وقد جاءَهُ في القرآن كُلِّهِ الحقُّ، ولكنه ذكرها هنا توكيداً، وليس إذا قيل
قد جاءك في هذه الحق وجب أن يكون لم يأتك الحق إلا في هذه، ولكن
بعض الحق أوكدُ من بَعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، لا في عينه.
إذَا قُلْتَ: فُلانٌ في الحق وأنت تريد أنه يجود بنفسه، فليس هو في غير تلك
الحال في باطل، ولكن ذِكْرُ الحق ههنا أغنَى عَنْ ذكر الموتِ لعظمه وأنه
يحصل عنده على الحق.
стр. 1017
سورة يوسف
(مدنية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)
المعنى هذه الآيات، تلك الآيات. " المُبينُ " الذي وعدتم به في التوراة
كما قال: (الم ذلك الكتاب).
* * *
وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)
هذه الهاء تصلح لشيئين، أحدهما أن تكون للكتاب، المعنى إنا أنزلنا
الكتاب قرآناً عربياً.
ومعنى (قُرْآنًا) مجموع، ويجوز: أن يكون (إنا أنْزَلنَاهُ) أي أنزلنا خبَرَ يُوسُفُ وقِصتَهُ.
ويروى أن علماءَ إليهود قالوا. لِكُبَراءِ المُشْرِكين: سَلُوا محمداً لم انتقل
آلُ يعقوبَ من الشام إلى مصر، وعن قصة يُوسُفَ فقال اللَّه :
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا).
ودليل هذا القول قولُه : (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧).
* * *
وقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)
стр. 1018
أي نبين لك أحْسَن البَيَانِ والقاصُّ الذي يأتي بالقِصةِ على حقيقتها.
(بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ).
أي بِوَحْيِنَا إلَيْكَ هذا القرآنَ.
القراءةُ نصبُ القرآنِ ويجوز الجر والرفْع جميعاً.
ولا أعلم أحداً قَرأ بهما.
فأمَّا الجر فعلى البدل من قوله: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) فيكون المعنى نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن، ولا تَقْرأنَّ بها.
والرفع على ترجمة مَا أِوْحَيْنا إليك، كان قَائِلًا قال: ما هو؟
وما هذا فقيل هذا القرآن، ولا تقرأنَّ بها أيضاً.
(وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).
أي من الغافلين عن فصة يوسف وإخوته، لأنه ﵇ إنما عَلِمَ
ذلك بالوحي.
* * *
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)
يجوز أن يكون موضع " إذْ " نَصْبا.
المعنى نَقصُّ عليك إذْ قال يوسف لأبيه
ويجوز أن يكون على معنى اذكر إذ قال يوسف لأبيه.
(يَا أَبَتِ إِنِّي).
في قوله: (يَا أَبَتِ إِنِّي) قراءتان: (يَا أَبَتِ إِنِّي)، (يَا أَبَتَ إِنِّي) - بالخفض
والنصب. وأجاز بعض أهل العربية يا أبةُ إنِّي.
فمن قرأ (يَا أَبَتِ إِنِّي) - بكسر التاء - فعلى الإضافة إلى نفسه وحذف
الياء، لأن ياء الإضافةِ تحذف في النداء، وقد ذكِرَ ذَلِكَ فيما سلف من
стр. 1019
الكتاب، وأما إدْخَالُ التَأنِيثِ في الأب فإنما دخلت في النداء خاصة، والمذكر
قد سمّي باسم لِمؤنَثٍ فِيه عَلَامَة التأنِيثِ، وُيوصَفُ بما فيه هاء التانبث.
فأما المذكر الذي يسمى بِمُؤنث فقولهم عين ونفس يراد به الرجل.
وأما الصِّفة فقولهم غلام يَفَعَة، ورَجُل رَبْعَة.
والتاء كثرت ولزمت في الأب عوضاً من تاء الِإضافة.
والوقف عليها يا أبَهْ وإن كانت في المصحف بالتاء.
وزعم الفراء أنك إذا كسرت وقفت بالتاء لا غير، وإذا فتحت وقفت بالتاء والهاء، وَلَا فرق بين الكسر والفتح.
وزعم قطرب أن الفتح على جهات:
إحْداها أنك أردت يا أبة ثم حذفت التنْوينَ، وعلى يَا أبَتاه وَعَلَى قول قولُ الطرماح.
يا دارُ أقْوَتْ بعد أَصرامِها. . . عاماً وما يُبْكِيكَ من عامِها
وهذا الذي قاله قطرب خطأ كله.
التنوين لا يحذف من المنادى
стр. 1020
المنصوب، لأن النصب إعرابُ المنادى، ولا يجوز معرَبٌ منصرف غير منون
في حال النصب وأما قوله: يا دارَ أقوت، بنصب الدارِ - فلم يَرْوِه أحَد من
أصحابنا ولا أعْرفُ له وجهاً.
أنشد سيبويه والخليل وجميع البصريين يَا دَارُ أقْوتْ، بضَم الراء.
وأما يا أبتاه، فالنُّدبة ههنا - لا معنى لها.
ولكن الفَتْحَ يجوزُ على أنه أبْدَلَ من تَاء الإضافة ألفاً ثم حذف الألف
وبقيت الفتحة، كما تحذف بالإضافة.
وَأمَّا " يَا أبةُ إني " بالرفع فلا يجوز إلا على ضعف، لأن الهاء ههنا جعلت
بدلاً من ياء الإضافة.
(إني رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً).
القراءة بفتح العين وفتح جميع الحروف في أحَدَ عَشَر.
وقد روي بتسكين العين في القراءة: (أحَدَ عْشرَ كوكَباً "
قرأ بها بَعْضُ أهلِ المدينة وهي غير منكرة مَا كَانَ قبل العين حرف متحرك لكثرة الحركات في قوله أحَد عَشَر
فأمَّا اثنا عَشَرَ فلا يجوز فيها. الإسكان في العين.
وقد رويت لغة أخرى وهي، أحد اعْشرَ وهذه الرواية في الرداءة وتَرْكِ الاستعمال بمنزلة الحمدِ للَّهِ، لا يلتفت إليها.
فأمَّا التسكين في العين فقراءة صحيحة كثيرة ولكنَّ سيبويه والخليلَ
وجميعَ أصحابهم لا يجيزون إلا فتح العين، إلَّا أن قُطْرُباً قد روى إسكان
العين ورواه الفراء أيضاً، وقد قُرئ به.
فأمَّا ما لا اختلاف فيه ففتح العين.
و (كوكباً) منصوب على التمييز.
стр. 1021
(والشمْسَ والْقَمَرَ رَأيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).
فكرر رأيتهم توكيداً، المعنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقَمَرَ لِي
سَاجِدين فكرر (رأيتهم) لَما طال الكلام.
فأمَّا قوله (سَاجِدِين) فحقيقته فِعْلُ كُلِّ ما يعقل، وجَمعُه وجمعُ
ضميرَه بالواو والنون في الرفع، والياء والنون في النصب والجر.
فإذا وصف غير الناس والملائكة بأنه يعبد ويتكلم فقد دخل في المُمَيزين وصار الِإخْبَارُ عنه كالإخبَارِ عنهم.
فمن ذلك قوله: (قَالَت نَمْلَةٌ يا أنها النمْل ادْخلُوا مَسَاكِنَكُمْ)
وقوله: (بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْألُوهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)
وقال: (وَكل في فَلَكٍ يَسْبَحُون).
فَالوَاوُ والنونُ دَخَلَتَا لما وَصَفْنَا مِنْ دخولهم في التمييز، والألف والتاء
والنون لكل مؤنث ولكل مَوَاتٍ لا يَعقل غَيْرِ المميزين، فإذا جَعَلَ اللَّه غير المميزة كالمميزَةِ فكذلك تكون أفعالُها والأنْباء عنها.
* * *
وقوله: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
معناه يختارك ويصطفيك، وهو مشتق مِنْ جَبَيْتَ الشَيءَ إذَاحَصَّلْتَه
لنفسِكَ، ومنه جَبَيْتُ الماءَ في الحوض.
وموضع الكاف في قوله " كذَلِكَ "
نصبٌ، المعنى ومثل مارأيتَ تأويلَه، (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)
стр. 1022
قيل يعلمك تأويل الرؤيا وقيل يعلمك تأويل أحادِيثِ الأنبياء
والأمَمِ، يعني الكتب وكلاهما جائز - واللَّه أعلم -.
(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ).
المعنى يتمها كما أتمها على أبويك، فقد فَسَّر لَهُ يَعْقوبُ الرؤيا.
والتأويل أنه لما قال له إني رأيت أحد عشر كوكباً والشَمْس والقَمَرَ رَأيْتُهمْ لي
سَاجِدين، فتأوَّلَ الأحَدَ عَشَرَ كوكباً أحَدَ عَشَرَ نفْساً لَهُمْ فَضْل وأنهم يُسْتضَاءُ بهمْ، لأنَّ الكَواكِب لَا شيءَ أضْوأ مِنْهَا وبها يُهْتَدَىَ.
قال اللَّه جلَّ وعزَّ: (وبالنَّجْمِ هُمْ يَهتدُون).
فتأول الشمس والقَمَرَ أبَويه. فالقمرُ الأبُ والشمسُ
الأم والأخذ عَشرَ كَوْكَباً إخْوَتُه، فتأوَّل له أنه يكون نَبِيًّا، وأن إخوته يكونون أنبياء لأنه أعْلَمَهُ أن اللَّه يُتمُّ نعمتَه عَلَيْه وَعَلَى إخْوَته كما أتَمَّها على أبَويهِ إبراهيمَ وإسحاقَ، فإتمام النعمَةِ عَلَيْهِم أن يكونوا أنْبِيَاء إذ قال:
(كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ).
وقوله: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ).
الرؤيا فيها أربعُ لغاتٍ "
رُؤْيَا بالهمز، ورويا بالواو بلا همز، وهاتان يُقْرأُ بِهمَا ورُيَّاك بالإدغامِ، ورِيَّاك بكسر الراء - وَلاَ تَقْرأ بهَاتَيْنِ.
ويوسف فيه لغتان، يوسُفُ بضم السِّينِ ويوسف بكسر السِّينِ وكذلك
يُونُس، وُيونِس. وحَكَوْا يُونَسَ بفتح النُونِ، حكاها قطرب وهي شاذة.
* * *
وقوله : (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)
(آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)
وَقُرِئَتْ آية. ومعناه عِبْرَةُ، وقَدْ رُويت في غير هذا المصحف عِبْرة
للسائلين، وهذا معنى الآية.
ويجوز أن تكون " آية " بَصِيراً للسائلين الذين
стр. 1023
سألوا النبي ﷺ فَأنْبأهُم بقصةِ يُوسُفَ.
وهو عنها غافل لم يقْرأ كتاباً ولم يأته إلا من جهة الوحي
جَوَاباً لهم: حين سألو.
* * *
وقوله: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)
أي: إِنَّ أَبَانَا قَدَّمَ اثنين صَغِيريْن في المَحبَّةِ عَلَيْنا، ونحن عُصْبَة، أي جماعة نفعنا أكثر من نفع هذين.
(إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
هذا موضع ينبغي أن يُتَفَهَّمَ، إنما عَنَوْا أن أبَاهُمْ ضَالٌّ في محبَّة هذين
ولَوْ وَصَفُوه بالضلالة في الدين كانوا كُفَاراً.
والعُصْبةُ في كلام العرب العَشِيرةُ ونحوهم.
* * *
وقوله : (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)
(وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ).
أي تَتُوبونَ من بعد قتله.
وقوله: (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا).
معناه - والله أعلم - أرضاً يَبْعدُ بها عن أَبِيه لأنَّه لن يَخْلُوَ مِن أَنْ يكونَ
في أرض.
قوله: (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ).
يدل على أنَّهم تآمروا في أن يَطْرحُوه في أَرض لا يَقْدِرُ عليه فيها أبوه
و (أَرْضًا) منصوب على إسقاط (في) وإفْضَاءِ الفِعْل إليها.
لأن (أَرْضًا) لَيْسَتْ من الظروف المبْهِمة.
* * *
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)
الغَيابَةُ كل مَا غَابَ أَو غَيبَ عَنْكَ شيئاً، قال المنخل:
стр. 1024
وإن أنا يَوْماً غيبتني منيَّتِي. . . فسيري بسيري في العشيرة والأصْلِ
والجب البئر التي ليست بمطويَّةٍ، وسُمّيتْ جُبًّا من أنها قُطِعَتْ قَطْعاً.
ولم يحدث فيها غير القطع، مِنْ طيٍّ وما أشْبَههَ.
وروَوْا أن اسم الذي أشارَ عَليهم بِألَّا يَقْتلوهُ يَهُوذَا، وَكانَ مِنْ
أَشَدهم.
(يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ).
هذا أكثر القراءة - بالياء - وقرأ الحسن تلتقطه بالتاء، وأجاز ذلك جميع
النحويين، وزعموا أن ذلك إنما جاز لأن بعض السيارة سيَّارةٌ، فكأنَّه قال:
تلتقطه سَيَّارةُ بعض السَّيَّارَةِ.
وأنشدوا:
وتشرق بالقول الذي قد أذعَتَهُ. . . كما شرِقتْ صدرُ القناة من الدم.
* * *
وقوله : (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)
(مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ).
قرئت على أربعة أوجُهٍ (١)، على إشْمَامِ الميم الضَّمَّ - تأمنُنا، وعلى
الِإدغام وترك الإشمام، (تَأْمَنَّا)، وقرئت (تأمَنُنَا) بنونَين وضمة بينهُمَا.
وقرأ يحيى ابن وَثَّابِ تِيْمَنَّا.
وقراءة يحيى تخالف المصحفَ، وهي في العَرَبيةِ جَائزةٌ
بكسر التاَء في كل ما ماضيه على فَعِلَ نحو أَمِنَ - يا هذا - والإِدغام لأن
الحرفين من جنس واحدٍ
стр. 1025
والإشمام يدل على الضَّمَّة المحذوفة، وترك الِإشمام جيِّدٌ، لأن الميم
مفتوحةٌ فلا تُغَيَّر، والإِظهار في " تأمَنُنا " جيِّدٌ، لأن النونين من كلمتين.
* * *
وقوله : (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)
(غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ)
بالياء، وقُرئت (نرتع ونلعب) بالنون، وَقُرئَتْ يُرْتَع ويُلْعَب - بضم الياء -
وقرئت نَرْتَع ونَلْعَبْ. فجَزْمُ هذه القراءاتِ. كُلِّها على جواب الأمر (١).
المعنى أَرْسلْهُ إنْ ترْسله يرتِعْ، وكذلك يُرْتَع، وكذلِك يَرْتَع وَيلْعَبْ - بكسر العين -.
وكسر العين من الرعْي، المعنى يَرْتَعِي ويلْعَبْ، كأنهم قالوا يرعى ماشيَتهُ
وَيلْعبْ، فيجتمع النفْعُ والسرورُ، وَيرْتَعُ من الرتْعَة، أي يتسع في
الخصب، وكل مُخْصِبٍ فَهُوَ رَاتِع.
* * *
وقوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)
(وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ).
وقرئت غَيَابَاتِ الْجُبِّ، وقد فسرنا الْجُبَّ.
وجاء في التفسير أَنها بئر بَيْتِ المَقْدِسِ.
(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
هذا جائز أن يكون من صلة لَتُنَبِّئَنَّهُمْ وهم لا يشعرون.
وجائز أن يكون من صلة " وأوحينا "
المعنى: وأوحينا إليه وهم لَا يشعرون - أي أنبأناه بالوحي
وهم لا يشعرون أنه نبيٌّ قد أُوحي إليه.
* * *
(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)
(عِشَاءً) منصوب على الظرف.
(إنا ذَهَبْنَا نَسْتَبقُ).
وقِيلَ نَنْتَضِلْ
стр. 1026
(قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)
(فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا)
أي بمصدِّق لَنَا.
(وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
ليس يريدون أنَّ يَعْقُوبَ ﵇ لا يُصَدِّق من يَعْلَم أنه صادق، هذا مُحال، لاَ يُوصَفُ الأنْبِياءُ بذلك، ولكن المعنى: لو كنا عندك من أهل الثقَةِ والصدْق لاتهَمتَنا فِي يُوسُفَ لمحبَّتِكَ إيَّاهُ، وظننت أنا قد كَذَبْنَاكَ.
* * *
وقوله: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)
يروى أنهم - رحمة " اللَّه عَلَيْهِم - لمَّا طَرَحُوا يُوسُفَ ﵇ في
الْجُبِّ أخَذوا قميصَه وذَبَحوا جَدْياً فلطخوا القميصَ بدم الجَدْي.
وقيل سخْلَة.
والمعنى واحد، فلما رأى يعقوب ﷺ القميصَ قال: كَذَبْتُم، لو أكله الذئبُ لخرقَ قمِيصَهُ.
وقيل إنه قال إِنْ كَان هَذا الذئبُ لحلِيماً، أشْفقَ على القميص
فلم يمزقْهُ، وأَكَل ابني فالدَّمُ دمٌ كذِب، أَيْ ذُو كذِبٍ، والمعنى دم مكذوب
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا).
أي بل زَيَّنَتْ أنفسُكم أَمْراً في قِصةِ يوسُفَ
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).
معناه صبر لا جَزَع فيه ولَا شَكْوى إلى النَّاسِ.
وصبر جميل مرفوع على ضرِبَيْنِ:
المعنى فشأني صَبْر جَميل، والذي أعتقده صبرٌ جميل، ويجوز أن
يكون عَلَى " فصَبْرِي صبر جَميلٌ "
وهذا لفظ قُطْربُ: فَصَبْري صَبرٌ جَميل.
والأول مذهب الخليل وجميع أصحابه.
ويجوز في غير القرآن فصَبْراً جميلاً.
وأنشدوا في الرفع:
стр. 1027
شكا إِليَّ جملي طولَ السُّرى. . . يا جملي ليس إليَّ المشتكى
صبرٌ جُمَيْلٌ فكِلانا مُبْتَلى
وصبراً جميلاً منصوب على مثل (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا).
* * *
وقوله: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)
الوارد الذي يرد الماء ليسقي للقوم.
(فَأَدْلَى دَلْوَهُ).
يقال: أَدْلَيْتَ الدلْوَ إذَا أرْسلتَها لتملأها، وَدَلَوْتَها إذَا أخرجْتَها.
(قَالَ يَا بُشْرَايَ) (١).
بألف وياء مفتوحة، وقرئت يا بُشْرَيَّ، وقد فسرناها في قوله: (فَمَنْ تَبعَ
هُدَايَ)، وتفسيرها أن ياء الإضافة تغيِّر ما قبلها ولا يُبَينُ معها
الإعراب، فإذا كان قبلها ألف فالاختيار أَلَّا تغير الألف، وبعض العرب يبدل الألف معها ياء، فيكون بدَلَها بمنزلة تغيير الحروف قبلها.
وقرئت: (يا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ)، بغير ياء.
ومعنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب ولا تعقل إنما هو على تنبيه
المخاطبين، وتوكيد القصةِ.
إذا قلتَ يا عجَباهُ فكأنك قلت: اعجبوا ويا أيها
العجبُ هذا مِنْ حِينكَ.
وكذلك إِذَا قال يا بُشراي فكأنَّه قال: أبشروا، وكأنه
قال يا أيتها البشرى هذا من إِبَّانِكِ وأوَانِكِ.
وقوله : (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً).
لَمَّا وجدُوهُ أحبوا أَنْ لَا يُعْلَم بأنه مَوجُودٌ، وأَن يُوهِمُوا أنه بضاعة دفعها
стр. 1028
إليهم أهل الماء، وبضاعة منصوب على الحال، كأنَّه قال: وأسَروه جَاعِليِه
بضاعةً.
* * *
وقوله: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)
قيل بخس: ظلم، لأن الإنسانَ الموجود لا يحل بيعُه، وقيل: بخس
نقصان، وأكثر التفسير على أن بخساً ظلماً.
وجاء في التفسير أنه بيع بعشرين درهماً، وقيلَ باثنَيْن وَعِشرينَ دِرْهماً
أخذ كل واحد من إخوته درهمين، وقيل بأربعين درهماً، ورُوِيَ كُل ذَلكَ.
وقوله (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)
(فيه) ليست بصلة الزاهدين، المعنى: وكانوا من الزاهدينَ ثم بيَّن في
أي شيء زهدوا.
فكأنَّه قال: زهدوا فيه، وهذا في الظروف جائز.
فأما المفعولات فلا يجوز فيها، لا يجوز كنت زيداً من الضاربين، لأن زيداً من
صلةِ الضاربين فلا يتقدم الموصول صلته.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)
مصر مفتوحة في موضع الجر إلا أنَّها لا تَنْصَرِفُ، لأنها اسم والمدينة
بعينها، وهي معرفة
(لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا).
(مَثْوَاهُ) مُقَامُه. المعنى أحسني إليه في طول مُقامِه عنْدَنَا.
ويروى أنَّ أَفْرَسَ الناس ثلاثة، وأن أجودهم فراسة العزيز في فراسته في
стр. 1029
يوسف، وابنة شعيب في فراستها في موسى حين قالت:
(يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
وأبو بكر في تَوْليتهِ عمرَ الخلافة بعدَهُ.
وقوله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ)
أي ومثل الذي وصفنا مَكنا ليوسف في الأرضِ.
(وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).
جائز أن يكون تأويل الرؤيَا، وأن يَكُونَ تأويل أحاديثِ الأنْبِيَاءِ.
* * *
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)
الأشُدُّ من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين، آتيناه حُكْماً وعِلْماً.
أي جَعَلْنَاه حَكيماً عَالِماً، ولَيْس كل عالمٍ حَكِيماً.
الحكيم العالِمُ المستعملُ علمَه، الممتنع من استعمال ما يُجَهَّلُ فيه.
وأصل أَحْكَمْتُ افي اللغَةِ مَنَعْتُ، ومن هذا حَكَمَةُ الذَائةِ، لأن الفارس
يمنع بها الدائةَ من إرَادَتِها.
(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
أي ومثل مَا وَصَفْنَا من تعليم يوسفَ نَجْزي المُحْسِنينَ.
* * *
(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)
المعنى أنها رَاوَدْته عما أرادَتْه مما يريد النساء من الرجَالِ، فَعُلِمَ بِتَرْكِهِ
ذكرَ الفَاحِشَةِ نفسها ما راودته عليه (١).
(وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ).
المعنى هَلُمَّ لَكَ، أي أَقْبل إلى مَا أَدعوكَ إليهِ.
стр. 1030
وفي (هَيْتَ لَكَ) لُغَات: يجوز هَيْتُ لك، وهَيْتِ. وأجْودها وأكثرها
هيتَ - بفتح التاء - ورُوِيتْ عنْ علي صلوات اللَّه عليه: هِيتِ لَكَ فأمَّا الفتحُ مع فتح التاء والهاء، فهو أكثر كلام العرب.
قال الشاعر:.
أبلغ أمير المؤمنين. . . أخا العِراقِ إذا أَتَيْتَا
أنَّ العِراقَْ وأهْلَهُ. . . عُنُق إليكَ فهيْتَ هَيْتا
أي فأقبل وتعالَ.
وحكى قطرب أنه أنشده بعض أهل الحجاز لطرفة بن العبد:
ليس قومي بالأبعدين إذا ما. . . قال داع من العشيرةِ هَيْت
هم يُجيبونَ ذَا هَلُمَّ سرَاعاً. . . كالأبَابِيلِ لا يُغَادَرُ بَيْتُ
رُوَيتْ عن ابن عباسٍ هِئْتُ لَكَ مهموزةً مكسورة الهاء، من الهَيْئةِ
كأنها قالت تَهَيأتُ لك، فأما الفتح في (هيْتَ) فلأنها بمنزلة الأصوات، ليس
منها فعل يتصَرَّفُ ففُتحت التاءُ لسكونها وسكون الياء، وأختير الفتح لأن قبل التاء ياء كما قالوا: كيْفَ وأيْنَ، ومن قال هيتِ لك - بكسر التاء، فلأن أصل التقاء السَّاكنين حركة الكسر، ومن قال: هَيتُ ضمها لأنها في معنى الغاياتِ، كأنها قالت: دُعائي لك، ولما حذفت الإضافةُ وتضمنتْ معناها بُنيتْ على الضم كما بُنيتْ حَيْثُ ومُنْذُ يا هذا.
وَقِراءةُ عَلِيٍّ " هِئْتُ لك " بمنزلة هيتَ
والحجة فيها كالحجة فيها مفتوحة (١).
стр. 1031
ثم قال: (مَعَاذَ اللَّهِ).
مصدر، المعنى أعوذُ باللَّهِ أَنْ أَفْعَلَ هَذا، تَقُولُ: عُذْتُ عِياذاً ومَعَاذاً.
(إِنَّهُ رَبِّي).
أي إن العزيز صَاحبي (أحْسَن مَثوايَ)، أي تَولَّانِي في طُولِ مَقَامِي
(إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
أي: إِن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما أكرمني فأنا ظالم.
[ويجوز أن يكون «إِنه ربي» يعني الله «أحسن مثواي» أي: تولَّاني في طول مُقامي.] (٢)
* * *
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)
أكثَرُ المفسِّرِين أنه هَمَّ بها حتى رأى صورة يعقوب ﵇، وهو
يقول له: يا يوسف أَتَهُمُّ بِفِعْلِ السفَهاءِ وأنت مكتوب فِي ديوانِ الأنبياء، وقيل إنه رأى في البيت مكتوباً: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢).
وهذا مذهب أهل التَفْسِير، ولسنا نشكُّ
أنه قد رأى برهاناً قطعه عَما هَمَّ به (٢).
وقال قوم: المعنى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ).
وذَهَبُوا إلى أن المعنى لَوْلاَ أن رَأَى برهان رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا.
والذي عليه المفسرون أنه هَمَّ بها وأنه جَلَسَ منها مجلس الرجُلِ من
المرأة إلا أَن اللَّه تفضل بأن أراه البُرهانَ، أَلَا تَراه قال:
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ).
والمعنى لَوْلاَ أنْ رأى بُرْهَان رَبِّهِ لأمْضَى ما هَمَّ بِه.
وليس في الكلام بكثير أتى تقول: ضربتك لولا زيد، ولا هممت بك
لولا زيد، إنما الكلام لولا زيد لهَمَمْتُ بك. و (لولا) تجابُ باللامِ، فلو
стр. 1032
كان: ولقد هَمَّتْ بِهِ وَلَهمَّ بها لولا أن رأى أي برهان رَبِّه لكان يجوز على
بعد (١).
وقوله: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ).
أي كذلك أرَيْنَاهُ البُرهَانَ لنَصْرِفَ عنه السُّوءَ والفَحْشَاءَ، فالسوءُ - خيانة
صاحبه، والفحشاء ركوب الفاحشة.
(إِنَهُ مِن عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ).
أي الذين أخلصوا، أخْلَصَهُمُ اللَّهُ مِن الأسْوَاءِ والفواحش، مثل
المُصْطَفَيْنَ.
وَقُرِئتْ مِنَ المخْلِصِينَ بكسر اللام، أي الذين أخْلَصوا دينَهُمْ للَّهِ
.
* * *
وقوله: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)
أي استبقا إلى الباب، يعني به يوسف وامرأة العزيز.
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ).
والقدُّ القطع، أي خَرقَتْه خَرْقاً انقَدَّ مِنْه.
(وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ).
أي صادفا سيدها لدى الباب فحصرها في ذلك الوقت كيدٌ لَمَّا فَاجأَتْ
سَيِّدَهَا.
(قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ).
أي ما جزاؤه إلا السِّجْن.
(أوْ عَذَابٌ ألِيمٌ).
أي عذاب مُوجع.
قال يوسف:
(هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)
стр. 1033
أي هي التِي أرادَتِ السًّوءَ.
(وَشهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أهْلِهَا).
قيل إنه رجل حكيم، وقيل إنَّه طِفْل
(إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)
أي إن كان هو المقبل عليها وهي الدافعة له عن نفسها فيجب أن تكون
خرقت قميصه من قُبُل، وإن كان هو المتباعدَ مِنْهَا، وهي التابعة له في
استباقهما فيجب أن يكون قَدُّ القَميصِ من دبُرٍ.
والقراءة من قُبُل ومن دُبُرٍ، ومن قبْل ومن دُبْرٍ.
ويجوز من قُبُل بغير تنوين، ومن دُبُر، على الغاية، أيْ مِنْ قُبْله.
أما الفتح فبعيدٌ في قوله: من قُبْلَ ومن دُبْرَ. لأن الذي يفتح يجعله مبنياً على الفتح فيشبهه بما لا ينصرف فيجعله.
ممتنعاً من الصرف لأنه معرفة ومُزَالٌ عن بابه، وهذا الوجه يجيزه البصريون.
فأمَّا قُبْلُ وقُبُلُ فالتسكين في الباء جائز، وقد روي عن ابن أبي
إسحاق الفتح والضم جميعاً، والفتح أكثر في الرواية عنه، ولا أعلم
أحداً من البصريين ذكر الفتح غَيرَه.
* * *
(فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)
أي إن قولَكِ: (ما جزاءُ مَنْ أَرَادَ بأَهلِكَ سُوءًا). . . من كَيْدِكُنَّ.
стр. 1034
فأمَّا دخول " كَانَ مع " إن " الجزاءَ، وَكونُ الفِعْلِ بعدَهَا لِمَا مَضَى ففيه
قولان:
قال محمد بن يزيد: " كان " لقوتها وأنها عبارة عن الأفعال لم تغيرها إِنِ
الجزاء الخَفِيفَةُ.
والقول الثاني أَن " كان " عبارة عَنِ الأفعَالِ - وأن كان في معنى
الاستقبال ههنا - عَبَّرتْ عن فعل ماض، المعنى إن يكن قَمِيصُهُ قُذ، أيْ إنْ
يُعْلَمْ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ قُبل فالْعِلْمُ مَا وقع بعد، فكذلك الكون لا يكون لأنه مؤدٍّ عن العلم.
* * *
(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)
معناه يا يوسف اكتم هذا الأمر ولا تذكره.
(وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ).
ويرْوى أنهُ كان قَليلَ الغَيْرَةِ.
* * *
ْوقوله : (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ).
(بَدَا) فعل استغْنى عَنْ فَاعِل.
العربُ تقولُ: قد بَدا لي بَدَاء أي تغير رأي عما كان عليه.
وأكثر العرب تقول: قد بدا لي، ولم يذكر بَدَاءً، لكثرته
لأنه في الكلام دَلِيلاً على تغير رأيه، فَتُرِكَ الفاعلُ وهُوَ مُرَاد.
ثم بين ما البَدَاءُ فقال لَيَسْجُننه حَتى حينٍ، كأنَّهم قالوا: لَيَسْجُنَنهُ، والرأي الذي كاد لهم قبل:
قيل إن العزيز أمره بالإعراض فقط ثم تغير رأيه عن ذلك.
* * *
وقوله: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)
يقال نِسوة ونُسْوة - بالضم والكَسْرِ -
وقيل: (تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ).
стр. 1035
أي عَبْدَهَا وغلامَها، لأن استعمالَهم كان للغلام المملوك أن يُسمَّى
فتى.
(قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا) (١).
أي بلغ حُبُّه إلى شِغَافَ قَلْبها، وفي الشغاف ثلاثة أقوال:
قال بعضهم الشغَاف غلاف القلب.
وقيل: هو داء يكون في الجوف في الشراسيف.
وأنشدوا:
وقد حال هَمُّ دون ذلك دَاخِلُ. . . دخولَ الشغَافِ تبتَغِيه الأصَابعُ
وقد قُرِئَتْ شَعَفَها بالعين، ومعنى شعَفها ذهب بها كل مذهب مشتق من
شَعَفَاتِ الجبال، أي رُؤوس الجبال، فإذا قلت فلان مشعُوف بكذا، فمعناه أنه قد ذهب به الحبِّ أقصى المذاهب.
* * *
(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)
إن قال قائل: لم سُمِّيَ قولُهنَّ مكراً؟
فالجواب فيه أنها قد أطلعتهن، فاسْتَكْتَمَتْهُنَّ فمكرنَ بها وأَفْشَيْنَ سِرها، فلما سمعت بما فَعَلْنَ أرادت أَنْ يُوقَعْني فيما وقعت فبه فأرسلت إليهن.
(أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً).
(اعْتَدَتْ) أفعلت من العَتَادِ، وكل ما اتخَذْتَه عُدةً للشيء فهو عَتَادَ ومعنى
(مُتَّكَأً) ما يُتكأ عليه لطعام أو شَرَاب أو حديث.
стр. 1036
(وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ).
يعالجن بالسكين ما يأكلْنَ، وقال بعضهم مُتْكَأً، وقالوا واحدته مُتْكَة
وهي الأتْرُجُّ. والقراءة الجيدة (مُتْكَأً) بالهمز، يقال: تِكئَ الرجلُ - يتْكَأُ، تُكَأً، والتكَا أصله من وكَأت، وإنما متكأ مفتعل، وأصله موتكأ مثل مُوتَزن منَ الوزن (١).
(وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ).
إن شئت ضممت التاء، وإن شئت كسرتَ، والكسر الأصل لسكون التاء
والخاء، ومن ضم التاء فلثقل الضمة بعد الكسرة.
وأعتدت لهن الطعام وجعلت في أيديهن السكاكين، وأمرته بالخروج عليهن في هيئته، ولم يكن يتهيأ له أن لا يخرج؛ لأنه بمنزلة العبد لها.
(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ).
أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فَدَهِشْنَ لَمَّا رأينَه فَخَدشْنَ
أيديَهُن.
ولم يقطعن الأيدي حتى تَبيَن منهنَّ.
وهذا مسْتعمل فى الكلام.
يقول الرجل: قد لطعت يدِي. يعني أنك قد خدشتها.
ومعنى (أَكْبَرْنَهُ) أعظمنه.
ويقال: (أَكْبَرْنَهُ) حِضْنَ.
وقد رُوِيتْ عن مجاهد.
وليس ذلك بمعروف في اللغة.
وقد أنشدوا بيتاً في هذا وهو قوله:
يَأْتي النساءَ على أَطْهارِهِنّ ولا. . . يَأْتي النساءَ إِذا أَكْبَرْنَ إِكْباراً
стр. 1037
وهذه اللفظة ليست بمعروفة في اللغة.
والهاء في (أَكْبَرْنَهُ) تنفي هذا؛ لأنه لا يجوز أن يقول: النساء قد حِضْنَهُ يا هذا؛ لأن حضن لا يتعدى إلى مفعول.
(وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ).
وحاشا للَّهِ، يقرأان - بحذف الألف وإثباتها - ومعناه الاستثناء.
المعنى فيما فسَّره أهل التفسير: وقلْنَ: معاذ اللَّه ما هذا بشراً.
وأما على مذهب المحققين من أهل اللغة، فحاشا مشتقة من قولك:
كنْت في حشا فُلانٍ، أي في ناحية فلانٍ، فالمعنى في " حَاش للَّهِ، بَرأَهُ اللَّه
من هذا. من التَّنَحِّي، المعنى قد نحَّى الله هذا مِنْ هَذَا، إذا قلت حاشا لزيد
من هذا فمعناه قد تنحَّى زيد من هذا، وتباعد منه، كما أنك تقول قَدْ تَنحَّى
من الناحية، وكذلك قد تحاشى، من هذا الفِعْلِ (١).
* * *
وقوله : (مَا هَذَا بَشَرًا).
هذه القراءة المعروفة، وقد رُوَيتْ: ما هذا بِشِرى، أي ما هذا بعد
مُشْتَرى.
وهذه القراءة ليست بشيء، لأن مثل بِشِريٍّ " يكتب في المصحف
بالياء (٢).
وقولها: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)
" مَلَك " مطابق في اللفظ لِبَشرٍ.
وسيبويه، والخليل وجميع النحويين القدماء يزعمون أَن بشراً منصوب
стр. 1038
خبرَ مَا، ويجعلونه بمنزلة ليس وَ " مَا " مَعناها معنى ليس في النفي، وهذه
لغة أهل الحجاز، وهي اللغَةُ القُدْمَى الجيدَةُ.
وزعم بعضهم أن الرفْعَ في قولك: (مَا هَذَا بَشَرًا) أقْوى الوجهين، وهذا غلط، لأن كتاب اللَّه ولغة رسول اللَّه أقْوى الأشياء وأقوى اللغات.
ولغة بني تميم: ما هذا بشر.
ولا تجوز القراءة بها إلَّا بروايةٍ صَحيحةٍ.
والدليل على ذلك إجماعهم على: (مَا هُنَّ أمَّهَاتِهِمْ)
وما قرأ أحَد ما هُنَّ أُمَّهَاتُهمْ.
* * *
وقوله: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)
(لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ).
القراءة الجيدة تخفيف لَيَكُونًا. والوقوف عليها بالألف، لأن النون
الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف، تقول: اضْرباً زيداً، فإذا وقفت قلت:
اضربَا، كما أبدلت في: رأيتُ زيداً الألف من التنوين، وقد قرئت: ولتكونَنَّ - بتشديد النُّونِ، وأكرهها لخلاف المصحف، لأنَّ الشديدة لا يُبْدَلُ منها شيء.
(مِنَ الصَّاغِرِينَ). مِنَ المذَلِّيِنَ.
* * *
(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)
والسَّجْن جميعاً - بكسر السين وفتحها - فمن فتح فعلى المصدر.
المعنى أَنْ أُسْجَنَ أَحبُّ إليَّ، ومن كسرَ فعَلَى اسم المكَانِ، فيكون المعنى:
نُزولُ السجنِ أَحبُّ إليَّ مِمًا يَدْعُونَنِي إليْهِ، أي من ركوب المعصية.
(وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ).
أي إلا تعْصِمْني أَصْبُ إليْهِنَّ، أَي أَمِلْ إلَيْهن. يقال: صبا إلى اللَّهْوِ
يصبو صُبُوًّا، وصِبِيًّا، وَصَبًّا، إذا مالَ إلَيْه (١).
стр. 1039
وقال: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ). . وجائز أن يكون يَعْني امرأة
العزيز وحدها، ألا أنه أراد كيْدَها وكيدَ جميع النساء، وجَائز أن يكون كيدَها وكيدَ النِسْوَةِ اللاتِي رَأَيْنَ يوسُف حِينَ أرَتهُن إيَّاهُ.
* * *
(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)
ولم يقل فحبس لأن في قوله: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ) دليلاً أنه حُبسَ.
و" فَتَيان، جَائز أَنْ يكونَا حَدَثَيْنِ أوْ شَيْخَيْن، لأنهم كانوا يُسَمونَ المملوك فَتًى.
(قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا).
ولم يقل إني أراني في النوم أعْصِرُ خَمراً، لأن الحال تدُلُّ على أنه ليس
يرى نفسه في اليقظة يَعْصِرُ خَمراً.
وقال أهل اللغة: الخمرُ في لُغَةِ عُمَان اسم للْعِنَبِ، فكأنَّه قال: أراني أعصر عِنَباً، ويجوز أن يكونَ عَنَى الخمْرَ بعينها، لأنه يُقَالُ للذِي يَصْنَعُ من التَمْرِ الدبْس هذا يَعْمَلُ دِبْساً، وإنَّمَا يعْمَلُ التمرَ حتَى يصيرَ دِبْساً، وكذلك كل شيء نُقِلَ مِنْ شيء.
وكذلك قوله أعصِرُ خمراً، أي أعصِرُ عِنَبَ الخمْرِ أي العِنَبَ الَّذِي يكونُ عَصِيرُه خمراً.
(وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ).
أي تأويل ما رأينا.
وقولهما (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) يدل على أنهما رأيا ذلك في النوم، لأنه لا تأويل
لرُؤية اليقظة غير ما يراه الإِنسان.
(إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
стр. 1040
جاء في التفسير أنه كان يعين المظلوم وينصر الضعيف، ويعود العليل.
وقيل من المحسنين، أي ممن يُحسِنُ التأويل. وهذا دليل أنَّ أمر الرؤيا
صحيح، وأنها لم تزل في الأمم الخالية، ومن دفع أمر الرؤيا وَأنَّه منها ما
يصح فليس بمسلم لأنه يدفع القرآن والأثر عن رسول الله ﷺ لأنه روي عن رسول الله أن الرؤيا جزء من أربعين جزءاً من النبوة.
وتأويله أن الأنبياء يُخْبِرُونَ بما سَيَكُون.
والرؤيا الصادقة تدل على ما سيكونُ.
* * *
(قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)
وليس هذا جواب ما سألا عنه، إنما سألا أن يخبر هما بتأوِيلِ مَا رَأياه
فأحب يوسف ﵇ أن يدعُوهما إلى الِإيمان وأن يعلمهما أنه نَبي، وأن
يدلهما على نبوته بآية معجزة، فأعلمهما أنه يخبرهما بِكلِّ طَعَام يؤتيان به قبل
أن يرياه، ثم أعْلَمَهُما أن كل ذلك مما عرفه الله إياه فقال:
(ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي).
أي لست أخبركما عَلَى جِهَةِ التَكَهُّنِ، والتنَجُّمِ، إنما أخبركما بِوَحي
منَ اللَّهِ وعِلْمٍ، ثم أعْلَمَهمَا أن هذا لا يكون إلا لمؤمِنٍ بِنَبِي فقال:
(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)
أي اتباعا الِإيمان بتوفيق اللَّه لنا بفضله علينا (وعلى الناس) بأن دلهم
على دينه المؤدِّي إلى صلاحهم.
стр. 1041
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ)
ثم قال لهما:
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)
فَدَعَاهم إلى توحيد اللَّه بعد أنْ علمهما أنه يخبرهما بالغيب، ثم قال
(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)
أي أنتم جعلتم هذه الأسماء آلهةً.
ثم أخبرهم بتأويل الرؤيا بعد أن دعاهم إلى الإيمان.
فأما تكرير قوله هم فعلى جهة التوكيد.
* * *
وقوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)
فكان هذا صاحبَ شَراب الملك، فأعلمه أن تأويل ما رأى هو هذا.
ويجوز فيُسْقِي، والأجود فيَسْقِي، تقول سقيته بمنزلة ناولته فشرب.
وأسقيته جعلْتُ له سَقْياً، تقول أسقيته من كذا وكذا أي جعلت له سقياً.
* * *
وقوله : (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ).
لَمَّا تأول لهما الرؤيا قال الذي أنْبَأهُ بأنَّه يُصْلَبُ أنه لم يَرَ شَيئاً فأعلَمه
أنَّ ذلك واقع به وإنْ لَمْ يَرَ، كما أعْلَمَهُمَا بخبر ما يَأتِيَهما من الطعام.
* * *
(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
أي عند الملك صاحبك.
(فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ).
стр. 1042
أنسى يُوسُفَ الشيطانُ أن يَذْكُرَ اللَّهَ.
(فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
اختلفوا في البِضَعْ فَقَال بعضهم: البضع ما بين الثلاث إلى الخمس.
وقال قطرب إلى السبع.
وقال الأصمعي وهو القول الصحيح: البضْعُ ما بين
الثلاث إلى التَسْع، واشتقاق البضْع والبَضْعَةِ مِنْ قَطَعْتَ الشيءَ
فمعناه القِطعَة ممن العَدَدِ، فَجُعِلَ لِمَا دُون العَشَرةِ من الثلاث إلى التًسع.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)
(سَبْعٌ عِجَافٌ).
العجَاف التي قد بلغت في الهُزَالِ الغايةَ والنهايَةَ.
(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ).
الملأ الذين يرجع إليهم في الأمور، ويقتدي بآرائهم.
(إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ).
هذه اللام أدخلت على المفعول لِتُبيُنَ المعنى إن كنتم تعبرون، وعابرين
ثم بين باللام فقال للرؤيا.
ومعنى عبَّرت الرؤيا وعَبَرْتُها خبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها.
واشتققته من عَبْرِ النهْرِ، وهو شَاطِئ النهْرِ، فتأويل عبرت النَهْرَ، أي بلغتُ إلى عِبْرِه، أي شاطئه، وهو آخر عَرْضِهِ.
* * *
(قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)
والضغث في اللغة الحُزْمةُ والباقَةُ من الشيء، كالبقل وما أشبهه، فقالوا
له: رُؤْياكَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، أي حُزَم أخلاطٍ ليست برؤيا بينةٍ.
стр. 1043
(وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ).
أي ليس للرؤية المختلطة عندنا تأويل.
* * *
(وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)
أي بعد حين، وقرأ ابن عباس: واذَّكرَ بَعْدَ أمَهٍ، والأمهُ النسيَانُ، يقال
أمِهَ يَأمَهُ أمَهاً. هذا الصحيح بفتح الميم، وروى بعضهم عن أبي عبيدة: أمْهُ
بسكون الميم، وليس ذلك بصحيح عنه، لأن المصدَرَ أنه يأمَهُ أمَهٌ لا غير.
وقرأ الحسَنُ: أنا آتيكم بتأويله، وأكرهها، لخلاف المصحف.
(وَادَّكَرَ) أصله واذْتَكَرَ، ولكن التاء أبدل منها الذال وأدغمت الذالُ في
الدال.
ويجوز واذَّكر بالذال، والأجود الدال (١).
وقوله : (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)
أراد يا يوسف، والندَاء يجوز في المعرفة حذف يا منه، فتقول: يا زيد.
أقبل، وزيدُ أقبل.
قال الشاعر:
محمد تفد نفسك كل نفس. . . إذا مَا خِفْتَ مِن أمْر تَبَالا
أرادَ يَا مُحَمدُ.
والصًذيق المبالغ في الصِّدْقة، والتصديق.
وقوله: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ).
أي لعلهم يعلمون تأويل رؤيا الملك، ويجوز أن يكون: لعلهم يعلمون
стр. 1044
مكانك فيكون ذلك سبب خَلَاصِكَ من الحبْسِ.
* * *
(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)
أي تَدْأبُونَ دَأباً، ودَلَّ على تَدْأبُونَ (تَزْرَعُونَ).
والدَّأبُ الملازمَةُ للشيء والعادةُ.
وقوله: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)
(وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).
وقُرئت: وفيه يُعْصَرَونَ، فمن قال وفيه يَعْصِرونَ بالياء أيْ يأتي العام بعد
أرْبَعَ عشرةَ سنةً الذي فيه، يُغَاث الناس فيَعصِرونَ فيه الزيْتَ والعِنبَ.
ومن قرأ يُعْصَرونَ أرَادَ يُمْطَرُونَ، من قوله: (وَأنْزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَخاجاً "، وَمَنْ
قرأ: وَفِيه تَعْصِرون، فإن شاء كان على تأويل يَعْصِرُونَ، وأن شاء كان على
تأويل وفيه تَنْجوْنَ من البلاء، وتعتصمون بالخِصْب.
قال عَدِي بنُ زَيْدٍ:
لو بغير الماء حلقي شَرِق. . . كنت كالغضانِ بالماء اعتصَارِي
ويقال: فلان في عَصَرٍ وفي عُصْرٍ، إذا كان في حِصْنٍ لا يُقْدَرُ عليه.
* * *
وقوله سبحانه: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)
لما أعْلِمَ بمكانه من العلم بالتأويل طَلَبَه
(قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ).
أي إلى صاحبك، ورب الشيء صاحبُه
стр. 1045
(فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ).
ويجوز اللائي قطعْن، أي اسألْه أن يستعمِل صحةَ بَراءَتِي مما قُرِفْتُ به.
وُيرْوَى أنَّ النبي ﷺ قال: لو كنت في مكان يوسف ثم جاءني الرسول لبادرت إليه أنه ﷺ استحسن حزم يوسف وصَبْرَه حين دعاه الملكُ فلم يبادِرْ إليه حتى يعلَمَ أنه قد استقر عند الملك صحةُ بَراءَتِه.
* * *
(قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)
لم يفرد يوسفُ ﵇ امرأة العزيز بالذكر، حُسْنُ عِشْرَةٍ منه
وَأدَبٍ. فخلطها بالنسْوةِ.
وقوله: (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ).
قُرِئَتْ " حَاشَ للَّهِ " و " حَاشا لِلَّهِ" وقرأ الحسنُ: حَاشْ للَّهِ بتسكين الشين.
ولا اختلاف بين النحويين أن الِإسْكَانَ غير جائزٍ، لأن الجَمْعَ بين ساكنين لا
يجوز ولا هُوَ مِنْ كَلام العَرَب.
(مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ).
فأعلم النسوةُ الملكَ ببراءة يوسفَ، وقالت - امرأة العزيز:
(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ).
أي بَرَزَ وتبيَّن، واشتقَاقَه في اللغة من الحِصَّةِ، أي بانت حصَّةُ الحق
وجهتُه من جهة الباطل.
* * *
(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)
هذا قول يُوسفَ ﵇، المعنى إني أردت التبيين للمَلِكِ أمْرَ
أمرأته والنسوة، ليعلم أني لم أخنه بالغيب.
و" ذلك " مرفوع بالابتداء، وإن شئت عَلَى خَبرِ الابْتِداء.
كأنَّه قال: أمْري ذَلِكَ.
стр. 1046
وُيروَى أن جبريل ﵇ قال له: ولا حِينَ حلَلْتَْ التكة (١)، وقيل ولا
حين هممت، فقال:
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)
موضع ما نصب على الاستثناء.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)
(أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي).
جزم جواب الأمر، ومعنى أَسْتَخْلِصْهُ: أي أجْعَلْه خالصاً لي، لا يشركني
فيه أحد.
(فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)
أي عرفنا أمانتك وبراءتك مما قرفت به.
* * *
(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)
أي على أموالها
(إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).
أي أحْفظها وأعلمُ وُجُوهَ مُتصَرفَاتها، وإنماسأله أن يجعله على خزائن
الأرض لأن الأنبياء بُعِثُوا في قامة الحق والعدْلِ ووضع الأشياء مواضعَها، فعلم يوسف ﵇ أنه لا أحد أقوَمُ بذلك منه، ولا أوضَعُ له في مواضعها. .
فسأل ذلك إرادة للصلاح.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)
وهذا - واللَّه أعلم - قد كان قبله كلام جرَّ إليه ما يُوجب طلبَ أخيهم
منهم، - لأنه لا يقول ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ من غَير أن يجريَ مَا يُوجِبُ
هذا القول. فكأنَّه - واللَّهُ أعلم - سألهم عن أخبارهمْ وأمْرِهِم وعدَدِهم، فاجْتَرَأ لقول هذه المسألة.
стр. 1047
(أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).
لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم.
* * *
وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)
القراءة بكسر التُون، ويجوز الفتح بفتح النون لأنها نون جماعة كما
قال: (فَبِمَ تُبَشرُونَ) بفتح النون، وتكون (وَلَا تَقْرَبُونِ) لفظه لفظ الخبر
ومعناه معنى الأمر.
* * *
(قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)
(وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) توكيد.
* * *
(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)
(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ).
ولفِتْيَيهِ، قُرِئَتَا جميعاً، والفتيان والفتية المماليك في هذا الموضع.
(اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وفي هذا وجهان، أي إذا رأوا بضاعتهم مردودة عليهم، علموا أن ما
كيلَ لهم مِنَ الطعام لم يؤخذ منهم ثمنُه، وأن وضع البضاعة في الرحال لم
يكن إلا عن أمْر يُوسُفَ، ويجوز أن يكون (لعلهم يَرْجِعُونَ) يَرُّدون البضاعة.
لأنها ثمن ما اكتالوه. ولأنهم لا يأخذون شيئاً ألا بثمنه.
* * *
وقوله : (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)
(فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
أي إن أرسلته معنا اكتلنا، وإلا فقد مُنِعْنَا الكيلَ.
* * *
(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)
стр. 1048
أي كذلك قلتم لي في يوسف: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢).
فقد ضمنتم لي حفظ يوسف وكذلكم ضمانكم هذا عندي.
(فَاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظاً).
وتقرأ (حَافِظًا). وحفظاً منصوب على التمييز، و (حَافِظًا) منصوب
على الحال، ويجوز أن يكون حافظاً على التمييز أيضاً.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)
(وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ).
وتقرأ رِدَّتْ بكسر الراء، والأصل رُدِدَتْ، فأدغمت الدال الأولى في
الثانية وبقيت الراء مضمومةً.
ومن كسر الراء جعل كسرتها منقوله من الدال.
كما فعل ذلك في قِيلَ وبيع لتدل أن أصلَ - الدال الكسر.
وقد حكى قطرب أنه يقال في ضُرِبَ زيد؛ ضُرْبَ زَيْدٌ وضِرْبَ زيدٌ -
بكسر الضاد. أسكن الراء، ونقل كسرتها إلى الضاد.
وعلى هذه اللغة يجوز في كَبِدٍ كِبْد.
* * *
(قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي).
أي ما نريد، وما في موضع نصب، المعنى أي شيء نريد وقد رُدَّتْ
علينا بضاعتنا، ويجوز أن يكون (ما) نفياً، كأنَّهم قالوا ما نبغي شيئاً.
(هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا).
(وَنَمِيرُ أهْلَنَا).
يقال: مِرْتُهم أميرهم ميراً إذا أتيتهم بالمير.
(وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ).
لأنه كان يكال لكل رجل وقْرُ بَعير.
(ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ).
стр. 1049
أي ذلك كيل سهل، أي سهل على الذي يمضي إليه.
* * *
(قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)
(إلا أنْ يُحَاطَ بِكُمْ).
فموضع أن نصب، والمعنى لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا لإحَاطَةٍ بِكُمْ، أي لا لتمتنعوا
من الإتيان به إلا لهذا، وهذا يسمى مفعولاً له، وإلا ههنا تأتي بمعنى تحقيق
الجزاء، تقول: ما تأتي - إلا لأخْذِ - الدرَاهِم وإلا أن نأخذ الدراهم، ومعنى الإحاطة بهم، أنه يحال بينهم وبينه فلا يقدروا على الإتيان به.
* * *
(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)
قد خاف عليهم العين، وأمر العين صحيح - واللَّه أعلم - وقد روي عن
النبي ﷺ أنه عَوّذَ الحسَنَ والحسيْنَ فقال في دعوته: وأعيذكما من كل عين لامَّة.
* * *
وقوله: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)
أي إلا خوف العين، وتأويل (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)
قُدَّرَ أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم مجتمعين.
وجائز أن يكون: لايغني مع قضاء الله شيء.
(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ).
أي لذو علم لتعليمنا إياه، ونصب حاجة استثناء ليس من الأول، المعنى
لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)
(آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ)
أي ضَمَّ إليه أخاه.
(فَلَا تَبْتَئِسْ): أي لا تحزن ولا تستكن
стр. 1050
(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)
ْأي أعلم معلم، يقال آذنته بالشيء فهو مُؤذَن به أي أعلمته وأذنت أكثرت الإعلام بالشيء.
(أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ).
المعنى: يا أيها الأصحاب للعير، ولكن قال: أيتها العير، وهو يريد أهل
العير، كما قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) يريد أهل القرية وأَنَّثَ " أيَّا " لأنه جعلها للعير.
* * *
وقوله: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)
وقرئت " صَوَاعَ الملك "، وقرئت " صَاعَ الملكِ "، قرأ أبو هريرة صاغ
الملك، وقرئت صوغ الملك - بالغين معجمة.
(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ).
أي حمل بعير من الطعام
(وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)
أي كفيل.
الضواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وكذلك الصاعُ يذكر
ْويؤنث، وجاء في التفسير أنه إناء مستطيل يشبه المكوك، كان يشرب به
الملكُ، وهو السقاية. وقيل إنه كان مصنوعاً من فضة مموَّهاً بذهب.
وقيل إنه كان من مِسٍّ، وقيل إنه كان يشبه الطاسَ.
* * *
(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)
معنى تَاللَّهِ: واللَّه، إلا أن التاء لا يقسسم بها إلا في (اللَّه) لا يجوز
تالرحمن ولا تَرَبِّي لأفعلنَّ، والتاء بدل من الواو كما قالوا في وراثٍ تُراث،
стр. 1051
وكما قالوا - يتزِنُ، وأصله يَوْتَزِنُ مِنَ الوزن وإنَّمَا قالوا: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ)، لأنهم كانوا لا يَنْزِلُونَ على قوم ظلماً.
ولا يرعون زرع أحَدٍ
وجعلوا على أفواه إبلهم الأكفةَ لئلا تعبث في زرع، وقالوا:
(وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ).
لأنهم قد كانوا فيما روي ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، أي
فمن رَدَّ مَا وَجَده كيف يكون سارقاً.
* * *
(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)
أي مِثْلُ هذا الجزاءِ نجزي الظالمين، وكان جزاء السارق عندهم أن
يُستَعْبَدَ بسَرقَتِهِ، يَصيرُ عَبْداً لأنه سرق.
فأمَّا رفعُ (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) فمن جهتين:
أحدهما أن هو جزاؤه ابتداء، ويكون من وجد في رحله الخبر، ويكون المعنى جزاء السَّرق الإنسانُ الموجود في رحله السَّرَقُ.
ويكون قوله (فَهُوَ جَزَاؤُهُ) زيادةً فى الإبانة.
كما تقول: جزاء السارق القطع فهو جزاؤه. فهذا جزاؤه، زيادةٌ في الإبانة.
ويجوز أن يكون يرتفع بالابتداء، ويكون (مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ).
هذه الجملة خبر الجزاء، والعائد عليه من الجملة " جَزَاؤُهُ " الذي بعد
قوله " فهو "، كأنَّه قيل: قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، أيْ فهو
الجزاء، ولكن الإظهار كان أحسن ههنا لئلا يقع في الكلام لبس، ولئلا
يتوهم أن (هو) إذا عادت ثانية فليست براجعة على الجزاء، والعرب إذا
أقحمت أمر الشيء جعلت العائد عليه إعادة لفظه بعينه.
أنشد جميع النحويين:
стр. 1052
لا أرى الموت يسبق الموت شيء. . . نغص الموتُ ذا الغنى والفقيرا
ولم يقل: لا أرى الموت يسبقه شيء.
* * *
وقوله : (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)
(ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ).
رجع بالتأنيث على السقاية، ويجوز أن يكون أنث الصواع.
(كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ).
أي في سيرة الملك، وما يدين به الملك، لأن السارق في دين الملك
كان يغرم مِثْلَي مَا سَرِقَ، وكان عند آل يعقوبَ وفي مَذْهَبِهِم أنْ يَصِيرَ السارقُ عَبْداً يَسْتَرِقَهُ صاحب الشيء المسروق.
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
موضع (أَنْ) نصب، لما سقطت الباء أفضى الفعل فنصب، المعنى ما كان
ليأخذ أخاه في دين الملك إلا بمشيئة اللَّه.
(نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ).
على إضافة الدرجات إلى " من " ويجوز (دَرَجَاتٍ) بالتنوين، على أن يكون
(مَنْ) في موضع نصب، المعنى نرفع من نشاء دَرَجاتٍ. ويجوز رفع درجات
من نشاء، وهي حسنة، ولا أعلمها رُوِيتْ فلا تقرأن بها إن لم تصح
فيها رواية.
(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).
قيل في التفسير: فوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى اللَّهِ
.
* * *
(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)
стр. 1053
يعنون يوسف، ويروى أنه كان فى صغره أخَذَ صُورَةً مما كان يتعبد به
بعض من يخالف أهْلَ مِلَّةِ الإسلام من ذهب، وهذا الذي أخذه كان على
جهة الإِنكار، لئلا يُعظَّمَ مثل ذلك
(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ).
أي لبم يظهرها لهم.
(قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا).
وهذا إضمار على شريطة التفسير، لأن قوله (قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) بَدَلٌ
من (ها) في قوله: (فَأَسَرَّهَا).
المعنى: فَأَسَرَّ يوسف في نفسه قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)
المعنى - واللَّه أعلم - (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) في السرقِ بالصحَةِ لأنكم
سَرَقْتُمْ أخَاكُمْ مِنْ أبيكم.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).
أي اللَّه أعلمُ أسرق أخ لَهُ أمْ لا.
* * *
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)
والعزيز الملك
(إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا).
(شَيْخًا). من نعت أبٍ، وأبٌ مَنْصُوبٌ بـ (إنَّ) و (كَبِيرًا) من نعت شيخ.
(فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
أي ممن يُحسِنُ ولا يُعَامِلُ بالتحديد في واجب لأنه كان أعطاهم الطعام
وأعطاهم ثمنه في رده البضاعة لهم، فطالبُوه بأن يُحْسِنَ.
стр. 1054
(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)
(مَعَاذَ اللَّهِ) منصوب على المصدر المعنى أعوذ باللَّهِ مَعاذاً، وموضع أن
نَصْبٌ، المعنى أعوذ باللَّهِ من أخذ أحَدٍ إلا مَنْ وَجَدْنا متاعنا عنده، فلما
سَقَطَتْ (من) أفضى الفعل فنصب.
(إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ)
أي إن أخذنا غيره فنحن ظالمون.
* * *
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)
المعنى خَلَصوا يَتَناجَوْنَ، أي خَلَصُوا مُتَنَاجِينَ فيما يعملُون في ذهابهم
إلى أبيهم، وليس معهم أخوهم، و " نجِيٌّ " لفظ واحد في معنى جمع، وكذلك (وإذْ هُمْ نَجْوَى).
ويجوز قوَم نجيٌّ وقوم نَجْوَى وقوم أَنْجِية.
قال الشاعرُ
إني إذا ما القومُ صاروا أنْجيَهْ
واختلف القولُ اختلاف الأرْشِيَة
هناكَ أوصيني ولا توصي بَيهْ
ومعنى خلصوا انفردوا وليس معهم أخوهم.
* * *
وقوله : (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ).
أجِود الأوجه أن يكون (مَا) لغواً، فيكون المعنى: وَمِنْ قَبْلُ فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ - ويجوز أن يكون ما في موضع رفع، فيكون المعنى ومن قَبْلِ
стр. 1055
تفريطكم في يوسف، أي وقع تفريطكم في يوسف، ويجوز أن يكون (ما) في
موضع نصْبٍ نسق على (أنَّ)، المعنى ألم تعلموا أن أباكم، وتعلموا تفريطبهم في يوسف.
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي).
أي لن أبرح أرض مصر، وإلا فَالناس كلهم على الأرض.
(أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي).
نسق على (حَتَّى يَأْذَنَ)، ويجوز أن يكون " أو " على جَوابِ " لَنْ "
المعنى لن أبرح الأرض حتى يحكم اللَّه لي.
* * *
وقوله: (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)
(إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ).
ويجوز سُرقَ، إلا أن سرق آكد في القراءة، وسُرِّقَ يكون على ضربين، "
سُرِّق عُلِم أَنهُ سَرَقَ، وسُرِّق اتهمَ بالسرق.
* * *
ْ (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)
أي زيَّنت لكم أنفسكم وحببت إليكم أنفسكم.
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).
المعنى فأمري صبر جميل أو فصبري صبر جميل، وقد فسرنا هذا فيما
سبق من السور:
* * *
وقوله : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)
(يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)
معناه يا حزناه، والأصل يا أسفي إلا أن " يا " الإضافة يجوز أن تبدل ألفاً
لخفة الألف والفتحة.
(فَهُوَ كَظِيمٌ) أي محزون.
* * *
(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)