
نبئتُ فاضحَ أمهِ يغتابني ... عندَ الأميرِ، وهلْ عليَّ أميرُ
ومنه:
وما لي بانتصارٌ إن غدا الدهرُ ظالمي ... عليَّ، بلى، إنْ كانَ من عندك النصرُ
ومنه:
ولا عيب فيهم غيرَ أنَّ سيوفهمُ ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
ومنه للنابغة الجعدي:
فتىً كملتْ أخلافه غيرَ أنه ... جوادٌ فما يبقي منَ المالِ باقيا
فتىً تمَّ فيهِ ما يسرُّ صديقه ... على أنَّ فيه ما يسوءُ الأعاديا
стр. 111
ومنه:
ولا تبعدنْ إلاَّ من السوء، إنني ... إليكَ، وإنْ شطتْ بك الدارُ، نازعُ
ومنه:
بيضاءُ في وجنتها احمرارُ ... هنَّ الليالي وهي النهارُ
ومنه:
وخدها أحمرُ شفافٌ ترفْ ... كالوردِ إلاَّ أنهُ حينَ قطفْ
ومنه:
وأبيضَ فياضٍ يداهُ غمامةٌ ... على معتفيهِ ما تغبّ نوافله
أخي ثقةٍ لا يهلك الخمرُ مالهُ ... ولكنه قد يهلكُ المالَ نائله
ومنه:
وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً ... فكانوها ولكنْ للأعادي
وخلتهم سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قدْ صفتْ منا قلوبٌ ... لقد صدقوإن ولكنْ من ودادي
ومنه للشيخ المعافي ﵀:
أبا المرهفِ الباني من المجدِ منزلا ... منيفإن لهُ طنبٌ على النجم ممدودُ
ومن بات للعافينَ منْ جود كفهِ ... خضمُّ المدى عذبُ المشاربِ، مورود
لقد ضيمَ إلا في جنابكَ قاطن ... وأعوزَ إلاَّ من أناملكَ الجودُ
ومنه لابن المغربي:
فتى الحرب يغنيه عن السيف كفه ... وتكفيه من قودِ الجيوشِ العزائمُ
ويعدلُ في شرقِ البلاد وغربها ... على أنه للسيفِ والرمح ظالمُ
стр. 112
ومنه:
فنيتُ وما يفنى صنيعي ومنطقي ... وكلُّ امرئٍ، إلاَّ أحاديثه، فانِ
ومنه:
فإنْ تسألي عنا فإنا حلى العلا ... بنو عامرٍ والأرضِ ذات المناكبِ
ولا عيبَ فينا غيرَ أن سماحنا ... أضرَّ بنا والبأسَ من كلّ جانبِ
وأفنى الردى أعمارنا غيرَ ظالمٍ ... وأفنى الندى أموالنا غيرَ عائبِ
أبونا أبٌ لو كانَ للناسِ كلهم ... أباً واحداً أغناهمُ بالمناقبِ
ومنه:
يسعى به البرقُ إلا أنهُ فرسٌ ... في صورةِ الموتِ إلا أنه رجلُ
يلقى الرماحَ بصدرٍ منهُ ليس لهُ ... ظهرٌ، وصدرِ جوادٍ مالهُ كفلُ
ومنه:
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منهم كرهم في المكارمِ
ولولا احتقار الأسد شبهتهم بها ... ولكنها معدودة في البهائم
ومنه:
وصغيرة علقتها كا ... نت من المحن الكبار
كالبدر إلاّ أنها ... تبقى على ضوء النهار
باب
النفي والجحود
اعلم أن النفي والجحود قد كثر في أشعار العرب وأشعار المحدثين كقول عدي:
وما مخدرٌ وردٌ يرشحُ شبلهُ ... بخفان قد أحمى جميع المواردِ
كأنَّ دماءَ الهادياتِ بنحرهِ ... صبيبُ ملابٍ أو خضيبُ مجاسدِ
بأمنع منهُ موئلاً حين تلقه ... إذا الحربُ أبدتْ عن خدام الخرائدِ
стр. 113
ومنه:
وما هاجَ هذا الشوقَ إلا حمامةٌ ... دعتْ ساق حرّ ترحةً وترنما
مطوقةٌ خطباءُ تصدحُ كلما ... دنا الصيفُ، وانجابَ الربيعُ، فأتجما
عجبتُ لها أنى يكونُ غناؤها ... فصيحاً ولم تفغرْ بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقهُ صوتُ مثلها ... ولا عربياً شاقه صوتُ أعجما
ومنه قول كثير:
وما روضةٌ بالحزن طيبةُ الثرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها
لها أرجٌ بين البلادِ كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها
بأطيب من أردان عزة موهناً ... وقد أوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارها
ومنه:
وما صادياتٌ حمن يوماً وليلةً ... على الماءِ يغشينَ العصيَّ حواني
لوائبُ لا يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دواني
يرينَ حبابَ الماءِ والموتُ دونهُ ... فهنَّ لأصوات السقاة رواني
بأكثرَ مني جهدَ نفسٍ وغلةٍ ... عليكِ، ولكنَّ العدوّ عداني
стр. 114
ومنه:
وما حاميات فوق ورد مناهلٍ ... ذوتْ عطشاً أكبادها والغلاصم
يروعنَ أو يرجعن عنه صوادياً ... وهنّ عليه حانيات حوائمُ
وتعلم أن الموتَ دون حبابهِ ... كعلم مدير الكأس فيها السمائم
بأوجع مني غلّ صدرٍ ولوعةٍ ... عليك وكم أبلى لي العذر لائم
ومنه:
وما وجدُ ذات البوِّ ضاقتْ لأجلهِ ... ثلاثإن فلما لم تجدهُ أرنتِ
إذا ذكرته آخر الليلِ رجعتْ ... وإنْ ذكرته أولَ الليلِ حنتِ
بأوجد من وجدي بكمْ غيرَ أنني ... أجمجمُ أحشائي على ما أجنتِ
باب
التذييل
اعلم أن التذييل هو: إن تأتي في الكلام جملة تحقق ما قبلها، كقوله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم "، ثم حقق الكلام بقوله: " ومن أوفى بعهده من الله "، وكذلك: " من أحسن من الله قيلا " وكذلك: " إن الله لا يضيع أجر المحسنين "، و " هل يجازى إلا الكفور ". وهو كثير من القرآن.
ومنه قول النابغة:
ولستَ بمستبقٍ أخا لا تلمهُ ... على شعثٍ، أيُّ الرجالِ المهذبُ
ومنه:
فدعوا: نزالِ، فكنتُ أول نازلٍ ... وعلامَ أركبه إذا لمْ أنزلِ
ومنه لأبي نواس:
عرمَ الزمانُ على الذينَ عهدتهم ... بكَ قاطنينَ، وللزمانِ عرامُ
ومنه:
تمرُّ الصبا صفحاً بساكن ذي الغضىَ ... ويصدعُ قلبي أن يهبَّ هبوبها
стр. 115
قريبةُ عهدٍ بالحبيب، وإنما ... هوى كل نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبها
ومنه:
لا تنفسنَّ على المشتاقِ مضجعه ... ما في الضميرِ من البلوى ينبههُ
كفاكَ منهُ زفيرٌ لا يذوقه ... طعمَ الرقادِ ودمعٌ لا ينهنههُ
عسفت قلبي إذ أصبحتَ مالكه ... قد يرزقُ العبدُ مولى لا يرفههُ
ومنه:
قمرٌ إذا استخجلته بعتابه ... لبس الغروبَ، ولمْ يعد لطلوعِ
أبغي هواهُ بشافعٍ من غيرهِ ... شرُّ الهوى ما رمته بشفيعِ
ومنه:
صدقتكمُ الودَّ أبغي الوصالَ ... وليسَ المكاذبُ كالصادقِ
فجازيتموني بطولِ البعاد ... وكمْ أخجلَ الحبُّ من واثقِ
ومنه:
عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلهم عليّ التجنيّ فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار
ومنه:
ألا ياسرورَ النفسِ ليس بعالمٍ ... بك الناسُ حتى يعلموا ليلة القدر
سوى رجمهم بالظنِّ والظنُّ مخطئٌ ... مراراً ومنهمُ من يصيبُ ولا يدري
ومنه:
طال الصدودُ وما عهدتُ لكمْ ... جلداً على الهجرانِ في الحبّ
كنتمُ إذا ما نامَ ليلُ جوىً ... أيقظتموه بطارق العتبِ
وأرى الجفاء قد استبدَّ بكمْ ... والقلبُ مطلعٌ على القلبِ
فاستعتبوا قلبي يعودُ لكمْ ... عودَ المسيءِ أقرَّ بالذنبِ
ومنه:
стр. 116
أيا ماطلي بديونِ الغرا ... مِ، وهو مليٌّ بها موسرُ
تنامُ وأسهرُ حتى الصبا ... حِ، وما منْ ينامُ كمنْ يسهرُ
عذيري من لائمٍ في هوا ... كَ خلوٍ من الحبّ لا يعذرُ
باب
التسهيم
اعلم أن التسهيم هو: أن تعلم القافية لما يدل عليه الكلام في أول البيت، مثل قول أبي حية النمر:
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاهُ شيءٌ لا يملُّ التقاضيا
ومثله:
أحلت دمي من غير جرمٍ وحرمتْ ... بلا سببٍ يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللتهُ بمحللٍ ... وليس الذي حرمتهُ بحرام
ومثله:
هي الدرُّ منثوراً إذا ما تكلمتْ ... وكالدرِّ منظوماً إذا لمْ تكلمِ
ومثله:
فمنْ يك لم يغرضْ فاني وناقتي ... بنجدٍ إلى أهل الحمى غرضانِ
تنوحُ فتبدي ما بها من صبابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
ومثله:
ساروا وما عاجوا عليكَ بنظرةٍ ... واللهُ يحفظُ منْ جفاكَ ويصحبُ
ليس التعجبُ من بكاك عليهمُ ... لكن بقاك مع التفرقِ أعجبُ
стр. 117
ومنه:
صبّ يحن إليه صبُّ ... قلباهما في الحبّ قلبُ
الذنبُ للأيام ليس لمنْ ... تجورُ عليهِ ذنبُ
ومنه:
شغلتكَ وهي لكلّ ذي بصرٍ ... لاقى محاسنَ وجهها شغلُ
وإذ نظرتَ إلى محاسنها ... فلكلّ موقعِ نظرةٍ نبلُ
وتنالُ منكَ بحدّ مقلتها ... ما لا ينالُ بحده النصل
فلقلبها حلمٌ يباعدها ... عن ذي الهوى ولطرفها جهلُ
باب
التشطير والمقابلة
اعلم أن التشطير والمقابلة هو: أن يقابل مصراع البيت الأول كلمات المراع الثاني كقول جرير:
وباسطُ خيرٍ فيكمُ بيمينه ... وقابضُ شرٍّ عنكمُ بشماليا
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهمْ وسواد الليلِ يشفعُ لي ... وأنثني، وبياض الصبحِ يغري بي
وقال ذو الرمة:
استحدث الركبُ عن أشياعهم خبراً ... أمْ راجعَ القلب منْ إطرابهم طربُ
стр. 118
ومنه قول أبي الشيص:
بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ فرعها ... وتغيبُ فيه وهو جثلٌ أسحمُ
فكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ
ومن ذلك:
وبدا لهُ من بعد ما اندمل الهوى ... برقٌ تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداءِ ودونهُ ... صعبُ الذرا متمنعٌ أركانه
فالنارُ ما اشتملتْ عليهِ ضلوعه ... والماءُ ما سمحتْ بهِ أجفانه
ومنه:
فيسراك صاعقةٌ تتقى ... ويمناكَ بارقةٌ تهطلُ
فما يسعُ الجودُ ما قد وسعت ... ولا تحملُ الأرضُ ما تحملُ
باب
التطريف
اعلم أن التطريف هو: أن تكون الكلمة مجانسة لما قبلها أو لما بعدها أو مطابقة لها أو متعلقة بها بسبب من الأسباب، كقول أبي تمام:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبْ ... في حده الحدُّ بين الجدّ واللعبِ
стр. 119
باب
الاعتراض
اعلم أن الاعتراض هو: أن تذكر في البيت جملة معترضة، لا تكون زائدة، بل يكون فيها فائدة، مثل قول الشاعر:
إنَّ الثمانينَ، وبلغتها ... قد أحوجتْ سمعي إلى ترجمانْ
وبدلتني بالنشاطِ انحنا ... وكنتُ كالصعدة تحتَ السنانْ
وكقول المتنبي:
وتحتقرُ الدنيا احتقارَ مجربٍ ... ترى كلَّ ما فيها وحاشاكَ فانيا
احترز بقوله: حاشاك، من دخوله في الفناء.
وقول الآخر:
فقلتُ لها: أدي إليهمْ تحيتي ... ولا تخلطيها طالَ سعدك، بالتربِ
ومنه:
لو أنَّ الباخلينَ وأنتِ منهمْ ... رأوكِ تعلموا منكِ المطالا
ومنه:
стр. 120
ألا زعمتْ بنو سعدٍ بأني ... ألا كذبوا كبيرُ السنّ فإن
ومنه:
فإني إنْ أفتكَ يفتكَ مني ... ولا تسمحْ به علقٌ نفيسُ
ومنه:
اللهُ يعلمُ والأيامُ دائرةٌ ... والمرءُ ما بينَ إيحاشٍ وإيناسِ
أني أحبكِ حباً لو تحملهُ ... سلمى سميكِ خرَّ الشاهق الراسي
حباً تلبس بالأحشاءِ وامتزجتْ ... تلبسَ الماءِ في الصهباءِ بالكاس
ومنه:
ما خانكَ الطرفُ مني قطُّ في نظرٍ ... ولا سلا عنكَ قلبي في تقلبهِ
بل أنتَ واللهِ يا منْ كله حسنٌ ... أعزُّ في ناظري مما أراكَ بهِ
ومنه:
لهفي على قومٍ بكاظمةٍ ... ودعتهم والركبُ معترضُ
أقرضتهمْ قلبي على ثقةٍ ... منهم، فما ردوا الذي اقترضوا
وتعوضوا لا ذقت فقد همُ ... مني وما لي منهمُ عوضُ
ومنه لأحمد بن يوسف:
ولم يدنني والحمد لله فاقة ... إلى طبع تدني إليه المطامعُ
ولا ضرعتْ نفسي لشيء أناله ... وبعض الرجال خاسعٌ ومضارعُ
باب
الانسجام
اعلم أن باب الانسجام هو: أن يأتي كلام المتكلم شعراً من غير أن يقصد إليه، وهو يدل على قوة الطبع والغريزة، مثل قول ابن هرمة لبعض الحجاب:
باللهِ ربكَ، إن دخلتَ فقلْ لهُ ... هذا ابنُ هرمة واقفٌ بالباب
ونافر جماعة لرجل من العرب، فقالت ابنته:
تجمعتمُ من كلّ أوبٍ وفرقةٍ ... على واحدٍ، لا زلتمُ قرن واحدِ
стр. 121
وقال ابن حسان بن ثابت لمعلمه:
اللهُ يعلم إني كنتُ منفرداً ... في دارِ حسانَ أصطادُ اليعاسيبا
ومنه:
جفون حبيّ بطرفها مرضٌ ... أرزت بسقم الجفون والمرضِ
فلو أصابتْ سهامها قتلتْ ... لكنها نكبت عن الغرضِ
باب
الظرافة والسهولة
اعلم أن أشعار العرب والمحدثين قد ورد فيهما الظريف السهل، كقول بعضهم:
هوى صاحبي ريحُ الشمال إذا جرتْ ... وأشفى لقلبي أن تهبَّ جنوبُ
يقولون: لو عزيت قلبك لارعوى ... فقلتُ: وهلْ للعاشقينَ قلوبُ
وللمسلمي:
حمليني كلَّ لائمةٍ ... كلّ ما حملتِ محمولُ
واحكمي ما شئتِ؛ واحتكمي ... فحرامي فيكِ تحليلُ
والذي أرجو النجاةَ بهِ ... ما لقلبي عنكِ تحويلُ
ما لداري منك موحشةً ... وضميري منكِ مأهولُ
وأخو حبيك في تعبٍ ... مطلقٌ دهراً ومغلولُ
في بنات الروم لي سكنٌ ... وجهها للشمس إكليلُ
تتعاطى شدَّ مئزرها ... ونطاقُ الخصر محلولُ
شرقتْ بالدمع مقلتها ... فلها بالدمع تفصيلُ
شملنا إذ ذاكَ مجتمعٌ ... وجناح البين مشكولُ
ومنه لأبي تمام:
أقولُ، ود قالوا: استراح بموتها ... من الكربِ: روحُ الموتِ شرّ من الكرب
ومنه:
وقالوا: عزاءً، ليس للموت مدفعُ ... فقلتُ: ولا للحزن إذ ماتَ مدفعُ
ومنه:
وظنّ العواذلُ أنْ قد سلوتُ ... لفقد البكاء فجاؤوا وقالوا:
حقيقٌ، حقيقٌ، وجدتَ السلوَّ ... فقلتُ: محالٌ، محالٌ، محالْ
ومنه:
ولا تحسبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجيةُ نفسٍ، كلُّ غانيةٍ هندُ
وما خلف أجفاني شؤونٌ بخيلةٌ ... ولا بين أضلاعي لها حجرٌ صلدُ
ومنه:
عارضاً بي ركبَ الحجاز أسائله ... متى عهدهُ بسكان جمعِ
واستملاَّ حديث من سكن الخي ... فَ: ولا تكتباهُ إلاَّ بدمعي
عزني أنْ أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي
ومنه:
ولي فرسٌ من نسلِ أعوجَ سابقٌ ... ولكنْ على قدرِ الشعير يحمحمُ
وأقصرُ ما قصرتُ فيما يزيدني ... علو، ولكنْ عند من أتقدمُ
وقال الجاحظ في متاب البيان والتبيين: إن بعض المرضى قال:
احملوني إلى الطبيب، وقولوا: قد اكتوى
وروي عن أبي نواس أنه لم تكلم إلا بنصف بيت شعر.
وقال أبو العتاهية: لو أردت ألا أتكلم إلا ببيت شعر لفعلت.
باب
الإغراب
قال قدامة: هو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان، قال: فيقال: طريف وغريب، إذا كان فرداً قليلاً فإذا كثر لم يسم بذلك ومنه قوله:
وما لبسَ العشاقُ ثوباً من الهوى ... ولا بدلوا إلاَّ الثيابَ التي أبلي
وما شربوا كأساً من الحبِّ مرةً ... ولا حلوةً إلا وشربهمُ فضلي
ومنه:
وشغلتُ عن فهم الحديث سوى ... ما كان منك فإنه شغلي
وأديمُ نحوَ محدثي نظري ... أنْ قدْ فهمتُ، وعنكم عقلي
ولم يمدح الأغنياء والفقراء غير زهير بقوله:
وما كانَ من خيرٍ أتوه فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلا وشيجه ... وتغرسُ إلاَّ في منابتها النخلُ
стр. 122
على مكثريهمْ حق من يعتريهمُ ... وعندَ المقلين السماحةُ والبذلُ
ومنه لأبي تمام:
إقدامُ عمروٍ، في سماحة حاتمٍ ... في حلم أحنفَ، في ذكاءِ إياسِ
لا تنكروا ضربي له منْ دونه ... مثلاً شروداً في العلا والباسِ
قالله قد ضربَ الأقلَّ لنورهِ ... مثلاً من المشكاة والنبراسِ
ومنه:
حمدتُ إلهي بعد عروةَ؛ إذ نجا ... خراشٌ، وبعضُ الشرّ أهونُ من بعض
ولم أدر من ألقى عليه رداءهُ ... سوى أنه قد سلَّ عن ماجدٍ محض
ومنه:
أأسماءُ، أيَّ الواعدينِ تريهما ... أشدكما مطلاً فإني لا أدري
أأنتِ بنيلٍ منكِ تبردُ غلتي ... أم القلبُ بالسلوان عنكِ وبالصبرِ
стр. 123
ومنه:
إنَّ التي أصبحتْ تودعني ... ودمعُ عينيَّ فيهما جامدْ
لم يحبس الدمعُ في جفونهما ... إلاَّ ليبقى الهوى بلا شاهدْ
ما أدعي بعد ذا بها كلفاً ... تمتْ على الحقّ حيلةُ الجاحدْ
ومنه:
стр. 124
حمدت إلهي إذ بلاني بحبها ... على حولٍ يغني عن النظرِ الشذرُ
نظرتُ إليها والرقيب يظنني ... نظرتُ إليه فاسترحتُ من العذرِ
ومنه:
وأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علواً ولكن عند من أتقدمُ
ومنه:
стр. 125
أقولُ لهُ إذ أتى: لا أتى ... ولا حملتهُ إلينا قدم
عدمتُ خيالك لا من عمىً ... وصوت كلامك لا منْ صممْ
ومنه للفرغاني:
قال: أتصبو؟ قلتُ: يا سيدي ... وأيّ شيءٍ منك لا يصبي
قال: اتقِ الموتَ، وخلّ الهوى ... فقلتُ: إن طاوعني قلبي
ومنه للناشيء الكلمي:
يسعى إلى موقف الفراق وما ... أحسن صيداً يسعى إلى صائدْ
أضللتُ قلبي، ورحتُ أنشدهْ ... فليتَ شعري منْ منشدُ الناشدْ
ومنه:
سكرتْ لواحظهُ، فما تصحو ... وتعرضتْ، فعلمتُ منْ تنحو
فلأسمحنَّ لها بما التمستْ ... إن الكريمَ بنفسه سمحُ
ولقد علمتُ على مسارعتي ... في الجود أن جوابها الشحُّ
وأرى مغاديةً مراوحةً ... لا الليلُ يحسبها ولا الصبحُ
قالتْ: معي نصحٌ، فقلتُ: معي ... ما ليس ينفعُ عندهُ النصحُ
ومنه:
لمحته، فاستثرتُ كامنةً ... أسرعَ في فتكها من اللمحِ
ورحتُ عنهُ لأستقل، ولا ... يبرحُ بي لاعجٌ من البرحِ
وأنتَ فيما زعمتَ تنصحُ لي ... تهوى، ويأتيك مثلُ ذا النصح
ويقولون: إن أبا العلاء الأصفهاني روى لأبي الفرج هذين البيتين:
стр. 126
ويقولُ لي فيما يقو ... لُ ولا أرى للقول آخرْ:
حتى أشاورَ، قلتُ: ل ... كني هويتُ، ولمْ أشاورْ
ومنه:
ولا تطلِ الملامَ، فلستُ أصغي ... فأدري، كيف تقصرُ أم تطيلُ
ألم تغضبْ لنصحك، كيفَ يمضي ... هباءً لا يقابله قبولُ
عنان الناطفية:
أين مكانُ السلوّ من عذلي ... حتى أراهُ إن كان يصلحُ لي
والأهيفُ الأغيدُ الأغنُّ على ... حالتهِ في الصدودِ لم يحلِ
كأنه حينَ لا احتفالَ بهِ ... جاءَ على فترةٍ من الرسلِ
ومنه:
إذا ما ظمئتُ إلى ريقهِ ... جعلتُ المدامةَ منهُ بديلا
وأين المدامةُ من ريقها ... ولكنْ أعللُ قلباً عليلا
ومنه لأرجاني:
يقالُ: المعالي والمعالي وأهلها ... وما علموا أنَّ المعالي بلا أهلِ
أتعرفُ لي في الجنّ من أستميحه ... نوالاً؛ فما في الإنسِ فضلٌ عن البخل
ومنه:
يقولون: هذا آخرُ العهدِ منهمُ ... فقلتُ: وهذا آخرُ العهد من قلبي
فوا حسرتي لم أقضِ منكم لبانةً ... ولم أتمتعْ بالوصالِ وبالقربِ
стр. 127
وفارقتكمْ من بعد أنسٍ وصحبةٍ ... فها أنا قاضٍ بعد بينكمُ نحبي
ومنه:
أح باب نإ، لا بلغتْ منكمُ ... أيدي النوى ما بلغتْ منا
ردوا علينا ما أخذتم لنا ... وعاودونا فيهِ إنْ عدنا
ما دامت الأسرارُ مكتومةً ... لا سمعَ الناسُ، ولا قلنا
ومنه لمهيار:
أتراها يومَ صدتْ أنْ أراها ... علمتْ أني من قتلى هواها
ومنه له:
ما أنكرتْ إلا البياضَ فصدتِ ... وهي التي جنتِ المشيبَ، هي التي
ومنه:
محا حبها حبَّ الألى كنَّ قبلها ... وحلتْ مكاناً لم يكنْ حلَّ من قبلُ
فو اللهِ ما أدري أزيدتْ ملاحةً ... وحسناً على النسوانِ أم ليس لي عقل
جامع الكتاب:
إنْ كان عندهمُ، وقد ظنوا ... أنا نقيمُ، فبئسَ ما ظنوا
واسترهنوا قلبي، فواعجبي ... الدينُ لي، وفؤاديَ الرهنُ
ومنه:
استمعْ يا قلبُ نصحي ... واصغ ياقلب لعذلي
لستُ أرضى لكَ يا قل ... بُ بأنْ ترضى بذلي
стр. 128
قد تخلى عنكَ من ته ... وى وقد آنَ التخلي
هذه إن شئت أن تس ... لو طريقٌ للتسلي
ومنه:
ما على العذال لو نظروا ... ثمَّ لاموا فيك أو عذروا
قمرٌ ضلَّ الأنامُ بهِ ... ما بهذا يعرفُ القمرُ
ومنه:
ما على العذال من سقمي ... أبجسمي ذاك أمْ بهمِ
لائمي في الحبّ ويحك لوْ ... ذقتَ طعمَ الحبّ لم تلمِ
ومنه:
يا مسقط العلمين من رمل الحمى ... لي عند ظبيتكَ النوارِ ديونُ
شرتِ الفؤادَ رخيصةً أعلاقه ... ومضى يعضُّ بنانهُ االمغبونُ
لا العفُّ عفٌّ حين تملكُ قلبه ... تلكَ اللحاظُ ولا الأمينُ أمينُ
لو أنَّ قومكِ نصلوا أرحامهم ... بعيونِ سربكِ ما أبلَّ طعينُ
ومنه:
أغريتَ بي سهراً علي ... كَ، ونمتَ عن ليلي الطويلِ
وبخلتَ بالكشوى إلي ... كَ، وأيُّ عذرٍ للبخيلِ
ومتى أردتَ عيادتي ... فاسألْ عن الحيِّ القتيلِ
حكمَ الهوى في أخذها ... حكمَ العزيزِ على الذليلِ
стр. 129
باب
الأقسام
اعلم أن محاسن الشعر الأقسام الشريفة للمعاني اللطيفة، مثل قول النابغة:
نبئتُ أنَّ أبا قابوس أوعدني ... ولا قرارَ على زأرٍ من الأسدِ
ما إنْ أتيتُ بشيءٍ أنتَ تكرههُ ... إذاً فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي
ومن ذلك قول الأمير سديد الملك:
آثارُ جودك في الخطوبِ تؤثرُ ... وجميلُ بشرك بالنجاحِ يبشرُ
إن كان لي أملٌ سواك أعدهُ ... فكفرتُ أنعمكَ التي لا تكفر
ومنه:
إذا لم تكن عندي كسمعي وناظري ... فلا نظرتْ عيني ولا سمعتْ أذني
فإنك أحلى في فؤادي من المنى ... وأطيبُ طعماً في فؤادي من الأمن
ومنه:
لا ضربتْ لي بالعراق خيمةٌ ... ولا أنثنتْ أناملي على قلمْ
إن لمْ أثرها من بلادِ فارسٍ ... شعثَ النواصي فوقها سودُ اللممْ
حتى ترى لي بالعراقِ وقعةٌ ... يشرب فيها الماءُ ممزوجاً بدمْ
ومنه:
في كنفِ اللهِ ظاعنٌ ظعنا ... أودعَ قلبي وداعه حزنا
لا أبصرتْ مقلتي محاسنه ... إنْ كنتُ أبصرتُ بعده حسنا
ومنه:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصبّ إلى الصبّ
لو لقن اللحن من الربّ ... ما زاده إلاّ عمى قلبِ
ومنه:
يا سيداً هو في الورى ... ذخرٌ لكلّ مؤمليهِ
إن كنتُ أملكُ درهماً ... لكفرتُ بالمكتوبِ فيهِ
ومنه لمجد الدين:
تقسم لحمي وهي تبدي تأسفاً ... وترتكب الهجرَ الشنيعَ وتستعدي
كما فعلت بالبهم بنت حنيةٍ ... إذا أصمت المري حنتْ من الوجدِ
وأقسم بالهجر الذي ذقت طعمه ... لقد خلتُ وصلاً منك أحلى من السهدِ
ومنه:
يا ضرة الشمس في جمالك ... ألا تخرجت من فعالك
زعمتِ أني خليُّ بالٍ ... ألا ليتَ العديُّ كحالك
لا سلمتْ من يديك روحي ... ولا تمتعتْ من وصالك
إن كنتُ أبكي فيكِ رقادي ... إلاَّ لشوقي إلى خيالك
стр. 130
باب
الغلط
اعلم أن الغلط هو أن يغلط في اللفظ ويغلط في المعنى، مثل قول زهير:
فينتجْ لكم غلمان أشأمَ كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضعْ فتفطمِ
أراد أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، وقد احتج بعض العلماء. فقال: أراد عاد الأخرى، لأنهما عادان، كما قال الله تعالى: " وأنه أهلك عاد الأولى "، فدل على أن ثمود عاد الأخرى، وكقول بعض العرب في الحماسة:
وبيضاءَ من نسج ابن داودَ نثرةٍ ... تخيرتها يوم اللقاءِ الملابسا
وإنما الدروع من نسج داود بنفسه لا من نسج سليمان.
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
سرية لم تأكل المرققا ... ولم تذقْ من البقولِ الفستقا
والفستق ليس من البقول، إنما هوثمر.
ومنه له: مثل النصارى قتلوا المسيحا. والنصارى لم تقتل المسيح، إنما قتلته بزعمهم اليهود. وقد احتج له ابن جني، فقال: إن النصارى لما قالوا: إن المسيح قتل وصلب نسب إليهم قتله، كما قال الله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين "، أي فئة تقول: إنهم مسلمون، وفئة تقول: إنهم مشركون. وقال تعالى: " أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، فنسب إليهم الهداية لأنهم سموهم مهتدين.
стр. 131
ومن ذلك قول الراجز: وأبيض أخلص من ماء اليلب.
والسيوف لاتعمل في ماء اليلب، لأن اليلب جلود يتخذ منها دروع منسوجة، فتوهم الشاعر أنها حديد.
ومن ذلك قول جرير:
لما تنزلتُ بالديرين أرقني ... صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيس
غلط ثلاث مرات لأنه دير واحد، وهو دير عبد الملك، والدجاج لا يصيح وإنما تصيح الديوك، وكذلك الأرق أول الليل والديوك تصيح آخره.
ولامرئ القيس:
فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌ ... وللسوط منه وقع أهوج ملهب
فهذا غلط في صفته لأنه لو كان حماراً لكان ذلك ردياً في صفته، فكيف يصفه بذلك وهو هجنة فيه؟
باب
الحشو
الحشو أن تأتي في الكلام بألفاظ زائدة، ليس فيها فائدة، كقول النابغة:
توهمتُ آياتٍ لها فعرفتها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
وكان الأجود أن يقول: لسبعة أعوام، فيستغني عن قوله: ستة أعوام، وعام سابع.
стр. 132
ومنه:
نأت سلمى، فعاودني ... صداعُ الرأس والوصبُ
فالرأس حشو، لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يون إلا في الرأس.
ومن ذلك في الحماسة:
أبغي فتىً، لم تذرَّ الشمسُ طالعةً ... يوماً من الدهرِ إلاَّ ضرَّ أو نفعا
فقوله: طالعة. حشو لا فائدة فيه، لأن ذرت وطلعت بمعنى واحد.
ومنه قول الآخر:
فما برحتْ تومي إليه بطرفها ... تحذره خوف الوشاةِ وتومضُ
فقوله: وتومض. مكرر، لأن الإيماض هو الإيماض بعينه، كما قال بعض الصحابة للنبي ﷺ : يا رسول الله، هلا أومضت إلي، فقال: النبي لا يغمز.
ومن التطريق قول بعض العرب:
ولست بخابئٍ لغدٍ طعاماً ... حذارَ غدٍ، لكلّ غدٍ طعامُ
كرر لفظ غد، وهو الذي يسمى التطريق.
ومنه للمتنبي:
أسدٌ فرائسها الأسود، يقودها ... أسدٌ تصير له الأسودُ ثعالبا
стр. 133
قال الصاحب بن عباد: العجب كيف خلص من هذه الأجمة.
وكذلك قوله:
يدٌ للزمانِ الجمعُ بيني وبينه ... لتفريقه بيني وبينَ النوائبِ
ومثله:
أحرقَ البينُ فؤادي ... عميَ البينُ وصما
لو رأيتُ البينَ يوماً ... لسقيتُ البينَ سما
وقال المتنبي:
وللضعفَ حتى يبلغ الضعف ضعفهُ ... ولا ضعفَ ضعفِ الضعفِ بل مثله ألفُ
قال الصاحب بن عباد: هذا البيت يصلح أن يكون مسلة في كتاب ديوفيطس.
وقوله أيضاً:
عظمتَ، فلما لم تعظمْ مهابةً ... عظمتَ فكان العظم عظماً على عظمِ
قال الصاحب رحمه الله تعالى: هذا البيت يصلح أن يكون ناووساً في كبار المقابر لكثرة ما فيه من العظام.
стр. 134
وكما قال الأعشى في قصيدته التي أولها: ودع هريرة إن الركب مرتحل وهي في غاية الفصاحة:
وقدْ غدوت إلى الحاناتِ يتبعني ... شاوٍ مشلّ شلولٌ شلشلٌ شولُ
سئل الأصمعي عن هذا البيت فقال: لا أعرف معناه.
ومنه قول مسلم في الخمر:
سلتْ وسلتْ ثم سلَّ سليلها ... فغدا سليلُ سليلها مسلولا
وتبعه أبو تمام في مثل هذا فقال يصف مطراً:
وقرى كلَّ قريةٍ كان يق ... ريها قرىً لا يجف منه قريُّ
جمع الغثانة والرثاثة والثقل والركاكة.
وقال أبو الطيب المتنبي:
وقلقلَ بالوجد الذي قلقلَ الحشا ... قلاقلَ همٍّ كلهنَّ قلاقلُ
فقال بعض البلغاء: إن الأعشى شلشل، وإن مسلماً سلسل، وإن المتنبي قلقل.
ولقد أحسن من قال:
إن حشو الكلام من لكنة ال ... مرء، وإيجازه من الإحسان
стр. 135
باب
التفريط
اعلم أن التفريط هو: أن يقدم الشاعر على شيء، فيأتي بدونه فيكون تفريطاً منه، إذ لم يكمل اللفظ أو يبالغ في المعنى، وهو باب واسع يعتمد النقاد من الشعراء وهو مثل قول حسان بن ثابت:
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
فرط في قوله: الجفنات، لأنها دون العشرة، وهو يقدر أن يقول: لدينا الجفان، لأن العدد القليل لا يفتخر به. وكذلك قوله: وأسيافنا. لأنها دون العشرة وهو يقدر أن يقول: سيوفنا وبيض لنا. وفرط في قوله: الغر؛ لأن السواد أمدح من البياض لكثرة الدهن والقرى فيها. وفرط في قوله: يلمعن بالضحى؛ وهو قادر على يقول: بالدجى؛ لأن كل شيء يلمع بالضحى. وفرط في قوله: يقطرن. وهو قادر على أن يقول: يجرين؛ لأن القطر قطرة بعد أخرى. وقال أبو قدامة: إنه أراد بقوله: الغر، المشهورات، وقال: بالضحى؛ لأنه لا يلمع فيه إلا العظيم اللامع الساطع النور، والدجى يلمع فيه يسير النور كاليراع والحباحب وغيره. وأما أسياف وجفنات فإنه يضع القليل موضع الكثير، كما قال سبحانه: " لهم جنات ودرجات ". قوله: يقطرن دما هو المعروف والمألوف، ولو قال: يجرين لخرج عن العادة، وينوب قطر عن جرى، كما مسح سوق الإبل عن أعناقها.
ومن ذلك قول الأعشى:
ويأمرُ لليحمومِ كلَّ عشيةٍ ... بقتَّ وتعليقٍ وقد كادَ يسنقُ
стр. 136
قال الأصمعي: أقل حمار لطحان ينال هذا.
ومن ذلك قول آخر:
ومن يأمنُ الحجاجَ والطيرُ تتقي ... عقوبتهُ إلاَّ ضعيفُ العزائمِ
إن الطير تتقي الصبيان وإنما الجيد قول جرير:
ومنْ يأمنُ الحجاجَ، أما عقابه ... فمرٌّ، وأما عهده فوثيقُ
وكذلك قول النابغة:
رقاقَ النعال طيبٌ حجزاتهمْ ... يحيونَ بالريحان يومَ السباسبِ
يصونون أجساداً طويلاً نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
تحييهم بيض الولائدِ بينهمْ ... وأكسيةُ الإضريجِ فوق المشاجب
هذا كله فاسد، لأن العامة والصعاليك يحيي بعضهم بعضاً في ذلك اليوم بالريحان. والبيت الثاني فاسد، لأنه لا فضيلة في كونها ملونة، كل جانب منها لون. والبيت الثالث فاسد لأنه لا يكون البيات إلا فوق المشجب، ولا يكون على غيره.
باب
الفساد
اعلم أن الفساد هو فساد المجادلة والمحاورة والتشبيه أو غير ذلك يقصده الشاعر، مثل قول امرئ القيس:
стр. 137
كأنيَ لمْ أركبْ جواداً لغارةٍ ... ولم أتبطنْ كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الرويّ ولم أقلْ ... لخيلي كري كرةً بعد إجفال
قال النقد: هذا فاسد، لأنه جعل الغزل مجاوراً للشجاعة في البيتين، والأجود مجاورة الشجاعة للشجاعة والغزل للغزل، فيقول:
كأني لمْ أركبْ جواداً ولم أقلْ ... لخيلي: كري كرةً بعد إجفالِ
ولم أسبأ الزقَّ الرويَّ للذةٍ ... ولم أتبطنْ كاعباً ذات خلخالِ
ومنه قول المتنبي:
وقفتَ، وما في الموتِ شكّ لواقفٍ ... كأنك في جفنِ الردى وهو نائم
تمر بكَ الأبطالُ كلمى هزيمةً ... ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ
فقيل إن سيف الدولة قال للمتنبي: هذا فاسد المجاورة، لأنك أتيت بالتشبيه قبل ذكر المشبه، والأجود أن تقول:
وقفتَ، وما في الموتِ شكّ لواقفٍ ... ووجهكَ وضاحٌ وثغرك باسمُ
تمر بكَ الأبطالُ كلمىَ هزيمةً ... كأنك في جفن الرددى وهو نائم
فقال المتنبي: أيد الله مولانا الأمير أن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنإ ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية، وإنما قرن امرؤ القيس
стр. 138
لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينه من أن تكون باكية قلت: ووجهك وضاح، وثغرك باسم، لأجمع بين الأضداد بالمعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها، فأعجب سيف بقوله، ووصله بخمسين دينار من دنانير الصلات قيمتها خمسمائة دينار.
ومثل ذلك قول الفرزدق:
فإنك إن تهجو تميماً وترتشي ... سرابيل قيسٍ أو سحوق العمائم
كمهريق ماءٍ في الفلاة وغره ... سراب أذاعته رياحُ السمائم
وقال آخر:
فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراءِ، ... وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
يجب أن يكون كل بيت من الأولين مع بيت من الآخرين.
ومن فساد الاستعارة قول أبي الشيص:
وللهوى جرسٌ ينفي الرقاد بهِ ... فكلما رمتُ نوماً حركَ الجرسا
وفساد التفسير مثل قوله:
فيأيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى
تعال إليه تلقَ من نورِ وجهه ... دليلاً ومن كفيه بحراً من الندى
стр. 139
هذا فساد التفسير، لأنه فسر البغي بالسماحة، وكان الواجب أن يفسره بالنصر، وفيقول: نصر أسود الشرى.
ومن فساد التجنيس قول عبيد الله بن زياد: افتحوا سيفي يريك سلوه.
وقال آخر في يوم مطير: قد انقطع شريان الغمام.
وقال آخر:
إكسيرُ هذا الخلق يطرحُ واحداً ... منه على ألفٍ فيكرم خيمه
وقول آخر:
أكابدُ منكِ أليمَ الألمْ ... فقد نحل الجسمُ بعد الجسمْ
وقال أبو تمام:
من كان يعلمُ كيف رقةُ طبعهِ ... هو مقسمٌ أن الهواءَ ثخينُ
ومنه أيضاً قوله:
ذهبتْ بمذهبه السماحةُ فالتوتْ ... فيه الظنونُ أمذهبٌ أم مذهبُ
هذا فاسد لأنه يهدم المدح بنسبته إلى الوسواس.
وكذلك قول الشاعر:
لو رام يشبهه في جوده هرمٌ ... لقيلَ في هرم قد جنَّ أو هرما
هذا فاسد لأنه لا يستقيم المدح بنسبته إلى الهرم والجنون.
ومن فساد القسمة قول جرير:
صارتْ حنيفةُ أثلاثاً فثلثهم ... من العبيدِ وثلثٌ من مواليها
ومن فساد المقابلة قول الأخطل:
стр. 140
إذا التقت الأبطالُ أبصرت لونهُ ... مضيئاً وألوانُ الكماة خضوعُ
وقول قيس بن الخطيم:
فسلوا ضريحَ الكاهنين ومالك ... كمْ فيهمُ من دارعٍ ونجيبِ
ومن فساد التشبيه قول امرئ القيس:
عصافيرٌ وذبانٌ ودودٌ ... وأجرأ من مجلحة الذئاب
فعجباً لهذا مع قوله:
إلى عرقِ الثرى وشجتْ عروقي ... وهذا الموت يسلبني ش باب ي
أرانا موضعينَ لأمرٍ غيبٍ ... ونسخرُ بالطعامِ وبالشرابِ
ومنه قول جميل:
لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... حباً وصلتك أو أتتكِ رسائلي
وقول آخر:
يابن خير الأخيار من عبد شمسٍ ... أنت غيثُ الدنيا وزينُ الجنودِ
فليس قوله: زين الجنود موافقاً لغيث الدنيا ولا مخالفاً له.
وكذلك قوله أيضاً:
стр. 141
رحماءٌ بذي الصلاح وضرا ... بونَ قدماً لهامة الصنديد
لأن الصنديد لا يوافق ذوي الصلاح، وإنما الصواب هامة الشرير.
باب
المعارضة والمناقضة
وهو أن يناقض الشاعر كلامه أو يعارض بعضه بعضاً كما قال خفاف ابن ندبة:
إذا انتكث الخيلُ ألفيتهُ ... صبورَ الجنان رزيناً خفيفا
وقيل: إنه أراد رزينا من جهة العقل وخفيفا من جهة السرعة.
وقال آخر:
فدقت، وجلتْ، واسبكرت، وأكملت ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ
وكذلك الأبيات وهي:
إنَّ التي زعمتْ فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها
بيضاء، باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ؛ فأدقها وأجلها
منعتْ تحيتها؛ فقلت لصاحبي: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وكذلك قول أبي نواس:
стр. 142
كأنَّ بقايا ما بقي من ح باب ها ... تفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ
فشبه الحباب بالشيب والحمرة بالعذار، ثم قال:
تردتْ به ثم انفرى عن أديمها ... تفريَ ليلٍ عن بياضِ نهارِ
فناقض الذي جعله أبيض كالنهار، ثم رجع فصيره أسود كالليل، وناقض الذي جعله أسود كالليل وجعله أبيض كالنهار.
ومن ذلك قول عبد الرحمن بن القيس:
وددتُ إذا ما الموت حلَّ بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر
وهذا تناقض لأن القبل لبعد والبعد لقبل، فكان من قولهم: إذا مات زيد مات عمرو قبله. وهذا لا يصح.
ومنه قول المرار:
وخالٍ على خديكِ يبدو كأنه ... سنا البرق في دعجاءَ بادٍ دجونها
ومعلوم أن الخال أسود، وأما الخد فلا يكون أسود.
ومن فاسد الاستعارة ما رواه أبو العنبس:
إذا ما الحبُّ عشعش في فؤادي ... وحضن بيضه طيرَ البعادِ
وقد نبذ الهوى في دنّ قلبي ... فعربدت الهمومُ على فؤادي
ومن فاسد النظم لابن سهل:
رخو العجان شديدٌ في تتايههِ ... ما كان يدري أأعطى الله أم حرما
لكنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي وويمنع، لا بخلاً ولا كرما
стр. 143
لأنه مقلوب. وروي للجاحظ:
مرّ غراب البين من حالقٍ ... له نعيبٌ فرشقناهُ
عن قوس وصلٍ بسهامِ الهوى ... فلمْ نزلْ حتى صرعناهُ
وباشق الحبّ نصبنا له ... بلبلِ الشوق فصدناهُ
واضطربَ الباشقُ مستوحشاً ... فخيطتْ بالوصل عيناهُ
فقرَّ واستأنسَ حتى إذا ... أجابنا حينَ دعوناهُ
وثقتُ بالصيدِ، فأرسلته ... فصادَ لي منْ كنتُ أهواهُ
ولأبي نواس:
لما بدا ثعلبُ الصدودِ لنا ... أرسلت كلبَ الوصلِ في طلبهْ
فجاءَ يسعى بهِ معلقه ... وقد لوى رأسه إلى ذنبهْ
باب
التضييق والتوسيع والمساواة
اعلم أن النقاد قالوا: ينبغي أن يكون اللفظ على قدر المعنى، ولا يكون أطول منه ولا أقصر، ولذلك قالوا: خير الكلام ما كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، فمتى كان اللفظ أكثر من المعنى كان الكلام واسعاً وضاع المعنى فيه، مثل قول بعض العرب:
ولما قضينا من منًى كلَّ حاجةٍ ... ومسحَ بالأركان من هوَ ماسحُ
وفاضوا ليوم النحرِ من كلّ وجهةٍ ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالتْ بأعناق المطيّ الأباطحُ
ولا خلاف في أن المعنى ضائع في اللفظ، لأنه بمعنى لما حججنا رجعنا وتحدثنا في الطريق. لكن عليه حلاوة وطلاوة.
ومنه:
يجري الحياء الغض في قسماتهم ... في حيث يجري من أكفهم الدمُ
стр. 144
وإذا غضبتَ وأنتَ أنت شجاعةً ... توفي على غضبِ الورى وهمُ همُ
والتضييق هو أن يضيق اللفظ عن المعنى، لكون المعنى أكثر من اللفظ، مثل قول امرئ القيس:
على سابح يعطيك قبل سؤالهِ ... أفانينَ جريٍ غير كزٍّ ولا واني
فإن قوله: أفانين جري اختصار معان كثيرة، وكذلك غير كز يحتمل معاني كثيرة، وكذلك: ولا واني.
ومنه قول عنترة بن شداد:
ربذ يداه بالقداحِ إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
فإن في كل كلمة معنى، وقد تكون الكلمة تحتها معان كثيرة "، وكل هذا دون ما في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهوحسبه ". وقوله تعالى: " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " وهو كثير في القرآن. ولهذا قال النبي ﷺ : " أوتيت جوامع الكلم ". وقوله تعالى: " إذ يغشى السدرة ما يغشى ". " وغشيهم من اليم ما غشيهم ". ولولا فضل الله عليكم ورحمته "، وقول الناس: لو رأيت علياً بين الصفين، إشارة إلى معان كثيرة. وكذلك قولهم: أتفر مني وأنا أنا. وقد قصدتك وأنت أنت، وقد وعدك وهو هو. كل هذا إشارة إلى معان كثيرة.
стр. 145
وأنشد أبو دلامة لامرئ القيس:
بعزهمُ عززتَ، وإن يذلوا ... فذلهم أنالكَ ما أنالا
فقوله: أنالك ما أنالا إشارة إلى أشياء كثيرة.
ومنه للمسيب:
فلأشكرنَّ غريبَ نعمته ... حتى أموتَ وفضله الفضلُ
أنتَ الشجاع إذا همُ نزلوا ... عند المضيقِ، وفعلكَ الفعلُ
باب
التهجين
وهو أن يصحب اللفظ والمعنى لفظ آخر ومعنى آخر يزري به، ولا يقوم حسن أحدهما بقباحة الآخر، فيكون كمدح بعضهم لعبد الله البجلي، حيث قال:
يقال: عبدُ اللهِ من بجيلة ... نعمَ الفتى، وبئست القبيلة
فقال عبد الله: ما مدح من هجي قومه.
ومن ذلك قول النابغة:
نظرتْ إليك بحاجةٍ لم تقضها ... نظرَ العليلِ إلى وجوه العودِ
هجن البيت بذكر العلة.
ومنه قول الآخر:
ما كان يعطي مثله من مثلها ... إلاّ كريمُ الخيم أو مجنونُ
следующие страницы →