وأقل قيمة، كما تقول، هذا ثوب مقارب، فأما الخَسيس فاللغة فيه أنه
مهموز، يقال: دنُوءَ، دَناءَةً، وهو دَنِيء بالهمزة، ويقال هذا أدْنا منه
بالهمزة
وقوله : (اهْبطُوا مِصْرًا) الأكثر في القراءَة إثبات الألف.
وقد فرأ بعضهم " اهبطوا مصرَ فإن لكُمْ " بغير ألف، فمن - قرَأ مصرًا بالألف فله وجهان: جَائِز أنْ يراد بها مصراً من الأمصار لأنهم كانوا في تيه، وجائز أن يكون أراد مصر بعينها، فجعل مصراً اسماً للبلد.
فصرف لأنه مذكر سمي مذكراً وجائز أن يكون مصر بغير ألف على أنه يريد مصرًا كما قال :
(ادخُلوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِين) وإنما لم يصرف لأنه للمدينة فهو
مذكر سمي به مؤَنث.
وقوله : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ).
(الذِّلَّةُ): الصغار، (الْمَسْكَنَةُ): الخضوع، واشتقاقه: من السكون.
إِنما يقال مِسْكين للذي أسكنه الفقر، أي قللَ حركته.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)
стр. 107
يقال بْؤت بكذا وكذا أي احتملته.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (ذلك بأنهُمْ كانُوا يكفُروَن بآيَاتِ اللَّه).
معنى ذلك واللَّهُ أعلم الغضب حل بهم بكفرهم.
* * *
وقوله : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
القراءَة المجمع عليها في النبيين والأنبياءِ والبرِئة طرح لهمزة، وجماعة
من أهل المدينة يهمزون جَمِيعَ ما في القرآن من هذا فيقرأون، " النبيئين بغير
حق والأنبياء.).
واشتقاقه من نبَّأ وأنْبَأ أي أخبر.
والأجود ترك الهمْزة، لأن الاستعمال يُوجبُ أن ما كان مهموزاً من فعيل
فجمعه فُعَلاء، مثل ظريف وظرفاء ونبيء ونُبَآءَ. فإذا كان من ذوات الياءِ
فجمعه أفْعلاءِ، نحو غني وأغنياء، ونبي وأنْبياء.
وقدجاءَ أفْعِلاء في الصحيح، وَهُو قليل، قالوا خميس وأخْمِسَاء
وأخمس، ونصِيب وأنْصِبَاءَ، فيجوز أن يكون نبي مِن أنبأتُ مما ترك همزه
لكثرة الاستعمال، ويجوز أن يكون من نبَأ ينْبُوءُ إذا ارْتفع، فيكون فعيلاً من الرفعة.
ْوقوله فيّ وجل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)
стр. 108
لا يجوز أن يكون لأحد منهم إيمان إلا مع إيمانه بالنبي ﷺ ودليل ذلك قوله : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ).
فتأْويله من آمن باللَّه واليوم الآخر وآمن بالنبي ﷺ فلهم - أَجرُهم.
وجاز أَن يقال فلهم لأن مَنْ لفْظُها لفظُ الوَاحِدِ وتقع على الواحد
والاثنين والجمْع والتأنيث والتذكير، فيحمل الكلام على لفظها فيُؤخد ويذكر، ويحمَل على معناها فيُثنَّى ويجْمَعُ ويؤنث.
قال الشاعر:
تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني. . . نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان
وهادوا أصلِه في اللغة تابوا، وكذلك قوله : (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ)
أي: تبْنا إِليْك. وواحد النصارى قيل فيه قولان: قالوا يجوز أن يكون واحدُهمْ نصْران (كما ترى) فيكون نصران ونصارى على وزنِ ندْمَان وندامى -
قال الشاعر:
стр. 109
فَكِلْتاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها. . . كما أَسْجَدَتْ نَصْرانَةٌ لم تَحَنَّفِ
فنصرانة تأنيث نصرانٍ، ويجوز أن يكون النصارى وأحدهم نصْرى مثل
بعير مَهْرِي، وإبل مَهارى. ومعنى الصابئين: الخارجين من دِين إلى دين.
يقال صبأ فلان إذا خرج من دينه - يصبأ - يا هذا - ويقال صبأت النجوم إذا ظهرت وصبأ نابه إذا خرج.
* * *
وقوله : (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
القراءَة الجيدة الرفع، وكذلك إدْا كررت (لا) في الكلام قلت لا رجلٌ
عندي ولا زيْد، و (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧).
وإِن قرئ فلا خوفَ عليهم فهو جيد بالغ الجودة وقد قرئ به.
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)
المعنى، اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، والطور ههنا الجبل ومعنى أخذنا
ميثاقكم: يجوز أن يكون ما أخذه اللَّه حين أخرج الناس كالذر.
ودليل هذا قوله: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ)
ثم قال من بعد تمامْ الآية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) فهذه الآية كالآية التي في البقرة.
وهو أحسن المذاهب فيها، وقد قيل أن أخذ الميثاق هو ما أخذ.
الله من الميثاق على الرسل ومن اتبعهم.
ودليله قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)
فالأخذ على النبيين - صلى الله عليهم وسلم - الميثاق يدخل
стр. 110
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)
فيه من اتبعهم، (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي جئناكم بآية عظيمة، وهي أن الطور -.
وهو الجبلُ. رُفع فوقَهم حتى أظلهم وظنوا أنه واقع بهم، فأخبر اللَّه بعظم الآية التي أروها بعد أخذ الميثاق.
وأخبر بالشيء الذي لو عذبهم بعده لكان عدلاً في ذلك، ولكنه جعل لهم التوبة بعد ذلك وقال (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)
ذلك أي من بعد الآيات العظام.
(فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ).
أي لولا أنْ منَّ اللَّه عليكم بالتوبة بعد أن كفرتم مع عظيم هذه الآيات
(لكنتم من الخاسرين).
* * *
وقوله : (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ).
موضع - ما نصب، و (ما آتيناكم) الكتاب الذي هو التوراة ومعنى خذوه
بقوة، أي خذوه بجد واتركوا الريب والشك لما بأن لكم من عظيم الآيات.
* * *
وقوله : (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)
معناه ادْرُسُوا ما فيه وجاز في اللغة أن
تقول خذ وخذا، وأصله أوْخُذْ وكذلك " كل " أصله أوكل، ولكن خُذْ وكُلْ اجتمع فيهما كثرة الاستعمال والتقاء همزتين وضمة، فحذفت فاءُ الفعل وهي الهمزة التي كانت في أخذ وآكل فحذفت لما وصفنا من كثرة الاستعمال واجتماع ما يستقلون.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)
معنى (علمتم) هناعرفتم، ومثله قوله (لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ومعناه لا تعرفونهم اللَّه يعرفهم.
ومعنى (اعتدوا) ظلموا وجاوزوا ما حُدَّ لهُم، كانوا أمرُوا ألا يصيدوا في السبت "، وكانت الحيتانُ تجْتمع لأمنها في
стр. 111
السبت، فحبسوها في السبت وأخَذوها في الأحد، فعدوا في السبت لأن
صيدهم منعها من التصرف، فجعل الله جزاءَهم في الدنيا - بعدما أراهم
من الآيات العظام بأن جعلهم قردة خاسئين، معنى خاسئين مُبْعدِين يقال -
خَسَأتُ الكلب أخسؤه خَسْئاً أي بَاعدته وطردْته.
وقوله : (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
(ها) هذه تعود على الأمة التي مسخت ويجوز أن يكون للفَعْلَةِ
ومعنى (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) يحتمل شيئين من التفسير: يحتمل أن يكون (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) لما أسلفت من ذنوبها، ويحتمل أن يكون (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) للأمم التي تراها (وماخلفها) مَا يكون بعدها، ومعنى قولك نَكَّلْت به، أي جعلت غيره يَنْكُل أن يفْعل مثل فعله، فيناله مثل الذي ناله.
وقوله : (وَمَوْعِظَةً للمُتقِينَ) أي يتعظ بها أهل التقوى
فيلزمون ما هم عليه.
* * *
وقوله : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)
المعنى واذكروا إِذ قال موسى لقومه، أمروا بذبح بقرة يضرب ببعضها قتيل تشاجروا فِيمَنْ قَتَله، فلم يعلم قاتله، فأمر اللَّه بِضَرْب المقتول. بعضو من أعضاءِ البقرة.
وزعموا في التفسير أنهم أمروا أن يضربوه بالفخذ اليمنى، أو الذنب، وأحب
الله تعالَى أن يُرِيَهمْ كيف إحياء الموتى، وفي هذه الآية، احتجاج على
مشركي العرب لأنهم لم يكونوا مؤمنين بالبعث، فأعلمهم النبي ﷺ هذا الخبر الذي لا يجوز أن يَعْلمه إلامَنْ قَرأ الكُتُبَ أو أوحى إليه، وقد علم المشركون
стр. 112
أن النبي ﷺ أمِّيّ وأن أهل الكتاب يعلمون - وهم يخالفونه - أن ما أخبر به من هذه الأقاصيص حق.
(قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)، فانتفى موسى من الهِزؤِ، لأن الهازىء جاهل
لاعب فقال: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فلما وضَح لهم أنه من عند
الله (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ)
وإِنَّما سألوا ما هي لأنهم لا يعلمون أن بقرةً يحيا بضرب بعضها ميت.
(قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ).
ارتفع (فَارِضٌ) بإضمار هي ومعنى (لا فَارِضٌ): لا كبيرة، (ولا بكرٌ) لا
صَغِيرة).
أي ليست بكبيرة ولا صغيرة.
(عَوَانٌ) العَوَانُ دون المُسِنَة وفوق الصغيرة.
ويقال من الفارض فرضت تَفْرِض فُروضاً ومن العوان قد عوَّنَتْ
تُعَوِّن، ويقال حرب عوَان، إذا لم تكن أول حرب، وكانت ثانية.
قال زهير:
إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ. . . ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ
ومعنى (بَيْنَ ذَلِكَ) بين البِكْر والفَارِض، وبين الصغيرة والكبيرة وإِنما
جَازَ بين ذلك، و " بين " لا يكون إِلا مع اثنين أو أكثر لأن ذلك ينوب عن
الخمَل، فتقول ظننت زيداً قائماً، فيقول القائل " ظننت ذلك ".
وقوله : (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)
стр. 113
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)
موضع (ما) رفع بالابتداء، لأن تأويله الِإستفهام كَقَولك: أدع لنا ربك
يبين لنا أيَّ شيَءٍ لونها ومثله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا).
ولا يجوز في القراءَة (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا)، على أن يجعل (ما) لغواً ولا يقرأ القرآن إِلا كَمَا قراتِ القُرَّاء المجمَع عَلَيْهِمْ في الأخذ عنهم.
قَالَ إِنه يَقول إِنها: ما بعد القول من باب إن مكسور أبداً، كأنك تذكر
القول في صدر كلامك، وإِنما وقعت قلت في كلام العرب أن يحكى بها ما
كان كلاماً يقوم بنفسه قبل دخولها فيؤَدي مع ذكرها ذلك اللفظ، تقول: قلت زيد منطلق. كأنك قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيداً منطلق، لا اختلاف بين النحوين في ذلك، إِلا أن قوماً من العرب، وهم بَنو سُلَيم يجعلون باب قلت أجمع كباب ظننت، فيقولون: قلت زيداً منطلقاً، فهذه لغة لا يجوز أن يُوجَد شيءٌ مِنْهَا في كتاب الله ، ولا يجوز قال أنه يقول إِنها، لا يجوز إِلا الكسر.
وأمَّا قوله : (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا)
(فَاقِعٌ) نعت للأصفر الشديد الصفرة، يقال أصفر فاقع وأبيض ناصع وأحمر قانٍ، قال الشاعر: ْ
يَسْقِي بها ذو تومتين كأنما. . . قنأتْ أنامِله من الفرصاد
стр. 114
أي احمرت حمرة شديدة، ويقال أحمر قاتم وأبيض يقَقٌ، وَلَهِقَ ولهاق.
وأسود حالك؛ وحَلُوك وحلوكي ودَجُوجي، فهذه كلها صفات مبالغة في
الألوان، وقد قالوا إن صَفْراءَ ههنا سوداءَ.
ومعنى (تَسُر الناظِرينَ) أي تعجب الناظرين.
* * *
وقوله : (قَالَ إنَهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)
معناه ليست بذلول ولا مثيرة.
وقوله: (وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) يقال: سقيته إِذا ناولته فشرب.
وأسقيته جعلت له سقياً، فيَصِح ههنا ولا تُسْقِي بالضَم.
وقوله: (لَا شِيَةَ فِيهَا).
أي ليس فيها لون يفارق لونها، والوَشى في اللغة خلطُ لون بلون
وكذلك في الكلام، يقال وشيْت الثوب أشِيه شِيَة ووَشْياً، كَقَوْلك وَديْت فلاناً أدِيه دِيَةً، ونصب (لَا شِيَةَ) فيه على النَّفْي، ولوْ قرئ لَا شيةٌ فيها لجاز، ولكن القراءَة بالنصب.
وقوله: (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ).
فيه أربعة أوْجهٍ حكى بعضَها الأخفش: فأجودها " قالوا الآن " بإسكان
اللام وحذف الواو مَن اللفظ، وزعم الأخفش أنه يجوز قطع ألف الوصل ههنا فيقول:
قالوا: (ألْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) وهذه رواية، وليس له وجه في القياس ولا
هي عندي جائز، ولكن فيها وجهان غير هذين الوجهين: وهما جيدان في
العربية، يجوز " قالوا لأن على إلقاءِ الهمزة، وفتح اللام من الآن، وترك
стр. 115
الواو محذوفة لالتقاءِ الساكنين، ولا يعتد بفتحة اللام.
ويجوز: " قَالوا لان جِيتَ بالحق " ولا أعلم أحداً قرأ بها، فلا يَقْرَأن بحرف لم يقرأ به وإِن كان ثَابِتاً في العربية.
والذين أظهروا الواو أظهروها لحركة اللام لأنهم كانوا حذفوها لسُكونها.
فلما تحركت ردوها.
والأجود في العربية حَذْفُها لأن قرأ (ب تقول " الأحمر "
ويلقون الهمزة فيقولون " لَحْمر " فيفتحون اللام ويقرأون ألف الوصل لأن اللام في نية السكون، وبعضهم يقولُ - " لَحْمَر " ولا يُقِرُّ ألفَ الوصل يريد الأحمر.
فأمَّا نصب (الآن) فهي حركة لالتقاءِ السَّاكنين، ألا ترى أنك تقول:
أنا الأن أكرمك، وفي الآن فعلت كذا وكذا، وإنما كان في الأصل مبنياً
وحرك لالتقاءِ السَّاكنين، وبنى (الآن)، وفيه الألف واللام، لأن الألف واللام دخلتا بعهد غير متقدم.
إِنما تقول الغَلامَ فعل كذا إذا عهدته أنت ومخاطبتك، وهذه الألف واللام تنوبان عن معنى الِإشارة.
المعنى أنت إِلى هذا الوقت تفعل، فلم يعرب الآن كما لا يعرب هذا.
* * *
وقوله : (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)
ْ* معناه فَتَدارَأتمْ فيها، أي تدافعتم، أي ألقى بعضكم على بَعْض، -
يقال درأتُ فلاناً إِذا دافعتُه، وداريْتُه إِذا لاينته، ودَرَّيْته إِذا خَتَلته، ولكن التاءَ أدغمت فى الدال لأنها. من مخرج واحد، فَلما أدغمت سكنت فاجتلبت لها ألف الوصل، فتقول: ادارا القومْ أي تَدَافَع القوْم.
стр. 116
وقوله : (مُخْرُجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ).
الأجود في (مُخْرُجٌ) التنوين لأنه إنما هو لِمَا يستقبل أو للحَال، ويجوز
حذف التنوين استخفافاً فيقرأ، مخرجُ مَا كنتم تكتمون، فإن كان قُرئ به
وإِلا فلا يخالَف القرآن كما شرحنا.
* * *
وقوله : (إن البَقَر تشَابَه عَلَيْنَا)
القراءَة في هذا على أوجه، فأجْودها والأكثر (تَشَابَهَ علينا) على فتح الهاءِ
والتخفيف، ويجوز " تَشَّابَه " علينا، ويَشَّابَه علينا - بالتاء والياءِ.
وقد قرئ " إن البَاقِر يَشَّابَهً عَلينا " والعرب تقول في جمع البقر والجمال. الباقر والجامل، يجعلونه اسماً للجنس، قال طرفة بن العبد:
وجامل خوَّع مِنْ نيْبِه. . .زجرُ المُعَلَّى أصُلا وَالسفيح
ويروي " مِنِي به " وهو أكثر الرواية، وليس بشيء
وقال الشاعر:
ما لي رأيتك بعد عهدك موحشا. . . خَلَقاً كحوض الباقر المتهدم
وما كان مثل بقرة وبقر، ونخلة ونخل، وسحابة وسحاب، فإن العرب
стр. 117
تذكره، وتؤَنثه، فتقول هذا بقر وهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل.
فمن ذكَّر فلأن في لفظ الجمع أن يعبر عن جنسه فيقال: فتقول هذا جَمْع، وفي لفظه أن يعبر عن الفرقة والقطعة، فتقول هذه جماعة وهذه فرقة - قال اللَّه :
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) فذكًر، وواحدته سحابة.
وقال: (والنَخْلَ بَاسِقَاتٍ) فجمع على معنى جماعة، ولفظها واحد.
فمن قرأ (إن البقرَ تَشَابه علَيْنَا) فمعناه أن جمَاعةَ البقر تَتَشَابَه عَلَيْنَا.
فأُدْغِمتِ التاءُ في الشين لقرب مخرج التاءِ من الشين، ومن قرأ تَشَّابَهُ علينا، أراد تتشابه فحذف التاءَ الثانية لاجتماع تاءَين كما قرئ (لعلكم تَذَكرون) ومن قرأ (يَشَّابَه علينا) - بالياءِ - أراد جنس البقر أيضاً، والأصل يتَشَابه علينا، فأدغم التاءُ في الشين.
* * *
وقوله : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)
تأويل (قست) في اللغة غلظت ويبست وصلبت فتأويل القسو في القلب
ذهاب اللين والرحمة والخضوع والخشوع منه.
ومعنى (من بعد ذلك) أي من بعد إِحياءِ الميت لكم بعضوٍ من أعضاءِ البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من يشاهدها - فشاهد بمشاهدتها من قدرة ما يزيل كل شك - أن يلين قلبه ويخضع، ويحتمل أن يكون
(من بعد ذلك) من بعد إِحياءِ الميت
والآيات التي تقدمت ذلك نحو مسخ القردة والخنازير ونحو رفع الجبل فوقهم، ونحو انْبِجاس الماءَ من حجر يَحْملونه معهم، وإِنما جاز ذلك وهُؤلاءِ
стр. 118
الجماعة مخاطبون، ولم يقل ذلكم - ولو قال ذلكم كان جيداً -
وإنما جاز أن تقول للجماعة بعد ذلك وبعد ذلكم؛ لأن الجماعة تؤَدي عن لفظها: الجميع والفريق، فالخطاب في لفظ واحد، ومعنى جماعة.
* * *
وقوله : (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).
وقد روي (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) ومعنى تشبيه القسوة بالحجارة قد - بيناه، ودخول " أو " ههنا لغير معنى الشك ولكنها (أو) التي تأتي للإباحة تقول: الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم العلم الحسن أو ابن سيرين، فلست بشاك، وإِنما
المعنى ههنا: هذان أهل أن يؤخذ عنهما العلم، فإن أخذته عن الحسن فأنت
مصيب، وإن أخذته عن ابن سيرين فأنت مصيب، وإِن أخذته عنهما جميعاً
فأنت مصيب، فالتأويل اعلموا أن قلوب هُؤلاء إِن شبهتم قسوتها بالحجارة
فأنتم مصيبون أو بما هو أشد فأنتم مصيبون ولا يصلح أن تكون (أو) ههنا بمعنى الواو.
وكذلك قوله: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً. . . أوكَصَيِّبٍ)، أي إِن
مثلْتَهمْ بالمستوقد فذلك مثلهم، وإِن مثلتهم بالصَيِّبِ فهو لهم مثلٌ وقد
شرحناه في مكانه شرحاً شافياً كافياً إِن شَاءَ اللَّه.
فمن قرأ (أشد قسوة) رفع أشد بإضمار هي كأنَّه قال: أو هي أشد
قسوة، ومن نصب (أوأشد قسوة) فهو على خفض في الأصل بمعنى الكاف.
ولكن أشد أفعل - لا ينصرف لأنه على لفظ الفعل، وهو نعت ففتح وهو في
стр. 119
موضع جر - ويجوز في قوله تعالى (فهي كالحجارة) (فَهْي) كالحجارة -
بإسكان الهاءِ - لأن الفاءَ مع هي قد جَعَلَتْ الكلمة بمنزلة. فخذ، فتحذف
الكسرة استثقالاً، وقد روى بعض النحويين أنه يجوز في " هي " الإِسكان في
الياءِ من (هي) ولا أعلم أحداً قرأ بها، وهي عندي لا يَجوزُ إسكانها ولا
إسكانُ الواو في هو، لا يجوز " هو ربَكُمْ " وقد روى الإِسكان بعضُ النحوِيين وهو رديءٌ لأن كل مضمز فحركته - إذا انفرد - الفتح، نحو أنا رَبكم، فكما لا تسْكن نون أنا لا تسْكن هذه الواو.
* * *
وقوله : (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ).
بين كيف كانت قلوبهم أنها أشد قسوة وأصلب من الحجارة
وأعلم أن الحجارة تتفجر منها الأنهار، ومنها ما يشَّقَّقُ فيخرج منه الماءَ يعني
العيون التي تخرج من الحجارة ولا تكون أنهاراً، ومنها ما يهبط من خشية
الله فقالوا إن الذي يهبط من خشية الله نحو الجبل الذي تجلى اللَّه له
حين كلم موسى ﵇، وقال قوم إِنها أثر الصنعة التي تدل على أنَّها
مخلوقة، وهذا خطأ، لأن ليس منها شيء ليس أثر الصنعة بينا في جميعها
وإنما. . الهابط منها مجعول فيه التميز كما قال : (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ).
وكما قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ).
ثم قال: (وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ) فأعلم أن ذلك
стр. 120
تمييز أراد اللَّه منها، ولو كان يراد بذلك الصنعة لم يقل وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب، لأن أثر الصنعة شامل للمؤمن وغيره.
* * *
وقوله : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)
هده الألف ألف استِخبارٍ، وتجري في كثير من المواضع مجرى الإنكار
والنهي إذا لم يكن معها نفي، كأنَّه أيئسهم من الطمع في إِيمان هذه الفرقة من
اليهود، فإذا كان في أول الكلام نفي، فإنكار النفي تثبيت نحو قوله : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى).
فجواب (أفتطمعون) " لا " كما وصفنا.
* * *
وقوله : (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ).
يروي في التفسير أنهم سمعوا كلام اللَّه لموسى عليه لسلام فحرفوه
فقيل في هؤلاءِ الذين شاهدهم النبي ﷺ أنهم كفروا وحرفوا فلهم سابقة في كفرهم.
* * *
وقوله : (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)
المعنى أتخبرونهم بأن النبي ﷺ ذكره موجود في كتابكم وَصِفتهُ.
(لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أي لتكون لهم الحجة في إيمانهم بالنبي ﷺ عليكم، إذ كنتم مقَرِّينَ به تخبرون بصحة أمره من كتابكم فهذا بين حجته عليكم عند اللَّه.
стр. 121
(أفَلَا تَعْقِلُونَ) أي أفلا تعقلون حجة الله عليكم في هذا.
* * *
وقوله : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)
معنى الأمَِّي في اللغة المَنسوب إلى ما عليه جِبِلَّةُ أمَّتِه، أي لا يكتب
فهو في أنه لا يكتب - على ما ولد عليه، وارتفع (أُمِّيُّونَ) بالابتداء
و (مِنهم) الخبر (١)
ومن قول الأخفش يرتفع (أُمِّيُّونَ) بفعلهم، كان المعنى واستقر منهم
(أُمِّيُّونَ).
ومعنى (إِلَّا أَمَانِيَّ) قال الناس في معناه قولين: قالوا معناه لَا يعلمون
الكتاب إلا تلاوة، كما قال : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)
أي إذَا تلا ألقى الشيطان في تلاوته.
وقد قيل الأماني أكاذيب العرب، تقول أنت إِنما تتمنى هذا القول أي
تَخْتَلِقُه.
ويجوز أن يكون آماني منسوباً إلى - القائل إِذا قال ما لا يعلمه فكأنه إنما يتمناه، وهذا مستعمل في كلام الناس، تقول للذي يقول ما لا حَقِيقةَ لَهُ وهو يُحِبَه: هذا مُنًى، وهذه أمْنِيةٌ.
وفي لفظ أماني وجهان: العرب تقؤل هذه أمَانٍ وأمَانيَّ - يا هَذا - بالتشديد
والتخفيف، فمن قال أمانيَّ بالتشديد فهو مثل أحْدُوثة وأحاديث، وقرقورة
وَقراقير، ومن قال أمان بالتخفيف فهو مما اجتمعت فيه الياءان أكثر لثقل الياءِ.
стр. 122
والعرب تقول في أثفية أثافيَّ وأثافٍ، والتخفيف اكز لكثرة استعمالهم أثاف.
والأثافي الأحجار التي تجعل تحت القدر.
* * *
وقوله : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)
الويل في اللغة كلمة يستعملها كل واقع في هلكة - وأصله في العذاب
والهلاك، وارتفع ويل بالابتداءِ وخبره (لِلَّذين) ولو كان في غير القرآن لجاز فويلًا للذين على معنى جعل الله ويلاً للذين، والرفع على معنى ثبوت الويل (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).
يقال إِن هذا في صفة النبي ﷺ ، كتبوا صفته على غيرما كانت عليه في التوزاة، ويقال في التفسير إنهم كتبوا صفته أنه آدم طويل، وكانت صفته فيها أنه آدم ربعة، فبدَّلَوا فألزمهم الله الويل بما كتبت أيديهم ومن كسبهم على ذلك.
لأنهم أخذوا عليه الأموال وقبلوا الهدايا.
* * *
وقوله : (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)
(تمسنا) نصب بلَنْ، وقد اختلف النحويون في علة النصب بـ لن.
فرُوي عن الخليل قولان أحدهما أنها نصبت كما نصبت " أن " وليس " ما بعدها بصلة لهَا، لأن " لَنْ يَفْعَلَ "، نفي " سيفعل " فقدم ما بعدها عليها، نحو قولك زيداً لن أضرب
стр. 123
كما تقول زيداً لم أضرب، وقد روى سيبويه عن بعض أصحاب الخليل
عن الخليل أنه قال: الأصل في " لن " لا أن ولكن الحذف وقع استخفافاً، وزعم سيبويه أن هذا ليس بجيد، لو كان كذلك لم يجز زيداً لن أضرب، وعلى مذهب سيبويه جميع النحويين وقد حكى هشام عن الكسائي في " لن " مثل هذا القول الشاذ عن الخليل. ولم يأخذ به سيبويه، ولا أصحابه.
ومعنى (أَيَّامًا مَعْدُودَةً) قالوا إِنَّما نعَذَّبُ لأننا عبدنا العجل أياماً قيل في
عددها قولان، قيل سبعة أيام وقيل أربعون يوماً، - وهذه الحكاية عن إليهود، هم الذين قالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).
* * *
وقوله : (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا) بقطع الألف هي تقرأ على
ضربين: أتخذتم - بتبيين الذال، واتختُم بَإِدغام الذال في التاءِ، والألف قطع
لأنها ألف استفهام وتقرير. .
وقوله : (عِنْد اللَّهِ عَهْداً) المعنى عهد اللَّه إليكم في أنه لا يعذبكم
إِلا هذا المقدار. .
* * *
وقوله : (فلنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ)).
أي إن حَان لكم عهد فلن يخلفه اللَّه، أم تقولون على الله ما لا تعلمون
стр. 124
ثم قال : (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)
رداً لقولهم: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).
* * *
وقوله : (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
فألحق في هذه الآية، والإجماع أن هذا لليهود خاصة لأنه في
ذكرهم، وقد قيل: (من كسب سيئة)، الشرك باللَّه وأحاطت به خطيئته:
الكبائر، والذي جرى في هذه الأقاصيص إِنما هو إِخبار عن إليهود.
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)
القراءَة على ضربين، تعبدون ويعبدون بالياءِ والتاءِ وقد روي وجه
ثالث لا يؤخذ به لأنه مخالف للمصحف -
قرأ ابن مسعود: لا تعبدوا.
ورفع (لا تعبدون) بالتاء على ضربين، على أن (يكون (لا) جواب القسم لأن أخذ الميثاق بمنزلة القسم، والدليل على ذلك قوله:
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)
فجاءَ جواب القسم باللام فكذلك هو بالنَفْي بلا، ويجوز أن
يكون رفعه على إسقاط " أن " على معنى " ألا تعبدوا " فلما سقطت أن رفعت، وهذا مذهب الأخفش وغيرِه من النحويين، فأما القراءَة بالتاء فعلى معنى الخطاب والحكاية كأنَّه قيل قلنا لهم لا تعبدون إِلا الله.
وأمَّا (لا يعبدون) بالياء
فإِنهم غيَبٌ، وعلامة الغائب الياء.
стр. 125
ومعنى أخذ الميثاق والعهد قد بَيَّنَاهُ قبل هذا الموضع.
* * *
وقوله : (وبِالْوَالِدِيْنِ إِحْسَاناً).
نصب على معنى وأحسنوا بالوالدين إِحساناً، بدل من اللفظ أحْسِنُوا
و (ذِي القُرْبَى) و (اليَتامَى): جمع على فعالى كما جمع أسير على أُسارى، يقال يَتِم يَيْتمَ يُتْماً ويَتْماً إِذا فقد أباه، هذا للإِنسان فأمَّا غيره فيتمه من قبل أمه.
أخبرني بذلك محمد بن يزيد عن الرياشي عن الأصمعي: إن اليتيم في الناس من قبل الأب وفي غير الناس من قبل الأم، والمساكين مأخوذ من السكون، وأحدهم مسكين كأنَّه قد أسكنه الفقر.
* * *
وقوله : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) فيها ثلاثة أقوال
(حُسْنًا) بالتنوين وإِسكان السين، وحَسَناً بالتنوين وفتح السين، وروى الأخفش " حُسْنَى " غير منون.
فأما الوجهان الأولان، فقرأهما الناس، وهما جيدان بالغان في اللغة، وأما
стр. 126
" حُسْنَى " فكان لا ينبغي أن يقرأ به لأنه باب الأفعل والفعلى، نحو الأحسن
والحسنى، والأفضل والفُضلى، لا يستعمل إِلا بالألف واللام، كما قال اللَّه
: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) وقال: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
وفي قوله حسناً بالتنوين قولان: المعنى قولوا للناس قولاً ذا حسن)، وزعم الأخفش، إنَّه يجوز أن يكون حُسْناً في معنى حَسَناً، فأمَّا حُسَناً فصفة، المعنى
قولاً حسناً، وتفسير: (قولوا للناس حسناً) مخاطبة لعلماءِ إليهود " قيل لهم اصْدقوا في صفة النبي ﷺ .
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).
اعلموا أنه قد أخذ عليهم الميثاق وعهد عليهم فيه بالصدق في صفة النبي ﷺ .
* * *
وقوله : (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ).
يعني أوائلهم الذين أخذ عليهم الميثاق، وقوله (وَأنتم مُعْرضون) أي وأنتم
أيضاَ كأوائلكم في الإعراض عَمَّا عهد إِليكم فيه، ونصب (إِلَّا قَلِيلًا) على
الاستثناءِ، والمعنى استثني قليلًا منكم.
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)
يقال سفكت الدم أسْفِكُه سَفْكاً إِذا صببته، ورفع لا تسفكون على
стр. 127
القسم، وعلى حذف أن كما وصفنا في قوله: (لا تَعْبُدون) ومثل حذف أن قول طرفة:
أَلا أَيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى. . . وأَنْ أشهدَ اللذاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدي
وواحد الدماءِ دم - يَا هَذَا - مخفف، وأصله دَمَى في قول أكثر
النحويين، ودليل من قال إِن أصله دمي قول الشاعر:
فَلَوْ أنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنا. . . جَرَى الدَّميَانِ بالخبرِ اليقين
وقال قوم أصله دمي إِلا إنَّه لما حذف ورد إليه ما حذف منه حركت
ْالميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفاً.
وقوله : (وَلَا تُخْرِجُونَ أنْفُسكُمْ مِن دِيَارِكُمْ).
عطف على لا تسفكون دماءَكم.
وقوله: (ثم أقررتم)، أي اعترفتم بأن هذا أخذ عليكم في العهد وأخذ على آبائكم، وأنتم أيها الباقون المخاطبون تشهدون أن هذا حق.
* * *
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)
(ثُم أنْتُم هَؤُلَاءِ): الخطاب وقع لليهود من بني قريظة وبني النضير.
لأنهم نكثوا، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وهذا
نقض عهدهم
стр. 128
وقوله : (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
قُرئت بالتخفيف والتشديد، (تَظَاهَرُونَ) و (تَظَّاهَرُونَ) فمن قرأ بالتشديد
فالأصل فيه تتظاهرون فأدغم التاءُ في الظاءِ لقرب - المخرجين، ومن قرأ
بالتخفيف فالأصل فيه أيضاً تتظاهرون فحذفت التاءُ الثانية لاجتماع تاءَين.
وتفسير (تظاهرون) تتعاونون، يقال قد ظاهر فلان فلاناً إذا عاونه منه قوله.
(وكان الكافِرُ على ربه ظهيراً)، أي معيناً.
* * *
وقوله : (بالإِثْم والعُدْوَانِ).
العُدْوانُ الِإفراطُ في الظلم؛ ويقَالُ عَدَا فلان في ظلمه عدْواً وعُدُوا
وعُدْواناً، وعداءً - هذا كله معناه المجاوزة في الظلم.
وقوله : (ولاَ تَعْدُوا في السَّبْتِ) إِنما هو من هذا، أي لا تظلموا فيه
وقوله : (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ).
القراءَة في هذا على وجوه: أسْرَى تَفْدوهم. وأسْرى تُفَادوهم، وأسَارى
تفادوهم، ويجوز " أسَارى " ولا أعلم أحد قرأ بها، وأصل الجمع فُعالى. أعلَم الله مناقَضتهم في كتابه وأنه قَد حرَّم عليهم قَتْلَهم وإِخْراجهم من ديارهم، وأنهم يفادونَهم إِذا أسروا ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم، فوبَّخهم فَقال: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
يعني ما نال بني قريظة وبني النضير، لأن بني النضير أُجْلُوا إِلى الشام
стр. 129
و (بني) قريظة ابيدوا - حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرارى فقال الله
: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا)، ولغيرهم من سائر الكفار الخزيُ في
الدنيا القتل وأخذُ الجزية مع الذلة والصغار.
ثم أعلم اللَّه أن ذَلك غيرُ مُكَفر عن ذنوبهم، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى عذاب عظيم فقال (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا) (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).
ومعنى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ).
(هَؤُلَاءِ) في معنى الذين، وتَقْتُلُونَ صلة لهُؤلاء كقولك ثم أنتم الذين
تقتلون أنفسكم، ومثلُه قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى).
* * *
وقوله : (وهُوَ مُحَرم عَلَيْكُم إخراجُهُمْ).
(هو) على ضربين: جائز أن يكون إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره.
قال: (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ) وهو محرم عليكم إِخراجهم.
ثم بين لتراخي الكلام أن ذلك الذي - حرم الِإخراج وجائز أن يكون للقصة، والحديث والخبر، كأنه قال: والخبر محرم عليكم إِخراجهم - كما قال
: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
أي الأمر الذي هو الحق توحيد اللَّه عزَّ وجلَّ
стр. 130
(خِزْيٌَ) يقَال في الشر والسوءِ خزي الرجل خِزْياً، ويقال في الحياءِ
خزي يخزي خِزَايةً، ومعنى يردون إلى أشد العذاب، وعذاب عظيم، وعذاب أليم أن، العذاب على ضَربين، على " قدر المعاصي.
والدليلُ على ذلك قوله : فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦).
فهذه النار الموصوفة ههنَا لا يدخُلها إلا الكفارِ.
وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)
(ولَقَدْ آتَيْنَا موسى الكِتَابَ) يعني التوراة.
وقوله: (وقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بالرُّسُل): أي أرسلنا رسولاً يقْفو رسولاً في
دعائهِ إلى توحيد اللَّه والقيام بشرائع دينه، يقال من ذلك فلان يَقْفوْ فلاناً إذا
أتبعه.
* * *
وقوله : (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ).
معنى (آتينا) أعطينا، ومعنى (الْبَيِّنَاتِ) الآيات التي يعجز عنها المخلقونَ مما
أعطيه عيسَى ﷺ من إحيائه الموتى وإبرائه الأكمهَ والأبرص.
* * *
وقوله : (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ).
معني أيَّدنا، في اللغة قوينا، وشدَدْنا، قال الشاعر:
من أن تبدَّلْتَ بآد آدا
يريد من أن تبدلت بأيْدٍ آدا، يريد بقوة قوة - الأد والأيْد القوة.
* * *
وقوله : (بِرُوحِ الْقُدُسِ): روح القدس جبريل ﵇.
والقدس الطهارة وقد بَيَّناه.
* * *
وقوله : (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ)
стр. 131
نَصْبُ كلما كَنَصْبِ سائر الظروف، ومعنى استكبرتم أنِفْتم وتعظمْتم من
أن تكونوا أتباعاً، لأنهم كانت لَهم رياسة، وكانوا متبوعين فآثروا الدنيَا على
الآخرة.
* * *
وقوله : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)
تقرأ على وجهين غُلْف وغُلُف، وأجود القراءَتين غلْف بإسكانِ اللام لأن
له شاهدا من القرآن ومعنى غلْفٌ ذَواتُ غُلف، الواحد منها أغْلَف وغُلْف
مثل أحْمَر وحُمْر، فكأنهم قالوا قلوبنا في أوعية، والدليل على ذلك قوله:
(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ)
ومن قرأ (غُلُف) فهو جمع غِلاف وغُلُف، مِثْل مِثال ومُثُل، وحِمار وحُمُر، فيكون معنى هذا: إن قلوَبنا أوعية لِلعلم، والأول أشبه ويجوز أن تُسَكن غُلُف فَيقال غُلْف كما يقال في جمع مثال مُثْل.
فأعلم اللَّه أن الأمر على خلاف ما قالوا فقال: (بَلْ لعَنَهُمُ اللَّه بِكفرهَم).
معنى لعنهم في اللغة أبْعدهم، فالتأويل - واللَّه أعلم - بل طبع اللَّهُ على
قلوبهم كما قال: (ختم اللَّه على قلوبهم) ثم أخبر أن ذلك مجازاةٌ
منه لهم على كفرهم فقال (بل لعنهم اللَّه بكفرهم)، واللعن كما وصفنا الإبعاد.
قال الشَّمَّاخ:
وماءٍ قد وردت لوَصْل أرْوى. . . عليه الطير كالورق اللَّجين
стр. 132
ذعَرتُ به القطا ونفيْتُ عَنه. . . مقام الذئب كالرجل اللَّعين
* * *
وقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)
تقرأ (جاءَهم) بفتح الجيم والتفخيم، وهي لغة أهل الحجاز، وهي اللغة
العليا القُدمى، والإِمالةُ إلى الكسر لغة بني تميم وكثير من العرب، ووجهها
أنها الأصل من ذوات الياءِ فأميلت لتدل عدى ذلك، ومعنى كتابُ اللَّه ههنا
القرآن، واشتقاقه من الكَتْبِ وهي جمع كَتْبة وهي الخرزة وكل ما ضممت
بعضه إلى بعض على جهة التقارب والاجتماع فقد كتبته، والكَتِيبَة الفرقةُ التي تحارب من هذا اشتقاقها لأن بعضَها منضم إلى بعض، وسمى كلام الله
الذي أنزل على نبيه كِتَاباً، وقُرآنأ وفُرقاناً فقد فسرنا معنَى كتابٍ.
ومعنى قرآن معنى الجمع، يقال ما قرأت هذه الناقة سَلَّى قط أي لم يَضْطَمَّ
رحمُها على ولد قط - قال الشاعر:
هِجَانِ اللَّون لم تَقْرأ جَنِيناً
قال أكثر النَّاس: لم تَجْتمع جنيناً أي لم تضم رحمها على الجنين.
وقال قُطْرب في قرآن قولين، أحدهما هذا، وهو المعروف الذي عليه أكثر
الناس، والقول الآخر ليس بخارج من الصَّحَّة وهو حسن - قال - لم تقرأ
جنيناً - لم تلقه (مجموعاً).
وقال يجوز أن يكون معنى قرأت لفظت به
стр. 133
مجموعاً. كما أن لفظت من اللفظ، اشتقاقه من لَفَظْتُ كذا وكذا، إذا ألقيته، فكأن قرأت القرآن لفظت به مجموعاً.
* * *
وقوله : (مصدقٌ لِمَا مَعَهُمْ).
أيْ يصدقُ بالتوراة والإنجيل ويخبرهم بما في كتبهم مما لا يعلم إلا
بوحي أو قراءَة كُتُبٍ، وقد علموا أن النبي ﷺ كان أمياً لا يكتب.
وقوله: (وكَانُوا منْ قَبْلُ يسْتَفْتِحُونَ على الَّذين كَفَرُوا).
ضم (قَبْل) لأنها غاية، كان يدخلها بحق الإعراب الكسرُ والفتحُ، فلما
عدلت عن بابها بنيت على الضم، فبنيت على ما لم يكن يدخلها بحق
الِإعراب، وإنما عدلت عن بابها لأن أصلها الِإضافة فجعلت مفردة تُنْبئُ عن
الِإضافة، المعنى، وكانوا من قبل هذا.
ومعنى: (يَسْتَفْتِحُونَ على الَّذِين كَفَرُوا).
- فيه قولان: قال بعضهم كانوا يخبرون بصحة أمر النبي ﷺ .
وقيل وكانوا يستفتحون على الذين كفروا: يَسْتنْصرون بذكر النبي ﷺ فلما جاءَهم ما عرفوا:
أي ما كانوا يستنصرون وبصحته يخبرون، كفروا وهم يوقنون أنهم معْتَمِدُون
للشقاق عداوة للَّهِ.
* * *
وقوله : (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).
قد فسرنا اللعنة، وجوابُ (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ) محذوف لأن معناه
معروف دلَّ عليه فلما جاءَهم ما عرفوا كفروا به.
стр. 134
وقوله : (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)
بئس إذا وقعت على " ما " جُعِلت معها بمنزلة اسم منكور، وإنما ذلك في
نعم وبئس لأنهما لا يعملان في اسم علم، إنما يعملان في اسم منكور دال على جنس، أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس، وإنما كانتا كذلك لأن نعم مستوفية لجميع المدح، وبئس مُسْتوفية لجميع الذم، فإذا قلت نعم الرجل زيد فقد استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه.
قال أبو إسحاق وفي نِعْم الرجلُ زيد أربع لغات نَعِم الرجل زيد، ونعِمَ الرجل زيد، وبعْم الرجل زيد، ونَحْمَ الرجل زيد، وكذلك إذا قلت بئس الرجل، دلَلْتَ على أنه استوفى الذم الذي يكون في سائر جنسه، فلم يجز إذ كان يستوفى مدح الأجناس أن يعمل في غير لفظ جنس، فإذا كان معها اسمُ جنس بغير ألف ولام فهو نصْبٌ أبداً، وإذا كانت فيه الألف واللام فهو رفْع أبداً، وذلك كقولك نِعْم رجُلاً زَيْد، ونعم الرجُل زيد، فلما نصب رجل فعلى التمييز، وفي نعم اسم مضمر على شريطة التفسير، وزيد مبين مَنْ هذا الممدوح، لأنك إذا قلت نعم الرجل لم يعلم من تعني، فقولك زيد تريد به هذا الممدوح هو زيد.
وقال سيبويه والخليل جميعَ ما قلنا في نعم وبئس، وقالا إِنْ شئتَ رفعت
زيداً لأنه ابتداءٌ مَؤخَّر. كأنك قلت حين قلت نعم رجلًا زيد، نعم زيد نعم الرجل، وكذلك كانت " ما " في نعم بغير صلة لأن الصلة توضح وتخصص، والقصد فىِ نعم أن يليها اسم منكورٌ أو جنس، فقوله (بئْسما اشْتَرَوْا به أنفسهم) بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم.
* * *
وقوله : (أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
موضعه رفع: المعنى ذلك الشيءُ المذموم أن يكفروا بما أنزل اللَّه.
стр. 135
وقوله : (فَنِعِمَّا هيَ)، كأنه قال فنعم شيْئاً هي، وقال قوم إنَّ نعم مع ما بمنزلة حَبَّ مع ذا، تقول حبَّذَا زيد، وحبذا هي ونعِما هي والقول الأول هُو مذهب النحويين وروى جميع النحويين بئسما تزوييج ولا مَهْر والمعنى فيه بئس شيئاً تزويج ولا مهر.
* * *
وقوله : (أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
معناه أنهم كفروا بغياً وعداوة للنبي ﷺ لأنهم لمْ يُشكَّوا في نبوته ﷺ وإنما حَسَدوه على ما أعطاه الله من الفضل، المعنى: كفروا بغياً لأنْ نزَّلَ اللَّهُ الفضل
عَلى النبي ﷺ ، ونصب بغيا أنهم مفعولاً له، كما تقول فعلتُ ذلك حذَرَ السر أي لحذر الشر كأنك قلت حَذَرْت حذَراً، ومثله من الشعر قول الشاعر وهو
حاتم الطائي:
وأعْفرُ عوراءَ الكريم ادِّخَارَه. . . وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً
المعنى أغفر عوراءَ الكريم لادّخَارِه، وأعرضُ عنْ شتم اللئيم للتكرم.
وكأنه قال: أذخر الكريم ادخاراً، وأتكرم على الكريم تكرماً، لأن قوله أغفر عوراءَ الكريم معناه أدخر الكريم، وقوله وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً معناه أتكرم على اللئيم، وموضع أن الثانية نصب، المعنى أن يكفروا بما أنزل اللَّه
стр. 136
لأن ينزل اللَّه، أي كفروا لهذه العلَّةِ، فشرحه كهذا الذي شرحناه.
* * *
وقوله : (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ): معنى باءُوا في اللغة
احتملوا، يقال قد بْؤت بهذا الذنْبِ أيَ تحملته - ومعنى بِغَضبٍ على غَضَبٍ - فيه قولان:
قال بعضهم: بغَضبٍ من أجل الكفر بالنبي ﷺ على غَضبٍ على الكفر بعيسى ﷺ يعني بهم إليهود.
وقيل (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) أي بإثْم استحقوا به النار على إِثم تَقَدم أي استحقوا به أيضاً النَّارَ.
* * *
وقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)
أي بالقرآن الذي أنزل اللَّه على النبي ﷺ قالوا أنؤمن بما أنْزِل علينَا، وقد بين الله أنهم غيرمؤمنين بما أنزل عليهم، وقد بيَّنَّا ذلك فيما مضى.
وقوله تعالى: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ).
معناه ويكفرون بما بعده، أي بما بعد الذي أنزل عليهم، (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)، فهذا يدل على أنهم قد كفروا بما معهم إذْ كفروا بما يُصَدِّقُ ما
معهم، نصب مصدقاً على الحال، وهذه حال مؤَكدة، زعم سيبويه والخليلُ
وجميع النحوين الموثوقُ بعلمهم أن قولك " هو زيد قائماً " خطأ، لأن قولك هو زيد كناية عن اسم متقدم فليس في الحال فائدة، لأن الحال توجب ههنا إنَّه إذا كان قائماً فهو زيد، فإِذا ترك القيامُ فليس بزيد - وهذا خطأ.
فأما قولك هو زيد معروفاً، وهو الحق مصدقاً، ففي الحال فائدة، كأنك قلت انْتَبِهْ لَهُ معروفاً، وكأنه بمنزلة. قولك هو زيد حقاً، فمعروفاً حال لأنه إِنما يكون زيداً لأنه يعرف بزيد، وكذلك " الحق " القرآن هو الحق إِذ كان مصدقاً لكتب الرسل.
стр. 137
أكْذَبَهُمُ اللَّهُ فى قولهم: (نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) فقال
(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أيْ أيُّ كتاب جُوّز فيه قتل نبي، وأي دين وإيمان جُوز فيه ذلك فإِن قال
قائل فَلِمَ قيل لهم فلم تقتلون أنبياءَ الله من قبل، وهؤُلاءِ لَمْ يَقْتُلُوا نبياً قط؟ قيل له قال أهل اللغة في هذا قولين: أحدهما إن الخطاب لمن شُوهِدَ من أهل مكةَ ومنْ غاب خطَابٌ واحد، فإذا قَتَل أسْلافُهم الأنبياءَ وهم مُقِيمُون على ذلك المذهب فقد شَرَكُوهم في قَتْلِهمْ، وقيل أيضاً لِمَ رَضيتمُ بذلك الفعل، وهذا القول الثاني يرجع إلى معنى الأول.
وإنما جاز أنْ يُذكر هنا لفظُ الاستقبال والمعنى
المضي لقوله (من قبل)
ودليل ذلك قوله (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ) فقوله: (فلم تَقتلون) بمنزلة " فلم قتلتم).
وقيل في قوله: (إِنْ كُنتم مؤمنين) قولان: أحدهما ما كنتم مؤمنين وقيلَ
إِنَّ إِيمانكم ليس بإيمان.
والإيمان ههنا واقع على أصل العقد والدين، فقيل
لهم ليس إيمان إيماناً إذَا كان يَدْعُو إلى قتل الأنبياءِ.
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)
قد بيَّنَّاه فيما مضى.
* * *
وقوله : (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ).
معناه سُقُوا حبَّ العجل، فحذف حب وأقيم العجل مقامه.
كما قال الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت. . . خلالته كأبي مرحب
стр. 138
أي كخلالته ابي مرحب، وكما قال:
وشر المنايا ميّت بينَ أهْله. . . كهلك الفتى قَدْ أسْلَم الحيَّ حاضِرُه
المعنى وشر المنايا منيَّة ميت. . . .
وقوله : (بِكُفْرِهمْ) أي فعل الله ذلك بهم مجازاة لهم على الكفر
كما قال: (بلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بكُفْرِهِمْ).
وقوله: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قد فسرناه أي ما
كنتم مؤمنين، فبئس الِإيمان يأمركم بالكفر.
* * *
وقوله : (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)
قيل لهم هذا لأنهم قالوا: (لَنْ يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى)
وقالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) فقيل لهم إِن كنتم عند أنْفسِكم صادقين
فِيما تدّعون فَتَمنوُا الموْت، فإنَ من كان لا يشك في أنه صائر إِلى الجنة، فالجنة عنده آثرُ من الدنيا، فإن كنتم صادقين فتَمنوُا الأثرة والفضل.
وللنبي ﷺ وللمسلمين في هذه الآية أعظم حجة وأظهرُ آية وأدلة على الِإسلام، وعلى صحة تثبيت رسالة النبي ﷺ لأنه قال لهم: تَمنَّوُا الموت.
وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبداً فَلَمْ يتمنَّه منهم واحد لأنهم لو تمنوه لماتُوا من
стр. 139
ساعتهم، فالدليل على علمهم بأن أمر النبي ﷺ حق أنهم كَفُوا عن التَمني ولم يُقْدِم واحد منهم عليه فيكون إقْدامُه دفعاَ لقوله: (ولَنْ يتَمنَوْه أبداً).
أو يعيش بعد التمني فيكون قد ردَّ ما جاءَ به النبي ﷺ فالحمد للَّهِ الذي أوضَح الحق وبيَّنَه، وقَمع الباطل وأزْهقه.
* * *
وقوله : (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)
يعني - ما قدمت من كفرهِمْ بالنبي ﷺ لأنِهم كفروا وهم يعلمون أنه حق وأنهم إنْ تَمَنَوْه ماتوا، ودليل ذلك إمْسَاكُهُمْ عَن تَمنَيه
* * *
وقوله : (واللَّهُ عَلِيمٌ بالظَّالِمِينَ).
اللَّه عليم بالظالمين وغير الظالمين، وانًما الفائدة ههُنا إنَّه عليم
بمجازاتهم -، وهذا جرى في كلام الناس المستعمل بينهم إذَا أقبل الرجل على رجل قد أتى إليه منكراً، قال أنا أعرفك، وأنا بصير بك، تأويله أنا أعلم ما أعاملك به وأستعمله معك.
فالمعنى إنه عليم بهم - وبصير بما يعملون، أي يجازيهم عليه بالقتل في الدنيا أو بالذلَّة والمسكنة وأداءِ الجِزية، ونصب (لن) كما تنصب (أن) وقد شرحْنا نصبها فيما مضى وذكرنا ما قاله النحويون فيه.
ونصب (أبداً) لأنه ظرف من الزمان، المعنى: لن يَتَمَنوهُ في طول عُمرهم إِلى
موتهم، وكذلك قولك: لا أكلمك أبداً، المعنى لا أكلمك ما عشت. ومعنى (بما قدمت أيديهم) أي بما تقدمه أيديهم. ويصلح أن يكون بالذي قدمته أيديهم.
* * *
وقوله : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)
يعني به علماءَ إليهود هؤلاءِ، المعنى أنك تجدهم في حال دعائهمْ إلى تمنى
стр. 140
الموت أحرص الناس على حياة.
ومعنى (لَتَجِدَنَّهُمْ) لَتَعْلَمَنَّهَم.
وَمَعْنى (وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا) أي وَلَتَجِدَنَهُمْ أحْرَصَ من الذين أشركوا، وهذا نهاية في التمثيل.
والذين أشركوا هم المجوس ومن لا يُؤمن بالبعث.
* * *
وقوله : (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ).
ذكرت الألْفُ لأنها - نهايةُ ما كانت المجوس - تدْعُو به لمُلوكها - كان الملك
يُحَيَّا بأن يقال عش ألفَ نَيْبُروزٍ وَألْفَ مِهْرَجَانٍ.
يقول فهؤُلاءِ الذين يزعمون أن لهم الجنة، وأنَّ نعيم الجنة له الفضل
لاَ يتمنون - الموت وهم أحرص مِمَّن لا يُؤمن بالبعث، وكذلك يجب أن يكون هُؤلاءِ لأنهم كُفَّار بالنبي ﷺ وهو عِنْدهُم حق، فيعلمون أنهم صائرون إِلى النارِ لا محالة، فهم أحْرصُ لهذه العلة، ولأنهم يعلمون أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، لأنهم علموا أن النبي ﷺ حق لولا ذلك لما أمسكوا عن التمني، لأن التمني من واحد
منهم كان يثبت قولهم.
وإِنما بالغنا في شرح هذه الآيات لأنها نهاية في الاحتجاج في تثْبِيتِ أمْرِ
النبي ﷺ .
* * *
وقوله : (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ).
هذا كناية عن (أحدهم) الذي جرى ذكره، كأنه قال: وما أحدهم
بمزحزحه من العذاب تعميره، ويصلح أن تكون " هو " كناية عما جرى ذكره - من طول العمر، فيكون: وما تعميره بمزحزحه من العذاب، ثم جعل - أن يعمر مبنياً عن " هو " كأنَّه قال: ذلك الذي ليس بمزحزحه
(أن يعمر).
стр. 141
وقد قال قوم: إن (هو) لِمَجْهول وهذا عند قوم لا يصلح في " ما " إذا
جاءَ في خبرها الباءِ مع الجملة: لا يجيز البصريون: " ما هو قائما زيد.
يريدون ما الأمر قائماً زيد، ولا كان هو قائماً زيد، يريدون ما الأمر قائماً
زيد؛ ولا كان هو قائماً زيد، يريدون كان الأمر قائماً زيد وكذلك لا يجيزون ما هو بقائم زيد يريدون ما الأمْرُ.
* * *
وقوله : (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
شرحه تقدم في الآية التي قبل هذه
وتقول في يود: وددت الرجل أودة وُدًّا أبيْ وِداداً ومودة " وودادة
وحكى الكسائي ودَدْتُ الرجلَ والذي يعرفه جميع الناس ودِدْتُه، ولم يحك إلا ما سَمِع إِلا أنه سمع ممن لا يجب أن يؤْخذ بلغته، لأن الإجماع على تصحيح
أوَدُّ، وأوَدُّ لَا يكون ماضيه ودَدَتً.
فالإجماع يُبْطِل وَدَدْتُ. أعني الإجماع في قولهم أودُ.
* * *
قوله : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)
جبريل في اسمه لغات قرئ ببعضها ومنها ما لم يُقْرأ به، فأجود
اللغات جَبْرَئِيل - بفتح الجيم، والهمز، لأن الذي يروى عن النبي ﷺ في صاحب الصور " جَبْرَئِيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، هذا الذي ضبطه أصحاب الحديث، ويقال جَبْرِيل بفتح الجيم وكسرها ويقال أيضاً جبرأَلُّ - بحذف الياءِ وإثبات الهمزة (وتشديد اللام)، ويقال جبرين - بالنون وهذا
стр. 142
لا يجوز في القرآن - أعني إثبات النون لأنه خلاف المصحف -
قال الشاعر:
شهِدْنَا فما تَلْقى لنا من كتيبةٍ. . . َ الدهرِ إلا جَبْرَئِيلُ أَمامَها
وهذا البيت على لفظ ما في الحديث وما عليه كثير من القراءِ.
وقد جاءَ في الشعر جبريل قال الشاعر:
وجبريلٌ رسولُ الله فينا. . . وروحُ القُدْسِ ليس له كِفَاءُ
و (نما جرى ذكر هذا لأن إليهود قالوا للنبي ي: جبريل عدونا فلو أتاك
ميكائيل، لَقَبِلْنَا منك، فقال اللَّه : (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧).
ونصب (مصدقاً) على الحال.
* * *
وقوله : (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)
ميكائيل فيه لغات، ميكائيل وميكال. وقد قرئ. بهما جميعاً، وميكَال -
بهمزة بغير ياءٍ. وهذه أسماء أعجمية دفعت إلى العرب فلفظت بها بألفاظ
مختلفة - أعني جبريل، وميكائيل. وإسرائيل فيه لغات أيضاً: إسرايِيل
وإسرال، وإسرايل. وإِبراهيم وإبراهَم، وأبرَهْم وإبْرَاهام، والقرآن إنما أتى
بإبراهيم فقط وعليه القراءة.
وأكثر ما أرويه من القراءَة في كتابنا هذا فهو عن أبي عبيد ممَّا رواه
стр. 143
إسماعيل بن إسحاق عن أبي عبد الرحمن عن أبي عُبَيْد.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)
يعني الآيات التي جرى ذكرها مما قد بيَّنَّاه، والآية في اللغة العلامة.
وبينات: واضحات، و " قد " إنما تدخل في الكلام لقوم لا يتوقعون
الخبر، واللام في لقد لام قسم.
* * *
وقوله : (وَمَا يَكْفُرُ بِها إلا الفَاسِقُونَ).
يعني الذين قد خرجوا عن القصد، وقد بيَّنَّا أن تول العرب فَسقَت
الرطبة: خرجت عن قشرتها.
* * *
وقوله : (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)
معنى نبذه رفضه ورمى به.
قال الشاعر:
نَظَرتَ إلى عُنْوانه فنبذتَه. . . كنبذك نَعْلا أخلقت من نِعالكَا
ونصب أوكلما عاهدوا على الظرف.
وهذه الواو في أوكلما تدخل عليها ألف الاستفهام، لأن الاستفهام مستأنف، والألف أمُّ حروف الاستفهام.
وهذه الواو تدخل على هل فتقول: وهل زيد عاقل لأن معنى ألف الاستفهام
стр. 144
موجود في هل، فكأن التقدير أو هل إِلا أن ألف الاستفهام وهَلْ لا يجتمعان
لأغناء هل عن الألف.
وقوله : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)
يعني به النبي ﷺ لأن الذي جاءَ به مصَدّق التوْرَاةَ والِإنجيلَ، و (لَمَّا) يقع بها الشيء لوقوعِ غيره (مُصَدِّقٌ) رفع صفة لرسول، لأنهما نكرتان.
ولو نصب كان جائزاَ، لأن (رَسُولٌ) قد وصف بقوله (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فلذلك صار النصب يحسن، وموضع " ما " في " (مِصدّق لما معهم) جَر بلام الإِضافة، و " مَعَ " صلة لها، والناصب لمع الاستقرار.
المعنى لما استقر معهم.
وقوله : (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ).
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يعني به إليهود، والكتاب هنا التوراة و (كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) فيه قولان: جائز أن يكون القرآن وجائز أن يكون التوراة، لأن الذين كفروا بالنبي قد نبذوا التوراة.
وقوله : (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
أعْلَمَ أنهم علماء بكتابهم، وأنهم رفضوه على علم به، وعداوةً للنبي
ﷺ . وأعْلَمَ أنَّهم نَبذوا كتاب اللَّه.
* * *
وقوله : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
стр. 145
ما كانت تتلوه، والذي كانت الشياطين تلته في ملك سليمان كتاب من
السحر فَلِبهتِ اليهود وكَذِبِهم ادعَوْا أن هذا السحر أخذوه عن سليمان وأنه اسم الله الأعظم، يتكسَّبُون بذلكَ، فأعلم اللَّه أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر، ومعنى على (ملك سليمان)، على عهد ملك سليمان
(عَلَيْهِم) فبرأ اللَّه سليمانَ من السحر، وأظهر محمداً ﷺ عَلَى كذبهم
وقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ).
لأن اللَّه جعل الإتيان من سليمان بالسحر كفراً فبرَّأهُ منه، وأعلم أن الشياطين كفروا فقال: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)
(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)
فمن شدد (لَكِنَّ) نصب الشياطين، ومن خفف رفع
فقال: (وَلَكِنِ الشيَاطِينُ كَفَرُوا) وقد قرئ بهما جميعاً.
وقوله : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ).
وقد قريءَ على الملِكَيْنِ، و (المَلَكَيْنِ) أثْبتُ في الرواية والتفسير
جميعاً، المعنى يعلمون الناس السحرَ ويعلمون ما أنزلَ على الملكين فموضع
(ما) نصب، نَسق على السحْر، وجائز أن يكونَ واتبعوا ما تَتْلُو الشياطين واتَبعوا ما أنزل على الملكين، فتكون ما - الثانية عطفاً على الأولى.
وقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ).
فيه غير قول: أحدها - وهو أثبتها أن الملكين كانا يعلمان الناس
السحر. وعلمتُ، وأعْلَمْتُ جميعاً في اللغة بمعنى واحد. (كانا يعلمان) نَبأ
السحر ويأمران باجتنابه - وفي ذلك حكمة لأن سائلاً لو سأل: ما الزنا وما