← Адаб

Адаб · id 9225

البديع في نقد الشعر

أسامة بن منقذ

Полный текст (287 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومنه قول بشار: يا طفلةَ السنّ با صغيرتها ... أصبحتِ إحدى المصائب الكبرِ أخذه غيره فقال: وصغيرةٍ علقتها ... كانتْ من المحن الكبارِ كالشمس إلاَّ أنها ... تبقى على ضوءِ النهارِ ومنه قول ابن طاهر لما قال: وقد قتلتاك بالهجاءِ، ولك ... نك كلبٌ معقفُ الذنبِ أخذه غيره فقال: ولقدْ قتلتكَ بالهجاءِ، فلم تمتْ ... إنَّ الكلاب طويلةُ الأعمارِ باب نقل الجزل إلى الجزل اعلم أن نقل الجزل إلى الجزل مثل قول أبي نواس: بحَّ صوتُ المال مما ... منكَ يدعو ويصيحْ ما لهذا آخذ ... فوقَ يديهِ أم نصيحْ أخذه مسلم بن الوليد، فنقله إلى ما هو أحسن منه فقال: تظلمَ المالُ والأعداءُ من يده ... لا زال للمالِ والأعداءِ ظلاما وقول أبي العتاهية:

стр. 177

كأنها من حسنها درةٌ ... أخرجها الموجُ إلى الساحلِ أخذه بشار، فزاد وأحسن فقال: كأنما أفرغتْ في جوفِ لؤلؤةٍ ... فكلُّ ناحيةٍ من وجهها قمرُ ومنه قول الراعي: إذا لم يكنْ رسلٌ يعودُ عليهم ... مرينا لهم بالشوحط المثقوب وقال ابن سنان: إنْ أخلقتْ للضيفِ إخلاقها ... ردتْ عليها بالعراقيبِ ومن ذلك قوله: دهرٌ علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطه شرفه كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤهُ ... سفلاً وتعلو فوقه جيفه أخذه غيره فقال: قلْ للذي بصروف الدهر عيرنا ... هلْ عاند الدهر إلاَّ من له خطرُ أما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... وتستقرُّ بأقصى قعرهِ الدررُ وقال آخر: عجباً للزمان، يمنع حراً ... ما لديه، ويمنحُ المال نذلا فهو مثلُ الميزان يرفعُ ما خ ... فَّ وتهوي به الرزانةُ سفلا ومنه: يا دهرُ، صافيتَ اللئام ولم تزلْ ... أبداً لأبناء الكرامِ معاندا فغدوتَ كالميزان، ترفعُ ناقصاً ... أبداً وتخفض لا محالةَ زائدا

стр. 178

ومنه: ما فاض دمعي عندَ نازلةٍ ... إلاَّ جعلتك للبكا سببا وإذا ذكرتك سامحتك بهِ ... مني الجفونُ ففاضَ وانسكبا ومنه: وإذا الدموعُ عصتْ جفو ... ني في ملمات الخطوبِ أجريتها بتذكري ... ما كان من فقدِ الحبيبِ باب نقل الجزل إلى الرذل اعلم أن نقل الجزل إلى الرذل هو كما قال امرؤ القيس: ألمْ ترياني كلما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيبِ أخذه كثر فقال: وما روضةٌ بالحزن طيبةُ الثرى ... يمجُّ الندى جثجاثها وعرارها لها أرج بين البلاد كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها بأطيبَ من أردان عزة موهناً ... وقدْ أوقدتْ بالمندل الرطب نارها

стр. 179

فطول في اللفظ وقصر في المعنى. وقال بشار: وإذا أدنيتَ مني بصلا ... غلبَ المسكُ على ريحِ البصل أخذه غيره، فقال: وريحها أطيبُ من طيبها ... والطيبُ فيه المسكُ والعنبرُ باب الهدم اعلم أن الهدم، هو كما قال البلاذري: قد يرفعُ المرءُ اللئيمُ حجابه ... ضعةً، ودون العرفِ منهُ حجابُ عكسه الآخر، فقال: ملكٌ أغرُّ محجبٌ ... معروفه لا يحجبُ وقال أبو تمام: وإنْ يحلْ بيننا الحجابُ فلنْ ... يحجبَ عنا معروفه الحجبُ وقال الآخر، فأحسن: إنْ يحتجبْ شخصك عن أعينٍ ... منا فما فضلك محجوبُ ومنه قول ابن الرومي: ما شئت من مالٍ حمىً ... يأوي إلى عرضٍ مباحْ عكسه بو نواس، فقال: هو بالمال جوادٌ ... وهو بالعرض شحيحُ عكسه آخر، فقال: هو المرءُ أما ماله فمحللٌ ... لعافٍ، وأما عرضهُ فمحرمُ وقال حسان بن ثابت:

стр. 180

بيضُ الوجوه، كريمةٌ أنسابهم ... شمُّ الأنوف، من الطرازِ الأولِ يغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألونَ عنِ السواد المقبلِ هدمه الآخر، فقال: ذهب الزمانُ برهطِ حسانَ الأولى ... كانوا ملاذاً في الزمان الجائرِ وبقيتُ في خلفٍ يحلُّ ضيوفهم ... منهم بمنزلةِ اللئيمِ الغادرِ سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابهم ... فطسُ الأنوف من الطرازِ الآخرِ ومنه قول أبي نواس: يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بين أترابِ يبكي فيذري الدرَّ من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنابِ عكسه بعضهم، فقال: يا قردةً أبصرتُ في مأتمٍ ... تندبُ أشجانا بتخليطِ تبكي، فتذري البعرَ من كوةٍ ... وتلطمُ الفحمَ ببلوطِ باب التكرير اعلم أن التكرير هو كما قال امرؤ القيس: كأنَّ المدامَ وصوبَ الغمامِ ... وريحَ الخزامى ونشر القطر

стр. 181

يعلَّ به بردُ أنيابها ... إذا غرد الطائرُ المستحر وكقول الآخر: كأنَّ القرنفل والزنجبيل، ... وريحَ الخزامى وذوبَ العسلْ يعلُّ به بردُ أنيابها ... إذا النجمُ وسط السماءِ اعتدل ومنه قول أبي نواس: واسقينها منْ كميتٍ ... تذرُ الليل نهارا قال ابن قتيبة: كل هذه معان متقاربات في ألفاظ متناسبات. ومنه قول ابن حيوس: وخيلٍ كلما حاولت أمراً ... سبقنَ إلى مآربك الظنونا تغيرُ على العدا من كلِّ أوبٍ ... مخافتها وإنْ كانتْ صفونا وقول الرفاء: تغيرُ على العدى من كلّ أوبٍ ... جيادك وهي في حلبٍ صفونا ومنه: فلأشهرنَّ عليك قبّ قصائدٍ ... يحسبنَ أسيافاً وهنَّ قصائدُ فيها لأعناق اللئام دوامغٌ ... تبقى وأعناق الكرام قلائدُ

стр. 182

ومنه: فلايكُ رسمي من نوالك دائراً ... ورسمك غصنٌ من ثنايَ جديدُ فهنَّ إذا ناضلن عنك صوارمٌ ... وهنَّ إذا لاحتْ عليك عقودُ ومن ذلك قول أبي نواس: يقولُ لي صاحبي، وقد مزجتْ ... أيهما للتشابه الذهبُ هما سواءٌ وفرقُ بينهما ... أنّ ذا جامدٌ ومنسكبُ أخذه ابن المعتز فقال: وخمارةٍ من بناتِ المجوسِ ... ترى الزقّ في بيتها شائلا وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالتْ لنا ذهباً سائلا أخذه الرفاء، فقال: وأقداحٍ تفوقُ المسك طيباً ... وينقصُ عندها الذهبُ المذابُ إذا ما الراحُ والنارنجُ لاحا ... لعينكَ، قلتَ: أيهما الشرابُ ومنه قول البحتري: أحلتْ دمي من غير جرم وحرمتْ ... بلا سببٍ يومَ اللقاءِ كلامي فليسَ الذي حللته بمحللٍ ... وليس الذي حرمته بحرامِ

стр. 183

ثم قال: ألامُ على هواكِ وليس عدلاً ... إذا أحببتْ مثلك أنْ ألاما ومن قول أبي نواس: يخشى ويرجو حالتيك الورى ... كأنك الجنةُ والنارُ تناوله المتنبي فقال: فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق أخذه الصوري فقال: خليفةٌ يرتجى ويخشى ... كأنه جنةٌ ونارُ باب المساواة اعلم أن المساواة هي مساواة الآخذ منه للمأخوذ عنه، والأول أحق به، لأنه ابتدع والثاني اتبع، فالأول سابق، والثاني لاحق، كما قال العكوك يصف فرساً: متطردٌ يرتجُّ من أقطاره ... كالماءِ جالتْ فيه ريحٌ فاضطربْ لحقه ابن المعتز فقال:

стр. 184

فكأنه موجٌ يذوبُ إذا ... أطلقته، فإذا مسكت جمدْ وقال ديك الجن: مشعشعةٌ من كفّ ظبيٍ كأنما ... تناولها من خدهِ فأدراها فلحقه ابن المعتز، فقال: كأنَّ سديف الخمرِ من ماءِ خدهِ ... وعنقودها من شعرهِ الجعدِ يقطفُ ومثل ذلك: كأنَّ سقيطَ الدمع في وجناتها ... سقيطُ الندى أوفى على ورق الوردِ أخذه ابن الرومي، فقال: لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهن يبكين لوعة الوجد كأنَّ تلك الدموعَ قطرُ ندىً ... يقطرُ من نرجسٍ على ورد وقال الناشئ: بكت للوداع وقد رابني ... بكاء الحبيب وفقد الديار كأنّ الدموع على خدها ... بقيةُ طلَّ على جلنار وكما قال البحتري في وصف بركة: إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها أخذه الصولي، فقال: إذا ما الريحُ هبتْ، قلتُ: درعٌ ... وإن سكنتْ فمرآةٌ صقيلُ ومنه: إذا أمرتني العاذلاتُ بهجرها ... أبت كبدٌ عما يقلنَ صدوعُ وكيف أطيعُ العاذلاتِ، وحبها ... يؤرقني والعاذلاتُ هجوعُ أخذه كثير، فقال:

стр. 185

يلومك في ليلى، وعقلك عندها ... رجالٌ، ولم تذهبْ لهمْ بعقولِ فما انتفعتْ نفسي بما أمروا به ... ولا عجتُ من أقوالهم بفتيلِ ومنه: كريمٌ يميتُ السرَّ، حتى كأنه ... إذا استخبروهُ عن حديثك جاهله رعى سركمْ في مضمر القلب والحشا ... شفيقٌ عليكم، لا تخاف غوائلهْ أخذه الآخر، فقال: ومستخبرٍ عن سرِّ ليلى رددته ... بعمياءَ منْ ليلى بغير يقينِ يقولونَ: خبرنا، فأنت أمينها ... وما أنا إن خبرتهمْ بأمين وقال أبو تمام: وإذا طلبتُ لديهمُ ما لم أنلْ ... أدركتُ من جدواك ما لمْ أطلب أخذه ابن حيوس، فقال: ولقد دعوتُ ندى الكرامِ فلم يجب ... فلأشكرنَّ ندىً أجاب وما دعي وقال أبو تمام: بكلّ فتى للضرب يعرض للقنا ... محيا محلى، حليهُ الطعنُ والضربُ أخذه المتنبي فقال: وكلُّ فتى للحرب فوق جبينه ... من الضرب سطرٌ بالأسنة معجمُ ومنه قول الأعشى:

стр. 186

وسبيئةٍ مما تعتقُ بابلٌ ... كدم الذبيحِ سلبتها جريالها أخذه أبو نواس، فقال: أعطتك ريحانها العقارُ ... وحان من ليلك انسفارُ وقال قيس بن الخطيم: قضى لها الله حين صورها الخ ... القُ ألاَّ يكنها السدفُ أخذه أبو نواس فقال: لا ينزلُ الليل حيثُ حلتْ ... فدهرُ شرابها نهارُ ومنه قول الآخر: كميتٌ جسمها معنا ... ورؤياها على سفرِ ومنه قول مسلم بن الوليد: فرعاءُ في فرعها ليلٌ على قمرٍ ... على قضيبٍ، على دعص النقا الدهسِ أذكى من المسك أنفاسإن وبهجتها ... أرقُّ ديباجةً من رقة النفس كأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرتْ ... وقلبها قلبها في الصمت والخرس تجري محبتها في قلب عاشقها ... جري السلامة في أعضاء منتكسِ أخذ البيت الآخر أبو نواس فقال: فتمشتْ في مفاصلهمْ ... كتمشي البرءِ في السقمِ ومنه قول أبي تمام:

стр. 187

نقل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ أخذه من قول كثير: إذا ما أرادتْ خلةٌ أن نزورها ... أبينإن وقلنا: الحاجبيةُ أولُ وكذلك قوله: وكان على الفتى الإقدامُ فيها ... وليس عليه ما جنتِ المنونُ أخذه من قول الأول: على المرءِ أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليهِ أن يساعدهُ الدهرُ ومنه لبشار: يسقطُ الطيرُ حيث يلتقطُ الحب، ... وتغشى منازلُ الكرماءِ أخذه الآخر فقال: يزدحمُ الناسُ على باب هِ ... والمشربُ العذبُ كثيرُ الزحامِ ومنه: ظلتْ تبشرني عيني إذا اختلجتْ ... بأنْ أراك، فلا زالتْ على خطرِ فقلتُ للعين: أما كنت صادقةً ... إني لبشراك لي من أسعدِ البشرِ فما جزاؤكِ عندي؟ لستُ أعرفه ... بلى جزاؤك أن تحظينَ بالنظرِ وأسترُ المقلةَ الأخرى وأحجبها ... عن الحبيب كما لمْ تأتِ بالخبرِ ومنه: بكتْ عيني غداة البين حزناً ... وأخرى بالبكا بخلتْ علينا فجازيتُ التي بخلتْ بدمعٍ ... بأنْ غمضتها يوم التقينا

стр. 188

فهلْ أحدٌ سوايَ أثاب عيناً ... على فعلٍ، وعاقب فيه عينا وكقول النابغة: سقطَ النصيفُ، ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليدِ ومنه لأبي حية: وألقتْ قناعاً دونه الشمسُ واتقتْ ... بأحسنِ موصلين: كفٍّ ومعصمِ ومن ذلك قول الخريمي: همامٌ، عطاياهُ بدورٌ طوالعُ ... على آمليهِ في ليالي المطالبِ وقال النابغة الحارثي: وإذا السيوف قصرنَ بلغها لنا ... حتى تناول ما نريد خطانا أخذه قيس ابن الخطيم فقال: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب وقال أبو تمام وهو من قول الخريمي المتقدم: وأحسن من نورٍ يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب وللأسود: إذا المرءُ أعيا خيرهُ في شبابهِ ... فلا ترجُ منهُ الخير عند مشيبه أخذه الآخر فقال: إذا المرءُ أعيته المروءةُ ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديدُ ومنه لمهيار: ظهورك آيةٌ لله صحت ... بها الأديانُ واشتفت الصدورُ رأوك وميتُ الآمال حيُّ ... بجودك، وانثنى الأعمى بصيرُ فآمن بالمسيح وآيتيهِ ... بأنْ نشأتْ من الطين الطيورُ

стр. 189

وأيقن أن موسى شقَّ بحراً ... بأن شقتْ بكفيه البحورُ وأبصر قلبكَ الماضينَ مروا ... ولما تنتظمْ بهمُ الأمورُ صبا لمحمدٍ؛ فأساغ فيه ... وقال الرسلُ خيرهمُ الأخيرُ فأخذه ابن سنان فوفى عليه، وجاء بكل بيتين في بيت واحد، فجاء أحلى منه كلاماً وأحسن نظاماً إلا أنه غالى فيه تجاوز الله عنه فقال: أعيا جزيلُ نداكَ يابن مقلدٍ ... شكري وقصر عنهُ جهدُ ثنائي وصفو بياضَ يدِ الكريمِ بمعجزٍ ... فيهِ، وكم لك من يدٍ بيضاءِ وتعاظموا إحياءَ عيسى ميتا ... فرداً وجودك باعثُ الفقراءِ ورأوا وقدْ صعد السماءَ محمدٌ ... عجباً وقدرك فوق كلّ سماءِ باب الانصراف اعلم أن باب الانصراف هو أن يرجع من الخبر إلى الخطاب، أو من الخطاب إلى الخبر، مثل قوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ". وكقول جرير: أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقيَ البشامُ وكقوله: طربَ الحمامُ بذي الأراكِ فهاجني ... لا زلتَ في ظلٍ وأيكٍ ناضرِ وقوله:

стр. 190

متى كان الخيامُ بذي طلوحٍ ... سقيتِ الغيث أيتها الخيامُ ومن الرجوع أيضاً: أليس قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ... إليك، وكلاً ليس منك قليلُ وقول زهير: قفْ بالديار التي لمْ يعفها القدمُ ... بلى وغيرها الأمطارُ والديمُ باب الالتقاط اعلم أن الالتقاط هو ما يتطارحه العلماء والشعراء والكتاب بينهم، وهو أن يطرح بيت ويولد من كل كلمة منه بيت، أو من كلمتين، أو ثلاثة أو غير ذلك، مثل ما ذكر في كتاب الصناعتين التلفيق والالتقاط، وهو أن يكون البيت ملفقاً من أبيات قبله، مثل قوله: إذا ما رآني مقبلاً غضَّ طرفه ... كأنَّ شعاع الشمس دوني مقابله هذا ملتقط من ثلاثة أبيات قبله، ومن قوله: إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهلِ ومن قول الآخر: يريد يغض الطرف دوني كأنما ... روى بين عينيه عليَّ المحاجمُ ومن قول الآخر: إذا أبصرتني أعرضتَ عني ... كأنَّ الشمس من قبلي تدورُ ومن قول الآخر: فغضَّ الطرف إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا

стр. 191

ومن ذلك قول ابن هرمة: كأنك لم تسرْ بجنوب خلصٍ ... ولم تلملمْ إلى الربع المحيلِ ملفق من قول جرير: كأنك لم تسرْ ببلاد نجدٍ ... ولم تنظرْ بناظرة الخياما ومن قول الآخر: ألمْ تلملمْ على الربع المحيلِ ... بفيدَ وما بكاؤك في الظلول وقول أبي نواس: أشمُّ طوال الساعدين كأنما ... يناطُ نجاداً سيفهِ بلواءِ ملفق من قول بعض العرب: أشمُّ طوال الساعدين، كأنما ... يناطُ به جذعٌ طويلٌ مشذبُ ومن قول الآخر: فجاءتْ به سبطَ البنان كأنما ... يناط به نجاداً سيفه بلواء باب فضل السابق على المسبوق اعلم أنفضل السابق على المسبوق هو كما قال حسان: ترك الأحبة أنْ يقاتلَ دونهمْ ... ونجا برأسِ طمرةٍ ولجامِ أخذه أبو تمام فقال:

стр. 192

ترك الأحبة ناسياً لا سالياً ... عذرُ النسيّ خلافُ عذر السالي وقال حسان أيضاً: يغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبلِ وقال أبو نواس: إلى بيت حانٍ لا تهرُّ كلابه ... عليَّ، ولا ينكرن طول ثوائي باب رجحان المسبوق على السابق اعلم أن رجحان المسبوق على السابق هو كما قال مسلم بن الوليد: أما الهجاءُ فدقَّ عرضكَ دونه ... والمدحُ عنكَ، كما علمتَ، جليلُ فاذهبْ فأنت طليقُ عرضك؛ إنه ... عرضٌ عززتَ بهِ، وأنت ذليلُ أخذه أبو نواس فقال: بما أهجوك؟ لا أدري ... لساني فيكَ لا يجري إذا فكرتُ في عرض ... ك أشفقتُ على شعري وقال عدي بن زيد: لو بغير الماءِ حلقي شرقٌ ... كنتُ كالغصان بالماءِ اعتصاري أخذه أبو نواس فقصر عنه بقوله: غصصتُ منك بما لا يدفعُ الماءُ ... وصحَّ هجرك حتى ما بهِ داءُ

стр. 193

باب التثقيل والتخفيف اعلم أن التثقيل والتخفيف هو كقول أبي نواس: دعْ عنك لومي فانَّ اللومَ إغراء ... وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ أخذه أبو تمام فأتى في ألفاظ ثقيلة، فقال: قدك اتئبْ، أربيت في الغلواء ... كم تعذلونَ، وأنتمُ سجرائي وكما قال مسلم بن الوليد: قدْ أولعته بطول الهجر غرته ... لو كان يعرفُ طول الهجر ما هجرا أخذه أبو تمام فقال: كشف الغطاء، فأخمدي أوْ أوقدي ... لمْ تكمدي فظننتُ أنْ لم تكمدِ باب التقصير اعلم أن التتقصير هو إن ينقص الشاعر من كلامه ما هو من تمامه، كما قال عنترة: وإذا شربتُ فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافرٌ لم يكلمِ وإذا صحوتُ فما أقصرُ عن ندىً ... وكما علمت شمائلي وتكرمي

стр. 194

أخذهما حسان فنقص منهما ذكر الصحو فقال: ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ وكقول أبي نواس: إذا حصلتْ دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدرهِ برحيلِ أخذه ابن المعتز، فنقص منه فقال: إذا سكنتْ صدرَ الفتى زال همه ... وطابتْ لهُ دنياهُ واتسعَ الضنكُ باب النقل اعلم أن النقل هو أن ينقل الشاعر معنى إلى معنى غيره، وهو، كما قال أبو العلاء في تفسير قول المتنبي: في خطهِ من كلّ قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأنَّ مدادهُ الأهواءُ قال: هذا يسميه أهل النقد النقل، لأنه نقله من قول البحتري في الخمر: أفرغتْ في الزجاجِ من كلّ قلبٍ ... فهي محبوبةٌ إلى كلّ نفس ومنه قول البحتري أيضاً: ولو أنَّ مخلوقاً تكلفُ غيرَ ما ... في وسعه لسعى إليكَ المنبرُ منقول من قول الآخر: ولهنَّ بالبيت العتيق لبانةٌ ... والبيتُ يعرفهنَّ لوْ يتكلمُ

стр. 195

لو كان حياً قبلكنَّ ظعائناً ... حيا الحطيم وجوههنَّ وزمرمُ لكنه نقله من النسيب إلى المدح. ومما يقارب هذا المعنى قول الآخر: سألتُ بهِ طيئاً كلها ... فكلٌّ أباهُ، وكلٌّ أنفْ وقالوا: لحيقٌ ظلمنا بهِ ... كما ظلمتْ مائةٌ بالألفْ أخذه من قول أبي نواس حيث قال: أيها المدعي سليماً سفاهاً ... لستَ منها ولا قلامةَ ظفرِ إنما أنت من سليمٍ كواوٍ ... ألحقتْ في الهجاءِ ظلماً بعمرو ومنه قول ابي نواس: تدورُ علينا الراحُ في عسجديةٍ ... حبتها بأنواعِ التصاوير فارسُ قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس فللراح ما زرتْ عليهِ جيوبها ... وللماءِ ما دارتْ عليهِ القلانسُ نقله الرفاء، فقال: وموسومةٍ كاساتها بفوارسٍ ... من الفرس، تطفو في المدام وتغرق تقابلَ منهم كلُّ شاكٍ سلاحه ... وفي يدهِ سهمٌ إليَّ مفوقُ كأنَّ الحبابَ المستديرَ قلادةٌ ... عليهِ وتوريدُ المدامةِ يلمقُ ومن ذلك أيضاً:

стр. 196

من رأى مثل حبتي ... تشبهُ البدرَ إذ بدا تدخلُ اليومَ ثمَّ تد ... خلُ أردافها غدا نقله غيره فقال: كنتُ في دعوةِ قومٍ وجهوا ... برسولٍ نحو موسى الحطمه فأتانا أنفهُ قبلَ الضحى ... وأتى موسى بعيد العتمه ومنه قول أبي مسلم: أفسدتُ أمري بإصلاحي خلافتهمْ ... وكان إصلاحها للدين إفسادا ما قربوا أحداً إلاَّ ورأيهم ... أن يعقبوا غبَّ ذاك القرب إبعادا أخذه ابن مقلة بعد قطع يده، فقال: ما مللتُ الحياةَ لكنْ توثق ... تُ بأيمانهمْ فأردت يميني بعتُ ديني لهم بدنياي، حتى ... حرموني دنياهمْ بعد ديني كمْ تحملتُ ما استطعتُ بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني ليسَ لي في الحياة لذةُ عيشٍ ... يا حياتي بانتْ يميني فبيني ومنه قول سيف الدولة بن حمدان، وكتب بها إلى أخيه ناصر الدولة: تركتُ لك العلياء، وقد كنتُ أهلها ... وقلتُ لهمْ بيني وبين أخي فرقُ وما كان بي عنها نكولٌ، وإنما ... تغافلتُ عن حقي فتمَّ لك الحقُّ أما كنتَ ترضى أن أكون مصلياً ... إذا كنتُ أرضى أن يكون لك السبقُّ ومنه: تاللهِ، لولا قيودٌ في قوائمنا ... من الجميلِ وفي الأعناق أغلالُ

стр. 197

لكان لي في بلاد اللهِ متسعٌ ... وفي الملوك لباناتٌ وأشغالُ لي حرمةُ الضيف والجار القديم ومن ... أتاكمُ، وكهولُ الحيّ أطفالُ أتيتكم وجلابيبُ الصبا قشبٌ ... فكيف أرحلُ عنكمْ وهي أسمالُ ومنه: وكمْ ملكٍ قد رضته قبل هذه ... مريتُ له الدنيا بسيفي فدرتِ إذا زبنته عن فواقٍ يريده ... دعاني، ولمْ يدعُ إذا ما استقرتِ إذا ما هي احلولتْ محاحقَّ مقسمٍ ... ويقسمُ لي منها إذا ما أمرت ومنه: أهانُ، وأقصى، ثمَّ ينتصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا رأيتُ أكفَّ المصلتينَ عليكمُ ... ملاءً، وكفي من عطاياكمُ صفرا عطاؤكمُ للضاربينَ رقابكمْ ... كثيرٌ، وللبانينَ عزكمُ نذرا ومن ذلك قول أبي نواس: لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلتْ ... فدهرُ شرابها نهارُ استخرج منه البحتري معنى آخر فقال: غاب دجاها وأيُّ ليلٍ ... يدجو علينا وأنتَ بدرُ وقال أبو نواس: من شرابٍ كأنها كلُّ شيءٍ ... يتمنى مخيرٌ أنْ يكونا أخذه أبو تمام فعمل منه معنى آخر فقال:

стр. 198

فلوْ صورتَ نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباعِ وكما قال حبيب بن أوس الطائي: كريمٌ متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، ومتى مالمته لمته وحدي أخذه غيره فولد منه معنى لمحبوب، فقال: وإذا ذممتك لمْ أجدْ لي ناصراً ... ورميتُ فيما قلتُ بالبهتانِ ومنه: يا من لبستُ بهجره ثوب الضنا ... حتى خفيتُ به عن العواد وأنستُ بالسهر الطويل فأنسيتْ ... أجفانُ عيني كيف كان رقادي إنْ كان يوسفُ بالجمال مقطعَ ال ... أيدي، فأنت مفتتُ الأكبادِ أخذه بعض شعراء المغرب، فقال: يا يوسفيَّ الجمالِ عبدكَ لمْ ... تبقَ له حيلةٌ من الحيلِ بمنْ كساكَ الجمالِ من سعةٍ ... أرفقْ بقلب المتيم الوجل إن قدُّ فيه القميصُ من دبرٍ ... ففيك قدَّ القميص من قبلِ أوْ قطع النسوةُ الأكفَّ فقدْ ... قطعتَ قلبي عليك من وجلِ وقال أبو تمام: لأمرٍ عليهم إن تتمَّ صدورهُ ... وليس عليهم أن تتمَّ عواقبه ومنه لغيره أيضاً:

стр. 199

فإنَّ على الفتى الإقدام فيها ... وليسَ عليه ما جنت المنونُ وقال أبو نواس: يا قمراً للتمّ من شهره ... أبداً ضياءً لثمانٍ بقينْ ولقيس بن الخطيم: تبدتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنتْ بحاجبِ وقال الرفاء: قمرٌ إذا ما الوشيُ صينَ، أزالهُ ... كيما يصون جمالهُ ببهائه ضعفت معاقدُ خصره وعهوده ... فكأنَّ عقد الخصرِ عقدُ وفائه أخذه من قول الآخر: وأظنُّ عقد وصالها لمحبها ... أوهى وأضعف قوةً من خصرها ومن ذلك: ملكٌ إذا ما مدَّ خمسَ أناملٍ ... في الجود فاضَ بهنَّ خمسةُ أبحر أخذه الشريف الرضي فقال: أيسمحُ لي هذا الزمانُ بصاحبِ ... طويل نجاد السيف من آل هاشم أناملهُ في الحرب عشرُ أسنةٍ ... ولكنها في السلم عشر غمائم

стр. 200

وقال الرفاء: ولو أنهم سبكوا لم تكنْ ... لتحصلَ منهم على درهمِ أخذه عز الدولة فقال: وكم ترى ذهباً يرضيك منظره ... فلوْ أردتَ لهُ سكباً لما خلصا ومنه قول الرفاء: يضنُّ بجلنار الخدّ ضوناً ... ويبذلُ نرجسَ الطرف الكحيل أخذه من قول الأول: بجوارحي من مقلتيك جراحُ ... أفتورُ هاتيك الجفون صحاحُ لا تنظرنَّ إلى العيون فإنما ... نظرُ العيون إلى العيون قداحُ كالبدر إلاَّ أنه في قرطقٍ ... وعليَّ في نظري إليه جناحُ باللهِ سلهُ لم أقاحي ثغرهِ ... تحمى، ونرجسُ مقلتيه يباحُ وللسري الرفاء أيضاً: ويلمٌّ من شعثِ العلا بشمائلٍ ... أحلى من اللعسِ الممنع واللمى لا يخطبنَّ إليَّ حلي مدائحي ... أحدٌ فقد وجدَ السوارُ المعصما وطريده قول المتنبي: فأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ ومن التطارد قول الخليع: كأنما نصبُ كأسهِ قمرٌ ... يكرعُ في بعض أنجمِ الفلكِ

стр. 201

أخذه طريده أبو نواس فقال: إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلته ... يقبل في داجٍ من الليل كوكبا باب الحذو اعلم أن الحذو هو أن يكون البيت على صياغة البيت الآخر، كما قال سحيم: فما بيضةٌ بات الظليمُ يحفها ... ويرفعُ عنها جؤجؤاً متجافيا بأحسن منها يوم قالتْ: أرائحٌ ... مع الركبِ أم ثاوٍ لدينا لياليا قال: تبعه على هذا الحذو جماعة، منهم من قال: وما قطرةٌ من ماءِ مزنٍ تحلبتْ ... به جنبتا الجوديِّ والليلُ دامسُ بأعذبَ من فيها وما ذقتُ طعمه ... ولكنني فما ترى العينُ فارسُ ومن ذلك لكثير: وما روضةٌ بالحزنِ طيبةُ الثرى ... يمجُ الندىَ جثجاثها وعرارها بأطيب منِ أردان عزةَ موهناً ... إذا أوقدتْ بالمندل الرطبِ نارها ومنه للأعشى: وما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبلٌ هطلُ يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزر بعميم النبت مكتهلُ يوماً بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذا دنا الأصلُ ومن ذلك قول بعضهم: ولم أرَ كالمعروفِ أما مذاقه ... فحلوٌ، وأما وجههُ فجميلُ أخذه الآخر فقال: وماليَ مالٌ غيرُ درعٍ حصينةٍ ... وأخضرَ من ماءِ الحديدِ صقيلُ وأحمرَ كالديباجِ، أما سماؤهُ ... فريإن وأما أرضهُ فمحولُ أخذه يزيد بن الطثرية فقال: عقيليةٌ، أما ملاثُ إزارها ... فدعصٌ وأما خصرها فنحيل

стр. 202

ومنه قول كثير: وإني وتهيامي بعزةَ بعدما ... تولى شبابي، وارجحنَّ شبابها لكالمرتجي ماءً بقفراءَ سبسبٍ ... يغرُّ بهِ من حيثُ عنَّ سرابها وقوله يحذو نفسه أيضاً: وإني وتهيامي بعزة ما ... تخليتُ مما بيننا وتخلت لكالمرتجي ظلَّ الغمامةِ كلما ... تبوأ منها للمقيلِ اضمحلتِ وأخذه جميل بن معمر فقال: وإني وتطلابي بثينة بعدما ولأبي تمام الطائي: وركبٍ كأطراف الأسنةِ عرسوا ... على مثلها والليلُ تسطو غياهبه لأمرٍ عليهم أنْ تتمَّ صدوره ... وليسَ عليهم أن تتمَّ عواقبه حذاه الشريف فقال: وركبتُ أعجازَ المطي بفتيةٍ ... أمثالهنَّ طوالعٌ وغواربُ غلبٍ كأنهمُ الصقورُ حوائماً ... وكأنَّ أكتادَ المطيِّ مراقبُ

стр. 203

وله في موضع آخر: فتى أعلقتهُ عيانُ الفخارِ ... مكارمَ جاءتْ به المجدَ قبلا أشمُّ كعاليةِ السمهريّ، ... وهمته منهُ أعلى وأعلى حذاه ابن الخياط فقال: ومعترضٍ بينَ الأسنةِ معرضٍ ... وفي القلبِ من إعراضهِ مثل حجبهِ أغارُ إذا آنستُ في الحيّ أنةً ... حذاراً وخوفاً أن يكون لحبه ينظر إلى قول المتنبي: ويغيرني جذبُ الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا باب الكشف اعلم أن الكشف هو أن يكشف المتبع معنى المبتدع إذا كان فيه شيء من الخفاء، كما قال امرؤ القيس بن حجر: كبكرٍ مقاناة البياضِ بصفرةٍ ... غذاها نميرُ الماءِ غيرُ محلل فكشفه ذو الرمة بقوله: كحلاءُ في برجٍ، صفراء في نعجٍ ... كأنها فضةٌ قد مسها ذهبُ

стр. 204

ومن ذلك ما يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال يوماً لجلسائه: ما أفضل المناديل؟ فقال كل منهم ما عنده من أفضل الثياب، فقال سليمان: أفضل المناديل التي يقول فيها القائل: لما نزلنا نصبنا ظلَّ أخبيةٍ ... وفارَ للقومِ بالغلي المراجيلُ وردٌ وأحمر، ما يؤنيه طابخهُ ... ما غيرَّ الغليُ منه فهو مأكولُ ثمَّ انثينا إلى جردٍ مسومةٍ ... أعرافهنَّ لأيدينا مناديلُ كشفه امرؤ القيس بقوله: نمشُّ بأعرافِ الجيادِ أكفنا ... إذا نحنُ قمنا عن شواءٍ مضهبِ ومن ذلك: انظرا قبل تلوماني إلى ... طللٍ بين منىً فالمنحنى ومنه قول الآخر: خليليَّ قوماً في عطالةَ فانظرا ... أناراً نرى من نحو يبرين أم برقا كشفه الشريف ﵀ فقال: يا خليليَّ انظرا عني الحمى ... إنَّ طرفَ العينِ بالدمعِ أغاما

стр. 205

كلما أومضَ من نحوِ الحمى ... قعد القلبُ من الشوقِ وقاما ومن ذلك قول العتابي: مضتْ على عهدهِ الليالي ... وأحدثتْ بعدهُ أمورُ واعتضتُ باليأسِ عنه صبراً ... واعتدل الحزنُ والسرورُ كشفه بعضهم بقوله: فلستُ أرجو ولستُ أخشى ... ما أحدثتْ بعدهُ الدهورُ فليجهدِ الدهرُ في مساتي ... فما عسى جهدهُ يصيرُ ومنه قول المتنبي: إذا غدرتْ حسناءُ أوفتْ بعهدها ... ومنْ عهدها ألاَّ يدومَ لها عهدُ ومنه قول بعضهم: ما ساءني إعراضهُ ... عني، ولكنْ سرني كشفه بقوله: سالفتاه عوضٌ ... عن كلّ شيءٍ حسنِ وقال في حلية المحاضرة: إن قول جرير: إنَّ الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلاً بعينكَ لا يزالُ معينا كشفه ذو الرمة بقوله: ولما تلاقينا جرتْ من عيوننا ... دموعٌ كففنا غربها بالأصابع ونلنا سقاطاً من حديثٍ كأنه ... جنا النحلِ ممزوجاً بماءِ

стр. 206

النقائع باب التوارد اعلم أن التوارد هو أن يقول الشاعر بيتاً فيقوله شاعر آخر من غير أن يسمعه، وهو كثير في أشعار العرب، ولا بد من ذكر أحسنه. قال امرؤ القيس: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهمْ ... يقولون: لا تهلك أسىً وتجمل وقال طرفة بن العبد: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهمُ ... يقولون: لا تهلكْ أسىً وتجلدِ وقال سحيم: تثيرُ وتبدي عن عروقٍ كأنها ... أعنةُ خرازٍ جديداً وباليا وقال بشر: تحطُّ وتبدي عن عروقٍ كأنها ... أعنةُ خرازٍ جديداً وباليا قال الجعدي: ومولى جفتْ عنهُ الموالي كأنهُ ... إلى الناس مطليّ به القارُ أجربُ وقال النابغة:

стр. 207

فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجربُ وقال جرير: أني وجدك لو أردت زيادةً ... في الحبّ عندي ما وجدتُ مزيدا قال كثير: الله يعلمُ لو أردتُ زيادةً ... في حبّ عزةَ ما وجدتُ مزيدا وقال بشار: العبدُ يقرعُ بالعصا ... والحرُّ تكفيهِ الإشارهْ قال الصلتان العبدي: العبدُ يقرع بالعصا ... والحرُّ تكفيهِ الملامه وقال مسيب بن علس: نظرتْ إليكَ بعين جاريةِ ... حوراءَ فاردةٍ من السدرِ فقال امرؤ القيس: حوراءَ حانيةٍ على طفلِ وقال المنخل: قد أتركُ القرنَ مصفراً أناملهُ ... كأنه من مدامٍ شاربٌ ثملُ وقال الآخر: كأنَّ أثوابه مجتْ بفرصادِ

стр. 208

وقال أبو البراء: والخيلُ ساهمةُ الوجوهِ كأنما ... سقيتْ فوارسها من الجريال وقال عنتر العبسي: سقيتْ فوارسها نقيعَ الحنظلِ وقال كثير عزة: يذكرنيها كلُّ ريحٍ مريضةٍ ... لها بالتلاع القاويات نسيم فقال جرير: يذكرنيها كلُّ ريحٍ مريضةٍ ... لها بالتلاعِ القاويات نسيمُ وقال أبو هفان لعلي بن الجهم: إذا أنشدتْ قال الناسُ ... أحسنتَ ويعنوني ولآخر في سلم الخاسر: إذا أنشدكمْ سلمُ ... فقدْ أحسنَ بشارُ وقال امرؤ القيس: أرانا موضعينَ لأمر غيبٍ ... ونسحرُ بالشرابِ وبالطعامِ

стр. 209

كما سحرتْ بهِ إرمٌ وعادٌ ... فأضحوا مثلَ أحلامِ النيامِ وله: أنا منْ قومٍ كرامٍ ... يطعمونَ الطيباتِ بجفانٍ كالجوابي ... وقدورٍ راسياتِ ومنه قول حصين الربعي: وطيبَ نفسي عنِ خليلي أنني ... إذا شئتُ لاقيت امرأً ماتَ صاحبهُ أخذه سالم بن مضرس، فقال: وطيبَ نفسي عن خليلي أنني ... إذا شئتُ لاقيتُ امرأً يتلهفُ ومن ذلك: قد يدرك المتأني بعضَ حاجتهِ ... وقدْ يكونُ مع المستعجلِ الزللُ عكسه الآخر، فقال: وربما فات بعضَ القومِ حاجتهم ... مع التأني، وكانَ الحزمُ لو عجلوا ومنه: أثقلتَ ظهري فانحنى لك راكعاً ... وسترتَ وجهي فانضوى له ساجدا في كلّ يومٍ أستجدُّ فوائداً ... فكم الفوائدُ، لا أريدُ فوائدا قولي إذا أفنى عليّ محامدي ... منْ أينَ أجعلُ لي إليكَ محامدا أخذه ابن حيوس، فأتى بأحسن منه فقال:

стр. 210

قد جدتَ لي باللهى، حتى ضجرتُ بها ... وكدتُ من ضجري أثني على البخل إنْ كنتَ ترغبُ في بذل النوال لنا ... فاخلقْ لنا رغبةً، أو لا فلا تنلِ لم يبقِ جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحبُ الدنيا بلا أملِ وقال أبو نواس: وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالمَ في واحدِ وأخذه المتنبي فقال: هدية ما رأيتُ مهديها ... إلا رأيتُ الأنام في رجل وقال ابن المغربي: حتى إذا ما أرادَ اللهُ يسعدني ... رأيتهُ فرأيتُ الناسَ في رجلِ ولستُ من سخطه المردي على خطرٍ ... ما دمتُ من عفوه المحيي على أملِ إذا سطا بادرتْ هامٌ مصارعها ... كأنما تتلقى الأرضَ بالقبلِ ومنه: وما كنتُ أدري قبل يحيى وجعفرٍ ... بأنَّ ملوك الأرضِ تجمعُ في عصرِ عجبتُ لهذا الدهر جاد بجعفرٍ ... ويحيى، وليسَ الجود من شيمِ الدهرِ ولابن الرومي: تخذتكمُ درعاً حصيناً لتدفعوا ... نبالَ العدى عني فكنتمْ نصالها وقد كنتُ أرجو منكمُ خير ناصرٍ ... على حين خذلان اليمين شمالها فإن كنتمُ لم تحفظوا لي لمودتي ... ذمامإن فكونوا لا عليها ولا لها قفوا موقفَ المعذور عني بمعزلٍ ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها أخذه ابن سنان فقال: أعددتكمْ لدفاعِ كلّ ملمةٍ ... عوناً فكنتم عونَ كلِّ ملمةِ

стр. 211

وتخذتكمْ لي جنةً، فكأنما ... نظرَ العدوُّ مقاتلي من جبتي فلأنفضنَّ يديَّ يأساً منكمُ ... نفضَ الأناملِ من ترابِ الميتِ ومنه للمأمون: يا فتحُ يا فاتحاً لبلوايَ، صل ... ني، ولا تشمتنَّ أعدايَ تباركَ اللهُ إنَّ ذا عجبٌ ... مولايَ عبدي، وأنتَ مولايَ أخذه أبو نواس فقال: ويقولُ الغلامُ: ارفق بمو ... لايَ، فقال لي مولاي، من مولاكا لك عبد عبيده فوقَ مو ... لاكَ، ومولاكَ ليس ينكرُ ذاكا وقال كشاجم: تملكني في الهوى وأملكها ... فها أنا عبدها ومولاها باب السابق واللاحق اعلم أن السابق واللاحق: هو أن يأخذ البيت فينقص من لفظه، أو يزيد في معناه، أو يحرره، فيكون أولى به من قائله، لكن الأول سابق والآخر لاحق، مثل قول علي بن الجهم: وكمْ وقفةٍ للريح دونَ بلادها ... وكم عقبةٍ للطيرِ دونَ بلادي أخذه أبو العلاء فقال: وسألتُ كمْ بينَ العقيقِ إلى الحمى ... فجزعتُ من بعد النوى المتطاولِ وعذرتُ طيفكَ في الجفاءِ، لأنه ... يسري، فيصبحُ دوننا بمراحلِ

стр. 212

وكقول الأحول: له خلائقُ بيضٌ لا يغيرها ... صرفُ الزمان كما لا يصدأُ الذهبُ أخذه الآخر فقال: صديقٌ لي له نسبْ ... صداقةُ مثله تجبُ إذا نقدتْ خلائقهُ ... تبهرجَ عنده الذهبُ فزاد عيه في قصر الوزن، وفي تفضيله على الذهب بقوله: تبهرج. ومنه قول طرفة بن العبد: أسدُ غيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كلَّ أمونٍ وطمرّ ثمَّ راحوا عبقَ المسكُ بهم ... يلحفونَ الأرض هداب الأزرُ أخذه عنترة، فقال: وإذا شربتُ فإنني مستهلكٌ ... مالي، وعرضي وافرٌ لم يكلمِ وإذا صحوتُ فما أقصرُ عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرمي

стр. 213

فاحترز مما طعن به على الأول وهو أنهم لا يشربون فيعطون من غير عقل. ومنه قول امرئ القيس: من القاصراتِ الطرف لو دبَّ محولٌ ... من الذرّ فوق االإتب منها لأثرا أخذه حسان بن ثابت، فقال: يا لقومي هلْ يقتلُ المرءَ مثلي ... واهنُ الجسمِ والعظام سؤومُ لو يدبُّ الحوليُّ من ولدِ الذرْ ... رِ عليها لأندبتها الكلومُ لم تفتها شمسُ النهار بشيءٍ ... غيرَ أنَّ الشبابَ ليسَ يدومُ أخذه حميد بن ثور فقال: منعمةٌ، لو يدرجُ الذرُ سارياً ... على جلدها بضت مدارجهُ دما ومنه قول الأفوه الأودي: وترىَ الطيرَ على راياتنا ... رأي عينٍ ثقة أن ستمارا أخذه النابغة فقال: إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ جوانحُ، قد أيقنَّ أنَّ قبيلهُ ... إذا ما التقى الجمعانِ أولُ غالبِ أخذه الحطيئة، فقال:

стр. 214

ترى عافيات الطير قد وثقتْ لها ... بشيع من الخيلِ العتاقِ منازله أخذه حميد بن ثور فقال: إذا ما غزا يوماً رأيت غمامة ... من الطير ينظرن الذي هو صانعُ أخذه مسلم فقال: قد عود الطيرَ عاداتٍ وثقنَ بها ... فهنَّ يتبعنه في كلّ مرتحل موفٍ على مهجٍ في يوم ذي رهج ... كأنه أملٌ يمشي إلى أجل فوفى على الأول، ثم تبعه أبو نواس، فقال: إذا مجَّ القنا علقا ... وتراءى الموتُ في صورهِ راح في ثنييْ مفاضتهِ ... أسدٌ يدمى شبا ظفرهِ يتأيا الطيرُ غدوته ... ثقةً بالشبعِ من جزرهِ ثم أخذه أبو تمام فقال: وقد ظللتْ أعقابُ راياته ضحىً ... بأقدامِ طيرٍ في الدماءِ نواهلِ أقامتْ مع الرايات حتى كأنهن ... من الجيش إلا أنها لم تقاتلِ ثم أخذه المتنبي فقال: لهُ عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكراً لم تبقَ إلا جماجمهُ

стр. 215

وقال في مكان آخر: وذي لجبٍ لا ذو الجناحِ أمامه ... بناجٍ ولا الوحشُ المثارُ بسالمِ تمرُّ عليه الشمسُ وهي ضعيفةٌ ... تطالعهُ من بين ريشِ القشاعمِ فأومأ إلى المعنى إيماء. ومنه قول قيس بن ذريح: تداويتُ من ليلى بليلى على الهوى ... كما يتداوى شاربُ الخمر بالخمرِ أخذه من الأعشى إذ قال: وكأس شربتُ على لذةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بها ثم تبعه أبو نواس فقال: دعْ عنك لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ ومنه قول الناشي في رقة الخمر: لا عيشَ إلا بكفِّ جاريةٍ ... ذات دلالٍ في طرفها مرضُ كأنَّ في الكأس حين تمزجهُ ... نجومَ رجمٍ تعلو وتنخفضُ تحملُ في كفها مشعشعةً ... ليس لها قيمةٌ ولا عوضُ فلو رآها النظام في قدحٍ ... ما شك في أن جسمها عرضُ أخذه أبو نواس فقال: شربنا شربةً من أرض عما ... عقاراً جسمها لطفاً هواءُ وزنا الكأس فارغةً وملأى ... فكانَ الوزنُ بينهما سواءُ
следующие страницы →