← Адаб

Адаб · id 9225

البديع في نقد الشعر

أسامة بن منقذ

Полный текст (287 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رحماءٌ بذي الصلاح وضرا ... بونَ قدماً لهامة الصنديد لأن الصنديد لا يوافق ذوي الصلاح، وإنما الصواب هامة الشرير. باب المعارضة والمناقضة وهو أن يناقض الشاعر كلامه أو يعارض بعضه بعضاً كما قال خفاف ابن ندبة: إذا انتكث الخيلُ ألفيتهُ ... صبورَ الجنان رزيناً خفيفا وقيل: إنه أراد رزينا من جهة العقل وخفيفا من جهة السرعة. وقال آخر: فدقت، وجلتْ، واسبكرت، وأكملت ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ وكذلك الأبيات وهي: إنَّ التي زعمتْ فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها بيضاء، باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ؛ فأدقها وأجلها منعتْ تحيتها؛ فقلت لصاحبي: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها وكذلك قول أبي نواس:

стр. 142

كأنَّ بقايا ما بقي من ح باب ها ... تفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ فشبه الحباب بالشيب والحمرة بالعذار، ثم قال: تردتْ به ثم انفرى عن أديمها ... تفريَ ليلٍ عن بياضِ نهارِ فناقض الذي جعله أبيض كالنهار، ثم رجع فصيره أسود كالليل، وناقض الذي جعله أسود كالليل وجعله أبيض كالنهار. ومن ذلك قول عبد الرحمن بن القيس: وددتُ إذا ما الموت حلَّ بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر وهذا تناقض لأن القبل لبعد والبعد لقبل، فكان من قولهم: إذا مات زيد مات عمرو قبله. وهذا لا يصح. ومنه قول المرار: وخالٍ على خديكِ يبدو كأنه ... سنا البرق في دعجاءَ بادٍ دجونها ومعلوم أن الخال أسود، وأما الخد فلا يكون أسود. ومن فاسد الاستعارة ما رواه أبو العنبس: إذا ما الحبُّ عشعش في فؤادي ... وحضن بيضه طيرَ البعادِ وقد نبذ الهوى في دنّ قلبي ... فعربدت الهمومُ على فؤادي ومن فاسد النظم لابن سهل: رخو العجان شديدٌ في تتايههِ ... ما كان يدري أأعطى الله أم حرما لكنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي وويمنع، لا بخلاً ولا كرما

стр. 143

لأنه مقلوب. وروي للجاحظ: مرّ غراب البين من حالقٍ ... له نعيبٌ فرشقناهُ عن قوس وصلٍ بسهامِ الهوى ... فلمْ نزلْ حتى صرعناهُ وباشق الحبّ نصبنا له ... بلبلِ الشوق فصدناهُ واضطربَ الباشقُ مستوحشاً ... فخيطتْ بالوصل عيناهُ فقرَّ واستأنسَ حتى إذا ... أجابنا حينَ دعوناهُ وثقتُ بالصيدِ، فأرسلته ... فصادَ لي منْ كنتُ أهواهُ ولأبي نواس: لما بدا ثعلبُ الصدودِ لنا ... أرسلت كلبَ الوصلِ في طلبهْ فجاءَ يسعى بهِ معلقه ... وقد لوى رأسه إلى ذنبهْ باب التضييق والتوسيع والمساواة اعلم أن النقاد قالوا: ينبغي أن يكون اللفظ على قدر المعنى، ولا يكون أطول منه ولا أقصر، ولذلك قالوا: خير الكلام ما كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، فمتى كان اللفظ أكثر من المعنى كان الكلام واسعاً وضاع المعنى فيه، مثل قول بعض العرب: ولما قضينا من منًى كلَّ حاجةٍ ... ومسحَ بالأركان من هوَ ماسحُ وفاضوا ليوم النحرِ من كلّ وجهةٍ ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالتْ بأعناق المطيّ الأباطحُ ولا خلاف في أن المعنى ضائع في اللفظ، لأنه بمعنى لما حججنا رجعنا وتحدثنا في الطريق. لكن عليه حلاوة وطلاوة. ومنه: يجري الحياء الغض في قسماتهم ... في حيث يجري من أكفهم الدمُ

стр. 144

وإذا غضبتَ وأنتَ أنت شجاعةً ... توفي على غضبِ الورى وهمُ همُ والتضييق هو أن يضيق اللفظ عن المعنى، لكون المعنى أكثر من اللفظ، مثل قول امرئ القيس: على سابح يعطيك قبل سؤالهِ ... أفانينَ جريٍ غير كزٍّ ولا واني فإن قوله: أفانين جري اختصار معان كثيرة، وكذلك غير كز يحتمل معاني كثيرة، وكذلك: ولا واني. ومنه قول عنترة بن شداد: ربذ يداه بالقداحِ إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم فإن في كل كلمة معنى، وقد تكون الكلمة تحتها معان كثيرة "، وكل هذا دون ما في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهوحسبه ". وقوله تعالى: " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " وهو كثير في القرآن. ولهذا قال النبي ﷺ : " أوتيت جوامع الكلم ". وقوله تعالى: " إذ يغشى السدرة ما يغشى ". " وغشيهم من اليم ما غشيهم ". ولولا فضل الله عليكم ورحمته "، وقول الناس: لو رأيت علياً بين الصفين، إشارة إلى معان كثيرة. وكذلك قولهم: أتفر مني وأنا أنا. وقد قصدتك وأنت أنت، وقد وعدك وهو هو. كل هذا إشارة إلى معان كثيرة.

стр. 145

وأنشد أبو دلامة لامرئ القيس: بعزهمُ عززتَ، وإن يذلوا ... فذلهم أنالكَ ما أنالا فقوله: أنالك ما أنالا إشارة إلى أشياء كثيرة. ومنه للمسيب: فلأشكرنَّ غريبَ نعمته ... حتى أموتَ وفضله الفضلُ أنتَ الشجاع إذا همُ نزلوا ... عند المضيقِ، وفعلكَ الفعلُ باب التهجين وهو أن يصحب اللفظ والمعنى لفظ آخر ومعنى آخر يزري به، ولا يقوم حسن أحدهما بقباحة الآخر، فيكون كمدح بعضهم لعبد الله البجلي، حيث قال: يقال: عبدُ اللهِ من بجيلة ... نعمَ الفتى، وبئست القبيلة فقال عبد الله: ما مدح من هجي قومه. ومن ذلك قول النابغة: نظرتْ إليك بحاجةٍ لم تقضها ... نظرَ العليلِ إلى وجوه العودِ هجن البيت بذكر العلة. ومنه قول الآخر: ما كان يعطي مثله من مثلها ... إلاّ كريمُ الخيم أو مجنونُ

стр. 146

فما يقوم قوله: كريم الخيم بقوله: مجنون. ومنه قول أبي تمام: ما زال يهذي بالمكارم متعباً ... حتى ظننا أنه محمومُ فأزال بعض الهجنة، ثم تبعهم أبو نواس فأزال الهجنة عنه، وأحسن بقوله: صورَ المعروفُ شخصاً ... وله العباسُ روحُ جادَ بالأموال حتى ... قيلَ: ما هذا صحيحُ ومنه قول المتنبي: حتى يقول الناسُ ماذا عاقلاً ... ويقولُ بيتُ المالِ ماذا مسلمُ ومنه قول بعض العرب: ألا إنما ليلى عصا خيزرانةٍ ... إذا غمزوها بالأكفِّ تلين ذكر ابن قتيبة أنه لما أنشده بشاراً قال له: هجنت البيت بقولك: عصاً ولو قلت: عصا مخ أو زبد، لم تزل الهجنة. وأحسن من هذا قولي: وحوراء المدامع من معدٍّ ... كأنَّ حديثها ثمرُ الجنانِ إذا قامتْ لطيتها تثنت ... كأنَّ عظامها من خيزرانِ ومثله قول ابن المعتز: ما ذقتُ طعمَ النوم لو تدري ... كأنَّ أحشائي على جمرِ من قمرٍ مسترقٍ نصفه ... كأنه مجرفة العطرِ قالوا: لو قال مجرفة النور أو الدر لما برحت الهجنة. ومن ذلك قول أبي نواس: وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني قالوا: إن معناه هجين للخيانة التي فيه.

стр. 147

ومنه قول أبي تمام: سبعون ألفاً كآساد الشرى نضجتْ ... جلودهمْ قبل نضج التين والعنب قيل: إنه هجين لأنه لا فائدة في اختصاصه بالتين والعنب دون التمر. وأيضاً إنه ليس من ألفاظ العرب. وقد احتج الصولي له في رسالته، فقال: إن الروم نظروا في علم النجوم أن عمورية لا تفتح في زمان التين والعنب، ففتحها المعتصم قبل ذلك، فذكر أبو تمام ذلك. وإنما الهجنة في قوله: إذا المرء لم يزهدْ، وقد صبغتْ له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهدِ ومن ذلك قول المتنبي يصف مطراً: لساحيه على الأجداث حفشٌ ... كأيدي الخيلِ أبصرت المخالي باب الالتجاء والمعاظلة وهو أن تستعمل اللفظة في غير موضعها من المعنى: كقول بعض العرب،

стр. 148

وهو أوس بن حجر: وذاتُ هدمٍ عارٍ نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جذعا سمى الطفل تولباً. والتولب: الجحش، وهذه القصيدة من بدائع الشعر وقلائد المراي وأولها: أيتها النفس، أجملي جزعا ... إنَّ الذي تحذرين قد وقعا إنَّ الذي جمع السماحةَ والنج ... دةَ والحلمَ والتقى جمعا الألمعيُّ الذي يظنُّ بك الظ ... نَّ كأن قد رأى وقد سمعا ومن ذلك قول الأعشى: إلى ملك أظلافه لم تشقق. استعار الأظلاف للقدم، وهو قبيح؛ لأنها للبقر، لا للبشر. ومنه قول الفرزدق: فلو كنت ضبياً عرفتَ قرابتي ... ولكنَّ زنجياً عظيم المشافر لأنه استعار الشافر للإنسان، وإنما هي للجمال لا للرجال والحجة عن الفرزدق أنه لم يجهل ذلك، لكنه أراد هذا اللفظ، ليكون أبلغ في الهجاء، لأنه قال: ولكن زنجياً والزنجي عادته أن تكون شفتاه غليظتين، كمشافر الجمل في الغلظ، فأزال ذكر المشبه وذكر المشبه به، وهذا من المبالغة. ومنه قول ابن الرومي: وضاحكٍ بي ليس يضحكه ش ... يءٌ سوى أن ظلفي الدامي

стр. 149

باب النادر والبارد اعلم أن الشعر النادر هو الذي يستفز القلب، ويحمي المزاج في استحسانه، والبارد بضد ذلك. مثل قول أبي العتاهية: مات يا قومُ، سعيدُ بنُ وهبِ ... رحم اللهُ سعيدَ بنَ وهبِ يا أبا عثمانَ أبكيتَ عيني ... يا أبا عثمان أوجعتَ قلبي وقال بعض العرب: قد علمتْ سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارسَ إلاَّ أنا شككتُ بالرمحِ سرابيله ... والخيلُ تعدو زيما بيننا وذكر في كتاب الصناعتين أن من البارد قول بعض العرب: ألاَّ حبذا هندٌ، وأرضٌ بها هند ... وهندٌ أتى من دونها النأي والبعد ولعبدة بن الطبيب: يحملنَ أترجةً نضح العبير بها ... كأنَّ تطيابها في الأنف مشموم

стр. 150

لأن الشم لا يكون بالعين وإنما هو بالأنف، والتطياب مصدر بارد غث. باب الرشاقة والجهامة أما الجهامة فهي الكلمات القبيحة في السمع، مثل قول الشنفرى: أما يحرم المنعوتُ حثحثَ دبره ... مخابيطُ أرساهن سأمُ مغسلُ فلا خلاف في جهامة هذه الألفاظ إن عرضت على صاحب ذوق سليم، وإن كانت صحيحة المعاني. وأما الرشاقة فهي حلاوة الألفاظ وعذوبتها كما قال تأبط شراً: لتقرعنَّ عليَّ السنَّ من ندمٍ ... إذا تذكرت مني بعض أخلاقي وذكر الشيخ أبو عثمان في كتاب البيان عيباً سماه الاستكراه، وهو تقارب مخارج الحروف والألفاظ، وأنشد بيتاً ذكر أن العلماء المتقدمين ينسبونه إلى الجن، وهو: وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرِ ... وليسَ قربَ قبرِ حرب قبرُ وأنشد أيضاً في هذا المعنى: لم يضرها والحمد للهِ شيءٌ ... وانثنتْ نحو عسفِ نفسٍ ذهول وفي كتاب حلية المحاضرة: واسق العدوَّ بكأسه، واعلمْ له ... بالغيب أن قدْ كانَ قبلُ سقاكها واجز الكرامة من ترى لو أنه ... يوماً بذلتَ كرامةً لجزاكها وقال: أحسن الكلام ما كان مسبوك الألفاظ، سهل مخارج الحروف،

стр. 151

وليس شيء في هذا الباب مثل القرآن الكريم، ولذلك لا يسأم ولا يمل على كثرة الدرس والترداد. ومنه ما ذكره ابن قتيبة في أدب الكتاب عيباً سماه التقعير والتعقيد "، وهو استعمال اللفظ الغريب جدإن وهو العقمي والوحشي، مثل قولهم: هذا من ضئضئ القوم، ولا خلاف أن قولنا: أرومة أحسن منه، وإن كان عربياً. وذكر في كتاب الصناعتين أن بعضهم كتب إلى صاحبه كتاباً وعنونه: من مكركسه ومحبوسكه، فلان. ولا خلاف في بشاعة هذه الألفاظ، ولذلك قال العلماء: أجود الكلام ما كان، لا قروياً ولا بدويا. وقالوا: الكلام ثلاثة أصناف: عامي، وخاصي، ووحشي. فالعامي لا يستعمل لركاكته، والوحشي لا يستعمل لجهامته، الخاصي يستعمل لفصاحته وملاحته. فالعامي مثل قولك: عدلا جمل، والوحشي مثل قولك: صنوا جرثومة، والخاصي مثل قولك: فرسا رهان. وذكر أيضاً التعقيد، وهو تعسير المعاني، ولذلك قال الأصمعي: أجود الشعر ما وصل معناه إلى القلب مع وصول لفظه إلى السمع مثل ما روى ابن قتيبة عن بعض الكتاب أنه كتب: كتابي هذا عارض ألمٍ ألمَّ. باب الفك والسبك أما الفك فهو أن ينفصل المصراع الأول من المصراع الثاني، ولا يتعلق بشي من معناه، مثل قول زهير:

стр. 152

حيّ الديار التي لم يعفها القدمُ ... بلى وغيرها الأرواح والديم وكما قال المتنبي: جللاً كما بي، فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغنّ الشيح فجمع بين العسف واللكنة والانفكاك، كما جمع زهير بين الفك والإكذاب. وأما السبك فهو أن تتعلق كلمات البيت بعضها ببعض من أوله إلى آخره كقول زهير أيضاً: يطعنهمْ ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضاربَ، حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا ولهذا قال: خير الكلام المحبوك الذي يأخذ بعضه برقاب بعض. باب التكليف والتعسيف وهو الاكثار من البديع كالتطبيق والتجنيس في القصد، لأنه يدل على التكلف من الشاعر لذلك وقصده إليه. وإذا كان قليلاً نسب إلى إنه طبع في الشاعر، ولهذا عابوا على أبي تمام لأنه كثر في شعره، واستحسنوه

стр. 153

من غيره لأنه قل في أشعارهم، وقالوا: إنه بمنزلة اللثغة تستحسن، فإذا كثرت صارت خرساً؛ والشية تستحسن في الفرس، فإذا كثرت صارت بلقا، والجعودة تستحسن في الشعر، فإذا كثرت صارت قططا. وقالوا: خير الأمور أوسطهإن والحسنة بين الشيئين، والفضيلة بين الرذيلتين. باب الرذالة والجزالة اعلم أن الرذالة هو أن يكون المعنى لا يراد ولا يستفاد مثل قول بعض العرب: زياد بن عونٍ عينه تحت حاجبه ... وأسنانه بيضٌ وقد طر شاربهُ ومثله أنشد سيبويه في كتابه: إذا ما الخبزُ تأدمه بلحمٍ ... فذاك أمانة اللهِ الثريدُ ومثل قول أبي العتاهية: مات الخليفةُ أيها الثقلان ... فكأنني أفطرت في رمضان ومثل ذلك قول آخر: إنَّ جسمي شفَّ من غير مرض ... وفؤادي لجوى الحبّ غرضْ كجرابٍ كان فيه جبنٌ ... دخل الفأر عليه فانقرضْ باب القوة والركاكة اعلم أن الركاكة هي أن يكون اللفظ متناولاً والمعنى متداولاً كالكلمات المستعملة، والألفاظ المهملة، فيكون الشعر ركيكاً والنسج ضعيفاً كقول امرئ القيس:

стр. 154

ألا إنني بالٍ، على جملٍ بالِ ... يقود بنا بالٍ، ويتبعنا بالٍ ومن العجب أن صاحب الصناعتين جعله من محاسن الشعر، ولقبه بالتعطف، ولا خلاف بين العالم والجاهل في ركاكته. ومن الشعر الخلق: ولو أرسلت من حبك ... مبهوتاً من الصين لوافيتك قبل الصبحِ ... أو قبل تصلين ومن ذلك قول الرماني: أيا تملك يا تملِ ... وذات الطوق والحجلِ ذريني وذري عذلي ... فإنَّ العذلَ كالقتلِ باب المخالفة اعلم أن المخالفة هي الخروج عن مذهب الشعراء، وترك الاقتفاء لآثارهم، مثل قول جرير: طرقتك صائدةُ القلوب، وليس ذا ... وقتَ الزيارة، فارجعي بسلامِ وليس المعهود رد المحبوب على عقبه إراد زيارة محبه. ومثل قول عبد الرحمن بن حسان: تجعل الندَّ والألوة والمس ... كَ صلاها على الكانونِ

стр. 155

ومعلوم أن النج على نتن رائحتهم لو تطيبوا ببعض هذا الطيب لطابت رائحتهم، وإنما الحسن قول امرئ القيس: ألم ترَ أني كلما جئتُ طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب وقوله أيضاً: أغركِ مني أنَّ حبك قاتلي ... وأنك مها تأمري القلبَ يفعل وهذا اللفظ جاف لأنه توعد للمحبوب، والمحب لا يتوعد حبيبه. وكذلك قوله أيضاً بعد قوله: أغرك مني أن حبك قاتلي: وإن تكُ قد ساءتكِ مني خليقةٌ ... فسلي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ لأن المحب لا يخير حبيبه بين فراقه ووصاله. ومن ذلك قول كثير: وما زالتْ رقاك تسلُّ ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي ويرقيني لك الراقون حتى ... أجابتْ حيةٌ تحت الحجابِ والمعهود من عرف العادة أن الملك يتودد إليه، ولا يتودد إلى غيره، وإنما الجيد قوله: له هممٌ لا منقضى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهرِ له راحة لو أن معشار عشرها ... على البرِّ كان البرُّ أندى من البحرِ

стр. 156

ومن ذلك أيضاً قول سحيم: أراهنَّ ربي مثلما قد أرينني ... وأحمى على أكبادهنَّ المكاويا والمحب لا يدعو على حبيبه، ولا سيما هذا العبد الأسود. ومنه قول كثير: ألا ليتنا يا عزُّ من غير ريبةٍ ... بعيران نرعى في الخلاءِ ونعزبُ يطردنا الرعيانُ من كلّ تلعةٍ ... فلا عيشنا يصفو، ولا الموتُ يقربُ يقال إن عزة لما سعت هذا قالت: لقد تمنيت لنا الشقاء الطويل. وأحسن منه قول الآخر: علقتُ بليلى وهي ذاتُ موصدٍ ... ولمْ يبدُ للأترابِ من ثديها حجم صغيرين نرعى البهمْ، ياليتَ أننا ... إلى اليومِ لم نكبرْ ولم تكبر البهمُ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: قالت لها قد غمزتهُ فأبى ... ثم استطارت تشتدّ في أثري وهذا خلاف العادة، وإنما المعروف أن يتبع المحب لمحبوبته، والبيت ضد ذلك. ومنه قول الآخر: وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لستُ بمرهوبٍ قفرِ وهذا غير ما طبع عليه طباع المحبين من السكون وانقطع الكلام عند رؤيتهم، كما قال: لي حججٌ في مغيبهِ ... فإذا رأتهُ عيني تمزقتْ حججي

стр. 157

وقول الآخر: أقرُّ بالذنب مني لستُ أعرفه ... كيما أقولُ كما قالتْ فنتفقُ ولأبي صخر الهذلي: وما هو إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهتَ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ وأنسى الذي فيه أكونُ أتيتها ... كما قدْ تنسي لبَّ شاربها الخمرُ وقال آخر: وما هو إلاَّ أنْ أراها فجاءةً ... فأبهتَ حتى ما أكاد أجيبُ وقال الأمير سديد الملك: يجني، ويعرفُ ما يجني، فأنكرهُ ... ويدعي أنه الحسنى فأعترفُ وكم مقام لما يرضيك قمت على ... جمر الغضا وهو عندي روضة أنف ومنه قول جميل: أريدُ لأنسى ذكرهإن فكأنما ... تمثلُ لي ليلى بكلّ سبيلِ وهذا خلاف مذاهب الشعراء لأنهم يحرصون على دوام ذكرهم، وطول محبتهم، كما قال أبو صخر: فيا حبها زدني جوىً كلَّ ليلةٍ ... ويا سلوةَ الأيام موعدك الحشرُ والمحب منهم يحرص على التفكر في حبيبه والذكر له حتى قال بعضهم:

стр. 158

وأخرجُ من بين البيوتِ، لعلني ... أحدثُ عنك النفس في الليل خاليا وقال آخر: وإني لأغشى النوم من غير نعسةٍ ... لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خياليا وتبعه المحدث فقال: سأشكرُ للذكرى صنيعتها عندي ... وتمثيلها لي من أحبَّ على البعد وقال آخر: الله يعلمُ أنني ... ألتذُّ فيكم باشتياقي وأكادُ من أنسِ التذك ... رِ لا أذمُّ يدَ الفراق وأحسن أبو الشيص وزاد على الإحسان، لما مدح اللوام حرصاً على سماع ذكر المحبوب، فقال: أجدُ الملامة في هواك لذيذةً ... حباً لذكرك، فليلمني اللومُ وزاد وشرح حتى خرج عن مذهب الشعراء، ورجع إلى مذهب العتب، تى ذكر أنه يحب الأعداء لما أشبهوا محبوبه في نقص حظه منهم، فقال: أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبهم ... إذ كان حظي منك حظيَ منهمُ وتبعه أبو نواس فقال: أحبُّ اللوم فيها ليسَ إلاَّ ... لتردادِ اسمها فيما يلامُ وتبعه النامي، فقال: أهوى مقاربة العذول لأنهُ ... لهجٌ بذكركِ في خلالِ كلامه وقال آخر: ولو تركتْ عقلي معي ما طلبتها ... ولكنْ طلابيها لما فات من عقلي وهذا خروج عن المذهب لأنه جعل لطلبها سبباً والجيد قول الآخر: وما سرني أني خليٌّ من الهوى ... ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ ومغربِ

стр. 159

والحسن بذل مهجته فيها واستصغار الأخطار، واستقراب البعد من المزار، مثل قول الآخر: قالوا: توقَّ رجال الحيّ؛ إنَّ لهمْ ... عيناً عليكَ إذا ما نمتَ لم تنمِ فقلتُ: إنَّ دمي أقصى مرادهمُ ... وما غلتْ نظرةٌ منهم بسفك دمي ومنه قول الآخر: قالتْ: لقد بعدُ المسرى؛ فقلتُ لها ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا وللشيخ أبي محمد بن سنان: أشتاقكمْ ويحولُ العجزُ دونكمُ ... فأشتكي بعدكم عني وأعتذرُ وأدعي خطراً بيني وبينكم ... وآيةُ الشوق أن يستصغرَ الخطرُ وقول ابن الدمينة: ولو أنَّ ليلى مطلعُ الشمس دونها ... وكنتُ وراءَ الشمسِ حيثُ تغيبُ لمنيتُ نفسي أن تريع بها النوى ... وقلتُ لقلبي: إنها لقريبُ ومن ذلك قول ذي الرمة: لعلَّ انحدار الدمع يعقبُ راحةً ... من الشوق أو يشفي نجيَّ البلابل هذا ضد ما يستحسن من قوله:

стр. 160

فيا حبها زدني جوىً كلَّ ليلةٍ ... ويا سلوةَ الأيام موعدك الحشرُ وكما قال عبد الصمد بن المعذل: لا أتاحَ اللهُ لي فرجاً ... يوم أدعو منكِ بالفرجِ وقال أبو نواس: لا فرج اللهُ عني إن مددتُ يدي ... إليهِ أسأله من حبك الفرجا وأحسن وألطف منه قول المتنبي: لوْ قلتَ للدنفِ الكئيب فديتهُ ... مما بهِ لأغرتهُ بفدائهِ ومن المخالفة قول ابن قيس الرقيات: يأتلقُ التاجُ فوق مفرقهِ ... على جبينٍ كأنهُ الذهبُ لأن العرب تمدح بجهامة الصورة وترك التنعم، وهذا ضد ذلك. وقد ذكروا عن الممدوح أنه عاب على هذا الشعر، وقال: ألا قلت في كما قلت في مصعب ابن الزبير: إنما مصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلت عن وجهه الظلماءُ يتقي اللهَ في الأمور وقدْ أف ... لحَ من كان همهُ الاتقاءُ لأن التفاضل بالخلائق لا بالخلق والإنسان مخير في الخلق غير مخير في الخلق.

стр. 161

وممنا يشبه هذا وهو من الباب بعينه قول كثير: على ابن أبي العاصي دلاصٌ حصينةً ... أجاد المسدي سردها فأذالها فقال له: لم قلت في كما قال الأعشى في صاحبه: فإذا تجيء كتيبةٌ ملمومةٌ ... شهباءُ يخشى الذائدونَ نكالها كنت المقدمَ غير لابسِ جنة ... بالسيفِ تضربُ معلما أبطالها قال: إني وصفته بالحزق؛ ووصفتك بالحزم، قال: كلا، ولكنك وصفته بالشجاعة، ووصفتني بالجبن. وعابوا على النظمي قوله: أيا منْ جههُ أسدُ ... وسائر خلقه بشرُ وقالوا: هذا عجيبة من عجائب البحر. ومنه أيضاً: فلما بدا ليَ ما رابني ... نزعت نزوعَ الأبيّ الكريم وقال ابن شامة: بخلنا لبخلكِ قد تعلمينَ ... وكيف يلومُ البخيلُ البخيلا ومن ذلك قوله: بانتْ سعادُ ففي العينين ملمولُ ... وكان في قصرٍ من عهدها طول

стр. 162

وهذا رديء لأنه استطال وقت وصالها. والجيد قول الآخر: يطولُ اليومُ لا ألقاك فيهِ ... وحولٌ نلتقي فيهِ قصيرُ ومن المخالفة قوله: من حبها أتمنى أن يواجهني ... من نحو بلدتها ناعٍ فينعاها لكي يكونَ فراقٌ لا لقاءَ لهُ ... فيضمرُ القلبُ يأساً ثمَّ يسلاها والمعهود تفدية المحب حبيبه بنفسه، وهذا ضد المقصود ومنه قول نصيب: أهيمُ بدعدٍ ما حييتُ، فإنْ أمتْ ... فوا أسفي من ذا يهيمُ بها بعدي لأن المعهود بخل الحبيب بحبيبه عمن سواه. ومنه قول الآخر: أشكو إلى اللهِ قلباً لو كحلتِ بهِ ... عينيكِ لاكتحلتْ من حره بدم لأن المعروف أن يتفاءل المحب لحبيبه. والتفاؤل يكون للخير لا للشر. وأحسن من هذا قوله: سقى الله أرضاً لو ظفرتُ بتربها ... كحلت بها من شدةِ الشوق أجفاني ومن ذلك قول عدي بن الرقاع: لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرتُ أمَّ القاسم وكأنها وسطَ النساءِ أعارها ... عينيه أحورُ من جآذرِ جاسمِ وسنانُ أقصده النعاسُ، فرنقتْ ... في عينه سنةٌ، وليس بنائمِ

стр. 163

ها قد شغف به جماعة من النقاد حتى قال الأصمعي عن بعض المتقدمين: كيف إذا وقع بقضبان الدفلى على بطون المعري إعجاباً به. وهو فاسد عندي، ومن باب المخالفة، لأن المحب يحتمل في محبوبه ركوب الأخطار والأمور الصعاب. فكيف لا يحتمل الحياء وفقد الشباب. وقال قيس بن ذريح: أقول إذا نفسي من الحبّ أصعدت ... بها زفرةً تعتادني وهي ما هيا ألا ليت ليلى لم تكنْ قطُّ جارتي ... ولمْ ترني ليلى ولم أدرِ ما هيا ثم قال: لقد خفتُ ألا تقنعَ النفسَ دونها ... بشيءٍ من الدنيا وإن كان مقنعا وأعذلُ فيها النفسُ إذحيلَ دونها ... وتأبى إليها النفسُ إلاّ تطلعا ومنه: من الخليّ المفيقِ ... إلى صديق الطريق كتبت من غير شوقٍ ... إليكَ يالا صديقي وما سفحتُ دموعي ... ولا شرقتُ بريقي وجملةُ الأمر أني ... إليك غيرُ مشوقِ ومنه: يا لا شبيهَ الهلالِ ... ولا بديعَ الجمالِ ومنْ يدلُّ بطرفٍ ... خلاف طرفِ الغزالِ جدلي بإخلاف وعدي ... فإنني لا أبالي ومن ذلك أيضاً:

стр. 164

كتبتُ من غير شوقٍ ... يضني ولا بلبالِ وما سفكتُ دموعي ... عليكَ مثلَ اللآلي ولا تذكرتُ عيشاً ... في سالفات الليالي بلى فؤادي مضنىً ... من اللقا في اعتلالِ أودُّ بعدكَ عني ... ولو سمحتُ بما لي باب الطاعة والعصيان اعلم أن الطاعة والعصيان باب يمتحن به العالم والناقد، وتعرف به فضيلة الكاتب والشاعر، وهو أن يزيد البيت على ما تقتضيه صناعة الشعر، فلا يوافقه الوزن، فيأتي بما لا يخرج عن الصناعة. ذكر أبو العلاء في تفسير المتنبي في قوله: يردُّ يداً عن ثوبها وهو قادرٌ ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد قال: أوجبت عليه الصناعة أن يقول: يرد يداً عن ثوبها وهو مستيقظ، فلم يطاوعه الوزن، فلم يخرج عن الصنعة، قوة منه وقدرة، فقال: قادر، وهو عكس راقد في الصورة والمعنى، أما في الصوة فهو من جناس العكس، وأما في المعنى فان الراقد عاجز، وهو ضد القادر، فتم له الطباق صورة ومعنى وهذا من الأفراد الأفذاذ.

стр. 165

باب التناقض التناقض، هو إن يتناقض بين المعاني، مثل قول مسلم: ذكرَ الصبوحَ، فراحَ غيرَ مفندِ ... وأقامَ بينَ عزيمةٍ وتجلدِ وقول أبي نواس: ذكرَ الصبوحَ بسحرةٍ فارتاحا ... وأمله ديكُ الصباحِ صياحا قال ابن قتيبة: إن كل واحد منهما عاب على صاحبه التناقض، لأن بيت أبي نواس متناقض، لجمعه بين ارتياح وملل، ولأن بيت مسلم متناقض، لجمعه بين الرواح والإقامة، وعندي أنهما غير متناقضين ولا متبايني الإرتياح إلى شيء والملل من غيره، وكذلك البيت الآخر فالرواح فيه والإقامة مجازان. ومن ذلك قول ذي الرمة: أقامت به حتى ذوى العودُ في الثرى ... وضمَّ الثريا في ملاءته الفجرُ ناقض لأن العود لا يذوي في الثرى. والثرى: التراب الندي، والذوى: اليبس. وقيل إن الفرزدق أصلحه، فقال: حتى ذوى العود والتوى ووافقه على ذلك أبو عمرو بن العلاء. باب القلب اعلم أن القلب هو أن يقصد شيئاً ويكون المقتضي بضد ذلك الشيء. كما قال امرؤ القيس:

стр. 166

إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيمَ الصبا جاءتْ بريا القرنفل عابوا عليه تشبيه المسك بالقرنفل، وقالوا: إنما يشبه القرنفل بالمسك؛ لأنه أجل منه. وقد خرج النقاد له وجهاً غير ذلك فقالوا: إنه أراد بقوله تضوع، أي مثل المسك، كما قال أيضاً: وجدت بها طيباً وإن لم تطيبِ أي مثل الطيب، ثم كان قائلاً قال: مم ذلك؟ قال: نسيم الصبا، أو يكون نسيم فاعلاً والمسك مفعولاً محذوف الباء تقديره تضوع بالمسك منهما نسيم الصبا، وقال قوم: الرواية بالفتح من ميم المسك وهو الجلد، فيكن معناه أن جلودهما تتضوع بريح المسك. باب العبث اعلم أن العبث هو أن يقصد الشاعر شيئاً من دون أشياء من غير فائدة في ذلك، مثل قول النابغة: فإنكَ كالليل الذي هو مدركي ... وإنْ خلت أنَّ المنتأى عنك واسعُ عاب النقاد عليه اختصاصه اليل دون النهار، وقالوا: إن الليل والنهار في هذا سواء.

стр. 167

وقال أبو الشماخ إذا احتمل الأمر شيئين اختص بأشبههما في الحال، ومعلوم أن هذا الشعر في حال الخوف، واليل بحال الخوف أولى، لأنه يشبه الاستتار والاختفاء، فزال الاعتراض عن هذا البيت وصار مثل قول الغزي: وبتنا نذودُ الوحش عنإن كأننا ... قتيلان لم يعلمْ لنا الناسُ مصرعا تجافي عن المأثور بيني وبينها ... وتدني عليَّ السابريَّ المضلعا إذا أخذتها هزةُ الروع أمسكتْ ... بمنكب مقدامٍ على الروع أروعا لما احتمل المأثور أن يكون الحديث والسيف، كان حمله على السيف أولى، لأن الحال حال خوف، بدليل قوله: هزة الروع، ولأنه أراد العفة عنها بوضعه السيف بينهما. باب التثليم اعلم أن التثليم قد جاء في أشعار العرب الفصحاء جاء نقص في الألفاظ والكلمات وتغيير في الأسماء والأفعال، فقيل: إنه لغة، وقيل: إنه ضرورة، مثل قول لبيد بن ربيعة، وهو أول بيت في ديوانه: درسَ المنا بمتالعٍ وأبان وقول علقمة:

стр. 168

كأنّ إبريقهم ظبيّ على شرفٍ ... مفدمٌ بسبا الكتان ملثومُ يريد بسبائب الكتان. وجاء في أشعارهم: من نسج داود بن سلام. يريد أبا سليمان وقال آخر: تخيرتُ يوم الروع من كل نثرةٍ ... ونسج سليمٍ كلَّ فضاءَ ذابل وقال آخر: بني ربّ الحجال فلا تقيلوا ... فما أنتم عهدتكمُ بقيل يريد بني ربيعة الفرس. وقال آخر: لو أنَّ قوماً مدرك الفلاحِ ... أدركه ملاعبُ الرماحِ يريد ملاعب الأسنة صاحب النبي ﷺ . ومنه قول الأعشى: إيما شاطنٍ عصاهُ عكاه ... ثم يلقى في السجنِ والأغلالِ

стр. 169

باب العسف والتخليط اعلم أن العسف والتخليط قد جاء في أشعار العرب المتقدمين، وقل في أشعار المتأخرين، فمن ذلك: أحبُّ بلادِ اللهِ أكناف منعجٍ ... إليَّ وسلمى أن يصوبَ هضابها تقديره أحب بلاد بلاد الله إلي ما بين منعج وسلمى. ومن ذلك قول بعض العرب: وأبغضُ من وضعتُ إليَّ فيهِ ... لساني، معشرٌ عنهمْ أذودُ تقديره: وأبغض من وضعت لساني فيه إلي، وشتان بينه وبين القائل وإن كان متأخراً: ومن الحزامةِ أن تكونَ حزامةً ... ألا يؤخرَ منْ بهِ يتقدمُ ومن ذلك أيضاً: لها مقلةٌ حوراءُ طلَّ خميلةٍ ... من الوحشِ ما تنفكُّ ترعى عرارها تقديره: لها مقلة حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها. وقول مهيار أولى: سلا ظبيةَ الوادي، وما الظبيُ مثلها ... وإنْ كان مصقولَ الترائبِ أكحلا أأنتِ أمرتِ البدرَ أن يصدع الدجى ... وعلمتِ غصنَ البانِ أن يتميلا وقال الفرزدق: وما مثله في الناس إلاَّ مملكاً ... أبو أمه حيُّ أبوه يقاربهُ أنشده سيبويه في كتابه، وقدره بتقدير جم حتى كأنه ما قال قط:

стр. 170

قوارصُ تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأُ القطرُ الإناءَ فيفعمُ وقال المتنبي: فتبيتُ تسئدُ مسئداً في نيئها ... إسآدها في المهمهِ الإنضاءُ قال الصاحب بن عباد ﵀؛ هذا البيت يصلح أن يكون في المجسطي. ومن ذلك قوله: عش ابقَ اسمُ سدْ قدْ ... جدْ مر إنهَ روِّ سر نل غظْ ارمْ صب اغز اسب ... رعْ زعْ د ل اثن نل

стр. 171

قال الصاحب: بيته الأول، يصلح أن يكون في المجسطي، وهذان البيتان يصلحان أن يكونا رقية للعقرب. ومن ذلك التقليب مثل قوله: إذا تجاوبت الأصداء في البحر. وقوله: كما طيبت بالفدن السباعا. باب الإسهاب والإطناب والاختصار والاقتصار اعلم أن الإسهاب والإطناب والإختصار، كل واحد منها له موضع يأتي فيه، فيحمد، فإن أتى به في غيره لم يحمد، وذلك أن الترغيب والترهيب والإصلاح بين العشائر والإعذار والإنذار إلى الأعداء والعساكر وما أشبه ذلك يستحب فيه التطويل والشرح. وأما غير ذلك فيستحب فيه الاختصار والاقتصار، وقد أتى القرآن بالتطويل والتقصير لأنه يصلح للمكانين، وقيل: أنه أعطى بعض العرب كتابين فاختصر أحدهما وشرح الآخر، فأعطى الكتابين مختلفين فقال الواحد: ما أرى قليلاً فأشرحه، وقال الآخر: ما أرى كثيراً فأختصره، وقد مدحت العرب التطويل والتقصير، فقالوا: يرمون بالخطب الطوال، وتارةً ... يومون مثلَ تلاحظ الرقباء ومدح بعضهم خطيباً فقال: إذا هو أطنب في خطبةٍ ... قضى للمطيل على المقصرِ وإنْ هو أوجزَ، في خطبةٍ ... قضى للمقلّ على المكثر باب الانتكاث والتراجع اعلم أن الانتكاث والتراجع هو أن ينقض الشاعر قوله بقول آخر أو ينقض مما زاد فيه، كما عابوا على امرئ القيس قوله: فلوْ أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولمْ أطلبْ قليلاً من المال ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقدْ يدركُ المجدَ المؤثلَ أمثالي

стр. 172

وقوله في موضع آخر: فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبكَ من غنى شبعٌ وريُّ لأنه وصف نفسه في موضع بسمو الهمة إلى الأمور العظيمة، وفي موضع آخر بالقناعة والشبع والري. وقال قدامة: هما متفقان، وإنما أراد بأحدهما زيادة ما ينقص في الآخر، لأن الشبع والري هو الذي أخبر أنه يكفيه، ثم قال في البيت الثاني: إنه يطلب المجد، يريد في الأول أن القليل يكفيه وفي الثاني إنه لا يكفيه: وأيضاً إن هذا في قصيد، وهذا في قصيد. وايضاً إن الشعر أحسنه أكذبه وكما قال المتنبي: كأنَّ المعاني في فصاحة لفظها ... نجومُ الثريا أو خلائقي الزهرُ فقال خلائقي، ولم يقل خلائقك، لأنه قال قبل هذا: فجئتك دون الشمس والبدر قاصداً ... ودونك في أخلاقك الشمس والبدرُ فلو شبهه بالثريا بعد تفضيله على الشمس والبدر نقصه حقه وكان انتكاثاً وعيباً. باب السرقات المحمودة والمذمة قال ابن وكيع: اعلم أن السرقات المحمودة عشرة أشياء، منها: اللفظ الطويل في المعنى القليل، كقول طرفة:

стр. 173

أرى قبرَ نحامٍ بخيلٍ بماله ... كقبر غويٍّ في البطالة مفسد اختصره ابن الزبعري فقال: والعطيات سواء بينهم ... وسواء قبر مثرٍ ومقلّ ومنه قول بشار: من راقبَ الناس لم يظفرْ بحاجته ... وفازَ بالشهوات الفاتكُ اللهج أخذه سلم الخاسر فقال: منْ راقب الناس مات غماً ... وفازَ باللذة الجسورُ ومنه: من راقب الناس في أحبتهِ ... خابَ، وحازَ السرورَ من ظفرا ومنه لأبي تمام في صفة قصيدة: يودُّ وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدتْ شوقاً إليها مسامعُ اختصره الأخيطل ونقله إلى أبيات في صفة قينة فقال: جاءتْ بوجهٍ كأنه قمرٌ ... على قوامٍ كأنه غصنُ حتى إذا ما استقرَّ مجلسنا ... وصار في حجرها لها وثنُ غنتْ، فلم تبق فيَّ جارحة ... إلاَّ تمنيتُ أنها أذنُ واختصره آخر، فأجاد وأحسن، فال: لي حبيبٌ خياله نصبُ عيني ... سرهُ في ضمائري مكنونُ إنْ تذكرته فكليّ قلوبٌ ... أو تأملته فكليّ عيونُ

стр. 174

ومنه: تقومُ عليه كلَّ يومٍ قيامةٌ ... من الحبّ إلاَّ أنه ليس يقبرُ أخذه مسلم فقال: أليس هذا عجيبٌ ... أموتُ طوراً فأنشرْ قيامةٌ كلَّ يومٍ ... على فتى ليس يقبرْ ومنه أيضاً: إنّ الرياحَ إذا اشتدتْ عواصفها ... فما تضرُّ سوى العالي من الشجرِ وفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يكسفُ غيرُ الشمس والقمرِ أخذه القاضي أبو سعيد، ﵀، فقال: لا غروَ أن حبي أصا ... خ لسطوة البين الجسيمْ إنَّ الغصون العاليا ... ت يهزها مرُّ النسيمْ باب نقل القصير إلى الطويل اعلم أن نقل القصير إلى الطويل هو كقول مسلم بن الوليد: أقبلنَ في رأدِ الضحى زمراً ... يسترنَ وجهَ الشمسِ بالشمسِ أخذه الثاني فطوله، وقال: وإذا الغزالةُ في السماء تعرضتْ ... وبدا النهارُ لوقته يترجلُ أبدتْ لوجهِ الشمسِ شمساً مثله ... تلقى السماءَ بمثلِ ما يستقبلُ

стр. 175

وقال أبو نواس: لا تسدينَّ إليَّ عارفةً ... حتى أقومَ بشكر ما سلفا أخذه دعبل الخزاعي فقال: تركتك لم أتركك كفراً لنعمةٍ ... وهل يرتجى نيلُ الزيادة بالكفرِ ولكنني لما رأيتك راغباً ... وأطنبت في بري عجزتُ عن الشكرِ ومنه: أرى عهدها كالوردِ ليس بدائمٍ ... ولا خيرَ فيمنْ لا يدومُ له عهدُ وحبي لها كالآسِ حسناً وبهجةً ... له نظرةٌ تبقى إذا ذهبَ الوردُ أخذه الأمير فقال: إن كان حبكمُ كالوردِ منصرماً ... فانَّ حبي لكمُ أبقى من الآسِ باب نقل الرذل إلى الجزل اعلم أن الرذل والجزل مثل قول أبي العتاهية: موتُ بعض الناس في ال ... أرضِ على بعض فتوح أخذه أبو تمام في لفظ أجزل منه فقال: وحسنُ منقبٍ تبقى بشاشته ... جاءتْ عوارفه من سوءِ منقلب

стр. 176

ومنه قول بشار: يا طفلةَ السنّ با صغيرتها ... أصبحتِ إحدى المصائب الكبرِ أخذه غيره فقال: وصغيرةٍ علقتها ... كانتْ من المحن الكبارِ كالشمس إلاَّ أنها ... تبقى على ضوءِ النهارِ ومنه قول ابن طاهر لما قال: وقد قتلتاك بالهجاءِ، ولك ... نك كلبٌ معقفُ الذنبِ أخذه غيره فقال: ولقدْ قتلتكَ بالهجاءِ، فلم تمتْ ... إنَّ الكلاب طويلةُ الأعمارِ باب نقل الجزل إلى الجزل اعلم أن نقل الجزل إلى الجزل مثل قول أبي نواس: بحَّ صوتُ المال مما ... منكَ يدعو ويصيحْ ما لهذا آخذ ... فوقَ يديهِ أم نصيحْ أخذه مسلم بن الوليد، فنقله إلى ما هو أحسن منه فقال: تظلمَ المالُ والأعداءُ من يده ... لا زال للمالِ والأعداءِ ظلاما وقول أبي العتاهية:

стр. 177

كأنها من حسنها درةٌ ... أخرجها الموجُ إلى الساحلِ أخذه بشار، فزاد وأحسن فقال: كأنما أفرغتْ في جوفِ لؤلؤةٍ ... فكلُّ ناحيةٍ من وجهها قمرُ ومنه قول الراعي: إذا لم يكنْ رسلٌ يعودُ عليهم ... مرينا لهم بالشوحط المثقوب وقال ابن سنان: إنْ أخلقتْ للضيفِ إخلاقها ... ردتْ عليها بالعراقيبِ ومن ذلك قوله: دهرٌ علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطه شرفه كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤهُ ... سفلاً وتعلو فوقه جيفه أخذه غيره فقال: قلْ للذي بصروف الدهر عيرنا ... هلْ عاند الدهر إلاَّ من له خطرُ أما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... وتستقرُّ بأقصى قعرهِ الدررُ وقال آخر: عجباً للزمان، يمنع حراً ... ما لديه، ويمنحُ المال نذلا فهو مثلُ الميزان يرفعُ ما خ ... فَّ وتهوي به الرزانةُ سفلا ومنه: يا دهرُ، صافيتَ اللئام ولم تزلْ ... أبداً لأبناء الكرامِ معاندا فغدوتَ كالميزان، ترفعُ ناقصاً ... أبداً وتخفض لا محالةَ زائدا

стр. 178

ومنه: ما فاض دمعي عندَ نازلةٍ ... إلاَّ جعلتك للبكا سببا وإذا ذكرتك سامحتك بهِ ... مني الجفونُ ففاضَ وانسكبا ومنه: وإذا الدموعُ عصتْ جفو ... ني في ملمات الخطوبِ أجريتها بتذكري ... ما كان من فقدِ الحبيبِ باب نقل الجزل إلى الرذل اعلم أن نقل الجزل إلى الرذل هو كما قال امرؤ القيس: ألمْ ترياني كلما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيبِ أخذه كثر فقال: وما روضةٌ بالحزن طيبةُ الثرى ... يمجُّ الندى جثجاثها وعرارها لها أرج بين البلاد كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها بأطيبَ من أردان عزة موهناً ... وقدْ أوقدتْ بالمندل الرطب نارها

стр. 179

فطول في اللفظ وقصر في المعنى. وقال بشار: وإذا أدنيتَ مني بصلا ... غلبَ المسكُ على ريحِ البصل أخذه غيره، فقال: وريحها أطيبُ من طيبها ... والطيبُ فيه المسكُ والعنبرُ باب الهدم اعلم أن الهدم، هو كما قال البلاذري: قد يرفعُ المرءُ اللئيمُ حجابه ... ضعةً، ودون العرفِ منهُ حجابُ عكسه الآخر، فقال: ملكٌ أغرُّ محجبٌ ... معروفه لا يحجبُ وقال أبو تمام: وإنْ يحلْ بيننا الحجابُ فلنْ ... يحجبَ عنا معروفه الحجبُ وقال الآخر، فأحسن: إنْ يحتجبْ شخصك عن أعينٍ ... منا فما فضلك محجوبُ ومنه قول ابن الرومي: ما شئت من مالٍ حمىً ... يأوي إلى عرضٍ مباحْ عكسه بو نواس، فقال: هو بالمال جوادٌ ... وهو بالعرض شحيحُ عكسه آخر، فقال: هو المرءُ أما ماله فمحللٌ ... لعافٍ، وأما عرضهُ فمحرمُ وقال حسان بن ثابت:

стр. 180

بيضُ الوجوه، كريمةٌ أنسابهم ... شمُّ الأنوف، من الطرازِ الأولِ يغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألونَ عنِ السواد المقبلِ هدمه الآخر، فقال: ذهب الزمانُ برهطِ حسانَ الأولى ... كانوا ملاذاً في الزمان الجائرِ وبقيتُ في خلفٍ يحلُّ ضيوفهم ... منهم بمنزلةِ اللئيمِ الغادرِ سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابهم ... فطسُ الأنوف من الطرازِ الآخرِ ومنه قول أبي نواس: يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بين أترابِ يبكي فيذري الدرَّ من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنابِ عكسه بعضهم، فقال: يا قردةً أبصرتُ في مأتمٍ ... تندبُ أشجانا بتخليطِ تبكي، فتذري البعرَ من كوةٍ ... وتلطمُ الفحمَ ببلوطِ باب التكرير اعلم أن التكرير هو كما قال امرؤ القيس: كأنَّ المدامَ وصوبَ الغمامِ ... وريحَ الخزامى ونشر القطر
следующие страницы →