Полный текст (532 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقلن: حاشى الله ما علمنا عليه من سوء، ولا كانت رغبة فينا ولا دعوة للزنا وإنه لبريء الساحة طاهر الذيل· فقالت زليخا: هذا وقت بيان الحق واضمحلال الباطل إن مراد حبيبي إقراري· فأنا أقر بذنبي، الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ولما ظهرت براءة يوسف وتبوأ الملك وحصل القحط في مصر نسي زليخا ولم يفتكر بها لكثرة أشغاله، وقد مات العزيز زوجها وهي لكثرة إسرافها نفذت أموالها خصوصاً في أيام القحط التي حصلت بمصر في مدة يوسف حتى صارت لا تملك شيئاً ومدة يدها للسؤال فقيل لها: تعرضت للصديق لرحمك وأعطاك شيئاً عن الناس يغنيك· وقيل لها من آخرين: لا تفعلي فربما يذكر ما كان منك إليه من المراودة وطول السجن والمخالفة فيسيء إليك ويعاقبك فقالت: أنا أعلم بحبيبي منكم وإن من خلقه الصفح والاحتمال والفضيلة والابتهال، ثم نهضت حتى جلست على ربوة بطريقه وكان ليوسف يوم يركب فيه في كل أسبوع وكان يركب معه من عظماء دولته ووزرائه وقواده وأرباب مملكته نحو المائة ألف نفس، فلما أقبل يوسف وأحست به قامت ونادت بأعلى صوتها سبحان من جعل العبيد ملوكاً بالطاعة، وجعل الملوك عبيداً بالمعصية· فأمسك العنان ونظر إليها وهي واقفة في ذلك المكان فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا التي كنت أخدمك دهراً وأرجل جمتك وكان مني ما كان في ذلك الزمان قد ذقت وباله ولقيت نكاله، وتغيرت كما ترى أحوالي، وصرت أسأل الناس الذين كانوا يسألوني فمنهم من يرحمني ومنهم من يعرض عني، وهذا جزاء من خالف مولاه واتبع هواه·
فلما سمع الصديق كلامها بكى إشفاقاً عليها ثم قال لها: هل بقي بقلبك شيء مما كان؟ قالت: والله لنظرة فيك أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال ت: ناولني سوطك فناولها إياه فوضعته على قلبها فأحس يوسف بانتفاض يده مع السوط من شدة انتفاض قلبها وقال لها: ما أصاب قلبك؟ فقالت: يا يوسف، هو كما ترى· فقال لها: اذهبي إلى منزلك وإننا سننظر في أمرك، ثم ذهب باكياً وبعد وصوله إلى مستقره أرسل إليها رسولاً فقال: يقول لك الملك إن كنت أيماً تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك· فقالت للرسول: إليك عني فإن الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بي فإن لم يلتفت إلي أيام شباب وجمالي فكيف يلتفت إلي الآن ولم تصدق قوله، فرجع الرسول وأخبر الصديق بما قالت وذكرت من شأنها، فعلم أنها غير واثقة تصدق قوله، فرجع الرسول وأخبر الصديق بما قالت وذكرت من شأنها، فعلم أنها غير واثقة بما قاله لها الرسول· فلما كان في الأسبوع الثاني مر الصديق عليها بموكبه فرآها على الحالة التي رآها بها أول مرة وقالت له كما قالت في الأول فقال لها: ألم يبلغك رسولي ما أرسل به إليك فما ترين؟ فقالت: ألم أقل إن نظرة إليك أحب إلي من الدنيا وما فيها· فلما سمع منها ذلك أمر بحملها إلى قصره وأحضر الشهود وتزوجها، فلما زفت عليه وأدخلت إليه نظر إليها فزاد إشفاقاً عليها فأكرمها إكراماً لا مزيد عليه، ورتب لها من يقوم بأودها ولم يمض زمن حتى عاد إليها جمالها ورونقها وبهاؤها وكمالها وذلك من سوروها بما نالت من حبيبها حلاً بعد الحرام، وانتقالها من دنيا إلى أخرى بقدرة الملك العلام· وقيل: إنها طلبت إليه أن يدعو الله أن يرد لها جمالها ففعل، وهنالك تذكرت المنام الذي كانت رأته قبل تزوجها بقطفير فرأت تفسيره قد حصل بزواجها بيوسف، أن لبست تاج مصر في مدته وصارت ملكة كعادة زمانهم ولما دخل عليها يوسف وجدها بكراً فتعجب من ذلك وقال لها: ما كنت تفعلين حين راودتني عن نفسي قالت: أيها الصديق اعذرني ولا تلمني فإن الله كساك حلة الجمال والبهاء والكمال وكان زوجي عنيناً لا يقرب النساء فغلب علي حب الشهوة ففعلت ما فعلت· ولما أتاها ولدت له "افراديم" وبعده"منشا" وذلك في مدة أربع سنوات ولم تلد له خلافهما مدة حياتها·
стр. 212
زوي امبراطورية المملكة الشرقية
هي ابنة قسطنطين التاسع زفت إلى رومانوس الثالث سنة ١٠٢٨م ثم عشق صائغاً يدعى ميخائيل وهو ميخائيل الربع البافلاغوني فأهلكت زوجها وتزوجته فرقي تخت الملك ولم يلبث أن زساء معاملتها فاتفقت مع أخيه وعلى رواية ابن أخيه يوحنا الملقب من ثم ميخائيل الخامس وخلعاه ورقي ميخائيل تحت الملك سنة ١٠٣٥م فأساء معاملتها أيضاً فأثارت هيجاناً في القسطنطينة وخلعت ميخائيل ورقت مكانه مع أختها تيودورا فتزوجت وكانت في الثالثة والستين من عمرها قسطنطين العاشر مونوماخوس سنة ١٠٤٢ فصفا لها الجو وحكمت كيف شاءت إلى أن هلكت سنة ١٠٥٢ ميلادية·
زينب ملكة تدمر
كانت آية زمانها في الجمال ونادرة عصرها في الفضل المقرون بالجلال تعرف عند الرومان ب زنوبيا ملكة الشرق، تولت عرش تدمر بعد زوجها أذينه المقتول عام ٢٦٧ للميلاد وكان أشتد ساعدها ورسخت في البلاد وطأتها في عاصمتها البناءات الباهية الأنيقة، وغرست في ضراحيها الرياض الزاهية حتى تركتها جنة من الجنان فيها فاكهة، والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان· ثم جنحت إلى المغازي والفتوحات ودانت لشدة بأسها العباد، وفتنت ببديع حسنها وسحر أساليبها الملوك، فأسكرها الفوز والنصر وبعثها على التمادي في طلاب العز والتماس الفخر فبعثت بالسرايا والصوائف إلى مصر فقهرتها ولقبت ذاتها بألقاب أهاجت عليها حسد مملكة الرومان، فنوتها وزحف عليها أورليان قيصر روم، فعبأت الجيوش وقابلته على مقربة من أنطاكية فحمص، فهزمها شر هزيمة حتى اعتصمت منه بقاعدة بلادها تدمر، فأدار عليها رحى الحرب حصاراً وقتالاً حتى تداعت له أسوارها عنوة فأعمل في أهلها السيف، وفي قصورها التخريب حتى غادرها قاعا صفصفاً يأوي إليها البوم والقطا، نادبة سالف مجدها المذكور، وقديم عزمها المأثور·
وأما زنوبيا فأسرها أورليان وقادها إلى عاصمة الرومان ذليلة صاغرة حيثما دخلها بموكب حافل وهي ترسف بقيودها الذهبية أمام العواجل، وكان ذلك عام ٢٧٢ للميلاد فسبحان الحي الباقي من لا عاصم من يديه ولا واقي· وأما تدمر فهي مدينة قديمة ذات آثار عظيمة كانت تعرف بمدينة النخل ويسميها الأقدمون بالميري واقعة بين نهري الفرات والعاصمة تبعد بنحو ٩٠ ميلاً عن حمص إلى الشرق و ١٥٠ ميلاً عن دمشق إلى الشمال الشرقي· قيل: إنها سميت باسم تدمر بنت حسان التي بنت المدينة في أيامها والصحيح: أنها من بناء سليمان كما ورد في التوراة وقد زعم العرب أن الجن بنوها له وعلى ذلك يقول النابغة:
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند
وخبر الجن أني قد أمرتهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد·
ولم تنل تدمر عزاً مثل ما نالته في مدة زنوبيا ولم يرجع إليها رونقها الأصلي أبداً حتى صارت خرائب في هذا الزمان يأوي إليها البوم والغربان·
زينب ابنة عبد الله بن عبد الحليم
كانت حنبلية المذهب وهي بنت أخي الشيخ تقي الدين · قال الحافظ ابن حجر: سمعت من ابن الحجار
стр. 213
وغيره وحدثت وانتفع الناس بعلمها ولي منها إجازة· وهي من نساء الحديث المشهورات ذات لهجة صادقة ولذلك عدت من المحدثين·
زينب ابنة محمد بن عثمان بن عبد الرحمن الدمشقية
كانت أحسن نساء زمانها منظراً، وأعذبهن مقالاً، وأفصحهن منطقاً، وأعلمهن بالفقه والحديث وكان يعرف أبوها بابن العصيدة، حدثت بالإجازة العامة عن فخر الدين ابن الحجار وغيره· ومن تلامذتها: الحافظ ابن حجر وله منها إجازة وعمرت أكثر من مائة سنة وعشر سنين وكانت حلقة درسها لا تقل عن الخمسين طالباً للحديث ولم يسمع بامرأة مثلها فتحت حلقة درس واجتمع فيه طلاب مثل طلاب حلقة درسها·
زينب ابنة عثمان بن محمد لؤلؤ الدمشقية
كانت من أفاضل العلماء ولها اليد الطولى في علوم السنة سمعت من الحافظ ابن حجر وأخذ منها الحافظ ابن حجر· وتوفيت سنة ثمانمائة ولها رسائل في الفقه، والسنة استند عليها كثير من العلماء·
زينب المرية
هي ابنة أحد مشاهير العرب ولدت بالمرية من أعمال الأندلس ولم نقف على تاريخ ولادتها واسم أبيها والذي وصل إلينا أنها كانت ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، وأدب وظرف، وتهذيب ولطف· رقيقة المعاني جزلة الألفاظ حاضرة النادرة لها شعر بديع جالست الأدباء وساجلت الشعراء حتى أنها كان يشار إليها بالبنان في ذلك الأوان، ومن شعرها: يا أيها الراكب الغدي مطيته=عرّج أنبئك عن بعض والذي أجد ما عالج الناس من وجد تضمنهم=إلا ووجدي بهم فوق الذي وجدوا حسبي رضاه وإني في مسرته=ووده آخر الأيام أجتهد وتوفيت بالمرية مأسوفاً عليها من ذوي الأدب وأهل العلم·
زينب ابنة حدير
كانت من عاقلات ذاك العصر وأطوعهن لأزواجهن وكان زوجها القاضي شريح كما روى عنه الشعبي فإنه قال: قال لي شريح: يا شعبي، عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء قلت: وكيف ذلك؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم ظهراً فمررت بدور بني تميم فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وفي جانبها ذات يوم ظهراً فمررت بدور بني تميم فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وفي جانبها جارية كأنها البدر في الليلة الداجية، فاستقيت فقالت لي: أي الشراب أعجب إليك النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسر عليكم فقالت: اسقوا الرجل لبناً فإني أخاله غريباً· فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ قالت: ابنتي· قلت: وممن؟ قالت: زينب بنت حدير إحدى نساء تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهية· قلت: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة· قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم، إن كنت كفؤاً، لها عم فاقصده· فانصرفت إلى عمها فقال: يا أبا أمية ما حاجتك؟ قلت: إليك· قال: وما هي؟ قلت: ذكرت لي بنت أخيك زينب بنت حدير· قال: ما بي عنك رغبة ولا بك عنها مقصر وإنك لنهزة وزوجني بها وبارك القوم لي، ثم
стр. 214
نهضنا فما بلغت منزلي حتى ندمت فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأجفاها فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إلي فإن رأيت ما أحب وإلا طلقتها، فأقمت أياماً ثم أقل نساؤها يهادينها·
فلما أجلست في البيت أخلي لي البيت فقلت: يا هذه، إن من السنة رذا دخلت المرأة على الرجل أن يصلي وتصلي ركعتين ويسألا الله خيراً ليلتهما ويتعوذا بالله من شرها فقمت أصلي، ثم التفت فإذا هي خلفي فصليت فإذا هي على الفراش، فمددت يدي فقالت: على رسلك· فقلت: إحدى الدواهي منيت بها· فقالت: إن الحمد لله وحده أحمده وأستعينه إني امرأة عربية ولا والله ما سرت سيراً قط أشد علي منه وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك فحدثني بما تحب فآتيه وما تكره فأنزجر عنه· فقلت: الحمد لله وصلى الله على محمد قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم أحد كذا وأكره كذا قالت: أخبرني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ فقلت: إني رجل قاضٍ وما أحب أن تملوني· قال: فبت بأنعم ليلة وأقمت عندها ثلاثاً، ثم خرجت إلى مجلس القضاء فكنت لا أرى يوماً إلا هو أفضل من الذي قبله حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي فإذا عجوز تأمر وتنهى، فقلت: يا زينب من هذه؟ فقالت: والدتي· قلت: حياك الله بالسلام· قالت: أبا أمية، كيف أنت وحالك؟ قلت: بخير والحمد لله· قالت: كيف زوجتك؟ قلت: كخير امرأة· قالت: إن المرأة لا ترى في حال أسوأ خلفاً منها في حالين إذا حظيت عند زوجها وإذا ولدت غلاماً فإن رابك منها ريب فالسوط، فإن الرجال والله ما جازت إلى بيوتهم شر من الورهاء المتدللة· قلت: أشهد أنها بنتك قد كفيتنا الرياضة، وأحسنت الأدب· قال: فكانت في كل حول تأتينا فتذكر هذا، ثم تنصرف· قال شريح: فما غضبت عليها قط إلا مرة واحدة كنت لها ظالماً فيها وذلك أني كنت إمام قومي فسمعت الإقامة، وقد ركعت ركعتي الفجر فأبصرت عقرباً فعجلت عن قتلها فأكفأت عليها الإناء، فلما كانت عند الباب قلت: يا زينب، لا تحركي الإناء حتى أجيء، فعجلت فحركت الإناء فضربتها العقرب فجئت فإذا هي تلوي فقلت: ما لك؟ قالت: لسعتني العقرب، فبهذا السبب كان غضبي لتعجيلها رفعه، وكان لي جار يضرب زوجته فقلت في ذلك: رأيت رجالاً يضربون نساءهم=فشلت يميني يوم تضرب زينبا أأضربها في غير جرم أتت به=إلي فما عذري إذا كنت مذنبا فتاة تزين الحلي إن هي حليت=كأن بفيها المسك خالط محلبا
زينب ابنة حجش
أم المؤمنين بنت حجش بن الرئاب زوجة النبي ﷺ ، تكنى أم الحكيم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي كانت قديمة الإسلام ومن المهاجرات مع الرسول وكانت قبل النبي ﷺ تحت زيد بن حارثة ومضى النبي يوماً إلى بيته لغرض فرفعت باب الخباء فرأى زينب حاسرة فأعجبته ومن ثم كرهت إلى زيد فلم يستطع أن يقربها فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: "أرابك فيها شيء؟ " قال: لا، فقال النبي ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله"· ففارقها زيد، واعتدت فحلت للرسول ﷺ فأنزل الله عليه (فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها) (الأحزاب: ٣٧ (فقال النبي ﷺ : "من يبشر زينب أن الله قد زوجنيها" وقرأ عليهم: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) (الأحزاب: ٣٧) الآية· فكانت زينب تفتخر على نسائه وتقول: زوجكن أهلكن وزوجني الله من السماء، وذلك سنة ٥ للهجرة، فلما دخل عليها قال لها: "
стр. 215
ما اسمك؟ "· فقالت: برة، فسماها زينب ولما تزوجها تكلم في ذلك المنافقون وقالوا: حرم محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه لأن زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ كان يدعى بابن محمد على سبيل التبني فأنزلت الآية وهي: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) (الأحزاب: ٠٤) والآية الأخرى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) (الأحزاب: ٥) · فدعي زيد من ثم بابن حارثة، وكانت زينب قصيرة جميلة، صناع اليدين، صوامة، قوامة، تشتغل وتتصدق من شغل يدها· وقالت عائشة: يرحم الله زينب بنت حجش لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها بنيه ونطق القرآن وإن الرسول قال لنا ونحن حوله: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة وذلك لأنها أول من توفيت من نسائه بعده، وكان يريد بطول اليد كثرة الصدقة· وقال لعمر بن الخطاب: "إن زينب أواهة" أي خاشعة متصدعة· وتوفيت سنة ٠٢ · وقيل: ١٢ للهجرة وكان عمرها حين تزوجها ٥٣ سنة·
زينب ابنة الحارث
امرأة يهودية من خيبر كانت زوجة سلام بن مشكم، فلما استقر النبي ﷺ في خيبر أهدت له شاة مصلية مسمومة فوضعتها بين يديه، فأخذ مضغة فلم يسغها ومعه بشير بن البراء بن معرور فأكل بشير منها وقال النبي: "إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة" ثم دعا المرأة، فاعترفت· فقال: "ما حملك على ذلك؟ "· قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان نبياً فسيخبر، وإن كان ملكاً استرحنا منه· فتجاوز عنها ومات بشير في تلك الأكلة أما النبي ﷺ فلم يؤثر فيه السم إلا تأثيراً خفيفاً، فحجم بين كتفيه وقال في مرضه الذي مات فيه: "هذا وإني وجدت انقطاع أبهري من أكلة خيبر"· فكان المسلمون يرون أنه مات شهيداً مع كرامة النبوة وادعى ورثة بشير على زينب فقتلت·
زينب ابنة الإمام أحمد الرفاعي
لبست الخشن من الثياب، وتركت الطيب من الطعام والشراب، وكانت قد أرخت الحجاب وتملت بعبادة الملك الوهاب، وقنعت بدون اليسير مع القدرة ولزمت حنين أبيها وتبعت أثر طريقته بالذل والانكسار والسكينة والافتقار· كان السيد أحمد ﵁ يقول: كأنها خلقت رجلاً والناس يظنون أنها خلقت امرأة، وقال السيد عمر الفاروثي: كنت ذات يوم عند السيد أحمد فأظهرني على كثير من أسراره، ثم أخذني بيده ودخل بيته على رابعة، فقال له: سلم عليها واخدمها واسألها أن تدعو لك· فجاءت زينب فقبل رأسها ثم قال لي: أي عمر سلم عليها واخدمها واسألها أن تدعو لك ولذريتك ففعلت ذلك ثم قلت في نفسي: الأولى إنه كان يأمرني بالخدمة والتعظيم لرابعة فإنها أكبر سناً، فالتفت إلى السيد أحمد - قدس الله سره العزيز - وقال لي: أي عمر، إن الله وعدني أن يحيي بها الآثار ويعمر بها الديار· فقالت زينب: أي سيدي تعيش أنت ويعيش السيد صالح ويجعلني الله فداءك ويحيي الله بك الآثار· فقال: بل فيك· فقالت: يا سيدي أأنا أقعد وأحدث الناس وأجلس معهم في المجالس؟ فقال لها: يا زينب، لا ولكن ذريتك يبقون إلى يوم القيامة· إلا أن صاحب الشفاء أورد هذه الحكاية في كتابه بغير هذا النسق· قالت مريم بنت الشيخ يعقوب: قد قالت لي زينب: نتعب قليلاً ونستريح طويلاً، السفر بعيد، والطريق طويل، والجسد ضعيف، والزاد قليل، وليس لنا بد من
стр. 216
هذا السفر لو ندركه قبل أن يدركنا ونستقبله قبل أن يستقبلنا لكان خيراً لنا· قال الزبرجدي: حفظت القرآن وتفقهت وسمعت الحديث من خالها الشيخ أبي البدر الأنصاري الواسطي وأخذ عنها أولادها الأئمة الأعلام، وسمع منه الشيخ الكبير عمر أبو الفرج الفاروثي الكازروني، وكانت عظيمة القدر رفيعة المنزلة أقبل على زروع أهل واسط، وأم عبيدة جيش الجراد فالتجأ الناس إليها فتقنعت وصعدت السطح وقالت: إلهي عبيدك ساقهم حسن الظن إلي، وأنت الذي ألقيت ذلك في قلوبهم وإني أقل من أن أسألك لذنوبي وسواد وجهي وأنت أكرم من أن ترد المنكسرين يا أرحم الراحمين· فزم الجراد زمة واحدة وكأنه إبل ساقها رعاتها حتى لم يبق منه جرادة واحدة· توفيت سنة ثلاث وستمائة (ستمائة وثلاثون) بأم عبيدة ودفنت بالمشهد الأحمدي المبارك ﵂·
زينب ابنة رسول الله ﷺ
هي أكبر أولاده ولدت ولرسول الله ﷺ ثلاثون سنة وماتت سنة ثمان للهجرة في حياة أبيها وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد· وقد قيل: إنها لم تكن أكبر بناته وليس بشيء إنما الاختلاف بين القاسم وزينب أيهما ولد قبل الآخر فقال بعض العلماء بالنسب: أول ولد ولد له القاسم، ثم زينب· وهاجرت بعد وقعة بدر، وقد تزوجت لقيطاً الملقب بأبي العاص بن الربيع، وولدت منه غلاماً اسمه علي فتوفي وقد ناهز الاحتلام، وكان رديف رسول الله ﷺ يوم الفتح وولدت له أيضاً بنتاً اسمها أمامة وأسلم أبو العاص وكان الإسلام قد فرق بين زينب وبين أبي العاص إلا أن رسول الله ﷺ كان لا يقدر أن يفرق بينهما بمكة لعدم قوة الإسلام بها حينئذ· وقيل: إن أبا العاص لما أسلم رد عليه رسول الله ﷺ زينب فقيل: بالنكاح الأول· وقيل: ردها بنكاح جديد·
وتوفيت زينب بالمدينة في السنة الثامنة (للهجرة) ونزل رسول الله ﷺ في قبرها وهو مهموم محزون، فلما خرج سرّي عنه، وقال: "كنت ذكرت ضعفها" فسألت الله تعالى أن يخفف عليها ضمة ففعل وهون عليها· ثم توفي بعدها زوجها أبو العاص· وقال آخرون: إن زينب ولدت في سنة ثلاثين من مولده ﷺ وأدركت الإسلام وأسلمت وهاجرت وكان أبوها يحبها وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع ففرق بينهما الإسلام، ثم لما أسلم زوجها جمع ﷺ بينهما· قال بعضهم: ولم يفرق بينهما من أول البعثة لأن تحريم نكاح المشرك للمسلمة إنما كان بعد الهجرة· وعن عائشة ﵂ قالت: كان الإسلام فرق بين زينب وبين أبي العاص إلا أن رسول الله ﷺ كان لا يقدر أن يفرق بينهما لأنه كان مغلوباً بمكة وولدت زينب لأبي العاص علياً وأمامة فأما علي فمات مراهقاً، وأما أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد خالتها فاطمة بوصية من فاطمة وتزوجها بعد موت علي المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بوصية من علي وكان رسول الله ﷺ يحب أمامة وهي التي كان يحملها في الصلاة على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع رأسه من السجود أعادها· ولما أسر أبو العاص في وقعة بدر وكان مع الكفار أرسلت زينب في فدائه الربيع بمال دفعته إليه من ذلك قلادة لها كان أمها خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص فقال رسول الله ﷺ : "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا"· فقالوا: نعم، وكان أبو العاص مصاحباً لرسول الله صلى الله
стр. 217
عليه وسلم مصافياً، وكان قد أبى أن يطلق زينب لما أمره المشركون أن يطلقها فشكر له صنيعه· ولما أطلقه النبي ﷺ من الأسر شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة فعاد إلى مكة وأرسلها إلى المدينة فلهذا قال رسول الله ﷺ : "حدثني فصدقني ووعدني فوفى"· ولم تزل زينب بالمدينة وأبو العاص بمكة على شركه، فلما كان قبيل الفتح خرج بتجارة إلى الشام ومعه أموال من أموال قريش ومعه جماعة منهم· فلما عاد لقيته سرية لرسول الله ﷺ أميرهم زيد بن حارثة، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال، وأسروا أناساً وهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلاً فدخل على زينب فاستجار بها فأجارته· فلما صلى النبي ﷺ صلاة الصبح صاحت زينب: يا أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلم رسول الله ﷺ أقبل على الناس وقال: "هل سمعتم ما سمعت؟ " قالوا: "نعم· قال: "والذي نفسي بيده ما علمت بذلك حتى سمعتم"· وقال: "يجير على المسلمين أدناهم" ثم دخل على ابنته فقال: "أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له" قالت: إنه جاء في طلب ماله· فجمع رسول الله ﷺ تلك السرية· وقال: "إن هذا الرجل منا حيث علمتم وقد أصبتم له مالاً وهو مما أفاء الله عليكم وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإن أبيتم فأنتم أحق"· فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم أسلم وحسن إسلامه· ثم قدم إلى المدينة ورد عليه رسول الله ﷺ ابنته ولم تزل معه حتى توفيت سنة ثمان من الهجرة·
زينب ابنة جزيمة
زينب ابنة جزيمة بن حارثة بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية زوج النبي ﷺ يقال لها: أم المساكين لكثرة إطعامها وصدقتها عليهم، وكانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله ﷺ وقيل: كانت عند الطفيل بن الحرث بن عبد المطلب بن عبد مناف، ثم خلف عليها أخوه عبيد بن الحارث كانت أخت ميمونة زوج النبي ﷺ لأمها، وتزوجها رسول الله ﷺ بعد حفصة، ولم تلبث عند رسول الله ﷺ إلا يسيراً - شهرين أو ثلاثة - حتى توفيت وكانت وفاتها في حياته ﷺ لا خلاف فيه·
وقال ابن منده: إن النبي ﷺ قال: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" فكان نساء النبي يتذارعن أيتهن أطول يداً، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير، وهذا وهم فإنه ﷺ قال: "أسرعكن لحوقاً" وهذه سبقته إنما أراد أول نسائه تموت بعد وفاته، وقد تقدم في زينب بنت حجش وهو لها أشبه لأنها كانت كثيرة الصدقة من عمل يدها، وهي أول نسائه، توفيت بعده والله أعلم·
زينب بنت العوام أخت الزبير
وهي أم عبد الله بن حكيم بن حزام أسلمت وبقيت إلى أن قتل ابنها يوم الجمل فقالت ترثيه وترثي الزبير أخاها: أعينيّ جودا بالدموع بأشرعا=على رجل طلق اليدين كريم زبير وعبد الله يدعي لحادث=وذي خلة منا وحمل يتيم قتلتم حواريّ النبي وصهره=وصاحبه فاستبشروا بجحيم وقد هدني قتل ابن عفان قبله=وجادت عليه عبرتي بسجوم
стр. 218
وأيقنت أن الدين أصبح مدبراً=فماذا تصلي بعده وتصومي وكيف بنا أم كيف بالدين بعدما=أصيب ابن أروى وابن أم حكيم كانت شاعرة أديبة جريئة على القول والفعل ذات شهامة زائدة الجد، وكان لها ميل كلي إلى عثمان وأحزابه وطالما هيجت العبر على حرب علي وقد حضرت وقعة الجمل ولها فيها مشاركة، وتوفيت بعدها بقليل·
السيدة زينب بنت الإمام علي كرم الله وجهه
السيدة زينب بنت الإمام علي - كرم الله وجهه - بن أبي طالب وأمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ فهي شقيقة الحسن والحسين ﵉· تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر الطيار ذو الجناحين ابن أبي طالب وولدت له علياً وعوناً ويدعى بالأكبر وعباساً، ومحمداً وأم كلثوم· وحضرت مع أخيها الحسين بكربلاء· ذكر ابن الأنباري: أنها لما قتل أخوها الحسين أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعة صوتها: ماذا تقولون إن قال النبي لكم=ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد فرقتكم=منهم أسارى ومنهم خضبوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم=أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي لكن في "كامل ابن الأثير": أن هذه الأبيات لابنة عقيل بن أبي طالب· وفي "نور الأبصار" عن خزيمة الأسدي قال: دخلنا الكوفة سنة إحدى وستين فصادفت منصرف علي بن الحسين ﵉ بالدربة من كربلاء إلى ابن زياد بالكوفة ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياما يندبن متهتكات الجيوب، وسمعت علي بن الحسين يقول: يا أهل الكوفة، إنكم تبكون علينا فمن قتلنا ورأيت زينب بنت علي فلم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين فأومأت إلى الناس أن اسكتوا فسكتت الأنفاس، وهدأت الأجراس فقالت: "الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين. أما بعد، يا أهل كوفة الختل والخذل أتبكون فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا وإن فيكم الصلف والضعف وداء الصدر الشنف، وملق الأمة، وحجز الأعداء كمرعي على دمنة، أو كفضة على ملحودة أل ساء ما تزرون أي والله تدحضون قتل سلسل خاتم النبوة ومعدن الرسالة ومدار حجتكم، ومنار محجتكم، وسيد شباب أهل الجنة ويلكم يا أهل الكوفة ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أ، سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتدرون أي كبد لرسول الله ﷺ فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي كريمة له أبرزتم لقد جئتم شيئا إذا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا، ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض. أفعجبتم إن أمرطت السماء دما فلعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل، فلا يحقره البدار، ولا يخفا عليه فوت الثأر، كلا إن ربي وربكم لبالمرصاد". ثم سارت، قال: فرأيت الناس حيارى واضعي أيديهم على أفواهمم ورأيت شيخا قد دنا منها وهو يبكي حتى اخضلت لحيته، ثم قال: بأبي أنتم وأمي كهولهم خير الكهول وشبابكم خير الشباب
стр. 219
ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبدا.
وفي "كامل ابن الأثير" أنها سمعت الحسين وهو في كربلاء قبل مشهده يقول:
يا دهر أف لك من خليل ... كم لك بالشريف والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل وكل هالك سالك السبيل
فأعادها مرتين أو ثلاثا، فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر في ثوبها حتى انتهت إليه ونادت: "وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي، والحسين أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي" فذهب فنظر إليها وقال: أخية لا يذهبن حلمك الشيطان! قالت: لو ترك القطا لنام فلطمت وجهها وقالت: "وا ويلتاه أفتغصبك نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي واشد على نفسي". ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها فقام إليها الحسين فصب الماء على وجهها وقال: اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أخل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وإن كل شيء هالك إلا وجه الله أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني ولي ولهم ولكل مسلك برسول الله أسوة حسنة فعزاها بهذا ونحوه.
ولما حملوا السبايا إلى الكوفة اجتازوا بهن على الحسين وأصحابه صرعى فلطمن خدودهن وصاحت زينب أخته: "يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء. هذا الحسين بالعراء، مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسقى عليها الصبا". فأبكت كل عدو وصديق.
فلما أدخلوهم على ابن زياد لبست أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها فقال عبيد الله: من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه فقال ذلك ثلاثا وهي لا تكلمه فقال بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة. فقال لها ابن زياد -لعنه الله-: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت: "الحمد الله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا لا كما تقول إنما يفتضح الفاسق، ويكذب العاجز". فقال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: "كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده". فغضب ابن زياد وقال: قد شفي غيظي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك فبكت وقالت: "لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرزت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت". فقال لها: هذه شجاعة لعمري لقد كان أبوك شجاعا. فقالت: "ما للمرأة والشجاعة".
فلما نظر ابن زياد إلى علي بن الحسين قال: ما اسمك؟ قال: علي بن الحسين. قال: أولم يقتل علي بن الحسين؟ فسكت. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: كان لي أخ يقال له أيضا علي فقتله الناس. فقال اللعين ابن زياد: إن الله قتله. فسكت علي، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: الله يتوفى الأنفس حين موتها (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) (آل عمران: ١٤٥) فقال: أنت والله منهم، ثم قال لرجل: ويحك، انظر هذا هل أدرك أني لأحسبه رجلا فكشف عنه مري بن معاذ الأحمر فقال: نعم، قد أدرك قال: اقتله. فقال علي: من يتوكل بهذه النسوة؟ وتعلقت به زينب فقالت: "يا ابن زياد حسبك منا أما رويت من دمائنا وهل أبقيت منا أحدا" واعتنقته، وقالت: "أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته أن تقتلني معه".
وقال علي: يا ابن زياد إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهم رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام فنظر إليها ساعة ثم قال: عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته أن أقتلها معه دعوا الغلام ينطلق مع نسائه، ولما دخلن الشام على يزيد بن معاوية والرأس بين يديه جعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس
стр. 220
فلما رأين الرأس صحن فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية فقالت فاطمة وكانت أكبر من سكينة بنات رسول الله ﷺ سبايا يزيد؟ فقال: يا ابنة أخي أنا لهذا كنت كارها. قالت: والله ما ترك لنا خرص. فقال: ما أتي إليكن أعظم مما أخذ منكن. فقام رجل من أهل الشام فقال: هب لي هذه -يعني فاطمة بنت الحسين- فأخذت فاطمة ثياب زينب وصرخت فقالت زينب: "كذبت ولؤمت ما ذلك لك ولا له" فغضب يزيد وقال: والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلته قالت: "كلا والله ما جعل الله لم إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا". فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. قالت زينب: "بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك". قال: كذبت يا عدوة الله قاتل: "أنت أمير تشتم ظلما وتقهر بسلطانك". فاستحى وسكت.
وعلى اختلاف الروايات أن للسيدة زينب ﵂ مقامين أحدهما: بدمشق وهو مقصود من كل الجهات خصوصا من أهل الشيعة. والثاني: بمصر وهو أشهر من الأول. ولها أوقاف وإيراد عموم الأوقاف المصرية، ولها مسجد في مصر لم يوجد مثله قد ذكر أوصافه الأمير علي باشا مبارك في خططه المسماة بالخطط التوقيفية. ولكون أوصافه جاءت مسهبة اقتصرنا عنها منوهين على محل وجودها.
زينب ابنة الطثرية
هي زينب بنت سلمة بن مرة من بين عامر بن صعصعة. والطثرية أمها قتل أخوها يزيد بن الطثرية الشاعر المشهور في خلافة بني العباس سنة ١٢٦ هجرية الموافقة لسنة ٧٤٤ ميلادية قتله بنو حنيفة فقالت أخته ترثيه:
أرى الأثل من وادي العقيق مجاوري ... مقيما وقد غالت يزيد غوائله
فتى قد قد السيف لا متضائل ... ولا رهل لباته وأباجله
فتى لا ترى قد القميص بخصره ولكنه يوهي القميص مواهله
فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دما فهو آكله
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله
إذا نزل الأضياف كان عزورا ... على الحي حتى تستقل مراجله
مضى وورثنا منه درعا مفاضه ... وأبيض هنديا طويلا حمائله
وقد كان يرمى المشرفي بكفه ... ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله
كريم إذا لاقيته مبتسما ... وإما تولى أشعث الرأس جافله
إذا القوم أموا بيته فهو عامد ... لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله
ترى جاذرية يرعدان وناره ... عليها عدا ميل الهشيم وحامله
يجران ثنيا خيرها عظم جاره ... بصيرا بها لم تعد عنها مشاغله
وكانت زينب ذات جمال وأدب وكمال، شاعرة مشهورة مطبوعة على الشعر والفضل والأدب، متجملة بالفصاحة التي هي حلية العرب، ولها مراث كثيرة في أخيها لم نعثر عليها الآن.
زينب ابنة أبي القاسم الشهيرة بأم المؤيد عبد الرحمن
стр. 221
وهو ابن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبدوس الجرماني الأصل النيسابوري الدار، كانت فاضلة عالمة أدركت جماعة من أعيان العلماء، وأخذت عنهم رواية وإجازة، فمن أخذت عنهم أبو محمد إسماعيل بن أبي القاسم النيسابوري القاري، وأبو المظفر عبد المنعم وهو ابن عبد الكريم بن هوزان القشيري صاحب "الرسالة القشيري"، وممن أجازها الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسمايعل الفارسي، والعلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري مؤلف "الكشاف"، وممن أجازتهم من أكابر العلماء العلامة المؤرخ شهاب الدين قاضي القضاة بان خلكان صاحب "التاريخ المشهور" وهي في القرن السابع من الهجرة.
الأميرة زينب هانم أفندي
هي أصغر كريمات المرحوم محمد علي باشا والي مصر أول مؤسس للحكومة الخديوية. ولدت في حدود سنة ١٢٤٤ هجرية في مصر القاهرة ووالدتها شمع نور قادين أفندي من محاظي المرحوم محمد علي باشا وهي جركسية الأصل.
وفي سنة ١٢٦٤ هـ تأهلت بالمرحوم يوسف كامل باشا، وأقيمت لها الأفراح في مصر إلى الدرجة التي لم يسبق لها مثال وكان زفافها في سراي الأزبكية.
ولما توفي محمد علي وتولى عباس باشا حكومة مصر واشتدت البغضاء بينه وبين الأمراء "المورهليين": باقي بك، وسامي باشا، وكامل باشا، وسائر العائلة الخديوية، واضطروا للهجرة من مصر.
هاجرت المترجمة المرحومة مع زوجها كما هاجرت أختها الأميرة نازلي هانم أفندي إلى الأستانة وذلك في حدود ١٢٦٨هـ، فأكرمت الدولة العلية مثوى الجميع وتقلب كامل باشا في مناصب الدولة حتى صار صدرا أعظم في مدة المرحوم السلطان عبد العزيز ثم توفي في حدود التسعين.
وبقيت المترجمة في الأستانة في منزلها الكائن في يمدان السلطان بايزيد ومنزله الساحلي في بيتك الشهير داخل الخليج القسطنطيني.
وتوفيت في ربيع سنة ١٣٠٢ هـ ودفنت في مدفنها الخصوصي خارج "إسكدار" في الموقع المعروف بقره جه أحمد سلطان وكان لوفاتها وجنازتها شأن عظيم في عموم الأستانة.
وخلفت من الأموال والجواهر والأراضي والعقارات شيئا قد لا يقل عن ثلاثة ملايين جنيه ولم تعقب ذرية لا هي ولا زوجها، وورث جميع ذلك أخوها المرحوم البرنس عبد الحليم باشا بن محمد علي باشا فمما تركت من العقارات الشهيرة سراي بيك وسراي ميدان السلطان بايزيد، ومن ذلك اسهم الشركة الخيرية، وهي شركة "وابورات البوغاز" في الأستانة ولا تقل عن أربعين "وابورا"، وسراي الأزبكية في مصر وسراي شبري الصغيرة.
وكانت -رحمها الله- كثيرة الخيرات والمبرات، سخية اليد، علايةالنفس، محبة لإعانة الفقراء وإغاثتهم، كانت تصرف على كثير من البيوت حتى بلغ من كان يعيش بإحسانها في انفس الأستانة فقط أكثر من أربعمائة عائلة.
ولها أوقاف عظيمة أوقفتها على نفسها وزوجها وذريتها، ثم جعلت ربع تلك الأوقاف لجملة محلات مباركة كالمسجد الحسيني في مصر ومساجد السيد نفيسة والسيدة زينب وغيرهما نحو ١٤ مسجدا وعدة
стр. 222
تكايا منها المولوية والنقشبندية والكاشنية وعلى ليلة المعراج وليلة القدر في قراءة القرآن بمسجد والدها في قلعة مصر.
وجعلت من ذلك الربع قدرا لمدرسي الفقه الحنفي في الجامع الأزهر ومدرسي الفقه الشافعي والمالكي والحنبلي وخصصت لكل تخصيصات.
ثم إنها خصصت ربعا من ذلك أيضا لكل من قرأ القرآن في سراياتها ولكل من خدمها أو لازمها إلى حين الوفاة من الرجال والنساء وجعلت لمن يبلغ زمن ملازمته لها أو قيامه بخدمتها عشر سنين فأكثر ضعف من كان زمنه أقل من ذلك وكذلك لعتقائها وعتقاء أمها وفقراء معتوقي والدها ومن خيراتها مساهمتها بالاشتراك مع زوجها في بناء مستشفى في مدينة "إسكدار" من دار الخلافة وسبيل في قصبة قرطال بقرب "إسكدار".
وأوقفت عليها الأوقاف الكافية، كما أوقفت على قبرها وقبر زوجها وعلى بعض التكايا والزوايا في الأستانة ويغرها.
وكانت المترجمة متوسعة في دائرتها مطموعا فيها لمالها وسخائها، ومحترمة جدا في جميع دوائر الدولة حتى إنها كانت معتبرة جدا في السراي السلطاني ولدى جلالة الخلفاء العظام عموما وجلالة سيدنا أمير المؤمنين خصوصا، وكان لها وقع سياسي في الأحوال المصرية في شأن العصبة العرابية.
قيل: إنها صرفت من أربعين إلى خمسين ألف جنيه لمساعدة أخيها البرنس حليم باشا، حتى إن الحكومة قبضت على وكيل دائرتها في مصر عثمان باشا لتداخله بأمرها مع عصبة الأشقياء لتستميلهم إلى أخيها.
وكان أخوها قد قل ماله وكانت تعينه كما تعين غيره من العائلة، ولما دنت وفاتها أوصت له بكثير من أموالها وعقاراتها.
قال أهل الاطلاع على حقيقة حالها: إنها أصيبت بشيء من اختلال الشعور قبل موتها بمدة. وفي تلك المدة اهتم البرنس حليم باشا بتحوير الوقفيات وحصر قسمها الأعظم فيه وفي أولاده، واستغل الفائدة من ذلك الوقت على أن توفي في سنة ١٣١٢.
وحينئذ قام بعض الناس وحرك أصحاب الحقوق بالمطالبة، ولا يزال النزاع فيها إلى الآن.
حرف السين
سارة زوجة إبراهيم الخليل ﵇
كانت أحسن نساء زمانها جمالا وأوفرهن عقلا وكمالا، تزوجت بإبراهيم الخليل ﵇ وكان يحبها محبة عظيمة وكانت لم تعصه في شيء وبذلك أكرمها الله تعالى.
وكان قدم بها إبراهيم إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى، وقد وصف له حسنها وجمالها، فأرسل إلى إبراهيم ﵇ فجاءه فقال له: ما هذه المرأة منك؟ فقال: هي أختي وتخوف أن قال هي امرأتي أن يقتله. فقال له: زينها وأرسلها لي حتى أنظر إليها فرجع إبراهيم إلى سارة وقال لها: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده فإنك أختي في كتاب الله ثم أقبلت سارة على الجبار وقام إبراهيم ﵇ يصلي.
فلما دخلت عليه ورآها أهوى غليها يتناولها بيده فيبست يده إلى صدره، فلما رأى ذلك عظم أمرها وقال لها: سلي ربك أن يطلق يدي فوالله لا آذيتك. فقالت سارة: اللهم إن كان صادقا فأطلق له يده، فأطلق الله تعالى يده.
وقيل: إنه فعل ذلك ثلاث مرات بقصد أن يتناولها فتيبس يده فلما رأى
стр. 223
ذلك ردها إلى إبراهيم ووهب لها هاجر وهي جارية قبطية فأقبلت إلى إبراهيم ومعها هاجر وهي تحمد الله تعالى على عصمتها من فرعون.
وكانت سارة قد منعت الولد حتى أسنت، فوهبت هاجر إلى إبراهيم بقولها: إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله تعالى يرزقك منها بولد، فوقع إبراهيم على هاجر فولدت له إسماعيل ﵇ وكانت سارة بنت تسعين سنة وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وبشر إبراهيم بأنه سيرزفه الله بولد من سارة وقد كان وحملت سارة بإسحاق.
وقيل: كان حملت هاجر بإسماعيل فوضعتا معا وشب الغلامان، فبينما هما يتناضلان ذات يوم وكان إبراهيم ﵇ سابق بينهما فسبق إسماعيل فأخذه فأجلسه في حجره وأجلس إسحاق إلى جانبه وسارة تنظر إليه فغضبت. وقالت: عمدت إلى ابن الأمة فأجلسته في حجرك وعمدت إلى ابني فأجلسته إلى جانبك وقد كان أخذها ما يأخذ النساء من الغيرة فحلفت لتقطعن بضعة منها ولتغيرن خلقتها، ثم ثاب إليها عقلها فبقيت في ذلك. فقال إبراهيم ﵇: اخفضيها واثقبي أذنها ففعلت ذلك فصارت سنة في النساء.
ثم إن إسماعيل وإسحاق ﵉ اقتتلا ذات يوم كما تفعل الصبيان فغضبت سارة على هاجر وقالت: لا تساكنني في بلد وأمرت إبراهيم ﵇ أن يعزلها عنها فأوحى الله إليه أن يأتي بهما إلى مكة فذهب بهما.
وتوفيت سارة ولها من العمر مائة واثنتان وعشرون سنة. وقيل: مائة وسبع وعشرين بالشام بقرية الجبابرة بأرض كنعان في جيرون في مزرعة اشتراها إبراهيم ﵇ ودفنت بها.
سارة القرظية الإسرائيلية
كانت من يهود يثرب من بني قريظة. قيل: إن أبا جبلة أحد ملوك اليمن قصد المدينة في الجاهلية وكان أهلها يهود وبلغه عن ملكهم أمور فاحشة فأوقع في اليهود بذي حرض وهو واد بالمدينة عند أحد فقالت سارة القرظية وهي منهم تذكر ذلك وترثي من قتل من ومها:
بأهلي رمت أم لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهم ... سيوف الخزرجية والرماح
ولو أذنوا بأمرهم لحالت ... هنالك دونهم حرب رداح
رزئنا والرزية ذات نغل ... يمر لأجلها الماء القراح
سبيعة ابنة عبد اشمس بن عبد مناف
هي زوجة مسعود بن مالك يتصل نسبه إلى ثقيف كان مكرمة عند زوجها وقومها مسموعة الكلمة لما لها من المكان والفضل، حتى إنه لما كان يوم الفجار الرابع في الجاهلية -وهو يوم عكاظ- ودارت الدائرة على بني قيس وانتصر زوجها وحرب بن أمية على أعدائهم فرآها تبكي حيت تداعى الناس فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: لما يصاب غدا قومي.
فقال لها - وكان مسعود قد ضرب على امرأته سبيعة خباء-: من دخل خباءك من قريش فهو آمن، فجعلت توصل به قطعا ليتسع فقال لها: لا تتجاوزي في خبائك فإني لا أمضي إلى من أحاط به الخباء، فأحفظها.
فقالت: أما والله إني لأظن أنك تود أن لو زدت في توسعته فلما انهزمت قيس دخلوا خباءها مستجيرين بها فأجار لها حرب بن أمية وقال لها: يا عمة، من تمسك بأطناب خبائك أو دار حوله فهو آمن. فنادت
стр. 224
بذلك فاستدارت قيس بخبائها حتى كثروا جدا فلم يبق أحد لا نجاة عنده إلا دار بخبائها. فقيل لذلك الموضع: مدار قيس، وكان يضرب به المثل، وكان زوجها مسعود بن معتب قد خرج معه يومئذ بنوه من سبيعة وهم عروة ولوحة ونويرة والأسود فكانوا يدورون وهم غلمان في قيس يأخذون بأيديهم إلى خباء أمهم ليجيروهم كما أمرتهم أمهم أن يفعلوا فخرج وهب بن معتب حتى وقف عليها.
وقال لها: لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت على ربطت به رجلا من بني كنانة فنادت بأعلى صوتها أن وهبا يحلف أن لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من بني كنانة فالجد الجد، فلما هزمت لجأوا إلى خبائها فأجارهم حرب بن أمية.
ست الوزراء
لقب حفيدة العلامة وجيه الدين الحنبلي. ولدت سنة ٦٢٤ هجرية. وتوفيت سنة ٧١٧ هـ وهي محدثة مشهورة أخذت صحيح البخاري ومسند الإمام الشافعي عن أبي عبد الله الزبيدي وقرأت على أبيها بعض الحديث وكانت كما رواه صلاح الدين الصفدي محدثة عصرها واستقدمت إلى مصر فأخذ عنها الحديث الامير سيف الدين أرغون والقاضي كريم الدين، ودرست البخاري مرارا متوالية. وروى عنها كثير من مشاهير العلماء.
ست الكرام
بنت السيد سيف الدين عثمان الرفاعي أخت السيد علي مهذب الدولة والسيد عبد الرحيم ممهد الدولة والسيد عبد السلام أبناء عثمان ﵃ كانت وارثة محمدية ووليد علوية ذات أخلاق هاشمية وطباع مصطفوية، وأطوار فاطمية عدها خالها السيد الكبير سلطان الأولياء مولانا السيد أحمد الرافعي ﵁ في طبقات ذكرها الإمام أحمد بن جلال- قدس -سره - في "جلاء الصدا".
قال عند ذكرها: الست السعيدة الحميدة الشهيرة ذات السيرة الحميدة، والأوصاف السديدة، صاحبة الدرجات العاليات، والمقامات الثابتات، والمكاشفات الصادقة. ولية الله الملك القدير بنت السيد عثمان من أخت السيد أحمد الكبير بست الكرام. نور الله مضجعها وعطر بفضله مهجعها، كانت من أكثر الناس حياء وإيمانا وإيقانا ذات أسرار مخفية وأحوال مرضية تنفق على الفقراء كل ما تجد من الأموال قنعت من الدنيا بالدون وما وجد لها عن خدمة الله سكون، تنفق ما كان لها من الطعام وتبيت طاوية، وكانت بقاء الله تعالى وقدره راضية.
كانت ذات شوق وحنين وحزن وأنين وأرق، ولباسها الصوف الخشن القصير. تطحن حتى يعلو غبار الدقيق على وجهها، وكان خالها يقربها ويدنيها منه وبغرائب الأمور والأسرار يسرها. كانت حافظة للعهود وبذلك كان يصفها ويعرفها لإخوتها ويقول: الحق يميل غليها ويرضى لرضاها ويقول لها: أي كرم وصل الله جناحك به كرمك. نقل أنها في صغرها كانت تصعد أمام خالها كل مرة فرأى ذلك أخوها السيد عبد السلام فنقم عليها فقال له: أما ترضون أم يكون منكم نساء لهن مقام الرجال كانت -قدس الله سرها- تقول علامة القبول والتوفيق المواظبة على الخيرات والمداومة عليها ما دام رمق من الحياة وإن أهل القبول جعلوا الصدق مطيتهم والتضرع إلى الله تعالى ديدنهم ووصلوا بهذه الصفات إلى واهب العطيات. قال الزبير: توفيت سنة ٥٦٠ هـ، ودفنت بمشهد أم عبيدة ببغداد ﵂.
стр. 225
ست الملك بنت العزيز بالله
ت الملك بنت العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله الفاطمي العلوي.
كانت من أحسن نساء زمانها جمالا، وأوفرهن عقلا، وأثبتهن جنانا، وأعلاهن رايان وأشدهن حزما. شاركت أخاها الحاكم بأمر الله في الملك حتى إنه صار يقطع الامور عنم رأيها، وكلما خالفها في أمر تقوم عليه الرعية وينبذون طاعته، وهو يحسب ذلك من أخته ست الملك حتى إنه تغير عليها وأراد قتلها فصار يترقب الفرس وهي توجس منه خيفة إلى أن كثر ظلمه وزاد عسفه فكرهه الناس من سوء فعله ومن شدة كراهتهم له كانوا يكتبون إليه الرقاع فيها سبه وسب أسلافه والدعاء عليه حتى أنهم عملوا من قراطيس صورة امرأة وبيدها رقعة.
فلما رآها ظن أنها تشتكي، فأمر بأخذ الرقة منها وفيها كل لعن وشتيمة قبيحة وذكر حرمه بما يكره فأمر بطلب المرأة فقيل له: إنا من قراطيس فأمر بإحراق مصر ونهبها، ففعلوا ذلك، وقاتل أهلها أشد قتال مدة يومين. وفي اليوم الثالث انضاف إليهم الأتراك والمشارقة فقويت شوكتهم وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه الصفح ويعتذرون إليه فلم يقبل فعادوا إلى التهديد.
فلما رأى قوتهم أمر بالكف عنهم وقد أحرق بعض مصر ونهب بعضها وتتبع المصريون من أخذ نساءهم وأولادهم فابتاعوهم منه، وقد فضحت نساؤهم فازداد غيظهم وحقنفم عليه فظن أن ذلك من أخته ست الملك لأنه بلغه أن الرجال يدخلون عليها، فأرسل يتهددها بالقتل، ولما رأت سوء تصرفه وأنه ربما يطيع هواه فيقتلها أرسلت على قائد كبير من قواد الحاكم يقال له ابن داوس-وكان يخاف الحاكم- فقالت له إني أريد أنألقاك، ثم حضرت عنده وقالت له أنت تعلم ما يعتقده أخي فيك وإنه متى تمكن منك لا يبقي عليك، وأنا كذلك وقد انضاف إلى هذا ما تظاهر به مما يكره المسلمون ولا يصبرون عليه، وأخاف أن يثوروا به، فيهلك هو ونحن معه، وتنقلع هذه الدولة فأجابها إلى ما تريد فقالت إنه يصعد إلى هذا الجبل غدا وليس معه غلام إلا الركاب وصبي وينفرد بنفسه فتقيم رجلين تثق بهما يقتلانه ويقتلان الصبي ونقيم ولده بعده وتكون أنت مدير الدولة وأزيد في إقطاعك مائة ألف دينار، ثم أعطته ألف دينار للرجلين، وانصرفت. فاختار اثنين من ثقاته وأخبرهما بالقصة فمضيا إلى الجبل .
فلما انفرد الحاكم هجما عليه وقتلاه وأخفياه وكان عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر, فملا أيقنت النسا بقتله اجتمعوا إلى أخته ست الملك فأجلست على كرسي الولاية علي بن الحاكم وهو صبي لم يناهز الحلم وبايع له الناس ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله، وأنفذت الكتب إلى البلاد بأن البيعة له وفي الغد ضر ابن داوس بأمر من ست الملك ومعه قواده، فأمرت خادما لها أن يضربه بالسيف فقتله وهو ينادي يا لثأر الحاكم فلم يختلف فيه اثنان وقامت ست الملك تدبر الدولة مدة أربع سنوات وهي تعدل بين الرغبة وتنصف المظلومين حتى أحبها جميع الأهالي وتنموا أن مدتها تدوم وتوفيت سنة ٤١٥ هجرية وقد حزن عليها جميع أهل مصر وتمنوا بقاءها تدبر المملكة حتى يكبر ابن أخيها ولكن لله في حكمه إرادة.
سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية
كانت من النساء العاقلات الحكيمات ذوات الفصاحة والبلاغة وأصالة الرأي حتى إنها قادت أكابر قومها إلى رأيها وتحت طاعتها وركبت على العرب في عساكر جرارة، ولما أقبلت من الجزيرة قاصدة المدينة لمحاربة أبي بكر وادعت النبوة كانت هي ورهطها في أخوالها من تغلب أفناء ربيعة، وجاء معها
стр. 226
الهذيل بن عمران من بين تغلب وكان نصرانيا فترك دينه وتبعها وعقبه بن هلال في النمر، وزياد بن بلال في أياد، والسليل بن قيس في شيبان فأتاهم أمر أعظم منا هم فيه لاختلافهم.
وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر فأرسلت إلى ملك بن نويرة تطلب الموادعة فأجابها، وردها عن غزوها، وحملها على أحياء من بين تميم فأجابته وقالت: أنما امرأة من بني يربوع فإن كان ملكا فهو لكم وهرب منها عطارد بن حاجب وساده من بني مالك وحنظلة إلى بني العنبر وكرهوا ما صنع وكيع، وكان قد أودعها وهرب منها أشباههم من بين يربوع وكرهوا ما صنع مالك بن نويرة واجتمع مالك ووكيع وسجاح فسجعت لهم سجاح وقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. فساروا إليهم فلقيهم ضبة وعبد مناة فقتل بينهم قتلى كثيرة وأسر بعضهم من بعض ثم تصالحوا وقال قيس بن عاصم شعرا أظهر فيه ندمه على تخلفه عن أبي بكر بصدقته، ثم سارت سجاح في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس ابن خزيمة الجهمي في بني عمرو فأسر الهذيل وعقبة، ثم اتفقوا على أن يطلق أسرى سجاح ولا يطأ أرض أوس ومن معه.
ثم خرجت سجاح في الجنود وقصدت اليمامة وقالت: عليكم باليمامة وزقوا زفيف الحمامة فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة.
فقصدت بني حنيفة فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها تغلب ثمامة وشرحبيل بن حسنة والقبائل التي حولهم على هجر وهي اليمامة فأهدى لها، ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها فأمنته فجاءها في أربعين من بني حنيفة فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض ولقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش، وكان مما شرع لهم أن من أصاب ولدا واحدا ذكرا لا يأتي النساء حتى يموت ذلك الولد فيطلب الواحد حتى يصيب ابنا، ثم يمسك.
وقيل: بل تحصن منها فقالت له: انزل، فقال لها: أبعدي أصحابك، ففعلت. وقد ضرب لها قبة وجمرها لتزكو بطيب الريح واجتمع بها. فقالت له: ما أوحى إليك ربك؟ فقال: ألم تري إلى ربك كيف فعل بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى بين صفاق وحشا. قالت: أشهد أنك نبي! قال: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب. فتزوجها بجوابها وأقامت عنده ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها فقالوا لها: ما عندك؟ قالت كان على حق فتبعته وتزوجته قالوا: هل أصدقك شيئا؟ قالت: لا. قالوا: فارجعي فاطلبي الصداق فرجعت.
فلما رآها أغلق باب الحصن، وقال: ما لك؟ قالت: أصدقني. قال: من مؤذنك؟ قالت: شبيب بن ربعي الرياحي فدعاه وقال له: ناد في أصحابك إن مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما جاءكم به محمد صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة فانصرفت ومعها أصحابها منهم عطارد بن حاجب وعمرو بن الأيهم وغيلان بن خرشة وشبيب بن ربعي فقال عطارد بن حاجب:
أمست نبيتنا أنثى نطوف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
وصالحها مسيلمة على غلات اليمامة سنة تأخذ النصف وتترك عنده من يأخذ النصف فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة وخلفت هذيلا وعقبة وزيادا لأخذ النصف الباقي فلم يفاجئهم إلا دنو خالد إليهم فارفضوا، فما زالت سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام المجاعة وجاءت معهم وحسن إسلامهم وإسلامها وانتقلت إلى البصرة وماتت بها، وصلى عليها سمرة بن جندب وهو على البصرة لمعاوية قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولايته البصرة. وقيل: إنها لما قتل مسيلمة سارت إلى أخوالها تغلب بالجزيرة فماتت عندهم ولم يسمع لها بذكر.
стр. 227
سرى خانم
شاعرة تركية مشهورة ولدت في ديار بكر سنة ١٨١٤ ميلادية و١٢٣٠ هجرية أتت بغداد وزارت مدافن الأولياء ورجعت إلى ديار بكر ثم شخصت إلى الأستانة وتوفيت فيها. ولها أشعار شائقة ومنظومات رائقة جميعها باللغة التركية والفارسية أعراضنا عن إيراد شيء منها لأنه ليس من موضوع هذا الكتاب.
سعدى معشوقة مالك بن عقيل العذري .
كانت ذات فصاحة وأدب وجمال وكانت مع هذا الفتى على أعظم رتبة الحب من شدة تعلق كل منهما بصاحبه وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشى به إلى أهلها فحجبوها عنه فتراسلا بالمحبة وبلغه، فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة، ولم يعرف أنها زوجة ذلك الرجل ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكان عند مالك أنفة، فخرج إلى مكة ناقضا للعهد.
فلما بلغ زوجة الرجل وجه الحيلة وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم فخرجت على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به. قال كعب بن مسعدة الغفاري: خرجت أنا ومالك نمشي في القمر إذا بنسوة تقول إحداهن: أي والله هو، ثم قربن منا. فقالت إحداهن: قل لصاحبك:
ليست لياليك في حج بعائدة ... كما عهدت ولا أيام ذي سلم
فقلت قد سمعت فأجب قال قد انقطعت فأجب أنت فقلت ولم يحضرني غيره.
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
وانصرفنا فما استقرينا إلا وجارية تقول: أجب المرأة التي كلمتك، فلما جئت إليها قالت: أنت المجيب. قلت: نعم، قالت: فما أقصر جوابك؟ قلت: لم يحضرني غيره. فقالت: لم يخلق الله أحب إلي من الذي معك. فقلت: علي أن أحضره إليك. فقالت: هيهات. فضمنته الليلة القابلة ورجعت فرأيته في منزلي فأخبرني بالقصة كالمكاشف فقلت له: قد ضمنت لها حضورك الليلة القابلة.
فلما كان الوقت مضينا فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلسا فتعاتبا، فأنشدته أبيات عبد الله بن الدمينة:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشملت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لها غرضا أرمى وأنت سليم
فلو كان قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
فأجابها:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... وفي بعض هذا للحب عزاء
جزيتك ضعف الود ثم حرمتني ... فحبك في قلبي إلي إذاء
فالتفتت إلي وقالت: ألا تسمع؟ فغمزته فكف ثم أنشدت:
تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتي ... فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته ... نصيب ولا أرى وعقل موقر
ولكنما آذنت بالصرم بغتة ... ولست على مثل الذي جئت أقدر
стр. 228
فأجابها:
لقد كنت أنهى النفس عنك لعلها ... إذا وعدت بالنأي عنك تطيب
ثم قبلها وأنشد:
دمعي عليك من الجفون سكوب ... والقلب منك مروع مكروب
لا شيء في الدنيا ألذ من الهوى ... إن لم يخن عهدا لحبيب حبيب
فأجابته:
خلوتم بأنواع السرور وهاكم ... وأقربتموني للصبابة والحزن
وعذبتموني بالصدود وإنني ... لراض بما ترضونه لي من الغبن
ولما أنشد (لقد كنت أنهى النفس) - البيت- قالت له: وكنت تفعل ما فيك خير بعدها وافترقا. فقالت لكعب: ما قلت لك إنك لا تفي بضمانك ولكن إذا كان السحر فاتني. قال كعب: فجئت فإذا بالصياح فسألت جارية عن الخبر فقالت: حين خرجتما جعلت في عنقها أنشوطة وخنقت نفسها، فلحقناها فخلصناها، فجلست ساعة تحادثنا وتفتكر فتقول: إنه لقاسي القلب، ثم شهقت فماتت وبلغ الشاب فلزم قبرها فجاءته في النوم فقالت: هلا كان هذا من قبل، فمات من وقته.
سعدى الأسدية
كانت مهذبة شاعرة فصيحة. علقها فتى من قومها فمنعه أبوه أن يتزوج إلا بأرفع منها وأبى الغلام إلا هي. فلما أيس أبوها زوجها من رجل آخر فاشتد وجد الغلام بها ولقيها يوما، فأنشد:
لعمري يا سعدى لطال تأيمي ... وبغضي شيخاي فيك كلاهما
وتركي للحيين لم أبغ منهما ... سواك ولم يربع هواي عليهما
فأجابته سعدى تقول:
حبيبي لا تعجل لتفهم حجتي ... كفاني ما بي من بلاء ومن جهد
ومن عبرات تعتريني وزفرة ... تكاد لها نفسي تسيل من الوجد
غلبت على نفسي جهارا ولم أطق ... خلافا على أهلي بهزل ولا جد
ولم يمنعوني أن أموت بزعمهم ... غدا خوف هذا العار في جدث وحدي
فلا نفس أن تأتي هناك فتلتمس ... مكاني فتشكو ما تحملت من جهد
فقد أوضحت له أنها هالكة من الغد بعشقه فلما كان الغد جاء فوجدها ميتة فاحتملها إلى شعب بذرى جبل -يقال له: عرفات - ملتزما لها فمات واختفى أمرهما حولا حتى مر شخص من العرب فسمع شخصا على الجبل يقول:
إنا الكريمان ذوا التصافي ... الذاهبان بالوفاء الصافي
والله ما لقيت في تطوافي ... أبعد من غدر ومن إخلاف
=من ميتين في ذرى أعراف فصعد الناس فوجدوهما على تلك الحالة فواروهما.
стр. 229
سفانة ابنة حاتم الطائي
كانت من أجود نساء العرب وأفصحهن مقالا وهي التي كانت سببا لنجاة قومها من الأسر من أيدي المسلمين أمام رسول الله ﷺ وذلك أن عدي بن حاتم كان يعادي النبي ﷺ ، فبعث عليا إلى طيء فهرب عدي بأهله وولده ولحق بالشام وخلف أخته سفانة فأسرتها خيل رسول الله ﷺ .
فلما أتى بها النبي ﷺ قالت: هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني ويقتل الجاني، ويحفظ، الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبا أنا بنت حاتم الطائي فقال النبي ﷺ : (يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق) . وقال فيها: (ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع بين جهال) فأطلقها ومن عليها بقومها، فاستأذنته في الدعاء له فأذن لها، قال لأصحابه: (اسمعوا وعوا) فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببا في ردها عليه، فلما أطلقها رجعت إلى قومها فأتت أخاها عديا وهو بدومة الجندل فقالت له: يا أخي ائت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة، رأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه وإني أرى أن تلحق به فإنه بك نبيا فللسابق فضله وإن بك ملكا فلن تزل في عز اليمن.
فقد عدي إلى النبي ﷺ فأسلم وأسلمت أخته سفانة وكانت على جانب عظيم من الكرم وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس فقال لها أبوها: يا بنية، الكريمان إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت له: منك تعلمت مكارم الأخلاق.
سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
كانت سيدة نساء عصرها ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا، تزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فولدت له قريبا ومات عنها، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبلا لدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فأمره سليمان ابن عبد الملك بطلاقها ففعل. وقيل: في ترتيب أزواجها غير ذلك والطرة السكينية منسوبة إليها.
ولها نوادر وحكايات ظريفة مع الشعراء وغيرهم من ذلك أنها وقفت على عروة بن أذينة وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة فقالت له: أنت القائل:
قالت وأبثثتها سري وبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقي على بصري
قال: نعم، قالت: لم يخرج هذا من قلب سليم وفي كتاب (الأغاني) كان اسم سكينة أميمة. وقيل: أمينة، ولقبتها أمها الرباب بسكينة وفيها وفي أمها يقول الحسين بن علي:
لعمرك إنني لأحب دارا ... تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي ... وليس لعاتب عندي عتاب
وكانت سكينة تحب الهزل واللهو والطرب وهي من الحذق على جانب عظيم.
стр. 230
حكي أنها حضرت مأتما فيه بنت عثمان بن عفان فقالت بنت عثمان: أنا بنت الشهيد فسكتت سكينة حتى إذا أذن المؤذن وقال: أشهد أن محمدا رسولا لله، قالت لها سكينة: هذا أبي أم أبوك فقالت بنت عثمان: لا أفخر عليكم أبدا وكانت تجيء يوم الجمعة إلى المسجد فتقوم بإزاء ابن مطير فإذا شتم عليا شتمته هي وجواريها، فكان يأمر الحارث أن يضرب جواريها. وكانت سكينة عفيفة تجالس الأجلة من قريش وتجمع إليها الشعراء، وكانت ظريفة مزاحة، وكانت من أحسن الناس شعرا، وكانت تصفف جمتها تصفيها لم ير أحسن منه.
وحكي أنها أرسلت مرة إلى صاحب الشرط، إن دخل علينا شامي فابعث إلينا بالشرط، فركب وأتى، وأمرت بفتح الباب وخرجت جارية من جواريها وبيدها برغوث وقالت: هذا الشامي الذي شكوناه، فلما رأى الشرطي ذلك حصل هل الخجل وذهب هو ورجاله يخجله، وكانت قد اتخذت أشعب الطماع مسامرا لها ليمازحها وكانت تدر عليه العطايا وتنشرح لأخباره المضحكة. وقيل: إنها خرجت لها سعلة في أسفل عينها حتى كبرت ثم أخذت وجهها وعظم ما بها وكان دراقيس الطبيب منقطعا إليها وفي خدمتها فقالت له: إلا ترى ما وقعت فيه؟ فقال: أتصبرين على ما يمسك من اللم حتى أعالجك؟ قالت: نعم، فأضجعها وشق جلد وجهها وسلخ اللحم من تحته حتى ظهرت العروق وكان منها شيء تحت الحدقة فرفع الحدقة عنها حتى جعلها ناحية ثم سل عروق السلعة من تحتها وأخرجها ورد العين إلى موضعها وسكينة مضجعة لا تتحرك ولا تئن حتى فرغ وبرئت بعد ذلك وبقي أثر تلك الحزازة في مؤخر عينها.
وقيل: إنه اجتمع في ضيافة سكينة يوما جرير والفرزدق، وكثير عزة، وجميل صاحب بثينة، ونصيب فمكثوا أياما، ثم أذ١نت لهم فدخلوا فقعدت بحيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، ثم خرجت جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال لها: ها أنا ذا قالت: أنت القائل:
هما دلتاني من ثماني قامة ... كما انحط باز أقتم الريش كاسرة
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا ... أحي نرجي أم قتيل نحاذره
فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا ... وأقبلت في أعجاز ليل أبادره
قال: نعم، قالت: فما دعاك إلى إفشاء السر؟ خذ هذه الألف دينار والحق بأهلك، ثم دخلت على مولاتها وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ قال: ها أنا ذا، فقالت: أنت القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام
لو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك وكان غير ذمام
إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام
قال: نعم، قالت: أولا أخذت بيدها وقلت لها ما يقال لمثلها؟ أنت عفيف وفيك ضعف خذ هذه الألف والحق بأهلك. ثم دخلت على مولاتها وخرجت وقالت: أيكم كثير؟ قال: أنا: قالت: أنت القائل:
وأعجبني يا عز منك خلائق ... كرام إذا عد الخلائق أربع
دنوك حتى يدفع الجاهل الصبا ... ودفعك أسباب المنى حين يطمع
وإنك لا تدرين صبا مطلته ... أيشتد إن لاقاك أو يتضرع
стр. 231
وإنك إن واصلت عملت بالذي ... لديك فلم يوجد لك الدهر مطمع
قال: نعم، قالت: قد ملحت وشكلت خذ هذه الألف دينار واذهب لأهلك، ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم نصيب؟ قال: أنا، قالت: أنت القائل:
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار
بنفسي كل مهضوم حشاها ... إذا ظلمت فليس لها انتصار
قال: نعم، قالت: ربيتنا صغارا ومدحتنا كبارا خذ هذه الألف دينا والحق بأهلك. ثم دخلت وخرجت فقالت لجميل: مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: مازلت مشتاقة لرؤيتك منذ سمعت قولك:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذا لسعيد
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد
فجعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء خذ هذه الألف دينا والحق بأهلك.
ورويت، وكان عمرو بن عثمان لما تزوج نحو هذه ظهرت بها حذاقتها وانتقادها على أفحل الشعراء، وكان عمرو بن عثمان لما تزوج بها عتب عليها يوما وخرج إلى مال له فقالت لأشعب: إن ابن عثمان خرج عاتبا علي فاعلم لي حاله. فقال لها: لا أستطيع أن أذهب الساعة فقالت: أنا أعطيك ثلاثين دينارا قال أشعب: فأتيته ليلا فدخلت الدار، فقال: انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا: أشعب، فنزل عن فرشه إلى الأرض. فقال: أشيعب؟ قلت: نعم، قال: ما جاء بك؟ قلت: أرسلتني سكينة لأعلم خبرك أتذكرت منها ما تذكرت منك، وأنا أعلم أنك قد فعلت حين نزلت عن فرشك إلى الأرض. قال دعني من هذا وغنني:
عوجا به فاستنطقاه فقد ... ذكرني ما كنت لم أذكر
قال: فغنيته، فلم يطرب ثم قال: ويحك غير هذا فإن أصبت ما في نفسي فلك حلتي هذه وقد اشتريتها آنفا بثلثمائة دينار فغنيته:
علق القلب بعض ما قد شجاه ... من حبيب أمسى هوانا هواه
ما ضراري نفسي بهجران من لي ... س مسيئا ولا بعيدا نواه
واجتنابي بيت الحبيب وما الخل ... د بأشهى إلي من أن أراه
قال: ما عدوت ما في نفسي، خذا الحلة، قال: فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصيت عليها القصة فقالت: وأين الحلة؟ قلت: معي. فقالت: وأنت الآن تريد أن تلبسها؟ لا والله ولا كرامة، فقلت: قد أعطانيها فأي شيء تريدين مني؟ فقالت: أن أشتريها منك فبعتها إياها بثلثمائة دينار.
وقال بعضهم: كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة وآلى يمينا أن لا يغني ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي، ثم خرج فأتى المدينة ونزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة فأقام في المدينة حولا ثم أراد الشخوص إلى مكة، وبلغ ذلك سكينة فاغتمت لذلك غما شديدا وضاق به ذرعها وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره. فقات لأشعب: ويلك إن ابن سريج شاخص وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع من غنائه قليلا ولا كثيرا ويعز علي ذلك فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتا واحدا؟ فقال لها أشعب: جعلت فداك وأنى لك بذلك، والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه فارفعي طمعك وامسحي بوزك تنفعك حلاوة فمك، فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه وخنقته حتى كادت نفسه أن تتلف
стр. 232
ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا، فخرج على أسوأ الحالات واغتم أشعب غما شديدا، وندم على ممازحتها في وقت لا ينبغي له ذلك، فأتى منزل ابن سريج ليلا فرقه. فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائلا من أنفه وجبهته على لحيته وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق، ومات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه فقال له: ما هذا، ويحك؟ فقص القصة عليه. فقال ابن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا نزل بك والحمد لله الذي سلم نفسك لا تعودن إلى هذه أبدا.
قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولابد لي منها، ولكن هل لك حيلة في أن تسير إليها وتغنيها فيكون ذلك سببا لرضاها عني؟ قال ابن سريج: كلا والله لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته. قال أشعب: قد قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد، وهي ساخطة علي، فالله الله في وأنا أنشدك الله ألا تحملت هذا الإثم في. فأبى عليه. فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع قال في نفسه: لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة، فتحت آذان أهل المدينة لها ونبه الجيران من رقادهم وأقام النسا من فرشهم، ثم سكت فلم يدر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن راعهم. فقال له ابن سريج: ويلط ما هذا؟ قال: لئن لم تسر معي إليه الأصرخن صرخة أخرى لا يبقى أحد بالمدينة إلا صار بالباب، ثم لأفتحنه ولرينهم ما بي ولأعلمنهم انك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلاما كان ابن سريج مشهورا به - فمنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى ففعلت بي هذا غيظا وتأسفا وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه فقال ابن سريج: أعزب - أخزاك الله.
قال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو وإلا فما أملك صدقة وامرأتي طالق ثلاثا، وهو يخير في مقام إبراهيم والكعبة وبيت النار والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلن ما قلت لك. فما أرى ابن سريج الجد منه قال لصاحبه: ويحك، أما ترى ما وقعنا فيه! وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا. فقال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث؟ وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل. فقال: رجلي على رجلك فخرجا.
فلما صار في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب: امض عني. قال: والله لئن لم تفعل ما قلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس ولأقولن إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة على أن تجيئها لتغنيها سرا وإنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل، فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه فقال: امض لا بارك الله فيك، فمضى معه، فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج ففتح الباب لهما ودخل إلى حجرة خارجة عن دار سكينة فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء، قال: قد علمت بأبي أنت ما كان مني قالت: أجل، فتحدثا ساعة وقص عليها ما صنع به أشعب فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه وأمرت لأشعب بعشرين دينارا وكسوة، ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت؟ قالت: وأين، قال: إلى المنزل. قالت: برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثا، وبرئت من جدي إن أنت لم تغن إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحدا. فقال عبيد: واسخنة عيناه، واذهاب ديناه وافضيحتاه، ثم اندفع يغني:
أسعتين الذي بكفيه نفعي ... ورجائي على التي قتلتني
стр. 233
ولقد كنت قد عرفت وأبصر ... ت أمورا لو أنها نفعتني
قلت إن أهوى شفا ما ألاقي ... في خطوب تتابعت فدحتني
فقال سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر، ثم أخرجت دملجا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا فرت به إليه ثم قالت: أقسمت عليك إلا ما أدخلته في يدك ففعل ذلك ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزة الميلاء فأقرئها مني السلام وأعلمها أن عبيدا عندنا فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب فأعلمها فأسرعت المجيء فتحدثوا باقي ليلتهم، ثم أمرت عبيدا وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها، فلما أصبحت هيئ لهم غداؤهم وأذنت لابن سريج فدخل فتغدى قريبا منها مع أشعب ومواليها وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزان رأيت أن تغنينا فافعلي فقالت: أي وعيشك فتغنت لحنها في شعر عنترة العبسي:
حيي من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
فقال ابن سريج: أحسنت والله يا عزة وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته لها وقالت: صيري هذا في يدك ففعلت. ثم قالت لعبيد: هات غننا. فقال: حسبك ما سمعت البارجة. فقالت: لابد أن تغنينا في كل يوم لحنا، فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع مما تسأله غنى:
قالت من أنت ذكر فقلت لها ... أنا الذي ساقه للحين مقدار
قدحان منك فلا تبعد بك الدار ... بين وفي البين للمبتول إضرار
ثم قالت لعزة في اليوم الثاني غني فغنت لحنها في شعر الحارث بن خالد:
وقرت بها عيني وقد كنت قبلها ... كثير البكاء مشفقا من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعة ... تظل النصارى حوله يوم عيدها
قال ابن سريج: والله ما سمعت مثل هذا قط حسنا ولا طيبا ثم قالت لابن سريج: هات، فاندفع يغني:
أرقت فلم أنم طربا ... وربت مسهدا نصبا
لطيف أحب خلق الله ... إنسانا وإن غضبا
فلم أردد مقالتها ... ولم أك عاتبا عتبا
ولكن صرمت حبلي ... فأمسى الحبل منقضبا
فقالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك ولم نردك وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام فاذهب في حفظ الله وكلاءته، ثم قالت لعزة: إن شئت أقمت أو انصرفت ودعت لها بحلة، ولابن سريج بمثلها، وانصرفت وأقام عبيد حتى انقضت ليلته وانصرف فمضى من وجهه إلى مكة راجعا.
واجتمع يوما نسوة عند سكينة بنت الحسين ﵉ وهن بالمدينة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه وتشوقن إليه وتمنينه فقالت سكينة: أتا آتي لكن به فبعثت إليه رسولا وهو يومئذ بمكة ووعدته أن يأتيها في الصورين في ليلة سمتها له فوافاها على رواحله ومعه الغريض فحدثهن حتى وافى الفجر وحان انصرافهن فقال لهن: إني والله مشتاق إلى زيارة قبر النبي ﷺ والصلاة في مسجده ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة وقال:
стр. 234
ألمم بزينب إن البين قد أفدا ... قل الثواء لئن كان الرحيل غدا
قد خلفت ليلة الصورين جاهدة ... وما على الحر إلا الصبر مجتهدا
لعمرك ما أراني إن نوى برحت ... وهكذا الحب إلا ميتا كمدا
قال: وانصرف عمر والغريض معه فلما كان بمكة قال عمر: يا غريض، إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه لك ذكره، فهل لك فيه؟ قال: افعل من ذلك ما شئت، وما أنت أهله. قال: إني قد قلت في هذه الليلة التي كنا فيها شعرا فامض به إلى النسوة فأنشدهن ذلك وأخبرهن أني وجهت بك فيه قاصدا.
قال: نعم، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد سكينة وقال لها: جعلت فداك يا سيدتي ومولاتي إن أبا خطاب - أبقاه الله - وجهني إليك قاصدا قالت: أوليس في خير وسور تركته. قال: نعم، قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب - حفظه الله -؟ قال: جعلت فداك إن ابن أبي ربيعة حملني شعرا وأمرني أن أنشدك إياه. قالت: فهاته فأنشدها الشعر بتمامه قالت: فيا ويحه فما كان عليه أن لا يرجل في عدة فوجهت إلى النسوة فجمعتهن وأنشدتهن الشعر وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئا. قال: قد غنيته ابن أبي ربيعة قالت: فهاته فغناه الغريض فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة لولا أنك سبقت فغنيته عمر قبلنا لأحسنا جائزتك يا بنانة أعطه بكل بيت ألف درهم فأخرجت إليه بنانة أربعة آلاف فدفعتها إليه.
وقالت له سكينة: لو زادنا عمر لزدتك، وكانت وفاة السيدة سكينة بمكة في ربيع الأول سنة ١٢٦ هجري. وقيل: سنة ١١٧ هجري بالمدينة وهو الأرجح.
سلمى الملقبة ب"قرة العين "
كانت فتية بارعة الجمال، متوقدة الجنان، فاضلة عالمة. أبوها أحد المجتهدين في العجم، وكانت متزوجة بمجتهد آخر طلقت نفسها من زوجها على خلاف حكم شريعة الإسلام وأمت بالسيد علي محمد تلميذ الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي الذي مزج التصوف والفلسفة بالشريعة، وتسمى السيد علي - المذكور - بالبابي وطريقته تسمت به وكانت فرة العين تكاتبه ويكاتبها فكان يخاطبها في مكاتباته ب (قرة العين) فلقبت بذلك وكانت تناظر العلماء والفضلاء مكشوفة الوجه بدون حجاب.
ثم لما وقعت المحاربة بين البابين وعساكر الدولة في مازندران جيشت جيشا وقادته مكشوفة الوجه وسارت أمامه إعانتهم، وفي أثناء الطريق قامت في الناس خطيبة وقالت: "أين أحكام الشريعة الأولى - أعني المحمدية - قد نسخت وإن أحكام الشريعة الثانية لم تصل إليها فنحن الآن في زمن لا تكليف فيه بشيء".
فوقع الهرج والمرج، وفعل كل من الناس ما كان يشتهيه من القبائح، ثم قبض عليها ولبست البرقع جبرا، وحكم عليها بأن تحرق حية، ولكن الجلاد خنقها قبل أن تشتعل النار بالحطب الذي أعد لإحراقها.
سلمى امرأة عروة بن الورد
هي امرأة من بني كنانة، وتكنى أم وهب، وكان عروة بن الورد قد أغار عليهم فأصابها منهم وكانت بكرا فأعتقها واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضعة عشرة سنة، وولدت له ولدا وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه وهي تقول له: لو حججت بي أمر على أهلي وأراهم، فحج بها فأتى إلى مكة ثم أتى إلى المدينة وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير وكان قومها يخالطون بني النصير فأتوهم وهو عندهم فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي
стр. 235
قبل أن يخرج الشهر الحرام فتعالوا إليه وأخبروه أنكم لا تحبون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب مسبية، وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحد. فأتوه فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة وإنه عار علينا أن تكون مسبية فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك.
فقال لهم: ذلك لكم، ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختارتكم انطلقتم بها قالوا: ذلك لك. قال: دعوني ألهو بها الليلة وأفاديها غدا.
فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها. فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر فلم يقدر على الامتناع وفاداها.
فلما فادوه بها خيروها فاختارت قومها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة، إما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغض طرفا وأقل فحشا، وأجود يدا وأحمى لحقيقة، والله إنك ما علمت لضحوك وقور، كسوب مدبر، خفيف على متن الفراش، ثقيل على ظهر العدو، طويل العماد، كثير الرماد، راضي الأهل والأجانب، وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك لأني لم أكن أشأ أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبدا فأرجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم. ثم فارقته، فقال عروة في ذلك:
أرقت وصحبتي بمضيق عيق ... لبرق من تهامة مستطير
سقى سلمى وأين ديار سلمى ... إذا كانت مجاورة السدير
إذا حلت بأرض بني علي ... وأهلي بين زامرة وكير
ذكرت منازلا من أم وهب ... محل الحي أسفل من نقير
وأحدث معهدا من أم وهب ... معرسنا بدار بني النضير
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو ... إلى الصباح أثرة ذي أثير
بآنسة الحديث رضاب فيها ... بعيد النوم كالعنب العصير
فتزوجها رجل من بني عمها فقال لها يوما من الأيام: يا سلمى، اثني علي كما أثنيت على عروة وكان قولها فيه اشتهر فقالت له: لا تكلفني ذلك. فإن قلت الحق أغضبتك وإلا واللات والعزى لا أكذب فقال: عزمت عليك لتأتين في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين.
وخرج فجلس في ندي القوم وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم فوقفت عليهم وقالت: انعموا صباحا إن هذا عزم علي أن أثني عليه بما أعلم، ثم أقبلت عليه فقالت: والله إن شملتك لالتحاف، وإن شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجار، ثم انصرفت عنه فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.
سلامة القس
هي جارية كانت لسهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فاشتراها يزيد بن عبد الملك بثلاثة آلاف دينار فأعجب بها وغلبت على أمره.
وسبب ما قيل لها: سلامة القس أن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة أحد بني جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابدا مجتهدا في العبادة، وكان يسمى القس لعبادته، مر يوما بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف يسمعه فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر وتسمع؟ فأبى، فقال له: أنا أقعدك بمكان لا تراها وتسمع غناءها، فدخل معه
стр. 236
فغنته فأعجبه غناؤها، ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها هي أيضا، وكان شابا جميلا وكثر تردده على منزل مولاها.
فقالت له يوما على خلوة أنا والله أحبك قال: وأنا والله أحبك. قالت: أحب أن أقبلك قال وأنا والله كذلك. قالت: أحب أن أضع بطني على بطن. قال: وأنا والله. قالت: فما يمنعك؟ قال: قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (الزخرف: ٦٧) وأنا أكره أن تؤل خلتنا إلى عداوة، ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته وله فيها أشعار منها:
ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طربت في صوتها كيف تصنع
تمد نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل من صوتها يترجع
وله فيها: ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر=وهل أنت يوما عن سلامة مقصر
ألا ليت أني حيث سارت بها النوى ... جليس لسلمى كلما عج مزهر
إذا أخذت في الصوت كاد جليسها ... يطير إليها قلبه حين ينظر
فلذلك قيل لها سلامة القس.
وكانت أخذت الغناء عن معبد وتعلمت منه جملة أصوات وكان يريدها ويقدمها على غيرها من مولدات المدينة، ولذلك لما مات عظم موته عندها فجاءت في مشهده، وصارت تفرق الناس حتى قربت من النعش وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وقد أخذت بعمود السرير وهي تبكي وتقول:
قد لعمري بت ليلى ... كأخي الداء الوجيع
ونجي الهم مني ... بات أدنى من ضجيعي
كلما أبصرت ربعا ... خاليا فاضت دموعي
قد خلا من سيد كا ... ن لنا غير مضيع
لا تلمنا إن خشينا أو هممنا بخشوع
وكان يزيد أمر معبدا أن يعلمها هذا الصوت فعلمها إياه فندبته به يومئذ وكانت لها مناظرات ومحاورات ومجالس أنس مع حبابة، ويزيد لم يسبق لأمثالهم من الخلفاء والملوك ولم يصل أحد إلى ما وصلوا إليه.
سميراميس ملكة أشور
كانت أجمل أقرانها وأشجع أهل زمانها. وليت العرش بعد زوجها فينوس فكان من همها تحسين مدينة بابل، فشادت بها الهياكل العظيمة، وأنشأت القصور المزخرفة، وغرست الرياض والبساتين، واحتفرت الترع والخلجان، ومدت عليها المعابر والقناطر، وبنت في ساحة المدينة هيكل بور إله الأشوريين، وأقامت فيه تمثالا ذهبيا طوله ٤٠ قدما، وكان هذا الهيكل أعظم بناء قام به البشر بلغ ارتفاعه ٦٦٠ قدما أعلى من الهرم المصري الأكبر، قال عنه هيرودوتوس المؤرخ: إنه مربع الشكل مساحته ٤٠٠ ذراع في وسطه برج يرتفع نحو ٦٠٠ قدم ويعلوه سبعة أبراج علو كل منها ٧٥ قدما، وفي البرج الخير مسجد فيه تمثال من ذهب وبقربه مائدة ومنصة ذهبيتان ثمنهما نحو ٢٥٥ مليونا، وفي فناء هذا المسجد مذبحان أحدهما ذهبي يوقد عليه في كل عيد ٣٠٠٠ أقة بخور.
وبالجملة فإن هذه الملكة هي التي أحيت لبابل رونقها المذكور، وبهاءها المأثور، وهي التي أولتها تلك العظمة والشهرة بيد أنها لم تكتف بما اكسبها سعيها هذا
стр. 237
من الفخر، بل جمحت نفسها إلى الغارة فأثارتها شعواء على مصر، فالحبشة، ففلسطين، فالهند، فانتصرت في جميع غزواتها إلا الهند فإن أفيالها قد ألقت الرعب في قلوب العسكر ولم تطل حياتها.
ولما بلغها خبر أفيل ملك الهند ارتابت وخافت من انتصار الهنود عليها وإذ لم يكن عندها قوة تضاهيها اجتهدت أن تدفع عنها هذه البلية بطريقة احتيالية فأمرت قواد العسكر بذبح ثلاثة آلاف بقرة من ذوات اللون الأسمر، وأن يسلخوها ويفصلوا جلودها على هيئة الأفيال، ويلبسوها للجمال، فامتثلوا ما أمرت وفعلوا ما ذكرت وعلى هذه الصورة أنزلتها إلى ميدان الحرب لتلقي الرعب في قلوب الأعداء بإظهارها لهم استعداداتها الحربية، وشوكتها القوية.
فلما انتشب القتال بين الفريقين انعطف ملك الهند الحقيقية على عساكر الأشوريين، وتقدمت الملكة سميراميس بجمالها وفرسانها وجلود ثيرانها، ولما اقترن العسكران والتقى الجيشان انكشفت للهنود تلك الحيلة وتحقق عندهم انه لا يوجد عند العداء أفيال كافيا لهم، وإن ما يرى إنما هي حيلة وخداع فتشجعوا وهجموا على صفوف الأشوريين هجمة هائلة فالتقتهم الملكة سميراميس برجالها وأبطالها فاشتد القتال وعظمت الأهوال، ودخلت أفيال الهنود بين صفوف الأشوريين فكانت تخطف الرجال عن خيولها وتدوسها، فما لبثت الجمال المصطنعة أن ولت الأدبار وطلبت النجاة والفرار، ولم تكن إلا برهة يسيرة حتى انكسر جيش الأشوريين وانتصرت الهنود انتصارا عظيما وكسبت غنائم جسيمة.
وكانت الملكة سميراميس قد انجرحت جرحا بليغا، ولكنها فازت بالهزيمة بسبب خفة فرسها ورجعت إلى بلادها مدحورة صاغرة.
ومن ذلك الحين زهدت في متاع الدنيا ومالت إلى الخمول فقتلها بعد يسير ابنها تيناس وذلك سنة ٢٠٠٠ قبل الميلاد فأنزلها الأشوريين منزلة الإله، وأقاموا لها صورا منقوشة بهيئة حمامة زعما منهم أنها نقلت عقب موتها بجسم حمامة وهي في كل حال فخر نساء العصر القديم ونور مشكاته.
سمية أم عمار بن ياسر
هي سمية بنت خباط كانت أمة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي وكان ياسر حليفا لأبي حذيفة فزوجه سمية فولدت له عمار، فأعتقه أبو حذيفة. وكانت من السابقين إلى الإسلام. قيل: كانت سابع سبعة في الإسلام وكانت ممن يعذب في الله أشد العذاب.
قال احد رجال آل عمار بن ياسر عن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم على الإسلام وهي تأبى غيره حتى قتلوها وكان رسول الله ﷺ مر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: "صبرا آل ياسر موعدكم الجنة".
وروي أن أبا جهل ضربها في قلبها بحربة في يده فقتلها فهي أول شهيد في الإسلام. قال مجاهد: أول من اظهر الإسلام بمكة سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وبلال، وضباب، وصهيب، وعمار وسمية.
فأما رسول الله ﷺ وأبو بكر فمنعهما قومهما وأما الآخرون فألبسوا أدراع الحديد، ثم صهروا في الشمس وجاء أبو جهل إلى سمية فطعنها بحربة فقتلها.
سودة بنت زمعة
ابن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية العامرية، وأمها الشموس بنت يس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية.
وسودة هي
стр. 238
زوجة النبي ﷺ . تزوجها ﷺ بمكة بعد وفاة خديجة قبل عائشة، وكانت قبله تحت ابن عمها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان مسلما فتوفي عنها فتزوجها رسول الله ﷺ ولم تصب منه ولدا إلى أن مات.
وعن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت له: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) (النساء: ١٢٨) فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وروي عن سودة بنت زمعة قالت: جاء رجل إلى رسولا لله ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يحج. قال: (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه فبل منك) قال: نعم، قال: (فالله أرحم حج عن أبيك) . وتوفيت سودة آخر خلافة عمر.
سودة ابنة عمار بن الأشتر الهمدانية
كانت أديبة عاقلة شاعرة وفدت على معاوية بن أبي سفيان، فاستأذنت عليه، فأذن لها فلما دخلت عليه سلمت فقال لها: كيف أنت يا بنت الأشتر قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال لها: أنت القائلة لأخيك:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر عليا والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخ النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان
فقد الجيوش وسر أمام لوائه ... قدما بأبيض صارم وسنان
فقالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك تذكار ما قد نسي قال: هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان ولكن كما قالت الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وبالله أسأل أميرا لمؤمنين إعفائي مما استعفيته قال: قد فعلت. فقولي حاجتك قالت: إنك للناس سيد ولأمورهم مقلد، واله سائلك عما افترض عليك من حقنا ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك فيحصدنا حصاد السنبل، ويسومنا الخسف ويسألنا الجليلة هذا ابن أرطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته فشكرناك وغما فعرفناك فقال معاوية: إياي تهددين بقومك والله لقد هممت أن أردك إليه على قتب أشرس فينفذ حكمه فيك فسكتت، ثم قالت:
صلى الإله على روح تضمنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به ثمنا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذلك قالت: علي بن أبي طالب - رحمه الله تعالى - قال: ما أرى عليك منه أثر قالت: بلى أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين فوجدته قائما يصلي فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته خبرا لرجل، فبكى ثم رفع يده إلى السماء فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا ترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد من جراب فكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: (قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير
стр. 239
خير لكم إن كنتم مؤمنين) (الأعراف: ٨٥) ، (وما أنا عليكم بحفيظ) (الأنعام: ١٠٤) ، إذا أتاك كتابي فاحتفظ بما في يديك حتى ياتي من يقبضه منك والسلام فعزله، فقال معاوية: اكتبوا لا بالإنصاف لها والعدل عليها فقالت: لي خاصة أم لقومي عامة؟ قال وما أنت وغيرك قالت: هي والله الفحشاء واللؤم إن كان عدلا شاملا وإلا يسعني ما يسع قومي قال لها: جرأكم ابن أبي طالب وغركم قالوه:
فلو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام
وقوله:
ناديت همدان والأبواب مغلقة ... ومثل همدان سني فتحة الباب
كالهند وإن لم يلفل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب
اكتبوا لها بحاجتها فكتبوا لها وانصرفت.
سوسن زوجة بواكيم ملكة بني إسرائيل
من سبط يهوذا وقد ذكرت هذه القصة في التوراة بما في سفر دانيال ﵇ إنه لما كان فيا لسنة الثالثة من ملك بواكيم قد بختنصر ملك بابل إلى أورشليم وسلمها الله .
ثم نزل في بيت المقدس، ولما استقرت آراؤهم على الشريعة الناموسية الموسورية حكم شخصين قاضيين عرفا بالعبادة والزهد في بني إسرائي، فكانا يحكمان في الشعب ويأويان إلى بيت بواكيم الملك وكانت سوسن في أرفع رتبة من الجمال والحسن وبهجة المنظر والصلاح لأن والديها كان صديقين في بني إسرائيل.
وكانت في كل يوم تنزل إلى بستانها للنزهة، فرآها القاضيان فوقعت منهما، فاشتغلا بها عن النظر في الحكومات وكتم كل عن الآخر حتى إذا كان منتصف النهار من يوم شديد الحر قال كل منهما لصاحبه: قد اشتد الحر فليذهب كل منا فيستريح وخرجا مضمري العود رجاء الظفر بالجارية.
فلما التقيا فحص كل عن عود الآخر فأظهرا ما عندهما من حبها واتفقا عليها، وإنها دخلت مع جاريتين البستان فعزمت على الحموم وقد استخفيا، فأرسلت الجاريتين لتأتياها بما يلزم لها فظهر القاضيان وأغلقا الأبواب وقالا لها: لئن لم تجيبينا وإلا قلنا: إنا وجدنا معك شابا.
ومن أجل ذلك أرسلت الجاريتين وأنت تعلمين مكانتنا من بين إسرائيل قالت سوسن: والله لا أغضب ربي أبدا وصرخت فصرخ القاضيان ومضى أحدهما، ففتح الباب، وجاء العبيد فأخبراهم بالقصة فبقوا مبهوتين لأنهم لا يعلمون عليها سوءا.
ثم أتى بواكيم فأعلموه بالأمر وأنهما لم يقدرا على مسك الشاب فجمع الشعب وتقدم الشيخان فكشفا عن سوسن وقالا: نشهد على هذه أنها دخلت البستان ومعها جاريتان فأرسلتهما وأغلقت الأبواب، فجاء حدث من وراء شجرة، فضاجعها، فحين رأينا المعصية صحنا فانفلت الشاب فبكت سوسن ورفعت طرفها إلى السماء وقالت: يا الله يا دائم يا عالم الخفيات أنت تعلم أنهما كذبا علي.
ثم أقاماها للقتل وكان دانيال ﵇ شابا عمره ثلاث عشرة سنة فجاء وصاح عليهم أن قفوا فإنها بريئة بما رميت به، ثم أمر بالتفريق بينهما فقال لأحدهما: من أي شجرة جاء الحدث؟ فقال: من تحت شجرة بطم. فقال: كذبت وهذا ملاك الله شاهد عليك بالكذب، ثم أخره وقدم الآخر وقال له: من تحت أي شجرة جاء الحدث؟ فقال: من تحت شجرت زيت. فقال: كذبت، وأقامهما فنشرا ونزلت نار فأحرقتهما. تأمل. وحفظ الله الدم الزكي وعظم أمر دانيال ﵇.
стр. 240
حرف الشين
شجرة الدر
هي الملكة عصمت الدين أم خليل شجرة الدر محظية السلطان الصالح نجم الدين أبي الفتوح أيوب وأم ولده السلطان خليل.
كان امرأة عاقلة مهذبة خبيرة بالأمور، وكان يرجع إليها بالرأي الملك الصالح أيوب ويستشيرها في مهمات الأمور.
ومن أمرها أنه لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب بناحية المنصورة في قتال الفرنج قامت بالأمر وكتمت موته واستدعت ابنه (توران شاه) من حصن (كيفا) وسلكت إليه مقاليد الأمور، وتسلطن بقلعة دمشق في رمضان سنة ٦٤٧ هجرية وقدم إلى الصالحية وأعلن يومئذ بموت الصالح ولم يكن أحد قبل ذلك يتفوه بموته بل كانت الأمور على حالها والخدمة تعمل بالدهليز والسماط وشجرة الدر تدبر أمور الدولة وتوهم الكافة أن السلطان مريض ما لأحد إليه وصول.
ثم أساء السلطان (توران شاه) تدبير نفسه فتقله البحرية بعد سبعين يوما من ولايته وبموته انقضت دولة بني أيوب من مصر، ثم اجتمع المماليك البحرية على أن يقيموا بعده في السلطنة محظية أستاذهم شجرة الدر فأقاموها وحلفوا لها في عاشر صفر ورتبوا عز الدين أيبك التركماني مقدم العسكر فسار إلى قلعة الجبل، وأنهى ذلك إلى شجرة الدر، فقامت بتدبير المملكة، وعملت على التوقيع بما مثاله والدة خليل، ونقش على السكة اسمها ومثاله المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين وخلعت على المماليك البحرية، وأنفقت فيهم الأموال ولم يوافق أهل الشام على سلطنتها وطلبوا الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب، فسار إلى دمشق وملكها فانزعج العسكر بالقاهرة وتزوج الأمير عز الدين أيبك التركماني بشجرة الدر، ونزلت له عن السلطنة وكانت مدتها ثمانين يوما، ومن مآثرها الجامع الذي بنته بخط الخليفة بمصر بقرب مشهد السيدة سكينة بنت الحسين ﵄ ودفنت فيه حين موتها وهو مقام الشعائر لغاية الآن ولها جملة مآثر ومبان خيرية بمصر وخلافها من البلاد التي تملكت عليها.
شعانين زوجة المتوكل الخليفة العباسي
كانت ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، ولطف وظرف، واعتدال قد، واحورار طرف. مجيدة لضروب الغناء وفتونه، عالمة بأساليب الغرام وفتونه.
قيل: إن سبب ائتلاف المتوكل بها أنه خرج يوما للنزهة في ضواحي الشام فبينما هو يتصفح الكنائس والرياض ويرى ما فيها من العجائب وحسن ثياب النصارى إذ أقبل راهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر حتى أقبلت جارية لم ير أحسن منها وبيدها مجمرة بخور فسأله عنها فقال: هي ابنتي. وما اسمها؟ قال: شعانين. فقال لها المتوكل: يا شعانين، اسقني ماء. فقالت: يا سيدي، ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك، ولو كانت حياتي ترويك لجدت لك بها، وأسرعت بكوز فضة. فأومأ إلى أحد ندمائه أن اشربه، فشربه، ثم قال لها: إن هويتك تساعديني؟ فقالت له: أنا الآن أمتك وأما إذا أصدق الحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر حبا ... ثم لما ملكت صرت عدوا
стр. 241
أين ذاك السرور عند التلاقي ... صار مني تجنبا ونبوا
فطرب حتى كاد أن يشق ثوبه ثم قال لها: هبي لي اليوم نفسك فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس وجاء الراهب بخمر من أحسن الموجود وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما (أخد) منه الشراب أحضر آلة وغنت:
يا خاطبا مني المودة مرحبا ... روحي فداؤك لا عدمتك خاطبا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني ... واعدل بكأسك عن جليسك إذا أبى
قد والذي رفع السماء ملكتني ... وتركت قلبي في هواك معذبا
فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها فكانت من أحظى النساء عنده.
شعوانة ﵂
كانت لا تفتر عن البكاء فقيل لها في ذلك قالت: (والله لوددت أن أبكي حتى تنقطع دموعي، ثم أبكي دما حتى لا يبقى جارحة من جسمي فيها دم) . وكانت تقول: (من لم يستطع البكاء فليرحم فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بنفسه وما جنى عليها وما هو صائر إليه) ، وكانت تبكي وتقول: (إلهي إنك لتعلم أن العطشان من حبك لا يروى أبدا) .
وكانت التي تخدمها تقول من منذ ما وقع علي نظر شعوانة ما ملت قط إلى الدنيا ببركتها ولا استصغرت في عيني أحدا من المسلمين وكان الفضل بن العباس ﵄ يأتيها ويتردد إليها ويسألها الدعاء.
الشلبية الأندلسية
اسم غلب على المترجمة نسبة إلى بلدها بالندلس كانت أديبة فاضلة شاعرة ناثرة واشتهر صيتها بالأندلس ونواحيها حتى إنها كانت تجالس الملوك وتناظر الشعراء، ولها جملة قصائد ومقطعات ولم يجمع شعرها بديوان حتى يظهر للعيان. ومن شعرها ما كتبت به إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلادها وصاحب خراجها، فقالت:
قد آن أن تبكي العيون الآبية ... ولقد أرى أن الحجارة باكية
يا قاصد المصر الذي يرجى به ... إن قدر الرحمن رفع كراهية
ناد الأمير إذا وقفت ببابه ... يا راعيا إن الرعية فانية
أرسلتها هملا ولا مرعى لها ... وتركتها نهب السباع العادية
شلب كلا شلب وكانت جنة ... فأعادها الطاغون نارا حامية
عاثوا وما خافوا عقوبة ربهم ... والله لا تخفى عليه خافية
شهدة ابنة أبي نصر أحمد بن أبي الفرج الإبري الدينورية البغدادية
كانت من العلماء الأكابر المحدثات الصادقات بالرواية تعلمت الخط الجيد وأخذت العلم عن كثير من العلماء
стр. 242
وأجازوها إجازة لم تسبق لغيرها وأخذ عنها كثيرون، وكان لها النفس العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر وممن سمعت عنهم أبو الخطاب الطبراني وفخر الإسلام الشاشاني وغيرهما من أفاضل العلماء وألفت جملة رسائل في الحديث والفقه والتوحيد ومآثرها كثيرة في أصناف العلوم وكانت وفاتها ببغداد سنة ٥٧٤ هجرية.
شوكار قاضن
هي معتوقة المرحوم عثمان (كتخدا القازد غلي) وزوجة المرحوم إبراهيم (كتخدا القازد غلي) كانت تقية صالحة من بنات الجركس، المتأدبات المطيعات لأزواجهن الصادقات في خدمتهن ولها مآثر عظيمة وإدرارات جسيمة كريمة محسنة على الفقراء والمساكين، قاضية لحوائج المحتاجين.
فمن مآثرها السبيل الذي بنته بقرافة مصر الصغرى إغاثة للناس وقت المواسم ووقفت له أوقافا يصرف من ريعها عليه وهو منقوش من أعلاه برقم سنة ١١٧٠ هجرية، وهذا السبيل عامر إلى الآن ويملأ سنويا من ماء النيل على طرف ديوان الأوقاف المصرية. وفي حجة وقفيته المؤرخة سنة ١١٨٥ هجرية أن الست (شوكار) - المذكورة - وقفت جميع المكان بخط الأزبكية بدرب شيخ الإسلام بن عبد الخالق السنباطي وجميع الجنينة فيما بين بولاق والقصر العيني المعروفة قديما بغيط البحر.
وجميع الرزقة الكائنة بناحية ديرك بالمنوفية، وجميع الرزقة الكائنة بناحية طمويه بالجيزة، وجميع خمسمائة عثماني وأربع عثمانية مرتب علوفة، وجميع المكان الكائن بالكعكيين تجاه حمام الجبيلي.
وجميع علو بعض طبقات من وكالة الملح، وجميع المكان بخط الكراسين بين الحيطان بالقرب من قنطرة الخرنوبي وجميع المكان الكائن بخط الشوائين بداخل عطفة الفاكهاني.
وجميع المكان الكائن بالخط - المذكور - في العطفة المتوصل منها الباب جامع الفاكهاني الشرقي، ومطبخ السكر وجميع الحانوتين الكائنين تجاه جامع الفاكهاني، وجميع ست قراريط من الوكالة الكائنة بخط قنطرة الموسكي، وجميع الحانوتي الكائنين بالدرب الأحمر.
وجميع الحانوت الكائن بالخط - المذكور - تجاه جامع الصالح وجميع الحصة التي قدرها ثلاثة وعشرون قيراطا في الوكالة الكائنة بخط البندقانيين.
وجميع الحصة التي قدرها نصف قيراط وسدس قيراط في كامل أراضي ناحية الأرجنوس وتوابعها بالبهنساوية، وجميع ثلاثة حوانيت كائنة بخط باب الزهومة.
وجميع مرتب العلوفة وهو ثلاثة وستون عثمانيا. وشرطت لنفسها نظر وقفها هذا ومن بعدها للأولاد والعتقاء وأن يصرف في ثمن ماء عذب يصب في السبيل إنشاء الواقفة في كل سنة أربعة آلاف وتسعمائة وخمسون نصفا فضة (النصف الفضة عبارة عن بارة وكل أربعين منها بدرهم فضة أعني قرش أو كل أربعة منها بمليم من العملة المصرية التي كل ألف منها بدينار مصري) وفي ثمن حبال وبخور وغيره مائتان وخمسون نصفا فضة، وللمزملاتي سنويا سبعمائة وعشرون نصفا، ولغفير السبيل سنويا ثلثمائة وستون نصفا فضة وأجرة ملئه أربعمائة نصف، وشرطت أيضا به ثلثمائة وستون نصفا وأجرة النزح وثمن القلل والبخور مائتان وأربعون نصفا وثمن زيت وقناديل بمقام الشيخ الخرنوبي مائة وثمانون نصفا وأن يصرف في ثمن ماء يصب في السبيل الذي بالشوائين يوميا اثنا عشر نصفا وفي ثمن ضحايا ليوم العيد تفرق على الفقراء ثلاثون ريال حجر أبو طاقة ولسبعة قراء يقرأون من أول
стр. 243
رجب لليلة عيد الفطر سنويا أربعون دينارا ذهبا زر محبوب.
ولناظر الوقف سنويا ثلاثون دينارا وللناظر الحسبي عشرة دنانير، وللمباشر مثله والجابي كذلك وأن يصرف في وجوه الخير على ترتبها في أيام الجمعة والعيدين سنويا شرة دنانير ذهبا. وللتربي عشرة ريالات حجر أبو طاقة، ولسبعة قراء بالحرم المكي عشرة ريالات أبو طاقة أيضا فلله در هذه الواقفة فإنها لم تدع بابا للخير إلا فتحته فرحمها الله رحمة واسعة وأكثر الله من أمثالها.
شرفية ابنة سعيد قبودان
ولدت في سنة ١٢٦٠ هجرية وهي لغاية الآن على قيد الحياة، ولهذه المترجمة وقائع تشهد لها بالوفاء وتعتبر من العجائب المستغربة قد أخبرتني عنها إحدى السيدات الموثوق بقولهن، ولغرابة هذه الوقائع أحببت درجها في هذا التاريخ لكي تخلد لهذه المترجمة ذكرا مدى الأعصار، وهو أنه كان في مدينة (بولاق) مصر رجل (قبودان) يقال له: سعيد (قبودان) ، وكان قد اقترن بفتاة اسمها السيدة مخدومة شقيقة رائف باشا - أحد رؤساء البحر في الحكومة المصرية - فرزق منها سعيد (قبودان) بنتا فسماها شرفية ولم تمكث في حجر والدها سوى ثمان سنوات حتى توفاه الله. وكان ذلك سنة ١٢٦٨ هجرية وهو مجاهد في حرب القرم الأخيرة.
وكانت هذه البنت غاية في الرقة واللطف، وقد ربيت على مبادئ حسنة، وقد علمتها والدتها القراءة والكتابة والأشغال اليدوية، وجميع ما تختص به النساء من تطريز وغيره حتى فاقت بنات عصرها، وهي مطيعة لوالدتها منقادة لكلامها وكانت تلك الوالدة تحني عليها ضلوع الرأفة والحنو إلى أن بلغت الثامنة عشرة من سنيها، وكانت في مدينة (إزمير) امرأة متوسطة المقام، وكان قد تركها زوجها منسحبا من بلده ولم تعلم أين ذهب وترك لها ولدا صغيرا، ولكنه يضاهي البدر جمالا والغصن اعتدالا، وما زالت منتظرة تربي ولدها إلى أن فرغ منها المال المدخر معها، ولم تجد ما تقتات به هي وولدها.
وقد تواترت الأخبار عن وجود زوجها في مصر فأخذت ولدها - وكان في سن الثالثة عشرة من سنيه - وحضرت به إلى مصر لتبحث عن والده كما خلد في فكرها وقد نزلت بالأمر المقدور على السيدة مخدومة، فتلقتها على الرحب والسعة وفتحت لها في قلبها فضلا عن منزلها أعظم محل، وكلمت شقيقها رائف باشا في أمرها فبحث عن زوجها فلم يعلم له خبرا.
ولما لم يجده أخذ الغلام وسلمه إلى إحدى المدارس الأميرية، وكان رائف باشا عديم الولد لأنه لم يتزوج أبدا إلى أن بلغ الثمانين من العمر وكانت شرفية في ذلك الوقت لم تتجاوز الثامنة عشرة وكان محمد كمال في سن الثالثة عشرة، وكانت شرفية ربعة القوام ممتلئة الروح، سوداء الشعر والعيون، تخلب لب من يراها.
وأما محمد كمال فإنه طويل القوام نحيل الجسم، أبيض اللون، أشقر الشعر، أزرق العيون مستدير الوجه يميل دمه إلى الخفة مع أنه أقل من كان بهذا الشكل أن يستحصل على هذا الجاذب.
ولما دخل إلى منزل سعيد (قبودان) صارت شرفية تعتني بأمره كل الاعتناء من ملبس ومأكل، وكل ما يلزم له وجميع سد احتياجاته، وكانت والدتها تنظر إليها بعين الاستغراب وتفكر في أمرها وانشغالها بأمر هذا الغلام، ولكنها تراجع نفسها عن الظنون في ابنتها لأنها في هذا السن، ولما دخل المدرسة وبعد عن شرفية كثرت عليها
стр. 244
الأفكار وصارت تحب الخلوة بنفسها، ولكنها لم تضيع أوقاتها بدون أن تشغل بشيء يعود نفعه على الغلام مثل خياطة ملبوس وغيره مما يلزم له وكان لا يأتي إلا في كل ليلة جمعة على حسب أصول المدارس الداخلية في القطر المصري وكانت شرفية تنتظر ميعاد مجيئه كليا في الأعياد.
وفي تلك الفترة تكاثرت عليهما الخطاب وكانت والدتها تحب أن تزوجها لأنها وحيدتها، وتفرح بها قبل وفاتها. وكلما جاءها خاطب تعرضه عليها والدتها وتحسنه في عيونها وهي لا تقبل منها ذلك ولا تجيبها إلا بالبكاء والنحيب حتى إنها صارت لا تقبل من يفاتحها بمثل هذا الكلام فكدر فعلها هذا والدتها، وظنت أن الذي يغريها على هذا الفعل هي أم الغلام، فكلمتها بهذا الخصوص وأغلظت لها القول حتى أخرجتها من منزلها.
ولما خرجت زاد وجد شرفية وخافت أنها تحرم من رؤية حبيبها، فحزنت الحزن الشديد حتى حرمت النوم والطعام ومازالت في أكفار الدهشة والحيرة إلى أن كانت ليلة الجمعة فحضر محمد كمال على حسب العادة.
ولما بلغه أن والدته خرجت من المنزل وتوجهت إلى منزل رائف باشا اغتم لذلك وكان الغلام أيضا قد أشرب حب البنت من حين طفوليته، وكلما نما سنه ينمو حبها معه، ولكنه كان ينظر إلة نفسه فيجدها حقيرة بالنسبة إلى شفرية، ولكنه صار يجتهد في الاستحصال على العلوم الكافية لأن تجعله أهلا لها، ولم يمض زمن يسير إلا وخرج من مدرسة المبتديان ودخل المدرسة الحربية بواسطة رائف باشا وبعد مضي مدة توفى الله والدتها السيدة مخدومة، وبقيت البنت في حجر خالها كأنها ابنته، وصارت تطلبها الخطاب منه فيعرض عليها ذلك فلم تقبل فاحتار في أمرها ولم يدر ما الذي يمنعها عن الاقتران.
وكان كمال لم يزل في منزل رائف باشا مع والدته فإنها من حين ما خرجت من عند السيدة مخدومة دخلت إلى منزل الباشا المشار إليه ومكثت عنده إلى أن انضمت البنت إليه فصاروا كما كانوا جميعا في بيت واحد، وكان الباش لا يظن أن هذا التوقف من شرفية حاصل بسبب هذا الغلام لأنه يرى أن بينه وبينها بونا بعيدا من حيث الثروة والسن أيضا، وأما النسب فهو وإن كان لا يعلم نسبه إلا أنه كان يرى في خلال طباع الغلام ما يدل على صحة نسبه وأنه من نسل طيب، وأنه شريف النفس أبيها.
ولما طال أمر شرفية بالامتناع عن الزواج خاف الباشا أن يتوفاه الله قبل أن يزوج هذه البنت اليتيمة، فشكا ذلك إلى بعض أصدقائه وقال له بأن يكلف قرينته لأنها كوالدتها أن تسألها في ذلك وتفهم ما سبب امتناعها عن الزواج. ففعل الباشا - المشار إليه - ما كلفه به صديقه وقد سألتها قرينته فأظهرت لها أنها لا تقدر على مخالفة الطبيعة حيث أن لها ميلا كليا إلى جهة محمد كمال، فاستنتجت منها تلك السيدة أنها يستحيل عليها الاقتران بغير هذا الغلام وأنها لا تقدر على مخالفة إحساساتها القلبية، فأخبرت زوجها بذلك وكان كمال في ذاك الوقت قد استحصل على رتبة ملازم وصار له جراءة على طلب شرفية فتقدم إلى الباشا - المشار إليه - والتمس منه أن يكلم رائف باشا في أمر شرفية، وأن ينعم عليه بها وأن يقبله عبدا له ما دام في هذه الدنيا لأنه على كل حال هو غرس نعمته فتقدم إليه صديقه بأمر الخطوبة وأخبره أنه اختبر أمر شرفية بلسان زوجته فوجدها تميل إلى الغلام.
وهذا سبب امتناعها عن الاقتران بغيره ولما سمع رائف باشا هذا الخبر استعظمه وقال: هذا شيء لا يكون أبدا لأن الغلام لا يصلح لها، فكيف أزوجه بنت أختي وأنا مربيه بنوع الثواب وهو فقير ولا يقدر على أداء المهر ولا مصروف نفسه فضلا عن فتح المحل ومصاريفه مع كونه مجهول الأصل.
فقال له: فأما كون فقيرا فسوف يتقدم شيئا فشيئا ويستحصل على الرتب حتى يصير بدرجتنا حيث إننا نحن كنا
стр. 245
في ابتداء أمرنا على أرفع الرتب اللائقة بمثلنا، وها هو مجتهد أيضا.
وأما من جهة كونه مجهول الأصل فنحن أيضا لا نعلم أصلنا لأن الواحد منا لا يعلم أصل نفسه ولا من هم أهله، فمن هو جركسي، ومن هو مرلي، ومن هو كريدلي، وقد أخرجنا من بلادنا ما نعلم ماذا يؤل أمرنا إليه، وها نحن والحمد لله قد صرنا من خواص رجال الحكومة المصرية ولم يزل به حتى أنعم له رائف باشا بعد امتناعه جملة سنين وعقد للغلام على شرفية وشرعوا في أمر الجهاز وما يلزم للفرح وكأن شرفية في ذاك الوقت قد أحيي ميت آمالها وأدهشها الفرح الشديد عن كل ما في الكون.
ولكنها وا أسفاه لم يسمح لها الدهر بإتمام تلك الأفراح حتى هجم عليها بجيوشه الجبارة وصدمها صدمة تزول من هولها الجبال والراسيات ويذوب لها الحجر الجلمود.
وذلك أنه لما بقي لإقامة الفرح أسبوع واحد حم الغلام ووقع رهين الفراش ولم يمكث بعد ذلك سوى أيام قلائل حتى توفاه الله وقصف غصن شبابه النضر، وانزوى جماله تحت أطباق الثرى. سبحان الحي الباقي الذي لا يموت.
فلينظر الرائي إلى حال شرفية التي يعجز القلم عن وصف حالها وما صارت إليه من الحزن والكدر حتى أنها دخلت إلى غرفتها التي سمتها بيت الأحزان وأسلبت عليها الستور وصارت تندب حبيبها وتبكيه إلى الآن وتوفي بعد ذلك خالها رائف باشا ولم تزل إلى هذا الوقت مدفونة تحت أطباق الحزن تطلب الموت لعلها تجتمع بحبيبها في العالم الآخر فلم تجد لذلك من سبيل. ولها مسجونة في بيت حزنها ما يزيد على الثلاثين سنة وقل من يصبر على هذا المصاب.
شرين زوجة أبروزير بن هرمز
من ولد كسرى أنوشروان. ان يتيمة في حجر رجل من الأشراف، وكان (أبرويز) صغيرا يدخل منزل ذلك الرجل فيلاعب شرين وتلاعبه فأخذت من قلبه موضعا فنهاها عن ذلك الرجل فلم تنته فرآها. وقد أخذت في بعض الأيام من (أبروزير) خاتما فقال لبعض خواصه: اذهب بها إلى الدجلة فغرقها، فأخذها الرجل ومضى فقالت له: وما الذي ينفعك من تغريقي؟ فقال: قد حلفت لمولاي. فقالت: اقذفني في مكان رفيق فإن نجوت لم أظهر وبرئت من يمينك ففعل وتوارت في الماء حتى غاب وصعدت إلى دير فترهبت فيه وأحسن إليها الرهبان.
فلما تقرر الملك لأبرويز بعد أبيه هرمز مر بذلك الدير رسل قيصر أبرويز فدفعت الخاتم إلى رئيسهم وقالت: ابعث به إلى أبرويز لتحظى عنده فأرسله وعرفه مكان شرين فسر سرورا عظيما، وأرسل إليها فأحضرها، وكانت من أجمل النساء وأظرفهن ففوض إليها أمره وهجر نساءه وجواريه وعاهدها أن لا تمكن منها أحدا بعده، وبنى لها القصر المعروف بقصر شرين بالعراق، فلما قتل (شيرويه) أباه (أبرويز) راودها عن نفسها فامتنعت، فضيق عليها واستأصلها ورماها بالزنا وتهددها بالقتل إن لم تفعل فقالت: افعل على ثلاث شرائط. قال: ما هي؟ قالت: تسلم إلي قتلة زوجي حتى أقتلهم، وتصعد المنبر وتبرئني مما قذفتني به وتفتح لي تاوس أبيك، فإن له عندي وديعة عاهدني إن تزوجت بعده رددتها إليه.
فدفع إليها قتلة أبيه فقتلتهم وبرأها، وقيل: فتح لها تاوس أبيه وبعث الخادم معها فجاءت إلى (أبرويز) فعانقته ومصت فصا مسموما كان معها فممات من وقتها وأبطأت على الخدم فصاحوا فلم تكلمهم، فدخلوا فوجدوها معانقة لأبرويز ميتة فهذه ممن يفتخر لهن بالوفاء.
стр. 246
حرف الصاد
صفية ابنة عبد المطلب
ابن هاشم بن عبد مناف الهاشمية عمة رسول الله ﷺ ، وهي أم الزبير بن العوام وأمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة وهي شقيقة حمزة والعوام وحجل بني عبد المطلب لم يختلف في إسلامها من عمات النبي ﷺ ، وكانت في الجاهلية قد تزوجها الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو أبي سفيان بن حرب فمات عنها فتزوجها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير وعبد الكعبة وعاشت كثيرا وتوفيت بالبقيع ولما قتل أخوها حمزة وجدت عليه وجدا شديدا وصبرت صبرا عظيما، وقيل: إنها أقبلت لتنظر إلى حمزة بأحد، وكان أخاها لأمها فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير: (القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها) . فلقيها الزبير وقال: أي أمي، إن رسول الله يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم، قد بلغني أنه مثل بأخي وذاك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إليه وأخبره بقول صفية فقال: (خل سبيلها) فأتته فنظرت واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن.
وقيل: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت مع النساء والصبيان حيث خندق رسول الله. وقالت صفية: فمر بنا رجل يهودي فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بيننا وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت) . قالت: (فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بالحصن كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من اليهود فانزل إليه فاقتله) . فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا) . قالت صفية: (فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت وأخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب) . وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين.
وكانت شاعرة فصيحة متقدمة عند جميع العرب بالقول والفعل والشرف، والحسب والنسب وكانت حين مات أبوها عبد المطلب جمعت أخواتها ونساء بني هاشم وصرن يرثينه بقصائد كل منهن بقدر طاقتها فكان ما قالته صفية من شعر ترثيه قولها:
أرقت لصوت نائحة بليل ... على رجل بقارعة الصعيد
ففاضت عند ذلكم دموعي ... على خدي كمنحدر الفريد
على رجل كريم غير وغل ... له الفضل المبين على العبيد
على الفياض شيبة ذي المعالي ... أبيك الخير وارث كل جود
صدوق في المواطن غير نكس ... ولا شحب المقام ولا سنيد
طويل الباع أروع شيظمي ... مطاع في عشيرته حميد
رفيع البيت أبلج ذي فضول ... وغيث الناس في الزمن الجرود
كريم الجد ليس بذي وضوم ... يروق على المسود والحسود
стр. 247
عظيم الحلم من نفر كرام ... خضارمة ملاوثة أسود
فلو خلد امرؤ لقديم مجد ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
لكان مخلدا أخرى الليالي ... لفضل المجد والحسب التليد
ومن قولها ترثي النبي ﷺ :
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت رحميا هاديا ومعلما ... لبيك عليك اليوم من كان باكيا
فدى لرسول الله أمي وخالتي ... وعمي وخالي ثم نفسي وماليا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا
ومن قولها أيضا في الحماس:
ألا من مبلغ عني قريشا ... ففيم الأمر فينا والأمار
لنا السلف المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الأخيار فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار
صفية ابنة الخرع
كانت من النساء المتحمسات اللائي إذا قلن تقوم العرب لمقالهن. ولها أشعار منها: ما قالته رثاء في النعمان بن جساس بن مرة وكان سيد قومه فقتل يوم الكلاب وقتلوا به عبد يغوث وهو: نطاقه هند وغني وجبته=فضفاضة كامنات النهى موضونة
لقد أخذنا شفاء النفس لو شفيت ... وما قتلنا به إلا امرأ دونه
صفية ابنة مسافر
أبوها مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كانت أديبة فاضلة، ذات جمال وكمال وفصاحة، عربية ما لها مثال، ولها حسب ينتهي إلى عبد مناف. وشعر رائق مبني على أساليب البلاغة. قد حضرت يوم بدر ورثت أهل القليب الذين أصيبوا به من قريش بقولها:
يا من لعين قذاها عائر الرمد ... حد النهار وقرن الشمس لم يعد
أخبرت أن سراة الأكرمين معا ... قد أحرزتهم مناياهم إلى أمد
وقر بالقوم أصحاب الركاب ولم ... تعطف غداة إذن أم على ولد
قومي صفي ولا تنسي قرابتهم ... وإن بكيت فما تبكين من بعد
كانوا سقوف سماء البيت فانقصفت ... فأصبح السمك منها غير ذي عمد
وقالت أيضا:
ألا يا من لعينايا ... لتبكي دمعها قاني
كغربي دالج يسقي ... خلال الغيث للداني
стр. 248
وما ليث عرين ذو ... أظافير وأسنان
أبو شبلين وثاب ... شديد البطش غرثان
وبالكف حسام صا ... رم أبيض ذكران
وأنت الطاعن النجلا ... ء منها مزبدان
صفية بنت عمرو الباهلية
كانت شاعرة قومها محبوبة عندهم، ذات مقام رفيع. وكان لها أخ من السراة المغاوير، وكانت تحبه ويحبها محبة شديدة ولا يرغبان الافتراق عن بعضها إلا للضرورة، وكان مرة غزا في قومه حيا من أحياء العرب فدارت عليهم الدائرة وقتل أخو صفية، ولما بلغها الخبر شقت عليه الجيوب ولطمت الخدود ونشرت الشعور، ورثته بمراث كثيرة منها قولها:
كنا كغصنين في جرثومة سميا ... حينا بأحسن ما يسمو له الشجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب فيؤهما واستنظر الثمر
أخنى علي واجدي ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر
كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمر
صفية ابنة حيي بن أخطب
ابن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ناخوم، وهم من بني إسرائيل من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى، وأم صفية برة بنت سموأل، وكانت زوجة سلام بن مشكم اليهودي، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وهما شاعران، فقتل عنها كنانة يوم خبير.
روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما افتتح خبير وجمع السبي أتاه دحية بن خليفة فقال: أعطني جارية من السبي فقال: (اذهب فخذ جارية) . فذهب فأخذ صفية، قيل: يا رسول الله، إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك! فقال له رسول الله ﷺ : (خذ جارية من السبي غيرها) . وأخذها رسول الله ﷺ واصطفاها وحجبها، وأعتقها وتزوجها، وقسم لها وكانت عاقلة من عقلاء النساء.
وعن إسحاق بن يسار أنه قال: لما افتتح رسول الله ﷺ القموص حصن ابن أبي الحقيق أتى بصفية بنت حيي ومعها ابنة عم لها جاء بهما بلال فمر بهما على قتلى من قتلى اليهود، فلما رأتهم التي مع صفية صكت وجهها وصاحت وحثت التراب على رأسها فقال رسول الله ﷺ : (اعزبوا هذه الشيطانة عني) وأمر بصفية فحيزت خلفه وغطى عليها ثوبه فعرف الناس أنه قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله ﷺ لبلال حين رأى من اليهودية ما رأى: (يا بلال أنزعت منك الرحمة حتى تمر بامرأتين على قتلاهما) . وقد كانت صفية قبل ذلك رأت أن قمرا وقع في حجرها فذكرته لأبيها فضرب وجهها ضربة أثرت فيه وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها رسول الله فسألها عنه، فأخبرته الخبر.
وعن أنس: أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قالت صفية بنت حيي: دخل علي رسول الله ﷺ وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (ألا قلت وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي
стр. 249
موسى) . وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، نحن أزواج رسول الله، وبنات عمه.
وعن صفية أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان ببعض الطريق برك بصفية جملها فبكت وجاء رسول الله ﷺ حين أخبر بذلك فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فنزل رسول الله ﷺ بالناس، فلما كان عند الرواح قال لزينب بن جحش: (يا زينب أفقري أختك جملا) وكانت من أكثرهن ظهرا قالت: أنا أفقر يهوديتك؟ فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها فلم يكلمها أيام منى حتى قدم مكة. وفي سفره حتى رجع إلى المدينة ومحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها، ويئست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فلما رأت ظله قالت: هذا ظل رجل وما يدخل علي إلا رسول الله فدخل النبي ﷺ ، فلما رأته قالت: يا رسول الله، ما أصنع؟ قال: كانت لها جارية تخبؤها من النبي ﷺ فقالت: فلانة لك. قال: فمشى النبي ﷺ إلى سريرها وكان قد رفع فوضعه بيده ورضي عن أهله.
وروى عنها علي بن الحسين قالت: جئت إلى النبي ﷺ أتحدث عنده وكان معتكفا في المسجد فقام معي يبلغني بيتي فلقيه رجلان من الأنصار قالت: فلما رأيا رسول الله ﷺ رجعا فقال: (تعاليا فإنها صفية) . فقالا: نعوذ بالله سبحان الله يا رسول الله! فقال: (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم) . وتوفيت سنة ست وثلاثين. وقيل: سنة خمسين - رحمها الله تعالى.
الملكة صفية والدة السلطان سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم
كانت مولدة من بنات الجركس جاءت السراي الهمايونية وهي صغيرة وبعد مدة ظهرت نجابتها وبان رونقها وجمالها فاستحظى بها السلطان سليمان، وبقيت عنده مكرمة معززة حتى مات، وتولى الملك ولدها المشار إليه، فصارت أعز مما كانت عليه، وكثرت نفقاتها على فعل الخير والبر والإحسان.
ومن مآثرها الجامع المنسوب إليها الكائن بمصر القاهرة. قال الأمير علي باشا مبارك في (خطط مصر التوفيقية) إن هذا المسجد بجهة الحبانية في حارة الداودية عن يسار الذاهب من شارع محمد علي إلى قلعة الجبل بمصر، وهو مرتفع الأرضية نحو أربعة أمتار وله بابان يصعد إلى كل منهما بعدة سلالم متسعة مستديرة، وله صحن متسع بدائرة، إيوان مسقف بقباب على أعمدة من الحجر والرخام وفي مقصورة الصلاة منبر خشب ودكة في دائرها شبابيك لها أبواب من الخشب عليها نقوش ومطهرته بمرافقها منفصلة عنه بالطريق، وشعائره مقامة بنظر ديوان الأوقاف المصرية، وهو من إنشاء عثمان أغاة بن عبد الله أغاة دار السعادة، ثم آل بطريق شرعي لسيدته الملكة صفية كما في كتاب وقفيته.
وملخص ذلك أن الملكة علية الذات، صفية الصفات، والدة السلطان، قد وكلت عن نفسها، فخر الخواص والمقربين، وذخر أصحاب العز والتمكين عبد الرزاق أغا بن عبد الحليم أغاة دار السعادة وفي دعواه أن عثمان أغا - المذكور - هو عبدها ومملوكها إلى الآن، فحضر بالمحكمة الشرعية، وأشهد بوكالته شاهدين عدليين، وقرر دعواه بحضور فخر إلا ما جد داود أغا بن عبد الدائم المتولى على وقف الجامع الشريف بجهة الحبانية الذي بناه المرحوم عثمان أغا بن عبد الله فقال ذلك الوكيل في الدعوى أن عثمان - المذكور - هو عبد ومملوك موكلتي المشار إليها وأنه ليس مأذونا ببناء الجامع ولا بإيقاف بلده الملك له المعروفة بزاوية تميم من ولاية منوف المشتملة على أربعمائة فدان ولا بإيقاف المنزل المملوك له بطريق (بولاق) قرب قنطرة الدوادار المشتمل على أربعة مخازن وبيت وقهوة واثنين وثلاثين دكانا وخمس عشرة خزانة، وخمس طواحين وإصطبل وخمس آبار عذبة الماء ومدبغ بقر، ومدبغ غنم، ومسلخ بقر فذلك الإيقاف
стр. 250
غير صحيح وأريد ضبطه لموكلتي الملكة - المشار إليها - وسائر أمواله حيث إنه مملوكها.
وأبرز فتوى من شيخ الإسلام بان الإيقاف - المذكور - غير شرعي، وكانت صورتها تملك عمرو عبد هند أملاكا، وبنى جامعاً ووقف ذلك عليه.
ثم توفي قبل عتقه فهل لهند أن لا تقبل وقف عبدها عمرو، وأن تتملك جميع موقوفاته، فأجيب بأن وقف عمرو غير صحيح وأن لسيدته ضبط جميع أملاكه كسائر أمواله.
ثم سئل حضرة داود أغا المتولي - المذكور - فأجاب بأن المرحوم عثمان أغا معتوق قبل وفاته وأنه بنى الجامع ووقف البلد وغيرها بإذن معتقه الست صفية وحسن رضاها فأنكر عبد الرزاق الوكيل - المذكور - عتق المتوفى، وأنكر إذنها له في بناء الجامع، ووقف تلك الأوقاف فطلبت البينة من داود أغا، فعجز عن إقامتها وطلب تحليفها اليمين الشرعي، فأرسل القاضي عدلين إلى حضرة الملكة لتحليفها.
ثم رجع المندوبان وأخبر القاضي بأنها حلفت اليمين الشرعية بحضور المتولي على طبق دعواها منه، فحكم القاضي بان الجامع والقرية وجميع الأصقاع هي ملك لها ووقفها باطل، ونبه على داود أغا برفع يده وتحرر في أواخر شوال سنة ١١٠١ هجرية.
وبعد أن دخلت هذه الموقوفات من القرى والضياع والأصقاع والمزارع والرباع في ملك الملكة وتصرفاتها جددت وقفها وقفا صحيحا شرعيا مؤدبا مخلدا بحدودها وجعلت النظر على تلك الأوقاف لفخر الخواص عبد الرزاق أغا بن عبد الحنان الأمير بدار السعادة، وأطلقت له التصرف في الموظفين بالعزل والتولية وجعلت له عشرين قطعة ومن بعده لا يخرج النظر عن أغوات دار السعادة، واشترطت أن الناظر هو الذي يعطي تقريرات الموظفين، وأن يرتب لضبط الريع وصرفه رجلا أمينا، دينا عفيفا، ماهرا في الكتابة والحساب يوميا عشرون قطعة، ولكاتب أمين طاهر يقيد كل جزئية بالدفتر كل يوم خمس قطع ولجاب متصف بتلك وله اقتدار على التحصيل، ولا يترك بذمة أحد شيئا من حقوق الوقف، ولا يحتال بحيلة في أخذ حبة من حقوق الوقف كل يوم خمس قطع، ولواعظ صالح عالم ورع، فقيه بمذهب النعمان، عارف بأحكام القرآن، يعظ الناس في الجمع والمواسم، ويختم الوعظ بالفاتحة لأرواح الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، ولأرواح السلاطين الماضين مع الدعاء للسلطان بدوام دولة الخلافة ولحضرة الواقفة الجليلة بازدياد العمر ووفور الشوكة ولسائر المسلمين بحصول المرام كل يوم خمس قطع.
واشترطت أن يكون الخطيب عالما مجودا زاهدا كريم الأخلاق حسن الفعال يخطب فيه على منوال الشرع الشريف في الجمع والأعياد خطبة تناسب الأيام والفصول، وتوافق الطباع، وليس له أن ينيب عنه أحدا بدون عذر شرعي، وله خمس قطع وأن يرتب إمامان عالمان عاملان بعلمهما لهما وقوف على التجويد ورسوم القراءات والروايات، وقدرة على آداب الإمامة يتناوبان الإمامة في أوقات الصلوات الخمس على طريق السنة والجماعة، ولا ينيبان أحدا بدون عذر شركي ولكل منهما خمس قطع وأن يرتب أربعة مؤذنون عارفون بعلم الميقات أصحاب عفة وديانة وأصوات حسنة وأخلاق مستحسنة يتناوبون الأذان على المنارة اثنين اثنين، ويجتمعون في أذان يوم الجمعة، ويقرأن التسبيح بعد صلاة الجمعة بالتهليل والتكبير، وفي الثلث الأخير من كل ليلة قرب الصبح يجتمعون على المنارة ويرفعون أصواتهم بالتسبيح والتحميد والدعاء، ولك منهم في اليوم ثلاث قطع، وأن يرتب موقت صالح أمين عارف بالميقات يحضر في كل وقت يعلم المؤذنين بدخول الوقت مع الاحتراس التام، وله في اليوم قطعتان.
ويرتب عشرة من حملة القرآن يقرأ كل منهم عشرا في محفل الجماعة قبل صلاة الجمعة وأتقنهم للقراءة عليه البدء والختم، وله العزل فيهم والتولية بالامتحان على الوجه الحق، وله خاصة في اليوم قطعتان، ولك
следующие страницы →