← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وكما قالوا - يتزِنُ، وأصله يَوْتَزِنُ مِنَ الوزن وإنَّمَا قالوا: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ)، لأنهم كانوا لا يَنْزِلُونَ على قوم ظلماً. ولا يرعون زرع أحَدٍ وجعلوا على أفواه إبلهم الأكفةَ لئلا تعبث في زرع، وقالوا: (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ). لأنهم قد كانوا فيما روي ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، أي فمن رَدَّ مَا وَجَده كيف يكون سارقاً. * * * (قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) أي مِثْلُ هذا الجزاءِ نجزي الظالمين، وكان جزاء السارق عندهم أن يُستَعْبَدَ بسَرقَتِهِ، يَصيرُ عَبْداً لأنه سرق. فأمَّا رفعُ (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) فمن جهتين: أحدهما أن هو جزاؤه ابتداء، ويكون من وجد في رحله الخبر، ويكون المعنى جزاء السَّرق الإنسانُ الموجود في رحله السَّرَقُ. ويكون قوله (فَهُوَ جَزَاؤُهُ) زيادةً فى الإبانة. كما تقول: جزاء السارق القطع فهو جزاؤه. فهذا جزاؤه، زيادةٌ في الإبانة. ويجوز أن يكون يرتفع بالابتداء، ويكون (مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ). هذه الجملة خبر الجزاء، والعائد عليه من الجملة " جَزَاؤُهُ " الذي بعد قوله " فهو "، كأنَّه قيل: قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، أيْ فهو الجزاء، ولكن الإظهار كان أحسن ههنا لئلا يقع في الكلام لبس، ولئلا يتوهم أن (هو) إذا عادت ثانية فليست براجعة على الجزاء، والعرب إذا أقحمت أمر الشيء جعلت العائد عليه إعادة لفظه بعينه. أنشد جميع النحويين:

стр. 1052

لا أرى الموت يسبق الموت شيء. . . نغص الموتُ ذا الغنى والفقيرا ولم يقل: لا أرى الموت يسبقه شيء. * * * وقوله : (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ). رجع بالتأنيث على السقاية، ويجوز أن يكون أنث الصواع. (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ). أي في سيرة الملك، وما يدين به الملك، لأن السارق في دين الملك كان يغرم مِثْلَي مَا سَرِقَ، وكان عند آل يعقوبَ وفي مَذْهَبِهِم أنْ يَصِيرَ السارقُ عَبْداً يَسْتَرِقَهُ صاحب الشيء المسروق. (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ). موضع (أَنْ) نصب، لما سقطت الباء أفضى الفعل فنصب، المعنى ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا بمشيئة اللَّه. (نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ). على إضافة الدرجات إلى " من " ويجوز (دَرَجَاتٍ) بالتنوين، على أن يكون (مَنْ) في موضع نصب، المعنى نرفع من نشاء دَرَجاتٍ. ويجوز رفع درجات من نشاء، وهي حسنة، ولا أعلمها رُوِيتْ فلا تقرأن بها إن لم تصح فيها رواية. (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ). قيل في التفسير: فوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى اللَّهِ . * * * (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)

стр. 1053

يعنون يوسف، ويروى أنه كان فى صغره أخَذَ صُورَةً مما كان يتعبد به بعض من يخالف أهْلَ مِلَّةِ الإسلام من ذهب، وهذا الذي أخذه كان على جهة الإِنكار، لئلا يُعظَّمَ مثل ذلك (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ). أي لبم يظهرها لهم. (قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا). وهذا إضمار على شريطة التفسير، لأن قوله (قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) بَدَلٌ من (ها) في قوله: (فَأَسَرَّهَا). المعنى: فَأَسَرَّ يوسف في نفسه قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) المعنى - واللَّه أعلم - (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) في السرقِ بالصحَةِ لأنكم سَرَقْتُمْ أخَاكُمْ مِنْ أبيكم. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ). أي اللَّه أعلمُ أسرق أخ لَهُ أمْ لا. * * * (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) والعزيز الملك (إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا). (شَيْخًا). من نعت أبٍ، وأبٌ مَنْصُوبٌ بـ (إنَّ) و (كَبِيرًا) من نعت شيخ. (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). أي ممن يُحسِنُ ولا يُعَامِلُ بالتحديد في واجب لأنه كان أعطاهم الطعام وأعطاهم ثمنه في رده البضاعة لهم، فطالبُوه بأن يُحْسِنَ.

стр. 1054

(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) (مَعَاذَ اللَّهِ) منصوب على المصدر المعنى أعوذ باللَّهِ مَعاذاً، وموضع أن نَصْبٌ، المعنى أعوذ باللَّهِ من أخذ أحَدٍ إلا مَنْ وَجَدْنا متاعنا عنده، فلما سَقَطَتْ (من) أفضى الفعل فنصب. (إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ) أي إن أخذنا غيره فنحن ظالمون. * * * (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) المعنى خَلَصوا يَتَناجَوْنَ، أي خَلَصُوا مُتَنَاجِينَ فيما يعملُون في ذهابهم إلى أبيهم، وليس معهم أخوهم، و " نجِيٌّ " لفظ واحد في معنى جمع، وكذلك (وإذْ هُمْ نَجْوَى). ويجوز قوَم نجيٌّ وقوم نَجْوَى وقوم أَنْجِية. قال الشاعرُ إني إذا ما القومُ صاروا أنْجيَهْ واختلف القولُ اختلاف الأرْشِيَة هناكَ أوصيني ولا توصي بَيهْ ومعنى خلصوا انفردوا وليس معهم أخوهم. * * * وقوله : (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ). أجِود الأوجه أن يكون (مَا) لغواً، فيكون المعنى: وَمِنْ قَبْلُ فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ - ويجوز أن يكون ما في موضع رفع، فيكون المعنى ومن قَبْلِ

стр. 1055

تفريطكم في يوسف، أي وقع تفريطكم في يوسف، ويجوز أن يكون (ما) في موضع نصْبٍ نسق على (أنَّ)، المعنى ألم تعلموا أن أباكم، وتعلموا تفريطبهم في يوسف. (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي). أي لن أبرح أرض مصر، وإلا فَالناس كلهم على الأرض. (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي). نسق على (حَتَّى يَأْذَنَ)، ويجوز أن يكون " أو " على جَوابِ " لَنْ " المعنى لن أبرح الأرض حتى يحكم اللَّه لي. * * * وقوله: (ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ). ويجوز سُرقَ، إلا أن سرق آكد في القراءة، وسُرِّقَ يكون على ضربين، " سُرِّق عُلِم أَنهُ سَرَقَ، وسُرِّق اتهمَ بالسرق. * * * ْ (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) أي زيَّنت لكم أنفسكم وحببت إليكم أنفسكم. (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ). المعنى فأمري صبر جميل أو فصبري صبر جميل، وقد فسرنا هذا فيما سبق من السور: * * * وقوله : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) معناه يا حزناه، والأصل يا أسفي إلا أن " يا " الإضافة يجوز أن تبدل ألفاً لخفة الألف والفتحة. (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي محزون. * * * (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)

стр. 1056

معنى تاللَّه: واللَّه، و " لا " مضمرة، المعنى واللَّه لا تفتأ تذكر يوسف أي لاَ تزال تذكر يوسف. (حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً). والحَرَضُ الفاسد في جسمه، أي حتى تكون مُدْنَفاً مريضاً. والحرض الفاسد في أخلاقه، وقولهم: حَرضْتُ فلاناً على فلانٍ، تَأويلُه أفسدته عليه. وإنما جاز إضمار " لا " في قوله (تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) لأنه لا يجوز في القسم تاللَّه تفعل حتى تقول لتفعلن. أو لا تفعل. والقسم لا يجوز للناس إلا باللَّهِ ، لا يجوز أو يحلف الرجل بأبيه. ولا ينبغي أن يحلف بالأنبياء، ولا يحلف إلا باللَّه، ويروى عن النبي ﵇ أنه قال لِعُمَر: لا تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللَّه. فإن قال القائل: فما مجاز القسم في كتاب اللَّه في قوله: (والليل إذا يغشى)، (والسماء ذات البروج) (والتين والزيتون) وما أشبه هذه الأشياء التي ذكرها اللَّه ﷻ في كتابه؟ ففيها أوجه كلها قد ذكرها البصريون، فقالوا: جائز أن يكون اللَّه أقسم بها لأن فيها كلها دليلًا عليه وآيات بينات، قال اللَّه : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلخ الآية. وقال: (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ). فكان القسم بهذا يدل على عظمة اللَّه. وقال قطرب جائز أن يكون معناها: ورب الشمس وضحاها، وربِّ التين والزيتون، كما قال: (والسماء ذات البروج). وقال: (والأرض وما طحاها).

стр. 1057

وقال: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ). وقالوا أيضاً: جائز أن يكون وخَلْقِ السماوات والأرض، وخَلْقِ التين والزيتون. وقالوا: يجوز أن يكون لما كان معنى القسم معنى التحقيق، وأن هذه الأشياء التي أقسم اللَّه بها حق كلها، وكذلك ما أقسم عليه حق فالمعنى كما أن التين والزيتون حق، لقد خلقنا الِإنسان في أحسن تقويم. وأجْود هذه الأقوال ما بدأنا به في أولها. * * * وقوله : (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) (وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ). قالوا (مُزْجَاة) قليلة، وقالوا كانوا جاءُوا بمتاع الأعراب كالصوف والسمن. وما أَشْبَهَ ذلك مما يبيعه الأعراب، وقيل إن البضاعة كانت مما لا يُتْفقُ مثلهُ في الطعام، لأن متاع الأعْراب كذلك كان تحته رديء المال. وتأويله في اللغة، أن التزجية الشيء القليل الذي يُدَافَعُ به، تَقُول: فلان يُزَجِّي العَيْشَ أي يَدْفَع بالقليل ويكتفي به. فالمعنى على هذا:. إنَا جئنا ببضاعة إنما يُدافع بها أي: يتقوَّت، لَيْسَ مِما يُتَسَعُ بِه. قال الشاعر: الواهب المائة الهِجَانَ وعَبْدَهَا. . . عودُوا تُزَجِّي خَلْفَها أطفالَها

стр. 1058

أي تدفع أطفالها. * * * وقوله : (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ). فيها أربعة أوجه: بجمع الهمزتين -، قالوا أئِنكَ - على تحقيقهما، ويجوز أئنك - على أن يجعل الثانية بين الياء والهمزة.، وقرئت. (أئنك) على إِنك بفصل بين الهمزتين بألف لاجتماع الهمزتين. قال الشاعر: أَيا ظبية الوَعْساء بين جَلاجِل. . . وبين النَّقَا آأَنتِ أَمْ أُمُّ سالم ويجوز قالوا إنك لأنت على لفظ الخبر. * * * وقوله : (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) أي لا إِفساد عليكم. * * * وقوله : (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) (لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ). معناه لولا أن تجهِّلُونِ، ويروى تسفهًّونَ. * * * وقوله: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) يقال قد خطئ يخطأ خطأ وخَطأ، وأخطأ يخطئ إخطاء. قال امرؤ القيس:

стр. 1059

يا لَهْفَ هِنْدٍ إِذْ خَطِئْنَ كاهِلا. . . القاتِلِينَ المَلِكَ الحُلاحِلا * * * وقوله : (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) قال ذلك يعقوب إرَادَةَ أَن يستغفر لَهم في وقت وجه السَّحَرِ، في الوقت الذي هو لِإجَابَةَ الدعاء لَا أَنه ضَنَّ بالاستغْفار وذلك أشبه بأخلاق الأنبياء. أعني المبالغة في الاستغفار، وتعمد وقت الإجابة. * * * (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) (آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ). أي ضَمَّ إليه أبويه. * * * (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) (الْعَرْش) السرير. (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا). كان من سنة التعظيم في ذلك الوقت أن يُسْجَدَ للمعظَّم. وَقِيلَ: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) وَخَروا للَّهِ. * * * وقوله : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) فيها قولان، أعني في دخول " مِنْ ": جائز أن يكون أراد عَلَّمْتَنِي بعض التأويل، وآتَيتني بعض الملك. وجائز أن يكون دخول " مِنْ " لِتُبين هذا الجنس من سائر الأجناس، ويكون المعنى: رب فد آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث، مثل قوله : (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) يدل على أن " مِنْ " ههنا إنما هي لتبيين الجنس، ومثله قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) ولم يؤمَرُوا باجتناب بعض الأوثان، ولكن المعنى: واجْتَنِبوا الرجْسَ الذي هو الأوْثَانُ.

стр. 1060

وقوله : (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ينتصب على وجهين: أحدهما على الصفة لقوله (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ). والمعنى: يَا ربِّ قد آتيتني، وهذا نِدَاء مضاف في موضع نصبٍ. ويكون (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ) صفة لِلأول. وجائز أن ينتصب على نداء ثانٍ، فيكون المعنى: يَا فَاطِرَ السماواتِ والأرْضِ أَنْتَ وَليِّي. (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). أي ألْحِقْنِي بمرَاتبهم مِنْ رحمتك وغفرانك. * * * (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) هذا خِطاب للنبي ﵇، المعنى الذي قَصَصْنَا عليك من أمْر يوسفَ وَإخوته مِنَ الأخْبَارِ التي كانت غائبة عنك. فأُنزلت عَلَيْهِ دلاَلةً على إثبات نبوته، وإنْذَاراً وتيْسِيراً بتفصيل قِصَص الأمم السالفة. وموضع (ذَلِكَ) رفع بالابتداء ويكون خبره (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ). ويكون (نوحيه إلَيْكَ) خَبَراً ثَانِياً، وإن شئت جعلت " نوحيه " هو الخبر، وجعلت ذلك في موضع الذي. المعنى الذي مِنْ أنباء إلغيب نوحيه إليك ذلك. * * * وقوله : (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) معناه وما أكْثَر الناسِ بمؤمنين ولو حَرَصتَ على أن تَهْدِيَهمْ لأنك لا تهدي مَنْ أحْبَبْتَ ولَكِنَّ الله يَهْدي مَنْ يَشَاءُ. * * * (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) أي وَمَا تَسْاَلهم على القرآن وتلاَوته وهِدَايتكَ إيَّاهم من أَجْر. (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) أي ما هو إلا تذكرة لهم، بما هو صلاحهم ونجاتهم من النَّارِ وَدُخولهم

стр. 1061

الجنة، وإنذارُهم وتبشيرُهم، فكل الصلاح فيه. * * * (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) أي مِن علامة وَدلالة تَدُلُّهم على توحيد اللَّه، من أمر السَّمَاءِ وأنها بغَيْرِ عَمَدٍ لا تقع على الأرض، وفيها من مجرى الشمس والقمر ما فيها، وفيها أعظم البرهان والدليل على أن الَّذي خلقها واحد، وأن لها خالقأ، وكذلك فيما يشاهد في الأرض من نباتها وبحارها وَجَبالِهَا. (وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ). أى لا يفكرون فيما يدُلَّهمْ عَلَى توحيد اللَّه والدليل على أنهم لا يفكرون فيما يستدلون به قوله : (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أي إن اعترفوا بأن الله خالقهم وخالق السَّمَاوَات والأرض، أشركوا في عبادته الأصنام، وأشركوا غيْر الأصنَام. * * * (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) أي أن يأتيهم ما يعجزهم من العذابَ (أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً). أي فجأةً، و (بَغْتَةً) مصدر منصوب على الحال، تقول لقِيتة بَغْتَةً وَفَجْأةً، ومعناه من حيث لم أتوقع أن ألقاه. * * * وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا). وفي غير مَوْضِعٍ ولَلدار الآخرة، فمن قال الدار الآخرة فالآخرة نعت للدار، لأن لجميع الخلق دَارَيْن، الدارُ التي خُلِقوا فيها وهي الدُّنْيا، والذَاز الآخرة التي يُعَادُونَ فيها خلقاً جدِيداً، ومَنْ قالَ " دَارُ الآخِرة " فكأنَّهُ قال: وَدَارُ

стр. 1062

الْحَياة الأخِرَةِ، لأنَّ للناس حَاتَيْنِ، حياة الدنْيَا وحياة الآخرة، ومثل هذا في الكلام الصلَاة الأولَى، وصَلاَة الأولى. فمن قال الصَّلاةُ الأولى جعل الأولى نعتاً للصلاة، ومن قال صلاةُ الأولى أراد صلاة الفريضة الأولى، والساعَةِ الأولى. * * * (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) قرِئَتْ كُذِبوا وكذِّبُوا، بِالتخفيف والتشديد، وقرئت " كَذَبُوا " فأمَّا من قرأ وَظَنوا أَنهم قد كذبُوا بالتشديد - فالمعنى حتى إذا استياس الرُّسُل من أنْ يُصَدِّقَهمْ قومهم جَاءَهُمْ نَصْرُنَا. ومن قرأ قد كُذِبُوا بالتخفيف، فالمعنى وظن قومهم أنهم قد كذِبُوا فيما وُعِدُوا، لأن الرسُل لا يظُنُون ذلك. وقد قال بعضهم وظنوا أنهم قد أخْلِفوا أي ظن الرسُلُ، وذلك بعيدُ في صفة الرسل. يروى عن عائشة أن النبي ﷺ لم يوعد شيئاً أخْلِفَ فيه وفي الخبر: ومَعاذَ اللَّه أن يَظنَّ الرسُلُ هَذَا بِربِّها. ومعنى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ [كَذَبُوا]) ظنَّ قَومُهم أيضاً أنهم قد كَذَبوا (١). * * * وقوله : (فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ). قرئت فنُنجِّي، وفَننْجِيَ، وقرِئَتْ فَنَجَا مَنْ نَشَاءُ. وقرأ عاصم (فَنُجِّيَ مَنْ نشاء) بفتح الياء. فأمَّا من قرأ (فننْجِي) فعلى الاستقبال، والنون نونُ الاستقبال. أعني النون الأولى، ومن قرأ (فَنُنجِّي) - بإسكان الياء - فحذف النون الثانية لاجتماع النونَين، كما تقول: أنت تَبَيِّن هذا الأمْرَ، تريد تَتَبيَّنُ، فحذف لاجتماع تاءين، ومن قرأ (فَنَجَا مَنْ نَشَاءُ) عطف على قوله جاءهم نصرنا فنجا

стр. 1063

من نشاء على لفظ الفعل الماضي، ومن قرأ (فنُنجِّيَ من نَشَاءُ). فبمعنى الماضي على ما لم يسمَّ فاعله، ويَكون موضع " مَنْ " رَفْعاً. ويُعْلَمُ بالمعنى أن اللَّه نَجَّاهُمْ (١). * * * وقوله (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ). أي الذي تقدمه من الكتب. ونصب " تَصْدِيقاً " على معنى كان، المعنى: ما كان حديثاً يفترى ولكن كان تصديق الذي بين يديه. ويجوز: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ). فمن قرأ هكذا رفع الباقي المعطوفَ على تصديق، ويكون مرتفعاً على معنى ولكن هو تصديقُ الذي بين يديه. ويكون ([وَتَفْصِيلُ] كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى [وَرَحْمَةٌ] لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) نَسَقاً عَلَيْه. وهذا لَمْ تثبت بقراءته رواية صحيحة، وَإنْ كانَ جائزاً في العربية لا اختلاف بين النحويين في أنه جيِّدٌ بالغ، فلا تَقْرأنَّ به ولا تُخَالِفْ الإجماع بمذاَهب النحْويينَ.

стр. 1064

سُورَةُ الرَّعْد (مدنية) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) (المر) قد فسرنا في سورة البقرة ما قيل في هذا وأشباهه، ورُوِيَ أنَّ معناه أنَا اللَّهُ أرَى، ورُوِي أنا اللَّه أعلم وأرى، وروي أن " المر " حروف تدل على اسم الرب ﷻ وقولى تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ). جاء في التفسير أنَّ الذي أنْزِلَ قَبْل القرآن آياتُ الكتاب. (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ). أي والقرآن المنزلُ عَليكَ الْحَقُّ، ويجوز أن يكونَ موضِعُ (الذي) رفعاَ على الابتداء، ويجوز أن يكون رفعاً على العطف على (آياتُ) ويكون (الْحَقُّ) مَرْفُوعاً على إضمار هُوَ، ويجوز أن يكون موضع الذي خَفْضاً، عطفاً على الكتاب، المعنى تلك آيات الكتاب وآياتُ الًذِي أنْزِلَ إليكَ، ويكون الذي أنزل من نعت الكتاب وإن جاءت الواو، ويكون الحق مرفوعاً على الِإضمار، ويجوز أن يكون الحق صفة للذي.

стр. 1065

المعنى: تلك آيات الكتاب والذي أنْزِلَ إليك من ربك الحق، ولا أعلم أحداً قرأ بها. * * * وقوله : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) لَمَّا ذكر أنهم لا يؤمنون عرف الدليلَ الذي يوجب التصديق بالخالق فقال: (اللَّهُ الَّذِي رَفَع السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)، وفي ذلك من القدرة والدلالة ما لا شيءَ أوضحُ منه أن السماء محيطة بالأرض متبرية منها. بغير عَمَدٍ. والمعنى بغير عمدٍ وأنتم ترونها كذلك، ويجوز أن تكون (ترونها) من نعت العَمَدِ، المعنى بغير عَمَدٍ مرئيةٍ، وعلى هذا تعمدها قدرة الله . (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى). كل مقهور مدبَّر لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر، فذلك معنى السُّخْرَةِ، فالشمس والقمر مسخران يجريان مجاريهما التي سخرا جاريين عليها. (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) يحكمه. (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). أي يبين الآيات التي تدل على قدرته على بعثكم، لعَلكُم تُوقِنُونَ. لأنهم كانوا يجحدون البعث، فاعلموا أن الذي خلق السَّمَاوَات وأنشأ الإنسان ولم يكن شيئاً، قادر على إعادته. * * * (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)

стр. 1066

دلَّهُم - بعد أن بين آيات السماء - بآيات الأرض، فقال : (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) روي في التفسير أنها كانت مُدَورَةً فمُدَّت. ومَعْناهُ بَسَطَ الأرْضَ. (وَجَعَلَ فِيها رَوَاسيَ). أي جِبَالاً ثوابِتَ، يقال: قد رَسَا الشيءُ يَرْسُو رُسُوًّا فهو راسٍ إذا ثبت (وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). جعل فيها نوعين، والزوج الواحد الذي ليس له قرين (يُغَشِّي اللَّيْلَ النَّهَارَ). وتقرأ (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) ثم أى أم أنَّ ما ذكر من هذ؛ الأشياء فيه برهان وعلامات بينات فقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). ثم زادهم من البرهان فَقَال. . (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) يروى في التفسير أنها تتجاوَرُ، بعضُها عامر، وبعضها غير عَامِر، وكذا في التفسير أيضاً أن معناه قطع متجاورات. (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ). الأجود رفع جنات، المعنى وفي الأرض قطع متجاورات، وبينهما جناتٍ، ويجوز النصب في جنات، ويقرأ وجناتٍ من أعنابٍ، المعنى جعل فيها رواسي وجعل فيها جنات من أعناب، ويجوز أن يكون وَجَناتٍ خفضاً. ويكون نسقاً على كل، المعنى: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين،

стр. 1067

ومن جنات من أعناب (وَزَرْعٌ)، فأما (وَزَرْعٌ) فيجوز فيه الرفع والخفض. وكذلك (صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ). والصِّنْوَانُ جمع صِنْوٍ وصُنْوٍ، ومعنى الصنوان أن يكون الأصل واحِداً وفيه النخلتان والثلاث والأكثر، ويجوز في جمع صنو أصْنَاءٌ، مثل عِدْل وأعدال، وكذلك صُنْو فإذا كثرت فَهِيَ الصُّنى والصِّنيِّ. (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ). ويجوز تسقى بالتاء، بماءٍ واحدٍ (وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ). والْأُكُل: الثمَرُ الَّذِي يؤكَلِ، ويجوز، وُيفَضل بعضَها عَلَى بعضٍ لأنه جرى ذكر اللَّه، فالمعنى يُفَضل اللَّهُ، وكذلك إذا قال: ونفضلُ بالنونِ لأن الإِخبار عن اللَّه بلفظ الجماعة كما قال: (إِنَا نحنَّ نُحْيي وَنُمِيتُ) وهذا خوطب به العَربُ لأنهم يستعملون فيمن يُبَجِّلُونَه لفظ الجمَاعة. * * * وقوله : (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) هذا خطاب للنبي ﵇. (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ). أي هذا موضع عجب، لأنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من عِظَمِ خلقِ السَّمَاوَاتِ والأرض ما يدل على أنَّ البَعْثَ أسْهَل في القدرة مما قد تَبَيَّنُوا. فَأمَّا موضع (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) فموضع إذَا نَصْب فمن قرأ. . (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا) على لفظ الاستفهام، ثم قرأ (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) فإذا منصوبة بمعنى نبعث ويجَدَّدُ خَلْقُنَا. المعنى إذا كنا تراباً نبعث ودل على إرادتهم (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ).

стр. 1068

ومن قرأ إذا كنَا تراباً إنا لفي خَلق جديد أدْخَل ألف الاستفهام على جملة الكلام، وكانت إذا نصباً بـ (كُنَّا)، لكن الكلام يكون في معنى الشرط والجزاء، ولا يجوز أن تعمل " جَدِيد " في إذَا، لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها. لا اختلاف بين النحويين أنَّ ما بَعْدَ إِنْ وإذا لا يعمل فيما قبلهما. ثم أعلم اللَّه أن المستفهِمَ بعد البَيَانِ والبُرْهَانِ عن هذا على جهة الإِنكار كافر، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ). جاء في التفسير أن الأغلال الأعْمَالُ في أعناقهم يومَ القيامة، والدليل على ذلك في القرآن قوله: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ). وقيل أولئك الأغلال في أعناقهم، أي الأغلال التي هي الأعمال، وهي أيضاً مؤدية إلى كون الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، لأن قولك للرجل: هذا كُل في عنقك للعمل السيئ معناه أنه لازم لك وأنَّكَ مُجازًى علَيْه بالعذاب يَوْمَ القيامة. * * * (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) أى يطلبون العذاب بقولهم: (فَأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ). (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ). والمُثُلات - بضم الميم وفتحها، فمن قَرأ المُثلات، فهي جمع مُثْلة. ومن قرأ المَثُلَات فهي جمع مَثُلَة. ويجوز في المثلات ثلاثة أوجه. يجُوز:

стр. 1069

" خلت المُثْلات " بإسكان الثاء، ويجوز فتح الثاء المُثَلاتُ، ومن قرأ المثلات تُضَمُّ الثاءُ والميم، وهي في الواحدة ساكنة مضمومة في الجمع فهذه الضمة عوض من حذف تاء التأنيث، ومن فتح فلأن الفتحةَ أخَفُّ الحركات، روت الروَاةُ: ولما رَأوْنا بَادياً رُكُبَاتُنَا. . . عَلَى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجدَّ بالهَزلِ ومن قرأ المُثْلات بإسكان الثاء فلأن كل ما كان مضموماً أو مكسوراً نحو رُسُل وعَضُدٍ وفَخِذٍ فإسكانه جائز لنقل الضمة والكسرة. والمعنى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ بالعَذَابِ وقد تقدم من العذاب ما هو مُثْلة وما فيه نَكَال لهم لو اتعظوا (١). * * * وقوله : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) معناه هلَّا أنْزِلَ عليه وإنَّما طَلبُوا غير الآيات التي أتى بها النبي ﷺ نحو انْشِقَاقَ القمر. والقرآنِ الذي دُعُوا أن يأتوا بسورة من مثله - وَما أشبه هذا النحو، فالتمسوا مثلَ آيات عيسى وموسى، فأعلمَ اللَّهُ أنَّ لِكُلَ قَوْم هَادِياً، فقال جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). أي نبي وداع إلى اللَّه يدْعُوهم بما يُعْطَى من الآيات لَا بِمَا يُريدونَ ويتحكمون فيه. * * * وقوله: (يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ). معنى غاض في اللغة نقص. وفي التفسير ما نقص الحمل من تسعة أشهر وما زاد عنها على التسعة. وقيل ما نقص عن أنْ يتمَّ حَتَى يموتَ، وما زاد حتى يتم الحمل.

стр. 1070

وقوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) مَوضع " مَنْ " رَفْع بسواء، وكذلك (مَنْ) الثانية يرتفعان جميعاً بسواء، لأن سواء يطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو، في مَعْنى ذَوَا سَواء زيد وعمرو. لأن سواء مصدر فلا يجوز أن يرتفع ما بعده إلَّا على الحذف، تقول: عدل زيد وعمرو، والمعنى ذوا عدل زيد وعمرو لأن المصادر ليست بأسماء الفاعلين، وإنما ترفع الأسماءُ أوْصَافَها، فإذا رفعتها المصادر فهي على الحذف كما قالت الخنساء: تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حتى إِذا ادَّكَرَتْ. . . فإِنما هي إِقْبالٌ وإِدْبارُ المعنى فإنما هي ذات إقبال وذات إدبار، وكذلك زيد إقبال وإدبار. وهذا مما كثر استعماله أعني سواء، فجرى مجرى أسماء الفاعلين، ويجوز أن يرتفع على أن يكون في موضع مُسْتَوٍ، إلا أن سيبويه يستقبح ذلك، لا يجيز مُسْتَوٍ زيد وعمرو، لأن أسماء الفاعلين عنده إذا كانت نكرة لا يُبْتَدَأ بها لضَعْفها عن الفِعْل فلا يُبْتَدأ بها، وُيجْرِيها مَجْرَى الفعلِ. ومعنى الآية إعلامهُم أنَّ اللَّهَ يعلمُ ما غاب عنهم وما شُهِدَ. فقال : (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ). أي من هو مستتر بالليل، والليل أسْتَر مِنَ النهار وَمَنْ هُوَ سَارِبٌ بِالنَّهَارِ. أي من هو ظاهر بِالنَّهَارِ في سَرَبِه، يقال: خَلِّ لَهُ سَرَبَه أي طريقه،

стр. 1071

فالمعنى الظاهرُ في الطرقاتِ، والمستخفِي في الظلماتِ، والجاهر بنطقه والمضمِرَ في نفسه علم الله فيهم جميعاً سواء وذكر قطرب وجهاً آخر، ذكر أنه يجوز أن يكون " مُسْتَخْفٍ بالليل " ظاهراً بالليل، وهذا في اللغة جائز، ويكون مع هذا " وسارب بالنهار " أي مُسْتتر، يقال: انسرب الوحْشيُّ إذا دخل في كِناسِه. والأول بَين، وهو أبلغ في وصف علم الغيب. * * * (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) أي للِإنسان ملائكة يَعْتَقبُونَ، يأتي بعضهم بِعَقِبِ بَعْضٍ (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ). المعنى حفظهم إياه من أمْرِ اللهِ، أي مما أمَرَهُمُ الله تعالى به، لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر اللَّه، كما تقول: يحفظونه عن أمر اللَّه (١). وقوله : (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ). أي لا يلي أمرهم أحد من دون الله. * * * (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) خَوْفاً للمُسَافِرِ، لأن في المَطَرِ خَوْفاً عَلَى المُسَافِر، كما قال الله تعالى (إِنْ كَانَ بِكمْ أذًى مِنْ مَطَرٍ). وطَمَعاً للحَاضِرِ لأن تفاعه بالمطر. ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - (خَوْفًا وَطَمَعًا) خوفاً لمن يَخاف ضُرُّ المَطَرِ، لأنه ليس كل بَلدٍ ينتفع فيه بالمطر نحو مصر وما أشبهها، وطَمَعاً لمن يَرْجُو الانتفاع به.

стр. 1072

(وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ). أي التي قد ثقلت بالماء. * * * (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) جاء في التفسير أنه ملك يزجر السحاب، وجائز أن يكون صوت الرعد تسبيحه لأن صوت الرعد من أعظم الأشياء. وقد قال اللَّه : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ). وخص ذكر الرعد لعظم صوته - واللَّه أعلم. (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ). جائز أن يكون الوَاوُ وَاوَ حال. فيكون المعنى فيصيبُ بها من يشاء في حَال جِدَاله في اللَّه، وذَلِكَ أنه أتى في التفسير أن رَجلاً من الجاهلية يقال له " ارْبَدُ " سأل النبي ﷺ فقال أخبرني عن ربنا أمِنْ نحاس أم حَدِيدٍ؟ فأنزل اللَّه عليه صاعقة فقتلته، فعلى هذا يجوز أن يكون الواو وَاوَ حَالٍ. ويجوز أن يكون: لما تمم الله أوصاف ما يدل على توحيده وقُدْرَتِهِ على البَعْثِ قَالَ بَعْدَ ذلك (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ). أي شديد القدرة والعَذَابِ. ويقال في اللغة مَاحَلْتُه مِحَالاً، إذا قَاويتُهُ. حتى يتبين له أيكما أشدُّ. والمَحْلُ في اللغة الشدة، واللَّه أعلم. * * * وقوله : (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) جاء في التفسير: دَعوة الحق شهادة أن لا إله إلَّا اللَّهُ، وجائز - واللَّهُ أعلم - أن تكون دَعْوة الحقِّ أنه مِنْ دَعَا اللَّه مُوَحِّداً استجيب له دَعَاؤه.

стр. 1073

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ). ثم بين الله كيف استجابةُ الأصْنَامِ لأنَّهمُ دَعَوُا الأصْنَام من دون اللَّه فقال: (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ)، إلا كما يستجاب الذي يبسط كَفَّيْه إلى المَاء يَدعو الماء إلى فيه. والماء لا يستجيب، فأَعلم اللَّه أن دعاءهم الأصنام كَدُعَاءِ العَطْشَانِ الماءَ إلى بُلوغ فيه، (وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ). وقال بعضهم: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه كإنسان على شفير بئر يدعو الماء من قرار البئر ليبلغ فاه، والتَفْسِيرَانِ وَاحِد. * * * وقوله : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥) جاء في التفسير أن المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كرهاً، وجاء أن مِنَ النَّاسِ مَنْ دَخَل في الإِسلام طوعاً ومنهم من لم يدخل حتى فحص عن رأسه بالسيف، أي فسجَدَ ودَخَلَ في الإِسلام في أول أمرِه كرهاً. وجائز - واللَّه أعلم - أن يكون (طَوْعًا وَكَرْهًا) أن يكونَ السُّجودُ الخُضُوعَ لِلَّهِ، فمن الناس من يخضع ويقبل أمر اللَّه فيما سهل عليه، ومنهم من تَقَبَّلَهُ وإن كانَ عليه فيه كُرْهٌ. (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). أي وتسجد ظلالهم. وجاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير اللَّه، وظله يسجد للَّهِ، وقيل وظلالهم أشخاصهم، وهذا مخالف للتفسير. * * * وقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ). أي هل - أو أغير الله خلق شيئاً فاشتبه عليهم خلق الله من خلق غيره. * * * وقوله : (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).

стр. 1074

أي قل ذلك وَبيَّنه بما أخبر اللَّه به من الدلالة على توحيده من أول هذه السورة بما يدل على أنه خالق كل شيء، ثم قال ضارباً مثلاً للكافرين والمؤمنين: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي بما قدَّرَ لَهَا مِن مِلْئِها، ويجوز ب@درها أي بقدر مِلْئِها. (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا). أي: طافياً عالياً فوق الماء. (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ). أي ابتغاء متاعً. (زَبَدٌ مِثْلُهُ). والذي يوقد عليه في النار ابتغاء حلية: الذَّهَبُ والفِضةُ، والذي يوقد عليه ابتغاء أمْتِعة الحديدُ والصُفْر والنحاس والرصاص. و (زَبَدٌ مِثْلُهُ) أي مثل زَبَد الماءِ. (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ). أي: مِنْ زَبَد الماء، والزَّبَدُ من خَبَثٍ الحديد، والصُّفْرِ والنحاسِ والرصَاصِ (فَيَذْهَبُ جُفَاءً). أي فيدْهب ذلك لا ينتفع به، والجفاء ما جفا، الوادي، أي رمى به. (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ). وأما ما ينفع الناسَ مِنَ الماءِ والفضةِ والذهب والحديد وسائر ما ذكرنا فيمكث في الأرض. فمثلُ المؤمن واعتقاده ونفْعِ الإِيمان كمثل هذا الماء

стр. 1075

المنتفَع به في نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الآلات التي ذُكِرَتْ لأنها كلها تبقى منتفعاً بها، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزَّبَد الذي يذهب جَفاء وكمثل خبث الحديد، وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به. وموضع كذلك نصْبُ، قال أبو زيد: يقال جَفَأتُ الرجُلَ إذا صَرَعْته وأجْفَاتِ القِدْرُ بِزَبَدِها إذَا ألقت زَبدها فيه. (فَيَذْهَبُ جُفَاءً). من هذا اشتقاقه. وموضع (جُفَاءً) نصب على الحال، وهو ممدود. وزعمْ البصريونَ والكوفيون جميعاً أنَّ ما كان مثلَ القمَاشِ والقُمَامِ والجُفَاء فهذه الأشياء تجيء على مثال فُعَال. * * * وقوله: : (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨) أي لهم الجنة، وجائز أن يكون لهم جزاءُ المحسنين، وهُوَ راجعٌ إلى الجنةِ أيضاً كما قال : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ). (أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ). وسوء الحساب ألا تقبل منهم حسنة ولا يُتَجَاوَزُ لَهُم عَنْ سَيئَةٍ، وأن كُفْرَهُمْ أحْبَطَ أعمَالَهم كما قال:. . (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ). وقيل سوء الحساب أن يُسْتَقصى عليه حسابه ولا يتجاوز له عن شيءٍ من سيئاته، وكلاهما فيه عطب. ودليل هذا القول الثاني: من نوقش الحساب عُذِّبَ. وتكون سوء الحساب المناقشة. * * * وقوله (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ).

стр. 1076

أي يدفعون، يقال: دَرَأتُه إِذَا دَفَعْتُه. (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) (جَنَّاتُ) بَدَل مِنْ (عُقْبَى). وعَدن: إقامة، يقال: عَدَنَ بالمكان إذَا أقام فيه. (يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ). موضع " مَنْ " رفع، عطف على الواو في قوله: (يَدْخُلُونَهَا) وجائز أن يكون نصباً، كما تقول قد دخلوا وزيداً أي مع زيدٍ. أعلم اللَّه أن الأنسابَ لا تنفع بغير أعمال صالحة فقال: يَدْخُلونَها وَمَنْ صَلَح مِمنْ جَرَى ذِكْرُه. (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) أي يقولون سلام عليكم بما صبرتُم. هذه مكرمة من الله لأهل الجنَّةِ. والمعنى يدخلون عليهم من كل باب يقولون (سلام عليكم). فأضمر القول ههنا لأن في الكلام دليلاً عليه. * * * وقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ). يعني من رجع إلى الحق. * * * (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) (الَّذِينَ آمَنُوا) في موضع نصب رَدًّا على (مَنْ)، المعنى يهدي إليه الذين آمنوا (وَتَطْمَئِنُ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)، أي إذا ذكر الله بوحدانيته آمنوا به غير شَاكِينَ. (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

стр. 1077

" أَلَا " حرف تنبيه وابتداء. ومعنى (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) أي التي هي قلوب المؤمنين لأن الكافرَ غيرمطمئن القلب. * * * (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) القراءة بالرفع في (وَحُسْنُ مَآبٍ). عطف على (طُوبَى) كما تقول: الحمدُ للَّهِ والكرامةُ وإن شئت كان نصباً على (طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ). أي جعل اللَّه لهم طوبى وحُسْنَ مآبٍ. (طُوبَى) عند النحويين فُعْلَى من الطِيبِ. المعنى العيش الطيب لهم. وجاء في التفسير عن النبي ﷺ أن (طُوبَى) شجرة في الجنة، وقيل (طُوبَى) لهم حسنى لهم، وقيل طوبى لهم خَيْرٌ لهم. وقيل (طُوبَى) لهم اسم الجنة بالهندية. وقيل (طُوبَى) لهم خيرة لهم، وهذا التفسير كله يشبهه قول النحويين أنها فُعْلَى من الطِّيب. * * * وقوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) ترِكَ جواب " لو " لأن في الكلام دليلاً عليه، وكان المشركون سألوا النبي ﷺ أن يفسَحَ لهم في مكة ويباعد بين جبالها حتى يتخذوا فيها قطائع وبساتين وأَنْ يُحْيي لهم قَوْماً سَمُّوهُم لَهُ، فأعلمهمْ اللَّه أن لو فعل ذلك بقرآن لكان يفعل بهذا القرآن. والذي أَتَوَهَّمُه - واللَّه أعلم - وقد قاله بعض أهل اللغة، أن المعنى: لَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى لما آمنوا به. ودليل هذا القول قوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).

стр. 1078

وقوله : (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (١). قيل إنها لغة للنخع، يَيْأَس في معنى يَعْلَمُ. وأنْشدوا أَقُولُ لَهُمْ بالشِّعْبِ إِذ يَيْسِرُونَني. . . أَلم تَيْأَسُوا أَني ابْنُ فارِسِ زَهْدَم وقرئت: أفلم يتبين الذين آمنوا. وقال بعض أهل اللغة: أفلم يعلم الذين آمنوا علماً ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه. والقول عندي واللَّه أعلم أن معناه: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم اللَّه بأنهم لا يؤمنون لأنه قال: (لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا). (جَمِيعًا) منصوبٌ على الحَالِ. (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفرُوا تصِيبُهُم بمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ). قيل سَرِيَّة، ومعنى قارعة في اللغة نازلة شديدة تزل بأمر عظيم. * * * وقوله : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) قال سيبويه: المعنى فيما يقص عليكم مَثَلُ الْجَنَّةِ، أو مَثَلُ الْجَنَّةِ فيما يُقصُّ عليكم، فرفعه عنده على الابتداء. وقال غيره: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) مرفوع على الابتداء. وخبره (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) كما تقول:

стр. 1079

صفةُ فُلانٍ أسْمَرُ كقولك: فلان أسمر. وقالوا معناها صفة الجنة التي وعد المتقون. وكلا القولين حسن جميل. والذي عندي - واللَّه أعلم - أن اللَّه ، عَرفنا أُمُورَ الجنة التي لم نَرَهَا. ولم نُشَاهِدْهَا بما شَاهِدناه مِن أمور الدنيا وعايَنَّاه. فالمعنى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) جَنة (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) (١). * * * وقوله : (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) أي يمحو الله ما يشاء مما يكتبه الحفظة على العباد ويثبت. قال بعضهم: يمحو الله ما يشاء ويثبت، أي من أتى أجَلُه مُحِيَ، ومن لم يأت أجَلُه أثْبِتَ. وقيل يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشاءُ وُيثْبِتُ أي ينسخُ مما أَمَرَ به ما يشاء وُيثْبتُ أى ويُبْقِي مِن أمْره ما يشاء. (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ). أي أصل الكتاب. وقيل يمحو الله ما يشاء ويثبت أي مَنْ قدَّرَ لَهُ رِزْقاً وَأَجَلاً مَحا مَا يَشَاءُ من ذلك وأثبت ما يشاء. * * * وقوله تعالى: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) " إِنْ " أدْخلَت عليها (مَا) لتوكيد الشرط. دخلت النون مؤكدة للفعل. (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ). عطف على (نُرِيَنَّكَ) وجواب الجزاء: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) أي علينا الحساب لِنَجْزيَ كل نفس بما عملت. والمعنى إِما أرَيْنَاكَ بعض الذي وعدناهم من إظهار دين الِإسلام على الدين كله، أو توفيناك قبل ذلك، فليس عليك إلَّا البَلاغُ - كَفَروا هم به

стр. 1080

أو آمنوا. ثم أعلم اللَّه أن بَيانَ ما وُعِدُوا به قد ظهر وتبيَّنَ فقال : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١) أي أو لم يروا أنا قد فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم. ودليل هذا القول قوله في موضع آخر: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤). وقيل في تفسير هذه الآية ما وصفنا، وقيل غير قولٍ. قيل نَقْصُها من أطرافها موتُ أهلها، ونقص ثمارها. وقيل ننقصها من أطرافها بموت العلماء. والقول الأول بين. * * * وقوله : (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ). وقُرِئت: وَسَيَعْلَمُ الكافِر، ومعنى الكفار والكافر ههنا وَاحِدٌ. الكافر اسم للجنس، كما تقول قد كثرت الدراهم في أيدي الناس. وقد كثر الدِّرْهَمُ في أيدِي الناس. . وقرأ بعضهم وسيَعلم الكافرون، وبعضهم وسيعلم الذين كفروا. وهاتان القراءتان لا تجوزان لمخالفتهما المصحفَ المجمعَ عليه. لأن القراءة سُنَّة. * * * وقوله : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣) (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). الباء في موضع رفع مع الاسم، المعنى كفى الله شَهِيدًا، وشَهِيدًا مَنْصُوبٌ على التمييز. (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ). و" مَن " يعود على الله ، وقيل في التفسير يعنى به عبد الله بن سلام

стр. 1081

وقيل ابن يامين، والذي يدل على أنه راجع إلى اللَّه قراءة من قرأ (ومِنْ عِنْدِه) علمُ الكتابُ، ومن عنده علم الكتاب لأن الأشبه، واللَّهُ أعلم - أن اللَّه لا يَسْتَشْهِدُ على خلقه بغيْره. وذلك التفسير جائز لأن البراهين إذا قامَتْ مع اعتراف من قرأ الكتب التي أنزلت قبل القرآن فهو أمرٌ مُؤكدٌ (١).

стр. 1082

سُورَة إبْراهِيمَ مكية إلَّا اثنَتَين مِنهَا نزلت بالمدينة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) إلى قوله: (وَبِئْسَ الْقَرَارُ). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) (كِتَابٌ) مرفوع على خبر الابتداء، المعنى هذا كتاب أنزلناه إليك. وقال بعضهم كتاب مرتفع بقوله (الر) و (الر) ليست هي الكتاب إنما هي شيء من الكتاب. ألا ترى قوله (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ). فإنما الكتاب جملة الآيات وجملة القرآن. وقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ). (الظلمات) ما كانوا فيه من الكفر، لأن الكفر غير بَينٍ فمُثلَ بالظلمات. والإيمان بين نَيِّر فَمُثلَ بالنور، والباء متصلة بـ يخرج، المعنى ليخرج الناس بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، أي بما أذن اللَّه لك من تَعْلِيمهمْ، ويجوز أن يكون بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أنه لا يهتدي مهتدٍ إلا بإذن اللَّه ومشيئته، ثم بيَّنَ ما النور فقال: (إلَى صِراطِ العزِيزِ الحَمِيدِ).

стр. 1083

(الحميدِ) خفض من صفة (العزيزِ) ويجوز الرفع على معنى الحميدُ اللَّه ويرتفع (الحميد) بالابتداء وقولك " اللَّه " خبر الابتداء، ويجوز أن يرفع اللَّهُ ويخفض (الحميد) على ما وصفنا. ويكون اسم اللَّه يرتفع بالابتداء. * * * وقوله : (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) (وَيبْغونَهَا عِوجاً). أيْ يَطْلِبُونَ غير سَبِيل القَصْدِ وصراطِ الله وهو القَصْد، والعوج في الدين مبني على فِعَل، وفي العَصَا عَوَجٌ بفتح العَيْن. ونصب (عِوجاً) على الحال مصدر موضوع في موضع الحال. * * * وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) أي بلغة قومه ليَعْقِلَ عنه قومُه، (فَيُضِل اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ)، الرفع هو الوَجْهُ وهو الكلام وعليه القراءة، والمعنى إنما وقع الإرسال للبيان لا للِإضلال. ويجوز النصبُ على وجه بعيدٍ، فيكون (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي)، ويكون سبب الإِضلال الصيرورة إليه كما قال: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، أي التقطوه فآل ذلك إِلى أن صار لهم عدواً وحزناَ، ولم يلتقطوه هم ليكون لهم عدواً وحَزَناً، وكذلك يكون: (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ)، أي فيؤول الأمر إلى أَنْ يَضِلُوا فيضلهم اللَّه. والقول الأول هو القول وعليه القراءة. * * * وقوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) أي البرهانِ الذي دل على صحة نبوته، نحو إخراج يده بيضاء وكون العصا حيَّة. * * * وقوله : (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ).

стр. 1084

أي بأن اخْرجْ قومَكَ. المعنى أرسلناه بأن يخرج قومه (من الظلمات إلى النور)، أي من ظلمات الكفر إلى نور الِإسلام. و" أنْ " ههنا يصلح أنْ يكون لْي معنىْ " أنْ " المخففة، وتكون مُفَسَّرةً، ويكون المعنى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك، كأن المعنى قلنا له: أخْرِجْ قومَكَ، ومثل هذا: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا). أي امشوا. والتأويل: قالوا لهم: امشوا. قال سيبويه تقول كتبت إليه أن قُمْ، وأمرته أن قُمْ، إن شئت كانت " أن " وصلت بالأمر، والتأويل تأويل الخبر، المعنى كتبْت إليهَ أن يَقُومَ وأمرته أنْ يَقومَ، إلا أنها وُصِلَتْ بلفظ الأمْر للمخاطب، والمعنى معنى الخبر، كما تقول، أنت الذي فعلت، والمعنى أنت الذيِ فَعَلَ قال: ويجوز أن يكون في معنى أي، ومثله أرسلت إليه أنْ مَا أنْتَ وذَا. وقوله: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ). (وَذَكِّرْهُمْ) عطف على (اخرِجْ)، وتذكيرهم بأيام اللَّه، أي تذكيرهم بنَعَمِ أيامِ الله عليهم، وبنقم اللَّه التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمودَ، أي ذكرهم بالأيام التي سَلَفَتْ لمن كفر وما نزل بهم فيها، وذَكِرْهًمْ. بنعَم اللَّه. والدليل على أن التذكير مشتمل على الِإنْذار والتَّحْذِير مما نزِل بِمَنْ قبلهم قوله بعد هذه الآية: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) أي ألم يأتهم أخبارُ أُولَئِكَ والنَوَازِلِ بهِمْ، (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ). فأعلم الله أن بعد هؤلاء أمَماً قد مضى من كان يعلم أنباءَهَا، ومن هذا

стр. 1085

قيل: كذب النَّسَّابُونَ لأنهم لا يعلمون من كان بعد هؤلاء. وهذا يروى عن النبي ﷺ . (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ). يروى عن ابن مسعود أنهم عَضوا أناملهم غيظاً مما أتَتْهُم به الرسلُ. وقيل: (رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)، أومأوا إلى الرسل أن اسكتُوا. وقيل ردوا أيْدِيَهُمْ، الهاء والميمَ يرجعان على الرسل، المعنى ردوا أيدي الرسل أي نِعَمَ الرسُل لأن مَجيئهم بالبيَّنَّاتِ نِعَم، تقول: لفلان عندي يَدٌ أي نِعْمَة، ومعنى في أفْوَاهِهِم بأفواههم، أي ردوا تلك النعم بالنطق بالتكذيب لِمَا جاءت به الرسُلُ، والمعنى أن الردَّ جَاء في هذه الجهة، وفي معناها، كما تقول: جلست في البيت، وجلست بالبيت. وقالوا: (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ). هذا هو الرد. * * * وقوله : (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) (اسْتَفْتَحُوا) يُعْنَى به الرسُلُ، سألوا اللَّه أن يفتح عليهم أي ينصرهم. وكل نصْرٍ فهو فَتْحٌ، والجَبَّار الذي لا يَرى لأحَدٍ عَلَيه حَقًّا، والعنيد الذي يعدل عن القَصْدِ، يقال جبَّار بَين الجَبْرِيَّة، والجِبْريَّةُ - بكسر الجيم - والجِبِرية بكسر الجيم والباء، والجَبَرُوَّة والجَبَرَوَّة، والتجْبَار والجبرياء، والجَبُّورة والجبرُوتُ. * * * (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) أي جهنم بين يديه، و " وراء " يكون لخلف وقُدَّام، وإنما معناه ما توارى

стр. 1086

عنك أي ما استتر عنك، وليس من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة، قال النابغة: حَلَفْت فلمْ أترك لنفسك ريبةً. . . وليس وراءَ الله للمرء مَذْهَبُ أي ليس بعد مذاهب الله للمرء مذهب. (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ). أي مما يسيل من أهل النَّار من الدَّم والقيح. * * * (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) أي لا يقدر على ابتلاعه، يقال ساغ لي الشراب وَأسَغْتُه. (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ). أي من بعد ذلك. * * * وقوله : (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) فهو مرفوع على معنى وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا بِرَبِّهم، أو مَثَل الذين كفروا بربهم - فيما يتلى عليكم، وجائز أن يكون - واللَّهُ أعلم - مثل الذين كفروا بربهم صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم، كأنك قلت: " الذين كفروا بربهم أعمالهم "، كما تقول صفة زيد أسمر، المعنَى زيدٌ أسمَرُ وتأويله أن كل ما يتقرب به الذين كفروا إلى اللَّه فمُحْبَطٌ. قال الله : (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم فِي الدُّنْيَا والآخِرَة). ومثله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).

стр. 1087

وقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) أي جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع. (فَقَالَ الضُعَفَاءُ)، وهمُ الأتباعُ. (للذين استكبروا) وَهم المَتْبوعونَ. (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا). أي اتبَعناكم فيما دعوتمونا إليه، وتَبَعاً جمع تَابع، يقال تابع وتَبَعُ، مثل غائب وغَيَبٌ، وجائز أن يكون تبع مَصْدَراً سمِّيَ به، أي كنا ذوي تبع. * * * وقوله : (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا). (سَوَاءٌ) رفع بالابتا اء، و (أَجَزِعْنَا) في موضع الخبر. (مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ). أي ما لنا من مهرب ولا مَعْدِل عن العذابِ، يقال حاص عن الشيء يَحِيص، وَجَاصَ عنه يَجِيصُ في معنى واحدٍ. وهذه اللغة لا تجوز في القرآن ويقال: وقع في حَيْصَ بيْصَ، وَحَاصَ باصَ وحَاصٍ بَاصٍ، إذا وقع فيما لا يقدرُ أن يتخلص منه. * * * (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) روي أنه إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النَّارِ قام إبليس عليه لعنة الله خطيباً، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ)، أي وَعَدَ من أطاعه الجنة ووعد مَن عَصاه النَّارَ، (وَوَعَدْتُكُمْ) خلاف ذلك وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ. أي ما أظهرت لكم مِنْ حُجةٍ. (إلا أن دَعَوْتُكمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي). أي أغويتكم وأضللتُكمْ، فاتبعتموني. ذكر اللَّه أن إبليس

стр. 1088

وما يقوله في القيامة تحذيراً من إضلاله وإغوائه. (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ). أي ما أنا بمُغيثكم، ولا أنتم بمُغِيثي، قُرِئَتْ بِمُصْرخِيَّ - بفتح الياء. كذا قرأه الناس، وقرأ حمزة والأعشى بمُصْرِخِىِّ بكسر الياء، وهذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف ذكره بعض النحويين (١)، وذلك أن ياء الِإضافة إذَا لم يكن قبلها ساكن حُرِّكَتْ إلى الفتح: تقول: هذا غلامِيَ قد جاءَ، وذلك أن الاسم المضمَرَ لمَّا كان على حرف واحدٍ وقد منع الإعراب حرك بأخف الحركات، كما تقول: هو قائم فتفتح الواو، وتقول: أنا قمْتُ فتفتح النون، ويجوز إسكانُ الياء لِثِقَلِ الياء التي قبلها كسرة، فإذا كان قبل الياء سَاكِن خرِّكَتْ إلى الفتح لا غير، لأن أصلها أن تحرك ولا ساكن قبلها، وإذا كان قبلها ساكن صارت حركتها لازمَةً لالتقاء السَّاكنين،. ومن أجاز بمصْرخيِّ بالكسر لَزِمَهُ أن يقول: هذه عَصَاي أتوكأ عليها، وأجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر لأن أصل التقاء السَّاكنين الكسرُ، وأنشد: قال لها هل لك يا ثافيِّ. . . قالت له مَا أنتَ بالمَرْضِيِّ

стр. 1089

وهذْا الشعر مما لا يلتفت إليه، وعَمَل مثلِ هذا سهلٌ، وليس يعرف قائل هذا الشِعرِ من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله . (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ). إني كفرت بشرككم - أيهَا التُّبَاعُ - إياي باللَّهِ، كما قال : (ويومَ القيامةِ يَكْفُرُون بِشِرْكِكُمْ). وقوله تعالى: (عَذَابٌ ألِيمٌ) معناه وجيعٌ مؤلمٌ. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) ضرب اللَّه للإيمان به مثلًا، وللكفر به مَثَلاً، فجعل مَثل المؤمِنِ في نطقه بتوحيده والإيمان بنبيه واتباع شريعته، كالشجرَة الطيبة. فجعل نفع الِإقامة على توحيده كنفع الشجرة الطيبة التي لا ينقطعَ نفعُها وثمرها، وجاء في التفسير أن الشجرة الطيبة النخلة، والدليل على أن هذا المثل يراد به توحيد اللَّه، والِإيمانُ بنَبِيِّهِ وشرِيعَتِه قوله : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). * * * وقوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) اختلف الناس بتفسير الحين، فقال بعضهم كل سَنَةٍ، وقال بعضهم: كل

стр. 1090

ستةِ أشْهُر، وقال بعضهم: غُدْوة وعشية. وقال بعضهم: الحين شهران. وجميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهب إلى أنَّ الحينَ اسم كالوقت. يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت. فالمعنى في قوله تعالى (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) أنهاينتفع بها في كل وقتٍ، لا ينقطع نفعها ألبتَّةَ، والدَّليل على أن الحين بمنزلة الوقت قول النابغة، أنشده الأصمعي في صفة الحيَّةِ والملدوغ. تناذرها الراقون منَ سوء سمها. . . تطلقه حيناً وحيناً ترَاجعُ فالمعنى أَن السم يَخِفُّ أَلَمُه في وقت ويعود وقتاً. * * * (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) قيل إن الشجرة الخبيثة الحنظل وَقيلَ الكوث. (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ). معنى (اجْتُثَّتْ) استؤصلت من فوق الأرض، ومعنى اجْتُثَّتْ في اللغةِ أخِذتْ جُثَّتَهُ بكمالها: (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ). فالمعنى أنَّ ذكرَ اللَّه بالتَّوْحِيدِ يَبْقَى أبداً ويَبْقَى نَفْعه أبداً، وأن الكفْرَ والضلاَلَ لَا ثبوتَ لَه.
следующие страницы →