Полный текст (532 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
حرف الصاد
صفية ابنة عبد المطلب
ابن هاشم بن عبد مناف الهاشمية عمة رسول الله ﷺ ، وهي أم الزبير بن العوام وأمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة وهي شقيقة حمزة والعوام وحجل بني عبد المطلب لم يختلف في إسلامها من عمات النبي ﷺ ، وكانت في الجاهلية قد تزوجها الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو أبي سفيان بن حرب فمات عنها فتزوجها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير وعبد الكعبة وعاشت كثيرا وتوفيت بالبقيع ولما قتل أخوها حمزة وجدت عليه وجدا شديدا وصبرت صبرا عظيما، وقيل: إنها أقبلت لتنظر إلى حمزة بأحد، وكان أخاها لأمها فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير: (القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها) . فلقيها الزبير وقال: أي أمي، إن رسول الله يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم، قد بلغني أنه مثل بأخي وذاك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إليه وأخبره بقول صفية فقال: (خل سبيلها) فأتته فنظرت واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن.
وقيل: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت مع النساء والصبيان حيث خندق رسول الله. وقالت صفية: فمر بنا رجل يهودي فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بيننا وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت) . قالت: (فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بالحصن كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من اليهود فانزل إليه فاقتله) . فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا) . قالت صفية: (فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت وأخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب) . وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين.
وكانت شاعرة فصيحة متقدمة عند جميع العرب بالقول والفعل والشرف، والحسب والنسب وكانت حين مات أبوها عبد المطلب جمعت أخواتها ونساء بني هاشم وصرن يرثينه بقصائد كل منهن بقدر طاقتها فكان ما قالته صفية من شعر ترثيه قولها:
أرقت لصوت نائحة بليل ... على رجل بقارعة الصعيد
ففاضت عند ذلكم دموعي ... على خدي كمنحدر الفريد
على رجل كريم غير وغل ... له الفضل المبين على العبيد
على الفياض شيبة ذي المعالي ... أبيك الخير وارث كل جود
صدوق في المواطن غير نكس ... ولا شحب المقام ولا سنيد
طويل الباع أروع شيظمي ... مطاع في عشيرته حميد
رفيع البيت أبلج ذي فضول ... وغيث الناس في الزمن الجرود
كريم الجد ليس بذي وضوم ... يروق على المسود والحسود
стр. 247
عظيم الحلم من نفر كرام ... خضارمة ملاوثة أسود
فلو خلد امرؤ لقديم مجد ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
لكان مخلدا أخرى الليالي ... لفضل المجد والحسب التليد
ومن قولها ترثي النبي ﷺ :
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت رحميا هاديا ومعلما ... لبيك عليك اليوم من كان باكيا
فدى لرسول الله أمي وخالتي ... وعمي وخالي ثم نفسي وماليا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا
ومن قولها أيضا في الحماس:
ألا من مبلغ عني قريشا ... ففيم الأمر فينا والأمار
لنا السلف المقدم قد علمتم ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الأخيار فينا ... وبعض الأمر منقصة وعار
صفية ابنة الخرع
كانت من النساء المتحمسات اللائي إذا قلن تقوم العرب لمقالهن. ولها أشعار منها: ما قالته رثاء في النعمان بن جساس بن مرة وكان سيد قومه فقتل يوم الكلاب وقتلوا به عبد يغوث وهو: نطاقه هند وغني وجبته=فضفاضة كامنات النهى موضونة
لقد أخذنا شفاء النفس لو شفيت ... وما قتلنا به إلا امرأ دونه
صفية ابنة مسافر
أبوها مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كانت أديبة فاضلة، ذات جمال وكمال وفصاحة، عربية ما لها مثال، ولها حسب ينتهي إلى عبد مناف. وشعر رائق مبني على أساليب البلاغة. قد حضرت يوم بدر ورثت أهل القليب الذين أصيبوا به من قريش بقولها:
يا من لعين قذاها عائر الرمد ... حد النهار وقرن الشمس لم يعد
أخبرت أن سراة الأكرمين معا ... قد أحرزتهم مناياهم إلى أمد
وقر بالقوم أصحاب الركاب ولم ... تعطف غداة إذن أم على ولد
قومي صفي ولا تنسي قرابتهم ... وإن بكيت فما تبكين من بعد
كانوا سقوف سماء البيت فانقصفت ... فأصبح السمك منها غير ذي عمد
وقالت أيضا:
ألا يا من لعينايا ... لتبكي دمعها قاني
كغربي دالج يسقي ... خلال الغيث للداني
стр. 248
وما ليث عرين ذو ... أظافير وأسنان
أبو شبلين وثاب ... شديد البطش غرثان
وبالكف حسام صا ... رم أبيض ذكران
وأنت الطاعن النجلا ... ء منها مزبدان
صفية بنت عمرو الباهلية
كانت شاعرة قومها محبوبة عندهم، ذات مقام رفيع. وكان لها أخ من السراة المغاوير، وكانت تحبه ويحبها محبة شديدة ولا يرغبان الافتراق عن بعضها إلا للضرورة، وكان مرة غزا في قومه حيا من أحياء العرب فدارت عليهم الدائرة وقتل أخو صفية، ولما بلغها الخبر شقت عليه الجيوب ولطمت الخدود ونشرت الشعور، ورثته بمراث كثيرة منها قولها:
كنا كغصنين في جرثومة سميا ... حينا بأحسن ما يسمو له الشجر
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب فيؤهما واستنظر الثمر
أخنى علي واجدي ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر
كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بينها القمر
صفية ابنة حيي بن أخطب
ابن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ناخوم، وهم من بني إسرائيل من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى، وأم صفية برة بنت سموأل، وكانت زوجة سلام بن مشكم اليهودي، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وهما شاعران، فقتل عنها كنانة يوم خبير.
روى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما افتتح خبير وجمع السبي أتاه دحية بن خليفة فقال: أعطني جارية من السبي فقال: (اذهب فخذ جارية) . فذهب فأخذ صفية، قيل: يا رسول الله، إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك! فقال له رسول الله ﷺ : (خذ جارية من السبي غيرها) . وأخذها رسول الله ﷺ واصطفاها وحجبها، وأعتقها وتزوجها، وقسم لها وكانت عاقلة من عقلاء النساء.
وعن إسحاق بن يسار أنه قال: لما افتتح رسول الله ﷺ القموص حصن ابن أبي الحقيق أتى بصفية بنت حيي ومعها ابنة عم لها جاء بهما بلال فمر بهما على قتلى من قتلى اليهود، فلما رأتهم التي مع صفية صكت وجهها وصاحت وحثت التراب على رأسها فقال رسول الله ﷺ : (اعزبوا هذه الشيطانة عني) وأمر بصفية فحيزت خلفه وغطى عليها ثوبه فعرف الناس أنه قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله ﷺ لبلال حين رأى من اليهودية ما رأى: (يا بلال أنزعت منك الرحمة حتى تمر بامرأتين على قتلاهما) . وقد كانت صفية قبل ذلك رأت أن قمرا وقع في حجرها فذكرته لأبيها فضرب وجهها ضربة أثرت فيه وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها رسول الله فسألها عنه، فأخبرته الخبر.
وعن أنس: أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قالت صفية بنت حيي: دخل علي رسول الله ﷺ وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (ألا قلت وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي
стр. 249
موسى) . وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، نحن أزواج رسول الله، وبنات عمه.
وعن صفية أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان ببعض الطريق برك بصفية جملها فبكت وجاء رسول الله ﷺ حين أخبر بذلك فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فنزل رسول الله ﷺ بالناس، فلما كان عند الرواح قال لزينب بن جحش: (يا زينب أفقري أختك جملا) وكانت من أكثرهن ظهرا قالت: أنا أفقر يهوديتك؟ فغضب النبي ﷺ حين سمع ذلك منها فلم يكلمها أيام منى حتى قدم مكة. وفي سفره حتى رجع إلى المدينة ومحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها، ويئست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فلما رأت ظله قالت: هذا ظل رجل وما يدخل علي إلا رسول الله فدخل النبي ﷺ ، فلما رأته قالت: يا رسول الله، ما أصنع؟ قال: كانت لها جارية تخبؤها من النبي ﷺ فقالت: فلانة لك. قال: فمشى النبي ﷺ إلى سريرها وكان قد رفع فوضعه بيده ورضي عن أهله.
وروى عنها علي بن الحسين قالت: جئت إلى النبي ﷺ أتحدث عنده وكان معتكفا في المسجد فقام معي يبلغني بيتي فلقيه رجلان من الأنصار قالت: فلما رأيا رسول الله ﷺ رجعا فقال: (تعاليا فإنها صفية) . فقالا: نعوذ بالله سبحان الله يا رسول الله! فقال: (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم) . وتوفيت سنة ست وثلاثين. وقيل: سنة خمسين - رحمها الله تعالى.
الملكة صفية والدة السلطان سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم
كانت مولدة من بنات الجركس جاءت السراي الهمايونية وهي صغيرة وبعد مدة ظهرت نجابتها وبان رونقها وجمالها فاستحظى بها السلطان سليمان، وبقيت عنده مكرمة معززة حتى مات، وتولى الملك ولدها المشار إليه، فصارت أعز مما كانت عليه، وكثرت نفقاتها على فعل الخير والبر والإحسان.
ومن مآثرها الجامع المنسوب إليها الكائن بمصر القاهرة. قال الأمير علي باشا مبارك في (خطط مصر التوفيقية) إن هذا المسجد بجهة الحبانية في حارة الداودية عن يسار الذاهب من شارع محمد علي إلى قلعة الجبل بمصر، وهو مرتفع الأرضية نحو أربعة أمتار وله بابان يصعد إلى كل منهما بعدة سلالم متسعة مستديرة، وله صحن متسع بدائرة، إيوان مسقف بقباب على أعمدة من الحجر والرخام وفي مقصورة الصلاة منبر خشب ودكة في دائرها شبابيك لها أبواب من الخشب عليها نقوش ومطهرته بمرافقها منفصلة عنه بالطريق، وشعائره مقامة بنظر ديوان الأوقاف المصرية، وهو من إنشاء عثمان أغاة بن عبد الله أغاة دار السعادة، ثم آل بطريق شرعي لسيدته الملكة صفية كما في كتاب وقفيته.
وملخص ذلك أن الملكة علية الذات، صفية الصفات، والدة السلطان، قد وكلت عن نفسها، فخر الخواص والمقربين، وذخر أصحاب العز والتمكين عبد الرزاق أغا بن عبد الحليم أغاة دار السعادة وفي دعواه أن عثمان أغا - المذكور - هو عبدها ومملوكها إلى الآن، فحضر بالمحكمة الشرعية، وأشهد بوكالته شاهدين عدليين، وقرر دعواه بحضور فخر إلا ما جد داود أغا بن عبد الدائم المتولى على وقف الجامع الشريف بجهة الحبانية الذي بناه المرحوم عثمان أغا بن عبد الله فقال ذلك الوكيل في الدعوى أن عثمان - المذكور - هو عبد ومملوك موكلتي المشار إليها وأنه ليس مأذونا ببناء الجامع ولا بإيقاف بلده الملك له المعروفة بزاوية تميم من ولاية منوف المشتملة على أربعمائة فدان ولا بإيقاف المنزل المملوك له بطريق (بولاق) قرب قنطرة الدوادار المشتمل على أربعة مخازن وبيت وقهوة واثنين وثلاثين دكانا وخمس عشرة خزانة، وخمس طواحين وإصطبل وخمس آبار عذبة الماء ومدبغ بقر، ومدبغ غنم، ومسلخ بقر فذلك الإيقاف
стр. 250
غير صحيح وأريد ضبطه لموكلتي الملكة - المشار إليها - وسائر أمواله حيث إنه مملوكها.
وأبرز فتوى من شيخ الإسلام بان الإيقاف - المذكور - غير شرعي، وكانت صورتها تملك عمرو عبد هند أملاكا، وبنى جامعاً ووقف ذلك عليه.
ثم توفي قبل عتقه فهل لهند أن لا تقبل وقف عبدها عمرو، وأن تتملك جميع موقوفاته، فأجيب بأن وقف عمرو غير صحيح وأن لسيدته ضبط جميع أملاكه كسائر أمواله.
ثم سئل حضرة داود أغا المتولي - المذكور - فأجاب بأن المرحوم عثمان أغا معتوق قبل وفاته وأنه بنى الجامع ووقف البلد وغيرها بإذن معتقه الست صفية وحسن رضاها فأنكر عبد الرزاق الوكيل - المذكور - عتق المتوفى، وأنكر إذنها له في بناء الجامع، ووقف تلك الأوقاف فطلبت البينة من داود أغا، فعجز عن إقامتها وطلب تحليفها اليمين الشرعي، فأرسل القاضي عدلين إلى حضرة الملكة لتحليفها.
ثم رجع المندوبان وأخبر القاضي بأنها حلفت اليمين الشرعية بحضور المتولي على طبق دعواها منه، فحكم القاضي بان الجامع والقرية وجميع الأصقاع هي ملك لها ووقفها باطل، ونبه على داود أغا برفع يده وتحرر في أواخر شوال سنة ١١٠١ هجرية.
وبعد أن دخلت هذه الموقوفات من القرى والضياع والأصقاع والمزارع والرباع في ملك الملكة وتصرفاتها جددت وقفها وقفا صحيحا شرعيا مؤدبا مخلدا بحدودها وجعلت النظر على تلك الأوقاف لفخر الخواص عبد الرزاق أغا بن عبد الحنان الأمير بدار السعادة، وأطلقت له التصرف في الموظفين بالعزل والتولية وجعلت له عشرين قطعة ومن بعده لا يخرج النظر عن أغوات دار السعادة، واشترطت أن الناظر هو الذي يعطي تقريرات الموظفين، وأن يرتب لضبط الريع وصرفه رجلا أمينا، دينا عفيفا، ماهرا في الكتابة والحساب يوميا عشرون قطعة، ولكاتب أمين طاهر يقيد كل جزئية بالدفتر كل يوم خمس قطع ولجاب متصف بتلك وله اقتدار على التحصيل، ولا يترك بذمة أحد شيئا من حقوق الوقف، ولا يحتال بحيلة في أخذ حبة من حقوق الوقف كل يوم خمس قطع، ولواعظ صالح عالم ورع، فقيه بمذهب النعمان، عارف بأحكام القرآن، يعظ الناس في الجمع والمواسم، ويختم الوعظ بالفاتحة لأرواح الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، ولأرواح السلاطين الماضين مع الدعاء للسلطان بدوام دولة الخلافة ولحضرة الواقفة الجليلة بازدياد العمر ووفور الشوكة ولسائر المسلمين بحصول المرام كل يوم خمس قطع.
واشترطت أن يكون الخطيب عالما مجودا زاهدا كريم الأخلاق حسن الفعال يخطب فيه على منوال الشرع الشريف في الجمع والأعياد خطبة تناسب الأيام والفصول، وتوافق الطباع، وليس له أن ينيب عنه أحدا بدون عذر شرعي، وله خمس قطع وأن يرتب إمامان عالمان عاملان بعلمهما لهما وقوف على التجويد ورسوم القراءات والروايات، وقدرة على آداب الإمامة يتناوبان الإمامة في أوقات الصلوات الخمس على طريق السنة والجماعة، ولا ينيبان أحدا بدون عذر شركي ولكل منهما خمس قطع وأن يرتب أربعة مؤذنون عارفون بعلم الميقات أصحاب عفة وديانة وأصوات حسنة وأخلاق مستحسنة يتناوبون الأذان على المنارة اثنين اثنين، ويجتمعون في أذان يوم الجمعة، ويقرأن التسبيح بعد صلاة الجمعة بالتهليل والتكبير، وفي الثلث الأخير من كل ليلة قرب الصبح يجتمعون على المنارة ويرفعون أصواتهم بالتسبيح والتحميد والدعاء، ولك منهم في اليوم ثلاث قطع، وأن يرتب موقت صالح أمين عارف بالميقات يحضر في كل وقت يعلم المؤذنين بدخول الوقت مع الاحتراس التام، وله في اليوم قطعتان.
ويرتب عشرة من حملة القرآن يقرأ كل منهم عشرا في محفل الجماعة قبل صلاة الجمعة وأتقنهم للقراءة عليه البدء والختم، وله العزل فيهم والتولية بالامتحان على الوجه الحق، وله خاصة في اليوم قطعتان، ولك
стр. 251
واحد من الآخرين قطعة واحدة وبعد ختم القراءة ينشد رجل حسن الصوت عارف بالموسيقى قصيدة نبوية، وله في اليوم قطعتان.
ويرتب قارئ حسن الصوت يقرأ على الكرسي الذي في الجامع سورة (يس) بعد صلاة الصبح، وله في اليوم قطعتان. وآخر يقرأ سورة (عم) بعد صلاة العصر، وآخر يقرأ سورة (تبارك) بعد صلاة العشاء ولك منهما قطعة واحدة، ويترب رجلان لغلق أبواب الجامع وشبابيكه ليلا وفتحها صباحا مع الملاحظة والتعهد للجامع بالتنظيف ونحوه، ولكل منهما قطعتان.
ويرتب رجل نظيف نزه لتبخير الجامع بلا تبذير ولا تقتير وله في اليوم قطعة واحدة، ولشراء البخور قطعتان، ورجل أمين لحفظ المصاحف الشريفة التي بالجامع وله في اليوم قطعة. ورجل زاهد يكون مراقبا وله في اليوم قطعة واحدة.
ويرتب وقادان صالحان يحفظان الشموع والقناديل ويتعهدان بالنظافة للإيقاد والإطفاء بالأوقات المعلومة مع الاحتراس التام من تلويث الحصر والبسط، ولكل منهما قطعتان.
ويترب رجلان قويان برسم الفرش والكنس والتنظيف في داخل الجامع، واثنان برسم تنظيف الميضأة والأخلية مع عدم التساهل ولكل واحد من الأربعة قطعة واحدة.
ويتب رجلان عارفان بغرس الأشجار والرياحين وإصلاحها وسقيها برسم خدمة البستان الكائن أمام الجامع ولكل منهما في اليوم قطعتان.
ويرتب رجلان قويان برسم سقي الأشجار ولكل منهما في اليوم ثلاث قطع. ويرتب رجل ماهر في التعمير والترميم يتولى إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه.
ونصت الواقفة - المذكورة- على ترتيب شخص قارئ في مسجد المدينة المنورة يتلو كل صباح سورة (يس) ويدعو لها. وعلى ترتيب رجل صالح لخدمة قبر سيدنا بلال مؤذن رسول الله ﷺ الذي بالشام من إيقاد القناديل وغلق الأبواب وفتحها ونحو ذلك. وأن ترسل إلى القبر - المذكور - شمعتان من الإسكندري خمسة أوقات، ومثل ذلك إلى حرم مكة المشرفة، ومثله إلى الروضة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيات.
حرف الضاد
ضياء ابنة الوزير فرنان وزير جزيرة صقلية
كانت ذات جمال بارع وعقل وأدب يفوق أهل زمانها وترجع على أقرانها بالظرف والرقة، وكان للملك المهرجان ملك تلك الجزيرة ابنا أخ يقال لأحدهما: (ألفونس) والآخر (دون لوزريق) فتوفي والدهما وتركهما تحت كفالة عمهما الملك المهرجان، فضم الأكبر إليه وعهد بالآخر - وهو ألفونس - إلى الوزير والد ضياء وكان للملك أخت يقال لها: (بوران) فتوفيت عن بنت يقال لها: (سلطانة) ، فأخذ يعتنبي بتأديبها، وأقام لها الخدم الكثير والمؤدبين من رجال ونساء، وكان للوزير (فرنان) قصر في ضواحي (بلرمة) حاضرة الدولة فأخذ (ألفونس) إليه وأحسن تأديبه، وتوسم فيه من الذكاء والنبالة ما حمله على استمرار التحفظ به، وكانت ضياء أصغر من (ألفونس) بسنة.
فلما نشأت ضياء معه وصارت هي في صباها وصار هو في صباه وقع بينهما حب كأشد ما يكون وعملا الجهد كله على أن لا يدعا الوزير يفطن لشيء من أمروهما حتى اتفق أن الوزير سافر بأمر الملك يجول في أنحاء المملكة ليتفقد أحوال الرعية ورد المظالم إلى أهلها، فاغتنم (ألفونس) فرصة غيابه، وأخذ في فتح باب في الجدار الذي كان قائما بين مقصورته ومقصورة ضياء وجاء بنجار ودفع له مالا كثيرا حتى يحسن عمله ويبقي السر مكتتماً في صدره، فاتخذه بين الرسوم التي كانت تغشي الجدار على إحكام ليس
стр. 252
في الإمكان أصح مما كان، بحيث إذا أغلق لم يفطن الرائي أن في ذلك الجدار بابا لكثرة ما هناك من النقوش والتخاريم.
فلما حقق (ألفونس) بغيته فيما أراد من وصوله إليها سرا أصبح يدخل عليها في أكثر الأيام ويبيت معها في حديث وتقبيل وملاعبة ليس غير لأنها شرطت عليه حين أذنت له بفتح الحائط أنه يدخل عليها لمبادلة الحديث بينهما فقط لا لشيء غير ذلك.
فلما دخلي عليها في بعض الأيام رآها ضيقة الصدر حزينة النفس فانكمش لذلك وسأل قهرمانتها عن الأمر الذي أوجب كدرها وكآبتها فقالت: وصل إليها يا سيدي أن الملك عمك انطرح على فراش الموت فقدرت أنك إذا توسدت الملك وصار إليك أمر الأمة فقد أشغلك العز والنعيم وأسكرتك العظمة والقدرة عن التفطن لها والقيام بعهودك إليها فلم يدعها تختم كلامها حتى دخل على بنت الوزير وقال لها: يا سيدتي، كأني أرى الكدر مرسوما على وجهك الفتان، فبالله إلا صدقتيني.
فلما رأته هيج الشوق بكاها، واغرورقت عيناها بالدموع، وكاد لا يأتيها الكلام، فسكتت قليلا، ثم قالت: لا شيء يوجب لي الكدر غير أني يا سيد وأمير الناس عمك المهرجان قد احتضرته الوفاة فإذا تبوأت الأريكة موضعه أشغلك أمر الأمة دوني، وصرفك اقتدارك عن النظر إلي لأني سمعت عن الأمراء أنهم إذا راموا حال ولاية عهدهم أشياء تطلبها أنفسهم ونالوها فإنهم يغضون عنها بعد جلوسهم على أريكة الملك وإني لو أمنت من وجهتك على وفائك بحق الوداد، فلم آمن من وجهة طالعي أن لا يخون سعادتي بك.
فلما سمع كلامها كادت تنفطر مرارته رحمة عليها وقال لها: يا سيدة الملاح إن تمكن اليأس منك على غير موجب لمما يفتت قلبي شفقة عليك وإن تصورك الخيانة في بصرف قلبي عن حبك لمما يزيل ذل العشق ويجرح خاطري، ولكن رجائي إليك أن تصرفي هذا الحزن وتعلمي أن سعادتي وفخري لا يتمان إلا بك. فقالت: أيها الأمير لا يبعد أنك إذا علوت السرير طلب إليك الوزراء والأشراف أن تتأهل بأميرة من بنات الملوك لتزيد عظمتك افتخارا ومجدا، ربما خانني دهري بأن يجعلك مجيبا لمسائلهم، فانتفض عرق الحدة بين عينيه وقال: لم تجلبين الكدر والقنوط لنفسك يا حبيبتي على غير طائل، فإني أقسم بالله إني إذا وليت الملك تزوجت بك على محضر من الأمراء والملوك.
فلما سمعت ضياء قسمه هدأ روعها واطمأنت نفسها وأخذا يتجاذبان أذيال المذاكرة عن مرض الملك المهرجان، وكان يظهر من كلام (ألفونس) أنه تكدر لوفاة عمه مع أن أميرا غيره كان يسر من وفاة ملك يورثه ملك الدولة، ولاسيما إذا كان عليه ثأر فباتت ضياء بعد قسم (ألفونس) بوفاء عهده إليها في راحة وأمن ودعة، وهي لم تعلم بالخطب الذي كان يحدق بها من جهة أخرى فإن وزير الدولة الثاني المعروف بالمركيس قد كان رآها في بعض الأيام ففتن جمالها عقله وخطبها من أبيها فوعده بأن يزوجها إليه، ثم اتفق أن الملك مرض فأخر الزفاف إلى أجل مسمى، وأمر الوزير (فرنان) جماعته أن لا يعلموا (ألفونس) ولا ابنته بشيء من ذلك الأمر.
فلما كان (ألفونس) صباح يوم جاءه الوزير ومعه ابنته ضياء، وقال له بعد السلام: يا سيدي إن الخبر الذي حملته إليك يكدر صفو خاطرك، ولكن البشارة التي أتبعه بها تسر خاطرك، وترفع مقامك.
فاعلم أيدك الله أن المهرجان عمك قد مات وأوصى إليك بالولاية بعده، فهنأته بالعطية وخفق لواء سعدك على أنحاء بلادك منصورا وأن الأشراف والأمراء والقواد قد اجتمعوا ببابك ليقدموا لجلالتك خالص التهنئة بما أعطاك الله، فلما سمع كلامه لم يخامر التعجب نفسه لأنه كان عالما بمرض عمه ودنو أجله من قبل ذلك بشهر وأيام وإنما صار صدره بعد سماع كلامه ميدانا تتسابق فيه الأفكار وتضطرب فيه الخواطر ففكر ساعة ثم قال: يا أبت، إني أتخذك وزيرا لي أعتمد في الأمر على حسن آرائك المباركة لأني رأيتها
стр. 253
تحسم النوازل كأنها سكاكين في مفاصل الخطوب، ويكون لكلامك نفوذ كأبلغ مما كان لأيام عمي ﵀، ثم انحنى على مائدة هناك ووضع ختمه على قرطاس وسلمه إلى ضياء، وقال لها: يا سيدتي، خذي هذا القرطاس واكتبي فيه ما أردت فوق الختم وهو يدلك على أني راض بكل ما تشائين وأن عشقك قد بلغ مني مبلغا لا سبيل إلى التعبير عنه بالقلم ولا باللسان، فلما سمع (فرنان) كلامه أخذه العجب منه لغفلته عن إدراك عشقهما قبل ذلك، وسلمت ابنته القرطاس إليه وقد قالت للملك - وفي وجنتيها احمرار الخجل -: يا سيدي إني أقتبل النعمة التي يمطر جلالة الملك علي خبرها بشكر لا مزيد عليه ولكن لي أب لا أعزم على أمر إلا بمشيئته، فأنا أسلم الرقعة إليه وهو يكتب فيها ما يشاء بحكمته ودرايته فقال الوزير للملك: يا سيدي إني أكتب في هذه الرقعة ما تسومني شكرا عليه فيما بعد.
فقال له: اكتب بها ما أردت أيها الحكيم الفاضل فإنك لطيف النظر، ولكن أسرع الآن إلى (بلرمة) وخذ مبايعة الجند والأمراء وبلغهم سلامي وقل لهم: إني أسير إليهم بعد وصولك بقليل فما كاد يتم كلامه أن انصرف الوزير وابنته وركبا العربة إلى (بلرمة) ، وهي تبعد أميالا قليلة عن موضع القصر.
وأما الملك (ألفونس) فإنه بعد انصراف الوزير بساعة ركب جواده وقصد مدينة (بلرمة) لينزل من قصر السلطنة وباله مشغول بالعش، فلما رآه الناس ارتفع فيهم الدعاء له وأصوات الفرح والسرور حتى دخل مجلسه في القصر، فرأى (سلطانة) بنت (بوران) عمته في ثياب السواد، فعزاها وعزته، ثم ارتفع على السرير وجلست هي على كرسي دونه وقد ظهر أنها تحبه في قلبها مع أن العداوة بين أمها وأبيه كانت من أشد ما يكون، ثم جلس الأمراء والقواد على كراسي ووسائد زينت لهم، وقام فيهم (فرنان) الوزير خطيبا، وتلا وصية المهرجان إليهم.
يقول: في بعضها إنه لما لم يرزقني الله ولدا يلي الملك بعدي فإني أجعله أربا إلى (ألفونس) ابن أخي على شرط أن يقترن بسلطانة ابنة أختي فإن أبى ذلك فيصير الملك إلى أخيه (دون لزريف) على الشرط عينه وهذه وصيتي إلى الأمراء والقواد.
فلما وعى (ألفونس) ما في وصية عمه كاد ينخلع قلبه من الغم والهم والكدر، وما لبث الوزير أن أتبع تلاوة الوصية بقوله للحضور: أيها الأمراء إنه لما بلغت جلالة الملك مرام عمه المهرجان من زف (سلطانة) إليه لم يتردد ساعة في قبول ذلك، فازداد غم (ألفونس) حتى بان الكدر في وجهه وقال للوزير: ولكن اذكر يا (بهرام) القرطاس الذي سلمته إلى ابنتك ضياء فأجابه الوزير - وقد رفعه على مشهد من الأمراء -: ما كتب في هذا القرطاس: هو وعدك بأن تقترن بابنة عمتك وتتم كل ما ذكر في وصية عمك، ثم فتحه وقرأه على مسمع من الأمراء والأعيان فسروا من حسن عواطف الملك، وارتفعت أصواتهم بالدعاء له وهم غافلون عما كان في نفسه حتى إذا تفرق جمعهم إلا قليلا وتباعدت (سلطانة) التي ما فتئت تبث إليه هيامها به، وهو لا يعقل من شدة اضطراب عقله قال للوزير (فرنان) : أنت خنتني وحق السماء وإنما كان الواجب عليك أن تكتب في القرطاس ما كان من الاتفاق والعهود بيني وبين ابنتك.
فقال له الوزير: يا سيدي تمعن في الأمر فإن أنت خالفت وصية عمك المهرجان فقد بخست نفسك حقها وأضعت الملك من بين يديك قال هذا وابتعد عنه حتى لا يسمع جوابه فغضب الملك غضبا شديدا وبات بين اعتمادين في نفسه.
فإما أن يعتزل عن الملك، وإما أن يقترن بابنة عمته ففكر في ذلك برهة فوقع في ذهنه أن زفافه بابنة عمته لا يكون إلا ببراءة من لدن البابا تأتي بعد شهر أو شهرين وأنه في تلك المدة يولي المراتب العظيمة من يأمن خيانته من الأمراء والقواد حتى إذا نفذ الوصية لم يتفقوا على خلعه وبات أمر الأمة في يده.
فلما وقع هذا الرأي في نفسه سكن روعه واطمأنت نفسه وحقق
стр. 254
بغيته بما أراد من الاقتران بضياء حبيبته، ولم يطلع أحدا من الناس على ذلك، وكان يخابر (سلطانة) بالكلام اللطيف ويسبك كلام (بهرام) في أنه يحب الاقتران بها حتى لا تهب إعصار الفتنة قبل تداركه إياها بالحيلة.
ولكن كان من نكد الحظ أنه بينما يحدث (سلطانة) ويعد باقترانها به إذ دخلت ضياء مع أبيها وقد وقع كلامه في أذنها فاصفر لونها واستحوذ عليها شيء شبيه بالغمائم قال لها أبوها بحضرة (سلطانة) : يا بنية، قدمي احترامك إلى ملكتك وادعي الله أن يطيل عمرها ويجعل أيامها بالسعد مقبلة، فتأكدت من كلام أبيها ما سمعت من كلام الملك وأخذتها رجفة شديدة لم يكن لها حيلة في إخفائها. فأما (سلطانة) فظنت أن اضطرابها إنما هو ناشئ عن عزة الملك الذي لم تره قبل ذلك، وأما الملك فإنه عرف سبب ألمها وكدرها لما كان من وقوع وعده ابنة عمته في أذنها، وصار بنفسه الاضطراب مثل ما صار بها، وأحب لو مكنته الظروف من الاجتماع بها حتى يعلمها بأن وعده لسلطانة إنما هو حيلة منه لا خيانة بودها، ولكن لم يكن من سبيل إلى التحدث سرا معها إذ كانت عيون الأعيان متجهة إليه هذا ما كان من أمر الملك.
وأما ضياء فإن أباها لما أنس جزعها وقنوطها، ورأى الملك منقبضا إلى اليأس صار بها على الفور إلى قصره وقد أعلمها بأنه سيزوجها إلى المركيس، فلما سمعت كلامه بلغ الحزن من نفسها ووقف الدم على قلبها، فوقعت بين يدي أبيها مغشيا عليها وقد ضعفت قواها وتغير لونها حتى كأنها الميت المدرج في كنفه فرق قلبه عليها وتداركها بماء الورد حتى أفاقت. فقالت: يا أبتاه الشفيق يخلجني أني أطلعتك على اشتغال قلبي بهوى الملك، ولكن الموت الذي يوافيني بعد قليل سيرفع عنك أكدارا جلبتها عليك ابنة منكودة الحظ فقال لها: لا تقنطي يا بنية، فما الوزير الذي أزوجك منه إلا أعظم رجل في الدولة، وأجله خطرا. فقالت: صدقت يا أبت وإني أقر بفضله وكرم أخلاقه وسجاياه غير أن الملك كان يؤلمني بأن أكون له عروسا. فقال لها: لقد علمت اليوم كل ما كان بينك وبينه، وأنا لا أعذبك على ذلك، ولكن من حيث قد قام بين الوعد وإنجازه مانع لا يقوى الملك على إزالته إلا بخسران الملك من يده فاعملي على صرف آمالك وكفكفي دموعك حتى لا يقال في دار الملك: إن حبه قد علق فؤادك، ولا تؤملي بأنه يتخذك زوجة له إذ أنه اشترى بك الملك والسلطنة. واعلمي بأني وعدت الوزير (المركيس) بأن أزوجه منك فانجزي وعدي إليه ولا تخيبي أبا يتقدم إليك بالضراعة والطلب قال هذا وانصرف إلى مجلسه وهو مؤمل بأنها إذا فكرت فيما نطق به إليها لبت طلبه ورضيت بأن تصير زوجة للمركيس الوزير.
فلما خلا المكان لضياء أسبلت الدمع من عينها وغلب عليها اليأس وخامرها كمد لا يعبر عنه اللسان لما كان من تحققها خيانة الملك بدليل الكلام الذي سمعته من فمه، وما كان من إكراه أبيها لها على تزوجها من المركيس الذي لا تقدر أن تحبه، فظنت أن الموت لا يبعد أن يفاجئها بعد ذلك، ثم صاحت: (تبا لك أيتها الآمال التي عللت نفسي بها، ثم ألقتني في وهدة الألم والحسرات، وأنت أيها العاشق الخائن لم علقت امرأة غيري بعد تقدمك إلي بالقسم والعهد فلا هناك الله بهذا الملك الجديد، ولا بوركت بهذا الزمان الذي ثلمت فيه اليمين بعد توثيقها إلي ولتكن لحظات (سلطانة) إليك حنقا عليك، وليكن ريقها كسم قتال ينحدر إلى جوفك ليبدلك الله بنعمتك شقاء مثل الشقاء الذي أذوق مرارته. واعلم أيها الخائن من حيث إن ديني لا يحل لي قتل نفسي بيدي فإني سأنتقم من نفسي بأن أتزوج بالمركيس الذي لا أحبه حتى إذا كان عشقي باقيا في فؤادك أسفت وتحرقت لتسليم نفسي إلى رجل غيرك، وإن كان ذكري قد برح من خاطرك فأكون
стр. 255
على الأقل قد انتقمت من نفسي لأجل أنها أشغلت قلبها بحب رجل خائن مثلك) .
قالت هذا الكلام والدمع يجري من عينها وهي في حالة من القنوط لم تنفك عنها النهار ولا الليل بطوله، فلما أصبحت دخل عليها أبوها وعلم منها أنها عازمة على الاقتران بالمركيس، فاغتنم هذه الفرصة أن جاء به وزوجها منه سرا في كنيسة القصر، فكانت حالتها في ذلك اليوم تستبكي الحجر رحمة عليها إذ لم يكفها مصابا بأنها فقدت الملك وجفاها حبيبها الرفيق، وتزوجت برجل لا تميل إليه حتى إنه وجب عليها أن تكتم حزنها في قلبها بحضرة هذا الزوج الذي هام بحسنها وجمالها، ومازال جاثيا على الأرض بين قدميها إلى آخر النهار، غير تارك لها فرصة تبكي فيها على انفراد ما حاق بها من البلاء.
فلما أقبل الليل ودخلت عليها قهرمانتها وزينتها لدخوله عليها خامرها يأس عظيم لم يسعها كتمانه بحضوره، فتقرب منها بتذلل وسألها عن سبب كدرها فحاولت إخفاء الأمر عليه وقالت: إن نفسها منقبضة في تلك الليلة ليس غير، فزم عليها أن ترقد في السرير، فأبت إلا الجلوس مكانها على المقعد وأخذت تفيض من عينيها دموعا كثيرة فتعجب لذلك عجبا شديدا وأتاه أن من جفائها إياه لأمرا يخون عشقه لها ولا يليق بشرفه وعرضه فبات جزعا قلقا وأعمل على أن يبقى اضطرابه كامنا في صدره.
فقال: يا سيدتي، قومي إلى مضجعك وخذي راحة لجسمك والرياضة لعقلك، وإن كنت ترومين آمر القهرمانات بالقيام بين يديك لخدمتك فعلت ذلك إكراما لخاطرك.
فقالت - وقد اطمأنت نفسها وذهب خوفها ووجلها -: إني لا أرى لزوما لقيامهن بين يدي، ولكن أرقد في السرير حتى يغلبني النعاس ويروق ما بي من القلق. وكان المركيس في تلك الليلة متسهدا من شدة جزعه وهو يفكر في نفسه لما كان من ضياء بأن حبيبا قد هام قلبها بحبه، ولكن من هذا الحبيب أمن أمثاله، أو ممن هو أخفض من مراتب الدولة، فلم يعلم ذلك ولكنه رأى نفسه بهذا الزواج أشقى العالمين، ومازال يردد هذه الأفكار في نفسه إلى هدوّ الليل الآخر وإذا بقرقعة خفيفة قد طرقت أذنه وتلاها وطء أقدام خفيفة في المقصورة فظن بادئ الأمر أن ذلك يتراءى له بالوهم لعلمه بأنه كان قد غلق الباب وقفله بيده بعد انصراف القهرمانات، غير أنه أزاح ستار السرير ليرى بنفسه ما كان من هذا الأمر.
فإذا بالمقصورة سودها الظلام لأن السرج الذي كان موقدا قد انطفأ فبقي في موضعه مكتئبا وإذا بصوت منخفض حنون ينادي: يا ضياء فوثب من فراشه مذعورا وبادر إلى سيفه وتقدم إلى جهة الموضع الذي منه سمع الصوت ليمزق صدر الحسود الذي أراد أن يفوز باللذة على مشهد منه فإذا بسيف صلت قد لطم سيفه، فوثب فشعر ما بين ظلام الليل برجل يهرب من وجهه، فلحقه من موضع فلم يقف له على أثر فتعجب ووقف مكانه صاغيا فلم يسمع حركة البتة، فتراجع وجحد موضعه فظن أن ذلك سحر مبين.
ثم تقدم إلى جهة الباب فوجده مقفولا فزاد عجبه وظن أن غريمه يكون مختبئا في موضع من المقصورة ففتحه ووقف فيه لئلا يفر الغريم من وجهه وصاح بخدمه وغلمانه لملاقاته، فبادر جماعة منهم بالسرج والشموع في أيديهم، فتناول شمعة منورة وقلب المقصورة بالبحث والتفتيش وسيفه في يده صلت فلم ير أحدا، ولا رأى منفذا فيه للدخول ولا للخروج، فتحير تحيرا شديدا وكان يغيب عقله عن الصواب، فرام أن يسأل ضياء عن الأمر ففكر أنها وإن عرفت شيئا من ذلك فهي تخفي عليه أمره، فعزم على أن يفاوض أباها في هذا الشأن وسار إليه وقد صرف الغلمان إلى مواضعهم بقوله إنه سمع قرقعة على حين لا شيء من ذلك.
فلما صار على مقربة من غرفة الوزير رآه مقبلا من الباب ليرى ما كان من أمر الضجة والصراخ فأخبره بالقضية فورا وهو لا يعقل لشدة اضطرابه، فلما سمع كلامه تعجب غاية العجب واستحوذ
стр. 256
عليه كدر عظيم وعرف في نفسه الداخل إلى ابنته ليس هو إلا الملك بعينه، ولكن لم يطلع المركيس على ذلك وإنما عمل بعكس ذلك على تهدئة جأشه وتسكين روعه وإقناعه بأن ما سمعه ليس هو بأمر واقعي وإنما هو خيال يزور صاحب الغيرة من العشاق.
فإذا رأوا غير شيء ظنوه شيئا، وأكد له بأن قلق ابنته لم ينشأ عن خوف وخجل خامر فؤادها بتزويجها من رجل لم يكن لها معرفة سابقة به فهي تبكي كمثل ما يبكي غيرها من بنات الخدور من الأشراف اللواتي لا تميل قلوبهن إلى رجالهن إلا بعد المؤالفة الطويلة، ثم إنه حض على حسن الظن بها وأن يرجع إليها وينفي ما أتاه من الأوهام والأفكار، فلم يجبه المركيس بشيء على ذلك لأحد سببين فإما أن يكون اقتنع بأن ما سمعه وشعر به لم يكن إلا وهما تراءى له على حين كان باله قلقا، وإما أن يكون أضرب عن الرد على (بهرم) على حين لا يحصل له من إقناعه بكلامه فائدة، فعاد إلى سريره طلبا لإراحة نفسه بالنوم بعد شدة ما قاساه. هذا ما كان من أمره.
أما ضياء فلما سمعت وطء الأقدام في الغرفة ومناداة الزائر إياها عرفت أنه الملك نفسه فتعجبت منه غاية العجب لما كان من أمره أن يجتمع بها ويجلس إليها على حين وعد (سلطانة) بأن يتزوج بها ويجالسها ويلبسها تاج الملك، فداخل قلبها من مرامه هذا غيظ شديد لأنها حسبت دخوله عليها سرا في الليل إهانة أخرى تتهم شرفها إلى آخر ما فكرت في نفسها من سوء الظنون.
وأما الملك بعد أن انصرفت ضياء من حضرته يوم جلوسه على الملك وهي تظن به أنه أعظم الناس خيانة هام قبله بحبها أكثر من الأيام السالفة ورام أن يجتمع بها ليفصح لها عما خبأه في ضميره وأخذ في الحيل السياسية لأجل التمكن من الاقتران بها، غير أن اشتغاله في تلك الأيام ووفود الأمراء عليه لتهنئته لم يترك له فرصة للمسير إلى قصرها قبل آخر الليل، فدخل البستان وفتح بابا سريا من القصر بمفتاح كان لا يزال في جيبه، ثم طلع إلى المقصورة التي ربي فيها ودخل مقصورة ضياء من الباب الذي فتحه في الحائط.
فلما رأى عندها رجلا وقد لطم سيفه سيفه تعجب غاية العجب من ذلك كأنه لم يكن يعلم بتزويجها من المركيس، وكاد أن يعرفه نفسه في ذلك الوقت ويأمر لحينه بقتل الشقي الذي تطاول عليه برفع السيف لولا أن حبه لضياء منعه صونا لها، وأسف لوقوع هذا الأمر.
وقد عزم على العودة من الغد ليرى ما كان من هذا الرجل من إهانة شرفه وعرض نفسه للتهلكة وذلل عشقه وغرامه، فلم ير لذلك أسهل من الحيلة بالخروج إلى الصيد، فلما طلع النهار أمر جنده وأتباعه بأن يجهزوا له مركبه لذلك فركب إلى غاية القصد وبدأ في مزاولة القنص باجتهاد حتى لا يبقى لجماعته مجال لأن يفطنوا لمقصده من الحيلة.
فلما اشتغل كلهم بالصيد ولحقوا الكلاب التي تطارد الغزلان والمها ركب جواده وسار إلى موضع القصر وهو لم يضل في مسيره لأنه كان يعرف الطرق والمنافذ إليه ولم يسعه اصطباره إلا أنه يركض فرسه ملء مروجه، فلما قطع المسافة التي كانت بينه وبين موضوع عشقه وآماله وهو يفكر في الحيلة التي يمدها للاجتماع بها سرا رأى تحت شجرة على باب القصر امرأتين تتحدثان فخفقت أحشاؤه لعلمه بأنهما من نساء القصر ثم ما لبثنا أن التفتتا إليه لسماعهما طرق أرجل الفرس فتحققهما وإذا هما ضياء وقهرمانة لها أمينة قد صحبتها لتبث إليها شكواها وأحزانها، فترجل عن جواده وقابلها بالتحية والإكرام فإذا بها متقطعة من الحزن فرق قلبه عليها.
وقال لها: يا سيدتي، كفكفي دمعك وأذهبي الحزن عنك فإن ظواهر أمري وإن لم تقم ببرائتي لديك ففي نفسي عزم على الاقتران بك لا أنفك عنه ولو خسرت النعمة التي أتقلب فيها، فلما سمعت كلامه خنقتها العبرة ولم يأتها الكلام فقال لها: لم تتمادين في الأحزان يا سيدتي ولا تعتنين بملك يبيع ملكه حتى
стр. 257
ينعم بك؟ فغصبت نفسها على النطق وقالت: أيها الملك لقد قام دون اقترانك بي مانع لا تقوى عليه. فقال: يا سيدتي لا تسمعيني هذا الكلام الشديد الذي يمزق كبدي فأنا والله لأقلبن البلاد وأصبغها بالدم ولا أفقد نفسي سعادتها من الاقتران بك! فقالت: أيها الملك، إن اقتدارك وعظمتك لا ينفعانك في هذا الوقت، فما أنا اليوم إلا امرأة المركيس الوزير، فلما سمع كلامها غاب عن الصواب ومزق اليأس قلبه وأوقعه في غماء، ورجع الوراء بارتجاف وقد وهت قواه واصفر فألقى نفسه كالقتيل على شجرة كانت وراءه ولبث ينظر بعين آسفة إلى حبيبته ليظهر مبلغ اليأس من هذا الخطب الجسيم والبلاء، فكانت حالته وحالتها في ذلك الحين تستبكي الحمام رحمة بالعاشقين، ثم إنه وقع نفسه بقوة وشجاعة وقال - وهو يتنهد -: يا ضياء، كيف فعلت ذلك لقد أهلكتني وأهلكت نفسك بهذا الحزن.
فلما سمعت كلامه تنغصت منه في نفسها لعلمها أن الخيانة كانت منه لها لا منها له. وقالت: أيها الملك كيف تخونني، ثم تلومني وتعذلني أما كفاك وعدت (سلطانة) ابنة عمتك بالاقتران بها حتى جئت تكذب ما نظرت عيناني وسمعت أذناي فقال: يا سيدتي، لقد قلت لك: إن ظواهر أمري تقضي علي بأني خائن، ولكن ما سمعته من وعدي ابنة عمتي ليس إلا سياسة كنت حمدتني عليها فيما بعد وحققت أن عشقي لك لا يكون في القلوب أعظم منه فقالت: أيها الملك، لقد علقت نفسي بآمال ظننت أنك تحققها لي، ولكن العظمة قد أبعدتك عني فرأيت أنه لا يليق بي أن أضع على رأسي تاج الملكات فأنت أيها الخائن لِمَ لم تنطق إلي بالحقيقة التي عاهدت نفسك على إجرائها يوم أنست قلقي واضطرابي فكنت يوم ذاك شوكت جور الدهر من خيانتك وظلمك وما كنت تزوجت بأحد غيرك.
وأما الآن فإني أستأذن منك بالدخول إلى مخدعي حتى أخلص من هذه المذاكرة التي تهين مجدي وشرفي ولا يحل لي أن أكلمك فيها أو في غيرها بعد أن صرت زوجة للمركيس الوزير، قالت هذا وابتعدت عنه إلى باب البستان. فقال: بالله قفي وارحمي ملكا مغرما يروم أن ينتزع الملك من يده حرصا على ودادك.
فقالت: لقد حال الجريض دون القريض وأنا اليوم لا أقلق لخراب الدولة إن خربتها، ولا اضطرب لزوجتك إن تزوجت بمن أردت.
واعلم بأني وإن أشغلت قلبي بهواك لأعملن جهدي كله في أن أكون خالية منه وأريك أن زوجة المركيس ليست معشوقة الأمير (ألفونس) كما عهدتها، قالت هذا ودخلت البستان وتركت الملك في أشد حسرة لما كان من إعلامها إياها باقترانها بالمركيس فوجم ساعة يفتكر بمصابه وما كان من خيبة آماله حتى كادت الغيرة تقتله فانتفض عرق غضبه وعزم على أن يقتل (بهرام) والمركيس الوزير في ساعته لولا بقية صواب بقيت في عقله وتراءى له فيها أنه إذا جمعه ومحبوبته مجلس سري أزال يأسها وأحزانها وبرأ نفسه من تهمته بخيانتها فلم ير ذلك إلا ببعد المركيس عنها، فرجع إلى قصره وأمر رئيس الشرطة أن يقلي القبض عليه بقوله: أن له في بعض الفتن.
أما المركيس فإنه لما قبض عليه رئيس الشرطة بإذن الملك وضجت المدينة لذلك رأى الوزير أن يذهب إلى البلاط ويتقدم إلى الملك بالشفاعة في صهره، وكان الملك قد عرف ذلك وأن الوزير لابد من أنه سيدخل عليه للشفاعة، فأمر حجابه بأن لا يأذنوا لأحد بالدخول عليه كائنا من كان حتى لا تكون له فرصة لمزار حبيبته قبل الإفراج عن زوجها، ولكن (فرنان) مع علمه بأمر الملك أبى إلا أن يدخل عليه بحيلة من الحيل حتى إذا مثل بين يديه قال له: أيها الملك الشفيق العادل، إن عبدك (فرنان) جاء يشتكي منك إليك فأي ذنب اقترف صهره حتى حل به سخطك ولزمه العار بما أمرت به رئيس شرطتك من القبض عليه؟ فقال: اعلم أيها الوزير الصادق
стр. 258
أن لدي بينات تثبت بأن لصهرك يدا في فتن الدولة ولا أظنه إلا ميالا مع أخي (دون لزريف) يريد أن يبايعه ويخلعني فردد الوزير في نفسه له يد في فتن الدولة ويخلع ويبايع، ثم رفع رأسه وقال: لا وأيد الله جلالة الملك إن الخيانة لم يتعودها أحد من آلي، وكفى بأن يكون المركيس صهرا لي حتى تنتفي عنه هذه التهمة، ولكن أراك قد قبضت عليه لغاية سرية منك! فقال الملك: من حيث إنك تكلمني عن سري فإني أبيح به إليك فاعلم أن الطريق التي اتخذتها بحقي جلبت علي وبالا عظيما وحرمتني لذة ينعم بها أحقر الناس قدرا. واعلم بأني لا أتزوج بسلطانة بنت عمتي. فرجف الوزير من ذلك وقال: لا يصح أيها الملك أن لا تتزوج بها بعد أن واعدتها بذلك على محضر من الأمراء والقواد فقال: ليس الذنب في ذلك علي، وإنما هو واقع عليك لما كان من إكراهك إياي على وعدها بذلك على حين لا رغبة لي فيه ولا إمكان، وما كان من كتابتك القرطاس الذي سلمته إلى ابنتك باسم (سلطانة) لا باسمها وما كان من تزويجك إياها من المركيس بالرغم عنها حتى ولو فرضنا أن طاعتك منها واجبة فما كان أغناك أن تفيدني بوعد لا طاقة لي على إنجازه إلا تذكر أن (سلطانة) إنما هي ابنة (بوران) التي أهدرت دم أبي ظلما وعدوانا أترى في الإمكان أن أجتمع وإياها على فراش واحد لا والله ولكنك ترى صقلية رمادا وسكانها رمما ومتاعها نقارا ومعالمها دوارس من قبل أن أنجز (سلطانة) وعدي باقتراني بها، فلما سمع الوزير كلامه خاف العاقبة.
وقال: أيها الملك العظيم، اخفض عليك غضبك ولا أظن أن حبك لرعيتك يدعك أن تفعل ما تقول وعشقك لابنتي يحملك على إعمال العشاق من العامة، وأنا إنما صاهرت المركيس لكي أجعله من عبيدك المقربين فقال الملك: إن مصاهرتك إياه كانت سببا لما أنا فيه من القلق والاضطراب فلم توكلت بأموري على حين لم تصن رعايتها ولا سياستها أفرأيت في جبنا حتى لا أقهر من ناوأني من الأمراء والجند إذا أثاروا الفتنة علي أم رأيت أم الملوك لا حق لهم بالتنعم بما يتنعم به عامة الناس فإن كان رأيك هذا وأني أكون عبدا فخذ هذا الملك الذي أردت أن تبقيه لي بما عملت من جلب الغم واليأس علي فقال الوزير: أنت تعلم أن الملك لم يصل إليك إلا باقترانك مع (سلطانة) .
فقال: بأي حق كتب عمي وصيته كذلك فهل اشترط عليه أخوه (كارلوس) بمثل هذه الشروط حين خلف له الملك ولكن لتعلم أن وصيته تفسيرها العدالة وأني لا أعزم على الاقتران بابنة عمتي حتى إذا أبدى أخي إشارة ثورة علوته بالسيف وأن فكرته وإلا فكان أحق بالملك مني.
فلما سمع الوزير هذا الكلام لم يبق عليه إلا أن يقبل الأرض بين يدي سيده ويطلب منه العفو عن صهره فوعده بذلك وأمره بأن يسير إلى قصره وينتظر رجوع المركيس بعده بقليل حتى إلا خلا له المكان رجع إلى نفسه وعزم على إبقاء المركيس في السجن إلى غد اليوم ليزور زوجته خفية. وأما المركيس فإنه لما قبض عليه صاحب الشرطة وطلس به لم يخف عليه معرفة سبب ذلك وصار في نفسه كأنه مطمح للغيرة تتقلب به، وتقطع فؤاده حسرة وندما، وعزم على أن ينتقم لنفسه بعد الإفراج عنه، ولكن لما قدر أن الملك لابد أن يجتمع بزوجته في تلك الليلة رام أن يدهمهما بغتة فطلب من أمير الحبس أن يطلقه في تلك الليلة على الوعد بأن يعود في الصباح إلى محبسه فلباه لذلك لمودة كانت بينهما، ولعلمه بأن (فرنان) تشفع له عند الملك فوعده بالإفراج عنه.
وزاد الأمير على ذلك أنه قدم إليه فرسا كريما ليذهب إلى قصر زوجته فلما وصل إلى البستان فتح بابا سريا بمفتاح كان في جيبه وطلع إلى القصر واختبأ في مقصورة بجانب مقصورة زوجته دون أن يراه أحد ووقف وراء الباب ليرى كل ما يكون حتى إذا سمع صوتا بادر إلى المقصورة بسيفه
стр. 259
فما كان بعد قليل إلا أن مرت من هناك قهرمانة ضياء وصارت إلى مخدعها للرقاد - هذا ما رآه من وراء الباب في بادئ الأمر.
وأما ضياء فإنها لما بلغها قبض رئيس الشرطة على زوجها علمت أن الملك أمر بذلك لكي يأتي إليها فلا يراه وقدرت أنه لا يفرج عنه في تلك الليلة مع كل ما أكد لها أبوها أن الملك وعده بان يفرج عنه بعد رجوعه بقليل، فباتت وهي تنتظر دخول الملك عليها لتلومه على حبس زوجها وتخوفه العواقب الوخيمة التي تنالها منه، وإذا به قد فتح الباب (وذلك بعد انصراف القهرمانة) وانطرح بين قدميها وقال لها: يا سيدتي، لا تقضي علي بالشر قبل أن تسمعي اعتذاري فإني لم أحجز على زوجك إلا لتكون لي فرصة للاجتماع بك وإظهار الحقيقة لك، فإذا فرجت عنه لم تبق لي وسيلة إلى ذلك.
فأقوال من حيث إن حرمانك حبا لي وفقدانك من بين يدي قد أحدث بي ألما لا يعبر عنه اللسان فدعيني أخفف هذا الألم بتأكيدي لك أني لم أخن عهودي إليك في شيء من الأشياء، وإني إنما وعدت (سلطانة) بالاقتران بها سياسة أكرهني عليها أبوك سامحه الله لا رضا من نفسي وإلا فإن أعمالي في الليل والنهار كانت للتمكن من التزوج بك دونها، فكان من سوء الحظ ونكد الطالع أنك سلمت نفسك إلى هذا المركيس، وجعلت لي ولك حزنا لا ينفك آخر الدهر. قال هذا الكلام وقد ظهر على وجهه يأس فهمته منه ضياء وسرت منه في بادئ الأمر لتحققها عشق الملك لها.
ثم فطنت لتزوجها بالمركيس وفقدانها هناء الوصال من الملك، فتقطعت حزنا وقالت: أيها الملك إن معرفتي بعد حكم الزمان بتفريق شملنا أنك لم تخني في عهودي لما يزيد فؤادي على علاته وصبا ولكن طالعي أبى إلا أن يكون نكدا فظننت أنك نسيتني بعد جلوسك على أريكة السلطنة حتى إذا أمرني أبي بأن أتقبل المركيس زوجا لم أخالفه بذلك فكان مثلي كالرجل الباحث على حتفه بظلفه والويل لي على ما كان مني مذ خنت اليمين بعد توكيدها إليك، فانتقم لنفسك مني بأن تهجرني وترفع ذكري من خاطرك. فقال بصوت: ليس بمقدرتي يا سيدتي أن أهجر هواك ولا تعذليني على ذلك فإن العذل يولعني ويزيدني جوى! فقالت وهي تتنهد: ولكني أرى من السداد أن تجهد نفسك بذلك فقال: وهل في استطاعتك أنت أن ترفعي ذكر عشقنا من خاطرك؟ فقالت: لا أظن ولكن أبذل الوسع فيه فقال: يا قاسية القلب، أتعرضين عن محب قتله هواك وعلقت بك محبته أيام الصبا بمجرد عزم تعزمين عليه؟ فقالت كأنها ترفع عنها المذلة: أتظن بأني أرضى بأن تكون لي اليوم عاشقا لا وحياتك فإن القدر إذا لم يقدر لي بأن أكون ملكة، فلذلك لم يقدر علي بأن أخون زوجي وهو من القدر والفخامة بمنزلة لا تقل عن منزلتك لأن أجدادك هم أجداده وقد دانت لهم الملوك أيضا كما دانت لك اليوم وإني أحلف عليك بالأيمان أن تنصرف عني ولا تذل عرضي وشرفي.
فصاح الملك: يا للجفاء والقسوة! أما كفى بي حزنا أن تكوني زوجة المركيس حتى تعامليني بهذا الجفاء وتحرميني من رؤيتك التي لا سلوة لي غيرها؟ فبكت، وقالت: بذا قضت الأيام، فانصرف عني فإن رؤيتك تهيجني شوقا إليك وتحدث خفقانا في قلبي لتذكري أيام الصبا، كما أن أحشائي تضطرب اضطرابا، وقل أن يكون في العاشقين مثله عند اجتماعهم بأحبابهم فاذهب وخلص شرفي من المحاربات التي تخالج فؤادي فقالت هذا الكلام وأخذت في نفسها حتى إنها قلبت شمعة منورة كانت وراءها على مائدة من غير أن تفطن لذلك فتناولتها بيدها وسارت إلى مقصورة القهرمانة لتشعلها، فلما عادت ألح عليها الملك بأن لا تعرض عن حبه ليبقى الحب بينهما متبادلا، فلما سمع المركيس كلامه اتقدت به نار الغيرة ووثب إلة المقصورة غضبا في ذات
стр. 260
الوقت الذي عادت فيه زوجته. وقال الملك - والسيف في يده صلت-: أيها الظالم الغاشم لا تظن أيها الخائن أنك تتمكن من تتميم مرغوبك على أسهل طريقة كما حسبت. قال هذا وتواثبا كلاهما على بعض ووقع بينها صراع لم يطل كثيرا لشدة حدتهما فيه لأن المركيس قد تخوف من أن يبادر (فرنان) وأعوانه لشدة صراخ زوجته فينفذ الملك من بين يديه، فرام أن ينتقم منه على عجل واحتد حتى غاب عن الصواب فوثب وثبة شديدة بادره الملك فيها بطعنة فصرعه على الأرض يختبط بدمه.
فلما رأته زوجته على تلك الحال غلب عليها الحلم والرأفة وبادرت لملاقاة جراحه، ولكن عوض أن يشكرها لذلك حنق عليها حنقا شديدا وفكر بأنه إذا مات حملها الملك إلى قصره وبات معها في هناء ونعيم فاشتدت عليه الغيرة حتى جمع قواه ورفع السيف الذي كان بيده وطعنها به وهو يقول: موتي أيتها الزوجة الخائنة التي لم تحفظي عهودا أقسمت بالله في بيعته المقدسة على توكيدها إلي وأنت أيها الملك لا تفرح بموتي ومصابي لأنك لا تهنأ بالملك بعدي قال هذا وسلم روحه على حين لم تزل سمات الانتقام مرسومة على وجهه وقد وقعت عليه زوجته وامتزج دمها بدمه.
وأما الملك فإنه لما طعن المركيس زوجته ولم يكن له وقت لمداركة الأمر أظلمت الدنيا في وجهه وكاد يقع على الأرض من عظم الحزن والأمل فبادر إليها لملاقاتها بمثل ما تلافت هي زوجها على حين ما أساء مجازاتها بالقتل فقالت له بصوت ضعيف: أيها الملك الحبيب إن تدراكك أمري الآن لا يحصل منه بعد تمزيق صدري بالسيف ثمرة فليكن ملكك معظما مباركا بعدي وليكن السعد خادما لك ثم إن أباها كان قد سمع صراخها فدخل المقصورة ورأى تلك المشاهدة أمامه فوجم حزينا لا يبدي حركة غير أنها لم تفطن بما هي فيه لقدومه فأكملت كلامها إلى الملك وقالت: إني أودعك أيها الملك وأستودعك الله وأرجو أن تردد ذكري في خاطرك لأن ودادي لك وما لحقه من البلاء ليجرانك على ذلك وأملي منك أنك لا تحنق على أبي بل تكافئه على أمانته لك وتحفظه لك وتعزيه بي على قتلي وتعرفه طهارتي وعزة نفسي وهو الأمر الذي أوصيك به.
قالت هذا وسلمت روحها فوجم الملك ساعة لا يبدي حركة ولا يتكلم بحرف لشدة نزنه، ثم رفع طرفه إلى وزيره وقال له: انظر أيها الوزير ما قدمت يداك، وما دبرت من الحيلة لثبات الملك لي كيف ساءت الحيلة مصيراً فلم يجبه الشيخ بكلمة، لعظم وقوع البلية عليه.
وأنا لا أتعرض الآن لذكر الشعائر التي لا يعبر عنها اللسان وأكتفي من ذلك بالقول: إنه لما رجع الملك ووزيره إلى عقلهما بكيا وأعولاً عيولاً كثيراً حتى كانت حالتهما تفتت الأكباد وتذيب الجماد وبقي الحزن في قلب الملك سنين طويلة وقد حفظ ذكر محبوبته في قلبه سائر أيام حياته ولم يبق له طاقة على الاقتران بسلطانة، فتزوجها أخوه (دون لزريف) وأثار معها فتنة في البلاد لما حدثت نفسه له من وصول الملك إليه إتباعاً لوصية عمه المهرجان غير أن الدائرة دارت عليه ودانت البلاد لأخيه (ألفونس) وخضع له القواد والأمراء أما (فرنان) فإن الحزن والأسف المتسبب من تلك الخطوب غلب عليه حتى ألجأه إلى مبارحة أوطانه فسبحان مغير الأحوال.
ضباعة بنت الحارث الأنصارية
كانت من نساء الأنصار التقيات النقيات العابدات اللاتي لهن صحبة حسنة مع النبي ﷺ وروت عنه الحديث، وأخذ عنها جملة من التابعين، وكانت فصيحة اللسان حلوة العبارة إذا حدثت
стр. 261
وعت لها القلوب وتفتحت إليه الآذان. وكان مقربة بين الأنصار محبوبة عند الجميع لتقواها وعفافها وصيانتها مع جمالها الفائق وقد هويها زفر بن الحارث الكلابي وتعلق بها وهي لم تلتفت إليه وقد قال فيها شعرا أوله:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... فلا يك موقف منك الوداعا
وهي طويلة لم نعثر على باقيها، وتوفيت بين أهلها الأنصار، وهي في عز وإقبال.
ضباعة بنت الزبير
ابن عبد المطلب بن هاشم القرشية ابنة عم النبي صلى الله وسلم. كانت زوجة المقداد بن عمرو الكندي فولدت له عبد الله وكريمة قتل يوم الجمل مع عائشة.
روى عن ضباعة بن عباس وجابر وأنس وعائشة وعروة والأعرج وقيل: إن ضباعة بنت الزبير أتت النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: (نعم) . قالت: كيف أقول؟ قال: (قولي لبيك اللهم لبيك لبيك محلي من الأرضي حيث تحسبني) ففعلت كما أمرها وحدثت بهذا الحديث وخلافه. وروى عنها جملة من التابعين أيضا.
ضباعة بنت عامر بن قرظ العامرية
كانت أسلمت بمكة وقد نصرت النبي ﷺ في جملة مواطن بلسانها وفعلها، وقد أبلت بلاء حسنا أمامه، فمن ذلك أن النبي ﷺ قدم على بني عامر - وهم بعكاظ - ودعاهم إلى نصرته ومنعه فأجابوه فبينما هم كذلك إذ جاء ثجرة بن فراس القشيري فغمز (شاكلة) ناقة رسول الله ﷺ فقمصت به فألقته وعندهم يومئذ ضباعة بنت قرظ، كانت ممن أسلمن بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها فقالت: يا آل عامر، ولا عامر لي أيصنع هذا برسول الله ﷺ بين أظهركم ولا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة من بني عمها إلى ثجرة، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض ثم جلس على صدره، ثم علوا وجهه لطما فقال رسول الله ﷺ : (الله بارك هؤلاء) فأسلموا وقتلوا شهداء. ولها نصرات كثيرة مثل هذه - رحمها الله تعالى.
حرف الطاء
طغاي زوجة الملك الناصر قلاوون
هي الخوندة الكبرى زوجة الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأم ابنه الأمير (أنوك) كانت من جملة إمائه فأعتقها وتزوجها. ويقال: إنها أخت الأمير (آقبغا) عبد الواحد، وكانت بديعة الحسن رأت من السعادة ما لم يره غيرها من نساء ملوك الترك بمصر ولم يدم السلطان على محبة امرأة سواها سوى طولباي الناصرية ، وحج بها القاضي كريم الدين الكبير واحتفل بأمرها وحمل لها البقول في محائر طين على ظهور الجمال وأخذ لها الأبقار الحالبة فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطري وعمل الجبن.
وكان يلقى لها الجبن في الغداء والعشاء وإذا كان البقل والجبن بهذه المثابة وهما أحسن ما يؤكل فما عساه يكون بعد ذلك. وكان القاضي وأمير المجلس وعدة من الأمراء يمشون رجالا بين يدي محفتها ويقبلون الأرض لها، ثم حج بها الأمير (بشتاك) سنة ٧٣٩ هجري.
واستمرت عظمتها بعد موت السلطان إلى أن ماتت سنة ٧٤٩ هجري، أيام الوباء عن ألف جارية وثمانين خادما
стр. 262
خصيا وأموال كثيرا جدا، وكانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير والصدقات والمعروف جهزت سائر جواريها وجعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قراء ووقفت على ذلك وجعلت من جملته خبزا يفرق على الفقراء، ودفنت بهذه الخانقاه - وهي من أعمر الأماكن إلى يومنا هذا.
طولباي الناصرية
طولباي هذه هي من ذرية (جنكزخان) تزوجها الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولما جاءت من بلادها إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة ٧٢٠ هجري وطلعت من المركب حملت في محفة من الذهب على العجل وجرها المماليك إلى دار السلطنة بالإسكندرية، وبعث السلطان إلى خدمتها عدة من الحجاب وثماني عشرة من الحرم ونزلت في الحراقة، فوصلت إلى القلعة يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر بيع الأول - المذكور - وفرش لها بالمناظر في الميدان دهليز أطلس معدني ومد لها سماط ثم عقد عليها يوم الاثنين ٦ ربيع الآخر على ثلاثين ألف دينار.
وبقيت عنده مسموعة الكلمة محظية لديه حتى إنه مال إليها بكلياته وجزيئاته، وسلمها أمور داره، واعتمد بذلك على حسبها ونسبها، وهي وفت له بما ائتمنها عليه. وكانت مشهورة بفعل الخير واجتناب الشر، ولها مآثر غريبة من مدارس ومصانع ومساجد وغير ذلك.
طيطغلي خاتون زوجة السلطان أوزبك الكبرى
قال ابن بطوطة في (رحلته) إن (طيطغلي) ، (بفتح الطاء المهملة الأولى وإسكان الياء آخر الحروف وضم الطاء الثانية وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام وياء مد) ، هي أحظى نساء هذا السلطان عنده وعندها يبيت أكثر لياليه ويعظمها الناس بسبب تعظيمه لها كما أخبر بعض العارفين بأخبار هذه الملكة أن السلطان يحبها لموافقتها لطباعه.
وقيل: إنها من سلالة المرأة التي يذكر أن الملك زال عن سليمان ﵇ بسببها ولما عاد إليه ملكه أمر أن توضع بصحراء لا عمارة فيها فوضعت بصحراء (قفجق) ، وتزوجت هناك وتناسلت.
ومن ذريتها هذه (الخاتون) . قال: (وفي غد اجتماعي بالسلطان دخلت إلى هذه الخاتون وهي قاعدة فيما بين عشرة من النساء القواعد كأنهن خادمات لها وبين يديها نحو خمسين جارية صغارا يسمون البنات، وبين أيديهن طيافير الذهب والفضة مملوءة بحب الملوك وهن ينقينه، وبين يدي الخاتون صينية ذهب مملوءة منه وهي تنقيه، فسلمنا عليها وكان في جملة أصحابي قارئ القرآن على طريقة المصريين بطريقة حسنة وصوت طيب فقرأ ثم أمرت أن يؤتى بالقمز فأتي به في أقداح خشب لطاف خفاف فأخذت القدح بيدها وناولتني إياه وتلك نهاية الكرامة عندهم، ولم أكن شربت القمز قبلها، ولكن لم يمكنني إلا قبولها وذقته ولا خير فيه ودفعته لأحد أصحابي وسألتني عن كثير من حال سفرنا فأجبناها، ثم انصرفنا.
وكان ابتداؤنا بها لأجل عظمتها عند الملك، وإن هذه الملكة من النساء العاقلات اللاتي يسلبن ألباب الرجال بحسن آدابهن وتدابيرهن وقد ملكت عقل ذلك الملك حتى صار لا يقطع رأيا ولا يبت أمرا إلا بمشورتها.
وهي من النساء المعدودات الموصوفات بفعل الخيرات والمبرات، ولها جملة مآثر في بلادها مثل مساجد ومدارس ومارستانات وغير ذلك من فعل الخيرات وتوفيت قبل زوجها فأسف عليها وكانت جنازتها أشهر ما يكون من الجنائز) .
стр. 263
حرف الظاء
ظبية ابنة البراء
ابن معرور امرأة أبي قتادة الأنصارية، كانت من المحدثات المتقدمات الصحابيات اللاتي لهن التقدم في الرواية وصحة الخبر أخذت من أجلة وروت جملة أحاديث عن النبي ﷺ .
وروى عنها جملة من الصحابة والتابعين. ومن أحاديثها أنها سألت النبي ﷺ قائلة: هل علينا معشر النساء جمعة أو جهاد؟ فقال لها: (ليس عليكن جمعة أو جهاد) . فقالت: علمني يا رسول الله تسبيح الجهاد فقال: (قولي سبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد) فجعلت تقول ذلك كلما حضرت جهادا مع قومها.
ظريفة ابنة صفوان بن وائلة العذري
كانت جميلة المنظر لطيفة المخبر حسنة المعشر عذبة المنطق سلسة الألفاظ خرجت يوما مع نسوة يغترفن الماء وقد انفردت تمشط شعرها على جانب الغدير وقد أسبلته كأنه الليل المظلم ووجهها من خلاله كأنه البدر في تمه وقد مر بهن زرعة بن خالد العذري يريد الصيد، فلما ورد الغدير وجد النساء على تلك الصورة وظريفة على الحالة التي ذكرناها، فحين أبصرها سقط مغشيا عليه فقامت إليه فرشت عليه الماء، فلما أفاق وأبصرها قال: وهل مقتول يداويه قاتله؟ قالت: كيف ما تشكو وحادثته فثابت نفسه إليه وقد داخلها ما داخله من الحب، ثم رجع وهو يقول: خرجنا لنصيد فاصطدنا، ثم أنشد:
خرجت أصيد الوحش فصادفت قناصا ... من الريم صادتني سريعا حبائله
فلما رماني بالنبال مسارعا ... رقاني وهل ميت يداويه قاتله
ألا في سبيل الحب صب قد انقضى ... سريعا ولم يبلغ مرادا يحاوله
ولزم الوساد وقطع الزاد، فلما أعيته الحيلة أخبر والدته بحاله فمضت إليها وأعلمتها بالقصة وقبلت رجليها على أن تزوره فعسى أن يشفى ولدها فقالت: إن الوشاة كثيرون ولكن خذي هذا الشعر إليه فإن أمسكه فإنه يشفى وجزت لها شيئاً من شعرها.
فلما ذهبت إليه به جعل ينتشقه فتراجعت نفسه شيئا فشيئا حتى اشتهى ما يأكل فقدم إليه، فتناوله وقاك فكان يأتي قريبا من الأبيات فيسارها النظر وتخاله هي أيضا إلى أن فطن أهلها فعولوا على قتله فذهب إلى اليمن وكان كلما اشتد شوقه قبل الشعر وجعله على وجهه فيستريح فخرج يوما لبعض حاجاته فسقط منه الشعر، فلما أيس منه عزم على العود فضعف فقال: دعوني فإني أرجو أن أظفر أو أموت فنصحه غلام وأخذ يعلمه أبيات وهي هذه وقال له: إذا حاذيت موضع كذا، فأنشد:
مريض بأفناء البيوت مطرح ... به ما به من لاعج الشوق يبرح
وقالوا لأجل اليأس عودي لعلما ... تشكاه من آلام وجدك يمسح
وليس دواء الداء إلا بحيلة ... أضر بنا فيها غرم مبرح
إذا ما سألناها نوالا تنيله ... فضم الصفا منها بذلك أسمح
ومضى الغلام حتى بلغ المكان ورفع صوته بالأبيات، فخرجت له ظريفة وأنشدت تقول:
رعى الله من هام الفؤاد بحبه ... ومن كدت من شوقي إليه أطير
لئن كثرت بالقلب أتراح لوعة ... فإن الوشاة الحاضرين كثير
стр. 264
فيمشون يشتدون غيظا وشرة ... وما منهم إلا أب وغيور
فإن لم أزر بالجسم خيفة معشر ... فللقلب آت نحوكم فيزور
ثم رجع الصبي فأنشد أبياتها فغشي عليه ساعة، ثم أفاق وهو ينشد:
أظن هوى الخود الغريرة قاتلي ... فيا ليت شعري ما بنو العم صنع
أراهم وللرحمن در صنيعهم ... تراكي دمي هدرا وخاب المضيع
وقد زفت ظريفة إلى رجل منهم يقال له: ثعلب، فلما بلغه الخبر اضطرب سعة وغشي عليه فحرك فإذا هو ميت فلزمت ظريفة البكاء أياماً ولم تمكن الرجل من نفسها فلما كانت ذات ليلة خرجت من بعد نصف الليل فتبعها زوجها حتى انتهت إلى النهر فألقت نفسها فيه فأخرجها، وليس بها حراك ثم حملها إلى الخيمة.
فلما أصبح جاءت أمها فوجدت بها رمقاً ولكنها لم تفقه كلامها، فأشارت أن تسقى الماء فسقوها فقضت من وقتها ودفنت بجانب زرعة بن خالد بعدما نقلت إلى محل مدفنه.
ظريفة كاهنة حمير
كانت في زمن الملك عمرو بن عامر مزيقيا الحميري وهي التي تنبأت في سيل العرم، وكانوا يسمونها ظريفة الخير، وكان أول شيء وقع بمأرب بينما هي ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضها وأرعدت وأبرقت، ثم أصعقت فأحرقت ما وقعت عليه ووقعت إلى الأرض فلم تقع على شيء إلا أحرقته، ففزعت لذلك وذعرت ذعرا شديدا، وانتبهت وهي تقول: ما رأيت مثل اليوم قد أذهب عني النوم رأيت غيما برق وأرعد، ثم أصعق فما وقع على شيء إلا أحرقه فما بعد هذا إلا الغرق، فلما رأوا ما داخلها من الرعب خفضوها وسكنوا من جأشها حتى سكنت، ثم إن الملك عمرو بن عامر دخل حديقة من حدائقه ومعه جاريتان له فبلغ ذلك ظريفة فأسرعت نحوه وأمرت وصيفا لها يقال له: سنان أن يتبعها.
فلما برزت من باب بيتها عارضها ثلاث [مناجذ] منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن (وهي دواب يشبهن اليرابيع يكن بأرض اليمن) .
فلما رأتهن ظريفة وضعت يدها على عينها وقعدت وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه [المناجذ] عنا فأعلمني، فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة.
فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تريد الانقلاب فلا تستطيع فتستعين بذنبها وتحثو التراب على بطنها وجنبها وتقذف بالبول، فلما رأتها ظريفة جلست إلى الأرض.
فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت إلى أن دخلت على الملك عمرو في الحديقة حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فغدت حتى دخلت على عمرو ومعه جاريتان على الفراش.
فلما رآها استحيا منها وأمر الجاريتين فنزلتا عن الفراش وقال: هلمي يا ظريفة إلى الفراش واجلسي إلى جانبي فتكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء. إن الشجر لهالك وسيعود الماء كما كان في الدهر السالف.
قال عمرو: من أخبرك بهذا؟ قالت: أخبرني [المناجذ] بسنين شدائد يقطع فيه الوالد الواحد. قال: ما تقولين؟ قالت: أقول قول الندمان لهفا، قد رأيت سلحفا تجرف التراب جرفا، وتقذف البول قذفا، فدخلت الحديقة فإذا الشجر يتكفأ. قال عمرو: متى ترين ذلك؟ قالت هي داهية كبيرة ومصائب عظيمة لأمور جسيمة.
قال: وما هي؟ قالت: إن لي الويل، وما لك فيها من نيل، فلي ولك الويل مما يجيء به السيل.
стр. 265
فألقى عمرو نفسه عن الفراش وقال: ما هذا يا ظريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل والقليل خير من تركه، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: تذهب إلى السد فإذا رأيت جرذا يكثر في السد الحفر ويقلب برجليه من الجبل الصخر فاعلم أن القريب حضر، وأنه قد وقع الأمر.
قال: وما هذا الأمر الذي يقع؟ قالت: وعيد الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فتعمده يا عمرو فليكن الثكل. فانطلق عمرو إلى السد يحرسه فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع إلى ظريفة فأخبرها الخبر وهو يقول:
أبصرت أمرا عاد لي منه ألم ... وهاج لي من هوله برح السقم
من جرذ كفحل خنزير أجم ... أو تيس حرم من أقاوين الغنم
يسحب صخرا من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب فطم
ما فاته سجلا من الصخر قصم ... كأنما يدعي حصيرا من سلم
فقالت له ظريفة: إن علامات ما ذكرت لك أن تجلس في مجلسك بين الخبتين، ثم تأمر بزجاجة فتوضع بيده يديك فإنها ستمتلئ بين يديك من تراب البطحاء من سهله الوادي ورمله، وقد علمت أن الجنان مظلة ما يدخلها شمس ولا ريح.
فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء فذهب الملك إلى ظريفة فأخبرها بذلك وقال لها: متى ترين هلاك السد؟ قالت: فيما بينك وبين السبعين سنة قال: ففي أيها يكون؟ قالت لا يعلم ذلك إلا الله ولو علمه أحد لعلمته، ولا يأتي عليك ليلة فيما بينك وبين السبعين سنة (وأظنها من سني حياته) إلا ظننت هلاكك في غدها أو تلك الليلة فكان كما قالت. وحصل ما حصل في خبر طويل.
حرف العين
عائشة بنت أبي بكر الصديق
ابن أبي قحافة القريشية تزوجها رسول الله ﷺ بمكة وهي بنت ست سنين. وقيل سبع ودخل بها فيا لمدينة وهي بنت تسع. وقيل عشر وكان مولدها سنة أربع من النبوة وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر وكان صداقها أربعمائة درهم وكانت أحب نسائه إليه وكنيتها أم عبد الله كنيت بابن أختها أسماء، وروت عائشة ألفي حديث ومائتي حديث وعشرة أحاديث.
ولها خطب ووقائع وكانت هي السبب في وقعة الجمل المشهورة في الإسلام وذلك أن عائشة خرجت إلى مكة وعثمان محصور، ثم رجعت من مكة تريد المدينة.
فلما كانت برف لقيها رجل من أخوالها من ليث يقال له: عبيد بن أبي سلمة. فقالت له مهيم. قال: قتل عثمان وبقوا ثمانيا. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: اجتمعوا على بيعة علي. فقالت: هذه انطبقت على هذه إن تم المر لصاحبك ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقال لها: ولم إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أبي سلمة:
فمنك البداء ومنك الغير ... ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد كفر
стр. 266
فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السف من فوقنا ... ولم ينكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذاك اقتدار ... يزيل الشبا ويقيم الصغر
ويلبس للحرب أثوابها ... وما من وفى مثل من قد غدر
فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فنزلت فيه فاجتمع الناس حولها فقالت: أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ونقموا عليه استعماله من حدثت سنه، وقد استعمل أمثالهم قبله مواضع من الحمى حماها لهم، فتابعهم ونزع لهم عنها، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأخذوا المال الحرام، والله لأصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم، ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، أو الثوب من درنه أماصوه كما يماص الثوب بالماء (أي يغسل) . فقال عبد الله بن عامر الحضرمي: وكان عامل عثمان على مكة ها أنا أول طالب فكان أول مجيب وتبعه بنو أمية على ذلك وبذا صارت الحرب بخبر طويل يخرجنا عن الموضوع وروده.
ومما قالت عائشة عند دخولهم المربد واجتمع القوم وخرج أهل البصرة وعثمان بن حنيف وكان عاملا على البصرة فتكلمت وكانت جمهورية الصوت فحمدت الله وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ويزورون على عماله بالمدينة فيستشفعرننا فيما يخبرونا عنهم فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم فجرة غدرة كذبة، وهم يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا كاثروه فتحوا عليه داره واستحل الدم الحرام والشهر الحارم والبلد الحارم بلا شره ولا غدر ألا إن مما ينبغي ولا ينبغي لكم غير أخذ قتلة عثمان وإقامة كتاب الله وقرأت (أم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب) [آل عمران: ٢٣] الآية وكانت فصيحة الكلام صحيحة المنطق فهاجت السامعين.
وقالت: أيضا يوم الجمل: أيها الناس، صه صه إن لي عليكم حق الأمومة وحرمة الموعظة لا يتهمني إلا من عصى ربه. مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وأنا إحدى نسائه في الجنة له إدخرني ربي وسلمني من كل بضاعة وبي ميز بين منافقكم ومؤمنكم، وبي رخص الله لكم في صعيد الأبواء ثم أبى ثالث ثلاثة من المؤمنين وثاني اثنين الله ثالثهما. وأول من سمي صديقا مضى رسول الله ﷺ راضيا عنه وطوقه طوق الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبي بطرفيه ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض نبع الردة وأطفأ ما حش يهود وانتم يومئذ جحظ العيون تنظرون الغدرة وتسمعون الصيحة فرأب الثأى، وأوذم العطلة، وانتاش من المهواة، واحتجى دفين الداء حتى أعطن الوارد وأورد الصادر، وعل الناهل فقبضه الله واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين، وانتظمت بضاعتكم بحبله، ثم ولي أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه بعيد ما بين اللايتين عروكه للأذن بجنسه صفوحا عن أذاة الجاهلين يقظان الليل في نصرة الإسلام فسلك مسلك السابقة ففرق شمل الفتنة وجمع أعضادها جمع القران، وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا الم ألتمس إثما ولم أدلس فتنة أوطئكموها أقول قولي هذا صدقا وعدلا وإعذاراً وإنذاراً، وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر لما قتل أبي محمد بن أبي بكر بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني
стр. 267
أنا وأختا لي من مصر، فقدم بنا المدينة فبعث إلينا عائشة، فاحتملتنا من منزل عبد الرحمن إليها، فما رأيت والدة قط ولا والدا أبر منها، فلم نزل في حجرها ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن.
فلما دخل عليهما تكلمت فحمدت الله وأثنت عليه فما رأيت متكلما ولا متكلمة قبلها ولا بعدها أبلغ منها، ثم قالت: يا أخي، إني لأم أزل أراك معرضا عني منذ قبضت هذين البنيين منك ووالله ما قبضتهما تطاولا عليك ولا تهمة لك فيهما ولا شيء تكره ولكنك كنت رجلا ذا نساء وكانا صبيين لا يكفيان من أنفسهما شيئا فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرن به من قبيح أمر الصبيان، فكنت ألطف لذلك وأحق لولايته، فقد قويا على أنفسهما وشبا وعرفا ما يأتيان فها هما هذان، فضمهما إليك وكن لهما كحجية بن المضرب أخي كندة فإنه كان له أخ يقال له: معدان، فمات وترك صبية صغارا في حجر أخي، فكان أبر الناس بهم وأعطفهم عليهم، وكان يؤثرهم على صبيانه فمكث بذلك ما شاء الله.
ثم إنه عرض له سفر لم يجد بدا من الخروج فيه فخرج وأوصى بهم امرأته وكانت إحدى بنات عمه وكان يقال لها: زينب، فقال اصنعي بيني أخي ما كنت أصنع بهم، ثم مضى لوجهه فغاب شهرا ثم رجع وقد ساءت حال الصبيان وتغيرت فقال: ويلك مالي أرى بني معدان مهازيل، وأرى بني سمانا؟ قالت: قد كنت أواسي بينهم، ولكنهم كانوا يعبثون ويلعبون فخلا بالصبيان، فقال: كيف كانت زينب تصنع بكم؟ قالوا: سيئة ما كانت تعطينا من القوت إلا ملء هذا القدح من لبن وأروه قدحا صغيرا، فغضب على امرأته غضبا شديدا وتركها حتى إذا راح راعيا إبله قال لهما: اذهبا فأنتما وإبلكما لبني معدان فغضبت من ذلك زينب وهجرته وضربت بينه وبينها حجابا فقال: والله لا تذوقين منها صبوحا ولا غبوقاً أبداً وقال في ذلك:
لججنا ولجت هذه في التغضب ... ولط الحجاب بيننا والتجنب
وخطت بفردي إثمد جفن عينها ... لتقتلني وشد ما حب زينب
تلوم على مال شفاني مكانه ... فلومي حياتي ما بدا لك واغضبي
رحمت بني معدان إذ قل ما لهم ... وحق لهم مني ورب المحصب
وكان اليتامى لا يسد اختلالهم ... هدايا لهم مني في كل قعب مشعب
فقلت لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي وبيت آخر مغرب
وقلت خذوها واعلموا أن عمكم ... هو اليوم أولى منكم بالتكسب
عيالي أحق أن ينالوا خصاصة ... وإن يشربوا رنقاً إلى حين مكسب
أحابي بها من لو قصدت لماله ... حريباً لآساني على كل موكب
أخي والذي إن أدعه لعظيمة ... يجبني وإن أغضب إلى السيف يغضب
قالت عائشة: فلما بلغ زينب هذا الشعر خرجت حتى أتت المدينة فأسلمت، وذلك في ولاية عمر بن الخطاب، فقدم حجية المدينة، فطلب زينب أن ترد عليه وكان نصرانيا فنزل بالزبير بن العوام فأخبره بقصته فقال له: إياك وأن يبلغ هذا عنك عمر فتلقي منه أذى وانتشر خبر حجية بالمدينة وعلم فيم كان مقدمه فبلغ ذلك عمر فقال للزبير: قد بلغني قصة ضيفك ولقد هممت به لولا تحرمه بالنزول عليك فرجع الزبير إلى حجية فأعلمه قول عمر فمدحه بأبياته الآتي أولها: (إن الزبير بن عوام تداركني) ثم انصرف من عنده متوجها إلى بلده آيسا من زينب كئيبا حزينا، فقال في ذلك:
تصابيت أم هاجت لك الشوق زينب ... وكيف تصابي المرء والرأس أشيب
стр. 268
إذا قربت زادتك شوقا بقربها ... وإن جانبت لم يغن عنها التجنب
فلا اليأس إن ألممت يبدو فترعوي ... ولا أنت مردود بما جئت تطلب
وفي اليأس لو يبدو لك اليأس رحمة ... وفي الأرض عمن لا يواسيك مذهب
وأنا والله يا أخي خشيت عليك من مثل ذلك لئلا يصيبك مع نسائك ما أصاب حجية وزينب وأما الآن فقد كبرا وصارا يمكنهما أن يدفعا عن أنفسهما تعديات غيرهما فأخذهما عبد الرحمن إليه وهو يثني على عائشة.
وكانت ﵂ أفصح أهل زمانها وأحفظهم للحديث روت عنها الرواة من الرجال والنساء وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق البريئة المبرأة وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض.
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة من أفقه الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحد أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة، ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها فضلا وعلو مجد فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلى إلى يوم القيامة، ولولا خوف التطويل لذكرنا القصة بتمامها، وهي أشهر من أن تذكر، وكان حسان بن ثابت عند عائشة يوما فقال يرثي ابنته:
حصان رزان ما تزن برية ... وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة لكن لست أنت كذلك. فقال لها مسروق: أيدخل عليك هذا وقد قال الله : (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) [النور: ١١] قالت: أما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره وباقي الأبيات:
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموا ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وكيف وودي من قديم ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ما حل
وتوفيت عائشة سنة سبع وخمسين. وقيل: سنة ثمان وخمسين للهجرة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا، فدفنت وصلى عليها أبو هريرة ونزل قبرها خمسة عبد الله وعروة ابنا الزبير والقاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عبد الرحمن، ولما توفي النبي ﷺ كان عمرها ثمان عشرة سنة.
عائشة بنت طلحة
عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن معد بن تيم.
وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وخالتها عائشة أم المؤمنين. كانت عائشة بنت طلحة أشبه الناس بعائشة أم المؤمنين خالتها فزوجها بابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان ابن خال عائشة بنت طلحة، فلم تلد من أحد من أزواجها سواه. فولدت له عمران - وبه كانت تكنى- وعبد الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفسية التي تزوجها الوليد بن عبد الملك ولكل من هؤلاء عقب وكان ابنها طلحة من أجود قريش، وتوفي بعد الله عنها ثم تزوجها بعده مصعب بن الزبير فأمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك.
وكانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إن الله ﵎ وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم فما كنت لأستره والله ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد وطالت مراجعة مصعب إياها في ذلك، وكانت شرسة الخلق، وكذلك نساء تميم هن أشرس خلق الله وأحظى
стр. 269
عند أزواجهن وكانت عند الحسين بن علي أم إسحاق بنت طلحة فكان يقول: والله لربما حملت ووضعت وهي مصارمة لي لا تكلمني، ونالت عائشة من مصعب وقالت: لا تكلمني أبدا وقعدت في غرفة وهيأت فيها ما يصلحها فجهد مصعب أن تكلمه، فأبت، فبعث إليها ابن قيس الرقيات فسألها كلامه.
فقالت: كيف يميني؟ فقال: ههنا الشعبي فقيه أهل العراق فاستفتيه، فدخل عليها فأخبرته فقال: ليس هذا بشيء. فقالت: أيحلني ويخرج خائبا فأمرت له بأربعة آلاف درهم وقال ابن قيس الرقيات لما رآها:
إن الخليط قد أزمعوا تركي ... فوقفت في عرصاتهم أبكي
خبيئة برزت لتقتلني ... مطلية الأصداغ بالمسك
عجبا لمثلك لا يكون له ... خرج العراق ومنبر الملك
وكانت عزة الميلاء من أظرف الناس وأعلمهم بأمور الناس، وكان يألفها الأشراف وأرباب المروءات وغيرهم فأتاها مصعب بن الزبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أو سعيد بن العاص فقالوا: إن خطبنا فانظري لنا. فقالت لمصعب: ومن خطبت يا ابن أبي عبد الله؟ فقال: عائشة بنت طلحة. فقالت: فأنت يا ابن أبي أحيحة. قال: عائشة بنت عثمان. قالت: فأنت يا ابن الصديق. قال أم القاسم بنت زكريا بن طلحة. قالت: يا جارية، هاتي منقلي - تعني خفيها - فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها ومضت فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت: فديتك كنا في مأدبة لقريش فتذاكروا جمال النساء وخلقهن وذكروك فلم أدر كيف أصفك فديتك فألقي ثيابك ففعلت وأقبلت وأدبرت فارتج كل شيء منها فقالت لها عزة: خذي ثوبك فديتك من كل سوء. فقالت عائشة: قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي. فقالت عزة: وما هي بنفسي أنت. قالت: تغنيني صوتاً. فاندفعت تغني:
خليلي عوجا بالمحلة من جمل ... وأترابها بين الأصفير والخبل
نقف بمغان قد محا رسما البلا ... تعاقبها الأيام بالريح والوبل
فلو درج النمل الصغار بجلدها ... لأندب أعلى جلدها مدرج النمل
وأحسن خلق الله جيدا ومقلة ... تشبه في النسوان بالشادن الطفل
فقامت عائشة فقبلت ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وبطرائف من أنواع الفضة وغير ذلك ودفعته إلى جاريتها، فحملته وأتت النسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهن حتى أتت القوم في السقيفة فقالوا: ما صنعت؟ فقالت: يا ابن أبي عبيد الله.
أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ومدبرة محطوطة المتين عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقية الثغر، وصفحة الوجه فرعاء الشعر، لفاء الفخذين، ممتلئة الصدر، خميصة البطن ذات عكن ضخمة السرة مسرولة الساقة يرتج ما بين أعلاها إلى قدميها، وفيها عيبان:
أما أحدهما فيواريه الخمار وأما الآخر فيواريه الخف عظم القدم والأذن وكانت عائشة كذلك. ثم قالت عزة: وأما أنت يا ابن أبي أحيحة فإني والله ما رأيت مثل خلق عائشة بنت عثمان لامرأة قط ليس فيها عيب، والله لكأنما أفرغت إفراغا ولكن في الوجه ردة وإن استشرتني أشرت عليك بوجه تستأنس به.
وأما أنت يا ابن الصديق فوالله ما رأيت مثل أم القاسم كأنها خوط بانة تنثني وكأنها خدل عنان، أو كأنها خشف ينثني وكأنها خدل عنان، أو كأنها خشف ينثني على رمل لو شئت أن تعقد أطرافها لفعلت ولكنها شحنة الصدر وأنت عريض الصدر فإذا كان ذلك قبيحا لا والله حتى يملأ كل شيء مثله فوصلها الرجال والنساء وتزوجوهن.
وكان مصعب لا يقدر عليها إلا بتلاح ينالها منه، وبكل مشقة، فشكا ذلك إلى ابن فروة كاتبه فقال له: أنا
стр. 270
أكفيك هذا إن أذنت لي. قال: نعم. افعل ما شئت فإنها أفضل شيء نلته من الدنيا فأتاها ليلا ومعه أسودان فاستأذن عليها فقالت له: أفي مثل هذه الساعة يا ابن أبي فروة قال: نعم. فأدخلته. فقال للأسودين: احفر ههنا بئرا. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك، أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حية وهو أسفك خلق الله لدم حرام. فقالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه. قال: هيهات، لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين: احفر ههنا بئرا. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك، أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حية وهو أسفك خلق الله لدم حرام. فقالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه. قال: هيهات، لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين: احفرا.
فلما رأت الجد منه بكت. ثم قالت: يا ابن أبي فروة، إنك لقاتلي ما منه بد. قال: نعم، وإني لأعلم أن الله سيجزيه بعدك ولكنه قد غضب وهو كافر الغضب. قالت: وفي أي شيء غضبه؟ قال: في امتناعك عنه وقد ظن أنك تبغضينه وتتطلعين إلى غيره فقد جن. فقالت: أنشدك الله إلا عاودته. قال: إني أخاف أن يقتلني. فبكت وبكى جواريها فقال: قد رققت لك وحلف أنه يغرر بنفسه، ثم قال لها: فما أقول؟ قالت: تضمن عني أني لا أعود أبدا. قال: فما لي عندك؟ قالت: قيام بحقك ما عشت. قال: فأعطني المواثيق. فأعطته، فقال للأسودين: مكانكما، وأتى مصعبا فأخبره فقال له: استوثق منها بالأيمان ففعلت وصلحت بعد ذلك لمصعب.
ودخل عليها مصعب يوما وهي نائمة متصبحة ومعه ثمان لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها. فقال له: نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ. قال: وصارمت مصعبا مرة فطالت مصارمتها له وشق ذلك عليها وعليه وكانت لمصعب حرب فخرج إليها ثم عاد وقد ظفر فشكت عائشة مصارمته إلى مولاة لها فقالت: الآن يصلح أن تخرجي إليه، فخرجت فهنأته بالفتح وجعلت تمسح التراب عن وجهه فقال لها مصعب إني أشفق عليك من رائحة الحديد. فقالت: لهو والله عندي أطيب من ريح المسك.
وقال ابن يحيى: كان مصعب من أشد الناس، إعجابا بعائشة بنت طلحة ولم يكن لها شبيه في زمانها حسنا ودماثة وجمالا وهيئة ومتانة وعفة وإنها دعت يوما نسوة من قريش، فلما جئنها أجلستهن في مجلس قد نضد فيه الريحان والفواكه والطيب والمجمر وخلعت على كل امرأة منهن خلعة تامة من الوشي والخز ونحوهما ودعت عزة الميلاء، ففعلت بها مثل ذلك، وأضعفت ثم قالت لعزة هاتي يا عزة فغنينا فغنت:
وثغر أغر شنيب البنات ... لذيذ المقبل والمبتسم
وما ذقته غير ظن به ... وبالظن يقضي عليك الحكم
وكان مصعب قريبا منهن ومعه إخوان له، فقام فانتقل حتى دنا منهن والستور مسبلة فصاح: يا هذه إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت فبارك الله فيك يا عزة، ثم أرسل إلى عائشة أما أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك، وأما عزة فتأذنين لها أن تغنينا هذا الصوت، ثم تعود إليك، ففعلت وغنته مرارا وكاد أن مصعب يذهب عقله فرحا وسرورا، وأمرها بالعود إلى مجلسها وقضوا يوما على أحسن حال.
ولما قتل مصعب عن عائشة تزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي فحمل إليها ألف ألف درهم وقال لمولاتها: لك علي ألف دينار إن دخلت بها الليلة، وأمر بالمال فحمل فألقي في الدار وغطي بالثياب، وخرجت عائشة. فقالت لمولاتها: أهذا فرش أم ثياب؟ قالت لها انظري إليه فنظرت فإذا هو مال فتبسمت فقالت لها مولاتها أجزاء من حمل هذا أن يبيت عزباً؟ قالت: لا والله ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزين له وأستعد قالت: فيم ذا فوجهك والله أحسن من كل زينة، وما تمدين يديك إلى طيب أو ثياب أو حلي أو فرش إلا وهو عندك وقد عزمت عليك أن تأذني له. قالت: افعلي فذهبت إليه. فقالت: قم بنا فقد قبلت فجاءهم عند العشاء الأخيرة، وقالت حين دخل بها:
стр. 271
قد رأيناك فلم تحل لنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر
وكانت رملة بنت عبد الله بن خلف زوجة لعمر بن عبيد الله بن معمر، ولما تزوج عائشة قالت: فإني لمولاة لعائشة، أريني عائشة متجرة ولك ألف درهم، فأخبرت عائشة بذلك فأشرفت عليها مقبلة ومدبرة، فأعطت رملة مولاتها ألفي درهم وقالت: لوددت أني أعطيتك أربعة آلاف درهم ولم أرها.
فمكثت عائشة عند عبيد الله بن معمر ثمان سنين ثم مات عنها سنة اثنتين وثمانين فتأيمت بعده فخطبها جماعة فردتهم ولم تتزوج بعده أبدا.
وكانت عائشة من أشد الناس مغالظة لزواجها وكانت تكون لكل من يجيء يحدثها في رقيق الثياب فإذا قالوا قد جاء الأمير ضمت عليها مطرفها وقطبت وكانت كثيرا ما تصف لعمر بن عبيد الله مصعبا وجماله وتغيظه بذلك فيكاد أن يموت، وكان شديد الغيرة فدخل يوما على عائشة وقد ناله حر شديد وغبار فقال لها: انفضي التراب عني فأخذت منديلا تنفض عنه التراب، ثم قالت له: ما رأيت الغبار على وجه أحد قط أحسن منه على وجه مصعب قال: فكاد يموت غيظا.
ودخلت عائشة على الوليد بن عبد الملك وهو بمكة فقالت: يا أمير المؤمنين، مر لي بأعوان، فضم إليها قوما يكونون معها فحجت ومعها ستون بغلا عليها الهوادج والرحائل، وكانت سكينة بنت الحسين ﵄ في تلك السنة فقال حادي عائشة:
عائش يا ذات البغال الستين ... لا زلت ما عشت كذا تحجين
فشق ذلك على سكينة ونزل حاديها. فقال:
عائش هذه ضرة تشكوك ... لولا أبوها ما اهتدى أبوك
فأمرت عائشة حاديها أن يكف فكف واستأذنت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عبد الملك في الحج فأذن لها وقال: ارفعي حوائجك واستظهري فإن عائشة بنت طلحة تحج هذه السنة، ففعلت، فجاءت بهيئة جهدت فيها فلما كانت بين مكة والمدينة إذا بموكب قد جاء فضغطها وفرق جماعتها فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة فسألت عنها فقالوا: هذه خازنتها، ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك الموكب فقالوا: عائشة عائشة فضغطهم. فسألت عنه فقالوا: هذه ماشطتها، ثم جاء مواكب على هذا المنوال، ثم أقبلت كوكبة فيها ثلثمائة راحلة عليها القباب والهوادج فقالت عاتكة: ما عند الله خير وأبقى.
ووفدت عائشة بنت طلحة على هشام فقال لها: ما أوفدك؟ قالت: حبست السماء المطر ومنع السلطان الحق قال: إنس سأعرفه حقك، ثم بعثت إلى مشايخ بني أمية. فقال: إن عائشة عندي فأسمروا عند الليلة فحضروا فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وأيامها إلا أفاضت معهم فيه وما طلع نجم ولا غار إلا سمته فقال لها هشام: أما الأول فلا نكره، وأما النجوم فمن أين لك؟ قالت: أخذتها عن خالتي عائشة فأمر لها بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة.
ولما تأيمت عائشة كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة وتخرج إلى ما لها بالطائف وقصر لها فتتنزه وتجلس بالعشيات فتتناضل بين الرماة، فمر بها النميري الشاعر فسألت عنه فنسب فقالت له لما أتوها به: أنشدني مما قلت في زينب فامتنع وقال: ابنة عمي وقد صارت عظاما بالية. قالت: أقسمت عليك، فأنشدها قوله:
стр. 272
نزلن بفخ ثم رحن عشية ... يلبين للرحمن معتمرات
يخبئن أطراف الكف من التقى ... ويخرجن شطرا لليل معتجزات
ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات
فقالت: والله ما قلت إلا جميلا ولا وصفت إلا كرما وطيبا وتقى ودينا، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرض لها فقالت: علي به. فجاء، فقالت: أنشدني من شعرك في زينب. فقال: أو أنشدك من قول الحارث فيك؟ فوثب مواليها. فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستفيد لابنة عمه هات، فانشدها:
ظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدوا بلبك مطلع الشرق
وتنوء تثقلها عجيزتها ... نهض الضعيف ينوء بالوسق
ما صبحت زوجا بطلعتها ... إلا غدا بكواكب الطلق
قرشية عبق العبير بها ... عبق الدهان بجانب الحق
بيضاء من تيم كلفت بها ... هذا الجنون وليس بالعشق
فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا ذكر أني إذا صبحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق. أعطوه ألف درهم واكسوه حلتين ولا تعد لإتياننا يا نميري.
وقال أبو هريرة لعائشة يوما: ما رأيت شيئا أحسن منك إلا معاوية أول يوم خطب على منبر رسول الله ﷺ . فقالت: والله لنا أحسن من النار في الليلة القرة في عين المقرور.
وكتب أبان بن سعيد إلى أخيه يحيى يخطب عليه عائشة بنت طلحة ففعل، فقالت: ليحيى: ما انزل أخاك أيلة قال: أراد العزلة. قالت: اكتب إلى أخيك.
حللت محل الضب لا أنت ضائر ... عدوا ولا مستنقعا بك نافع
وقال عبد الله بن عبد الرحمن - وقد قيل له طلقها:
يقولون طلقها لأصبح ثاويا ... مقيما علي الهم أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت أحبهم ... لهم زلفة عندي لإحدى العظائم
قال بعضهم: أذن المؤذن يوما وخرج الحارث بن خالد إلى الصلاة، فأرسلت إليه عائشة ابنة طلحة أنه بقي علي شيء من طوافي لم أتمه، فقعد وأمر المؤذنين، فكفوا عن الإقامة، وجعل الناس يصيحون حتى فرغت من طوافها، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فعزله وولى عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكتب إلى الحارث: ويلك أتركت الصلاة لعائشة بنت طلحة فقال: والله لو لم تقض طوافها إلى الفجر لما كبرت. وقال في ذلك:
لم أحب بأن سخطت ولكنه ... مرحباً إن رضيت عنا وأهلا
إن وجهاً رأيت ليلة البد ... ر عليه أثنى الجمال وحلا
وجهها الوجه لو يسيل به المز ... ن من الحسن والجمال استهلا
إن عند الطواف حين أتته ... لجمالا فعماً وخلقاً رفلا
وكسين الجمال إن غبن عنها ... فإذا ما بدت لهن اضمحلا
ولما قدمت عائشة إلى مكة أرسل إليها الحارث بن خالد - وهو أمير على مكة -: إني أريد السلام عليك، فإذا خف
стр. 273
عليك أذنت وكان الرسول الغريض فقالت له: إنا حرم فإذا أحللنا أذناك، فلما حلت سرت على بغلاتها ولحقها الغريض بعسفان ومعه كتاب الحارث إليها وفيه قوله:
ما ضركم لو قلتم سددا ... إن المطايا عاجل غدها
لها علينا نعمة سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها
لو تممت أسباب نعمتها ... تمت بذاك عندنا يدها
فل ما قرأت الكتاب قالت ما يدع الحارث باطله، ثم قالت للغريض هل أحدثت شيئا؟ قال: نعم، فاسمعي، ثم اندفع في هذا الشعر. فقال عائشة: والله ما قلنا إلا سددا، ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه، وأتى على الشعر كله فاستحسنه وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب. وقالت زدني فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا:
زعموا بأن البين بعد غد ... فالقلب مما أحدثوا يجف
والعين منذ أجد بينهم ... مثل الجمان دموعها تكف
ومقالها ودموعها سجم ... أقلل حنينك حين تنصرف
تشكو ونشكو ما أشت بنا ... كل بوشك البين معترف
فقالت له عائشة: يا عريض بحقي عليك أهو أمرك أن تغنين في هذا الشعر؟ فقال: لا وحياتك يا سيدتي. فأمرت له بخمسة آلاف درهم ثم قالت له: غنني في شعر غيره، فغناها في قول ابن أبي ربيعة:
أجمعت خلتي مع الضجر بينا ... جلل الله ذلك الوجه زينا
أجمعت بينها ولم تك منها ... لذة العيش والشباب قضينا
فتلوت حمولها واستقلت ... لم تنل طائلا ولم تقض دينا
ولقد قلت يوم مكة لما ... أرسلت تقرأ السلام علينا
أنعم الله بالرسول الذي أر ... سل والمرسل الرسالة عينا
فضحكت ثم قالت: وأنت يا غريض فأنعم الله بك عينا، وأنعم بابن أبي ربيعة عينا لقد تلطفت حتى أديت إلينا الرسالة وإن وفاءك له لما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك، وقد كان عمر سأل من الغريض أن يغنيها هذا الصوت وقال له عمران: أبلغتها هذه في غناء، فلك خمسة آلاف درهم فوفى له بذلك وأمرت عائشة بخمسة آلاف درهم أخرى.
قم انصرف الغريض من عندها فلقي عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان وكانت قد حجت في تلك السنة فقال لها جواريها: هذا الغريض. قالت لهن: علي به. فجيء به إليها. قال الغريض: فلما سلمت دخلت فردت علي وسألتني عن الخبر، فأقصصته عليها قالت: غنني به ففعلت فلم أرها تهش لذلك فغنيتها معترضا ولها مذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان السعدي يخاطب امرأته، وقد نزل به أضياف:
أقول والضيف مخشي ذمامته ... على الكريم وحق الضيف قد وجبا
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والضربا
في ليلة في جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى تلف على خيشومه الذنبا
قال: فقالت وهي مبتسمة قد وجب حقك يا غريض فغنني فغنيتها:
يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم
стр. 274
وسلبتنا ما لست مخلفه ... يا دهر ما أنصفت في الحكم
لو كان لي قرن أناضله ... ما طاش عند حفيظة سهمي
لو كان يعطي النصف قلت له ... أحرزت سهمك فاله عن سهمي
فقالت: نعطيك النصف ولا نضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك وأمرت له بخمسة آلاف درهم، وثياب عدنية وغير ذلك من الألطاف قال: وأتيت الحارث بن خالد فأخبرته وقصصت عليه القصة فأمر لي بمثل ما أمرتا لي به جميعا، فأتيت ابن أبي ربيعة وأعلمته بما جرى فأمر لي بمثل ذلك، فما انصرف أحد من ذلك الموسم بمثل ما انصرفت بنظرة من عائشة ونظرة من عاتكة بنت يزيد وهما أجمل نساء عالمهما وبما أمرتا لي وبالمنزلة عند الحارث وهو أمير مكة وابن ربيعة وما أجازاني به جميعا من المال.
وقد قدم قادم غلى المدينة من مكة، فدخل على عائشة بنت طلحة فقالت له: من أين أقبل الرجل؟ قال: من مكة. فقالت: فما فعل الأعرابي فلم يفهم ما أرادت، فلما عاد إلى مكة دخل على الحارث فقال له: من أين؟ قال: من المدينة. قال: فهل دخلت على عائشة بنت طلحة؟ قال: نعم، قال: ففي ماذا سألتك؟ قال: قالت لي: ما فعل الأعرابي قال له الحارث: فعد إليها ولك هذه الرحلة والحلة، ونفقتك لطريقك وادفع إليها هذه الرقعة وكتب إليها فيها:
من كان يسأل عنا أين منزلنا ... فالأقحوانة منا منزل قمن
إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره ... طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن
ليت الهوى لم يقربني إليك ولم ... أعرفك إذا كان حظي منكم الحزن
ولقي عمر بن أبي ربيعة عائشة بمكة وعي تسير على بغلة لها فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك. قالت: أوقد قلت يا فاسق؟ قال: نعم، فوقفت، فأنشدها:
يا ربة البغلة الشهباء هل لك في ... أن تشتري ميتا لا ترهبي حرجا
قالت بدائك مت أو عش تعالجه ... فما ترى لك فيما عندنا خرجا
قد كنت حملتنا غيظا نعالجه ... فإن بعدنا فقد عنيتنا حججا
حتى لو أستطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غي وما نضجا
فقلت لا والذي حج الحجيج له ... ما مج حبك من قلبي ولا نهجا
ولا رأى القلب من شيء يسر به ... مذ بان منزلكم منا ولا ثلجا
ضنت بنائلها عنه فقد تركت ... في غير ذنب أبا الخطاب مختلجا
فقالت: لا ورب الكعبة ما عنينا طرفة عين قط، ثم أطلقت عنان بغلتها وسارت ولم تزل تداريه وترفق به خوفا من أن يتعرض لها حتى قضت حجها وانصرفت إلى المدينة فقال في ذلك:
إن من تهوى مع الفجر ظعن ... للهوى والقلب متباع الوطن
بانت الشمس وكانت كلما ... ذكرت للقلب عادوت الدرن
يا أبا الحارث قلبي طائر ... فأتمر أمر رشيد مؤتمن
نظرت عيني إليها نظرة ... تركت قلبي إليها مرتهن
ليس حب فوق ما أحببتها ... غير أن أقتل نفسي أو أجن
стр. 275
ومن أشعاره أيضاً فيها قصيدته التيأولها:
من لقلب أمسى رهينا معنى ... مستكينا قد شفه ما أجنا
إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصا ... نازج الدار بالمدينة عنا
ليت حظي كطرفة العين منها ... وكثير منها القليل المهنا
ونقل صاحب الأغاني قال: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى عائشة بنت طلحة وكانت أجمل أهل دهرها، وهي تريد الركن تستلمه، فهبت لها رآها ورأته، وعلمت أنها قد وقعت في نفسه. فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له اتق الله، ولا تقل هجرا فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت. فقال للجاري: أقرئيها السلام وقولي لها: ابن عمك لا يقول إلا خيرا، وقال فيها:
لعائشة ابنة التميمي عندي ... حمى في القلب ما يرعى حماها
يذكرني ابنة التيمي ظبي ... يرود بروضة سهل رباها
فقلت له وكاد يراع قلبي ... فلم أرقط كاليوم اشتباها
سوى خمش بساقك مستبين ... وأن شواك لم يشبه شواها
وأنك عاطل عار وليست ... بعارية ولا عطل يداها
وأنك غير أقزع وهي تدني ... على المتنين أسحم قد كساها
ولو قعدت ولم تكلف بود ... سوى ما قد كلفت به كفاها
أظل إذا أكلمها كأني ... أكلم حية غلبت رقاها
تبيت إلي بعد النوم تسري ... وقد أمسيت لا أخشى سواها
وقال فيها أشعارا كثيرة، فبلغ ذلك فتيان بني تيم أبلغهم إياه فتى منهم وقال لهم: يا بني تيم بن مرة ها والله ليقذفن بنو مخزوم بناتنا بالعظائم وتغفلون، فمشى ولد أبي بكر وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة، فأعلموه بذلك وأخبروه بما بلغهم فقال لهم: والله لا أذكرها في شعر أبدا، ثم قال بعد ذلك فيها وكنى عن اسمها قصيدته التي أولها:
يا أم طلحة إن البين قد أفدا ... قل الثواء لئن كان الرحيل غدا
أمسى العراقي لا يدري إذا برزت ... من ذا تطوف بالأركان أو سجدا
ولم يزل عمر يتشبب بعائشة أيام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها حتى وافقها وهي ترمي الجمار سافرة فنظر إليها فقالت: أما والله لقد كنت لهذا منك كارهة يا فاسق. فقال:
إني واوا ما كلفت بذكرها ... عجب وهل في الحي من متعجب
نعت النساء فقلت لست بمبصر ... شبها لها أبدا ولا بمقرب
فمكثن حينا ثم قلن توجهت ... للحج موعدها لقاء الأخشب
أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لي ... والقلب بين مصدق ومكذب
فلقيتها تمشي تهادي موهنا ... ترمي الجمار عشية في موكب
غراء يغشي الناظرين بياضها ... حوراء في غلواء عيش معجب
إن التي من أرضها وسمائها ... جلبت لحينك ليتها لم تجلب
стр. 276
ولما حجت عائشة بنت طلحة جاءتها الثريا وأخواتها، ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض فيمن جاء فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن يجيئها، فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها ومعها ما أمرت به لها عائشة والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف فقال الغريض: فأين نصيبي من عائشة؟ فقلن له: أغفلناك، وذهبت عن قلوبنا. فقال: ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها فإنها كريمة بنت كرام واندفع يغني بشعر جميل:
تذكرت ليلى فالفؤاد عميد ... وشطت نواها فالمزار بعيد
فقالت: ويلكم هذا مولى العيلات بالباب يذكر نفسه هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت وقالت: لم أعلم مكانك ثم دعت له بأشياء أمرت له بها، ثم قالت له: إن أنت غنيتني صوتا في نفسي فلك كذا وكذا شيء سمته له فغناها في شعر كثير:
وما زلت من ليلى دلن طر شاربي ... إلى اليوم أخفي حبها وأداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينة ... وتحمل في ليلى علي الضغائن
فقالت له: ما عدوت ما في نفسي ووصلته فأجزل. قال: إسحاق: فقلت لأبي عبد الله: وهل علمت حديث هذين البيتين ولم سألت الغريض ذلك؟ قال: نعم.
نقل عن الشعبي أنه قال: دخلت مسجدا فإذا أنا بمصعب بن الزبير على السرير جالس، والناس عنده، فسلمت ثم ذهبت لأنصرف فقال لي ادن مني يا شعبي فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم قال: إذا قمت فاتبعني فجلس قليلا، ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة فتبعته، فلما دخل في الدار التفت إلي فقال: ادخل، فدخلت معه فإذا حجلة رأيتها لبعض الأمراء فقمت ودخل الحجلة فسمعت حركة، فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف فإذا بجارية قد خرجت، فقالت: يا شعبي، إن الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة فإذا أنا بمصعب بن الزبير ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة قال: فلم أر زوجا قط كان أجمل منهما مصعب وعائشة فقال مصعب: يا شعبي، هلت عرف هذه؟ فقلت: نعم، أصلح الله الأمير. قال: ومن هي؟ قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة قال: لا، ولكن هذه ليلى التي يقول فيه الشاعر: (وما زلت من ليلى لدن طر شاربي) - البيتين المتقدم ذكرهما -ثم قال: إذا شئت فقم، فقمت.
فلما كان العشي رحت وإذا هو جالس على سريره في المسجد، فسلمت، فلما رآني قال لي ادن مني فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه فأصغى إلي فقال: هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط قلت: لا والله قال: أفتدري لم أدخلناك قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت.
فيظهر من هذه الرواية أن طباعهم في ذاك العصر كانت كطباع الغربيين في عصرنا هذا من قبل النساء لا كرجالنا الذين يخافون أن يظهروا للنساء أدنى شيء من الفضل غيرة عليهن ويزعموا أن هذا العز الكبر. رجعنا إلى بقية الحديث، قال: ثم التفت إلى عبيد الله بن أبي فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا قال: فما انصرف يومئذ أحد بمثل ما انصرف به بعشرة آلاف درهم وبمثل كارة القصار ثياباً وبنظرة من عائشة بنت طلحة.
عائشة النبوية ابنة جعفر الصادق
عائشة النبوية ابنة جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين وأخت موسى الكاظم.
قال المناوي: كانت من العابدات الجاهدات، وكانت تقول ﵂ وعزتك وجلالك لئن أدخلتني النار
стр. 277
لآخذن توحيدي وأطوف به على أهل النار وأقول وحدته فعذبني.
ماتت ﵂ سنة هجري ودفنت فيا لمسجد المعروف باسمها الآن بناحية قراميدان بمصر وقبرها يزار وأهل مصر يعتقدون بها ويتبركون بزيارتها ومسجدها مقام الشعائر، وكان أبوها جعفر الصادق ﵁ إماما نبيلا أخذ الحديث عن أبيه وجده لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ وعروة وعطاء ونافع والزهري وهو إمام مذهب الشيعة الإمامية.
عائشة بنت أحمد القرطبية
قال ابن حبان: لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعادلها علما وفهما، وأدبا وفصاحة وشعرا وكانت تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة، وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف وماتت عذراء لم تتزوج، وكانت وفاتها سنة ٤٠٠ هجرية.
وقال صاحب المقرب: إنها من عجائب زمانها وغرائب أوانها وأبو عبد الله الطبيب عمها ولو قيل: إنها أشعر منه لجاز ودخلت يوما على المظفر بن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولد فارتجلت:
أراك الله فيه ما تريد ... ولا برحت معاليه تزيد
فقد دلت مخايله على ما ... تؤمله وطالعه سعيد
تشوقت الجياد له وهز ال ... حسام له وأشرقت البنود
وكيف يخيب شبل قد نمته ... إلى العليا ضراغمة أسود
فسوف نراه بدار في سماء ... من العليا كواكبه الجنود
فأنتم آل عامر خير آل ... زكا الأبناء منكم والجدود
وليدكم لدى رأي كشيخ ... وشيخكم لدى حرب وليد
وخطبها بعض الشعراء ممن لم ترضه فكتبت إليه:
إنا لبوة لكنني لا أرتضي ... نفسي مناخا طول دهري من أحد
ولو أنني أختار ذلك لم أجب ... كلباً ولا أغلقت سمعي عن أسد
عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغني بن المنصور الدمشقية كانت عالمة عاملة كاملة، تعلمت النحو، والصرف، والبيان، والعروض، والحديث، وفتحت حلقة للتدريس سمعت عن زوجها الحافظ نجم الدين الحسني، وعن الإمام ابن الخباز والمرداوي. ومن بعدهما حدثت وانتفع الناس بمعارفها وعلومها حتى أنها فاقت أهل زمانها علما وأدبا ومعاشرة وعفة.
عائشة بنت محمد بن عبد الهادي
عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد المجيد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي.
الصالحية الحنبلية سيدة المحدثين بدمشق، سمعت صحيح البخاري على حافظ العصر المعروف بالحجار. وروى عنها الحافظ ابن حجر وقرأ عليها كتبا عديدة، وانفردت في آخر عمرها بعلم الحديث، وكانت سهلة في تعليم العلوم، لينة الجانب للتعليم، ومن العجائب أن ست الوزراء كانت آخر من حدث عن الزبيدي بالسماع، ثم كانت عائشة
стр. 278
آخر من حدث عن صاحبه ابن الحجار بالسماع أيضا وبين وفاتهما مائة سنة، وتوفيت عائشة هذه بدمشق سنة ٨١٦ هجرية ودفنت بالصالحية رحمة الله عليها.
عائشة بنت يوسف بن أحمد بن نصر الباعوني
كانت شاعرة مطبوعة، فاضلة أديبة، لبيبة عاقلة، وكان على وجهها من الجمال لمحة جملها الدب وحلتها بلاغة العرب، فجعلتها بغية ومنية الراغبين، والذي أجمع عليه العارفون أن عائشة هذه بين المولدين تزيد عن الخنساء بين الجاهلين، وقد وصفها عبد الغني النابلسي بأنها فاضلة الزمان، وحليفة الأدب في كل مكان، ووصفها غيره من العلماء والأعلام بأنها ربة الفضل والأدب، وصاحبة الشرف والنسب، وقد حضرت الفقه والنحو والعروض على جملة من مشايخ عصرها مثل جمال الحق والدين إسماعيل الحوراني والعلامة محيي الدين الأموري، وقد أخذ عنها جملة من العلماء والأعلام، وقد انتفع بها خلق كثير من الطالبين ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية كله لطائف، ومن تآليفها: (مولد جليل للنبي ﷺ اشتمل على فرائد النظم والنثر، ومن شعرها قولها في جسر الشريعة لما بناه الملك الظاهر برقوق بيتان هدما كثيرا مما شيده فحول الشعراء من البيوت وهما:
بنى سلطاننا برقوق جسرا ... بأمر والأنام له مطيعة
مجازا في الحقيقة للبرايا ... وأمرا بالمرور على الشريعة
وبالحقيقة أن من رأى سحر بلاغتها فكأنما رأى هاروت وماروت، ومن شعرها البديع في الغزل قولها:
كأنما الخال القرط في عنق ... بدا لنا من محيا من خلقا
نجم غدا بعمود الصبح مستترا ... خلف الثريا قبيل الشمس فاحترقا
ومن نظمها قصيدتها البديعية التي سارت بذكرها الركبان، وفاقت بمعانيها على الصفي وابن حجة وسائر أهل البديع وذوي العرفان، ولها عليها شرح بديع سمته بالفتح المبين في مدح الأمين نظمتها على منوال بديعية تقي الدين بن حجة مع عدم تسمية النوع تمسكا بطلاقة الألفاظ، وانسجام الكلمات، وشرحتها بشرح مختصر أسفرت فيه عن لسان البيان بقدر الطاقة والإمكان، ونحن نورد مقدمة هذا الشرح بحروفها لما فيها من حسن المعاني البديعة وتأتي على إيراد القصيدة بأكملها بدون شرح وذلك إظهارا لفضل المترجمة وعلو همتها. قالت رحمها الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله محلي جياد الأفهام بعقود مدح الشفيع، ومجلي سلامة الأذواق بمكرر ذكره الرفيع ومرصع تيجان البيان بجواهر سيرته الحسنا، ومزين سماء البلاغة بزواهر معجزه الأسنى، ومعجز العقول عن إدراك كنه صفاته، ومؤيس الأفكار من إحصاء خصائصه وآياته، وباعث الرسل مقررين لعظيم قدره، ومنزل الكتب مبنية لرفيع ذكره، ومعطر أرجاء الوجود بالثناء على خلقه العظيم، ومشرع ألوية التخصيص له بكرائم التسجيل وجلائل التكريم، ومطلق ألسنة الأطناب في شرفه المطلق المفرد ومفرده بكمال الاصطفاء فما لكماله مثل ولأحد حمدا يجمع لي بين الأماني والأمان، ويقتضي المزيد من المبرات الشهود والعيان، وأشهد
стр. 279
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة شافعة باتصال المدد، كافلة بالخلود في جنات العرفان إلى الأبد. وأشهد أن سيد أعيان الكونين، وعين حياة الدارين محمد عبده ورسوله، وحبيبه وخليله ﷺ صلاة تصلني وذريتي وأحبائي في كل نفس بنفائس صلاته، وتقتضي دوام البسط بتوالي إمداداته، وتشفع لنا بمراحم القبول، وتسعفنا بكرائم الوصول صلاة لا ينقطع لها مدد، ولا ينقضي لها أمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى آل كل وصحب كل وسائر الصالحين وسلك تسليما وكرم تكريما.
وبعد، فهذه قصيدة صادرة عن ذات قناع، شاهدة بسلامة الطباع، ومنقحة بحسن البيان، مبنية على أساس تقوى من الله ورضوان، سافرة عن وجوه البديع، سامية بمدح الحبيب الشفيع، مطلقة من قيود تسمية الأنواع، مشرقة الطوالع في أفق الإبداع، موسومة بين القصائد النبويات بمقتضى الإلهام الذي هو عمدة أهل الإشارات بالفتح المبين في مدح الأمين، استخرت الله تعالى بعد تمام نظمها وثبوت اسمها في شيء يروق الطالب موارده، وتعظم عند المستفيد فوائده، وهو أن أذكر بعد كل بيت حد النوع الذي بنيت عليه وافر شاهده فإن ذلك مما يفتقر إليه وأنحو في ذلك سبيل الاختصار ولا أخل بواجب، وأنبه على ما لا بد منه قصد النفع الطالب، والمسؤول من الفتاح بتأسيسها على قواعد أذن الله أن ترفع ومن مثبت رفعها بوجاهة مدح الوجيه المشفع أن يصلي ويسلم عليه، ويجعلها خاصة لوجهه الكريم ووسيلة لي ولوالدي ولذريتي ولأحبائي ولمن والاني خيرا وفور الحظ من فضله العظيم، وأن ينيلنا بوجاهة الممدوح لديه وبحقه عليه نهاية الآمال، وشمول العفو والرضوان إنه جواد كريم رؤوف رحيم، ومن الله أستمد وعليه أعتمد وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
براعة المطلع
في حسن مطلع أقمار بذي سلم ... أصبحت في زمرة العشاق كالعلم
الجناس المذيل والتام
أقول والدمع جار جارح مقلي ... والجار جار بعذل فيه متهم
الجناس المحرف
يا للهوى في الهوى روح سمحت بها ... ولم أجد روح بشرى منهم بهم
الجناس المشوش
وفي بكائي لحال حال من عدم ... لفقت صبرا فلم يجدي لمنع دمي
الجناس المركب
يا سعد إن أبصرت عيناك كاظمة ... وجئت سلعا فسل عن أهلها القدم
الجناس المصحف والمطلق
فثم أقمار تم طالعين على ... طويلع حيهم وأنزل بحيهم
الجناس المخالف
أحبة لم يزالوا منتهى أملي ... وإن هممو بالتنائي أوجبوا ألمي
стр. 280
الجناس اللاحق
علوا كمالا جلوا حسنا سبوا أمما ... زادوا دلالا فنى صبري فيا سقمي
الجناس اللفظي
أحسنت ظني وإن هم حاولوا تلفي ... وثم سر وضنى فيه من شيمي
الجناس المعنوي
أليحمدي وأبو تمام كل شج ... عانى الغرام إلى قلبي لأجلهم
المناقضة
قيل اسلهم قلت إن هبت صبا شجرا وأشرق البدر تما سلخ شهرهم
الرجوع
ما لي رجوع عن الأشجان في ولهي بل عن سلوى رجوعي صار من لزمي
الاستدراك
رجوتهم يعطفوا فضلا وقد عطفوا ... لكن على تلفي من فرط عشقهم
المطابقة
هان السهاد غراما فيه أقلقني ... شوقا وعز الكرى وجدا فلم أنم
التمثيل
وعاذل رام سلواني فقلت له ... من المحال وجود الصيد في الأجم
الإبهام
عذلتني وادعيت النصح فيه فلا ... برحت أسعى بلا حد إلى النعم
الاستعارة
كيف السلو ونار الحب موقدة ... وسط الحشا وعيون الدمع كالديم
الأرداف
ولي جفون بغير السهد ما اكتحلت ... ولي رسوم بغير السقم لم تسم
الافتتان
تهابني الأسد في إجامها وظبا ... تلك الظبا قد أذلتني لعزهم
مراعاة النظير
أزروا بشمس الضحى والبدر حين بدوا وأومض البرق من تلقاء مبتسم
عتاب المرء نفسه
يا نفس ماذا الوني جدي فإن يصلوا ... فالقصد أو لا فموتي موت محتشم
المغايرة
لذكرهم صار سمع العذل يطربني ... من اللواحي ويلجيني أشكرهم
سلامة الاختراع
بلغت من العشق مرمى ليس يدركه ... إلا خليع صبا مثلي إلى العدم
стр. 281
التوشيع
كتمت حالي ويأبى كتمه شجني ... بحكمي الفاضحين الدمع والسقم
المراجعة
قالوا ارعوي قلت قلبي ما يطاوعني ... قالوا انثني قلت عهدي غير منفصم
القول بالموجب
قالوا سلوت فقلت الصبر في كلفي ... قالوا يئست فقلت البرء في سقمي
التهكم
يا عاذلي أنت معذور فسوف ترى ... إذا بدا الصبح ما غطى غشا الظلم
المواربة
أبرمت عذلا ويخشى أن تجربه ... إلى السلو وما السلوان من شيمي
ضرب المثل
أجر الأمور على أذلالها فعسى ... ترى بعينك وجه النصح في كلمي
النزاهة
عن ذم مثلك تبياني أنزهه ... إذ أنت عندي معدود من النعم
تجاهل العارف
الجهل أغواك أم في الطرف منك عمى أغاب رشدك أو ضرب من اللمم
الهزل الذي يراد به الجد
أتعبت نفسك في عذلي ومعذرة ... مني إليك فسمعي عنك في صمم
البسط
اعذل وعنف وقل ما اسطعت لا ترني ... إلا كما شاء وجدي حافظا ذممي
التورية
تسومني الصبر عمن لي حلابهم ... جميع ما مر من حالات عشقهم
التصدير
لم يا عذولي وشاهد حسنهم فإذا ... شاهدته واستطعت اللوم بعد لم
ما لا يستحيل بالانعكاس
أني أنا عرفن فرع لنا نبأ ... من الملام وحشيه بوصفهم
تألف اللفظ والمعنى
وامزج ملامك بالذكرى فإن بها ... تعللا لعليل الشوق من ألم
التفويف
كرر أعد أطرب ابسط ثن غن أجب ... قل سل جد ترنم بر من أدم
الإدماج
أعد حديث أحبائي فهم عرب ... قد أعرب الدمع فيهم كل منعجم
стр. 282
الاستخدام
واستوطنوا السر مني فهو منزلهم ... ولم أفوه به يوما لغيرهم
المقابلة
بدا الصدود ببعدي عن جوارهم ... فعاد وصل بقربي من محلهم
تآلف اللفظ والوزن
أحبة ما لقلبي غيرهم أرب ... وحبهم لم يزل يربو من القدم
تآلف المعنى والوزن
لزمت صدق ولاهم والتزمت به ... فسلت أسلوه إلا عن سلوهم
الإبداع
حلوا بقلبي وحلى جود منتهم ... جيدي وشكر الأيادي مسمعي وفمي
التفريع
ما بهجة الشمس في الآفاق مشرقة ... يوما بأبهج من لألأء حسنهم
القسم وجوابه
لا مكنتني المعالي من سيادتها ... إن لم أكن لهم من جملة الخدم
حسن البيان
بفضلهم غمروني من فواضلهم ... بما عجزت به عن حق شكرهم
التوشيح
وألبسوني مذ آنست نارهم ... من طور حضرتهم نورا جلا ظلمي
المجاز
وألبسوني ثياب الوصل معلمة ... بقربهم وأقروا في القرى علمي
الاستطراد
وخولوني ملكا فيه فزت بهم ... فوز العفاة بوافي فيض فضلهم
التهذيب والتأديب
لهم شمائل بالإحسان قد شملت ... وعلمت كرم الخلاق والشيم
الانسجام
ولي عوائد منهم بالجميل لها ... بمنهم اتصال غير منحسم
التشريع
قالوا فقد راق عيش المستهام بهم ... فلا جفا بعد ما جادوا بوصلهم
الالتفات
حلوا بقلبي فيا قلبي تهن بهم ... وافرح ولا تلتفت عنهم لغيرهم
الاحتراس
قد طال شوقي وقلبي منزل لهم ... إلى الطلول التي تسموا باسمهم
стр. 283
تأليف اللفظ باللفظ
فليت شعري هل حالي بمنتظم ... قبل الوفاة وهل شملي بملتئم
التكرار
نعم نعم حدثتني وهي صادقة ... ظنون سري حديثا غير متهم
المناسبة
عن جودهم عن نداهم عن فواضلهم ... عن منهم عن وفاهم نيل برهم
حسن النسق
سادوا فجودهم جم وبذلهم ... حتم وموردهم غنم لكل ظمي
الإيجاز
يا سعد إن ساعد الأسعاد واجتمعت ... لك الأماني وجئت الحي عن ألم
التتميم
عرج على قاعة الوعساء منعطفا ... على العقيق على الجرعاء من أضم
التجريد
واقصد مصلى به باب السلام وقف ... لدى المقام وقبل موطئ القدم
التمكين
فلي فؤاد بذاك الحي مرتهن ... سلا السلو وعانى وجده بهم
الحذف
ناشدته الله والنوار مشرقة ... تعلو المعالم من سكانها القدم
الاقتباس
ائت الكريم وهذا طور حضرتهم ... أقبل ولا تخف الواشين بالكلم
النوادر
وشاهد الحسن والإحسان جزؤهم ... ولا تدع منك جزأ غير مقتسم
الكناية
ولا يصدك عن بذل الوجوه لهم ... نصح اللواحي وما صاغوا بنطقهم
المخلص
هم المفاليس ما ذاقوا الغرام ولا ... أموا حمى خير خلق الله كلهم
الإطراء
محمد المصطفى ابن للذبيح أبو ال ... زهراء جد أميري فتية الكرم
التكرار
الوافر العظم ابن الوافر العظم اب ... ن الوافر العظم ابن الوافر العظم
التكميل
المرتضى المجتبى المخصوص أحمد ... من اختاره الله قبل اللوح والقلم
стр. 284
الترتيب
خير النبيين والبرهان متضح ... عقلا ونقلا فلم نرتب ولم نهم
التمسيك
أسناهم نسبا أزكاهم حسبا ... أعلاهم قربا من بارئ النسم
السهولة
طه المنادى بألقاب العلا شرفا ... وغيره بالأسامي ضمن كتبهم
المماثلة
عزت جلالته جلت مكانته ... عمت هدايته للخلق بالنعم
الاعتراض
أعظم به من نبي مرسل نزلت ... في مدحه محكم الآيات من حكم
الإيداع
ينبي مفصلها عن عز مرتبة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم
الإشارة
تبارك الله من أوحى إليه بما ... أوحى وخصصه بالمنتهى العظم
التفسير
برتبة ألقاب بالأدنى بحظوته ... برؤية الله بالإيناس بالكلم
التوشيح
دنا ونال فلا ثان يشاركه ... فيما حواه من التخصيص والكرم
العنوان
أتى وكان نبيا عند خالقه ... قدما وآدم طينا بعد لم يقم
التسهيم
ذو الجاه حيث يضم الخلق محشرهم ... ولا يرى غيره في الكشف للغمم
حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي
ذو المجد حيث أهيل المجد قاطبة ... تسير تحت لواه يوم حشرهم
الاكتفاء
ذو المعجزات التي منها الكتاب فيا ... بشرى لمقتبس منه بكل جم
التوليد
يتلى ويحلو ولا يبلى وليس له ... مبدل وهو حبل الله فاعتصم
التفصيل
قل للذي ينتهي هما يحاوله ... من حصر معجز طه الطاهر الشيم
الموارد
كم أعقبت راحة باللمس راحته ... وكم محا محنة ريق له بفم
стр. 285
التقسيم
والنيران أطاعاه فتلك بدت ... بعد الأفول وهذا شق في الظلم
الجمع مع التقسيم
والماء من إصبعيه فاض فيض ندى ... كيفه مردود هذا معدم العدم
الجمع
فريد حسن تسامى عن مماثله ... في الخلق والخلق والإحكام والحكم
القلب
بدر الكمال البدر مكتسب=من نوره وضياء الشمس فاعتلم
تنسيق الصفات
أعظم به من نبي سيد سند ... هاد سراج منير صفوة القدم
التشطير
بالحق مشتغل في الخلق مكتمل ... بالبر معتصم بالبر ملتزم
السجع
للبذل مغتنم بالبشر متسم ... يسمو بمبتسم كالدر منتظم
الترصيع
ممجد الذكر في الفرقان بالحكم ... محمد الأمر في التبيان من حكم
اللف والنشر
جمال صورته عنوان سيرته ... هذا بديع وهذي آية المم
الإغراق
ولو غدا البحر حبرا والفضا ورقا ... في حصر أوصافه ضاقا ببعضهم
الغلو
وذكره كاد لولا سنة سبقت ... إذا تكرر يحي بالي الرمم
المبالغة
علا من المثل ف التشبيه ممتنع ... في وصفه وقصور العقل كالعلم
الاتساع
إذ كل حسن مفاض من محاسنه ... وكل حسنى فمن إحسانه العمم
الاتفاق
محمد اسمه نعت لجملة ما ... في الذكر من مدحه في نون والقلم
الجمع مع التفريق
علاه كالشمس لا يخفى على بصر ... والوجه كالبدر يجلو حالك الظلم
التشبيه
لو كان ثم منيل قلت طلعته ... كالبدر حاشا تعالى كامل العظم
следующие страницы →