← Тараджим

Тараджим · id 9229

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور

زينب فواز

Полный текст (532 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

غلامان كان استوردا كل سورة ... من المجد ثم استوثقا في المصادر ربيعي حياً كانا يفيض نداهما ... على كل مغمور تراه وغامر كأن سنا باريهما كل شتوة ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر وقالت ترثيه أيضاً: أيا عين بكي توبة بن الحمير ... بسح كفيض الجدول المتفجر لتبك عليه من خفاجة نسوة ... بماء شؤن العبرة المتحدر سمعت بهيجاً أرهقت فذكرنه ... ولا يبعث الأحزان مثل التذكر كأن فتى الفتيان توبة لم يسر ... بنجد ولم يطلع من المتغور ولم يرد الماء الدام إذا بدا ... سنا الصبح في بادي الحواشي منور ولم يغلب الخصم الضحاح ويملأ ال ... جفان سديفاً يوم نكباء صرصر ولم يعل بالجرد الجياد يقودها ... بسبرة بين الأشمسات قياصر وصحراء موماة يحاربها القطا ... قطعت على هول الجنان بمنسر يقودون قباً كالسراحين لاحها ... سراهم وسيراً لراكب المتهجر فلما بدت أرض العدو سقيتها ... مجاج بقيات المزاد المقبر ولما أهابوا بالنهاب حويتها ... بخاطي البضيع كرة غير أعسر يمر ككر الأندري مثابر ... إذا ما ونين مهلب الشد محضر فألوت عناق طوال وراعها ... صلاصل بيض سابغ وسنور ألم تر أن العبد يقتل ربه ... فيظهر جد العبد من غير مظهر قتلتم فتى لا يسقط الروع رمحه ... إذا الخيل جالت في قنا متكسر فيا توب للهيجا ويا توب للندا ... ويا توب للمستنج المتنور ألا رب مكروب أجبت ونائل ... بذلت ومعروف لديك ومنكر وقالت ترثيه: أقسمت ارثي بعد توبة هالكا ... أحفل لمن دارت عليه الدوائر لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير وما أحد حي وإن عاش سالما ... بأخلد ممن غيبته المقابر ومن كان مما يحدث الدهر جازعا ... بلا بد يوماً أن يرى وهو صابر وليس لذي عيش عن الموت مقصر ... وليس على الأيام والدهر غابر ولا الحي مما يحدث الدهر معتب ... ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر وكل شباب أو جديد إلى بلى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائر وكل قرينى ألفة لتفرق ... شتاتاً وإن ضنا وطال التعاشر فلا يبعدنك الله حياً وميتا ... أخا الحرب إن دارت عليك الدوائر ويروى:

стр. 457

فلا يبعدنك الله يا توب هالكا ... أخا الحرب إن دارت عليك الدوائر فآليت لا أنفك أبكيك ما دعت ... على فنن ورقاء أو طار طائر قتيل بني عوف فيا لهفتا له ... وما كنت إياهم عليه أحاذر ولكنما أخشى عليه قبيلة ... لها بدروب الروم باد وحاضر وقالت ترثيه: كم هاتف بك من باك وباكية ... يا توب للضيف إذ تدعى وللجار وتوب للخصم إن جاروا وإن عندوا ... وبدلوا الأمر نقصاً بعد إمرار إن يصدروا الأمر تطلعه موارده ... أو يوردوا الأمر تحلله بإصدار وقالت ترثيه: هراقت بنو عوف دماً غير واحد ... له نبأ نجد به سيغور تداعت له أفناء عوف ولم يكن ... له يوم هضب الرهدتين نصير وقالت ترثيه: يا عين بكي بدمع دائم السجم ... وابكي لتوبة عند الروع واليهم على فتى من بني سعد فجعت به ... ماذا أجن به في الحفرة الرجم من كل صافية صرف وقافية ... مثل السنان وأمر غير مقتسم ومصدر حين يعي القوم مصدرهم ... وجفنة عند نحس الكوكب الشئم وقالت لقابض وتعذي عبد الله أخا توبة: دعا قابضاً والموت يخفق ظله ... وما قابض إذا لم يجب بنجيب وآسى عبيد الله ثم ابن أمه ... ولو شاء نجى يوم ذاك حبيبي وسأل معاوية بن أبي سفيان يوماً ليلى الأخيلية عن توبة بن الحمير فقال: ويحك يا ليلى أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين, ليس كل ما يقول الناس حقاً, والناس شجرة بغي يحسدون أهل النعم حيث كانت وعلى من كانت, ولقد كان يا أمير المؤمنين سبط البنان حديد اللسان شجا للأقران, كريم المختبر, عفيف المئزر, جميل المنظر وهو يا أمير المؤمنين كما قلت له. قال: وما قلت له؟ قالت: قلت ولم أتعد الحق وعلمي فيه: بعيد الثرى لا يبلغ القوم قفزه ... ألد ملد يغلب الحق باطله إذا حل ركب في ذاره وظله ... ليمنعهم مما تخاف نوازله حماهم بنصل السيف من كل فادح ... يخافون حتى تموت خصائله فقال لها معاوية: ويحك, يزعم الناس أنه كان عاهراً خارباً. فقالت من ساعتها ارتجالاً: معاذ إلهي كان والله سيداً ... جواداً على العلات جماً نوافله أغر خفاجياً يرى البخل سبة ... تحلب كفاه الندى وأنامله عفيفاً بعيد الهم صلباً قناته ... جميلاً محياه قليلاً غوائله وقد علم الجوع الذي بات سارياً ... على الضيف والجيران أنك قاتله

стр. 458

وأنك رحب الباع يا توب بالقرى ... إذا ما لئيم القوم ضاقت منازله يبيت قرير العين من بات جاره ... ويضحى بخير ضيفة ومنازله فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى, لقد جزت بتوبة قدره. فقالت: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته وخبرته لعرفت أني مقصرة في نعته وأني لا أبلغ كنه ما هو أهله. فقال لها معاوية: من أي الرجال: كان؟ فقالت: أتته المنايا حين تم تمامه ... وأقصر عنه كل قرن يصاوله وكان كليث الغاب يحمي عرينه ... وترضى به أشباله وحلائله غضوب حليم حين يطلب حلمه ... وسم زعاف لا تصاب مقاتله فأمر لها بجائزة عظيمة وقال لها: خبريني بأجود ما قلت فيه من الشعر. قالت: يا أمير المؤمنين ما قلت فيه شيئاً إلا والذي فيه من خصال الخير أكثر منه ولقد أجدت حين قلت: جزى الله خيراً والجزاء بكفه ... فتى من عقيل ساد غير مكلف فتى كانت الدنيا تهون بأسرها ... عليه ولا ينفك جم التصرف ينال الذوب بل أسدي الخلايا شبيهة ... بدرياقة من خمر بيسان قرقف فيا توب ما في العيش خير ولا ندى ... يعد وقد أمسيت في ترب نفنف وما نلت منك النصف حتى ارتمت بك ال ... منايا بسهم صائب الوقع أعجف فيا ألف إلف كنت حياً مسلماً ... لا لقاك مثل القسور المتطرف كما كنت إذ كنت المرجى من الردى ... إذا الخيل جالت بالقنا المتقصف وكم من لهيف محجر قد أجبته ... بأبيض قطاع الضريبة مرهف فأنقذته والموت يحرق نابه ... عليه ولم يطعن ولم يتنسف قيل: وكان الحجاج جالساً إذ استؤذن لليلى فقال الحجاج: وأي ليلى؟ قيل: الأخيلية. قال: أدخلوها. فدخلت امرأة طويلة, دعجاء العينين, حسنة المشية, فسلمت. فرد الحجاج عليها ورحب بها وأمر الغلام فوضع لها وسادة فجلست فقال: ما أقدمك. قالت: السلام على الأمير والقضاء لحقه والتعرض لمعروفه. قال: وكيف خلفت قومك؟ قالت: تركتهم في حال خصب وأمن ودعة. أما الخصب ففي الأموال وأما الأمن فقد أمنهم الله بك, وأما الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك؟ قال: إن شئت. فقالت: أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكف الله حيث تراها إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذ هز القناة سقاها سقاها دماء المارقين وعلها ... إذا جمحت يوماً وخيف أذاها إذا سمع الحجاج صوت كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها أعد لها مصقولة فارسية ... بأيدي رجال يحسنون غذاها أحجاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها ولا كل حلاف تقلد بيعة ... فأعظم عهد الله ثم شراها

стр. 459

فقال الحجاج ليحيى بن منقذ لله بلادها: ما أشعرها. ثم أقبل على جلسائه فقال لهم: أتدرون من هذه. قالوا: لا والله ما رأينا امرأة أفصح ولا أبلغ منها, ولا أحسن إنشاداً. قال: هذه ليلى صاحبة توبة, ثم قال لها: أي النساء تختارين أن تنزلي عندها؟ قالت: سمهن لي. فسماهن, فاختارت هند بنت أسماء, فدخلت عليها فصبت هند حليها عليها حتى أثقلتها لاختيارها إياها ودخولها عليها دون سواها, ولما كان الصباح قال الحجاج لعبيد بن موهب -حاجبه-: مر لها بخمسمائة درهم واكسها خمسة أثواب أحدها خز, ثم قالت: أصلح الله الأمير قد أضر بنا العريف في الصدقة, وقد خربت بلادنا وانكسرت قلوبنا فأخذ خيار المال فقال الحجاج: اكتبوا إلى صاحب اليمامة بعزل العريف الذي شكته. وقيل: إن ليلى لما دخلت على الحجاج فلما قالت: (غلام إذا هز القناة سقاها) قال لها: لا تقولي غلام وقولي همام, فأمر لها بمائتين فقالت: زدني. فقال: اجعلوها ثلثمائة. فقال بعض جلسائه: إنها غنم. قالت الأمير أكرم من ذلك, وأعظم قدراً من أن يأمر لي إلا بالإبل. قال: فاستح وأمر لها بثلثمائة بعير وإنما كان أمر لها بغنم لا إبل. وبينما الحجاج بن يوسف جالس يوماً دخل عليه الآذن فقال: أصلح الله الأمير بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير. قال: أدخلها فلما دخلت استنسبها فانتسبت له فقال: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم وكلب البرد, وشدة الجهد, وكنت لنا بعد الله المرد. قال: فأخبريني عن الأرض. قال: الأرض مقشعرة, والفجاج مغبرة, وذو الغنى مختل, وذو الحد منفل. قال: وما سبب ذلك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة لم تدع لنا فصيلاً ولا ربعاً, ولم تبق عافطة ولا نافطة, فقد أهلكت الرجال ومزقت العيال, وأفسدت الأموال ثم أنشدته الأبيات التي ذكرناها متقدماً. وقال في الخبر, قال الحجاج: هذه التي يقال فيها: نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدب على العصا مشهوراً تبكي الرماح إذا فقدن أكفنا ... جزعاً وتعرفنا الرفاق بحوراً ثم قال لها: يا ليلى, أنشدينا بعض شعرك في توبة, فأنشدته قولها: لعمرك بالموت عار على الفتى -القصيدة- فقال: الحجاج لحاجبه: اذهب فاقطع لسانه. فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها فقالت: ويلك إنما قال لك الأمير: اقطع لسانها بالصلة والعطاء, فارجع إليه واستأذنه, فرجع إليه فاستأمره فاستشاط عليه وهم بقطع لسانه, ثم أمر بها فدخلت عليه فقالت: كاد وعهد الله يقطع مقولي وأنشدته: حجاج أنت الذي لا فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد حجاج أنت سنان الحرب إن بهجت ... وأنت للناس في الداجي لنا نقد ودخل عبد الملك بن مروان على زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فرأى عندها امرأة بدوية أنكرها فقال لها: من أنت؟ قالت له: أنا الوالهة الحري ليلة الأخيلية. قال: أنت التي تقولين: أريقت جفان ابن الخليع فأصبحت ... حياض الندى زلت بهن المراتب فلهى وعفى بطن قودي وحوله ... كما انقض عرش البئر والورد عاصب قالت: أنا التي أقول ذلك. قال: فما أبقيت لنا. قالت: الذي أبقاه الله لك. قال: وما ذاك؟ قالت: نسباً قرشياً وعيشاً رخياً وامرأةً مطاعةً قال: أفردته بالكرم. قالت: أفردته بما أفرده الله به. قالت عاتكة: إنما جاءت تستعين بنا عليك في عين تسقيها وتحميها لها, ولست ليزيد إن شفعتها في شتى من حاجاتها لتقديمها أعرابياً جلفاً على أمير المؤمنين فوثبت ليلى على رجلها واندفعت تقول:

стр. 460

ستحملني ورحلي ذات رحل ... عليها بنت آباء كرام إذا جعلت سواد الشام جيشاً ... وغلق دونها باب اللئام فليس بعائد أبداً إليهم ... ذوو الحاجات في غلس الظلام أعاتك لو رأيت غداة بنا ... عزاء النفس عنكم واعتزامي إذا لعلمت واستيقنت أني ... مشيعة ولم ترعى ذمامي أأجعل مثل توبة في نداه ... أبا الذبان فوه الدهر دامي معاذ الله ما عسفت برحلي ... تغد السير للبلد التهامي أقلت خليفة فسواه أحجى ... بامرته وأولى باللثام لثام الملك حين تعد بكر ... ذوو الأخطار والخطى الحسام فقيل لها: أي الكعبين عنيت؟ قالت: ما إخال كعباً ككعبي. وقيل: إن ليلى الأخيلية دخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت وعجزت فقال لها: ما أرى توبة فيك حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولوك. فضحك عبد اللمك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها. وكانت دخلت على مروان بن الحكم يوماً فقال لها: ويحك يا ليلى بالغت في نعت توبة! فقالت: أصلح الله الأمير والله ما قلت إلا حقاً, ولقد قصرت وما رأيت رجلاً قط كان أربط منه على الموت جأشاً, ولا أقل إيحاشاً يحتدم حين يرى الحرب ويحمى الوطيس بالضرب, فكان وعهد الله كما قلت: فتى لم يزل يزداد خيراً لمذنب ... على أن علاه الشيب فوق المسائح تراه إذا ما الموت حل بورده ... ضروباً على أقرانه بالصفائح شجاع لدى الهيجاء بيت مشابح ... إذا انحار عن أقرانه كل سائح فعاش حميداً لا ذميماً فعاله ... وصولاً لقرباه يرى غير كالح فقال لها مروان: كيف يكون توبة على ما تقولين وقد كان خارباً والخارب سارق الإبل خاصة فقالت: والله ما كان خارباً, ولا للموت هائباً, ولكنه فتى له جاهلية ولو طال عمره وأنسأه لا رعوى قلبه ولقضى في حب الله نحبه وأقصر عن لهوه ولكنه كما قال عمه مسلم بن الوليد: فلله قوم غادروا ابن حمير ... قتيلاً صريعاً للسيوف البواتر لقد غادروا جزماً وعزماً ونائلاً ... وصبراً على اليوم العبوس القماطر إذا هاب ورد الموت كل غضنفر ... عظيم الحوايا ليته غير حاضر مضى قدماً حتى تلاقي بورده ... وجاد بسيب في السنين القواشر فقال لها مروان: يا ليلى, أعوذ بالله من درك الشقاء, وسوء القضاء, وشماتة الأعداء. فو الله لقد مات توبة وإن كان لمن فتيان العرب وأشدائهم ولكنه أدركه الشقاء. فهلك على أحوال الجاهلية. وكان بينها وبين الجعدي مهاجاة وذلك أن رجلاً من قشير يقال له: ابن الحيا وهي أمه واسمه سوار بن أوفى بن سبرة هجاه وسب أخواله من أزد في أمر كان بين قشير وبين بني جعده وهم بأصبهان فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضحة (سميت بذلك لأنه ذكر فيها مساوئ قشير وعقيل وكل ما كانوا يسبون به وفخر بمآثر قومه وبما كان من بطون بني عامر سوى هذين الحيين من قشير وعقيل) فقال:

стр. 461

جهلت علي ابن الحيا وظلمتني ... وجمعت قولاً جاء بيتاً مضللا وقال أيضاً في هذه القصة التي أولها: أما ترى ظلل الأيام قد حسرت ... عني وشمرت ذيلاً كان ذيالا وهي طويلة يقول فيها: ويوم مكة إذا ما جدتم نفرا ... جاموا على عقد الأحساب أزوالا عند النجاشي إذ تعطون أيديكم ... مقرنين ولا ترجون إرسالا إذ تستحقون عند الخذل أن لكم ... من آل جعدة أعماماً وأخوالا لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم ... وتجعلوا جلد عبد الله سربالا يعني عبد الله بن جعدة بن كعب: إذا تسربلتم فيه لينجيكم ... مما تقول ابن ذي الجدين إن قالا حتى وهبتم لعبد الله صاحبه ... والقول فيكم بإذن الله ما قالا تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد أبوالا يعني بهذا البيت أن ابن الحيا فخر عليه بأنهم سقوا رجلاً من جعدة أدركوه في سفر وقد جهد عطشاً لبناً وماء فعاش فلما ذكر النابغة ذلك وفخر بما له وغض مما لهم دخلت ليلى الأخيلية بينهما فقالت: وما كنت لو فارقت جل عشيرة ... لأذكر قعبي خازر قد تثملا فلما بلغ النابغة قولها قال: ألا حييا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أمراً أغر محجلا وقد أكلت بقلاً وخيماً نباته ... وقد شربت من آخر الصيف إبلا دعي عنك تهجاء الرجال وأقبلي ... على أدلعي يملأ إستك فيشلا وكيف أهاجي شاعرً رمحه إسته ... خضيب البنان لا يزال مكحلا فردت عليه ليلى فقالت: أنابغ لم تنبغ ولم تك أولاً ... وكنت صنياً بين صدين مجهلا أنابغ إن تنبغ بلؤمك لا تجد ... للؤمك إلا وسط جعدة مجعلا تعيرني داء بأمك مثله ... وأي نجيب لا يقال له هلا فغلبته فلما أتى بني جعدة قولها هذا اجتمع ناس منهم فقالوا: والله لنأتين صاحب المدينة وأمير المؤمنين فليأخذن لنا بحقنا من هذه الخبيثة فإنها قد شتمت أعراضنا وافترت علينا فتهيؤا لذلك وبلغها أنهم يريدون أن يتسعدوا عليها فقالت: أتاني من الأنباء أن عشيرة ... بشوران يزجون المطي المذللا يروح ويغدو وفدهم بصحيفة ... ليستجلدوا لي ساء ذلك معملا وأخبر بعض الرواة قال: بينما معاوية يسير يوماً إذ رأى راكباً فقال لبعض شرطه: ائتني به وإياك أن تروعه. فأتاه, فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: إياه أردت. فلما دنا الراكب حدر لثامه فإذا هي ليلى الأخيلية, ثم أنشأت تقول:

стр. 462

معاوي لم أكد آتيك تهوي ... برحلي رادة الأصلاب ناب قريح الظهر يفرح أن يراها ... إذا وضعت وليتها الغراب تجوب الأرض نحوك ما تأنى ... إذا ما الأكم قنعها السراب فقال: ما حاجتك؟ فقالت: ليس لمثلي أن يطلب إلى مثلك حاجة فأعطاها خمسين من الأبل ثم قال: أخبريني عن مضر فقالت: فاخر بمضر, وحارب بقيس, وكاثر بتميم, وناظر بأسد. ومن جيد أشعارها ما مدحت به آل مطرف قولها: يا أيها السدم الملوي رأسه ... ليقود من أهل الحجاز بريما أتريد عمر وبن الخليع ودونه ... كعب إذا لوجدته مرؤما إن الخليع ورهطه في عامر ... كالقلب ألبس جؤجؤاً وحزيما لا تغزون الدهر آل مطرف ... وأسنة رزق تخال نجوما قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنة زرق تخال نجزما ومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما وذكر الأصمعي: أن ليلى حينما كانت عند الحجاج أمر لها بعشر آلاف درهم وقال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: نعم أصلح الله الأمير تحملني إلى ابن عمي قتيبة بن مسلم. وهو على خراسان يومئذٍ فحملها إليه فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية فلما كانت بالري ماتت, فقبرت هناك. هكذا ذكر الأصمعي. وقيل: إنها حينما كانت عند الحجاج فقال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: نعم, تدفع إلى النابغة أحكم فيه بما أرى. فلما سمع النابغة بذلك هرب إلى الشأم فتبعته, ثم استأذنت عبد الملك فيه فأذن لها ولم تزل في طلبه حتى توفيت بقومس بلدة من أعمال بغداد على جانب الفرات. وقيل: بحلوان والمدى بينهما قريب. وفي رواية أخرى أن ليلى الأخيلية أقبلت من سفرة فمرت بقبر توبة ومعها زوجها وهي في هودج لها فقالت: والله لا أبرح حتى أسلم على توبة فجعل زوجها يمنعها من ذلك وتأبى إلا أن تلم به, فلما كثر ذلك منها تركها فصعدت أكمة عليها توبة فقالت: السلام عليك يا توبة, ثم حولت وجهها على القوم فقالت: ما عرفت له كذباً قط قبل هذا قالوا: كيف؟ قالت: أليس القائل: ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني تربة وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقى ... إليها صدى من جانب القبر صائح وأغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كل ما قرت به العين صالح فما باله لم يسلم علي كما قال: وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة, فلما رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل فنفر, فرمى ليلى على رأسها فماتت من وقتها ودفنت إلى جانبه وهذا هو الصحيح من خبر وفاتها. ليلى العامرية بنت مهدي بن سعد صاحبة قيس بن الملوح بن مزاحم الشهير بالمجنون, ولم يكن مجنوناً إلا من العشق بدليل قوله:

стр. 463

يسمونني المجنون حين يرونني ... نعم بي من ليلى الغداة جنون وكان سبب عشقه لها أنه مر على ناقة وعليه حلتان من حلل الملوك بزمرة من قومه وعندها نسوة يتحدثن فأعجبهن, فاستنزلته للمنادمة فنزل وعقر لهن ناقته, وأقام معهن بياض اليوم. وكانت ليلى مع من حضر وحين وقعت عينه عليها لم يصرف عنها طرفاً, وشاغلته فلم يشتغل, فلما نحر الناقة جاءت لتمسك معه اللحم فجعل يحز بالمدية في كفه وهو شاخص فيها حتى أعرق كفه فجذبتها من يده ولم يدر ثم قال لها: أتاكلين الشواء؟ قالت: نعم, فطرح من اللحم شيئاً على الغضي وأقبل يحادثها. فقالت له انظر إلى اللحم هل استوى أم لا؟ فمد يده إلى الجمر وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت ولم يشعر, فلما علمت ما داخله صرفت عن ذلك, ثم شدت يده دبهدب قناعها, ثم ذهب وقد تحكم عشقها من قلبه وقد استدعته بعد هذا المجلس للمحادثة وقد داخلها الحب فقالت له: هل لك في محادثة من لا يصرفه عنك صارف؟ قال: ومن لي بذلك؟ فقالت له: اجلس. فجلس وجعلا يتحادثان حتى مضى الوقت ولم يزالا على ذلك حتى حجبها أبوها عنه وزوجها من غيره -كما هو مشهور في قصتها- ومن رقيق شعر ليلى: لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كانا لكنه باح بسر الهوى ... وإنني قد ذبت كتمانا وقال له رجل من قومه: إني قاصد حي ليلى فهل عندك شيء تقوله لها؟ قال نعم, أنشدها إذا وقفت بحيث تسمعك هذه الأبيات: الله أعلم أن النفس قد هلكت ... باليأس منك ولكني أمنيها منيتك النفس حتى قد أضر بها ... وأبصرت خلفاً مما أمنها وساعة منك ألهوها ولو قصرت ... أشهى إلي من الدنيا وما فيها قال الرجل: قضيت حتى وقفت بخيامها فلما أمكنتني الفرصة أنشدت بحيث تسمع الأبيات فبكت حتى غشى عليها, ثم قالت: أبلغه عني السلام وأنشدت: نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذا ... ما كان غيرك يجزيها ويرضيها صبراً على ما قضاه الله فيك على ... مرارة في اصطباري عنك أخفيها وقال رباح بن عامر: دخلت من نجد أريد الشام فأصابني مطر عظيم, فقصدت خيمة رفعت لي فإذا بامرأة فسألتها التظليل, فأشارت إلى ناحية, فدخلت ثم قالت للعبيد: سلوه من أين الرجل؟ فقلت: من نجد. فتنفست الصعداء ثم قالت: نزلت بمن فيها؟ قلت: ببني الحريش فرفعت ستارة كانت بيننا وإذا بامرأة كأنها القمر ثم قالت: أتعرف رجلاً فيهم يقال له: قيس ويلقب بالمجنون؟ قلت: إي والله سرت مع أبيه حتى أوقفني عليه وهو مع الوحش لا يعقل إلا أن ذكرت له ليلى, فبكت حتى أغمي عليها فقلت: مما تبكين ولم أقل إلا خيراً. فقالت: أنا والله ليلى المشؤمة عليه غير المساعدة له ثم أنشدت: ألا ليت شعري والخطوب كثيرة ... متى رحل قيس مستقل فراجع بنفسي من لا يستقل برحله ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع وكان آخر مجلس للمجنون من ليلى أنه لما اختلط عقله وتوحش جاءت أمه إليها فأخبرتها وسألتها أن تزوره فعساها أن تخفف ما به فقالت: أما نهاراً فلا خيفةً من أهلي وسآتيه ليلاً, فلما جن الليل جاءت فسلمت عليه ثم قالت:

стр. 464

أخبرت أنك من أجلي جننت وقد ... فارقت أهلك لم تعقل ولم تفق فرفع رأسه إليها وأنشد: قالت جننت على رأسي فقلت لها ... الحب أعظم مما بالمجانين الحب ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين لو تعلمين إذا ما غبت ما سقمي ... وكيف تسهر عيني لم تلوميني وقد امتحنته يوماً لتنظر ما عنده من المحبة لها فدعت شخصاً بحضرته فسارته ثم نظرته قد تغير حتى كاد ينفطر فأنشدت: كلانا مظهر للناس بغضاً ... وكل عند صاحبه مكين تبلغينا العيون بما أردنا ... وفي القلبين ثم هوى دفين وأسرار اللواحظ ليس تخفى ... وقد تغري بذي الخطأ الظنون وكيف يفوت هذا الناس شيء ... وما في الناس تظهره العيون فسر بذلك حتى كاد أن يذهب عقله فانصرف وهو يقول: أظن هواها تاركي بمضلة ... من الأرض لا مال لدي ول أهل ولا أحد أقضي إليه وصيتي ... ولا صاحب إلا المطية والرحل محاجها حب الألى كن قبلها ... وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل ليلى بنت طريف وقيل: الفارعة. وقيل: فاطمة, والأول أشهر. أخت الوليد بن طريف الشيباني الخارجي الذي خلع ربقة الطاعة في خلافة الرشيد, فأرسل إليه يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني, فظهر عليه وقتله سنة ١٧٩ هجرية (٧٩٥) ميلادية. وكانت أخته من شواعر العرب تجيد الشعر, وكانت من الفروسية على جانب عظيم. ولما قتل أخوها صبحت القوم وعلى جسدها الدرع ولامة الحرب, وجعلت تحمل على الناس. ومن شجاعتها وفروسيتها قال القوم: إن الوليد قد قتل وليست هذه إلا أخته ليلى لأنها تشابهه بالفروسية وبالتحقيق عرفت أنها ليلى. وكان يزيد بن مزيد قريباً للوليد بن طريف لكونهما جميعاً من شيبان فقال يزيد: اتركوها ثم خرج إليها وضرب بالرمح قطاة فرسها, وقال: أعزبي, عزب الله عليك قد فضحت العشيرة فاستحت وانصرفت. ورثت أخاها بمراث كثيرة لم يبق منها إلا القليل, وكانت تسلك سبيل الخنساء في مراثيها لأخيها صخر. ومن جملة ما أنشدت فيه قولها: بتل نباتي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف تضمن مجداً عد ملياً وسوددا ... وهمة مقدام ورأي حصيف أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يريد العز إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم ... معاودة للكربين بألوف فقدناه فقدان الربيع فليتنا ... فديناه من ساداتنا بألوف

стр. 465

كأنك لم تشهد هناك ولم تكن ... مقاماً على الأعداء غير مخيف ولم تستلم يوماً لورد كريهة ... من الشرد في غضراء ذات رفيف ولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكرنها بأنوف حليف الندى ما عاش يرضي به الندى فإن مات لا يرضى الندى بحليف خفيف على ظهر الجواد إذا عدا ... وليس على أعدائه بخفيف وما زال حتى أزهق الموت نفسه ... شجا لعدو أو نجا لضعيف ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همت بعده برجوف ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف وللبدر ما بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس إذ ما أزمعت بكسوف ولليث كل الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف ألا قاتل الله الجثا حيث أدمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف لفها بزحوف عليك سلام الله وقفاً فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف وقولها فيه أيضاً: ذكرت الوليد وأيامه ... إذ الأرض من شخصه بلقع فأقبلت أطلبه في السماء ... كما يبتغي أنفه الأجدع أضاعك قومك فيطلبوا ... إفادة مثل الذي ضيعوا لو أن السيوف التي حدها يصيبك تعلم ما تصنع نبت عنك أو جعلت هيبة ... وخوفاً لصولك ولا تقطع حرف الميم ماء السماء هي ماوية بنت عوف بن جشم. وقيل: بنت ربيعة التغلي. ملكة العراق التي من سلالتها النعمان وباقي الملوك المناذرة. لقبت بماء السماء لأنها كانت في عصرها آية الجمال, وعنوان المجد والجلال, وكانت المنادرة تفتخر بها وجميع عرب العراق تحلف بحياتها, وكانت مآثرها ومفاخرها على العرب لا يوصف لها حد ولا يدرك لها عد, وكانت مكرمة عند الأكاسرة ونسائهم, وطالما قدمت نساء الآكاسرة الهدايا النفيسة والأكاليل والجواهر اللطيفة, وحق لمثلها أن تفتخر على نساء العرب والعجم بما جاء لها من الأولاد النجباء الذين دانت لهم البلاد وخدمتهم العباد مدة من الزمان حتى أذلوا جبابرة العرب والعجم فسبحان الحي الذي لا يموت. ماريا أدجورت بنت أدورد الثالث ملك إنكلترا ولدت في برك شير سنة ١٧٦٧ م وتوفيت في أدجورت تون من إيرلاندة سنة ١٨٤٩ م أخذت العلم عن

стр. 466

أبيها وكانت من البشاشة على جانب عظيم ومحبوبة عند الجميع, وكان لها من الأمل والرغبة الذين لا بد منهما لنمو القوى العقلية نمواً تاماً ما حملها على مداومة اجتهادها في سبيل المطالعة والدرس, وكانت مولعة بالروايات فأتحفت قومها بروايات كثيرة النفع مفيدة, وكانت كل رواياتها أدبية مؤثرة فاكتسبت رضا العموم ومديحهم وقد طبعت كتاباً في ١٤ مجلداً في لندن سنة ١٨٢٥ م ثم طبعته ثانية في ١٨ مجلداً سنة ١٨٣٢ م, وفي ٩ مجلدات سنة ١٨٤٨ م, وفي ١٠ مجلدات سنة ١٨٥٦ م وكرر طبعه في الولايات المتحدة الأمريكانية. ماجدة القرشية ذكر في طبقات الشعراني أنها كانت من المتعبدات الصالحات الزاهدات القائمات الليل الصائمات النهار. وكانت ﵂ تقول ما حركة تسمع ولا قدم توضع إلا ظننت أني أموت في أثرها. وكانت تقول: يا لها من عقول ما أنقصها سكان دار أوذنوا بالنقلة وهم حيارى يركضون في المهلة كأن المراد غيرهم والتأذين ليس لهم ولا عنى بالأمر سواهم, وكانت تقول لم ينل المطيعون ما نالوا من حلول الجنة ورضا الرحمن إلا بتعب الأبدان. ماريا تريزيا ابنة كارلوس الرابع إمبراطور النمسا ولدت سنة ١٧١٧ م وتزوجت بدوق توسكا سنة ١٧٢٦ م, ولما توفي والدها سنة ١٧٤٠ م ورثت الملك عنه واشترك زوجها فيه وقد قامت بعبء هذا المنصب الخطير والبلاد تئن تحت وطأة الدين المتثاقل والخسائر الفاحشة التي لحقتها بسبب الحروب مع روسيا وسكرينا وغيرها من دول أوروبا, وزادت مهاجمات هذه الدول مع وفاة والدها واستولى كل منها على مقاطعة من النمسا بدعوى انقطاع المذكورة من عائلة أبيها, فاستولى "فريدريك الكبير" ملك "بروسيا" على "سيسيليا" وهي أخصب مقاطعات المملكة النمساوية وأغناها, واستولت إسبانيا ونابولي على أملاكها في إيطاليا فقطعت أوصال مملكتها وتركتها اسماً بلا مسمى, غير أن ذلك لم يوهن عزم الملكة "ماريا تريزيا" التي فاقت الرجال حكمة ودراية فجمعت الأموال وحشدت الجنود, ودافعت عن بلادها دفاع اليأس, فانكسرت والتجأت إلى رعاياها المجريين فأنجدوها عن طيبة خاطر. قيل: إنها جمعتهم في قصرها ودخلت عليهم حاملة ابنها ولي العهد وكان طفلاً وأخذت تخاطبهم باللاتينية وتحثهم على الدفاع والذود عن الوطن وكان جمالها مفرطاً وكلامها عذباً, وفصاحتها تأخذ بمجامع القلوب فسحر المجرمون بها ورقوا لدموعها وجردوا سيوفهم, وعاهدوها على الدفاع إلى الموت. وبمساعدة المجريين تمكنت من عقد هدنة "أكس لاشابل" سنة ١٧٤٨ م بعد حرب سبع سنوات وخسارة كثير من أملاكها, غير أنها تمكنت بذلك من أن سمت زوجها إمبراطور, واضطرت بقية الدول إلى الاعتراف به, ثم صرفت همتها إلى ترقية العلوم والصناعة والزراعة والتجارة, فزادت المكاسب وتحسنت الأحوال, وانتشلت البلاد من ضيقتها المالية, وكانت تسوس البلاد بمساعدة زوجها ووزيرها "كونتز" المشهور ثم تجدد الحرب بينها وبين "فريدريك الكبير" ملك "بروسيا", ودامت سبع سنوات فضعفت البلاد وخسرت ما كانت قد كسبته في زمن السلم, ثم عقب هذه الحرب سلم طويل فعادت إلى ترقية العلوم والصنائع وأدخلت إلى بلادها إصلاحات شتى. سنة ١٧٦٣ م توفي زوجها فأشركت ابنها يوسف معها في الملك, واشترك مع روسيا وبروسيا في اقتسام بولاندا, افنا لها من ذلك الثلث وأضافت إلى ذلك "غالينسيا" و"لودوميريا", وأخذت من

стр. 467

الدولة العالية بوكونيا, وتوفيت سنة ١٧٨٠ م بعد أن ملكت أربعين سنة أظهرت في خلالها من الشجاعة والحزم والعزم والحكمة في السياسة, وتدبير الرعية, وترقية المعارف والصنائع ما فاقت به على الرجال ووصلت به النمسا في أيامها إلى أوج مجدها, وتوفيت عن ثلاثة بنين وست بنات. وخلفها قي الملك ابنها المذكور آنفاً باسم يوسف الثاني. ماريا متشل الفلكية الأميركية ماريا متشل ابنة رجل أمريكي من طائفة الكواكر, ولدت سنة ١٨١٨ م وكان أبوها مولعاً بعلم الهيئة والحسابات الفلكية, فتعلمت منه الحساب, وكان لها ميل شديد إلى العلوم الرياضية, فبرعت فيها مع أنها كانت تقوم بخدمة البيت من غسل الصحاف وما أشبه ذلك, ولم يحاول أبوها صرفها عن ميلها الطبيعي بل قواه فيها بتعليمه إياها العلوم الرياضية كلها حتى سلك الأبحر كما علم بنيه الذكور. وكانت تقول: إن المرأة تستطيع أن تتعلم سبع لغات وهي تعمل بيديها في الخياطة والتطريز, وكان أبوها مستخدماً في اللجنة التي تسمح الشواطئ البحرية فاستعان بها على أعماله الحسابية, ومن ثم تعرفت بكثيرين من مشاهير علماء العصر وكان هؤلاء العلماء يزورونها ويحاورونها في المباحث العلمية, ولم يكن أبوها في بسطة من العيش, فعزمت على أن تساعده على السعي لعائلته, فجعلت مديرة لأحد المكاتب العمومية, وبقيت في هذا المنصب عشرين سنة منقطعة إلى الدرس في منتخبات الكتب, وكثيراً ما كانت تصنع الجوارب بيديها والكتاب مفتوح أمامها وهي تطالع فيه -هذا في النهار- وأما في الليل فكانت ترصد الكواكب في أفلاكها. وسنة ١٨٤٧ م اكتشفت نجماً جديداً من ذوات الأذناب اكتشفته بالتلسكوب, وحسبت ميلة وصعوده المستقيم بالتدقيق, فكتب أبوها إلى مدير مرصد "كمبردج" يعلمه بذلك فلم يمض على هذا الاكتشاف إلا أسابيع قليلة حتى اشتهر اسمها في محافل العلماء وأذاعته الجرائد العلمية, ومنحها ملك الدانميرك نيشاناً ذهبياً. ولما اكتشفت هذا الاكتشاف الفلكي كان لها في المكتبة عشر سنوات فأقامت فيها عشر سنوات أخرى عاكفة على الدرس ورصد الأفلاك والمساعدة في تأليف الزيح (النتيجة أو التقويم) الأميركي السنوي ومكاتبة الجرائد العلمية. وسنة ١٨٥٧ م أتت أوروبا قصد مشاهدة مراصدها الفلكية والتعرف بعلمائها المشهورين, فرحب بها العلماء وأكرموا مثواها لأن شهرتها كانت تتقدمها حيثما ذهبت ولم تلبث في أوروبا إلا سنة واحدة, ثم عادت إلى أمريكا واستمرت على تأليف الزيج للحكومة إلى أن أنشأ مسيو "قاسار" مدرسة جامعة للبنات ومرصداً فلكياً فيها فجعلت مديرة لهذا المرصد وأستاذة لعلم الهيئة في المدرسة المذكورة وهي الآن عضو في مجمع العلوم الأميركي. وفي جمعية الفنون والعلوم ولها تأليفان الواحد في أقمار زحل والثاني في أقمار المشتري, ورصود معتبرة في النيازك, وعبور الزهرة. وقد بلغت فوق السبعين من عمرها وكلل الشيب رأسها ولكنها لم تزل تراقب الأفلاك وتعلم بنات نوعها مراقبتها ومشاركة الرجال في أسمى المطالب العلمية. ماريا مورغان الأميركية ولدت في جنوب إرلندا سنة ١٨٢٨ م من أبوين من ذوي المقامات الرفيعة, وربيت على ظهور الصافنات الجياد منذ نعومة أظافرها, فلم تناهز العاشرة حتى صارت تسابق الفرسان وتكسب الرهان, ثم توفي أبوها

стр. 468

فانتقلت أملاكه كلها إلى بكره بحسب شريعة البلاد, فاضطرت أن تسعى لنفسها في طلب رزقها وكان لها أخت أصغر منها تعلمت فن التصوير وأرادت أن تتقنه في مدينة رومية -أم المصورين ومرضعتهم- فذهبتا إليها سوية, وتعرفت هناك "بهربت هوسمر" النحات الأميركي وكان نزيلاً في رومية, وعنده كثير من جياد الخيل, فجعلت تركبها وتروضها حتى ذاع صيتها في بلاد إيطاليا. ولما مضى عليها سنتان في رومية قصدت مدينة فلورنسا, وكانت كرسي ملوك إيطاليا فدعاها الملك "فكتور عمانوئيل" إليه ورحب بها وأجلسها بجانبه وجعل يحدثها بأمر الخيل فرآها من أعرف الناس بها فأقامها مديرة على الاصطبلات الملكية وبقيت في هذا المنصب العالي سنين كثيرة, وكانت تذهب إلى إنكلترا وإيرلندا من وقت إلى آخر لتبتاع له الجياد, وأهداها نجماً من الماس وساعة من الذهب عليها اسمه بحجارة الماس لما رآه فيها من الهمة والاجتهاد. وسنة ١٨٦٩ م قصدت الولايات المتحدة الأميركية ومعها مكاتيب التوصية من سفير الولايات المتحدة في إيطاليا إلى رجل من أخصائه فوجدت أن الرجل مات فجأة قبل وصولها فسقط في يدها ولم تعلم ماذا تعمل وعرض عليها مدير جريدة التمس التي تطبع في مدينة نيويورك أن تنشئ له ما يكتب في جريدته عن الخيول وأخبارها فترددت في قبول ذلك, ولما لم تجد عملاً آخر يقوم بمعيشتها قبلته, وجعلت تتردد على أسواق الخيل وميادينها وتكتب فيها الفصول الضافية وتصدت لها بقية الجرائد في أول الأمر وسلقتها بألسنة حداد ولكنها عادت فأثنت عليها بما هي أهله لما رأت من بلاغة إنشائها وسمو مدراكها, ولين عريكتها, وواسع خبرتها وأقامت في هذا المنصب أكثر من عشرين سنة, وكانت تكاتب كثيراً من الجرائد العلمية والأدبية واشتهرت ببلاغة الإنشاء وقوة الحجة وكانت ثقة قومها في معرفة الخيول وزارت أوروبا مراراً عديدة وأختها المصورة برفقتها ومنذ عهد غير بعد أخذت تبني داراً كبيرة وكانت تدفع نفقات البناء من المال الذي أحرزته بقلمها وأختها تعتني بنقش الدار وتزويقها ولكن عاجلتها المنية قبل أن تكسنها وهي في الرابعة والستين من عمرها وقد كتبت على جبين الدهر: (لبس دون الرجال النساء) . ماري جان غومرد دوفويريني "كونتس باري" خليلة "لويس الخامس عشر" ولدت في فوكولور من "شمانيا" سنة ١٧٤٦ م وقتلت في باريس سنة ١٧٩٣ م كانت بنت خياطة واستخدمت في مخزن بباريس تباع فيه ملابس الرأس, وكانت ذات جمال بارع سلبت فيه قلوب كثيرين من باريس, ومن ضمن من تعلقوا بها الكونت جان دوباري فأوغر إلى بعض خدمه أن يصفها للملك ويذكر له محاسنها ودلالها محاولاً بذلك بلوغ المناصب العالية وجمع ثروة وافرة. فلما نمى خبرها إلى لويس الخامس عشر زوجها بأخي الكونت -المذكور- ثم فتح لها أبواب البلاط الملكي فكانت تدخله كالخواتين الكريمات وسرى حبها في عروق الملك, فتمكن فيها ولم يعتره فتور مدة حياته بطولها أما ما أنفق عليها من خزينة فرنسا فبلغ أكثر من خمسة وثلاثين مليون فرنك أمدت بجانب منها أقرباءها وأصدقاءها, وتصدقت بجانب آخر على الفقراء كفارة عن إثمها, وكانت تتداخل في مصالح الدولة فحصل لها أهمية كبرى, وهي التي حملت الملك على نفي دوق "سوازول" كبير وزرائه لأنه كان أشد أعدائها وبعثته أيضاً على فض المجلس العالي الذي التأم سنة ١٧٧١ م وإبعاد أعضائه غير أن للزمان نكبات فلم يسلم منها من سلك مسلك الغرور. فلما توفي الملك نفاها "لويس السادس عشر" من بلاطه غير أنه

стр. 469

سمح لها بالرجوع إلى جناح القصر الملكي الذي بني لها في "لوسيانة" قرب "فرساليا", فأقامت فيه مع دوق برتياله عشيقها وكانت عيشتهما عيشة تنعم. وسنة ١٧٩٢ م سافرت إلى إنكلترا ولما رجعت منه ألقي عليها القبض سنة ١٧٩٣ م بدعوى اختلاسها الأموال ومؤامرتها على الجمهورية, ولبسها ثوب احلداد في "لوندرة" على العائلة الملكية, فحكم عليها بالقتل, وكانت قد تشددت مدة المحاكمة غير أن عزيمتها خارت في طريقتها إلى دكة الدم واستمرت إلى آخر دقيقة من حياتها تسأل العفو بكلام يدعو إلى الشفقة فلم يغن عنها ذلك شيأ وكانت ساعدت بعض الشعراء وقربتهم واقتبست منهم بعض معارف, واستعانت بها على مقاصدها. وبالجملة كانت بارة بالفقراء والمساكين. ماري أنتوانت ابنة دوق توسكا من مارياتريزيا ولدت سنة ١٧٥٥ م, وتزوجت وهي في السادسة عشرة من عمرها بولي عهد فرنسا "لويس السادس عشر" وكانت حينئذٍ على غاية البساطة وصفاء النية, محبة للمزح, أنيسة العشرة بعيدة التأنف والرسوم المرعية في قصور الملوك وسمي زوجها ملكاً على فرنسا سنة ١٧٧٤ م, وكان ذلك بدأة أتعابها فكرهها الشعب الفرنساوي واتهمها بدسائس عديدة لم يقدر أن يثبت واحدة منها, وكانت هفواتها العظيمة حب الفخفخة والولائم والمسرات, وقصورها عن إدراك ويلات البلاد ومصائبها. قيل: إنها رأت الفقراء يتضورون جوعاً فقالت: إني أحزن لفقرهم فإذا لم يكن لهم خبز يأكلونه فليأكلوا كعكاً وكان الفرنساويون يزدادون بغضاً لها وعداوةً, واتهموها بسرقة أموال البلاد وإنفاقها على ما لا فائدة منح وهجم جمهور من رعاعهم على قصر فرساليا بقصد قتلها, وطلبوا أن تخرج إليهم فخرجت بشجاعة وثياب يندرو جودهما في مثل تلك الأحوال, وأمسكت بيدها ولي العهد ابنها الطفل فلم يجسر أحد أن يرميها بشيء مخافة أن يصيبه. وكان ذلك سبب نجاتها ثم أرادت مصالحة الأمة فزارت بعض المعامل وأظهرت سرورها من تقدم الصناعة فيها, وبينت اهتمامها بأحوال الشعب غير أن الخرق كان اتسع على الراقع فازداد الفرنساويون بغضاً وكرهاً لها, ولما رأت متهم ذلك صممت على الهرب من البلاد هي وزوجها فمانعها زوجها حاسباً أن هربه في تلك الأحوال ضرب من الخيانة لبلاده. وكان شريف النفس أبيها, محباً للأمة لا يشوبه إلا ضعف الهمة. وفي أحد الأيام هجم البعض عليه وأوقفوا مركبته فساءه ذلك وحسبه تعدياً شخصياً, فهرب مع عائلته في ٢٠ يونيه سنة ١٧٩١ م ولسوء حظه أمسك في فاران وأرجع أسيراً إلى باريس, وراد هياج الشعب ضد الملكة واتهموها بدسيسة مع النمسا, وقويت حجة فرنسا وبعد عراك طويل ومعاناة أخطار شتى أظهرت أثناءها شجاعة غريبة وقوة نادرة, وعزماً وحزماً تقصر عنهما الرجال حكم عليها المجلس بالقتل في ١٥ أكتوبر سنة ١٧٩٣ م وأنفذ الحكم في اليوم الثاني وذلك بعد ما قتل زوجها بثمانية أشهر. وهكذا انتهت حياة هذه الملكة الفريدة التي فاقت الرجال عزيمة وثباتاً, وقاسمتهم الأتعاب والمشاق. ماري ستوارث ابنة يعقوب الخامس دوق سكوتلانده هي شهيرة عصرها جمالاً ونجابة, وزينة العالم الغربي علماً ومهابة. ولدت سنة ١٥٤٢ م من زوجته "ماري دي لورين" التي ماتت بعد ولادتها بثمانية أيام. وفي سنة ١٥٥٨ م تزوج بها "روفان" الذي تولى تخت

стр. 470

فرنسا باسم فرنسيس الثاني, ثم مات عنها بعد سنة ونصف فعادت إلى بلادها حزينة, وهناك ودعت فرنسا بأبيات هي غاية في الرشاقة واللطف تعريبها ما يأتي. "وداعا يا فرنسا الأنيقة يا بلادي التي رشحت صباي والتي فيها مشتهاي, وداعاً يا أمي الغراء في مملكة العز والصفاء إن الفلك الذي فصلني عنك لم يفصل سوى شطري, وأما الشطر الآخر وهو ملك سأتركه في مغناك ذريعة لذكراك". وكان تغاليها في الاستمساك بالمذهب اللاتيني الذي كان استبدله قومها بمذهب لوثير جعلها بغيضة لدى الأهليين, فرأت أن تتزلف إليهم بزواجها بابن عمها "هنري" الذي لم يكن له من مزية سوى بسطة في جسمه ومسحة في جمال وجهه, فزفت عليه سنة ١٥٦٥ م وكان لئيماً غيوراً فاتهمها بحب كاتم أسرارها "داود بيز يوالا يتالي" الذي كان جميلاً فتاناً وموسيقياً شهيراً, فهجم عليه ليلة من باب خفي في قصرها, ولما رآه يعزف أمامها اشتعل حسداً وغيرة, فقتله غيلة عند الباب الخارجي. وفي سنة ١٥٦٧ م هلك "هنري" بكيفية تجلب الشك في أمر موته, فاتهمت به, وعقيب ثلاثة أشهر تزوجت بلا تدبر في العواقب بالكونت بوتويل الذي قيل عنه إنه المجهز بأمرها على زوجها, فهاج فعلها هذا القوم فاتهموها بالخيانة والفاحشة, وزجوها في معقل "لوس ليفان" وساموها جحد مذهبها علناً فأبت ولبثت سجينة حيثما تمخضت عن ولدها "جمس الأول" الذي وحد مملكتي "سكوتلاندا" والإنكليز, ثم حاولت الفرار فتدلت من شرافة عالية ونجت بنوع عجيب, وكتبت إذ بئست من الملك مستجيرة بابنة عمها الملكة "اليصابات", وذلك سنة ١٥٧٨ م, فاستقدمتها بأمان ولما رأت ما أوتيت من محاسن الذات والصفات أضمرت لها شراً وحسداً. ثم افترت عليها أموراً منها أنها قتلت زوجها فأودعتها سجناً ضيقاً مكثت فيه ١٨ عاماً اتخذت في خلالها وسائل جمة للخلاص فلم تفلح, ومن تلا نبأ سجنها وما لقيت فيه من الضر والنكد لا يكاد يملك عبراته حزناً ووجداً, ولو كان فؤاده حجراً صلداً, ولم يكف "أليصابات" ذلك حتى اتهمتها ظلماً ولؤماً بأنها عاونت فريقاً من أهل مذهبها على إهلاكها, فخفرت ذمتها وحكمت عليها بالموت. ثم أمرت الأمير "بيل" وكان من أشد الناس عداوة لماري بأن يزورها في السجن وينذرها بوشك القتل, فسار مع فريق من الأمراء وأبلغها الرسالة بلسان أمر من الصبر وفؤاد أقصى من الصخر, فأجابته متجلدة: إني لست من رعية ابنة عمي فكيف تأمر بقتلي وإذا كان رضاها بموتي فأهلاً به إلا أن نفساً لا تسمح لجسم بأن يتحمل ضربة جلاد فهو إذن غير جدير بنعيم الملك الجواد. ثم دعت قسيسها وكانوا قد حالوا بينهما فقال لها بعض النبلاء: لو فوضت أسقفاً لوتيريا لكان أقرب للتقوى. فأبت وكان أمير "كنت" متحمساً في البروتستانية فقال: إن حياتك لدينا موت وموتك حياة لنا. ولما انصرفوا أمرت بالطعام وتناولت قليلاً منه على عادتها وحانت منها لفتة فرأت خدامها يبكون. فقالت لهم: كفوا يا أخوتي وافرحوا بانطلاقي من هذا العالم عالم الشقاء, ثم شربت بعد العشاء على أسمائهم رجالاً ونساء فشربوا معها ركعاً وقد مزجوا شرابهم من عيونهم بماء والتمسوا عفوها فعفت عنهم واستعفتهم عنها ثم كتبت وصيتها ووزعت بينهم حلاها وألبستها, وكتبت إلى ملك فرنسا رسائل وصاة في حق جميع حاشيتها ثم تودعت من النوم بالغرار, وأحيت سائر ليلها بالتهجد والاستغفار. ولما ألقت الغزالة لعابها جاء أمر في طلابها وكان النهار صاحياً, ووجه السماء ضاحكاً ضاحياً, فلبست أبهى ثيابها وأسدلت عليها رداء من كتان, وخرجت على الفور وسجتها في بنانها, وعلى محياها الصبيح الوقور سمات الخفر والتجلد وكان المجد والإجلال يسيران في خدمتها. ولما بلغت مقتلها استقبلها الأعيان والأمراء وبينهم خادمها

стр. 471

"ملفن" يشرق بالبكاء فقالت له: رويدك يا "ملفن" وكفاك نحيباً فإنك عما قليل ترى ماري معتوقة من قيد أحزنها فقل لأهل سكوتلاندة إني أموت كاتوليكية حافظة لفرنسا وسكوتلانده عهدي. إلهي اغفر لمن ظمئ إلى دمي كما تظمأ الإبل إلى الماء. إلهي إنك تعلم سرائري وخفايا ضمائري فبرئني عند ابني اليتيم أو ألهمه أن حياتي لم تدنس حرمته, ولم تشن مملكته. إلهي وفقه إلى أن ينهج مع ملكة الإنكليز منهج صدق ووداد إنك لغفور سميع جواد. ثم ذرفت مدامعها ككريات من الماس تقذف من لجين وتدحرج على صفحتي لجين, وودعت خادمها الوداع الأخير فاندفع في البكاء حتى تولاه الإغماء, ثم التفتت بجلالها إلى الأمراء ورغبت إليهم أن يساعدوا خدمتها على إحراز مالهم من وصيتها, وأن يمكنوهم من القيام حولها ساعة قتلها فتجافي أمير "كنت" عن مطلبها الثاني لوساوس شيطانية فقالت له: لا تخف دركاً من هذه النعاج الوديعة الوريقة التي لا مأرب لها إلا التملي مني بهذا الوداع الأليم, وعندي أن حبيبتي لا تمنعني ذلك كيف لا وأنا ملكة أيضاً وابنة ملك, وزوجة ملك, وأقرب الناس إليها والله يعلم أنني أقول ذلك بقلب سليم وضمير مستقيم, فلبوها حينئذٍ وسار أمامها الأمراء وخادمها الخاص وراءها رافع رداءها حتى إذا بلغوا المذبح استوت على أريكة سوداء فتلى أمر قتلها فسمعته بإصغاء. ثم حاول الأسافقة أن يميلوا بها عن مذهبها, فأجابتهم: إني أموت على ما ولدت. فطلب الأمراء أن يشتركوا معها في الصلاة والدعاء فقالت: لكم دينكم ولي دين. ثم جثت وأخذت تصلي باللاتينية فتابعها خدمتها, ولما فرغت كررت الاستغفار عن الملكة والدعاء لابنها فتقدم الجلاد مستسمحاً فأجابته مسامحة, ثم نزع عنها خدامها رداءها الأعلى باكيات نائحات فقابلتهن بالصبر وكف العبرات, ثم غطت وجهها بقناع أسود واستوت على الخشبة قائلة: إلهي استودعتك روحي واستقبلت الموت. بعزمة بعثتها همة زحل ... من دونها بمكان الأرض من زحل فتقدم الجلاد وقطع هامتها فهتف الأسقف: هكذا لتهلك أعداؤنا. ثم حنطت جثتها ودفنت باحتفال في كنيسة "بيتير بورغ" وصنع لها في باريس مأتم حافل, وكان لها من العمر يوم قتلها أربع وأربعون سنة وشهران, وما زال رسمها محفوظاً فوق سريرها في "أيدنبورغ" قاعدة سكوتلاندة ولها رسم آخر في محبسها الأول محفوظاً مع تاج الملك والسيف والصولجان, ووسام وخاتم ياقوتي فصه أكبر من البندقية, وقد ألف مشاهير الكتبة بحياة "ماري" وبراءتها روايات كثيرة شعراً ونثراً تركوها بهدها للناس أمثولة وذكرى. إذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء وكتبت إلى "أليصابات" وهي في سجنها تقول من "ماري ستوارث" إلى "أليصابات" ملكة إنكلترا لقد برح الخفاء أيتها السيدة وظهرت عقبة من يتكل على عدلك في حفظ الذمام وكرم الأخلاق وقد تبين لي أن المستجير بك عند البلاء كالمستجير بالنار من الرمضاء. فعلام لا تقابلنني ولأي ذنب تلقينني في السجن وقد كنت آمل أن أرتع عندك في القصور المنيعة, ولماذا لم أر منك إلا الضغينة والبغضاء عوضاً عن المودة والولاء. وهل السجون والقبور لمثل "ماري ستوارث" حتى يحكم عليها مجلسك بها. وعلى أي ذنب بنوا حكمهم ووافقتيهم عليه يا ترى أساءك مني أن معتقدي يخالف معتقدك وإني لست لبنة كنيستك؟ أو تعدين هذا ذنباً سياسياً حتى انقضت علي من أجله منتقمة متشفية على حين سلمت نفسي إليك, وألقيت أمري بين يديك وقلت: خذوها فغلوها. آه لقد قضى أهل المروءة فواحر قلباه. وآخر ما أقوله أيتها السيدة: إنك إذا كنت لا تنظرين في سوء

стр. 472

حالي وشدة مصابي فتنازلي وانظري بعض النظر في مقامي واعلمي أن في "ماري ستوارث" خلفاً وأي خلف لعرش "اسكتلانده" إنما أنا عالمة أنك تقصدين التنكيل بي, وأعلم السبب الداعي إلى ذلك ولكنني لا أخاف تنكيلاً, ولا أرهب وعيداً ولا تهديداً فإن "أليصابات" لم تعرف بعد أي عظيمة ضمها صدر "ماري ستوارث" فسأتحمل الظلم بنفس راضية دون أن أفوه ببنت شفة مكتفية بأن لي رباً ينصف المظلوم من الظالم وهو الذي يشيد الممالك ويقوضها, ويرفع الملوك ويخفضها, فليهنأ لك الملك يا "أليصابات" ولتقر عينك به وقد خلا لك الجو فاملكي واسرحي وامرحي, ولكنني أذكرك في الختام أن لا تحكمي بغير العدل والإنسانية والسلام. فأجابتها أليصابات بما يأتي: إنني لا أقابلك أيتها السيدة حتى يبيض فوداك وتصفر خداك من سجون إنكلترا وأنت لا تتركينها ساعتئذٍ إلا لتمثلي رواية محزنة يكون لك فيها الدور الأول والسلام. ماري دوارليان وهي ابنة الملك "لويس فيلب الثاني". ولدت في بالرمو سنة ١٨١٣ م وتزوجت سنة ١٨٣٧ م بألكسندر دوق دوود تمبرغ, وتوفيت سنة ١٨٣٩ كانت مغرمة بالفنون المستظرفة ولاسيما صناعة الحفر ومن محفوراتها تمثال جان دارك حفرته, ولها من العمر٢٠ سنة, وهو الآن في قاعة التحف في "فرسالياه" وقد حفرت تماثيل أخرى وصورت صوراً كثيرة ظريفة جداً. مادام بلانشار كانت من اللواتي اشتهرن بفن البالون أي المركبة الهوائية وكان زوجها "بلانشار" قد سقط ثروته وخسر كل ما كان قد جمعه فأمسى فقيراً حتى إنه قال لها وهو على فراش الموت: إنه لا يرى لها فرجاً بعد موته إلا بأن تقتل نفسها شنقاً أو غرقاً. ولكنها صممت على المسير في السبيل الذي كان زوجها يسير فيه وبناء على ذلك شرعت في الصعود في الهواء وغير ذلك, فصعدت مراراً كثيرة ونجحت كل النجاح, وأتقنت العمل وتشجعت حتى إنها كانت تعرض نفسها لأخطار كثيرة, وكانت هذه المخاطرات واسطة لتشديد رغبة القوم في التفرج على أعمالها وبالنتيجة كانت تزيد مداخيلها المالية وكثيراً ما كانت تصادف من المخاطر ما كان يكاد يأتيها بالهلاك, وصعدت مرة فأملت منها عنان مركبتها فسقطت بها إلى مكان موحل يغرق من سقط فيه فتعلقت المركبة في الأشجار. وكانت تندفع من مكان إلى مكان بشدة مخيفة حتى ظن القوم الذين كانوا يتفرجون عليها أنها تهلك إذا لم يبادر أهل القرى المجاورة لتخليصها, أما عدد صعودها في الهواء صعوداً عمومياً فكان بين الخمسين والستين مرة, وكانت في كل مرة تعمل أعمالاً تختلف عن التي عملتها في غيرها. وفي سنة ١٨١٩ م للميلاد صممت على أن تقيم وهي طائرة في المركبة أعمالاً نارية كالتي يقيمونها في الأفراح والأعياد والولائم, وكانت تربط الأسهم النارية في المركبة بحيث تقدر أن تشعلها بقضيب طويل في رأسه نار مشتعلة, وكانت تشعلها وتقطع الرباط فتقع مشتعلة إلى أسفل فيراها المتفرجون, هذا ومعلوم أن من أغرب الأعمال التي عملها بشر هذا العمل الذي كانت تتجاسر أن تعمله امرأة لأنها كانت تصعد إلى الهواء وتبعد عن الأرض ألوفاً من الأقدام بواسطة مادة قابلة جداً للاحتراق, وموضوعة في ظرف رقيق قابل

стр. 473

للاحتراق أيضاً وتأخذ في إشعال البارود وغيره من المواد السريعة الاشتعال بقضيب طويل مشتعل. وكان البعض ينظرون إلى ذلك بعين الخوف لأنهم كانوا يعلمون أن شرارة واحدة من القضيب المشتعل الرأس أو من المواد التي كانت تحرقها كافية لحرق تلك المركبة الكبيرة إذا وصلت على الهيدروجين الذي كان يرفعها, وهكذا حدث فإن النار اشتعلت فاشتعل أسفل المركبة فأخذت تسقط بسرعة, ثم احترقت الحبال التي كانت تربط مجلس المركبة وسقط فسقطت ما دام "بلانشار" على سطح من سطوح بيوت المدينة ومنها على الأرض فماتت حالاً. المتجردة هند زوجة المنذر بن ماء السماء كانت من أعظم نساء العرب جمالاً فلما مات عنها أخذها ولده النعمان فكان يجلسها مع نديميه النابغة والمنخل, فشغفت بالمنخل وامتزجا حباً فأمر النعمان يوماً النابغة أن يصفها فقال: وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد فقال المنخل: إن هذا وصف معاين وحرض النعمان على قتله فهرب وكان عفيفاً فلما خرج النعمان إلى الصيد رجع بغتة فوجد المتجردة مع المنخل وقد ألبسته أحد خلخاليها, وشدت رجله إلى رجليها فقتله وللمنخل فيها أبيات منها: إن كنت عاذلني فسيرى ... نحو العراق ولا تحوري ولقد دخلت على القتا ... ة الخدر في اليوم المطير والكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير فدفعتها فتدافعت ... مثل القطاة إلى الغدير فلثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي البهير فرثت وقالت هل بحبك ... يا منخل من فتور ما شف جسمي غير حبك ... فاهتدى عني وسيري وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فأنني ... رب الشويهة والبعير يا هند هل من ناهل ... يا هند للعاني الأسير متيم الهشامية كانت متيم صفراء مولدة من مولدات البصرة وبها نشأت وتأدبت وغنت وأخذت عن إسحاق وعن أبيه من قبله, وعن طبقتهما من المغنين, وكانت من تخريج بذل المغنية وتعليمها لها وعلى ما أخذت عنها تعتمد فاشتراها علي بن هشام بعد ذلك فما ازدرت أحداً ممن كان يغشاه من المغنين, وكانت من أحسن الناس وجهاً

стр. 474

وغناء وأدباً وكانت تقول شعراً مستحسناً من مثلها, وحظيت عند علي بن هشام حظوة شديدة وتقدمت عنده على جواريه أجمع, وهي أم أولاده كلهم, فولدت له صفية -وتكنى أم العباس- ثم ولدت محمداً ويعرف بأبي عبد الله, ثم ولدت بعده ابناً يقال له: هارون ويعرف بأبي جعفر, سماه المأمون وكناه, بهذا الاسم والكنية قال: ولما توفي علي بن هشام عتقت. وكان المأمون يبعث إليها فتجيبه فتغنيه, فلما خرج المعتصم على "سر من رأى" أرسل إليها فاستخلصها وأنزلها داخل الجوسق في دار كانت تسمى الدمشقي وأقطعها غيرها وكانت تستأذن المعتصم في الدخول إلى بغداد على ولدها فتزورهم, ثم ضم غليها قلم وهي جارية لعلي بن هشام. قال الحسن بن إبراهيم بن رياح: سألت عبد الله بن العباس الربيعي من أحسن من أدركت صنعة. قال إسحاق قلت: ثم من؟ قال: علوية. قلت: ثم من؟ قال: متيم. قلت: ثم من؟ قال: أنا, فعجبت من تقديمه متيم على نفسه, فقال: الحق أحق أن يتبع. وكانت متيم جالسة بين يدي المعتصم ذات يوم ببغداد وإبراهيم بن المهدي حاضر فغنت متيم: لزينب طيف تعتريني طوارقه ... هدوا إذا ما النجم لاحت لواحقه فأشار غليها إبراهيم أن تعيده فقالت ميتم للمعتصم: يا سيدي, إبراهيم يستعيدني الصوت وكأني أراه يريد أن يأخذه. فقال: لا تعيديه. فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضراً مجلس المعتصم ومتيم غائبة, فانصرف إبراهيم بعد حين على منزله ومتيم في منزلها بالميدان وطريقه عليها وهي في منظرة لها مشرفة على الطريق فسمعها تغني هذا الصوت, فضرب باب المنظرة بمقرعة. وقال: قد أخذناه بلا حمدك, وكان المأمون سأل علي بن هشام أن يهبها له وكان بغنائها معجباً, فدفعه عن ذلك ولم يكن له منها ولد وقتئذٍ فلما ألح المأمون في طلبها حرص على أن تعلق منه حتى حملت ويئس المأمون منها فيقال: إن ذلك كان سبباً لغضبه عليه حتى قتله. وقال علي بن محمد الهشامي: إنه أهدى على علي بن هشام برذون أشهب قرطاسي وكان في النهاية من الحسن والفراهة وكان علي به معجباً وكان إسحاق يرغب فيه رغبة شديدة وعرض لعلي يطلبه مراراً فلم يرض أن يعطيه له فسار إسحاق إلى علي يوماً يعقب صنعة متيم في هذا الصوت. فلا زلن حسرى ظلعاً كم حملنها ... إلى بلد ناء قليل إلا صادق فاستعاده إسحاق واستحسنه ثم قال له: بكم تشتري مني هذا الصوت؟ فقال علي بن هشام: جاريتي تصنع هذا الصوت وأشتريه منك! قال: قد أخذته الساعة وأدعيه, فقول من يصدق قولي أو قولك فاختر الآن مني خلة من اثنتين إما أن تهبني البرذون وتحملني عليه وأما أن أبيت فأدعي والله هذا الصوت لي وقد أخذته قال: علي يؤخذ قولك ويترك قولي لا والله ما أظن هذا ولا اراه يا غلام قدم هذا البرذون إلى منزل أبي محمد بسرجه ولجامه لا بارك الله لك فيه. وكلم ابن هشام متيم يوماً في كلام فأجابته جواباً لم يرضه, فدفع يده في صدرها فغضبت ونهضت فتناقلت عن الخروج غليه فكتب إليها: فليت يدي بانت غداة مددتها ... إليك ولم ترجع بكف وساعد فإن يرجع الرحمن ما كان بيننا ... فلست إلى يوم التنادي بعائد فصنعت له لحناً وخرجت غليه وصالحته وغنته الصوت. وعتبت عليه مرة فتمادى عتبها وترضاها فلم ترض فقال الدلال: يدعو إلى الملال, ورب هجر دعا إلى صبر, وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه, ولقد صدق

стр. 475

العباس بن الأحنف حيث يقول: ما أراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران قد حدا بي على الجفاء وفائي ... ما أضر الوفاء بالإنسان فخرجت إليه من وقتها وقال الهشامي: كانت متيم تحبني حباً شديداً محبة الأخت لأخيها, وكانت تعرف أني أحب النبق, فبينما أنا جالس في داري في ليلة من الليالي في وقت السحر إذا أنا ببابي يدق فقيل: من هذا؟ فقالوا: خادم متيم يريد أن يدخل إليك. فقلت: يدخل, فدخل ومعه صينية فيها نبق, فقال لي: إن متيم تقرئك السلام وتقول لك: كنت عند أمير المؤمنين المعتصم بالله فجاءه نبق من أحسن ما يكون فأمر أن يوضع في صينية ويقدموها إلى متيم ففعلوا فأمرتني أن آتي بها إليك ودفعت إلي كمية من النقود حتى أدفعها إلى الحراس ليخرجوني بها وها هي عند المعتصم. ووفدت على علي بن هشام جدته من خراسان فقالت له يوماً: اعرض علي جواريك. فعرضهن عليها ثم جلس على الشراب وغنت متيم وأطالت جدته الجلوس, فلم ينبسط ابن هشام إليهن كما كان يفعل فقال هذين البيتين: أيبقى على هذا وأنت قريبة ... وقد منع الزوار بعض التكلم سلام عليكم لا سلام مودع ... ولكن سلام من حبيب متيم وكتبها في رقعة ورمى بها إلى متيم فأخذتها ونهضت إلى الصلاة ثم عادت وقد صنعت فيه لحناً فغنت فقالت: شاهك وهي جدة ابن هشام وما أرانا ألا قد ثقلنا عليكم اليوم وأمرت الجواري فحملن محفتها وأمرت بجوائز للجواري وساوت بينهن وأمرت لمتيم بمائة ألف درهم. ومرت متيم في نسوة وهي مستخفية بقصر علي بن هشام بعد قتله, فلما رأت بابه مغلقاً لا أنيس عليه وقد علاه التراب والغبرة وطرحت في أفنيته المزابل وقفت وقالت: يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشى لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك لكنني ... أبكيت عيني فيك وإذ ولى قد كان لي فيك هوى مدة ... غيبه الترب وما هلا فصرت أبكي جاهداً فقده ... عند ادكاري حيثما حلا فالعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى ثم سقطت من قامتها وجعل النسوة يناشدنها ويقلن: الله الله في نفسك فإنك لا تؤاخذين الآن فبعد كل جهد حملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع. وقالت متيم: بعث إلي المعتصم بعد قدومه بغداد فذهبت غليه فأمرني بالغناء فغنيت: هل مسعد لبكاء ... بعبرة أو دماء وذا لفقد خليل ... لسادة نجباء فقال: أعد لي عن هذا البيت إلى غيره فغنيته غيره عن معناه فدمعت عيناه وقال: غني غير هذا فغنيته. أولئك قومي بعد عز ومنعة ... تفانوا وإلا تذرف العين أكمد فبكى وقال: ويحك لا تغني في هذا المعنى شيئاً فغنيت:

стр. 476

لا تأمن الموت في حل وفي حرم ... إن المنيات تفني كل إنسان واسلك طريقك هو لا غير مكترث ... فسوف يأتيك ما يجني لك الجاني فقال: والله لولا أني أعلم أنك غنيت بما في قلبك لصاحبك وإنك لم تنذريني لمثلت بك ولكن خذوا بيدها فأخرجوها فأخرجت. ولما مات علي هشام جاء النوائح فطرح بعض من حضر من مغنياته عليهن نوحاً من نوح متيم, وكان حسناً جيداً فأبطأ نوح النوائح التي جئن لحسنه وجودته, وكانت زين حاضرة فاستحسنته جداً وقالت: رضي الله عنك يا متيم كنت علماً في السرور, وأنت علم في المصائب. وماتت متيم هي وإبراهيم بن المهدي وبذل في آن واحد, وكانت للمعتصم جارية ذات مجون فقالت: يا سيدي, أظن أن في الجنة عرساً فطلبوا هؤلاء إليه فنهاها المعتصم عن هذا القول وأنكره, فلما كان بعد أيام وقع حريق في حجرة هذه القائلة فاحترق كل ما تملكه وسمع المعتصم الجلبة فقال: ما هذا؟ فأخبر عنه, فدعا بها فقال: ما قصتك؟ فبكت وقالت: يا سيدي احترق كل ما أملكه. فقال: لا تجزعي فإن هذا لم يحترق وإنما استعاره أصحاب ذلك العرس. مرغريتا الفرنساوية ملكة إنكلترا هي "مرغريتا أف أنجو" زوجة "هنري السادس" كانت من النساء العاقلات العالمات بضروب السياسة والأحكام, تربت تربية مجد وشرف. ولما اقترن بها "هنري السادس" استحوذت على قلبه وملكت الشعب الإنكليزي بحسن سياستها وتدبيرها ملكاً لم يسبق لغيرها من الملكات قبلها وكانت ظالمة عاتية على المذنبين لديها. وكان زوجها حليماً قليل الهمة سليم الطباع لا يلاقي الحوادث بقوة ونشاط حتى نشأ من سبب ضعفه وعدم اقتدار "مرغريتا" بمفردها على تدبير المملكة رجوع عائلة "بورك" على ما كانت تدعيه سابقاً من حقوق التملك, وكان كبار حزب "لنكستر" وهم: الكردينال "بوفورت", ودوق "دولدفورد", ودوق "دوغلوستر" الذين دبروا الملك لما كان "هنري السادس" قاصراً قد توفوا عن آخرهم فقام "رتشرد" دوق "بورك" وهو والد "إدوارد الرابع" وأخذ يظهر بكل رفق ودقة حقه في الملك فعضده في ذلك أرل "ورويك" وارل " سلزيري". وكان من أعيان إنكلترا الأقوياء فجرد السيف لمقاتلة "سمرست" آخر الأشراف الكبار من عائلة "لنكستر" فانتصر في "سنت البنس" سنة ١٤٥٥ م, وكان ذلك الانتصار بداية الحرب بين حزب "وردة لنكستر الحمراء" وحزب "وردة بورك البيضاء" وتقلبت الأحوال على "رتشرد" فكان ينجح مرة, ثم يصادف فشلاً مرة أخرى إلى أن كسرته الملكة "مرغريتا" وذبحته في "ويكفيلد" سنة ١٤٦٠ م فتقلد ابنه "إدوارد" رياسة جيش موات من سكان حدود "ولس" ومن سكان الجبال وهزم عساكر جرارة تحت قيادة ارل "بميروك" وارل "أرمند" بالقرب من "هردفرد". ثم سار إلى الجهة الجنوبية وأتي لنجدته ارل "ورويك" الذي انكسر في برنت فسار إلى لندن فدخلها من دون ممانعة, واستمال إليه الناس بحداثة سنه وجراءته وجماله, وأقره المجلس العالي على تخت الملك في ٤ آذار (مارس) سنة ١٤٦١ م, فصار للمملكة ملكان وجيشان ملكيان مختلفان في البلاد, واستعد الفريقان للقتال كل الاستعداد واجتمع في "توتون" بالقرب من "بورك" ١٠٠ ألف مقاتل من الإنكليز من كلا الفريقين واصطفوا للقتال وقر الرأي على أنه لا يعفى عن أسرى الحرب. وانتدأت الموقعة في ٢٩ آذار (مارس) سنة ١٤٦١ م

стр. 477

والمظنون أنها أشد موقعة جرت في إنكلترا فإنها دامت أكثر من يوم وقتل فيها ٣٠ ألف رجل, وانكسر حزب "لنكستر" الذي كانت قائدته الملكة "مرغريتا" انكساراً تاماً, وثبت الملك "لإدورد الرابع" فسافرت "مرغريتا" إلى فرنسا, وطلبت مساعدة ملك الفرنسويين. وفي سنة ١٤٦٤ م رجعت إلى "اسكوتسيا" بخمسمائة مقاتل من الفرنسويين, واجتمع إليها قوم من الاسكوتسيين فأضرمت نار الحرب وجرى لها مع اللورد "مونتا كيوت" الجنرال الإنكليزي موقعة بالقرب من "هكسام" فدارت عليها الدائرة وأسر الملك هنري زوجها وكثيرون من الرؤساء والقواد, وأما هي فهربت إلى فرنسا أيضاً وذبح إدوارد أعداءه ذبحاً ذريعاً في أوائل الانتصار. ثم عمد إلى الحلم والرفق بالرعية, وانتهز فرصة غياب "مرغريتا" فأطلق لنفسه العنان, وتزوج سراً بامرأة اسمها "إليزابيت" أرملة السارجون "غراي" وابنة "رتشرد دوفيل" وهو البارون "ريفرس" وكان قد قابلها في بيت أبيها وهو في العيد في غابة غرفتون وفي شهر أيلول (سبتمبر) أعلن جهاراً أنها زوجته وملكة إنكلترا, ووجه إلى أبيها لقب أرل فساء هذا الاقتران أرل "ورويك" العاتي المتكبر لأن "إدوارد" كان يود أن يقترن بالبرنسيس بونه دوساقوا عهد إليه مخابرتها بذلك واستمالتها إليه فنجح في مخابرته فكان من "إدوارد" ماتقدم فكبر الأمر على الأرل واستعظمه واتحد مع شقيق "إدوارد" -وهودوق كلارنس- وجاهر بالعصيان سنة ١٤٦٩ م. فظهرت في الحال نتيجة اتحاده مع أشراف البلاد وأكابرها غير المرتضين بتصرفات "إدوارد" وامتدت الثورات في كل جهات البلاد وجند "روبين" من رد سذال في كونيتة بورك ٦٠ ألف مقاتل وشهر الحرب فسار إليه "إدوارد" وكان "ورويك" قد ذهب إلى فرنسا فاستمال إليه لويس الحادي عشر وصالح "مرغريتا" عدوته القديمة, ورجع إلى إنكلترا بعساكر قليلة, فنزل في "درتموت" ولم يمض إلا أيام قلائل حتى صار عنده ٦٠ ألف مقاتل ونيف لأن الشعب كان يحبه كثيراً فتقدم إلى الشمال, وكان تقدمة سبباً لانحلال عزائم الجنود الملكية فهرب إدوارد إلى هولاندة سنة ١٤٧٠ م, وأخرج خصمة من القصر الذي كان محبوساً فيه, فسمع الناس في أزقة لندن وشوارعها تضج مرة أخرى بذكر اسمه والتأم المجلس العالي بأمر الملك الجديد فحكم فيه على "إدوارد" بأنه غاصب وصادف المتحزبون له إهانة واحتقاراً نقضت كل الأعمال التي جرت في أيامه وكانت سطوة "مرغريتا" في الشعب الإنكليزي نافذة, وأحزابها كثيرون, وكلما أرادت الثورة تجد من يساعدها وآلت على نفسها أن لا تدع إنكلترا في راحة ما دامت على قيد الحياة, ولذلك صارت تلقي الدسائس والفتن, وكلما سمعت بثورة كانت أول من بادر إليها إلا أن دوق برغنديا كان يساعد "إدوارد" سراً فجمع "إدوارد" جيشاً من الفلمنك في مدة قصيرة, وسار بهم إلى "رافنسبور" وتقدم إلى داخلية البلاد متظاهراً أنه لم يأت إنكلترا إلا للحصول على الأملاك التي ورثها من آبائه. وكان يوصي رجاله بأن يصرخوا قائلين: فليعش الملك هنري إلى أن وردت إليه نجدات كافية لمقاتلة أعدائه فجاهر بالعدوان, والتقت العساكر في برنت في ١٤ نيسان (أبريل) سنة ١٤٧١ م فدارت الدائرة على اللنكستريين, وقتل "ورويك" فاستولى "إدوارد" على لندن مرة ثانية, وقبض على "هنري" أيضاً وأرجعه إلى الحبس. وفي تلك الأثناء خرجت "مرغريتا" من فرنسا وأتت إنكلترا مع ولدها "إدوارد" وكان له من العمر ١٨ سنة, فنزلت في "ويموت" بجيش فرنسوي في نفس النهار الذي جرت فيه موقعة برنت وحدث بينها وبين دوق "سر مرنت" قتال في "تيوكسبري" في ٤ أيار (مارس) سنة ١٤٧١ م, فانكسرت جنودها وقتل ابنها, وأسرت هي. فبقيت في الأسر خمسة سنين إلى أن افتداها ملك فرنسا. أما زوجها الملك "هنري"

стр. 478

فمات في الحبس بعد تلك المعركة بأسابيع قليلة. وفي سنة ١٤٧٤ م تواطأ كل من "إدوارد" ودوق "برغنديا" على قسمة فرنسا إلى قسمين" أحدهما يشتمل على الولايات الشمالية والشرقية تستولي عليه "برغنديا" والآخر تستولي عليه إنكلترا, فعبر "إدوارد" في مضيق "كاني" بجيش إنكليزي إلا أن دوق برغنديا لم يف بعهده فأرسل لإدوارد تحريراً يعتذر فيه عن قصوره. ولما علمت "مرغريتا" بذلك سعت بكونها عقدت معاهدة ما بين "إدوارد" و"لويس" ملك فرنسا آلت إلى نفع "إدوارد" فإنه تقرر فيها أن لويس يدفع لإدوارد ولكل من كبار رجاله مرتبات سنوية وافرة, وجرت هذه المعاهدة من دون قتال, ثم إن "مرغريتا" أوقعت خلافاً شديداً بين "إدوارد" وأخيه "كلارنس" لأن "إدوارد" منع " كلارنس" بمداخلته من التزوج بابنة دوق "برغنديا" وكانت وارثة الملك بعد أبيها وذات ثروة وافرة وبعد ذلك بمدة وجيزة قتل اثنان من أصحاب "كلارنس" لتهمات كاذبة كان جملتها أنهما ساحران فأخذ كلارنس في تبرئتهما فقتله سراً في شهر شباط (فبراير) سنة ١٤٧٨ م بدعوى أنه طعن الحكومة وانهمك "إدوارد" في آخر حياته في اللذات والملاهي وأهمل مصالح المملكة وبقيت بعده "مرغريتا" مدة من الزمن حتى ماتت في فرنسا وهي قريرة العين بأخذ ثارها من "إدوارد" حيث نكدت عليه كل حياته وتوفيت بعده بمدة طويلة. مرغريتا دي فالوا هي شقيقة فرنسيس الأول ملك فرنسا ومن أشهر النساء الكاتبات اللواتي نبغن في عهده ولدت في "أنكولبم" سنة ١٤٩٢ م وتزوجت "بشرل دي فالوا" دوق الأنسون سنة ١٥٠٩ م, ثم توفي زوجها سنة ١٥٢٧ م فحزنت عليه حزناً شديداً, وزاد حزنها بما كان وقتئذٍ من أسر أخيها وما ألم بصحته من الاعتلال فسارت إلة مدريد وخاطبت الإمبراطور "شرلكان" ووزراءه في أمره فاضطروا على معاملته بالإكرام لما رأوه فيها من الحزم وعند رجوع فرنسيس الأول فرنسا بقي حافظاً لأخته ذكراً جميلاً وعقد زواجها سنة ١٥٢٧ م على "هنري دالبريت" ملك نافار فرزقت منه دالبريت والدة "هنري الرابع" وكانت "مرغريتا دي قالوا" مجاهرة بالمحاماة عن البروتستانت فرفقت الشكوى عليها إلى أخيها وحرضت إحدى الجرائد الكاتوليكية أن يبتدأ بعقوبتها إذا رغب في استعمال الهرتقات من مملكته, فتصامم الملك عن استماع ذلك وقال: إن أختي لا تعتقد إلا ما أعتقده ولا يمكن أن تدين بدين يضر بمملكتي, وقد اشتهرت هذه الكاتبة بطيبة القلب ومكارم الأخلاق وحب الفقراء فكانت تحسن بالأموال الطائلة على المستشفيات في "لانسون ومورتاني" وبنت مكاناً للقطاء أطلق عليه اسم الأولاد الحمر, واتصف بجميع المناقب حتى سماها بعض شعراء عصرها بالنعمة الرابعة وعروس الشعر العاشرة. ومن الأمور المقررة التي لا يختلف فيها اثنان أن أشغال هذه الملكة بالمركز الأعلى في مراتب الآداب بين بنات عصرها وإحرازها قصب السبق على جميع كتاب القرن السادس عشر وجمعها بين حدة الذكاء وقوة التصور, ودقة النقد, وشدة الاطلاع. فكأنما هي روض زاهر بالمعارف لا يفوتها شيء من متفرقات الفوائد, وقد نبغت في الشعر والنثر والسياسة واللاهوت, واليونانية والعبرانية, ودرست الموسيقى والهندسة وأتقنتهما وكانت غيورة على العلم تجل شأن العلماء وتحب معاشرتهم, فلا يكاد يخلو اجتماع لها منهم, وقد امتازت بسهولة الكتابة نثراً ونظماً. ومن أشهر مؤلفاتها كتاب اسمه "الهتباتيرون" وهو مجموع حكايات حكمية على نسق " كليلة ودمنة" اتخذه "لافونتين" نموذجاً جرى عليه في تأليف حكاياته الشهيرة

стр. 479

وانتقى منه المواضيع الأدبية التي بنى عليها كتاباته ويقال: إن "مرغريتا" كتبت القسم الأكبر من هذا الكتاب في هودجها أثناء تجوالها وأسفارها, وكانت تكتب بسهولة وبلا مراجعة كأنها تكتب إنشاء يملى عليها وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب أنه حدثت أمطار وزوابع عظيمة في جبال "ألبيرتيبس" وكان الناس يتقاطرون في كل سنة إلى جهة هنالك ذات ينابيع مفيدة للاستحمام بها والشرب منها طلباً للصحة والعافية فاضطروا أن يهجروها على إثر هذه الزوابع وتراكضوا أفواجاً هرباً من الموت المفاجىء, فسقط بعضهم في النهر فحملتهم المياه الطاغية وأغرقتهم, وهرب آخرون على الغابات فافترستهم الوحوش الكاسرة وانهزم فريق منهم إلى بعض القرى التي بعثوا إليها اللصوص وقطاع الطريق, فسلبوهم أشياءهم, وأوقعوا بهم. أما العقلاء منهم (فلجؤوا) إلى "دير سيدة سيراس" ومكثوا هاك ينتظرون الفرج, وكان قد بوششر ببناء جسر يقطعون عليه النهر, فلما طال أمر بنائه عقدوا العزم على أن يقص كل منهم قصته على رفقائه في كل يوم حتى لا يشعروا بطول المدة التي يقضونها بالانتظار, وهذا الكتاب مجموع القصص المذكور وفيها من الوقائع الأدبية والنكات اللذيذة المفيدة ما يرتاح إليه الخواطر, وقد ألحقت كل قصة من هذه القصص بتأملات لا تقل أهميتها عن بقية المؤلف من حيث إصابة المرمى, وحسن الوضع. أما منظومات هذه الملكة فنذكر منها المجموعة التي طبعت سنة ١٥٤٧ م وهي تتألف من روايات وأسرار وهزليات, ثم منظومة أخرى اسمها انتصار الحمل ورثاء سجين, وكلها من خيار الأشعار النفيسة, وكانت مولعة بالصنائع والفنون الجميلة فشيدت قصر "ليو", وضمت إليه الجنات البديعة, ثم توفيت في "قصر أودوس" في "التارب" سنة ١٥٤٩ م. وفي سنة ١٥٥٠ م كتبت "ملوت سنت مارت" سيرة حياتها وصدرتها بصورت مواعظ في اللاتينية والفرنساوية بعبارة فصيحة جداً, فانتشرت بين الناس وأحرزت شهرة عظيمة ولا تزال إلى يومنا هذا موضوع أحاديث الأدباء وقد نصب لها تمثال في جنة ليكسيمبرج إظهاراً لفضلها وإقراراً بما كان لها من عظمة الشأن بين آل الأدب والعرفان. مريم ابنة عمران ابن ساهم بن أمود بن منشا بن حزقيا بن أحرنق بن يوثان بن عزازيا بن أنصيا بن ناوس بن نوثا بن بارض بن نهناساط بن رادم بن ايبا بن رجعم بن سليمان بن داود ﵉. كان زكريا بن يوحنا وعمران بن ساهم متزوجين بأختين إحدهما: عند زكريا وهي "أليصابات" بنت فاقود أم يحيى. والأخرى: عند عمران وهي حنة بنت فاقود أم مريم وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أيست وعجزت, وكانوا أهل بيت بمكان فبينما هي في ظل شجرة إذ نظرت طائراً يطعم فرخاً فتحركت عند ذلك شهوتها للولد, ودعت الله تعالى أن يهب لها ولداً وقد نذرت على نفسها إن رزقها الله بولد تتصدق به على البيت المقدس, فيكون من خدمته, ورهبانه, فتقبل الله دعاءها وحملت بمريم فحررت ما في بطنها. ولكن لم تعلم ما هو فقالت: رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً عن الدنيا وأشغالها خالصاً لك وخادماً لبيتك المقدس. فقال لها زوجها: ويحك, ماذا صنعت إن كان في بطنك أنثى لا تصلح لذلك فوقعا جميعاً في وهم من ذلك وفي حالة توفي زوجها عمران. فلما أتمت مدة حملها وضعت جارية فقالت: (ربي إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) (آل عمران: ٣٦) في خدمة بيتك المقدس (وإني سميتها مريم) (آل عمران: ٣٦) وكانت مريم أجمل النساء وأفضلهن

стр. 480

وأحسنهن, وأنبتها الله نباتاً حسناً. وكانت أخذتها أمها ولفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار كما نذرت على نفسها وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة. فتنافس فيها الأحبار وكل منهم أراد أخذها وقال لهم زكريا -وكان أكبرهم-: أنا أحق بها منكم لأن عندي خالتها. فقالت له الأحبار: لا نفعل ذلك ولا نسلمها إليك ولكن نقترع عليها ومن خرج سهمه أخذها فاقترعوا فطلعت من سهم زكريا, فأخذها وكفلها وضمها إلى خالتها أم يحيى واسترضعت منها حتى بلغت مبالغ النساء وبنى لها محراباً في المسجد وجعل بابه مرتفعاً لا يرتقى إليها إلا بسلم فلا يصعد إليها غيره, وكان يأتيها بطعامها وشرابها في كل يوم وكان إذا خرج من عندها أغلق بابها فإذا دخل عليها وجد عندها رزقاً -أي فاكهة- فيقول لها: من أين أتى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله. فلما ضعف زكريا عن حملها خرج إلى قومه وقال لهم: إني كبرت وضعفت عن حمل ابنة عمران فأيكم يكفلها بعدي ويقوم بأداء خدمتها كما كنت أفعل بها. فقالوا: لقد جهدنا وأصابنا من الجهد ما ترى فلم نجد من يحملها فتقارعوا عليها بالسهام فخرجت سهم رجل صالح نجار يقال له: يوسف بن يعقوب بن ناثان وكان ابن عمها فتكفل بها وحملها فقالت له مريم: يا يوسف, أحسن الظن بالله سيرزقنا من حيث لا نحتسب فجعل يوسف يرزقه الله برزق حسن ويأتي كل يوم لها بما بصلحها من كسبه فيدخل 'ليها زكريا فيرى عندها فضلاً من الرزق فتقول له: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فلما بلغت من العمر خمس عشرة سنة وهي إذ ذاك في خدمة البيت المقدس, وكان اعتراهم يوم شديد الحر نفد فيه ماؤها فأخذت قلتها وانطلقت إلى العين التي فيها الماء لتملأها منها. فلما أن أتت إلى العين وجدت عندها جبريل قد مثله الله بشراً سوياً فقال لها: يا مريم, إن الله بعثني إليك لأهب لك غلاماً زكياً. قالت: أعوذ بالرحمن منك إنك كنت تقياً. قال لها: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً. قالت: (أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً) (مريم: ٢٠) قال: (كذلك قال ربك هو على هينٌ) (مريم: ٢١) . فلما قال لها ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيب درعها وكانت وضعته إليه. فلما انصرفت عنها لبست درعها فحملت بعيسى بإذن الله, ثم ملأت قلتها وانصرفت إلى مسجدها, فلما ظهر عليها حملها كان أول من أنكر عليها ذلك ابن عمها يوسف النجار واستعظم ذلك الأمر ولم يدر ماذا يصنع, وكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ساعة واحدة وإذ أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فلما اشتد ذلك عليه وأعياه الأمر كلمها وقال لها: إنه قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على أن أكتمه فغلبني ذلك ورأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري. فقالت له: قل قولاً جميلاً. قال لها: أخبريني يا مريم هل نبت زرع من غير بذر. قالت: نعم. قال: هل نبتت شجرة من غير غيث. قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر. قالت: نعم, ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر, والبذر يكون من الزرع الذي أنبته من غير بذر ألم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدته. أو تقول: إن الله لا يقدر أن ينبت شجراً حتى استعان بالماء, ولولا ذلك لم يقدر على إنباته فقال لها يوسف: نعم, إن الله قادر على كل شيء وقادر على أن يقول للشيء كن فيكون. فقالت له مريم: أمل تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ قال: بلى. فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها من أمر الله وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك, ثم تولى خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها وضعف قوتها. فلما أثقلت مريم ودنا نفاسها خرجت من المسجد على

стр. 481

بيت خالتها لتلد فيه. فلما دخلت عليها قامت أم يحيى واستقبلتها وأدخلتها ثم قالت لها: يا إلى مريم, شعرت أني حاملة وأنك أنت أيضاً حاملة مثلي فإني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. ولما أقامت في بيت خالتها أوحى الله إليها إنك إن ولدت بجهة قومك قتلوك أنت وولدك فاخرجي من عندهم. فأخذها يوسف النجار ابن عمها وخرج بها هارباً وقد حملها على حمار حتى أتى قريباً من أرض مصر أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة وكان ذلك في زمن الشتاء, وكانت هذه النخلة يابسة ليس لها سعف ولا كراسيف وهي في موضع يقال له بيت لحم. قال: فلما اشتد الأمر بمريم تضرعت على ربها و (قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً) (مريم: ٢٣) , فنوديت أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (وهزي غليك بجذع النخلة تسقط عليك رطباً جنياً) (مريم: ٢٥) . فلما ولدت ونزل الغلام من بطنها ناداها وكلمها بإذن الله تعالى. وقد أجرى الله لها نهراً من ماء عذب بارد ولما يسر الله لها أسباب ولادتها رجعت به إلى قومها وكانت قد غابت عنهم أربعين يوماً فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله, فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا وقالوا: (يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كنت أمك بغياً) (مريم: ٢٨) فمن أين لك هذا الولد فأشارت لهم مريم إلى الصبي أن كلموه. فغضبوا وقالوا: (كيف نكلم من كان في المهد صبياً) (مريم: ٢٩) فقال عند ذلك الصبي وهو ابن أربعين يوماً (إني عبد الله ءاتني الكتب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة مادمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) (مريم: ٣٠-٣٣) . فلما شاع خبره بين قومه أراد "هيردوس" ملكهم أن يهم بقتله فأخدهما يوسف النجار وهرب إلى مصر, فأقامت مريم بمصر اثنتي عشرة سنة تغزل الكتان وتلتقط السنبل في أثر الحاصادين إلى أن بلغها أن "هيردوس" الملك قد مات فرجعت هي وابن عمها يوسف النجار إلى أن أتوا إلى جبل يقال له: الناصرة فسكنوا فيه إلى أن بلغ ولدها من العمر ثلاثين سنة, ثم خرجوا إلى قومهم وقيل: إن وفاتها قبل رفع ولدها عيسى ﵇ بست سنين. مدام نكر هي ابنة رجل فقير الحال من خدمة الدين اشتهرت في حداثتها بجمالها وآدابها ورآها المؤرخ "كين" الإنكليزي الشهير, وكان سائحاً في أوروبا فراعه جمالها وذكاؤها, ووقعت منه موقعاً عظيماً, وعزم على الاقتران بها, ثم رجع إلى بلاده وكاشف أباه بذلك, فلم يسلم له, بل تهدده بطرده من بيته وحرمانه من ميراثه إن فعل فوقع "كين" بين عصيان الهوى وعقوق الوالدين, فاختار أصغرهما -وهو الأول- وبقيت محبة هذه الفتاة في فؤاده ثم استحالت مع الأيام إلى الإكرام والاعتبار. وبعد قليل مات أبوها ولم يخلف مالاً تعيش به, فأقلعت إلى مدينة "جنيفا" تعلم وتعيش من أجرة التعليم, وهناك رآها المسيو "نكر", وكان كاتباً في أحد البنوك, فأحبها وعزم على أن يقترن بها حينما تنصلح أموره. ولم يمض عليه سنون كثيرة حتى صار من كبار الأغنياء, فتزوج بها سنة ١٧٦٤ م, واتخذها معينة له ومشيرة وأحبها حباً مفرطاً وهي كانت أهلاً لمحبته واعتباره لأنها جعلت غرضها من الحياة إرضاءه, ودخلت باريس وعمرها ٢٥ سنة وهي غير معتادة على المعيشة في المدن الكبيرة ولا متربية تربية تؤهلها للدخول بين أهل الجاه والمجد وكان بباريس حينئذٍ أشهر فلاسفة فرنسا وكتابها فسولت لها نفسها أن تجعل لزوجها مقاماً بين علمائها مثل مقامه بين أغنيائها, ففتحت بيتها لهؤلاء الفلاسفة وجعلته نادياً لهم, وكانت ترحب بهم وتجول معهم في الحديث وتحاول أن تقتادهم إل

стр. 482

ى التدين والتقوى. وكان زوجها يعتمد عليها في مقابلة زواره وضيوفه وكان إذا دعا بعضهم إلى بيته يقول لهم: هلم نتمتع بحديث مدام "نكر". واعتزل الأشغال التجارية كلها وأناط بزوجته تدير منزله وأمواله فكانت تحل وتربط وتبيع وتشتري. وقد بينت ابنتها مدام دوستايل الكاتبة الشهيرة سبب ذلك بقولها: لما رأى أبي أن أمي فقيرة لا مال معها ورآها شاعرة بذلك خاف أن تستصغر نفسها, فسلمها كل أمواله وخول لها التصرف المطلق فيها لكي تشعر من نفسها أن المال لها فتنفذ تخلص من صغر النفس. وذهب "كين" المؤرخ المتقدم ذكره على باريس فدعاه زوجها إلى بيته وأحسن ضيافته وترحبت هي به وأخبرته أن دخل زوجها السنوي لا يقل عن عشرين ألف دينار, ثم عين المسيو "نكر" وزيراً لمالية فرنسا ومديراً لها, فأصلح شؤون المالية, واهتم بإصلاح السجون والمستشفيات, وكان الفضل الأول في ذلك لزوجته لأنها كانت تتعهد السجون بنفسها وتتفقد كل أحوالها وتدبر الطرق المناسبة لإصلاحها, وأنشأت بيمارستاناً بباريس, فسمي باسمها إلى هذا اليوم. وأقام زوجها في هذا المنصب الرفيع خمس سنوات وكانت هي المدبرة لأموره لصعوبتها, وأقر زوجها بفضلها وكان زوجها يفتخر بها ويعدد فضائلها فلامه البعض على ذلك لكنهم أخطأوا في لومهم خطأً بيناً لأنه إذا حق الحق للإنسان أن يفتخر بآبائه وجدوده وبعلمه وآدابه كما فعل عمرو بن كلثوم والسموأل بن عادياء وأبو العلاء المعري في قصائدهم الفخرية حق له أيضاً أن يفتخر بآل بيته ولاسيما بزوجته إذا كانت ممن يفتخر بها كمدام "نكر" هذه التي كانت مرشدة لزوجها ومدبرة لأموره وزهرة فضل عرفها في بيته ولكن المناصب محفوفة بالمتاعب ومن رقي العلى استهدف لوقع أسهم الردى فلم يمض على المسيو "نكر" خمس سنوات في هذا المنصب حتى كثر حساده وخيف عليه من عدوانهم فعزم على الاستعفاء وحثته عليه زوجته حتى استعفى وتنحى عن الأشغال السياسية فأسف محبو فرنسا على استعفائه ولامها البعض منهم لأنها حثته على الاستعفاء ولكن عذرها واضح وحجتها دامغة ألا وهي أنها خافت عليه من العدوان وما تنفع المناصب والحياة في خطر وإلى ذلك لم أتأمل في عواقبه فاضطررت في الآخر أن أرغبه في تركه وقد أسفت فرنسا كلها على استعفائه, ونحن أيضاً آسفون جداً لاضطرارنا على ترك هذا المنصب ولاسيما لأننا نخاف أن لا تجرى أموره في مجراها بعد أن تركناه. أما مسيو "نكر" فلم يترك الاشتغال بعد تركه للمنصب -المذكور- بل أكب على تأليف كتاب جاء من أبدع الكتب فبيع منه في أسبوع واحد ثمانون ألف نسخة وألفت مدام "نكر" كتاباً في الطلاق أودعته آيات البلاغة, وطبعته سنة ١٧٩٤ م. وتوفيت في تلك السنة بعد أن أصابها مرض عصبي مؤلم فحزن عليها زوجها حزناً مفرطاً. وأورى ضريحها بالعبرات وحق له الحزن والبكاء عليها لأنها رفعت لواء عزه وأنارت سبل حياته بذكاء عقلها وسمو آدابها. مريم مكاريوس ولدت مريم نمر مكاريوس في ربيع سنة ١٨٦٠ م في حاصبيا مدينة من مدن سوريا قبل حدوث المذبحة الشهيرة فيها ببضعة عشر يوماً وتيتمت من أبيها بتلك المذبحة التي شابت لهولها الولدان, فحملتها أمها مع أخيها إلى مدينة صيدا بعدما فرت بهم إلى قرية مجدل شمس بقرب جبل الشيخ, ثم أتت على مدينة بيروت وهي تغذيها بألبان الحزن وتغسل وجنتيها بدموع الحسرات وقامت عليها وعلى أخويها تربيهم بما اشتهر عنها من

стр. 483

الحكمة والذكاء إلى أن بلغوا سن التمييز فأدخلتهم في إحدى مدارس القدس الشريفة ليتعلموا بها العلم الذي لم يكن لأمهم حظ منه لأنها ولدت وربيت في عصر كان تعليم البنات محظوراً فيه بحجة أنه غير لازم لهن ويخشى منه عليهن كذا ظن أهل ذلك العصر وهو ظن أقبح من إثم, فلم تلبث المترجمة في القدس إلا زماناً يسيراً حتى اختارت لها أمها مدرسة من أحسن مدارس بيروت أدخلتها ولم ترض أن تخرج منها قبل أن تتم دروسها كلها وتأخذ شهادتها فدرست من اللغة العربية وفنونها الصرف والنحو والبيان ومن الإنكليزية كذلك ومن العلوم التاريخية والجغرافية والحساب والفلسفة الطبيعية والهيئة وغير ذلك وتمرنت على الأعمال اليدوية من خياطة وتطريز ونحوهما, ونالت الشهادة المدرسية سنة ١٨٧٧ م وكانت وهي في المدرسة مشهورة بإخلاص النية وسلامة الطوية وذكاء العقل وشدة الحياء. وبعد خروجها من المدرسة بقليل اقترن بها شاهين مكاريوس, فأنشأت له بيتاً زينته بلطفها ودبرته بحكمتها وفتحت أبوابه للأصدقاء الأدباء من رجال ونساء, فكانوا على مائدتها كأنهم في ناد من النوادي العلمية والمحافل الأدبية وهي تطربهم بعذب كلامها وتكرهم بخمرة معانيه ورزقها الله ثلاثة أولاد ذكرين وأنثى, فربتهم أحسن تربية وعلمت كبيرهم مبادئ العربية والإنكليزية, وكانت عازمة أن تعلم أخاه وأخته متى بلغوا سن التمييز, ولكن أدركتها المنية قبل تحقيق المنى فخسر أطفالها خسارة لا تعوض. وفي غرة سنة ١٨٨٠ م اتفقت مع البعض من صديقاتها وعقدت جمعية أدبية سمتها "باكورة سورية", وانضم إليهن عدد من السيدات المهذبات, فكن يتناوبن الخطب والمناظرات. ومن خطبها خطبة تاريخية انتقادية في الخنساء الشاعرة العربية الشهيرة جمعت فيها ما تفرق في كتب الأدب وشفعته بانتقاد مكين يدل على توقد ذهنها ودقة نظرها, وقد أدرجها "المقتطف" في سنته التاسعة. ولها أيضاً مقالة عنونها حرارة الماء أدرجت في السنة الثانية منه ونبذ أخرى ورسائل ومناظرة عنوانها "بنات سوريا" مع البيكباشي الدكتور سليم موصلي. ومناظرة عنوانها "دفاع النساء عن النساء" مع الدكتور شبلي أفندي شميل مؤلف الشفاء سنذكرها في هذه الترجمة لأنها لا يزال صداها يدوي في الأذان حتى الآن وقد كان هذان الدكتوران طبيبيها الخاصين حتى ساعة موتها, وقد بذلا كل الجهد والعناية حفظاً لحياتها الثمينة, فأعياها الداء العياء. ولها في اللطائف مقالة رنانة في حيات زنوبة ملكة تدمر ورسائل شتى لم تطبع. وقالت مرة في مطالعة النساء للقصص والكتب الفكاهية ما نصه: "نحن نميل طبعاً إلى قراءة سير الناس ولذلك نرى أكثر نساء العالم تقتبس معارفهن وفوائدهن من قراءة الكتب التي من هذا الباب ولا يخفى عليكن أن المرأة الصداقة لا تقصد بمطالعة الروايات وسير الناس مجرد تسلية الخاطر وإشغال المخيلة بما يهيج الأطفال ويسلي الأولاد الصغار, ولكنها تقصد أولاً تحصيل الفوائد اللازمة لها في حياتها مثل معرفة الأخلاق واختلاف الأحوال, وصروف الزمان والتصرف في النوائب, وفضل ممارسة الفضيلة, ووخامة مرتع الرذيلة, واعتبار العواطف الشريفة, والافتداء بالذين فاقوا في حسن صفاتهم وكرم أخلاقهم وفازوا بجميل صبرهم وأفادوا بحسن تربيتهم واهتمامهم بجبر القلوب الكسيرة, وتشجيع النفوس الصغيرة, وإصلاح شؤون هذه الفضائل وأمثالها تقصدها المرأة الحكيمة أولاً في مطالعة الروايات والسير, وتقصد الفكاهة والتسلية ثانياً وإني طالما وددت لو كان لنا نحن بنات اللغة العربية ما لغيرنا من الروايات التي إذا قرأناها لم تعل وجوهنا حمرة الخجل. ومن السير التي نجد فيها ما يوسع العقول ويهذب الأخلاق ويلطف العواطف, ويكمل الأدب ويعلم أحوال

стр. 484

العالم ويكشف لنا خبايا الطبع البشري فلم أنل المنى إلا في قليل مما وقفت عليه ولم أزل أضطر إلى مطالعة كتب الإفرنج لتحصيل ما أشتهيه من هذا القبيل مع أننا في زمان تتبارى فيه أقلام الكتاب ويتباهى فيه أولوا النباهة والذكاء. وقالت أيضاً منتقدة إغفال ذكر الأمهات من تراجم البنين والبنات ما نصه: "ولم يذكر لنا المؤرخون عن اسم أم الخنساء ولم يكلفوا النفس أي كلمة عن التي قاست الأهوال وأحيت الليالي حرصاً على حياة بنتها وحباً لتربيتها فأين الإنصاف من ذلك وفضل البنت من فضل أمها وقد قال الفيلسوف: إن الباري إذا شاء أن يخلق في أرض فيلاً عظيماً خلق فيلة عظيمة تلده. وما أدرانا أن الخنساء لولا فضل أمها لم يكن فيها فضل تشتهر به ولولا حسن تربية أمها لها نبغت بما نبغت نعم إنها ولدت من نسل امرئ القيس أشعر شعراء العرب, والأقرب إلى العقل أن تكون قريحته قد اتصلت إليها بحكم الوراثة ولكنها اتصفت أيضاً بصفات أدبية أسمى من صفاتها العقلية ومن المعلوم أن امرأ القيس لم يفق في آدابه ولو فاق الشعراء في شعره فالمتأمل في سيرة الخنساء يجد مندوحة لإسناد الفضل إلى أمها وإن يكن على سبيل الزعم والتخمين ولو تنازل المؤرخون إلى ذكر أم الخنساء وصفاتها لظهر الحق وانتفت الظنون وكفى بذلك فائدة إن يكن في ذكر الأم غيرها. وقالت أيضاً منتقدة "سكوت" الكتاب في السير والتراجم عما يحدث للإنسان في صباه من الحوادث والنوادر ونحوها: "وقد ضربوا صفحاً أيضاً عما جرى للخنساء في صباها ولم يشيروا إلى أيام حداثتها والحال أن الإنسان لا يتكمل الفائدة ولا اللذة في مطالعة سير غيره إلا متى اطلع على أحوالهم فعرف نقائصهم وفضلهم, وحسناتهم وسيآتهم وما فاقوا فيه وقصروا عنه وكيف طرأت عليهم التجارب والمصاعب فتخلصوا منها وتغلبوا عليها وكيف توسعت قواهم العقلية واستقامت قواهم الأدبية, ونمت أبدانهم واشتدت قواهم الجسدية وما كانت نوادرهم ومزاياهم وسائر خصائصهم وهذه الأمور كلها تظهر في زمان الطفولية والصبا أحسن ظهور, ولذلك يجد القارئ معظم اللذة والطلاوة إن لم نقل معظم الفائدة أيضا في معرفة أحوال الشخص في طفوليته وحداثته". وقد عرفت المترجمة في ردها على الدكتور شبلي شميل بقولها: إن الزوجة الفاضلة هي المعزية الحزين المفرجة الكروب الصابرة على مضض العيش ونغص الحياة الراضية بمشاركة الرجل في سرائه وضرائه المحافظة على ولائه الطالبة ستره الناسية نفسها في خدمته الباذلة حياتها في مسرته, وتربية عائلته الممتازة بالوراعة والعفاف والطهارة وهذه الأوصاف قد كانت دأبها في حياتها وقد استكملتها واحدة فواحدة كما يعلم ذلك أصدقاؤها ومعارفها وأما أنا فلم يسعدني الحظ برؤيتها وبالاقتباس من أنوار معارفها. وفي سنة ١٨٨١ م أنشأ بعض المحسنات الأميركانيات والوطنيات جمعية لتعلم النساء البائسات والتصدق عليهن فشاركتهن في هذا العمل المبرور وجعلت بيتها داراً لتلك الجمعية فكن يجتمعن فيه كل أسبوع يتعلمن ويأخذون ما يتصدق به عليهن من كسا ونقود. وفي أواخر سنة ١٨٨٥ م انتقلت المترجمة مع زوجها إلى الديار المصرية, ولما استقر بها القرار عكفت على المطالعة والدرس استعداداً لعمل حميد كانت ناوية أن تشرع فيه خدمة لبنات عصرها لو فسح في أجلها ولكن باغتها على غرة مرض له "باشلس" يدخل الأبدان مع الهواء وينشب في الرئتين أظفاره, وهو المنية بعينها ولا دافع له من دواء ولا رقية: أمر رب العباد يقضي بما شاء ... تعالى عن الخلائق سرمد فأرجعت مريضة إلى بر الشام في صيف تلك السنة نزلت في قرية من أطيب قرى لبنان هواء وماء فأقامت

стр. 485

هناك على ربى لبنان تصارع الداء بجودة الهواء إلى أن دخل فصل الشتاء فقال الأطباء: قد أزف الرحيل ومصر لمن كان مثلها خير دواء, فرجعت إلى مصر ومضت إلى حلوان وعادت على القاهرة وامتحنت كل علاج قديم وحديث أشاربه الأطباء, وكلهم من صفوة المعارف وأخلص الأصدقاء لها ولكن ماذا ينفع الدواء والداء عياء. ولم يذهب المرض الطويل والألم الشديد بشيء من بشاشة وجهها ولا من طلاوة حديثها ولا من حصافة رأيها فكانت تبش بوجه العواد مهما كانت آلامها قوية وتسامرهم وتطايبهم وترتئي الآراء السديدة وتقص الأحاديث المفيدة, وهي عارفة بسير مرضها وبأن الشفاء فيه نادر, ولما قطعت الرجاء من الحياة كاشفت ذويها فأرادوا أن يقووا آمالها فقالت: إليكم عن المحال فقد أزف الرحيل وستحضرني الوفاة هذه الليلة ونادت زوجها وأخاها وكل واحد من أصدقائها باسمه وتكلمت معهم كلاماً يلين له الجماد, ويفتت الأكباد, ثم أغمضت جفنيها وأسلمت الروح في الساعة الأولى من يوم ٢٢ آذار (مارس) سنة ١٣٠٦ هـ في غرة فصل الربيع وهي في غرة ربيع الحياة. ومن آثارها رسالة بعثت بها إلى جمعية السيدات اللواتي نلن الشهادة المدرسية في مدرسة البنات السورية في بيروت وذلك في شهر نيسان (أبريل) سنة ١٨٨٧ م وهي: "إلى حضرة الرئيسة المحترمة والأعضاء المكرمات بعد التحية أقول: إني لو خيرت لاخترت الحضور بينكن والتمتع بمجالستكن, واجتناء لذيذ أحاديثكن على المكاتبة وتبادل الأشواق بالحبر والقرطاس, ولكن هذا نصيبنا فقد قسم لنا أن نترك الوطن العزيز وأن نفارق صاحبات حبيبات, وداراً ضمتنا جميعاً فقضينا فيها أوقات أنس من أظرف الأوقات, وتعلقت قلوبنا بها فصارت تحن إليها وتتحسر عليها ألا وهي المدرسة التي أنتن مجتمعات فيها الآن والتي تغذينا منها بألبان المعارف والعلوم. لا ريب عندي أن كلاً منكن تذكر الآن تلك الأيام التي كنا نجتمع فيها معاً كالأخوات, بنات العائلة الواحدة, مشمولات بنظر اللواتي كن يسهرن علينا سهر الأمهات على البنات ونحن نرتع في نعيم الطهر والصبا نملأ منه صافي كأس الحياة لا هم لنا إلا العلوم ولا غم إلا عدم حفظ الدروس. أما الآن فقد تبدلت تلك الأحوال وتشتت عملنا في كل الجهات حتى صار يصعب علينا الاجتماع جميعاً في محل واحد ومكان كما هو مقتضى جمعيتنا هذه وقد وصلت دعوتكن إلي وأنا بعيدة عنكن غير قادرة على الاجتماع معكن وقد قيل: إن الطاعة خير من الذبيحة فلذلك رأيت أن أكتب إليكن ببضع ما شاهدته بعد اجتماعنا الأخير إجابة لطلبكن في الدعوة راجية منكن المعذرة على إشغال وقتكن بمطالعته لقلة ما تضمن من الفوائد فأقول: فارقت بيروت في ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٨٨٥ م مع رفيقتي الصادقة الوداد السيدة ياقوت صروف قاصدين القاهرة محل إقامتنا الآن فمررنا بمدن رأيت فيها جماعة من بنات مدرستنا اللواتي سبقننا إلى هذه البلاد, ثم ركبنا القطار وسرنا أسرع من الطير في تلك المركبات العجيبة التي أزالت عناء الأسفار وقربت ما بعد من الديار فقطعنا في نحو ساعات ما يقطع عندنا في أسبوع من الزمان, ولما دخلنا القاهرة وجدناها مدينة كبيرة متسعة الأزقة والشوارع تختلف عن بيروت اختلافاً عظيماً, ولكن لم تطل إقامتي فيها حتى صرت أشعر بالوحشة العظيمة لجبال لبنان التي حوت بيروت في كنفها والبحر المتوسط المنبسط أمامها كالبساط الأزرق في رواق أجمل القصور, هذا ومن يسمع عن القاهرة أو يقرأ كلام الكتاب فيها يتوهم أنها هي الفسطا المدينة

стр. 486

القديمة الشهيرة والحال أن تلك لم يبق منها إلا أطلال بالية وبيوت قليلة خربة أو متداعية وكلها في جهة تعرف بمصر العتيقة في هذه الأيام. وأما المدينة ففي ٣٠ درجة من العرض الشمالي و ٢٨ درجة من الطول الغربي في وسط سهل فسيح, قد اختلطت فيه رمال البادية بالطين الذي جرفه نهر النيل إلى مصر من قلب أفريقا ويحاذيها من ناحية الشرق الجبل المقطم وهو كبعض التلال المنبسطة في ربى لبنان أو أوطأ منها, ومن ناحية الغرب نهر النيل ملاصقاً للبيوت التي على أطرافها ولغزارة مائه واتساعه العظيم يسمونه هنا بحراً وقد صدقوا فلو جمعت أنهار سوريا كلها معاً لما ساوت جانباً منه. والمدينة مؤلفة اليوم من بيوت قديمة وبيوت جديدة فالقديمة مبنية ومرتبة على الاصطلاح الشرقي والشوارع بنيها ضيقة والأزقة يغلب أن تكون قذرة والهواء غير نقي لانحصاره والمباني غير جميلة ولكنها لا تخلو من محاسن كثيرة يلذ بها ذو الذوق السليم كمنجورها المعروف بالمشربية فإنه بديع الجمال ويزيده طول عهده حسناً وجمالاً لأن طول الزمان كبعد المكان يكسو الشيء أثواباً من الجمال والجديدة مبنية على الطراز الغربي الجديد ولا حاجة لوصفه وأحقر المباني القديمة أكواخ الفلاحين وهي صغيرة قذرة في جميع أنحاء القاهرة فيرى الإنسان في الأرض الواحدة قصوراً فخيمة ومباني رشيقة, وزخارف تسبي العقول وتبهر الأبصار بجانبها تلك الأكواخ الحقيرة البناء القذرة الظاهر النتنة الداخل المعروفة عند المصريين بالعشش فكأني بمصر قد جمعت أبدع الصناعة الأوروبية مع أحقر الصناعة الأفريقية في رقعة صغيرة من الأرض. وكانت القاهرة قديماً محاطة بسور لا تزال آثاره ظاهرة في بعض الجهات إلى الآن. ويقال: عن الرياح كانت تسفي عليها رمال الصحراء قديماً حتى تغشيها بها كما يغشى الضباب جوانب الأنهار, ولذلك كثر رمد العينين فيها وتلفت عيون الجانب الكبير من أهاليها ولكن لما حكم محمد علي باشا وإبراهيم الذي تغلب على سورية وحكم عليها زماناً ولا يزال اسمه أشهر من نار على علم عندنا في بلاد مصر عمرها إلى درجة سامية في التمدن فأنشأ المدارس والمعامل وبنى المستشفيات, وفتح الطرقات, وغرس الأشجار وجعل القاهرة ثانية القسطنطينية في الاتساع, وبنى جامعة المعدود من أشهر جوامعها العديدة على مقربة من الجبل وكله مبني من المرمر اللامع الذي يكاد يكشف عما تحته ومزين بالنقوش والكتابات البديعة, وفيه الثريات الكبيرة والطنافس النفيسة التي لم تر عيني أعظم منها ولا أبدع صفة, ولما توفي إلى رحمة ربه دفن فيه, وأحيطت الحجرة التي دفن فيها بمشبك من النحاس الأصفر المتقن الصنعة البديع الشكل والجامع يطل على المدينة, وقد وقفت بجانبه فرأيت أمامي معظم القاهرة مقطعة بالشوارع تقطيعا هندسيا, وقد رفعت فيه قباب الجوامع على ما سواها من المباني وعلت المآذن مئات كأنها شجر غاب في سهل أو سواري السفن في البحر. ويلي المدنية غرباً نهر النيل جارياً بين حقول الزرع وغياض الشجر, وغابات النخيل كأنه سيف صقيل مسلول على بساط أخضر وثير ويلي حواشيه الخضراء رمال الصحراء والأهرام الناطحة عنان السماء, وهذا المنظر من المناظر التي تستحق أيدي أبدع المصورات وتعرضها قرة للعيون ونزهة للنفوس, وبجانب هذا الجامع قلعة عظيمة كانت تسك فيها النقود ويعرف مكان سكها بالضر بخانة, والقلعة اليوم في قبضة الجنود الإنكليزية التي دخلت البلاد مصر بعد النازلة العربية. وفي القاهرة جوامع عديدة بعضها موصوف بجمال داخله رونق ولكن أشهرها في الاسم يكاد يكون أدناها في البناء أريد به الجامع الأزهر الذي سمعتن به كثيراً فهو جامع للتدريس وفيه من الطلبة ما ينيف من عشرة آلاف طالب على ما يقال فهو أكثر مدارس

стр. 487

الأرض طلبة وأقدمها عهداً فيما يظن ومنه يخرج أشهر علماء العربية والفقه والأدب من المسلمين والذي اعتنى كثيراً بتحسين القاهرة وهندستها وترتيبها إسماعيل باشا والد سمو الخديوي الحالي. قيل: إنه كان معلقا خارطة باريس في غرفته الخاصة حيث يقع عينه عليها في دخوله وخروجه, وكان باذلا جهده في تخطيط القاهرة بحسبها, فمد الطرق الواسعة فيها من طرف إلى طرف حتى صارت المركبات تخترقها في أكثر جهاتها وغرس الشجر على جانبيها, ونور أشهر شوارعها بنور الغاز, وشيد فيها المباني الضخمة من قصور ونحوها وأشهرها مرسح للتمثيل يسمونه "الأوبرا" بالاسم الفرنساوي قد أنفقت عليه أموال كثيرة جدا حتى صار الناس لا يستكثرون فيها أعظم المبالغات. وددت لو أن قلمي العجز يستطيع وصف محاسن هذه "الأوبرا" فكنت أوفيها حقها أما الآن وأنا على ما أنا عليه من العجز والقصور, فأكتفي بوصف وجيز لها ففي وسط قاعة التمثيل ثريا -أي نجفة- تنار بالغاز لها أنابيب من الصيني على هيئة الشمع فيتوهم الناظر إليها أنها شمع وقد صنع بعضها أكبر من بعض حتى كأنه ذاب مشتعلا وبعضها كأنه الشمع الذائب يقطر عن جوانبه وقد عبث النسيم باللهيب فأصاب حافة الشمعة فإذا بها إلى غير ذلك مما قلد فيه الشمع تمام التقليد, وحجم هذه الثريا معتدل الاتساع. وفي وسط القاعة أمام مرسح الملعب نحو ثمنمائة كرسي مشدودة بالمخمل العنابي وحولها أربع طبقات مستديرة بعضها فوق بعض وقد قسمت كل طبقة إلى أربعين غرفة في كل غرفة خمس كراسي ومقعد مشدود بالمخمل العنابي اللون وجدرانها مدهونة بمثل ذلك اللون, وعلى بابها ستار من لونها وقد علقت مرآة كبيرة على جدار منها وفرشت أرضها بالطنافس وكل غرفة معدة لخمسة أشخاص, وأما سقف القاعة فمرسوم فيه صور أشهر الممثلين والموسيقيين وللخديوي غرفة خاصة ولحرمه غرفة خاصة مقابلها وكلتاهما على غاية الإحكام والهندام, وفيها من الفرش والوشي والتطريز ما يدهش الأنظار. هذا عدا ما فيها من قاعات الجلوس ومخازن الملابس والآلات وسائر المعادن وملابس للممثلين من المنسوجات المختلفة الألوان والأشكال من حرير وقطن وكتان, ومن يجول في مخازن الأوبرا يحسب أنه يجول في أسواق مدينة قد حوت مخازنها ما لا يوصف بخط القلم على القرطاس. ومن مشاهد القاهرة أيضا الجسر الكبير على نهر النيل تمر عليه المركبات لاتساعه ويمشي على رصيفين بجانب طريق المركبات ولطوله لا تقطعه المركبات في أقل من ثلاث دقائق أو أربع وكله من الحديد المفروش بالبلاط وهو يفتح ويقفل في ساعة معنية من اليوم لمرور السفن بالجسور التي نقرأ وصفها في كتب الإفرنج. ومن مشاهد القاهرة مدارسها العلمية وأشهرها مدرسة قصر العيني حيث يعلم فيها الطب والجراحة, وهناك صف من النساء يتمرن على التمريض ويدرسن علم الولادة وبعض فروع الطب ويمتحن جهارا كبقية التلامذة من الشبان ومدرسة المهند سخانة وتدرس فيها العلوم العالية ولاسيما الرياضيات وصناعة الهندسة والمدارس في مصر كثيرة أعظمها وأشهرها للحكومة ولكن أكثرها تعلم بالأجرة. ومن المشاهد العلمية أيضا المرصد الفلكي والمعمل الكيماوي والمكتبة الخديوية ولعلها أحسن مكتبة في الشرق وخصوصا في كتبها العربية. وأعظم مشاهد القاهرة اعتبارا معرض الآثار المصرية المعروفة هنا بالأنتيكخانة ففيه من الآثار المصرية ما يعز وجوده في غيره من معارض الدنيا من تماثيل وصور ونقوش, وكتابات وآنية وأجسام محنطة قد حنط بعضها من قبل أيام موسى الكليم, ولا يزال على رونقه

стр. 488

الأصلي حتى إن الكفن ما عليه من الألوان كالزنجاري والأصفر والأحمر لا تزال على ما كانت عليه من البهاء منذ آلاف من السنين مع أن ألوان هذا الزمان لا تقيم بل تحول وبهاؤها يزول. وهذه الآثار يمتد زمانها من أيام الفراعنة إلى الإسكندر فالبطالسة فالرومانيين فالأقباط بعدهم, وبينها كثير من جثث ملوك المصريين وعيالهم محنطة من قبل أيام الخليل إبراهيم, ولا تزال شعورها على رؤوسها ولفائفها وأكفانها باقية عليها غير بالية وشاهدت هناك شيئا كثيرا من الجواهر والحلي القديمة المصنوعة كحلي هذه الأيام من أقراط وخواتم وأساور وعقود مرصعة بالحجارة الكريمة ترصيعا متقنا. ومن الغريب أن بين الأساور ما هو على شكل الحية وعيناه حجران كريمان كأساور هذه الأيام وشاهدت أيضا أسلحة كثيرة الأنواع مختلفة الأشكال ومرايا مصنوعة من المعادن الصقيلة وأحذية ذات سيور وقمحاً وحمصاً وفولاً وعدساً وبيضاً وإجاصاً ودوماً وهو كبير يشبه السفرجل في هيئته وكتانا من أحسن أنواع البوص, وأمراسا ومكانس. وأدوات البناء من الخشب والنحاس المعروف بالبرنز ولم أر أبين تلك التحف أثرا للحديد حتى مسامير التوابيت وغيرها كلها من الخشب أو النحاس إذ الحديد كان لا يزال مجهول الاستعمال في تلك الأيام على ما أظن. وهناك تماثيل لأكثر الملوك القدماء منها من المرمر أو الحجر الصلد أو النحاس, وأبدع ما في صنعتها بوضع العيون التي رأيتها وهي متخذة من الحجارة الكريمة ولإتقان صناعتها في الشكل واللون واللمعان لا تمتاز عن عيون الأحياء إلا بالجهد وهي أفضل كثيرا من العيون التي يصنعها أبناء هذا الزمان ومن أغرب التماثيل التي رأيتها هناك تمثال من الجميز قد أمسك بيده عصا أظنها من العرعر والمظنون أنه صنع قبل أيام النبي موسى وأنه من أقدم مصنوعات البشر, ومع ذلك فكأنه تمثال رجل من المصريين في هذه الأيام. ويسمى عندهم سيخ البلد, وكل من دخل هذا المعرض علم بعض العلم عن عبادة المصريين واعتبارهم لجثث موتاهم مما يرى فيه من تماثيل الآلهة التي على صورة التمساح والسلحفاة والقرد والنسور والضفدع والخنفساء وغيرها من تماثيل الحيوانات مما يرى من الجثث المحنطة الملفوفة لفا محكما بلفائف الكتان المتناهي في الرقة, وهي موضوعة في توابيت من الخشب. وهذه التوابيت ترسم على ظواهرها صور موتى وتغطى ظواهرها وبواطنها بكتابات بالخط المصري القديم المعروف بالهيروغليف ويوضع فيها من الجثث المحنطة والمآكل المحنطة المجففة مثل الأرز والبيض واللحم والأثمار ونحوها وكانت عادتهم أن يضعوا التابوت المتضمن الجثة ضمن تابوت آخر وهذا ضمن آخر وهكذا حتى يبلغ عدد التوابيت أربعة أو أكثر أحيانا. ثم يضعونها داخل تابوت من الحجر الأصم, وقد رأيت تابوتا لإحدى الملكات قد صنع كله من الكتان المرصوص طاقا على طاق. ثم عولج بنوع من الطلاء حتى صار كالخشب سمكا وصلابة والغالب أن كل أثر من هذه الآثار يكون مقرونا بكتابة هيروغليفية تبين ماهيته وما حالته, وقد رافقنا داخل المعرض رجل مصري يقرأ هذا الخط ويترجمه لنا كما نقرأ نحن كتب الإفرنج ونترجمها. وفي القاهرة منتزهات مختلفة عظيمة الإتقان فيها تصدع الموسيقى وتسمع آلات الطرب في كثير من الأحيان بعضها في وسط المدينة وبعضها خارجها كمنتزه شبرا وهو قديم العهد والعباسية والأزبكية والجزيرة وقد فضلت الجزيرة على ما سواها لأنها قريبة الشبه من بقاع كثيرة في سوريا ولبنان والمفاوز بنظرة واحدة وهي تبعد نحو ميل عن وسط المدينة والطريق إليها واسعة نظيفة محاطة بالأشجار الملتفة على الجانبين ترش بالماء يوميا كجميع طرق المدينة فيتلبد ترابها ولا يثور غبارها تحت الحوافر والعجلات والأقدام, وتظهر من خلالها

стр. 489

المروج المختلفة الألوان, والنيل ينساب في وسط انسياب الأفعوان, وهي تؤدي إلى قصر فخيم بناه إسماعيل باشا الخديوي السابق في وسط حديقة غناء كثيرة الأشجار لطيفة الأزهار, واسعة الطرق, عديدة التماثيل وجلب إليها الأنواع العديدة من الوحش والطير حتى أشبهت معارض الحيوانات في أوروبا, ولم يبق بها إلا القليل في هذه الأيام والمنتزه العمومي قرب هذا القصر مركزه يعرف بالجبلايه ولعل المراد بها تصغير الجبل وهي تقليد الجبل الطبيعي, قد صنعت حجارتها من الحصى والرمل يمر الصاعد إلى قمتها في مغارة واسعة كثيفة الظل رطبة الهواء يتسلسل الماء من نواحيها, ويتدفق من بعض الثقوب التي فيها, ويقطر من سقفها خيوط مدلاة قد رسب الكلس عليها وكستها الطبيعة فأشبهت الرواسب الكلسية التي تتدلى من سقوف بعض الكهوف السورية, وفي جوانبها حياض كالنقر من الصخور قد سدت بالزجاج السميك كأنه ماء قد جمد فكون جدارا من الجليد, وفي أرضها الحجارة كأنها أنفذت من سقف المغارة وجوانبها وتدحرجت في أرضها على ممر السنين وتوالي الحوادث والأيام, ثم يرقى على درج ملتف وكأنه طبيعي لم تمسه يد البشر حتى يصل إلى قمتها فيجد هناك في طريقه بقعة كانت مزروعة بالأعشاب والأزهار والأشجار ويرى حوله منظرا فسيحا من غياض الصنوبر (من شجر الفتنة ولعلها كتبت الصنوبر سهوا) والسنط وسهول القمح, والحبوب والنيل ينسحب بينها كأسلاك الفضة وصحارى الرمال إلى غير ذلك مما يشرح الصدر ويطيل العمر. وأخبت أنه يوجد ما هو أجمل من هذه الجبلاية في قصر يسمى قصر الجيزة, ولكني لم أره -ويوجد جبلاية أصغر منها في المنتزه الكبير في وسط المدينة المعروفة بجنينة الأزبكية- وهي جنينة مساحتها لا تقل عن مساحة إحدى قرى لبنان المتوسطة في الاتساع في وسطها بحيرة متسعة تسير فيها القوارب الصغار والكبار ودائر البحيرة الأشجار الكبيرة والأزهار النضيرة, والأراضي الخضراء, والحدائق الغناء, وفيها مرسح للتمثيل ومبان للطعام وقباب تضرب الموسيقى العسكرية فيها يومياً وأبوابها مفتوحة لعموم الناس, ومخازن القاهرة الكبرى بيد الإفرنج من الأجانب, وأكثر جهاتها المطروقة من الخاصة والعامة مزدحمة بالقهاوي والحانات والخمارات ولم يترك الأوروبيون المتعاطون الأسباب في القاهرة واسطة إلا أجروها لاجتذاب الأهالي إلى الإسارف واللهو والطرب, ولذلك ترى العامة من الأهلية يتهافتون على ما به خرابهم وبوارهم تهافت الفراش على لهب النار, ولم نسمع حتى الآن بجمعية علمية أو أدبية للأهالي تذكرنا جمعيات بيروت أو اجتمعات مفيدة للشبان والشابات كالاجتماعات التي عندنا إلا أننا منذ مدة حضرنا افتتاح جمعية علمية أدبية في دار المرسلين الأمريكيين كان فيها نحو مائة وخمسين نفسا حاضرين واجتماعاتها أسبوعية وقد تزايد عدد الحضور جلسة فجلسة حتى صار يبلغ خمسمائة في هذه الأيام, وقد ضاقت القاعة دونهم فالأمل أن هذه الجمعية تثبت وتنمو وتكون سببا لقيام غيرها من الجمعيات العلمية الأدبية حتى ينتشر التهذيب الصحيح بين الشبان والأهالي الذين أوتوا حظا وافرا من اللطف الطبيعي ولين العريكة وسهولة الانقياد. والله أسأل أن يقدرنا على قضاء خدمة نافعة لبنات هذه البلاد. انتهى. ومن كلامها مقالة أدرجت في السنة الأولى من جرنال اللطائف تحت عنوان تربية الأولاد وهي خطبة الأخلاق من أدب ولده صغيرا سر به كبيرا وهما قولان جديران بالمراعاة, وحريان بكل اعتبار لأنهما صادران من أعقل الناس وأحكمهم متعلقان بأهم ما في العالم من الأعطية والكنوز فإن الأولاد هم عماد الهيئة

стр. 490

الاجتماعية منهم يقوم الأفاضل ومنهم يقوم العلماء وولاة الأمور, ومنهم تتألف القبائل والأمم والشعوب فهم أساس الهيئة الاجتماعية وبهم يتم انتظامها وتمدنها وارتقاؤها في مراتب الكمال. ولما كانت تربيتهم أقوى الوسائط لعقولهم المهذبة لأخلاقهم المقومة لاعوجاجهم وكانت هذه التربية متوقفة على الوالدين خصوصا وغيرهم عموما كانت واجبات الوالدين نحو أولادهم من أعظم الواجبات والوديعة التي أمنهم الباري تعالى عليها أجل الودائع, ولذلك لا يسع الوالدين الحنونين إلا الاهتمام بتربية أولادهم والبحث عما يجعلها قويمة المنهاج, شافية العلاج. وهذا ما قصدت الكلام فيه بوجه الاختصار فأقول: إن التربية ليست علما بقواعد وأصول كسائر العلوم يتعلمه الإنسان من بطون الصحف ولكنها نوع من السياسة يراعى فيها الإنسان أحوال الأولاد والزمان والمكان مع أنها لا تخلو من (مبادئ) عمومية يصح الجري عليها في كل حال لكن أكثرها يتوقف على حكمة المربي وفطنته وغيرته وحسن أخلاقه, ويمكنني أن أقول بالإجمال: إن التربية يلزم لتمامها شروط بعضها يتعلق بالمربي وبعضها بالمربى فمن أعظم الشروط اللازمة في المربي أن يكون هو نفسه مرب حسن الطوية, مهذب الأخلاق والأقوال حميد السيرة, صافي السريرة وإلا ذهبت مساعيه عبثا, وربما زادت أضرارها على منافها لأن المربى يميل بالطبع على الاقتداء بمربية في كل شيء وتقليده قولا وفعلا حتى كأنه صورة خلقته أو صدى صوته, فإذا لم يجر المربي على حسب تربيته للمربى كذبت أقواله وأفعاله وأبطلت أمياله ومساعيه. يحكى أن السرطان أراد يوما أن يقوم خطوات ابنه فقال له: ما لك يا بني تمشي مجانبا ولا تقوم خطواتك؟ قال: رأيتك يا أبي تمشي كذلك قبلي فاقتديت بك وحسبي أن أشبهك ولقد أصاب قول من قال: "ومن يشابه أبه فما ظلم". ويلزم المربي أيضا مع ذلك أن يكون حكيما متأنيا مالكا طبعه خبيرا بمواقع الأقوال ونتائج الأفعال فيجعل كلامه مع المربى على قدر حكيما متأنيا مالكا طبعه خبيرا بموقع الأقوال ونتائج الأفعال فيجعل كلامه مع المربى على قدر الحاجة اللازمة لتقويم أوده وتهذيب أخلاقه ويقصر أفعاله على ما يؤثر في نفس الطفل أحسن تأثير يحثه على الخير وينهاه عن المنكر. وأما الشروط اللازمة في المربي فسأتكلم عليها في أواخر هذه المقالة. قلت: إن التربية تتوقف خصوصا على الوالدين وعموما على غيرهم ومعلوم أن معظم تربية الوالدين يتوقف على الأمهات لا على الآباء لوجودهن غالب الأحيان مع أولادهن أيام الطفولية, ولكون الاهتمام بهم من أخص واجباتهن وبما أن كثيرات منا نحن الحاضرات ههنا أمهات أولاد يقصدن تربية أولادهن أحسن تربية ويتقدن غيرة على تحسين طباعهم وتهذيب أخلاقهم فقد رأيت أن أبدي بعض ما عندي في هذا الشأن لعله يقع موقع القبول عند إحدى السامعات, فيفيد أو اسمع عنه ملاحظات من إحداهن فأستفيد فأتقدم في الكلام بناء على أن الشروط اللازمة متكملة في المربيات السامعات لعلمي أنهن من اللواتي ربين أحسن تربية ولكن يعوزنا الاختبار والانتفاع بأثمار التجارب.

стр. 491

أرى أن الوالدة لا تقدر أن تربي ولدها على ما تريد إلا بعد ما تستولي على عقله وعواطفه, وتعرف طباعه. والذي يدلني على ذلك هو أن التربية لا تنمي في نفس الطفل ما ليس له أثر ولا وجود فيها بل ما هو موجود قد أودعه الباري تعالى فيها, ولا تقتصر على إنماء هذا الموجود بل تقدم النامي وتهذبه وتقويه وتشدده فمثل الوالدة في تربية ولدها مثل الغارس في تربية غرسه ألا ترين كيف يمهد له الأرض ويسويها ويسمدها ويرويها حتى يتأصل فيها كلما نما وطال يقومه إذا رآه معوجا ويقضبه ويهذبه حتى يقوى ويعلو ويتحسن منظره. هكذا تفعل الأم في ولدها بالتربية تنظر إلى جسده وتقويه بالطعام والرياضة والإتقان من الآفات وتنظر على عواطفه وقواه العقلية والأدبية فتوسعها وتقويها وتقوم اعوجاجها وتهذبها فإن لم تكن هذه بيدها وطوع أمرها فكيف تقدر عليها ولكن تكون خاضعة لها وطوع إرادتها. يجب على الوالدة أن تنبه على تربية ولدها وهو طفل صغير ضعيف الإرادة وتتعهده منذ ذلك الحين تارة بالأمر والنهي كالسلطان المطلق وطورا بالحب والرفق كالصديق الحبيب حتى تكون مهيبة عنده مسموعة الكلمة ومحبوبة منه ومقبولة الأوامر, وهذا غاية عظمة الملوك والحكام, ومنتهى ما يبلغون إليه في سياستهم مع الرعية. وهو أن يكونوا مهيبين محبوبين مسموعي الكلمة معزوزي الجانب. إذا راقبت الأم ولدها وجدت أنه لا يبلغ من العمر نصف سنة حتى تظهر عليه علامات الفهم وتبدو منه أفعال الإرادة فيغضب ويرضى ويبكي وقت الغيظ, ويتبسم وقت الرضا. وحينئذ يجب على الأم أن تتخذ ما عندها من الحكمة لتطبع إرادتها على لوح نفسه وتغرس محبتها في أعماق فؤاده وتنفذ كلمتها في أمرها ونهيها له متدرجة من الأمور الصغيرة إلى المبادئ الكلية على توالي الأيام فمتى صار يطلب شيئا لا يناسب إعطاؤه إياه تمنعه عنه ولا تطاوعه, ولو بكى وصرخ صراخا شديدا, حتى يرسخ في ذهنه أن البكاء والصراخ لا ينيلانه المطلوب إذا لم ترد الوالدة ذلك, ولو بكى وصرخ صراخا شديدا, حتى يرسخ في ذهنه أن البكاء والصراخ لا ينيلانه المطلوب إذا لم ترد الوالدة ذلك, وأن الطاعة خير من العناد. وإذا أصر الطفل على مسك ما لا يخصه بعدما منعته والدته من ذلك مرارا فلا تخفيه من أمامه خوفا من بكائه بل ترده عنه بكل لطف وحزم وتفهمه بقدر الطاقة أن ذلك الشيء لا يخصه, وأنه يجب أن يطيع والدته ويخضع إرادته لإرادتها ولا تزال تعلمه بمثل هذين المثلين حتى تتأصل الطاعة لوالدته في نفسه وتنمو فيه مع نماء قوى عقله ولكن ليس بالغضب والعنف بل بالرفق واللين واللطف. ومن خطأ الوالدين والوالدات في التربية أنهم يحبون البشاشة في وجه الولد والملاطفة في معاملته تؤل إلى استخفافه بكلامهم وتمرده عليهم, فلذلك تراهم لا يكلمونه إلا زجرا ولا ينظرون غليه إلا شزرا, وإذا ارتكب أقل ذنب أو سعوه ضربا وتعنيفا, وإذا ضحك أو لعب في حضرتهم وبخوه وانتهروه كأنه قد جنى ذنبا زاعمين أن ذلك كله يزيد سطوتهم عليه ويمكن الطاعة في نفسهم لهم. وهذا صحيح ولكن إلى حد معين لأن هذه المعاملة تمكن سلطة الوالدين على أولادهم, ولكنها تكون ثقيلة عليهم مكروهة عندهم يترقبون الفرص لمخالفتها ويتحايلون للتخلص منها, ولذلك كثيرا ما تكون نتيجتها فيهم تربية الخوف والخيانة والبغض

стр. 492

والكراهة في نفوسهم ويتلو ذلك المكر والرياء أو العصيان والتمرد كما لا يخفى إذا القسوة والعنف في المتسلط يجعلانه مهيبا ولكن مكروها ومطاعا, ولكن مستثقلا والنفوس الأبية لا تذل إلا إلى حين ولا تصبر على الضيم إلا ريثما تجدبا بالدفعة. فيجب على الوالدين والوالدات خصوصا أن يعاملوا أولادهم في التربية بالرفق وأن يقابلوهم بوجوه باشة إلا حيث لا تقبل البشاشة وأن يكون كلامهم في الإنذار والتوبيخ مقرونا بالتأني والهدو حتى يفهم الولد مؤداه ويقبله عن اقتناع لا عن خوف ورعدة كما يكون إذا أدبته أمه عن غضب وحنق إطفاء لنار غيظها والحزم والهدو والتأني في تربية الطفل وتأديبه تلقى لمربيته هيبة في فؤاده ليس فوقها هيبة فتبقى مقرونة بالطاعة له طول أيامه, ولاسيما لأنها تكون ممزوجة في نفسه بالحب والمودة. والخلاصة أنه يجب على الأم أن تجعل لها في نفس ولدها طاعة مؤسسة على الحب تدوم إلى طويل لا طاعة مؤسسة على الخوف تدوم إلى قصير وكما يطلب من الوالدة أن تكون حاكمة متسلطة عل عقل ولدها وعواطفه يطلب منها أن تكون بمنزلة الصديق والرفيق له تخصص جانبا من وقتها لملاعبتها بالملاعب المختلفة وتسليه تارة بقص القصص المفيدة عليه وطورا بتعليمه ما ينير ذهنه وحثه على ما يميل إليه من طبعه حتى تتعلق نفسه بها تعلقا شديدا, ويفضل مجالستها واستماع أقوالها على مجالسة كل واحد سواها فيكتسب منها في أثناء ذلك ما تريد أن تلقيه في ذهنه من الأفكار والمبادئ, وينمو على ما تحب أن ينمو عليه وههنا مندوحة واسعة للكلام على الأتعاب التي يجب على الوالدة أن تهبها لأولادها حتى تدفع عنهم الملل والضجر, وما ينشأ عنهما من المساوئ الكثيرة التي تفسد التربية والأخلاق. وههنا محل الكلام على تدبير ما يلزم لتحسين ذوق الولد وتعويده على حسب ما هو جميل واعتبار ما هو نافع ومفيد وتربيته على مراقبة الأمور, وملاحظة ما حواليه من الكائنات وعجائب طبائعها, وغرائب أفعالها. وههنا محل الكلام أيضا على ترويضه وتقوية جسده ولكني لا أتعرض لشيء من ذلك كله لئلا يضيق المقام واعتمادا على ما هو شائع منه في كتبنا وجرائدنا. وصدق الوالدة مع ولدها في كل مواعيدها أمر لا بد منه في التربية وكذبها عليه يربيه على الكذب لا محالة والدعاء عليه يحط قيمتها في عينه ويفسد آدابه. وتكثير الأوامر عليه والطلبات منه تلقيه في الحيرة والارتباك فيصير يطلب الابتعاد عنها ولا يصدق أن يتيسر له الفرار من وجهها حتى يغافلها ويسرع إلى أصدقائه وملاعبه. قال بعض الحكماء: الصدق أهم ما يجب إتباعه في تربية الصغار وتهذيبهم, فمن كذب على ولده كذبة علمه الكذب. وقال أيضا: إن تهذيب الولد يبتدئ بنظرة أمه والتفات أبيه وتبسم أخته أو أخيها أو أخيه. ومن أغلاط التربية عندنا أنه إذا قامت الأم لتأديب ولدها فكثيرا ما يعارضها الأب ويحمى من التأديب كأن أمه عدو له تقصد الانتقام منه وإذا قام الأب لتأديب ولده عارضته الأم وكل ذلك مما يمنع فوائد التربية عن الولد ويحمله على الظن بأنها صادرة عن الغضب والانتقام لا عن حب الواجب وحسن

стр. 493

المقصد ومن أغلاطنا في التربية أيضا إننا لا نتحرى تعويد الأولاد على الاعتماد على أنفسهم والاستقلال عن سواهم بل إذا رأينا في ولدنا ميلا إلى شيء من ذلك أمتناه إجابة لدواعي الخوف والشفقة التي في غير محلها فإذا رأت الأم ابنها يميل إلى حز الخشب والنجارة بسكين أخذت السكين من يده خوفا من أن يجرح إصبعه جرحا طفيفا ولا يخطر لها أن توصي أباه ليبتاع له عدة صغيرة للنجارة ليتعود بها على عمل أعمال كثيرة تنفعه في أيامه وتبعد عنه الضجر والسآمة, والحال أن أكثر مخترعي الإفرنج يربون على حب الاختراع بأمور كهذه وهم أولاد صغار وإذا رأت الأم ولدها يركض في الشمس وراء الفراش والجنادب صاحت وولولت خوفا عليه من حر الشمس وكان الأولى بها أن تشتري له كتابا ذا صور وتربيه على مراقبة المخلوقات الطبيعية. قيل: إن لبنيوس المعدود من أعظم علماء النبات كان في صغره يحب الأزهار, فزرع له أبوه أرضا وقسمها على وفق ذوقه, فكان يتفقدها ويعتني بها, ولما شب ولع بدراسة علم النبات حتى طار صيته في الآفاق ويجب الحذر في التربية من أضعاف عزيمة الولد وإرادته فإن والدات كثيرات يذللن الولد حتى لا تبقى له إرادة فإذا شب كان ضعيفا, وكانت تربيته أعظم مصيبة عليه وكثيرون ينكرون فوائد التربية ويقولون: إن وجودها وعدمها سيان ويستشهدون على ذلك بقولهم: إن فلانا ربي في صغره أحسن تربية فكان أحسن الأولاد وكان يقدر له أعظم النجاح, فلما كبر أتى المنكرات ولم يجن إلا ثمار الذل والفشل, والآخر ربي في صغره أردأ تربية, ولما كبر فاق فضلا ونبلا وكرم أخلاق وخالف ظن الناس فيه. أقول إن إنكار هؤلاء الناس لمنافع التربية مبني على وهم فاسد, وهو أن التربية إنماء الموجود وتحسينه كما مر في بدء الكلام, ولا توجد ما ليس موجودا فقد يخص البارئ بمواهب أناسا دون آخرين حتى إنهم مع قلة التربية يفوقون سواهم ممن ربي تربية حسنة, ولكن لو تساوت مواهب الفريقين لفاق المربي بالأخلاق ولذلك اشترط في المربى أن يكون قابلا للتربية من طبعه وقليل من لا يقبلها ومهما قوي في الفطرة حسك الشرور وغلطت أصول المساوئ والآثام, فإنها تضعف حتى تضجر وتزول بحسن التربية وجميل الاعتناء". اه. ومن كلامها المقالة التي أدرجت في جريدة المقتطف العلمية ردا على الدكتور شبلي شميل ونصها بحروفها: "إن حضرة الفاضل الدكتور شبلي يعد من جملة الذين إذا أطعموا أشبعوا, وإذا ضربوا أوجعوا. فمقالته التي عنوانها "الرجل والمرأة وهل يتساويان" (المندرجة في الجزأين السادس والسابع من مقتطف هذه السنة) قد حوت من الشواهد والحقائق ما يشبع عقول القارئين ومن التحامل على المرأة والإجحاف بحقها ما يوجع نفوس القارئات وليس لنا وجه لدفع قوله بأنه خصم ذو غرض أو رجل قليل المعارف لا يعبأ بقوله لأنه قال: وأعاد القول مرارا إنه ليس قصده حط شأن المرأة بل تقرير الحق الواقع والذي نعهده فيه من الصدق في القول والإخلاص في القصد يكذبنا إن سميناه خصما أو نسبنا إليه الغرض وأقواله وكتاباته تشهد له بسعة الاطلاع وغزارة المعارف, فلا نصدق إذا حططنا في علمه ومعارفه ومع ذلك فلا ريب أنه لم ينصف في حكمه على المرأة ولم يعدل في ذكر مناقبها وأخلاقها, وما ذلك في حكمي إلا عن سهو إذ الإنسان عرضة للسهو

стр. 494

والنسيان. والظاهر أن اعتقاده في المرأة منقول أصلا عن ألسنة العامة, فلما تحرك في أقوال العلماء وغاص على أداتهم لم يلتقط منها إلا ما أيد ذلك الاعتقاد المتداولة خلفا عن سلف, وأغفل ما يؤيد خلافه وكم من مرة زل العلماء وضل الفقهاء من تأثير الأوهام المتوارثة والأغلاط السائرة, ولولا ذلك لكان من المحال أن يرضى حضرة الدكتور الفاضل بما في خطبته من الانحراف والإجحاف كما سنرى. أولا: إن القسم الأول من المقالة المذكورة مقصور على إثبات أن الذكور من الحيوانات العالية أشد من الإناث وأن الرجل أضخم من المرأة جثة وأكبر جمجمة وأثخن عظما, وأقسى عضلا, وأنضر سحنة. ودمه أثقل نبضانا وأغلظ قوما وجسده أكثر فسادا وانحلالا إذ يفرز من الحامض الكربونيك أكثر مما تفرز هي وغير ذلك مما يدل على أن الرجل أشد من المرأة. وما لبث أن جعل هذه الأوصاف دليلا على الشدة حتى انتقل إلى جعلها امتيازا يمتاز بها الرجل ولم يؤيد هذا الامتياز بأن حضرة الدكتور يذكر مقابله امتياز المرأة على الرجل بالجمال واعتدال القوام ولطف التركيب والغضاضة والبضاضة ونحوها من الأوصاف التي تميزها عليه كما هو مسلم به إجماعا أيضا لأنه إن كانت ضخامة الجسم والقوة الوحشية تعدان امتيازا للرجل من وجه فلطف القد وحسن الخلق يعدان امتيازا للمرأة من أوجه, والإنصاف يقتضي ذكرهما عند ذكر غيرهما. لكن حضرة الدكتور أغفلهما تمام الإغفال. ثم إنه ذكر تقوس القدم في الرجل وانبساطها في المرأة دليلا على ارتقائه في الخلق أكثر منها وكذلك يزرر ثيابه عن اليمين وهي تزررها عن اليسار وكذلك بطء نموه وسرعة نموها إلى غير ذلك من الأدلة التي لم يسلم بصحة مدلولها واحد حتى ينفيها آحاد وترك الأمر والإنصاف يقتضي ذكر الأمر المقرر قبل الشواهد التي لم تثبت صحتها ولا صحة ما يشتهد عليه بها. ثانيا: إن فحوى القسم الثاني من مقالة حضرة الدكتور هي إثبات أن الرجل أعظم عقلا وإدراكا من المرأة. وقد عدد فيه القوى العقلية التي زعم أن الرجال يفوقون فيها النساء ولم يذكر للنساء قوة يفقن فيها والذي أعلم أن كل الباحثين (حتى الذين بحثوا قديما عما إذا كان للمرأة نفس) لم ينكروا أن المرأة تفوق الرجل في بعض القوى العاقلة مثل الإدراك عن طريق الحواس المعروف بالشعور وسلامة البداهة والذوق العقلي, ثم إن حضرته يبني حكمه بصغر عقل المرأة عن عقل الرجل بكون دماغه أثقل من دماغها. ولما كان لا يحق لي الاعتراض في معرض مثل هذا فحسبي أن أسأل جنابه هل يعتبر ثقل الدماغ دليلا قاطعا على كبر العقل لأن الذي نعلمه (وهو مأخوذ عن أحدث مناقشة للعلماء في هذا الشأن) إن كبر العقل بمعزل عن ثقل الدماغ فقد يكون الإنسان من أعقل أهل زمانه ودماغه خفيف جدا أو متوسط في الثقل وقد يكون من أصغر الناس عقلا ودماغه ثقيل جدا, ولذلك لا تقنع عقولنا القاصرة بأن ثقل الدماغ دليل كبر العقل حتى يتبين لنا ذلك بالبرهان القاطع. ثالثا: إن معظم الإحجاف كان في كلام حضرة الدكتور عن آداب المرأة وفضائلها. وهنا لا أخشى أن أخالف

стр. 495

حضرته تمام إذا المحقق المشهور أن الفضائل نصيب المرأة فهي المعزية الحزين المفرجة الكروب الصابرة على مضض العيش ونغص الحياة الراضية بمشاركة الرجل في سرائه وضرائه المحافظة على ولائه الطالبة لمسرته الناسية نفسها في خدمته الباذلة حياتها لمسرته وتربية عائلته الممتازة بالوراعة والعفاف والطهارة إلى غير ذلك مما يعد منه ولا يقدر فحسبي ما ذكرت". مريم بنت يعقوب الأنصاري سكنت إشبيلية وأصلها على ما قيل من شلب, وكانت صدر نبهائها وأدبائها, وممن لهن قدر منجبيها ونجبائها, سردت البديع أحسن سرد, وافترست المعاني كالأسد الورد, وأبرزت درر المحاسن من صدفها, وحازت من أفخر الإجادة وشرفها, ومدحت ملوكا طوقتهم من مدائحها قلائد, وزرفت إليهم من معانيها خرائد, وجلتها عليهم كواعب بالألباب لواعب, فأسالت العوارف, وما تقلص لها من الحظوة ظل وارف وقد أثبت المقرى ما يعترف بحقها, ويعرف به مقدار سبقها, وكانت تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها وعمرت عمرا طويلا واشتهرت بأشبيلية بعد الأربعمائة وذكرها الحميدي وأنشد لها جوابها لما بعث المهدي لها بدنانير وكتب إليها: ما لي بشكر الذي أوليت من قبل ... لو أنني حزت نطق اللسن في الحلل يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا ... وحيدة العصر في الإخلاص والعمل أشبهت مريماً العذراء في ورع ... وفقت خنساء في الأشعار والمثل ونص الجواب منها: من ذا يجاريك في قول وفي عمل ... وقد بدرت إلى فضل ولم تسل ما لي بشكر الذي نظمت في عنقي ... من اللآلئ وما أوليت من قبل حليتني بحلي أصبحت زاهية ... بها على كل أنثى من حلي عطل لله أخلاقك الغر التي سقيت ... ماء الفرات فرقت رقة الغزل أشبهت مروان من غارت بدائعه ... وأنجدت وغدت من أحسن المثل من كان والده العضب المهند لم ... يلد من النسل غير البيض والأسل ومن شعرها وقد كبرت: وما يرتجى من بنت سبعين حجة ... وسبع كنسيج العنكبوت المهلهل تدب دبيب الطفل تسعى على العصا ... وتمشي بها مشي الأسير المكبل مريم صوفيا إمبراطورة الروسية
следующие страницы →