← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أعْلِمَ أنَّهم لَا يَلدُون إلاً الكَفَرةَ. بقوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). مَعْناهُ لا تحزن ولا تَسْتَكِنْ. * * * وقوله: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) الفلْك السفينة، والفَلَك يكون واحداً ويكونُ جمعاً كما أنهم قالوا أَسَدٌ وأُسْد، قالوا في الواحد فَلَك وفي الجمع فلْك، لأن فَعْلا وفَعَلا جمعها واحدٍ ويأتيان بمعنى كثيراً، يقال العُجْم والعَجَم، والعُرْب والعَرَبِ والفُلكْ والفَلَكَ. والفَلْكة يُقَال لكلّ شيءٍ مسْتَديرٍ أو في استدارة. ومعنى: (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا). أي بإبْصَارنا إليْكَ وحفظنا لك، وبما أوحيْنا إليْك (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ). المعنى: لا تخاطبني في إمهال الذين كفروا إنهم مغرقون. ثم أخبر اللَّه - جَلً ثناؤه - بعَمله الفلك فقال: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) يقال في التفسير إنهم كانوا يَقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي مُرْسَل صار نجَّاراً، فقال: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ). أي نحن نستجهِلكُمْ كما تستجهلوننا، ثم أعْلَمَهمْ بِمَا يَكون عاقبة أمْرِهم فقال:

стр. 982

(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) أي فسوف تعْلَمون من هو أحق بالخْري، ومن هو أحْمدُ عاقِبةً. * * * (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) أعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - نوحاً أنْ وَقْتَ إهلاكهم فَوْرُ التَّنُور. وقيل في التَّنُور أقْوالٌ. قيل إن التَّنُورَ وجه الأرْض. ويقال إن الماء فارَ من ناحيةِ مَسْجد الكُوفَةِ ويقال إن الماء فار من تَنُورِ الخابزَةِ، وقيل التَنُور تنوير الصبْح. والجملة أن الماء فار من الأرض وجاءَ من السَّماء قال اللَّه - جلَّ وعزّ - (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢). فالماء فَوْرُه من تَنُّورٍ أو من ناحية المسجد أو من وجه الأرض، أو في وقت الصبح لا يمنع أن يكون ذلك العلامةَ لِإهلاكِ القوم. (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). أي: من كل شيء، والزوج في كلام العرب واحدٌ ويجوز أن يكون معه واحد، والاثنان يقال لهما زَوْجَانِ يقول الرجل: على زوجان من الخفاف. وتقول: عِنْدي زوجان من الطير، وإنما تريد ذكر أو أنثى فقط. وتقرأ من كلِّ زوجين - على الِإضافة - والمعنى واحد في الزَوْجين أضَفْتَ أم لم تضِفْ. (وَأهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ).

стр. 983

أي واحملْ مَنْ آمَن، ويقال إن الذين آمنوا معه كانوا ثمانين نفساً. فقال تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ). لأن ثمانمين قليل في جُمْلَةِ أُمَّةِ قَوْمِ نوحِ. * * * (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) أي باللَّهِ تجري، وبه تستقرُّ. ومعنى قًلْنَا بِاسْمِ اللَّه أي باللَّه. وقد قرئت على وجوه، قرئت مَجْرَاها بفتح الميم، ومُرسَاهَا بضم الميم. وقرئت مُجْراها ومُرْسَاها بضم الميمين جميعاً. ويجوز مَجْرَاها ومَرْسَاها، وكل صواب حسن. فأما من قرأ مجراها بفتح الميم، فالمعنى جَرْيُها ومُرْسَاها المعنى وباللَّه يقع إرساؤها، أي إِقْرارها. ومن قرأ مُجْراها ومُرْسَاهَا. فمعنى ذلك باللَّه إجرأؤها وباللَّه إِرْسَاؤها يقال: أجريته مُجْرى وإجْراءً في معنى واحد. ومن قال مَجرَاها ومَرسَاهَا، فهو على جَرَتْ جَرْياً ومَجرى، وَرَسَتْ رسُوَّا ومَرْسىً. والْمُرسَى مستقرها. والمعنى أن الله جلَّ وعزَّ أمَرَهُمْ أن يُسَمُّوا في وقت جريها ووقت استقرارها. ومُرْساها في موضع جر على الصفة للَّهِ - جلَّ وعزَّ -. ويجوز فيه شيء لم يقرأ به ولا ينبغي أن يقرأ به لأن القراءة سنة متبعة:

стр. 984

باسم اللَّه مُجْرِيَها علي وَجْهيْنِ: أحدهما الحال، المعنى مُجْرِياً لَهَا ومُرْسِياً لها. كما تقول مررت بزيدٍ ضَارِبَها على الحال. ويجوز أن يكون منصوباً على المدح، أعني مُجرِيَها ومُرْسِيَهَا. ويجوز أن يكون مُجْرِيها ومُرْسِيها في موضع رفع على إضمار هو مجريها ومرسيها. * * * وقوله: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قيل إن السَّمَاءَ والأرضَ التقى ماؤهما فطبق بينَهُمَا وجرت السفينة في ذلك الماء. وقوله: (وَهِيَ تَجْرِيِ بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجِبَالِ). إن الموج لا يكون إلا فوقِ الماء، وجاء في التفسير أن الماء جَاوَزَ كل شيء خَمَسَةَ عَشَر ذِرَاعاً، قال اللَّه : (فالْتَفَى الماءُعلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ). فجائز أن يكون يلتقي ماء السماء وماء الأرض وما يطبق ما بينهما. وجائز أن يطبق ما بينهما. والموج تَمَوُّجُ المَاءِ، وأكثر ما يُعْرَفُ تكونُه في عُلُوِّ الماء، وجائز أن يتموج داخل الماء. . والرواية في السفينة أكثر ما قيل في طولها أنه كان ألفاً ومائتي ذراع. وقيل ستمائة ذراع. وقيل إن نوحاً بعث وله أربعون سنةً ولبث في قومه كما قال الله - جل ثناؤه - ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسين عَاماً. . وعمل السفينة في خمسين سنة ولبث بعد الطوفان ستين سنة.

стр. 985

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ). يجوز أن يكون كان في معزل من دينه، أي دين أبيه ويجوز أنْ يكونَ - وهو أشبه - أن يكون في معزل من السفينة - (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا). الكسر أجود القراءة أعني كسر الياء، ويجوز كسرها وفتحها من جهتين، إحداهما أن الأصل با بُنَيي، والياء تحذف في النداء، أعني ياء الِإضافة، وتبقى الكسرة تدل عليها، ويجوز أن تحذَفَ الياء لسكون الراء منَ ارْكبْ، وتقَرُّ في الكتاب على ما هي في اللفظ. والفتح من جهتين، الأصل يا بُنيَّا فتبدل الألف من ياء الِإضافة. العرب تقول: يا غلاما أقبل، ثم تحذف الألف لسكونها وسكون الراء. ويقَرُّ في الكتاب على حذفها في اللفظ ويجوز أن تحذف ألف النداء كما تحذف ياء الإضافة، وإنما حذفت ياء الإضافة وألف الِإضافة في النداء كما يحْذَفُ التنوين، لأن ياء الِإضافة زيادة في الاسم كما أن التنوين زيادة فيه، ويجوز وجه آخر لم يقرأ به وهو إثبات الياء، يا بُنَيِّي، وهذه تَثْقُل لاجتماع الياءات. * * * (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) أي يمنعني من الماء، والمعنى من تَغْرِيقِ الماء (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ). هذا استثناء ليس من الأول، وموضع " مَنْ " نَصْبٌ المعنى لكن مَنْ رَحم اللَّهُ، فإنه مَعْصُوم، ويكون (لاَ عَاصِمَ) معناه لا ذَا عِصْمَةٍ، كما قالوا: (عِيشَة رَاضِيَةٌ)، مَعناه مُرْضية وجاز راضية على جهة النسب أي في عيشةٍ ذات رضا.

стр. 986

وتكون " من " " على هذا التفسير في موضع رفع، ويكون المعنى لا مَعْصُومَْ إلا المرحوم. وقوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) (وَغِيضَ الْمَاءُ). يقال غاض الماء يغيض إذا غاب في الأرض، ويجوز إشْمامُ الضَم في الغين. (وَقُضِيَ الأمْرُ) أي هلاك قوم نوح. (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ). والْجُودِيّ جبل بناحية آمِدَ. * * * وقوله: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قرأ الحسنُ وابنُ سيرين " عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ " وكان مذهبُهمَا أنه ليس بابنه، لم يولد من صلبه، قال الحسن: واللَّه ما هو بابنه. وقال ابن عباس وابن مسعود إنه ابنه، ولم يبتل اللَّه نبِيا في أهْلِه بمثلِ هَذِه البَلْوَى. فأمَّا من قرأ: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ). فيجوز أن يكون يعني به أنه ذو عمل غير صالح، كما قالت الخنساء. ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت. . . فإنما هي إقبال وإدبار

стр. 987

أي ذات إقبالٍ، وقد قال الله (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ) فنسبه إليه. وللقائلِ أن يقول نسبه إليه على الاستعمال، كما قال اللَّه - جلَّ وعزَّ - (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ)، فنسبهم إليه على قولهم، واللَّهُ لا شريك له، ولكن الأجودَ في التفسير أن يكون: إنه ليس من أهلك الذين وَعَدْتكَ أن أنَجِّيَهُمْ، ويجوز أن يكون (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) إنَّه لَيْسَ من أهلِ دينِك. * * * (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ). ويقرأ " فلاتسألَنَّ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ". * * * وقوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) المعنى وأرْسلنا إلى عادٍ أخاهُم هُودًا. وقيل أخاهم من جهتين: إحْدَاهُما أنه منهم وبيِّن بلسانهم، والأخرى أنه أخوهم من ولد آدم، بشر مثلهم.

стр. 988

(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). وإن شئت غَيرِه، غيرِه من نعت الِإله، و " غَيْرُه " على معنى ما لكم إلهٌ عيرُه. * * * (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) كان أصابهم جَدْبٌ فاعْلَمَهُم أنَّهم إن اسْتَغْفَرُوا ربَّهُمْ وتابوا أرسل السماء عليهم مدراراً. والتوبة الندم على ما سلف، والعزمُ على ترك العَوْدِ في الذنوب. والإقامةِ على أداء الفرائض. وَنصب (مِدْرَاراً) على الحال، كأنَّه قال يرسل السماء عليكم دارَّة، ومعنى مدرار المبالغة، وكان قومٌ هودِ - أعني عاداً - أهلُ بساتين وزُرُوع وعَمَارَةٍ. وكانت مساكنهم الرمالَ التي هي بين الشام واليَمَن، فدعاهم هودٌ إلى توحيد اللَّه واستغفاره وترك عبادة الأوثان، فلم يطيعوه وتوعدهم بالعذاب فأقاموا على كفرهم، فبعث الله عليهم الريح، فكانت تدخل في أنوفهم وتخرج من أدْبَارِهم وتُقَطعُهمْ عُضْواً عُضْواً (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا). أيْ يزِدْكم قوةَ في النعمة التي لكم ويجوز أن يكون: ويزدكم قوةً في أبْدَانِكُمْ. * * * (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) أي ما نقول إلا مسَّك بعض أصنامنا بجنونٍ، بِسَبِّكَ إيَّاهَا فقال لهم

стр. 989

(إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) وهذه من أعظم آيات الرسُل أن يكون الرسول وَحْدَه، وأمتُه متعاونة عليه، فيقول لها: كِيدُونِي ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ، فلا يستطيِع وَاحدٌ مِنهم ضَرَّه. وكذلك قال نوحٌ لِقَوْمِه: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١). وقال محمد ﷺ (فَإنْ كَانَ لَكمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ). فهذه هن أعظم آيات الرسل وأدَلَّها على رِسَالَاتِهِمْ. * * * (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) أي هي في قبضتِه، وَتَنَالُهَا بِمَا تَشاء قُدرَتُه، ثم قال: (إن رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). أي هو سبحانه وإن كانت قَدْرَته تنالها بما شاء، فهو لا يشاء إلاَّ العَدْل. * * * (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) المعنى فإن تَتَولًوْا. (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ). فجعل (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) في موضع قَدْ ثَبتَتِ الحجة عليكم (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ). * * * وقوله: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) يحتمل أن يكون بما أرَيْنَاهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة،

стр. 990

ويحتمل أن يكون (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) أي لا ينجو أحد وإن اجتهد إلا برحمة من اللَّه - جلَّ وعزَّ - (وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ). أي مما عُذب بِهِ قوم عاد الكفار في الدنيا ومما يُعذبُونَ به في الآخرة. * * * (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) " أَلَا " ابتداء وتنبيه. وَ (بُعْدًا) منصوب على أبْعَدَهُمُ اللَّه بُعْدًا، ومعنى بُعْدًا أي بُعْدًا من رحمة اللَّه. * * * (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) المعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً. وثمود لم ينصرف لأنه اسمِ قبيلة، ومن جعله اسماً للحيِّ صرفه وقد جاء في القرآن مصروفاً: (الا إنَّ ثَمُودًا كَفَروا رَبَّهُمْ). * * * (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ). ثم بين ما هي فقال: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً). يقال: إنها خرجت من حَجَرٍ، وفي هذا أعظم الآيات، ويقال إنها كانت تَرِدُ المَاء لا تَرِدَ الماء معها دَابةٌ، فإذا كان يوم لا تَرِد، وردَتْ الوَارِدَةُ كلها. وفي هذا أعظَمُ آية.

стр. 991

ونَصْبٌ آية على الحَال. المعنى إن قال هذه نَاقَةُ اللَّهِ آيةً أو آية لكُمْ. فكأنه قال: انتبهوا لها في هذه الحالة. والآية العلامة. (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) وتأكل من أرض اللَّهِ، فمن قرأ تَأكلْ بالجزم فَهوَ جَوَابُ الأمر. وقد بيَّنَّا مثله في سورة البقرة، ومن قرأ تأكلُ فمعناهُ فذروها في حال أكلها. ويجوز في الرفع وجه آخر، على الاستئناف. المعنى فإنها تأكل في أرض اللَّه. (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ). (فَيَأْخُذَكُمْ) جواب النَهْيِ، والمعنى عذاب يَقْرُبُ مِمن مَسَّها بالسُّوءِ. أي فإن عقرتموها لم تُمْهَلُوا. * * * (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فأهلكوا بَعْدَ الثلاثِ، وَقَدْ بيَّنا في الأعراف كيف أهلكوا. * * * وقوله: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) معناه كان لم ينزلوا فيها. قال الأصْمعي: المَغَانِي المَنازِل التي نزلوا بها. يقال غَنِينَا بمكان كذَا وكَذا إذَا نَزَلوا به. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) بالبشر ى، بالولد. (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ). وقَالوا سَلاَمٌ، يُقْرأ أن جميعاً، فأما قوله (سَلاماً) فمنصوبٌ على سَلَمْنا سَلاَماً، وأما سَلاَمٌ فمرفوع على معنى أمري سَلاَمٌ (وَمَنْ قَرَا سَلامٌ) فمرْفُوعٌ عَلَى أمري سلام.

стр. 992

أي لَسْتُ مُرِيداً غير السلامة والصفح (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ). أي ما أقام حتى جاء بعجل حنيذٍ. والحنيذ المشويُّ بالحِجَارَة وقيل: الحنيذ المشوي حَتَّى يَقْطُرَ. والعربُ تقولً: احْنِذِ الفرس أي اجعل عليه الجُلَّ حَتَّى يقطرَ عَرقاً. وقيل الحنيذ المشوي فقط. وقيل: الحنيذ السَّمِيطُ. ويقال حَنَذَته الشمس والنار إذَا شوته. * * * (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) لم يأكلوا لأنهم ملائكة، ويقال إنهم كانت العلامةُ لديْهم في الضيفان إذا قصدوا لِخيْرٍ الأكلَ. يقال: نكِرْت الشيءَ وأنكرت، ويقل في اللغة أنكر ويَقِل منكور. والكلام أنكر ومنكور. و (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). معناه أضمر منهم خوفاً (قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ). ألا تراه قال في موضع آخر: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣). * * * (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) يروى أنها ضحِكتْ لأنها كانت قالت لإبراهيم: اضْمُمْ لوطاً ابنَ أخيك

стр. 993

إليْك، فإني أعلمُ أنه سينزل بهؤلاء القومِ عذابٌ، فضحكت سروراً لمَّا أتى الأمر على ما تَوَهَّمَتْ. فأما مَن قال: ضحكت: حَاضَتْ فليس بشيء (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ). يقرأ يعقوبُ ويعقوبَ - بالرفع والنصب وفي هذه البشارة بشارة بالوَلَدِ وَوَلَد الوَلَدِ، يقالُ هذا ابني من الوراء. أي هذا ابن ابني. فبشرناها بأنها تلد إسحاق وأنها تعيش حَتَى ترى وَلَدَه. وروينا في التفسير أن عُمْرَهَا كان تسعاً وثمانين، وأن عمر إبراهيم كان تسعاً وتسعين في وقت البشارة. فأما من قرأ: (وَمِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ)، فيعقوب في موضع نصب محمول على موضع فبشرناها بإسحاق، محمول على المعنى، المعنى: وهبنا لها إسحاق ووهبنا لها يعقوب. ومن قرأ يَعْقُوبُ فرفْعُه على ضربين، أحدهما الابتداء مَؤخَّراً، معناه التَّقديم، والمعنى ويعقوب مُحْدَثٌ لها من وراء إسحاق. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالفعل الذي يعمل في " مِنْ وَرَاء " كأنَّه قال وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب. ومن زعم أن يعقوب في موضع جر فخطأ زعمُه، ذلك لأن الجارَّ لا يفصلُ بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو العاطفة، لا يجوز مررت بزيد

стр. 994

في الدارِ، والبيْتِ عَمْروٍ ولا في البيتِ عَمْرو، حتى تقولَ وَعَمروٍ في البيت. * * * (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) المصحف فيه يا ويلتي بالياء، والْقِراءَة بالألف، إن شِئت على التضخيم، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الِإمَالة. والأصل يَا ويلَتِي فَأبْدِلَ من الياء والكسرةِ الألف، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة. ويجوز الوقف عليه بغير الهاء. والاختيار أنْ يوقف عليه بأنهاء، يا ويلَتَاهُ. فأمَّا المصحف فلا يخالف، ولا يوقف عليه بغير الهاء، فإن اضطر واقف وقف بغير الهاء. فأمَّا الهمزتان بعد " يَا وَيلَتَى " ففيهما ثلاثة أوجه، إن شئت حَقَّقْتَ الأولى وخَفَّفْتَ الثانيةَ، فقلتَ يا وَيلَتَى أألِدُ، وإن شئتَ - وهو الاختيار خفَّفْت الأولى وخفَّفْتَ الثانية فقلت يا وْيلَتَى آلِدُ، وإن شئت حَقَّقْتَهُما جميعاً فقلت أَألدُ وتحقيق الهمزتين مذهب ابن أبي إسحاق. (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً). القراءة النصب وكذلك هي في المصحف المجمع عليه، وهو منصوب على الحال، والحال ههنا نصبها من لطيف النحو وغامضه. ذلك أنك إذَا قلت هذا زيد قائما، فإن كنت تقصد أن تخبر من يعرف زيداً أنه زيدٌ لم يجز أن تقول: هذا زيد قائماً، لأنه يكون زيداً ما دَام

стр. 995

قائماً، فإذا زال عن القيام فليس بزيدٍ، وإنما تقول ذاك لِلذي يعرف زيداً: هذا زيدٌ قَائِماً فيعمَلُ في الحال التنبيه، والمعنى انتبه لزيد في حال قيامه. وَأشِيرُ لك إلى زيد حال قيامه، لأن " هذا " إشارة إلى ما حضر، فالنصب الوجْهُ كما ذكرنا ويجوز الرفع. وزعم سيبويه والخليلُ أن النصبَ من أربعةِ أوْجهٍ: فوجه منها أن تقول: هذا زيد قائم فترفع زيداً بهذا وترفع قائماً خبر ثانياً، كأنك قلت: هو قائم أو هذا قائم. ويجوز أن تجعل زَيْداً وقَائِماً جميعاً خبرين عن هذا فترفعهما جميعاً خبراً بهذا، كما تقول: هذا حُلْوٌ حَامِضٌ تريد أنه جمعَ الطعمين. ويجوز أن تجعلَ زيداً بدلاً من هذَا، كأنك قلت زيد قائم. ويجوز أن تجعل زيداً مبَيِّناً عن هذا، كأنك أردت: هذا قائم، ثم بينت من هو بقولك زيد. فهذه أربعة أوجه. * * * (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) الرَّوْعُ: الفزغ. يعني ارتياعُه لمّا نكرهم حين لم يأكلوا من العِجل. والرُّوع - بضم الراء - النفس. يقال وقر ذلك في رُوعِي، أي في نَفْسي ومن خَلَدِي. (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ). يجادلنا حكاية حال قد مضت لأن " لَمَّا " جعلت في الكلام، لِمَا قد وقعَ

стр. 996

لوقوعِ غَيرِه. تقول: لما جَاءَ زيد جاء عمرو. وَيجوز لمَّا جاء زيد يتكلم وعمرو، على ضربين: أحدُهُمَا أن إنْ لما كانت شرطاً للمستقبل وقع الماضي فيها في مَعنى المستقبل، نحو إن جاء زيد جِئتُ. والوجه الثاني - وهو الذي أختارُه - أن يكون حالًا لحكاية قد مضت. المعنى فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءَتْه البُشْرى أخَذَ يُجَادِلُنا في قوم لوط، وأقبل يجادِلنَا. ولم يذكر في الكلام أخذ وأقبل، لأن في كل كلام يخاطب به المخاطب معنى أخَذَ وأقْبَلَ إذَا أرَدْتَ حكايةَ الحَالِ، لأنك إذَا قلتَ: قام زيد، دللت على فعل ماضٍ. وإذا قلت أخَذ زيْدْ يَقُولُ دللت على حال ممتدة من أجلها ذكرتَ أخَذَ وأقْبَلَ. وكذلك جعل زيد يقول كذا وكذا، وكَرَبَ يَقول كذا وكذا وقد ذكرنا (الأوَّاه) في غير هذا الموضع، وهو المبتهل إلى اللَّه المتخشع في ابتهاله، الرحيم الذي يكثر من التأوه خوفاً وإشفاقاً من الذنوب. ويروى أن مجادلته في قوم لوط أنه قال للملائكة وقد أعلَمُوه أنهم مُهلِكُوهم، فقال أرأيتم إنْ كانَ فِيها خمسُونَ من المؤمنين أتهلكونَهُمْ مَعَهمْ إلى أن بلغ خمسةً، فقالوا لا، فقال اللَّه : (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦).

стр. 997

ويروى أنهم كانوا جَمْعاً كثيراً، أكثرُ ما رُوِي فيهم أنهم كانوا أربعة آلاف. (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) المعنى جَادَلَنا فقلنا يا إبراهيم أعْرض عن هذا. ويروى أن إبراهيم لَمَّا جَاءته الملائكةُ كان يعمَلُ في أرض له وكلما عمل دَبْرَةً من الدِّبَارِ وهي التي تسمى المشارات غَرَّز بَالَتَهُ وصَلَّى، فقالت الملائكة حقيق على اللَّه أن يتَّخِذَ إبراهيم خليلاً. * * * وقوله: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) معناه ساءَه مَجيئُهم، لأنهم استضافوه فخاف عليهِمْ قومَه، فلما مَشَى معهُمْ قليلاً قال لهنَّ: إن أهل هذه القرية شَرُّ خلقِ الله وكان قَدْ عُهِدَ إلى الرسُل ألَّا يهلكوهم حتى يَشْهَد عليهم لوط ثلاث مرات، ثم جَازَ عليهم بعد ذلك قليلاً، وردَّ عليهم القول ثم فَعلَ ذلكَ ثالثةً ومَضَوا معه. (سِيءَ بِهِمْ) أصله سُوِئ بهم، من السّوءِ إلا أن الواو أُسكِنتْ وثُقِلت كسرتها إلى السِّين، ومن خفَّفَ الهمزة قال: سِي بِهِمْ (وضاق بهم ذَرْعاً). يقال ضاق زيد بأمْرِهِ ذَرْعاً إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مَخْلَصاً. (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ).

стр. 998

أي شديد، فلما أضافهم مضت امرأته - عجوز السوء - فقالت لقومه إنه استضاف لوطاً قومٌ، لمْ أر أحْسنَ وجوهاً مِنْهُمْ وَلَا أطْيَبَ رَائِحةً، ولا أنظف ثياباً. * * * (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) أي يسرعون في المجيء، فراوَدوه عن ضيفه، وحاولوا فتح بابه. فأعلمته الملائكة أنهم رسل اللَّهِ وأن قومَه الفسقَةَ لن يصلوا إليهم. فقال لهم لوط حين رَاوَدوه: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي). فقيل إنهم عُرِضَ عليهم التزويج، وكأنه عرضه عليهم إنْ أسْلَمُوا وقيل: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي): نساء أُمَّتِي، فكأنَّه قال لهم التزويج أطهر لكم. فلما حاولوا فتح البابِ طمس اللَّه أعْينَهمْ. قال اللَّه : (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ). ولما استعجلوه بالعذاب، قالت لهم الرسل: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ). (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) القراءة بالرفع في أطْهر، وقد رُوِيتْ عن الحسن هن أطهرَ لكم، وعن عيسى بن عمر. وذكر سيبويه إنْ ابنَ مَروانَ لَحَن في هَذِه في نَصْبَهَا. ْوليس يُجيز أحدٌ من البصريين وأصحَابِهِمْ نصبَ أطْهر، ويجيزها

стр. 999

غيرهم. والذين يجيزونها يجعلون " هُنَّ " في هذا بمنزلتها في " كان " فإذا قالوا: هؤلاء بَنَاتِي أطْهَر لَكم، أجازوا هُنُّ أطهَر لَكمْ، كما يجيزون كان زيد هو أطهر مِنْ عَمْروٍ. وهذا ليس بمنزلة كان. إنما يجوز أن يقع " هو " وتثنيتها وجمعها " عماداً " فيما لا يتم الكلام إلا به، نحو كان زيد أخاكَ. لأنهم إنما أدخلوا " هُمْ " ليُعْلِمُوا أن الخَبَرَ لا بد منه، وأنه ليس بصفة للأول. وباب " هذا " يتم الكلام بخبره، إذا قلت: هذا زيد فهو كلام تام. ولو جاز هذا لجاز جاء زيد هو أنْبَلُ من عمرو. وإجماع النحويين الكوفيين والبصريين أنه لا يجوز قدمَ زيد هو أنْبلَ مِنك حتى يرْفَعوا فيقولوا هو أنبل منك. وبعد فالذين قرأوا بالرفع هم قُراءُ الأمْصارِ، وهم الأكثر. والحسن قد قرأ " الشياطون " والشياطون ممتنع في العربيةِ. وقد قال بعضهم: إن المشركين في ذلك الدهر قد كان لهم أن يتزوجوا من المسلمين. * * * وقوله: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ). أي بظلمةٍ من الليل. يقال: معنى قِطْع من الليل أي قطعةٍ صالحةٍ،

стр. 1000

وكذلك مَضى عِنْك من الليل، وسعْوٌ مِنَ الليْلِ. ويقرأ: (فَأسْرِ) بإثباتِ الهمزَةِ في " اللفظ، ويقرأ: فَاسْرِ يقال أسْرَيْت وسَرَيْت إذَا سِرْت ليلاً. قال الشاعر: سرَيْت بهم حتى تكلَّ مَطيُّهم. . . وحتى الجِيادُ ما يُقَدْن بأَرْسانِ وقال النابغَة أسرَتْ عَلَيْهِمْ من الجوزاء سارِية. . . تزْجِي الشمَال عليها جامدُ البَردِ وقد روَوْا في هذا البيت سَرَتْ. وقال اللَّه - جَل وعز -.: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ). وقوله: (إِلَّا امْرَأَتَكَ). يجوز فيه النصب والرفعُ فمن قرأ: (إِلَّا امْرَأَتَكَ). بالنصْبِ فَعَلَى معنى

стр. 1001

فأسر بأهلك (إِلَّا امْرَأَتَكَ)، ومن قرأ بالرفع، حَمَلَهُ عَلَى مَعْنَى: (ولا يلتفِتْ منكم أحدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ). * * * وقوله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا). يقال إن جبريل جعل جناحه في أسْفَلِهَا ثم رَفَعها إلى السماء حتَى سمع أهلُ السماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِيَاح الدجَاجِ، ثم قَلَبَها عَلَيْهِمْ. (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وقد قال الناس في سِجيل أقْوالًا، ففي التفسير أنها مِنْ جِلٍّ وحِجَارَة. وقال أهل اللغة: هو فارِسِي مُعرَّبٌ، والعرب لا تعرف هذا. والذي عندي أنه إذَا كان هذا التفسيرُ صَحيحاً فهو فارِسي أعْرِبَ لأن اللَّه - جلَّ وَعَزَّ - قد ذكر هذه الحجارة في قصة قوم لوط، فقال: (لِنُرْسِلَ عَليْهِمْ حِجَارةً مِنْ طِينٍ) فقد تبين للعرب ما عُنِيَ بـ سجيل. وَمِنْ كلام الفرسِ ما لا يحْصَى مما قد أعْرَبتْهُ العَرَبُ. نحو جاموس وديباج. فلا أنْكِرَ أن هذا مِما أعْرِبَ. وقال أبو عبيدة معمرُ بنُ المثَنَّى: تأويله كسَيْرَة شديدة، وقالَ إن مثل ذلك قول الشاعر:

стр. 1002

ورَجْلةٍ يَضْرِبون البَيْضَ عن عُرُضٍ. . . ضَرْباً تَوَاصَتْ به الأَبْطالُ سِجِّينا والبيت لابن مُقْبِل، وسِجين وسِجيل بمعنى وَاحدٍ. وقال بعضهم: سِجيل من أسْجَلتهُ أي أرْسَلْتَهُ فكأنَّها مُرْسَلَة عَلَيهْم. وقال بعضهم من سِجيلٍ، من أسْجَلْتُ إذا أعْطيتُ، فجعله من السَّجْل وهو الدلْو. قال الفَضلُ بنُ عباس: من يُساجِلْنِي يساجِل ماجداً. . . يَملأ الدلو إلَى عَقْد الكَربُ وقيل من سِجيل كقولك مما سُجِّلَ أي مما كتب لهم، وهذا القول إذا فُسِّرَ فهُوَ أثبتها. لأن في كتاب اللَّه تعالى دَلِيلاً عليه. قال - جلَّ وعزَّ -: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩).

стр. 1003

سِجيل في معنى سِجين. فالمعنى إنها حجَارَة مما كتب اللَّه - جل ثناؤه - أنه يُعَذَبُهُمْ بها. وهذا أحْسنُ ما مَرَّ فيها عِنْدِي. فامّا قوله: (مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ). فمعناه أن بعضها يأتي مَعَ بَعْض كالمطرِ. وأما (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) فروي عن الحسن أنها مُعْلَّمَة ببياض وحُمْرةٍ. وقال غيرُه: مُسَوَّمَةً بعَلامَةٍ يعلم بها أنها ليست مِنْ حِجَارةِ أهْلِ الدنيا، وتُعْلَم بسيماها أنها مما عذب اللَّهُ بها. (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ). قِيلَ إنها ما هي من ظالمي هذه الأمة بِبَعِيدٍ. * * * (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) المعنى أرسلْنا إلى أهل مَدين أخَاهُمْ شعَيْباً، فحذف أهل وأقام مَدْين مقامَه. ومَدْين اسمُ المَدينة أو القبيلة فلذلك لم ينصرف. * * * وقوله: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) ومعناه طاعة اللَّه (خيرٌ لكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). ويجوز أنْ يكون مَعْنَاهُ الحال التي تَبْقَى لكم من الخير خير لكم. * * * (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) ويقرأ: أصَلَواتك. (تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا). هذا دليل أنهم كانوا يعبدون غير اللَّه - جلَّ وعزَّ - (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ).

стр. 1004

المعنى إنا قَدْ تَرَاضَيْنَا بالبخس فيما بَيْنَنَا. وفي التفسير أنَّه نهاهم أن يَحْذِفُوا الدرَاهِمَ. أي (أن) يكسروها. (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ). قيل كنى بذَا عن أنهُمْ قالوا له: إنك السَّفِيهُ الجاهِل. وقيل إنهُمْ قالوا له هذا على وجه السِّخرِيّ. * * * وقوله: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وجواب الشرط ههنا متروك. المعنى: إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي اتَّبعُ الضلاَلُز فترك الجواب لعلم المخَاطَبينَ بالمعنى، وقد مر ما تُرِكَ جَوَابُه لأنه مَعْلُوم وشرحُه في أمكنتِه. وقوله: (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا). أي: حَلالاً، وقيل:. رزقاً حَسَناً ما وُفقَ لَه مِنَ الطاعَةِ. (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ). أي لست أنهاكم عن شيء وأدْخُلُ فيه، وإنما أختار لكم ما أختار لنفسي، ومعنى " مَا أخَالِفُكَ إليه "، أي ما أقصد بخلافك القَصْدَ إلى أن أرْتكِبَهُ. (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ). أي بقدر طاقَتِي، وَقَدْرُ طَاقَتِي إبْلَاغُكم وإنذَارُكم، ولست قادراً على إجبَاركم على الطاعةِ. ثم قال:

стр. 1005

(وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ). فأعْلَمَ أنه لا يقدر هو ولا غيرُه على الطاعة إلاَ بتوفيق اللَّه. ومعنى (إِلَيْهِ أُنِيبُ) إليه أرجع. * * * (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) مَوضع أنْ نَصْبٌ، المعنى لا تكْسِبَنَّكُمْ عداوتُكم إيَّايَ أنْ يُصيبَكم عذابُ العاجلة (مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِي). وكان إهلاك قوم لوط أقربَ الإهْلَاكات التي عرفوها، فكأنَّه قال لهم: العظةُ في قوم لوط قريبة مِنكم. * * * (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) وكان ضرِيراً. وحِمْيرُ تُسمَي المكفوف ضعيفاً، وهذا كما قيل ضَرِير أي قد ضُر بذهاب بَصَرِهِ، وكذلك قد كُفَّ عن التصَرفِ بذهاب بصره. (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ). أي لولا عشيرتك لرجمناك أي لَقَتلناك بالرجْم، والرجم من سَيئ القتلات، وكان رهطه من أهل مِلَّتِهِمْ فلذلك أظهروا الميل إلَيْهِمْ والإكرام لهم. * * * (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) أي أنتم تزعمون أنكم تتركون قَتْلِي إكراماً لِرهْطِي - واللَّه - جلَّ وعزَّ - أولى بأن يتبعَ أمْرُه. (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا).

стр. 1006

أىْ نَبَذْتُموه رَرَاءَ ظهوركم، والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمْرٍ قد جعل فلانٌ الأمر بظهره. قال الشاعر: تَمِيمُ بنَ قَيْسٍ لا تَكونَنَّ حاجَتِي. . . بظَهْرٍ فلا يَعْيا عَليَّ جَوابُها * * * وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) يروى أن جبريلَ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً فماتوا في أمْكِنَتِهمْ، فأصبحوا جاثمين لا يقدرون على حركة قَدْ مَاتوا. * * * (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) كان لم ينزلوا فيها، يقال: غَنِينَا بِانمَكانِ اذَا أنزَلْنَا بِهِ). (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ).

стр. 1007

(ألَا) حرف يُبتدأ الكلام به، وهو تنبيه للمخاطب ومعنى (بُعْدًا لِمدْيَنَ) أنهم قد بُعُدوا مِنْ رَحْمةِ اللَّهِ، وهو منصوب على المصدر، المعنى أبْعَدَهُم الله فبعُدوا بعدًا. ودليل ذلك: (كما بَعِدتْ ثَمُودُ). ويجوز بعَدَت وَبَعُدَتْ. * * * وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) أي بعلاماتنا التي تدل على صِحة نبوته. (وَسُلْطَانٍ مُبينٍ). أي وحجة بَينةٍ. والسُّلْطانُ إنَّما سُمِّيَ سُلْطَاناً لأنه حُجةٌ اللَّه في أرْضِه. واشتقاق السلطان مِنَ السليط، والسليط ما يُضَاءُ بِهِ، ومن هذا قيلَ للزيْت سَليط. * * * (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) مَلؤهُ أشرافُ قوْمِهِ، الَّذِينَ هم مِلَاءٌ بالرأيِ والمَقْدِرَة (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ). أي استحبُّوا العَمَى علىَ الهُدَى. * * * (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) يقال قَدَمْتُ القَوْم أقدُمُهُمْ قَدْماً وقُدُوماً إذَا تَقدْمتُهُمْ. أي يقدُمُهم إلى النَّارِ، ويدُل على ذلك قوله: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ).

стр. 1008

وقوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) كل شيءٍ جعَلْتَه عَوْناً لِشَيْء وأسندتَ به شيئاً فقدْ رَفَدْتَه، يقال عمدتُ الحائِطَ وأسنَدْتُه ورَفَدْتهُ بمعنى واحدٍ، والمرْفَدُ القَدَح العظيم. * * * وقوله: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) أي: من القُرى التي أهْلِكتْ قَائِمٌ قد بقيت حِيطَانُه، نحو قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ). (وَحَصِيدٌ) مخسوف به، وهي مأ قَد انمحى أثَرُه. * * * وقوله: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ). معناه غير تخسير، ومنه قوله (تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ) أي خسِرَت. * * * وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) فأعلم اللَّه أنه يحيي الخلق ويبعثهم في ذلك اليوم ويشهدوا به. * * * وقوله : (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) الذي يختاره النحويون: يوم يأتي لا تكلم نفس إلآ بإذنه. بإثبات الياء. والذي في المصحف وعليه القراء القراءات بكسر التاء من غير ياء. وهذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثِيراً. وقد ذكر سيبويه والخليل أن العربَ تقول لا أدْرِ فتحذف الياء وتجتزي بالكسْرِ، إلا أنَّهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. والأجود في النحو إِثبات الياء والذي أراه اتباع المصحف مع إجماع القراء، لأن القراءة سنة، وقد جاء مثله في كلام العرب. وهذة الآية فيها سؤال أكثر ما يَسْألُ عنه أهل الإلحاد في الدِّين فيقولون لم قال: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، و (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)

стр. 1009

وقال في مواضع من ذكر القيامة (فَأقْبَلَ بَعْضهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَلَاوَمُونَ). وقال: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) وقال: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ). وقال (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ). ونحن نفسر هذا على ما قالت العلماء المتقدمون في اللغة المسلمون الصحيحو الِإسلام: قالوا: قوله : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) اللَّه عالم بأعمالهم فَسألهُم سؤال توبيخ وتقرير لإيجاب الحجة عليهم. وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) أي لا يُسْألُ ليُعْلَمَ ذلك منه، لأن اللَّه قد علم أعمالهم قبل أن يعملوها. وكذلك قوله : (لا ينطقون)، أي لا ينطقون بحجة تجبُ لَهم، وإنما يتكلمون بالإقْرارِ بذنوبِهِمْ ولَوْمِ بعضهم بعضاً وطَرْحِ بَعضِهِم الذنوبَ على بعض، فأمَّا التكلم والنطق بحجة لهم فلا، وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيراً وخطابه فارغ من الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء فسمي مَن تكلم بما لاحجةَ له فيه، غير متكلم - كما قال : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهمْ لَا يُبصِرونَ) وهم يُبْصِرون وَيسْمعُونَ إلا أنهم في أنهم لا يقبلون ولا يُفكَرُونَ فيما يسمعون ولا يتأتَلونَ، بمنزلة الصمّ. قال الشاعر:

стр. 1010

أصم عما ساءه سميعُ فهذا قولٌ حسن. وقال قوم: ذلك اليوم طويل وله مواضع ومواطن ومواقف، في بعضها يُمْنَعُونَ منِ الكلام وفي بعضها يطلق لهم الكلامُ. فهذا يدل عليه (لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ). وكلا القولين حسن جميل. * * * (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) من شديد الأنين وقبيحه. (وَشَهِيقٌ) والشهيق الأنين الشديد المرتفع جدا. وزعم أهل اللغة من البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق. وقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ). فيها أربعة أقوال (١). قولان منها لأهل اللغة البصريين والكوفيين جميعاً. قالوا: المعنى خالدين فيها إلا ما شاء ربك بمعنى سوى ما شاء ربُّك. كما تقول: لو كان معنا رجل إلا زَيْداً أي رجل سوى زيدٍ ولك عندي ألف درهم سوى الألفين، وإلا الألفين اللذين لك عِنْدِي. فالمعنى على هذا خالدين فيها مقدار دوام السَّمَاوَات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلو والزيادة كما قلت سوى الألفين اللتين عَليَّ. وقالوا قولًا آخر: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ولا يشاء أن يخرجهم منها، كما تقول أنا أفعل كذا وكذا إلا أن أشاء غير ذلك ثم تقيم على ذلك الفعل وأنت قادر على غير ذلك، فتكون الفائدة في هذا الكلام أن لو شاء يخرجهم لَقَدَرَ، ولكنه قد أعلمنا أنهم خالدون أبداً.

стр. 1011

فهذان المذهبان من مذاهب أهل اللغة. وقولان آخران: قال بعضهم إذا حُشِرُوا وبُعِثُوا فهم في شروط القِيامَةِ فالاستثناء وقع من الخلود بمقدار موقفهم للحساب. والمعنى خالدين فيها ما دامت السَّمَاوَات والأرض إلا مقدار موقفهم للمحاسَبةِ. وفيها قول رابع: أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيراً وشهيقاً إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تُذكر. وكذلك لأهل الجنة نعيمُ ما ذُكر ولهم ما لم يذكر مما شاء ربكَ. ويدل عليه - واللَّه أعلم - عَطاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ). أي غير مقطوع. قَالَ النابعةُ تقُدُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُه. . . وتوقِد بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ يصف السيوف وأنها تقطع الدُّرُوع * * * وقوله : (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) أي نوفيهم ما يصيبهم من خير أو شر. * * * وقوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) قرئت بتشديد النون وتخفيفها، وقرئت " لَمَا " بتخفيف الميم ولَمَّا

стр. 1012

بتشديدها (١). فأمَّا تشديد " إنَّ " والنصب فعلى باب إنَّ، وأما تخفيفها وترك النصب على حاله فلأن " إنَّ " مشبهة بالفعل فإذا حذف منها التشديد بقي العمل على حاله، وأما تخفيف " لَمَا " فهو الوجه والقياس. ولام لمَّا لام إن و " مَا " زَائدةٌ مؤكدة. لم تغيِّر المعنى ولا العمل. وأمَّا التشديد في " لَمَّا " فزعم بعض النحويين أن معناه " لَمَنْ مَا " ثم انْقلبتْ النون ميماً فاجتمع ثلاث ميمات فحذفت إحداها - وهي الوسطى، فبقيت لَمَّا - وهذا القول ليس بشيء لأن " مَنْ " لا يجوز حذفها، لأنها اسم على حرفين، ولكن التشديد فيه قَوْلَانِ: أحدهما يروى عن المازني. زعم المازنى أن أصْلَها لَمَا ثم شددت الميم. وهذا القول ليس بشيء أيضاً. لأن الحروف نحو " رُبَّ " وما أشبهها تخفف. ولسنا نثَقل ما كان على حرفين فهذا منْتَقِض. وقال بعضهم قولًا لا يجوز غيره - واللَّه أعلم - أن " لَمَّا " في معنى: إلا. . كما تقول سألتك لَمَّا فعلت كذا وكذا. وَإِلَّا فعلت كذا. ومثلهُ: (إنْ كل نَفْس لَمَّا عَلَيْهَا حَافِط). معناه " إلا " وتأويل اللام مع " إن " الخفيفة إنما هو تأويل الجُحد والتحقْيقِ، إلا أن " إنْ " إذا قلت إنْ زَيداً لَعَالم هي " مَا " ولكن اللام دخلت عليها لئلا يُشْبِهَ المنفي المثبتَ فتكون المشددة بدخول اللام عليها بمعنى المخففة إذَا دخلت عليها اللام. فعلى هذاجاءَتْ " أن " الناصبة. فجائز أن تكون " أنَّ " النَاصِبَةُ مِنْ حيث دخلت عليها اللام كما دخلت على إن غير الناصبة دخلت عليها " لَمَّا " ودخلت عليها " إلا " فصار الكلام في تخليص التحقيق له بمنزلة ما نفى عنه غير المذكور بعد " لما "، ووجب له ما بعد " لَمَّا "

стр. 1013

فتقول على هذا الحد إن كلهم لَمَّا يُحبّني - معناه يؤول إلى معنى ما كلهم إلا يُحبّني، وكذلك يجوز إنْ كلًّا لما يُحِبُّني، بحذاء إنْ كلًّا لَما يُحِبُّنِي، فدخلت " لَمَّا " محققَةً كما دخلت اللام محَققةً وصار تأويل الجملة تأويل المنفي والمحقق. وحكى سيبويه وجميع البصريين أن " لَمَّا " تستعمل بمعنى إلا. ويجوز إن كلا لَمًّا لَيُوفينهم، معناه وأن كُلًّا لَيُوفَينهم جَمْعاً. لأن معنى اللَّمّ الجمع يقال لممت الشيء ألمُه لَمًّا إذا جَمعْتُه. فَأمَّا قولهم: لَمَّ اللَّه شَعَثَك، فتأويله جمع اللَّه لك ما يُذْهِبُ شَعَثَك. * * * وقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) فَطَرفا النهار غُدُوُّه وعَشِيه، وصلاة طرفي الئهارِ الغدَاة والظهر والعصرُ. (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ). ويجوز وزُلُفاً من الليل - بضم الزاي واللام - وهو منصوب على الظرف كما تقول حَيِّنَا طَرفي النهارِ وأول الليل - ومعنى (زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) الصلاة القريبة من أول الليل، وزلَفاً جمع زُلْفة، يعنى بالزلف من الليل المغرب وعشاء الآخرة. (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). أي إن هذه الصلوات تكفر ما بينها من الذنوب. وهذا يُصَدِّقُ ما في الخبر مِنْ تكفير الصَّلَواتِ الذنوبَ. والزُلُف واحد مثل الحُلُم. وجائز أنْ يكونَ جَمْعاً - على زَلِيف مِنَ الليل فيكون مثلَ القَرِيبِ والقُرُب، ولكن الزُّلَف أجودُ في الجمع. وما علمت أنَّ زَليفاً يستعملُ في الليْل

стр. 1014

وقوله: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) (أُولُو بَقِيَّةٍ). معناه أولو تمييز، ويجوز أن يكون معناه " أولو " طاعة. ومعنى البقية إذَا قلتَ فلان في بَقِيَّةٍ، معناه فيه فضل فيما يمدح به. (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ). استثناء منقطع، المعنى لكنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ممن نهى عن الفساد. (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ). معناه اتبعوا الشيء الذي به تدوم لهم التُرْفَةُ والنعيم، وركنوا إلى الدنيا فلم يقبلوا ما ينقص تُرْفَتَهُمْ في كسب أو عمل. * * * (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) يجوز أن يكون وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ أحداً وهوَ يظلمهُ - كما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا). وجائز أن يكون معناه: وما كان ربك لِيهلِك القرى - ومعناه أهل القرى - بظلم وأهلها يتَعاطَوْن فيما بينهم بالنصفة. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) أي لو شاء لجمعهم على هدايته، كما قال : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى). * * * (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) " مَنْ " استثناء، على معنى: لكن من رحم ربك فإنه غير مخالف.

стр. 1015

وقوله: (وَلذَلِكَ خَلَقَهُمْ). أي خَلَقَهُمْ للسعادة والشقاء، فاختلافهم في الدِّين يؤدي بهم إلى سعادة أو شَقَاء. وقيل: ولذلكَ خَلَقَهُمْ أي لرحمته خَلَقَهم، لقوله (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ). والقوْلُ الأول يدل عليه. (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). (لَأَمْلَأَنَّ) لَفْظُ القَسمِ، أيْ فتمَّ قَولُه (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) (١). * * * (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) (كُلًّا) منصوب بـ (نَقُصُّ)، المعنى وكل الذي يُحتاجُ إليه من أنباء الرسل نقُص عليْكَ. و" ما " منصوبة بدل من كل. المعنى: نقص عليك ما نُثبتُ به فؤادك. ومعنى تَثْبِيْتُ الفؤادِ تسكين القلب، وهو ههنا ليس للشك، ولكن كلما كان الدلالة والبرهان أكثر كان القلب أثبت كما قال إبراهيم: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ). يجوز أن يكون وجاءك في هذه السُّورة، لأن فيها أقاصيص الأنبياء ومواعظ وذكر مَا فِي الجنَّةِ والنَّارِ. ويجوز أن يكون قوله: (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ). أي في ذكري هذه الآيات التي ذُكِرَتْ قبل هذا الموضع. أي جاءك الحق في أن الخَلقَ يُجَازَوْنَ بأنْصِبَائِهِمْ في قوله: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، وَفِي قَوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ).

стр. 1016

وقد جاءَهُ في القرآن كُلِّهِ الحقُّ، ولكنه ذكرها هنا توكيداً، وليس إذا قيل قد جاءك في هذه الحق وجب أن يكون لم يأتك الحق إلا في هذه، ولكن بعض الحق أوكدُ من بَعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا، لا في عينه. إذَا قُلْتَ: فُلانٌ في الحق وأنت تريد أنه يجود بنفسه، فليس هو في غير تلك الحال في باطل، ولكن ذِكْرُ الحق ههنا أغنَى عَنْ ذكر الموتِ لعظمه وأنه يحصل عنده على الحق.

стр. 1017

سورة يوسف (مدنية) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) المعنى هذه الآيات، تلك الآيات. " المُبينُ " الذي وعدتم به في التوراة كما قال: (الم ذلك الكتاب). * * * وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) هذه الهاء تصلح لشيئين، أحدهما أن تكون للكتاب، المعنى إنا أنزلنا الكتاب قرآناً عربياً. ومعنى (قُرْآنًا) مجموع، ويجوز: أن يكون (إنا أنْزَلنَاهُ) أي أنزلنا خبَرَ يُوسُفُ وقِصتَهُ. ويروى أن علماءَ إليهود قالوا. لِكُبَراءِ المُشْرِكين: سَلُوا محمداً لم انتقل آلُ يعقوبَ من الشام إلى مصر، وعن قصة يُوسُفَ فقال اللَّه : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا). ودليل هذا القول قولُه : (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧). * * * وقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)

стр. 1018

أي نبين لك أحْسَن البَيَانِ والقاصُّ الذي يأتي بالقِصةِ على حقيقتها. (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ). أي بِوَحْيِنَا إلَيْكَ هذا القرآنَ. القراءةُ نصبُ القرآنِ ويجوز الجر والرفْع جميعاً. ولا أعلم أحداً قَرأ بهما. فأمَّا الجر فعلى البدل من قوله: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) فيكون المعنى نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن، ولا تَقْرأنَّ بها. والرفع على ترجمة مَا أِوْحَيْنا إليك، كان قَائِلًا قال: ما هو؟ وما هذا فقيل هذا القرآن، ولا تقرأنَّ بها أيضاً. (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). أي من الغافلين عن فصة يوسف وإخوته، لأنه ﵇ إنما عَلِمَ ذلك بالوحي. * * * (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) يجوز أن يكون موضع " إذْ " نَصْبا. المعنى نَقصُّ عليك إذْ قال يوسف لأبيه ويجوز أن يكون على معنى اذكر إذ قال يوسف لأبيه. (يَا أَبَتِ إِنِّي). في قوله: (يَا أَبَتِ إِنِّي) قراءتان: (يَا أَبَتِ إِنِّي)، (يَا أَبَتَ إِنِّي) - بالخفض والنصب. وأجاز بعض أهل العربية يا أبةُ إنِّي. فمن قرأ (يَا أَبَتِ إِنِّي) - بكسر التاء - فعلى الإضافة إلى نفسه وحذف الياء، لأن ياء الإضافةِ تحذف في النداء، وقد ذكِرَ ذَلِكَ فيما سلف من

стр. 1019

الكتاب، وأما إدْخَالُ التَأنِيثِ في الأب فإنما دخلت في النداء خاصة، والمذكر قد سمّي باسم لِمؤنَثٍ فِيه عَلَامَة التأنِيثِ، وُيوصَفُ بما فيه هاء التانبث. فأما المذكر الذي يسمى بِمُؤنث فقولهم عين ونفس يراد به الرجل. وأما الصِّفة فقولهم غلام يَفَعَة، ورَجُل رَبْعَة. والتاء كثرت ولزمت في الأب عوضاً من تاء الِإضافة. والوقف عليها يا أبَهْ وإن كانت في المصحف بالتاء. وزعم الفراء أنك إذا كسرت وقفت بالتاء لا غير، وإذا فتحت وقفت بالتاء والهاء، وَلَا فرق بين الكسر والفتح. وزعم قطرب أن الفتح على جهات: إحْداها أنك أردت يا أبة ثم حذفت التنْوينَ، وعلى يَا أبَتاه وَعَلَى قول قولُ الطرماح. يا دارُ أقْوَتْ بعد أَصرامِها. . . عاماً وما يُبْكِيكَ من عامِها وهذا الذي قاله قطرب خطأ كله. التنوين لا يحذف من المنادى

стр. 1020

المنصوب، لأن النصب إعرابُ المنادى، ولا يجوز معرَبٌ منصرف غير منون في حال النصب وأما قوله: يا دارَ أقوت، بنصب الدارِ - فلم يَرْوِه أحَد من أصحابنا ولا أعْرفُ له وجهاً. أنشد سيبويه والخليل وجميع البصريين يَا دَارُ أقْوتْ، بضَم الراء. وأما يا أبتاه، فالنُّدبة ههنا - لا معنى لها. ولكن الفَتْحَ يجوزُ على أنه أبْدَلَ من تَاء الإضافة ألفاً ثم حذف الألف وبقيت الفتحة، كما تحذف بالإضافة. وَأمَّا " يَا أبةُ إني " بالرفع فلا يجوز إلا على ضعف، لأن الهاء ههنا جعلت بدلاً من ياء الإضافة. (إني رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً). القراءة بفتح العين وفتح جميع الحروف في أحَدَ عَشَر. وقد روي بتسكين العين في القراءة: (أحَدَ عْشرَ كوكَباً " قرأ بها بَعْضُ أهلِ المدينة وهي غير منكرة مَا كَانَ قبل العين حرف متحرك لكثرة الحركات في قوله أحَد عَشَر فأمَّا اثنا عَشَرَ فلا يجوز فيها. الإسكان في العين. وقد رويت لغة أخرى وهي، أحد اعْشرَ وهذه الرواية في الرداءة وتَرْكِ الاستعمال بمنزلة الحمدِ للَّهِ، لا يلتفت إليها. فأمَّا التسكين في العين فقراءة صحيحة كثيرة ولكنَّ سيبويه والخليلَ وجميعَ أصحابهم لا يجيزون إلا فتح العين، إلَّا أن قُطْرُباً قد روى إسكان العين ورواه الفراء أيضاً، وقد قُرئ به. فأمَّا ما لا اختلاف فيه ففتح العين. و (كوكباً) منصوب على التمييز.
следующие страницы →